النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
٢٠ - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة / باب (٥)
رياض الجنة فلا يكون للبقعة فيها فضيلة إلاَّ لمعنى اختصاص هذه المعاني بها دون غيرها.
والثاني: أن يريد إن ملازمة ذلك الموضع بالطاعة يؤدي إليها لفضيلة الصلاة فيه على غيره.
قال: وهو أبين، لأن الكلام خرج على تفضيل ذلك الموضع. انتهى.
قلت: على هذا الوجه أيضاً لا تكون للبقعة فضيلة إلاَّ لأجل اختصاص ذلك المعنى
بها، والتحقيق فيه: أن هذا الكلام يحتمل أن يكون حقيقة إذا نقل هذا الموضع إلى الجنة،
ويحتمل أن يكون مجازاً باعتبار المآل كما في قوله: ((الجنة تحت ظلال السيوف»، أي:
الجهاد مآله إلى الجنة. أو هو تشبيه، أي: هو كروضة، وسميت تلك البقعة المباركة،
(روضة) لأن زوار قبره من الملائكة والإنس والجن لم يزالوا مكبون فيها على ذكر الله تعالى
وعبادته، وقال الخطابي: معنى الحديث تفضيل المدينة وخصوصاً البقعة التي بين البيت
والمنبر، يقول: من لزم طاعة الله في هذه البقعة آلت به الطاعة إلى روضة من رياض الجنة،
ومن لزم عبادة الله عند المنبر سقي في الجنة من الحوض. وقال عياض في تفسير قوله:
((ومنبري على حوضي)): ذكر أكثر العلماء أن المراد أن هذا المنبر بعينه يعيده الله تعالى على
حوضه. قال: وهذا هو الأظهر. وقيل: إن له هناك منبراً على حوضه.
١١٩٦/٢١٨ - حدّثنا مُسَدَّدٌ عنْ يَحْتَى عنْ عُبَيْدِ الله قال حَدَّثني خُبَيْبُ بنُ عَبْدٍ
الرّحمنِ عنْ حَقْصٍ بنِ عاصِمٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَّ ◌ُلِّ قال ما بَيْنَ
بَيْتِي ومِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي. [الحديث ١١٩٦ - أطرافه في:
١٨٨٨، ٦٥٨٨، ٧٣٣٥].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: مسدد. الثاني: يحيى بن سعيد القطان. الثالث: عبيد
الله بن عمر العمري. الرابع: خبيب، بضم الخاء المعجمة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء
آخر الحروف بعدها باء أخرى: مر في: باب الصلاة بعد الفجر. الخامس: حفص بن عاصم
ابن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه. السادس: أبو هريرة.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، وبصيغة الإفراد
في موضع واحد. وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: عبيد
الله، وفي رواية أبي ذر والأصيلي: عبيد الله هو ابن عمر العمري. وفيه: أن شيخه بصري وهو
من أفراده، ويحيى أيضاً بصري والبقية مدنيون. وفيه: اثنان مذكوران من غير نسبة وإثنان
مصغران.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في آخر الحج عن مسدد
وفي الحوض عن إبراهيم بن المنذر وفي الاعتصام عن عمرو بن علي. وأخرجه مسلم في
الحج عن زهير بن حرب ومحمد بن المثنى، كلاهما عن يحيى القطان به، وعن محمد بن
عبد الله بن نمير وروى هذا الحديث مالك عن خبيب عن حفص عن أبي هريرة أو أبي سعيد

٣٨٢
٢٠ - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة / باب (٥)
قال أبو عمر، رحمه الله: كذا رواه عن مالك رواة (الموطأ) كلهم فيما علمت على الشك إلاّ
معن بن عيسى وروح بن عبادة فإنهما قالا: عن أبي هريرة وأبي سعيد جميعاً، على الجمع لا
على الشك. ورواه ابن مهدي عن مالك فجعله عن أبي هريرة وحده، لم يذكر أبا سعيد،
قال: والحديث محفوظ لأبي هريرة بهذا الإسناد ورواه عبيد الله بن عمر عن خبيب بهذا.
قال أبو العباس: أحمد بن عمر الداني في (كتابه أطراف الموطأ): تابع العمري في ذلك
جماعة، وهكذا قاله البخاري: قال أبو عمر: ذكر محمد بن سنجر حدثنا محمد بن سليمان
القرشي البصري عن مالك عن ربيعة عن سعيد بن المسيب ((عن ابن عمر، رضي الله تعالى
عنهما، قال: أخبرني أبي أن رسول الله عَّلّه قال: وضعت منبري على نزعة من نزع الجنة،
وما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)). قال أبو محمد: لم يتابع محمد بن
سليمان أحد على هذا الإسناد عن مالك، ومحمد هذا ضعيف، وزاد الدارقطني في
(الغرائب): ((وقوائم منبري رواتب في الجنة))، وقال: تفرد به محمد بن سليمان. قال أبو
عمرو: في هذا الباب حديث منكر رواه عبد الملك بن زيد الطائي عن عطاء بن زيد مولى
سعيد بن المسيب عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب، قال رسول الله عَ له: (ما
بين قبري ومنبري وأسطوانة التربة روضة من رياض الجنة)). قال أبو عمر: هذا حديث
موضوع، وضعه عبد الملك، وروى أحمد بن يحيى الكوفي أخبرنا مالك بن أنس عن نافع
عن ابن عمر، قال: قال رسول الله عَ ليه: ((ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة)). قال
أبو عمر: هذا إسناد خطأ، وعند النسائي عند سهيل بن سعد مرفوعاً: ((منبري على نزعة من
نزع الجنة)). وعند الطبراني عن سعد بن أبي وقاص، رضي الله تعالى عنه، ((ما بين بيتي
ومصلاي روضة من رياض الجنة)). وعند الضياء المقدسي عن أبي بكر الصديق، رضي الله
تعالى عنه، من رواية ابن أبي سبرة يرفعه: «ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة،
ومنبري على نزعة من نزع الجنة)). وفي (مسند) الهيثم بن كليب الشاشي عن جابر وابن عمر
نحوه.
ذكر معناه: قوله: ((ومنبري على حوضي)) ليست هذه الجملة في رواية أبي ذر،
والحوض هو الكوثر، و: الواو، فيه زائدة كما في الجوهر. وقال أبو عمر: قد استدل أصحابنا
به على أن المدينة أفضل من مكة وركبوا عليه. قوله عَّ الله: ((الموضع سوط في الجنة خير من
الدنيا وما فيها)). وقال أبو عمر: لا دليل فيه لأنه عَّ أراد ذم الدنيا والترغيب في الآخرة،.
فأخبر أن اليسير من الجنة خير من الدنيا كلها. وقال القرطبي: وللباطنية في هذا الحديث من
الغلو والتحريف ما لا ينبغي أن يلتفت إليه، وقال أبو عمر: الإيمان بالحوض عند جماعة
العلماء واجب الإقرار به. وقد نفاه أهل البدع من الخوارج والمعتزلة لأنهم لا يصدقون
بالشفاعة ولا بالحوض ولا بالدجال، نعوذ بالله تعالى من بدعهم، وسيأتي، إن شاء الله تعالى
أحاديث الحوض في موضعها الذي ذكرها البخاري.

٣٨٣
٢٠ - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة / باب (٦)
٦ - بابُ مَسْجِدٍ بَيْتِ المَقْدِسِ
أي: هذا باب في بيان فضل بيت المقدس.
١١٩٧/٢١٩ - حدّثنا أبُو الوَلِيدِ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَبْدِ المَلِكِ قالَ سَمِعْتُ
قَزَعَةَ مَوْلَى زِيادٍ قال سَمِعْتُ أبا سَعِيدِ الخُدْرِيَّ رضي الله تعالى عنهُ يُحَدِّثُ بِأَرْبَعِ عنِ النَّبِيّ
عَ لّهِ فَأعْجَبْنَنِي وَآَنَفْتَنِي قال لاَ تُسَافِرِ المَرْأةُ يَوْمَيْنِ إِلَّ مَعَهَا زَوْجَا أَوْ ذُو مَخْرَمٍ وَلََّ صَوْمَ فِي
يَوْمَّيْنِ الفِطْرِ وَالأُضْحَى وَلاَ صَلاَةَ بَعْدَ صَلاَتَيْنِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ العَصْرِ
حَتَّى تَغْرُبَ وَلاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إلى ثَلاثَةٍ مَسَاجِدَ مَسْجِدِ الحَرَامِ ومَسْجِدِ الأَقْصَى
وَمَسْجِدِي. [انظر الحديث ٥٨٦ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ومسجد الأقصى)).
ذكر رجاله: وهم خمسة ذكروا غير مرة، واسم أبي الوليد: هشام بن عبد الملك
الطيالسي، وعبد الملك بن عمير، وقزعة، بالقاف وبالزاي والعين المهملة المفتوحات، مضى
في: باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، وزياد، بكسر الزاي وتخفيف الياء آخر
الحروف: هو زياد بن أبي سفيان. وقيل: هو مولى عبد الملك بن مروان، وقيل: بل هو من
بني الحريش.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في
موضع واحد. وفيه: السماع في موضعين. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: إن شيخه
بصري وشعبة واسطي وعبد الملك كوفي وقزعة بصري.
وقد ذكرنا في: باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، ومن أخرجه غيره، وتعداد
إخراج البخاري إياه، وقد اقتصر البخاري هناك في هذا الحديث على قطعة منه، وذكر ههنا
تمامه، وأخرج هناك أيضاً عن أبي هريرة آخر حديث أبي سعيد الذي ذكره ههنا، وهو قوله:
((لا تشد الرحال)) وقد تكلمنا فيه هناك مستقصىّ.
وبقي الكلام في بقية الحديث فنقول: قوله: ((يحدث بأربع))، جملة وقعت حالاً من
أبي سعيد، أي: يحدث بأربع كلمات كلها حكم. الأولى: قوله: ((لا تسافر المرأة))
والثانية: قوله: ((لا صوم)) والثالثة: قوله: ((لا صلاة)). والرابعة: قوله: ((لا تشد الرحال)). قوله:
((فأعجبنني)) بلفظ صيغة الجمع للمؤنث، ويروى: ((فأعجبتني)) بصيغة الإفراد، والضمير الذي
فيه يرجع إلى قوله: ((بأربع)) قوله: ((وآنقنني) كذلك بلفظ الجمع والإفراد، وهو بمد الهمزة
وفتح النون وسكون القاف، يقال: آنقه إذا أعجبه، وشيء مونق أي: معجب. وقال ابن الأثير:
الأنق بالفتح: الفرح والسرور، والشيء الأنيق: المعجب، والمحدثون يروونه: ((أيقنني))، وليس
بشيء، وقد جاء في (صحيح مسلم): ((لا أينق بحديثه)) أي: لا أعجب، وهي كذا تروى،
وضبطه الأصيلي: (أتقنني))، بتاء مثناة من فوق، من التوق، وليس كذلك، إنما الصواب أن
يقال: من التوق، توقنني، كما يقال: شوقنني من الشوق، وقال بعضهم: وأعجبني، تأكيد

٣٨٤
٢٠ - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة / باب (٦)
لفظي: لأعجبنني. قلت: ليس كذلك، لأن التأكيد اللفظي أن يكرر عين اللفظ الواحد.
قوله: ((أو ذو محرم))، قال النووي: المحرم من النساء من حرم نكاحها على التأبيد
بسبب مباح لحرمتها، فقولنا: على التأبيد، احتراز من أخت المرأة، وبسبب مباح احتراز من أم
الموطوأة، بالشبهة، لأن وطأ الشبهة لا يوصف بالإباحة، لأنه ليس بفعل مكلف، ولحرمتها
احتراز من الملاعنة. فإن تحريمها ليس لحرمتها، بل عقوبة وتغليظاً، قال أصحابنا: المحرم
كل من لا يحل له نكاحها على التأبيد لقرابة أو رضاع أو صهرية، والعبد والحر والمسلم
والذمي سواء، إلاّ المجوسي الذي يعتقد إباحة نكاحها، والفاسق لأنه لا يحصل به المقصود،
ولا بد فيه من العقل والبلوغ لعجز الصبي والمجنون عن الحفظ.
ذكر ما يستفاد منه: قد ذكرنا أن هذا الحديث مشتمل على أربعة أحكام:
الأول: في حكم المرأة التي تسافر، وفيه خمسة مذاهب: الأول: مذهب الحسن
البصري والزهري وقتادة، فإنهم قالوا: لا يجوز للمرأة أن تسافر ليلتين بلا زوج أو محرم، فإذا
كان أقل من ذلك يجوز، واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور، الثاني: مذهب إبراهيم
النخعي والشعبي وطاوسٍ والظاهرية، فإنهم قالوا: لا يجوز للمرأة أن تسافر مطلقاً سواء كان
السفر قريباً أو بعيداً إلاَّ أذا كان معها زوج أو ذو محرم لها، واحتجوا في ذلك بما رواه
الطحاوي: حدثنا عبد الأعلى، قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو سمع أبا معبد مولى ابن
عباس يقول: قال ابن عباس: ((خطب رسول الله، عَّ له، الناس فقال: لا تسافر امرأة إلاَّ ومعها
ذو محرم، ولا يدخل عليها رجل إلاَّ ومعها ذو محرم، فقام رجل، فقال: يا رسول الله إني قد
اكتتبت في غزوة كذا وكذا، وقد أردت أن أحج بامرأتي! فقال رسول الله، عَّله: ((احجج مع
امرأتك))، ورواه البخاري ومسلم وابن ماجه بنحوه، قالوا بعموم الحديث واشتماله على حكم
السفر مطلقاً. وروى الطحاوي أيضاً من حديث سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله تعالى
عنه، أن النبي عَّه قال: ((لا تسافر المرأة إلاَّ ومعها ذو محرم))، وأخرج البزار عنه نحوه،
الثالثت: مذهب عطاء وسعيد بن كيسان وقوم من الطائفة الظاهرية، فإنهم قالوا بجواز
سفر المرأة فيما دون البريد، فإذا كان بريداً فصاعداً فليس لها أن تسافر إلاَّ بمحرم، واحتجوا
في ذلك بما رواه الطحاوي ثم البيهقي من حديث سعيد المقبري عن أبي هريرة، قال: قال
رسول الله عَّلة: ((لا تسافر امرأة بريداً إلاَّ مع زوج أو ذي محرم)). وأخرجه أبو داود أيضاً،
والبريد فرسخان، وقيل: أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل أربعة آلاف ذراع. الرابع:
مذهب الأوزاعي والليث ومالك والشافعي، فإنهم قالوا: للمرأة أن تسافر فيما دون اليوم بلا
محرم، وفيما زاد على ذلك لا إلاَّ بزوج أو محرم، لكن عند مالك والشافعي لها أن تسافر
للحج الفرض بلا زوج ومحرم، وإن كان بينها وبين مكة سفراً ولم يكن فإنهما خصًّا النهي
عن ذلك بالأسفار الغير الواجبة، واحتجوا في ذلك بما رواه مسلم من حديث أبي سعيد أن
أباه أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله عَ له: ((لا يحل لامرأة أن تؤمن بالله واليوم
الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلاَّ مع ذي محرم)).

٣٨٥
٢٠ - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة / باب (٦)
الخامس مذهب الثوري والأعمش وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، فإنهم قالوا:
ليس للمرأة أن تسافر مسافة ثلاثة أيام فصاعداً إلاَّ مع زوج أو ذي محرم، فإذا كان أقل من
ذلك فلها أن تسافر بغير محرم، واحتجوا في ذلك بما رواه أبو دواد: حدثنا أحمد بن حنبل:
قال: حدثني يحيى بن سعيد عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله عَ لَّه قال: ((لا
تسافر المرأة ثلاثاً، إلاَّ ومعها ذو محرم)). وأخرجه الطحاوي أيضاً، ثم التوفيق بينه وبين هذه
الروايات وبيان العمل بحديث الثلاث هو: أن هذه الأحاديث كلها متفقة على حرمة السفر
عليها بغير محرم مسافة ثلاثة أيام فما فوقها، وفي تقييده بالثلاث إباحة لما دونها، إذ لو لم
يكن كذلك لما كان لتعيين الثلاث فائدة، ولكان نهي مطلقاً، وكلام الحكيم يصان عن اللغو
وعما لا فائدة فيه إذا ثبت بذكر الثلاث وتعينه إباحة ما دونه يحتاج إلى التوفيق بينه وبين ما
روي من اليوم واليومين والبريد، فيقال: إن خبر الثلاث إن كان متأخراً فهو ناسخ، وإن كان
متقدماً فقد جاءت الإباحة بأقل منه، ثم جاء النهي بعده عن سفر ما دون الثلاث، فحرم ما
حرم الحديث الأول، وزاد عليه حرمة أخرى وهي: ما بينه وبين الثلاث، فوجب استعمال
الثلاث على ما أوجبه في الأحوال كلها، فحينئذ الأخذ به أولى من الذي يجب في حال
دون حال، وقال القاضي عياض؛ عن أبي سعيد في رواية: ثلاث ليال، وفي رواية أخرى عنه:
يومين، وفي الأخرى: أكثر من ثلاث، وفي حديث ابن عمر: ثلاث، وفي حديث أبي هريرة:
مسيرة ليلة، وفي الأخرى عنه: يوماً وليلة، وفي الأخرى عنه: ثلاث، وهذا كله لا يتنافى ولا
يختلف، فيكون عَِّ منع من ثلاث، ومن يومين، ومن يوم أو يوم وليلة، وهو أقلها. وقد
يكون هذا منه عَّ الله في مواطن مختلفة ونوازل متفرقة، فحدث كل من سمعها بما بلغه منها
وشاهده، وإن حدث بها واحد فحدث مرات بها على اختلاف ما سمعها.
الحكم الثاني: في صوم يومي العيدين: أما صوم يوم عيد الفطر فحرم لكونه عيداً
للمسلمين. وأما صوم يوم عيد الأضحى فحرم لأنه يوم القرابين، وهو يوم ضيافة الله تعالى،
والصوم فيه إعراض عن ضيافة الله تعالى، وقد روى الزهري ((عن أبي عبيد مولى عبد الرحمن
ابن عوف، قال: شهدت عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، في يوم نحر بدأ بالصلاة
قبل الخطبة، ثم قال: سمعت رسول الله، عَّله، ينهى عن صوم هذين اليومين، أما يوم الفطر
ففطركم من صومكم وعيد للمسلمين. وأما يوم الأضحى فكلوا من لحم نسككم)). رواه
الترمذي بهذا اللفظ، ورواه أيضاً بقية الستة من طرق عن الزهري. قوله: ((أما يوم الفطر
ففطركم))، أي: فهو يوم فطركم، ووصفه بذلك لبيان العلة، وهو الفصل بين الصوم والفطر
ليعلم انتهاء الصوم ودخول الفطر، وقوله: ((وعيد للمسلمين))، علة ثانية، وكأنه كان من
المعلوم أنه لا يصام يوم عيد، وقوله: ((وأما يوم الأضحى فكلوا من لحم نسككم))، وأشار به
إلى العلة أيضاً لأنه لو كان يوم صوم لم يؤكل من النسك ذلك اليوم، فلم يكن لنحرها فيه
معنى. وقيل: العلة في الفطر يوم النحر أن فيه دعوة الله التي دعا عباده إليها من تضييفه
وإكرامه لأهل منىّ وغيرهم، لما شرع لهم من ذبح النسك والأكل منها، فمن صام هذا اليوم
عمدة القاري / ج٧ / م٢٥

٣٨٦
٢٠ - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة / باب (٦)
فكأنه رد على الله كرامته، وحكى صاحب (المفهم) عن الجمهور: أن فطرهما شرع غير
معلل، وفي أمر عمر، رضي الله تعالى عنه، بالأكل من لحم النسك إشارة إلى مشروعية
الأكل من الأضحية، وهو متفق على استحبابه، واختلف في وجوبه. وتحريم صوم هذين
اليومين أمر مجمع عليه، بين أهل العلم، وكل منهما غير قابل للصوم عندهم، إلاّ أن الرافعي
حكى عن أبي حنيفة أنه لو نذر صومهما لكان له أن يصوم فيهما.
قلت: ليس كذلك مذهب أبي حنيفة، وإنما مذهبه أنه لو نذر صوم يوم النحر أفطر
وقضى يوماً مكانه، أما الفطر، فلأن الصوم فيه معصية، وأما القضاء فلأنه نذر بصوم مشروع
بأصله، والنهي لا ينافي المشروعية، كما تقرر في الأصول، وسيأتي البحث فيه مستقصى في
كتاب الصوم.
الحكم الثالث: في الصلاة بعد الصبح، وقد مر في كتاب الصلاة.
الحكم الرابع: في شد الرحال، وقد مر في الباب السابق مستقصىٍّ.

٣٨٧
٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (١)
٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ
١ - بابُ اسْتِعَانَةِ اليَدِ فِي الصَّلاَةِ إِذَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الصَّلاَةِ
وفي بعض النسخ: أبواب العمل في الصلاة، باب استعانة اليد .. إلى آخره. وفي بعض
النسخ، صدر الباب بالبسملة، وفي غالب النسخ مثل المذكور ههنا، أي: باب في بيان حكم
استعانة اليد، أراد به وضع اليد على شيء في الصلاة إذا كان ذلك من أمر الصلاة، كما
وضع النبي عَّ يده على رأس ابن عباس وفتل أذنه، وأداره إلى يمينه، فترجم البخاري بما
ذكره مستنبطاً منه في استعانة المصلي بما يتقوى به على صلاته، وقيد بقوله: ((إذا كان من
أمر الصلاة))، لأنه إذا استعان بها في غير أمر الصلاة يكون عبئاً، والعبث في الصلاة مكروه.
وقال ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما يَسْتَعِينُ الرَّجُلُ فِي صَلاَتِهِ بِمَا شَاءَ مِنْ جَسَدِهِ
قيل: لا مطابقة بين هذا الأثر والأثرين اللذين بعده، وبين الترجمة، لأنه قيد الترجمة
بقوله: إذا كان من أمر الصلاة، والآثار مطلقة.
وأجيب: بأنه، وإن كانت الآثار مطلقة، فهي مقيدة في نفس الأمر معلوم ذلك من
الخارج، لأن العمل بإطلاقها يؤدي إلى جواز العبث، وهو غير مراد لأحد. فإن قلت: الترجمة
مقيدة باليد، وأثر ابن عباس بالجسد، واليد جزء منه؟ قلت: إذا جازت الاستعانة باليد لأجل
أمر الصلاة، فكذلك جازت بما شاء من جسده، قياساً عليها.
وَوَضَعَ أَبُو إسْحَاقَ قَلَنْسُوَتَهُ فِي الصَّلاةِ وَرَفَعَهَا
أبو إسحاق: هو عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي، من كبار التابعين، قال العجلي:
كوفي تابعي ثقة، سمع ثمانية وثلاثين من أصحاب النبي عَّهِ، مات سنة ست وعشرين ومائة
وهو ابن ست وتسعين سنة، وهو معدود من جملة مشايخ أبي حنيفة، رضي الله تعالى عنه،
ووضع القلنسوة ورفعها لا يكون إلاَّ باليد، وهكذا هو في نسخة، وفي نسخة أخرى. أو
رفعها، بكلمة: أو، قال ابن قرقول: أو رفعها العبدوس والقابسي على الشك، وعند النسفي،
وأبي ذر والأصيلي: ((ورفعها)) من غير شك، وهو الصواب.
وَوَضَعَ عَلِيٍّ رضي الله تعالى عنه كَفَّهُ عَلَى رُصْغِهِ الأنْسَرِ إلاَّ أنْ يَحُكَّ جِلْداً أوْ
نضلِحَ ثَوْباً
قال ابن التين: كذا وقع في البخاري بالصاد، يعني: لفظ رصغه وقال خليل: هو لغة
في الرسغ، وقال غيره: صوابه بالسين، وهو حد مفصل الكف في الذراع والقدم من الساق.
وفي (المحكم): الرسغ مجتمع الساقين والقدمين. وقيل: هو مفصل ما بين الساعد والكف
والساق والقدم، وكذلك هو من كل دابة، والجمع: أرساغ. قوله: ((إلاَّ أن يحك .. )) إلى آخره
من كلام علي، رضي الله تعالى عنه، لا من كلام البخاري من الترجمة، للبعد بينهما. وقال
الإسماعيلي في (مستخرجه): هو من الترجمة، وليس كذلك لأن ابن أبي شيبة أخرجه في

٣٨٨
٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (١)
(مصنفه) عنه بهذا اللفظ إلاَّ أن يصلح ثوبه أو يحك جسده. وقال بعضهم: وصرح بكونه من
كلام البخاري لا من كلام علي، رضي الله تعالى عنه العلامة علاء الدين مغلطاي في شرحه،
وتبعه من أخذ ذلك عنه ممن أدركناه، وهو وهم.
قلت: هذا القائل هو الذي وهم، فإن مغلطاي ما قال ذلك من عنده وإنما نقله عن
الإسماعيلي، فانظر في شرحه تراه قال: قاله الإسماعيلي، وقال ابن بطال: اختلف السلف في
الاعتماد في الصلاة والتوكؤ على الشيء، فقالت طائفة: لا بأس أن يستعين في الصلاة بما شاء
من جسده وغيره، وذكره ابن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري أنه كان يتوكأ على عصى،
وعن أبي ذر مثله، وقال عطاء: كان أصحاب محمد عَّ له يتوكؤون على العصي في الصلاة،
وأوتد عمرو بن ميمون وتداً إلى الحائط فكان إذا سئم القيام في الصلاة أو شق عليه أمسك
بالوتد يعتمد عليه. وقال الشعبي: لا بأس أن يعتمد على الحائط، وكره ذلك غيرهم، وعن
الحسن: أنه كره أن يعتمد على الحائط في المكتوبة إلاَّ من عليه، ولم ير به بأساً في النافلة.
وقال مالك: وكرهه ابن سيرين في الفريضة والتطوع. وقال مجاهد: إذا توكأ على الحائط
ينقص من صلاته قدر ذلك. قال: والعمل في الصلاة على ثلاثة أضرب، يسير جداً كالغمز
وحك الجسد والإشارة، فهذا لا ينقص عمده ولا سهوه، وكذلك التخطي إلى الفرجة القريبة.
الثاني: أكثر من هذا يبطل عمده دون سهوه كالانصراف من الصلاة. الثالث: المشي الكثير
والخروج من المسجد، فهذا يبطل الصلاة عمده وسهوه.
وفي (مسند أحمد): ((عن ابن عمر: نهى رسول الله عَّهِ أن يجلس الرجل في الصلاة
وهو معتمد على يده)). وعند أبي داود: ((رأى رجل يتكىء على يده اليسرى وهو قاعد في
الصلاة، فقال: لا تجلس هكذا، فإن هكذا يجلس الذين يعذبون)). وفي رواية: ((تلك صلاة
المغضوب عليهم)). وقال أبو داود: حدثنا عبد السلام بن عبد الرحمن الوابصي حدثنا أبي عن
شيبان عن حصين ((عن هلال بن يساف، قال: قدمت الرقة فقال لي بعض أصحابي: هل لك
من رجل من أصحاب النبي ◌َّ له؟ قال: قلت: عتيمة، فدفعنا إلى وابصة، فقلت لصاحبي:
نبدأ فننظر إلى دله، فإذا عليه قلنسوة لا طليبة ذات أذنين وبرنس خز أغبر، وإذا هو معتمد
على عصى في صلاته، فقلنا بعد أن سلمنا، فقال: حدثتني أم قيس بنت محصن أن رسول
الله عَ لّ لما أسن وحمل اللحم اتخذ عموداً في مصلاه يعتمد عليه)) قلت: وابصة بن معبد
ابن عتبة بن الحارث.
قوله: ((إلى دله))، بفتح الدال المهملة وتشديد اللام، وهو السمت والهيئة التي يكون
عليها الإنسان من السكينة والوقار وحسن السيرة والطريقة واستقامة المنظر، وبهذا الحديث
قال أصحابنا: إن الضعيف أو الشيخ الكبير إذا كان قادراً على القيام متكئاً على شيء يصلي
قائماً متكئاً ولا يقعد، وفي (الخلاصة): ولا يجوز غير ذلك، وكذا لو قدر على أن يعتمد
على عصى أو كان له خادم لو اتكأ عليه قدر على القيام فإنه يقوم ويتكىء، ولو صلى معتمداً
على العصي من غير علة هل تكره أم لا؟ فقيل: تكره مطلقاً. وقيل: لا تكره في التطوع.

٣٨٩
٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (٢)
١١٩٨/٢٢٠ - حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عَنْ مَخْرَمَة بنٍ
سُلَيْمَانَ عنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أخبره عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما
أَنَّهُ باتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ أَمَّ المُؤْمِنِينَ رضي الله تعالى عنها وَهْيَ خالَتُهُ قَالَ فَاضْطَجَعْتُ عَلَى
عَرْضِ الوِسَادَةِ وَاضْطَجَعَ رسولُ اللهِ عَ لَه وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا فَنَامَ رسولُ اللهِ عَالِ حَتَّى انْتَصَفَ
اللَّيْلُ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ رسولُ اللهِ عَّهِ فَجَلَسَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ
بِيَدَيْهِ ثُمَّ قَرَأَ العَشْرَ آيَاتٍ خَوَاتِيمَ سُورَةٍ آلِ عِمْرَان ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنّ مُعَلَّقَةٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَأُحْسَنَ
وُضُوَهُ ثُمَّ قامَ يُصَلِّي. قال عبْدُ الله بنُّ عَّاس رضي الله تعالى عنهما فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ ثُمّ
ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ فَوَضَعَ رسولُ اللهِ عَ لَّهِ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى رَأْسِي وَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى
يَفْتِلُهَا بِيَدِهِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَوْتَرَ
ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ المُؤَذِّنُ فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْعَ. [انظر
الحديث ١١٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((وأخذ بأذني اليمنى))، وذلك لإدارته من الجانب الأيسر
إلى الجانب الأيمن، وذلك من مصلحة الصلاة وقد ذكر البخاري هذا الحديث في اثني عشر
موضعاً أولها: عن: إسماعيل بن أبي أويس في: باب قراءة القرآن بعد الحدث وغيره، في
كتاب الوضوء، وقد تكلمنا هناك على جميع ما يتعلق به.
٢ - بابُ ما يُنْهِى مِنَ الكَلامِ فِي الصَّلاَةِ
أي: هذا باب في بيان ما ينهى من الكلام في الصلاة، وفي رواية الأصيلي
والكشميهني: باب ما ينهى عنه من الكلام.
١١٩٩/٢٢١ - حدّثنا ابنُ ثُمَيْرٍ قال حدَّثنا ابنُ فُضَيْلٍ قال حدَّثنا الأعمَشُ عنْ
إبْرَاهِيمَ عنْ عَلْقَمَةَ عنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله تعالى عنهُ أنَّهُ قال كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النبيِّ عَ لَّه وَهْوَ
فِي الصَّلاةِ فَيَرُدُّ عَلَيْنَا فَلمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ سَلَّمْنا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا وقال إنَّ فِي
الصَّلاَةِ شُغْلاً. [الحديث ١١٩٩ طرفاه في : - ١٢١٦، ٣٨٧٥].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فلم يرد علينا .. )) إلى آخره.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: محمد بن عبد الله بن نمير، بضم النون وسكون الياء
آخر الحروف وبالراء: أبو عبد الرحمن الهمداني ريحانة العراق، مات سنة أربع وثلاثين ومائة.
الثاني: محمد بن فضيل، بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة، مر في: باب صوم رمضان، من
كتاب الإيمان. الثالث: سليمان الأعمش وقد تكرر ذكره. الرابع: إبراهيم النخعي. الخامس:
علقمة بن قيس. السادس: عبد الله بن مسعود.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في
ثلاثة مواضع. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: أن رجال إسناده كلهم كوفيون. وفيه: أنه
ذكر شيخه بنسبته إلى جده لأن اسم أبيه عبد الله كما ذكرنا الآن، وقد تكلف الكرماني في

٣٩٠
٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (٢)
هذا، فقال ما حاصله، أنه ذكره في: باب إتيان مسجد قباء، أنه عبد الله لا محمد، فكيف
يفرق بينهما؟ ثم قال: يحصل الفرق بذكر شيوخهما ومعرفة طبقتهما وتاريخ وفاتهما، ولعل
غرض البخاري في مثل هذا الإبهام الترغيب في معرفة طبقات الرجال وامتحان استحضارهم
ونحو ذلك. انتهى. قلت: المذكور في: باب إتيان مسجد قباء، ابن نمير فقط، وكذلك في
هذا الباب المذكور: ابن نمير، في موضعين، والكل واحد، غير أنه تارة ينسب إلى أبيه وتارة
إلى جده وفيه أن المذكور من الرجال اثنان بابن فلان: أحدهما منسوب إلى جده، والآخر
منسوب إلى أبيه، وفيه واحد مذكور بلقبه، وثلاثة مذكورون بلا نسبة.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في هجرة الحبشة: عن
يحيى بن حماد عن أبي عوانة، وفي الصلاة عن عبد الله بن أبي شيبة وعن ابن نمير عن
إسحاق بن منصور عن هريم بن سفيان. وأخرجه مسلم في الصلاة عن أبي بكر بن أبي شيبة
وزهير وابن نمير وأبي سعيد الأشج، أربعتهم عن ابن فضيل به، وعن ابن نمير عن إسحاق بن
منصور به. وأخرجه أبو داود فيه عن ابن نمير عن فضيل به. وأخرجه النسائي فيه عن حميد بن
مسعدة عن بشر بن الفضل عن شعبة عنه به.
ذكر معناه: قوله: ((كنا نسلم على النبي، عَّله، وهو في الصلاة)) وفي رواية أبي
وائل: ((كنا نسلم في الصلاة ونأمر بحاجاتنا)) وفي رواية أبي الأحوص: ((خرجت في حاجة
ونحن يسلم بعضنا على بعض في الصلاة))، قوله: ((وهو في الصلاة))، جملة حالية. قوله:
((فيرد علينا))، أي: يرد السلام علينا وهو في الصلاة. قوله: ((فلما رجعنا من عند النجاشي))
بفتح النون، وقيل: بكسرها، وكل من ملك الحبشة يسمى النجاشي كما يسمى كل من
ملك الروم قيصراً، وكل من ملك الفرس يسمى كسرى، وكل من ملك الترك يسمى خاقاناً،
وكل من ملك الهند يسمى بطلميوساً، وكل من ملك اليمن يسمى تبعاً. وقال إبن إسحاق
لما احتمل المسلمون من أذى الكفار واشتد ذلك عليهم، قصد بعضهم الهجرة فراراً بدينهم
من الفتنة. قال: ولما رأى رسول الله عَّ له، ما يصيب أصحابه من البلاء وما هو فيه من العافية
بمكانه من الله تعالى، ومن عمه أبي طالب، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من
البلاء، قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد، وهي أرض
صدق حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه، فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب
رسول الله عَّله إلى أرض الحبشة، مخافة الفتنة وفراراً إلى الله تعالى بدينهم، فكانت أول
هجرة في الإسلام، وقال الواقدي: كانت هجرتهم إلى الحبشة في رجب سنة خمس من
النبوة، وإن أول من هاجر منهم أحد عشر رجلاً وأربع نسوة، وأنهم انتهوا إلى البحر ما بين
ماش وراكب، فاستأجروا سفينة بنصف دينار إلى الحبشة، وهم: عثمان بن عفان وامرأته رقية
بنت رسول الله، عَّلَّهِ، وأبو حذيفة بن عتبة وامرأته سهلة بنت سهيل، والزبير بن العوام،
ومصعب بن عمير، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة ابن عبد الأسد وامرأته أم سلمة بنت
أبي أمية، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة العنزي وامرأته ليلى بنت أبي حثمة وأبو سبرة

٣٩١
٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (٢)
ابن أبي رهم، وحاطب بن عمرو، وسهيل بن بيضاء، وعبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى
عنهم، وقال ابن جرير: وقال الآخرون: كانوا اثنين وثمانين رجلاً سوى نسائهم وأبنائهم،
وعمار بن ياسر يشك فيه، فإن كان فيهم فقد كانوا ثلاثة وثمانين رجلاً، ولما رجعوا من عند
النجاشي كان رجوعهم من عنده إلى مكة. وذلك أن المسلمين الذين ذكرناهم أنهم هاجروا
إلى الحبشة، بلغهم أن المشركين أسلموا فرجعوا إلى مكة فوجدوا الأمر بخلاف ذلك، واشتد
الأذى عليهم. فخرجوا إليها أيضاً، فكانوا في المرة الثانية أضعاف الأولى، وكان ابن مسعود
مع الفريقين، واختلف في مراده بقوله: فلما رجعنا، هل أراد الرجوع الأول أو الثاني؟ فمالت
جماعة، منهم أبو الطيب الطبري إلى الأول، وقالوا: تحريم الكلام كان بمكة، وحملوا حديث
زيد بن أرقم على أنه وقومه لم يبلغهم النسخ، وقالوا: لا مانع من أن يتقدم الحكم ثم تنزل
الآية بوفقه، ومالت طائفة إلى الترجيح، فقالوا بترجيح حديث ابن مسعود، فإنه حكى لفظ
النبي، عګے، بخلاف زيد، فلم یحکه.
وقالت طائفة: إنما أراد ابن مسعود رجوعه الثاني، وقد ورد أنه قدم المدينة والنبي،
عَّةٍ، يتجهز إلى بدر، وروى الحاكم في (مستدركه) من طريق أبي إسحاق عن عبد الله بن
عتبة بن مسعود قال: بعثنا رسول الله، عَّهِ، إلى النجاشي ثمانين رجلاً، فذكر الحديث
بطوله، وفي آخره: ((فتعجل عبد الله بن مسعود فشهد بدراً). وقال ابن إسحاق: إن المؤمنين
وهم بالحبشة لما بلغهم أن النبي عَِّ هاجر إلى المدينة رجع منهم إلى مكة ثلاثة وثلاثون
رجلاً، فمات منهم رجلان بمكة، وحبس بها منهم سبعة، وتوجه إلى المدينة أربعة وعشرون
رجلاً فشهدوا بدراً، فبان من ذلك أن ابن مسعود كان من هؤلاء، وأن اجتماعهم بالنبي عَ ◌ّه.
كان بالمدينة. قوله: ((شغلاً)، بضم الشين والغين وبسكون الغين والتنوين فيه: للتنويع أي نوعاً
من الشغل لا يليق معه الاشتغال بغيره، قاله الكرماني، ويجوز أن يكون للتعظيم أي: شغلاً
عظيماً، وهو اشتغال بالله تعالى دون غيره في مثل هذه الحالة.
..-* **
ذكر ما يستفاد منه: فيه: دلالة على أن الكلام كان مباحاً في الصلاة ثم حرم،
وكذلك في حديث زيد بن أرقم الآتي ذكره، واختلفوا: متى حرم؟ فقال قوم: بمكة، واستدلوا
بحديث ابن مسعود ورجوعه من عند النجاشي إلى مكة. وقال آخرون، بالمدينة، بدليل
حديث زيد بن أرقم، فإنه من الأنصار، أسلم بالمدينة وسورة البقرة مدنية، وقالوا: ابن مسعود
لما عاد إلى مكة من الحبشة رجع إلى النجاشي إلى الحبشة في الهجرة الثانية، ثم ورد على
رسول الله عَ لم بالمدينة وهو يتجهز لبدر، وقال الخطابي: إنما نسخ الكلام بعد الهجرة بمدة
يسيرة، وأجاب الأولون بأنه قال: فلما رجعنا من عند النجاشي، ولم يقل: في المرة الثانية،
وحملوا حديث زيد على أنه إخبار عن الصحابة المتقدمين، كما يقول القائل: قتلناكم
وهزمناكم، يعنون الآباء والأجداد، ورد قول الخطابي بتعذر التاريخ، وفيه نظر، لأن في
حديث جابر الذي رواه مسلم: ((بعثني رسول الله عَّةٍ في حاجة ثم أدركته وهو يصلي،
فسلمت عليه فأشار إلي، فلما فرغ قال: إنك سلمت آنفاً وأنا أصلي فهو الذي منعني أن
i

٣٩٢
٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (٢)
أكلمك». ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وفي لفظ: «كان ذلك وهو منطلق
إلى بني المصطلق))، وهذا يرد أيضاً ما قاله ابن حبان من قوله: توهم من لم يحكم صناعة
العلم أن نسخ الكلام في الصلاة كان بالمدينة، لحديث زيد بن أرقم، وليس كذلك لأن
الكلام في الصلاة كان مباحاً إلى أن رجع ابن مسعود وأصحابه من عند النجاشي، فوجدوا
إباحة الكلام قد نسخت، وكان بالمدينة، فحكى زيد ذلك الفعل، لا أن نسخ الكلام كان
بالمدينة. وقال ابن حبان في موضع آخر: بأن زيد بن أرقم أراد بقوله: ((كنا نتكلم))، من كان
يصلي خلف النبي عَّمِ بمكة من المسلمين، ورد هذا أيضاً بأنهم ما كانوا بمكة يجتمعون إلاَّ
نادراً، وبما رواه الطبراني من حديث أبي أمامة، رضي الله تعالى عنهم، أجمعين: (( كان الرجل
إذا دخل المسجد فوجدهم يصلون سأل الذي إلى جنبه فيخبره بما فاته فيقضي ثم يدخل
معهم، حتى جاء معاذ يوماً فدخل في الصلاة .. )) فذكر الحديث، وهذا كان بالمدينة قطعاً،
لأن أبا أمامة ومعاذ بن جبل إنما أسلما بالمدينة.
فإن قلت: في حديث جابر المذكور إشكال على قول أبي حنيفة، حيث قال:
المصلي إذا سلم عليه لا يرد بلفظ ولا بإشارة؟ قلت: حديث جابر روي بوجوه مختلفة.
منها: ما رواه الطحاوي: حدثنا أحمد بن داود، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا إسماعيل بن
إبراهيم، قال: حدثنا هشام بن أبي عبد الله، قال: حدثنا أبو الزبير ((عن جابر، قال: كنا مع
النبي عَّ في سفر، فبعثني في حاجة فانطلقت إليها ثم رجعت إليه وهو على راحلته،
فسلمت عليه فلم يرد علي، ورأيته يركع ويسجد، فلما سلم رد علي)). فهذا جابر بن عبد
الله يخبر أن رسول الله عَ ليه لم يرد عليه وأنه لما فرغ من صلاته رد عليه، وروى أيضاً مرة
عن أبي بكرة عن أبي داود عن هشام، فذكر بإسناده مثله، غير أنه لم يقل، فلم يرد علي،
وقال: ((فلما فرغ من صلاته قال: أما إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلاَّ أني كنت أصلي))،
فأخبرني هذا أن رسول الله عَّله لم يرد عليه في الصلاة، فدل ذلك على أن تلك الإشارة
التي كانت منه في الصلاة لم تكن رداً، وإنما كانت نهياً. فإن قلت: روى الطحاوي أيضاً عن
جابر من رواية الأعمش عن أبي سفيان، قال: سمعت جابراً يقول: ما أحب أن أسلم على
الرجل وهو يصلي، ولو سلم علي لرددت عليه. قلت: هو كره أن يسلم على المصلي، وقد
كان سلم على رسول الله عَ ليه وهو يصلي فأشار إليه، فلو كانت الإشارة التي كانت من
النبي عَ لِّ رد السلام عليه إذاً لما كره ذلك، لأن رسول الله عَ لّه لم ينهه عنه، ولكنه إنما كره
ذلك لأن إشارة النبي عَ لّ تلك كانت عنده نهياً له عن السلام عليه وهو يصلي.
فإن قلت: قد قال: ولو سلم علي لرددت؟ قلت له: أفقال جابر: لرددت في الصلاة؟
قد يجوز أن يكون أراد بقوله: ((لرددت)) أي: بعد فراغي من الصلاة. قال الطحاوي: وقد دل
على ذلك من مذهبه ما حدثنا علي بن زيد، قال: حدثنا موسى بن داود، قال حدثنا همام،
قال: سأل سليمان بن موسى عطاء: أسألت جابراً عن الرجل يسلم عليك وأنت تصلي فقال:
لا ترد عليه حتى تقضي صلاتك؟ فقال: نعم.

٣٩٣
٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (٢)
ثم الأئمة اختلفوا في هذا الباب، فقال قوم منهم: يرد السلام نطقاً، وهو المروي عن
أبي هريرة وجابر والحسن وسعيد بن المسيب وقتادة وإسحاق، ومنهم من قال: يستحب رده
بالإشارة، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد وأبو ثور. وقيل: يرد في نفسه، روي ذلك عن أبي
حنيفة أيضاً، وقال قوم، يرد بعد السلام، وهو قول عطاء والثوري والنخعي، وهو المروي عن
أبي ذر وأبي العالية، وبه قال محمد بن الحسن، وقال أبو يوسف: لا يرد لا في الحال ولا
بعد الفراغ، وقالت طائفة من الظاهرية: إذا كانت الإشارة مفهمة قطعت عليه صلاته، لما
روي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله عَّه: ((التسبيح للرجال والتصفيق للنساء، ومن أشار
في صلاته إشارة تفهم منه فليعدها)). رواه الطحاوي، ورواه أبو داود أيضاً، ولفظه: ((فليعد
لها)). ثم قال: وهذا الحديث وهم: وقال إسحاق بن إبراهيم بن هانىء: سئل أحمد عن هذا
الحديث؟ فقال: لا يثبت إسناده، ليس بشيء وأعله ابن الجوزي بابن إسحاق في سنده،
وقال: أبو غطفان، مجهول، وهو في إسناده أيضاً. قال صاحب (التحقيق): أبو غطفان هو ابن
طريف، ويقال: ابن مالك المري، قال عباس الدوري: سمعت ابن معين يقول فيه: ثقة، وقال
النسائي في الكنى: أبو غطفان ثقة، قيل: اسمه سعد، وذكره ابن حبان في الثقات، وأخرج له
مسلم في (صحيحه) فحينئذ يكون إسناد الحديث صحيحاً وأبو داود لم يبين كيفية الوهم،
فلا يبنى عليه شيء، فإن كان قول أبي داود من جهة أبي غطفان فقد بينا حاله، وتعليل ابن
الجوزي بابن إسحاق ليس بشيء، لأن ابن إسحاق من الثقات الكبار عند الجمهور.
١١٩٩/٢٢٢ - حدّثنا ابنُ ثُمَيْرٍ قال حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ قال حدثنا هُرَيْمُ بنُ
سُفْيَانَ عنِ الأعْمَشِ عنْ إِبْرَاهِيمَ عنْ عَلْقَمَةَ عنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَّه
نَحْوَهُ.
هذا طريق آخر للحديث المذكور، وابن نمير هو محمد بن عبد الله بن نمير المذكور
في الحديث الأول، وإسحاق بن منصور السلولي، بفتح السين المهملة وضم اللام الأولى:
نسبة إلى سلول قبيلة من هوازن، وهريم، بضم الهاء وفتح الراء: مصغر هرم بن سفيان البجلي
أبو محمد، والأعمش هو سليمان بن مهران، وإبراهيم بن يزيد النخعي، وعلقمة بن قيس،
ورجال الإسناد كلهم کوفیون.
قوله: ((نحوه)) أي: نحو طريق محمد بن فضيل عن الأعمش إلى آخره.
وأخرجه مسلم أيضاً بالطريقين أحدهما: من طريق ابن فضيل عن الأعمش، والآخر:
عن ابن نمير عن إسحاق بن منصور السلولي. وأخرجه أبو داود والنسائي من طريق أبي وائل
عن ابن مسعود، فقال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبان حدثنا عاصم عن أبي
وائل. ((عن عبد الله، قال: كنا نسلم في الصلاة ونأمر بحاجتنا، فقدمت على رسول الله عَ ليه
وهو يصلي فسلمت عليه فلم يرد علي السلام، فأخذني ما قدم وحدث، فلما قضى رسول
الله عَّ الله قال: إن الله تعالى يحدث من أمره ما يشاء، وإن الله قد أحدث من أمره أن لا
تكلموا في الصلاة، فرد علي السلام)). وأخرجه الطحاوي وابن ماجه من طريق أبي الأحوص

٣٩٤
٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (٢)
عنه، فقال الطحاوي: حدثنا على بن شيبة. قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: حدثنا
إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص ((عن عبد الله، قال: خرجت في حاجة ونحن
يسلم بعضنا على بعض في الصلاة، فلما رجعت فسلمت فلم يرد علي وقال: إن في الصلاة
شغلاً)). وقال ابن ماجه: حدثنا أحمد بن سعيد الدارمي، حدثنا النضر بن شميل، حدثنا يونس
ابن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص ((عن عبد الله، قال: كنا نسلم في الصلاة
فقيل لنا: إن في الصلاة شغلاً)). وأبو وائل شقيق بن سلمة، وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله
السبيعي وأبو الأحوص عوف بن مالك.
١٢٠٠/٢٢٣ - حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسى هُوَ ابْنُ يُونسَ عنْ إِسْمَاعِيلَ عنِ الحَارِثِ
ابن شُبَيْلٍ عنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ قال قال لِي زَيْدُ بنُ أَرْقَمَ إِنْ كُنَّا لَنَتَكَلَّمُ فِي الصَّلاَةِ عَلَى
عَهْدِ النبيِّ عَّهِ يُكَلِّمُ أحَدُنَا صاحِبَهُ بِحَاجَتِهٍ حَتَّى نَزَلَتْ ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ
الوُسْطَى وَقُومُوا لله قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فَأَمِرْنَا بِالسُّكُوتِ. [الحديث ١٢٠٠ - طرفه في:
٤٥٣٤].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فأمرنا بالسكوت))، والأمر بالسكوت نهي عن الكلام.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: إبراهيم بن موسى بن يزيد بن زادان التميمي الفراء أبو
إسحاق، مر في الحيض. الثاني: عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، مر في: باب من
صلى بالناس وذكر حاجة. الثالث: إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي البجلي، واسم أبي
خالد: سعد، ويقال: هرمز، مر في الإيمان. الرابع: الحارث بن شبيل، بضم الشين المعجمة
وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وباللام: البجلي، وليس له في البخاري إلّ
هذا الحديث. الخامس: أبو عمرو، بفتح العين: الشيباني، واسمه: سعيد بن إياس، مر في:
باب فضل الصلاة لوقتها. السادس: زيد بن أرقم، بفتح الهمزة والقاف وسكون الراء:
الأنصاري الخزرجي، مات سنة ثمان وستين.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإخبار كذلك
في موضع. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: أن شيخه
رازي والبقية كوفيون. وفيه: أحد الرواة مفسر بنسبته إلى أبيه والآخر مذكور بلا نسبة والآخر
مذ كور بالكناية.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن مسدد
عن يحيى بن سعيد. وأخرجه مسلم في الصلاة عن يحيى بن يحيى وعن أبي بكر بن أبي
شيبة وعن إسحاق بن إبراهيم، وأخرجه أبو داود فيه عن محمد بن عيسى. وأخرجه الترمذي
فيه عن أحمد بن منيع وفي التفسير أيضاً كذلك. وأخرجه النسائي في الصلاة عن إسماعيل
ابن مسعود وفي التفسير عن سويد بن نصر.
ذكر معناه: قوله: ((عن أبي عمرو الشيباني))، ليس له في الصحيحين عن زيد بن

٣٩٥
٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (٢)
أرقم غير هذا الحديث. قوله: ((إن كنا لنتكلم)) كلمة: إن، مخففة من الثقيلة واللام في
(لنتكلم)) للتأكيد. قوله: ((يكلم أحدنا)) جملة استثنائية كأنها جواب عن قول القائل: كيف
كنتم تتكلمون؟ فقال: ((يكلم أحدنا صاحبه بحاجته)) وفي لفظ: ((ويسلم بعضنا على بعض))،
وعند مسلم: ((ونهينا عن الكلام))، ولفظ الترمذي: ((كنا نتكلم خلف رسول الله عَ لّه في
الصلاة، يكلم الرجل منا صاحبه إلى جنبه حتى نزلت ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨].
قال: فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام)). قوله: ((حافظوا)) أي: واظبوا وداوموا. قوله:
((الوسطى)) أي: الفضلى من قولهم: الأفضل الأوسط، ولذلك أفردت وعطفت على الصلوات
لانفرادها بالفضل، فالصفة بالوسطى أي الفضلى واردة للإشعار بعلية الحكم. قوله: ((قانتين))
نصب على الحال من الضمير الذي في: ((قوموا))، واشتقاقه من القنوت وهو، يرد لمعان
كثيرة بمعنى: الطاعة والخشوع والصلاة والدعاء والعبادة والقيام وطول القيام. وقال ابن بطال:
القنوت في هذه الآية بمعنى: الطاعة والخشوع لله تعالى، ولفظ الراوي يشعر بأن المراد به
السكون لأن حمله على ما يشعر به كلام الراوي أولى وأرجح، لأن المشاهدين للوحي
والتنزيل يعلمون سبب النزول، وقول الصحابي في الآية: نزلت في كذا يتنزل منزلة المسند،
وقال عكرمة: كانوا يتكلمون فنهوا عنها. قوله: ((فأمرنا)) على صيغة المجهول. و: الفاء، فيه
تشعر بتعليل ما سبق وأيضاً كلمة: حتى، التي في قوله: ((حتى نزلت))، تشعر بذلك لأنها
للغاية.
ذكر ما يستفاد منه: وهو على وجوه: فيه: الدلالة على أن الكلام في الصلاة كان
مباحاً في أول الإسلام ثم نسخ لأن المصلي مناد لربه عز وجل، فالواجب عليه أن لا يقطع
مناجاته بكلام مخلوق وأن يقبل على ربه ويلتزم الخشوع ويعرض عما سوى ذلك، وقد ذكرنا
عن قريب أنه متى حرم، والحرمة بقوله: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨]. أي: ساكتين
على ما ذكرنا، وأراد بقوله: ((فأمرنا بالسكوت)) أي: عن جميع أنواع كلام الآدميين. وأجمع
العلماء على أن الكلام في الصلاة عامداً عالماً بتحريمه لغير مصلحتها أو لغير إنقاذها لك أو
شبهه مبطل للصلاة، وأما الكلام لمصلحتها، فقال أبو حنيفة والشافعي ومالك وأحمد: تبطل
الصلاة، وجوزه الأوزاعي وبعض أصحاب مالك وطائفة قليلة، واعتبرت الشافعية ظهور حرفين،
وإن لم يكونا مفهمين وأما الناسي فلا تبطل صلاته بالكلام القليل عند الشافعي، وبه قال مالك
وأحمد والجمهور، وعند أصحابنا: تبطل. وقال النووي: دليلنا حديث ذي اليدين، فإن كثر
كلام الناسي ففيه وجهان مشهوران لأصحابنا، أصحهما: تبطل صلاته لأنه نادر، وأما كلام
الجاهل إذا كان قريب عهد بالإسلام فهو ككلام الناسي فلا تبطل صلاته بقليله، وأجاب
بعض أصحابنا أن حديث قصة ذي اليدين منسوخ بحديث ابن مسعود وزيد بن أرقم، لأن ذا
اليدين قتل يوم بدر، كذا روي عن الزهري، وأن قصته في الصلاة، كانت قبل بدر، ولا يمنع
من هذا كون أبي هريرة رواه وهو متأخر الإسلام عن بدر، لأن الصحابي قد يروي ما لا
يحضره بأن يسمعه من النبي، عَّةِ، أو من صحابي آخر.

٣٩٦
٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (٢)
فإن قلت: قال البيهقي في: باب ما يستدل به، على أنه: لا يجوز أن يكون حديث
ابن مسعود في تحريم الكلام ناسخاً لحديث أبي هريرة، وغيره، وذلك لتقدم حديث عبد الله
وتأخر حديث أبي هريرة؟ قلت: ذكر أبو عمر في (التمهيد): أن الصحيح في حديث ابن
مسعود أنه لم يكن إلاَّ بالمدينة، وبها نهى عن الكلام في الصلاة، وقد روى حديثه بما يوافق
حديث زيد بن أرقم، وصحبة زيد لرسول الله، عَّمٍ، كانت بالمدينة، وسورة البقرة مدنية.
فإن قلت: في حديث ابن مسعود الذي رواه أبو داود وعاصم بن بهدلة، قال البيهقي: صاحبا
(الصحيح) توقيا روايته لسوء حفظه. قلت: رواه ابن حبان في (صحيحه) والنسائي في (سننه)
وليس في حديث عاصم، فلما رجعنا من أرض الحبشة إلى مكة، بل يحتمل أن يريد فلما
رجعنا من أرض الحبشة إلى المدينة، ليتفق حديثه مع حديث زيد بن أرقم، وقال صاحب
(الكمال) وغيره: هاجر ابن مسعود إلى الحبشة ثم هاجر إلى المدينة، ولهذا قال الخطابي:
إنما نسخ الكلام بعد الهجرة بمدة يسيرة، وهذا يدل على اتفاق حديث ابن مسعود وزيد بن
أرقم على أن التحريم كان بالمدينة.
فإن قلت: قد ذكر البيهقي في (كتاب المعرفة) عن الشافعي: أن في حديث ابن
مسعود أنه مر على النبي عَّه بمكة، قال: فوجده يصلي في فناء الكعبة ... الحديث قلت: لم
يذكر ذلك أحد من أهل الحديث غير الشافعي، ولم يذكر سنده لينظر فيه، ولم يجد له
البيهقي سنداً مع كثرة تتبعه وانتصاره لمذهب الشافعي، وذكر الطحاوي في (أحكام القرآن):
أن مهاجرة الحبشة لم يرجعوا إلاَّ إلى المدينة، وأنكر رجوعهم إلى أرض قد هاجروا منها
لأنهم منعوا من ذلك، واستدل على ذلك بقوله عَّم في حديث سعد: ((ولا تردهم على
أعقابهم)). فإن قلت: قال البيهقي: الذي قتل بيدر هو ذو الشمالين، وأما ذو اليدين الذي أخبر
النبي، عَ له، بسهوه فإنه بقي بعد النبي عَّ لّه، كذا ذكره شيخنا أبو عبد الله الحافظ، ثم خرج
عنه بسنده إلى معدي بن سليمان، قال: حدثني شعيب بن مطير عن أبيه - ومطير حاضر
فصدقه - قال شعيب: يا أبتاه أخبرتني أن ذا اليدين لقيك بذي خشب، فأخبرك أن رسول الله
عَّ الله .. الحديث، ثم قال البيهقي: وقال بعض الرواة في حديث أبي هريرة ((فقال ذو الشمالين
تقدم موته ولم يعقب وليس له راو. قلت: قال السمعاني في (الأنساب): ذو اليدين، ويقال
له: ذو الشمالين، لأنه كان يعمل بيديه جميعاً. وفي (الفاصل) للرامهرمزي، ذو اليدين وذو
الشمالين قد قيل: إنهما واحد، وقال ابن حبان في (الثقات): ذو اليدين، ويقال له أيضاً: ذو
الشمالين ابن عبد عمرو بن نضلة الخزاعي حليف بني زهرة، والحديث الذي استدل به على
بقاء ذي اليدين بعد النبي، عَّ ◌َِّ، ضعيف، لأن معدي بن سليمان متكلم فيه. قال أبو زرعة:
واهي الحديث. وقال ابن حبان: يروي المقلوبات عن الثقات والملزوقات عن الأثبات، لا
يجوز الاحتجاج به إذا انفرد، وشعيب ما عرفنا حاله، ووالده مطير لم يكتب حديثه. وقال
الذهبي: لم يصح حديثه.
وفيه: الأمر بالمحافظة على الصلوات، والأمر للوجوب، وروى الترمذي، وقال: حدثنا

٣٩٧
٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (٢)
موسى بن عبد الرحمن الكوفي حدثنا زيد بن أرقم الحباب أخبرنا معاوية بن صالح حدثني
سليم بن عامر، قال: سمعت أبا أمامة يقول: سمعت رسول الله، عَّةٍ، يخطب في حجة
الوداع، فقال: اتقوا الله وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدوا زكاة أموالكم وأطيعوا إذا
أمركم تدخلوا جنة ربكم، ورواه ابن حبان في (صحيحه) وروى الترمذي أيضاً من حديث
أبي هريرة أنه قال: سمعت رسول الله عَ ليه، يقول: ((إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة
من عمله صلاته .. )) الحديث.
وفيه: الأمر بالمحافظة على الصلاة الوسطى، وذكر العلماء فيه عشرين قولا:
الأول: أن الصلاة الوسطى هي: العصر، وهو قول أبي هريرة وعلي بن أبي طالب وابن
عباس وأبي بن كعب وأبي أيوب الأنصاري وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو، وفي
رواية، وسمرة بن جندب وأم سلمة، رضي الله تعالى عنهم. وقال ابن حزم: ولا يصح عن
علي ولا عن عائشة غير هذا أصلاً، وهو قول الحسن البصري والزهري وإبراهيم النخعي
ومحمد بن سيرين وسعيد بن جبير وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر ويونس وقتادة
والشافعي وأحمد والضحاك بن مزاحم وعبيد بن مريم وذر بن حبيش ومحمد بن السائب
الكلبي وآخرين، وقال أبو الحسن الماوردي: هو مذهب جمهور التابعين، وقال أبو عمر: هو
قول أكثر أهل الأثر. وقال ابن عطية: عليه جمهور الناس. وقال أبو جعفر الطبري: الصواب
من ذلك ما تظاهرت به الأخبار من أنها العصر. وقال أبو عمر: وإليه ذهب عبد الملك بن
حبيب، وقال الترمذي: هو قول أكثر العلماء من الصحابة، فمن بعدهم. قال الماوردي: هذا
مذهب الشافعي لصحة الأحاديث فيه.
قلت: من الأحاديث في ذلك: حديث علي، رضي الله تعالى عنه، عند مسلم عنه أنه
قال: قال رسول الله عَّ له، يوم الخندق: ((شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر)) وحديث
ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه، عند مسلم أيضاً عنه: ((حبس المشركون النبي، عَّ له، عن
صلاة العصر حتى غابت الشمس، فقال: حبسونا عن الصلاة الوسطى)). وحديث عائشة،
رضي الله تعالى عنها، عند مسلم أيضاً ((عن أبي يونس مولى عائشة: أمرتني عائشة أن أكتب
لها مصحفاً، وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني ﴿حافظوا على الصلوات﴾ [البقرة: ٢٣٨].
قال: فلما بلغتها آذنتها، فأملت علي: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ [البقرة:
٢٣٨]. وصلاة العصر. وقالت: سمعتها من رسول الله، عَّ له)). قلت: كذا وقع عند مسلم:
((وصلاة العصر))، بواو العطف، ووقع في رواية أبي بكر عبد الله بن أبي داود سليمان بن
الأشعث السجستاني من رواية أبي هريرة عن قبيصة بن ذؤيب قال: في مصحف عائشة:
﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ [البقرة: ٢٣٨]. صلاة العصر، يعني بلا واو،
وفي كتاب ابن حزم: روينا من طريق ابن مهدي عن أبي سهل محمد بن عمرو الأنصاري
عن القاسم عنها، فذكرته بغير: واو. قال أبو محمد: فهذه أصح رواية عن عائشة، وأبو سهل
ثقة.

٣٩٨
٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (٢)
قلت: وفيه رد لما قاله أبو عمر: لم يختلف في حديث عائشة في ثبوت الواو. قال:
وعلى تقدير صحته يجاب عنه بأشياء: منها: أنه من أفراد مسلم، وحديث علي متفق عليه.
الثاني: أن من أثبت الواو امرأة ومسقطها جماعة كثيرة. الثالث: موافقة مذهبها لسقوط الواو.
الرابع: مخالفة الواو للتلاوة، وحديث علي موافق. الخامس: حديث علي يمكن فيه الجمع،
وحديثها لا يمكن فيه الجمع إلاَّ بترك غيره. السادس: معارضة روايتها برواية البراء بن عازب
عن مسلم: ((نزلت هذه الآية ﴿حافظوا على الصلوات وصلاة العصر﴾ [البقرة: ٢٣٨].
فقرأناها ما شاء الله، ثم نسخها الله فنزلت ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾
[البقرة: ٢٣٨]. فقال رجل: هي إذاً صلاة العصر. فقال البراء: قد أخبرتك كيف نزلت وكيف
نسخت)). السابع: تكون الواو زائدة كما زيدت عند بعضهم في قوله تعالى: ﴿و كذلك نري
إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين﴾ [الأنعام: ٧٥]. وقوله تعالى:
﴿وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست﴾ [الأنعام: ١٠٥]. وقال الأخفش في قوله تعالى:
﴿حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها﴾ [الزمر: ٧٣]. لأن الجواب فتحت. وقيل: إن العطف
فيه من باب التخصيص والتفضيل والتنبيه، كما في قوله تعالى: ﴿قل من كان عدو الله
وملائكته ورسله وجبريل وميكال﴾ [البقرة: ٩٨]. فإن قلت: قد حصل ما ذكرت من
التخصيص في العطف، وهو قوله تعالى: ﴿والصلاة الوسطى﴾ [البقرة: ٢٣٨]. فوجب أن
يكون العطف الثاني وهو قوله: ﴿وصلاة العصر﴾ مغايراً له. قلت: لما اختلف اللفظان كان
الثاني للتأكيد والبيان، كما قول جاءني زيد الكريم والعاقل، فتعطف إحدى الصفتين على
الأخرى. ومنها حديث سمرة بن جندب عند الترمذي، عنه ((عن النبي، عَّهِ، أنه قال في
الصلاة الوسطى: صلاة العصر)). وعند أحمد: ((أن النبي، عَّليه، سئل عن الصلاة الوسطى،
قال: هي صلاة العصر)). وفي لفظ قال: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ [البقرة:
٢٣٨]. وسماها لنا إنها: هي العصر))، وعند الحاكم محسناً من حديث خبيب بن سليمان
عن أبيه سليمان بن سمرة عن سمرة يرفعه: ((وأمرنا أن نحافظ على الصلوات كلهن وأوصانا
بالصلاة الوسطى، ونبأنا أنها صلاة العصر). وحديث حفصة عند أبي عمر في (التمهيد) بسند
صحيح وفي (الاستذكار) اختلف في رفعه وفي ثبوت الواو فيه أنها أمرت كاتبها بكتب
مصحف، فإذا بلغ هذه الآية يستأذنها فلما بلغها أمرته بكتب: ﴿حافظوا على الصلاة
الوسطى﴾ وصلاة العصر، ورفعته إلى النبي، عَ لّه، ورواه هشام عن جعفر بن إياس عن رجل
حدثه عن سالم عنها، ولم يثبت الواو. قال: والصلاة الوسطى صلاة العصر.
وحديث ابن عباس عند الطبراني من حديث ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم
وسعيد بن جبير عنه، قال: قال النبي، عَّ له، يوم الخندق: ((شغلونا عن الصلاة الوسطى، ملأ
الله قبورهم وأجوافهم ناراً». وفي كتاب (المصاحف) لابن أبي داود من حديث أبي إسحاق
عن عبيد بن مريم سمع ابن عباس قرأ هذه الحروف: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة
الوسطى﴾ وصلاة العصر)) وفي كتاب ابن حزم من هذه الطريق صلاة العصر بغير: واو، ثم

٣٩٩
٢١ - كتابُ العَملِ في الصَّلاةِ / باب (٢)
قال: كذا قاله وكيع. وحديث ابن عمر عند أبي عبيد الله محمد بن يحيى بن منده
الأصبهاني: حدثنا إبراهيم بن عامر، حدثنا أبي حدثنا يعقوب القمي عن عنبسة بن سعيد
الرازي عن ابن أبي ليلى وليث عن نافع عنه عن النبي، عَّهِ، انه قال: «الموتور أهله وماله من
وتر صلاة الوسطى في جماعة، وهي صلاة العصر)). وحديث أبي هريرة عند ابن خزيمة في
(صحيحه) قال: قال رسول الله، عَّله: ((صلاة الوسطى صلاة العصر)) وحديث أبي هشام ابن
عتبة بن ربيعة بن عبد شمس عند ابن جعفر الطبري من حديث كهيل بن حرملة: سئل أبو
هريرة عن الصلاة الوسطى؟ فقال: اختلفنا فيها كما اختلفتم فيها ونحن بفناء بيت رسول الله،
عَّله، وفينا الرجل الصالح أبو هاشم ابن عتبة، فقال: أنا أعلم لكم ذلك، فقام فاستأذن على
رسول الله، عَّهِ، فدخل عليه ثم خرج إلينا فقال: أخبرنا أنها صلاة العصر. قال أبو موسى
المديني في (كتاب الصحابة): أبو هاشم هذا له حديثان حسنان. وقال الذهبي: أبو هاشم بن
عتبة بن ربيعة العبشمي أخو أبو حذيفة وأخو مصعب بن عمير لأمه: أسلم يوم الفتح وسكن
الشام، وكان صالحاً، توفي زمن عثمان، رضي الله تعالى عنه، في الترمذي وغيره، وحديث:
أم حبيبة، رضي الله تعالى عنها، عند الطبري أيضاً من رواية شتير بن شكيل عنها عن النبي
عَّلِ أنه قال يوم الخندق: ((شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر حتى غربت الشمس)).
وحديث رجل من الصحابة عنده أيضاً قال: ((أرسلني أبو بكر وعمر، رضي الله تعالى
عنهما، وأنا غلام صغير إلى النبي عَّةٍ أسأله عن الصلاة الوسطى؟ فأخذ إصبعي الصغير فقال:
هذه الفجر، وقبض التي تليها فقال: هذه الظهر، ثم قبض الإبهام فقال: هذه المغرب، ثم
قبض التي تليها فقال: هذه العشاء، ثم قال: أي أصابعك بقيت؟ فقلت: الوسطى، فقال: أي
الصلاة بقيت؟ فقلت العصر. قال: هي العصر))، ورواه الطبري عن أحمد بن إسحاق: حدثنا
أبو أحمد حدثنا عبد السلام مولى أبي منصور حدثني إبراهيم بن يزيد الدمشقي قال: ((كنت
جالساً عند عبد العزيز بن مروان فقال: يا فلان اذهب إلى فلان فقل له: إيش سمعت من
رسول الله عَّامٍ في الصلاة الوسطى؟ فقال رجل جالس: أرسلني .. )) فذكره. وحديث أم
سلمة، رضي الله تعالى عنها، في كتاب (المصاحف) لابن أبي داود أنها «قالت لكاتب
يكتب لها مصحفاً: إذا كتبت ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ [البقرة: ٢٣٨].
فاكتبها العصر)) ورواه ابن حزم من طريق وكيع عن داود بن قيس عن عبد الله بن رافع عن أم
سلمة، رضي الله تعالى عنها. وحديث أنس بن مالك أن رسول الله عَّ له قال: ((شغلونا عن
صلاة العصر التي غفل عنها سليمان بن داود، عليهما الصلاة والسلام، حتى توارت
بالحجاب)). ذكره إسماعيل بن أبي زياد الشامي في تفسيره عن أبان عن أنس، رضي الله
تعالى عنه.
القول الثاني: إن الصلاة الوسطى: المغرب، وهو قول قبيصة بن ذئب. قال أبو عمر:
هذا لا أعلم قاله غير قبيصة. قال: إلاَ تَرَى أنها ليست بأقلها ولا أكثرها ولا تقصر في السفر،
وأن رسول الله عَ ليه لم يؤخرها عن وقتها، ولم يعجلها؟ قال أبو جعفر: وجه قوله أنه يريد

٤٠٠
٢١ - كتابُ العَملِ فِي الصَّلاةِ / باب (٢)
التوسط الذي هو يكون صفة للشيء الذي يكون عدلاً بين الأمرين، كالرجل المعتدل القامة.
الثالث: أنها العشاء الأخيرة، وهو قول المازري، وزعم البغوي في (شرح السنة) أن
السلف لم ينقل عن أحد منهم هذا القول. قال: وقد ذكره بعض المتأخرين.
الرابع: أنها الصبح، وهو قول جابر بن عبد الله ومعاذ بن جبل وابن عباس في قول،
وابن عمر في قول، وعطاء بن أبي رباح وعكرمة ومجاهد والربيع بن أنس ومالك بن أنس
والشافعي في قول، وقال أبو عمر: وممن قال: الصلاة الوسطى صلاة الصبح عبد الله بن
عباس، وهو أصح ما روي عنه في ذلك، وهو قول طاوس ومالك وأصحابه، وروى النسائي
من حديث جابر بن زيد ((عن ابن عباس، قال: أدلج النبي عَّ ثم عرس فلم يستيقظ حتى
طلعت الشمس أو بعضها، فلم يصل حتى ارتفعت الشمس، وهي الصلاة الوسطى)). وفي
حديث صالح أبي الخليل عن جابر بن زيد ((عن ابن عباس أنه قال: صلاة الوسطى صلاة
الفجر)). وعن أبي رجاء قال: ((صليت مع ابن عباس صلاة الغداة في مسجد البصرة، فقنت بنا
قبل الركوع، وقال: هذه الصلاة صلاة الوسطى التي قال الله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾
[البقرة: ٢٣٨]. قال الطحاوي: وقد خولف ابن عباس في هذه الآية فيم نزلت، ثم روى
حديث زيد بن أرقم المذكور فيما مضى. قلت: المخالفون لابن عباس في سبب نزول هذه
الآية: زيد بن أرقم من الصحابة، ومن التابعين: مجاهد بن جبر والشعبي وجابر بن زيد، فإنهم
أخبروا أن القنوت المذكور في قوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨]. بصورة الأمر
هو السكوت عن الكلام في الصلاة لأنهم كانوا يتكلمون فيها، وليس هو القنوت الذي كان
يفعل في صلاة الصبح، فلا يسمى حينئذ بسبب ذلك لصلاة الصبح الصلاة الوسطى، على أن
عمرو بن ميمون والأسود وسعيد بن جبير وعمران بن الحارث قالوا: لم يقنت ابن عباس في
الفجر. وقال أبو بكر بن أبي شيبة في (مصنفه): حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان عن واقد
مولى زيد بن خليدة عن سعيد بن جبير ((عن ابن عباس وابن عمر، رضي الله تعالى عنهما:
أنهما كانا لا يقنتان في الفجر)). حدثنا هشيم قال: أخبرنا حصين عن عمران بن الحارث،
قال: ((صليت مع ابن عباس في داره صلاة الصبح فلم يقنت قبل الركوع ولا بعده)).
الخامس: إنها إحدى الصلوات الخمس، ولا تعرف بعينها، روي ذلك عن ابن عمر
من طريق صحيحة. قال نافع: سأل رجل ابن عمر عن الصلاة الوسطى، فقال: هي منهن
فحافظوا عليهن كلهن، وبنحوه قال الربيع بن خيثم وزيد بن ثابت في رواية وشريح القاضي
ونافع، وقال النقاش: قالت طائفة: هي الخمس ولم تميز أي صلاة هي، قال أبو عمر: كل
واحدة من الخمس وسطى، لأن قبل كل واحدة صلاتين وبعدها صلاتين.
السادس: إنها هي الخمس إذ هي الوسطى من الدين، كما قال رسول الله عَ ليه ((بني
الإسلام على خمس))، قالوا: فهي الوسطى من الخمس، روي ذلك عن معاذ بن جبل وعبد
الرحمن بن غنيم فيما ذكر النقاش، وفي كتاب الحافظ أبي الحسن علي بن المفضل، قيل:
ذلك لأنها وسط الإسلام أي خياره، وكذلك قاله عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه.