النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ ١٩ - كتابُ التَّهَجَّدِ / باب (١٢) أصوب لأنها جملة إسمية والخبر فيها إسم. قوله: ((ثلاث عقد)) كلام إضافي منصوب لأنه مفعول لقوله: ((يعقد))، والعقد، بضم العين وفتح القاف: جمع عقدة. قوله: ((يضرب على كل عقدة)) وفي رواية المستملي: ((على مكان كل عقدة))، وفي رواية الكشميهني: ((عند مكان كل عقدة))، ومعنى يضرب، يضرب بيده على كل عقدة، ذكر هذا تأكيداً وإحكاماً لما يفعله، وقيل: يضرب بالرقاد، ومنه قوله تعالى: ﴿فضربنا على آذانهم في الكهف﴾ [الكهف: ١١]. ومعناه: حجب الحس عن النائم حتى لا يستيقظ. قوله: ((عليك ليل طويل)) أي: يضرب قائلاً: عليك ليل طويل، ووقع في جميع روايات البخاري هكذا: ((ليل طويل)) بالرفع فيهما، فارتفاع: ليل، بالابتداء، و: عليك، خبره مقدماً وارتفاع: طويل، بالوصفية. ويجوز أن يكون ارتفاع: ليل، بفعل محذوف وتقديره: بقي عليك ليل طويل، والجملة مقول القول المحذوف، أي: يضرب كل عقدة قائلاً هذا الكلام، ووقع في رواية أبي مصعب في (الموطأ) عن مالك: ((عليك ليلاً طويلاً))، وهي رواية سفيان ابن عيينة عن أبي الزناد في رواية مسلم. قال عياض: رواية الأكثرين عن مسلم بالنصب على الإغراء. وقال القرطبي: الرفع أولى من جهة المعنى لأنه الأمكن في الغرور من حيث إنه يخبره عن طول الليل: ثم يأمره بالرقاد بقوله: ((فارقد))، وإذا نصب على الإغراء لم يكن فيه إلّ الأمر بملازمة طول الرقاد، وحينئذ يكون قوله: ((فارقد)) ضائعاً. قلت: لا نسلم أنه يكون ضائعاً، بل يكون تأكيداً ثم إن مقصود الشيطان بذلك تسويفه بالقيام والإلباس عليه. قوله: ((فإن توضأ انحلت عقدة)) بالإفراد. وقوله: وذكر ابن قرقول انه اختلف في الأخيرة منها، فوقع في رواية (الموطأ) لابن وضاح انحلت عقد)) على الجمع، وكذا ضبطناه في البخاري وفي غيرهما: ((عقدة))، وكلاهما صحيح، والجمع أولى لا سيما وقد جاء مسلم في الأولى: عقدة وفي الثانية: عقدتان، وفي الثالثة: انحلت العقد. قوله: ((أصبح نشيطاً) أي: لسروره بما وفقه الله تعالى من الطاعة وطيب النفس لما بارك الله له في نفسه وتصرفه في كل أموره، وبما زال عنه من عقد الشيطان. قوله: ((وإلّ أصبح خبيث النفس)) يعني: بتركه ما كان اعتاده أو نواه من فعل الخير. قوله: ((كسلان)) يعني: ببقاء أثر تثبيط الشيطان عليه. قال الكرماني: واعلم أن مقتضى ((وإلاَّ أصبح)) أن من لم يجمع الأمور الثلاثة: الذكر والوضوء والصلاة، فهو داخل تحت من يصبح خبيئاً كسلان وإن أتى ببعضها. قلت: فعلى هذا تقدير الكلام: وإن لم يذكر ولم يتوضأ ولم يصل يصبح خبيث النفس كسلان. 1 الأسئلة والأجوبة منها ما قيل: إن أبا بكر وأبا هريرة، رضي الله تعالى عنهما، كانا يوتران أول الليل وينامان آخره؟ وأجيب: بأن المراد: الذي ينام ولا نية له في القيام، وأما من صلى من النافلة ما قدر له ونام بنية القيام فلا يدخل في ذلك، وقال صاحب (التوضيح): بدليل قوله، عَّ ل: ((ما من امرىء يكون له صلاة بليل فغلبه عليها نوم إلاَّ كتب له أجر صلاته، وكان نومه صلاة)). ذكره ابن التين قلت: روى ابن حبان في (صحيحه) في: باب من نوى أن يصلي من الليل، من حديث شعبة، قال أبو ذر وأبو الدرداء، شك شعبة: قال : ٢٨٢ ١٩ - كتابُ التَّهَجُدِ / باب (١٢) رسول الله، عَّه: ((ما من عبد يحدث نفسه بقيام ساعة من الليل فينام عنها إلاَّ كان نومه صدقة تصدق الله بها عليه وكتب له أجر ما نوى)). ومنها ما قيل: في هذا الحديث ما يعارض قوله، عَّله: ((لا يقولن أحدكم خبثت نفسي؟)) وأجيب: بأن النهي إنما ورد عن إضافة المرء ذلك إلى نفسه كراهة لتلك الكلمة، وهذا الحديث وقع ذماً لفعله، ولكل من الخبرين وجه، وقال الباجي: ليس بين الحديثين اختلاف لأنه نهي عن إضافة ذلك إلى النفس، لكون الخبث بمعنى فساد الدين، ووصف بعض الأفعال بذلك تحذيراً منها وتنغيراً. ومنها ما قيل: ما فائدة تقييد العقد بالثلاث؟ وأجيب: بأنه أما تأكيد وإما لأن ما ينحل به العقد ثلاثة أشياء: الذكر والوضوء والصلاة، فكأن الشيطان منع عن كل واحد منها بعقدة عقدها على قافيته. ومنها ما قيل: ما وجه تخصيص قافية الرأس بضرب العقد عليها. وأجيب بأنها محل الواهمة ومحل تصرفها، وهي أطوع القوى للشيطان وأسرعها إجابة لدعوته. ومنها ما قيل: أنه قد يظن أن بين هذا الحديث وبين ما رواه البخاري وغيره أن قارىء آية الكرسي عند نومه لا يقربه شيطان تعارض؟ وأجيب: بأن المراد من العقد إن كان أمراً معنوياً، ومن القرب أمراً حسياً أو بالعكس، فلا إشكال، وإن كان كلاهما معنوياً أو بالعكس فيكون أحدهما مخصوصاً، والأقرب أن يكون حديث الباب مخصوصاً بمن لم يقرأ آية الكرسي لطرد الشيطان. ذكر ما يستفاد منه: فيه: أن الذكر يطرد الشيطان، وكذا الوضوء والصلاة، ولا يتعين للذكر شيء مخصوص لا يجزىء غيره، بل كل ما يصدق عليه، ذكر الله تعالى أجزأه، ويدخل فيه تلاوة القرآن، وأولى ما يذكر فيه ما سيجيء في: باب فضل من تعار من الليل، إن شاء الله تعالى، فإن قلت: كيف حكم الجنب؟ فهل تحل عقدته بالوضوء؟ قلت: لا تحل إلاّ بالاغتسال وتخصيص الوضوء بالذكر لكونه الغالب، والتيمم يقوم مقامهما عند جوازه، والله أعلم. ١١٤٣/١٧٣ - حدَّثْنا مُؤَمِّلُ بنُ هِشَامٍ قال حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قال حدَّثنا عَوفٌ قال حدَّثنا أبُو رَجَاءٍ قال حدَّثَنَا سَمْرَةُ بنُ مُنْدَبٍ رضي الله تعالى عنه عنِ النَّبِيِّ عَ لَه فِي الرُّؤْيَا قال أمَّا الَّذِي يُتْلَغُ رَأْسُهُ بِالحَجَرِ فإنَّهُ يَأْخُذُ القُرْآنَ فَيَوْفُضُهُ ويَنَامُ عنِ الصَّلاَةِ المَكْتُوبَةِ. [انظر الحديث ٨٤٥ وأطرافه]. زعم الإسماعيلي أن حديث سمرة هذا لا يدخل في هذا الباب لأن رفض القرآن ليس ترك الصلاة بالليل. قلت: حفظ شيئاً وغاب عنه ما هو أعظم منه، ففي الحديث: ((وينام عن الصلاة المكتوبة))، والمراد منها العشاء الآخرة، فأي مناسبة تطلب بأكثر من هذا؟ ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: مؤمل، بلفظ اسم المفعول: ابن هشام البصري ختن : ٢٨٣ ١٩ - كتابُ التَّهَجَّدِ / باب (١٣) شيخه إسماعيل بن علية، مات سنة ثلاث وخمسين ومائتين. الثاني: إسماعيل بن علية، بضم العين المهملة وتشديد الياء آخر الحروف وفتح اللام، وعلية اسم أمه، وهو إسماعيل بن إبراهيم بن سهم الأسدي البصري، مات سنة ثلاث أو أربع وتسعين ومائة ببغداد. الثالث: عوف الأعرابي، مر في: باب اتباع الجنائز من الإيمان. الرابع: أبو رجاء، بخفة الجيم وبالمد: اسمه عمران بن ملحان العطاردي. الخامس: سمرة بن جندب، بفتح الدال وضمها، مر في آخر كتاب الحيض. ذكر لطائف إسناده: فيه: الإسناد كله بصيغة التحديث في صورة الجمع. وفيه: أن رجاله كلهم بصريون. وفيه: سمرة عن النبي عَّه بعنعنة. وفيه: القول في أربعة مواضع. وفيه: إسماعيل مذكور باسم أمه. وفيه: عوف مذكور بغير نسبة. وفيه: أبو رجاء مذكور بكنيته. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري مقطعاً في مواضع، وتمامه يأتي في أواخر كتاب الجنائز، وأخرجه في البيوع والجهاد وبدء الخلق والأدب وأحاديث الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، وفي التفسير وفي التعبير. وأخرجه مسلم في الرؤيا عن محمد بن بشار وبندار مختصراً كما ههنا. وأخرجه الترمذي فيه عن بندار به مختصراً. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن عبد الأعلى عن معتمر عن عوف بتمامه وفي التفسير عن جماعة عن عوف بأكثر الحدیث. ذكر معناه: قوله: ((يثلغ))، بضم الياء آخر الحروف وسكون الثاء المثلثة وفتح اللام وبالغين المعجمة أي: يكسر، قال الجوهري: أي ثلغ رأسه يبلغه، بفتح اللام فيهما: ثلغاً أي: شدخه، والشدخ: كسر الشيء الأجوف. قلت: كلمة: أما، لا بد لها من قسيم فما هو ههنا؟ قلت: قد قلت لك أن البخاري قد قطع هذا الحديث، وسيأتي تمامه في: باب الجنائز، كما ذكرنا. قوله: ((فيرفضه))، بضم الفاء وكسرها أي: يترك حفظه والعمل به، وأما الذي يترك حفظ حرفه ويعمل بمعانيه فليس برافض له، وأما الذي يرفض كليهما فذاك لعقد الشيطان فيه، فوقعت العقوبة في موضع المعصية. قوله: ((وينام عن الصلاة))، يعني ذاهلاً عنها حتى يخرج وقتها وتفوت منه. قوله: ((المكتوبة)) أي: المفروضة، وأراد بها: صلاة العشاء. وقيل: أراد بها صلاة الصبح لأنها التي تبطل بالنوم. ١٣ - بابُ إذَا نامَ ولَمْ يُصَلِّ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ أي: هذا باب يذكر فيه إذا نام ... إلى آخره. ووقعت هذه الترجمة للمستملي وحده، وللباقين: باب، فقط من غير ذكر شيء، فكأنه بمنزلة فصل للباب السابق، وتعلقه به ظاهر، وهو في قوله في الحديث السابق: ((وينام عن الصلاة المكتوبة))، وهنا في قوله: ما زال نائماً حتى أصبح). ١١٤٤/١٧٤ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا أَبُو الأخوَصِ قال حدَّثنا مَنْصُورٌ عنْ أَبِي وائِلٍ عنْ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنه قالَ ذُكِرَ عِنْدَ النبيِّ عَُّلَّهِ رَجُلٌ فَقِيلَ مَا زَالَ نائِماً ٢٨٤ ١٩ - كتابُ التَّهَجَّدِ / باب (١٣) حَتَّى أَصْبَحَ ما قامَ إلَى الصَّلاَةِ فقالَ بالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ. [الحديث ١١٤٤ - طرفه في: ٣٢٧٠]. مطابقته للباب في رواية الأكثرين ظاهرة، وفي رواية المستملي أظهر. ذكر رجاله: وهم خمسة قد ذكروا غير مرة، وأبو الأحوص: سلام بن سليم، ومنصور ابن المعتمر، وأبو وائل شقيق بن سلمة، وعبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنه. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: الإخبار كذلك في موضع واحد. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن شيخه بصري، وأبو الأحوص ومنصور وأبو وائل كوفيون. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في صفة إبليس عن عثمان بن أبي شيبة، وأخرجه مسلم في الصلاة عن عثمان وإسحاق كلاهما عن جرير به. وأخرجه النسائي فيه عن إسحاق وعن عمرو بن علي عن عبد العزيز عبد الصمد عنه به. وأخرجه ابن ماجه فيه عن محمد بن الصباح عن جرير به. ذكر معناه: قوله: ((فقيل: ما زال نائماً)) أي: قال رجل ممن كان في المجلس: ما زال هذا الرجل نائماً حتى أصبح. وفي رواية جرير عن منصور في بدء الخلق: ((رجل نام ليلة حتى أصبح)). قوله: ((ما قام إلى الصلاة))، اللام فيه للجنس، ويجوز أن تكون للعهد، ويراد بها المكتوبة، وهو الظاهر كما قال سفيان الثوري حيث قال: هذا عندنا نام عن الفريضة. وأخرج ابن حبان من طريق سفيان، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن حدثنا علي بن حرب أخبرنا الهاشم بن يزيد الحرمي عن سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن أبي الأحوص ((عن عبد الله، قال: سئل رسول الله عَُّلِ عن رجل نام حتى أصبح قال: بال الشيطان في أذنه)). قوله: ((في أذنه)) بضم الذال وسكونها، وفي رواية جرير: ((في أذنيه))، بالتثنية. واختلفوا في معنى قوله: ((بال الشيطان))، فقيل: هو على حقيقته. قال القرطبي: لا مانع من حقيقته لعدم الإحالة فيه لأنه ثبت أنه يأكل ويشرب وينكح، فلا مانع من أن يبول. وقال الخطابي: هو تمثيل، شبه تثاقل نومه وإغفاله عن الصلاة بحال من يبال في أذنه فيثقل سمعه ويفسد حسه. قال: وإن كان المراد حقيقة عين البول من الشيطان نفسه فلا ينكر ذلك إن كانت له هذه الصفة. وقال الطحاوي: هو استعارة عن تحكمه فيه وانقياده له. وقال التوربشتي: يحتمل أن يقال: إن الشيطان ملأ سمعه بالأباطيل فأحدث في أذنه وقراً عن استماع دعوة الحق، وقيل: هو كناية عن استهانة الشيطان والاستخفاف به، فإن من عادة المستخف بالشيء أن يبول عليه لأنه من شدة استخفافه به يتخذه كالكنيف المعد للبول. وقال ابن قتيبة: معناه أفسد، يقال: بال في كذا أي: أفسد، والعرب تكنى عن الفساد بالبول. قال الراجز: بال سهيل في الفضيخ نفسد ووقع في رواية الحسن عن أبي هريرة في هذا الحديث عند أحمد، قال الحسن: إن ٢٨٥ ١٩ - كتابُ التَّهَجَدِ / باب (١٤) بوله والله لثقيل، وروى محمد بن نصر من طريق قيس بن أبي حازم ((عن ابن مسعود: حسب رجل من الخيبة والشر أن ينام حتى يصبح وقد بال الشيطان في أذنه))، وهو موقوف صحيح الإسناد. فإن قلت: لم خص الأذن بالذكر والعين أنسب بالنوم؟ قلت: قال الطيبي: إشارة إلى ثقل النوم، فإن المسامع هي موارد الانتباه، وخص البول من الأخبثين لأنه أسهل مدخلاً في التجاويف وأوسع نفوذاً في العروق فيورث الكسل في جميع الأعضاء. ١٤ - بابُ الدُّعَاءِ في الصَّلاَةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أي: هذا باب في بيان الدعاء في الصلاة من آخر الليل، وهو الثلث الأخير منه. قوله: ((في الصلاة))، بكلمة: في، رواية أبي ذر، وفي رواية غيره، باب الدعاء والصلاة، بحرف: واو، العطف. وقَالَ الله عزَّ وجَلَّ ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ أي ما يَنَامُونَ ﴿وبِالأُسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٧]. وفي رواية الأصيلي: وقول الله، عز وجل، فعلى هذه تكون هذه الآية الكريمة من جملة الترجمة على ما لا يخفى، وزاد الأصيلي بعد قوله: ﴿ما يهجعون﴾ [الذاريات: ١٧، ١٨]. أي: ما ينامون، يقال: هجع يهجع هجوعاً، وهو: النوم بالليل دون النهار، ورجل هاجع من قوم هجع وهجوع، وامرأة هاجعة من نسوة هجع وهواجع وهاجعات. وفي (المحكم): قد يكون الهجوع بين نوم، وقوم هجع وهجوع ونساء هجع وهجوع وهواجع وهاجعات جمع الجمع. وقال أبو عمرو: الهاجع كل نائم. وفي (الكامل): التهجاع النومة الخفيفة. ١١٤٥/١٧٥ - حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ عنْ أَبِي شِهَابٍ عِنْ أَبِي سَلَمَةً وأبِي عَبْدِ اللهِ الأَغَرِّ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضِيَ الله عنْهُ أَنَّ رسولَ الله عَ لِ قال يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يقول مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْألُنِي فَأَغْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فأَغْفِرَ لَهُ. [الحديث ١١٤٥ - طرفاه في: ٦٣٢١، ٧٤٩٤]. مطابقته للترجمة ظاهرة وهي أن الترجمة في الدعاء في آخر الليل، والحديث يخبر أن من دعا في ذلك الوقت يستجيب الله تعالى دعاءه. ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: عبد الله بن مسلمة القعنبي. الثاني: مالك بن أنس. الثالث: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. الرابع: أبو سلمة بن عبد الرحمن. الخامس: أبو عبد الله الأغر، بالغين المعجمة وتشديد الراء: واسمه سلمان الثقفي والأغر لقبه. السادس: أبو هريرة، رضي الله تعالى عنه. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: أن رجاله كلهم مدنيون، غير أن ابن سلمة سكن البصرة. وفيه: ابن شهاب مذكور بنسبته إلى جده. وفيه: ثلاثة مذكورون بالكنية وواحد منهم باللقب أيضاً. وفيه: اختلف على ابن شهاب، فرواه عنه مالك وحفاظ أصحابه كما هو المذكور ههنا، ٢٨٦ ١٩ - كتابُ التَّهَجَدِ / باب (١٤) واقتصر بعضهم في الرواية عنه على أحد الرجلين، وقال بعض أصحاب مالك: عن سعيد بن المسيب بدل أبي سلمة، وأبي عبد الله الأغر، ورواه أبو داود الطيالسي: عن إبراهيم بن سعد عن الزهري، فقال: الأعرج بدل الأغر، ورواه أبو داود الطيالسي: عن إبراهيم بن سعد عن الزهري، فقال: الأعرج بدل الأغر. قيل: هذا تصحيف. وقال الترمذي: حديث أبي هريرة صحيح، وقد روي هذا الحديث من أوجه كثيرة عن أبي هريرة ((عن النبي عَّم أنه قال: ينزل الله تعالى حين يبقى ثلث الليل الآخر))، وهذا أصح الروايات. وقال شيخنا زين الدين، رحمه الله: وقد روي في ذلك خمس روايات. أصحها: ما صححه الترمذي، وقد اتفق عليها مالك بن أنس وإبراهيم بن سعد وشعيب بن أبي حمزة ومعمر بن راشد ويونس بن يزيد ومعاذ بن يحيى الصدفي وعبيد الله بن أبي زياد وعبد الله بن زياد بن سمعان وصالح بن أبي الأخضر، كلهم عن ابن شهاب عن أبي سلمة وأبي سلمة وأبي عبد الله، إلاَّ أن ابن سمعان وابن أبي الأخضر لم يذكرا أبا سلمة في الإسناد، وزاد ابن أبي الأخضر بدله: عطاء بن يزيد الليثي، كلهم عن أبي هريرة، وهكذا رواه الأعمش: عن أبي صالح عن أبي هريرة، ومحمد بن عمرو: عن أبي سلمة عن أبي هريرة، ويحيى بن أبي كثير: عن أبي جعفر عن أبي هريرة. وقد قيل: إن أبا جعفر هذا هو محمد بن علي بن الحسين. الرواية الثانية: هي ما رواه الترمذي: حدثنا قتيبة حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن الإسكندراني عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه ((عن أبي هريرة: أن رسول الله عَ لَّه قال: ينزل الله إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول .. )) الحديث، وهكذا في رواية منصور وشعبة عن أبي إسحاق عن أبي مسلم الأغر عن أبي هريرة وأبي سعيد عند مسلم. الرواية الثالثة: حين يبقى نصف الليل الآخر، وهي رواية إسماعيل بن جعفر عن محمد ابن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وهكذا رواية حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عنه بلفظ: ((إذا كان شطر الليل .. )) الحديث، وكذا في رواية ابن إسحاق عن سعيد المقبري عن عطاء عن أبي هريرة: ((إذا مضى شطر الليل)). الرواية الرابعة: التقييد بالشطر أو الثلث الأخير إما على الشك أو وقوع هذا مرة وهذا مرة، وهي رواية سعيد، بن مرجانة ((عن أبي هريرة: ينزل الله تعالى شطر الليل أو ثلث الليل الآخر))، وهكذا في رواية الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة: أو ثلث الليل الآخر. الرواية الخامسة: التقييد بمضي نصف الليل أو ثلثه، وهي رواية عبيد الله بن عمر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة: (إذا مضى نصف الليل أو ثلث الليل))، وكذا في رواية محمد ابن جعفر بن أبي كثير عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة: ((إذا ذهب ثلث الليل أو نصفه)). فإن قلت: كيف طريق الجمع بين هذه الروايات التي ظاهرها الاختلاف؟ قلت: أما : ٢٨٧ ١٩ - كتابُ التَّهَجُّدِ / باب (١٤) رواية من لم يعين الوقت فلا تعارض بينها وبين من عين، وأما من عين الوقت واختلفت ظواهر رواياتهم فقد صار بعض العلماء إلى الترجيح، كالترمذي على ما ذكرنا، إلاّ أنه عبر بالأصح، فلا يقتضي تضعيف غير تلك الرواية لما تقتضيه صيغة: أفعل، من الاشتراك. وأما القاضي عياض فعبر في الترجيح بالصحيح، فاقتضى ضعف الرواية الأخرى، ورده النووي بأن مسلماً رواها في (صحيحه) بإسناد لا يطعن فيه عن صحابيين، فكيف يضعفها؟ وإذا أمكن الجمع ولو على وجه فلا يصار إلى التضعيف. وقال النووي: ويحتمل أن يكون النبي، عَّه، أعلم بأحد الأمرين في وقت فأخبر به، ثم أعلم بالآخر في وقت آخر فأعلم به، وسمع أبو هريرة، رضي الله تعالى عنه، الخبرين فنقلهما جميعاً، وسمع أبو سعيد الخدري، رضي الله تعالى عنه، خبر الثلث الأول فقط، فأخبر به مع أبي هريرة كما رواه مسلم في الرواية الأخيرة، وهذا ظاهر. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في التوحيد عن إسماعيل ابن عبد الله، وفي الدعوات عن عبد العزيز بن عبد الله. وأخرجه مسلم في الصلاة عن يحيى ابن يحيى. وأخرجه أبو داود فيه وفي السنة عن القعنبي. وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة. وأخرجه النسائي في النعوت عن محمد بن سلمة عن ابن القاسم عن مالك به، في اليوم والليلة عن أبي داود الحراني. وأخرجه ابن ماجه في الصلاة عن أبي مروان محمد بن عثمان العثماني. ذكر من أخرجه من غير أبي هريرة: قال الترمذي، بعد أن أخرج هذا الحديث عن أبي هريرة: وفي الباب عن علي بن أبي طالب، وأبي سعيد ورفاعة الجهني وجبير بن مطعم وابن مسعود وأبي الدرداء وعثمان بن أبي العاص. قلت: وفي الباب، عن جابر بن عبد الله وعبادة بن الصامت وعقبة بن عامر وعمرو بن عنبسة وأبي الخطاب وأبي بكر الصديق وأنس ابن مالك وأبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل وأبي ثعلبة الخشني وعائشة وابن عباس ونواس ابن سمعان وأمه سلمة وجد عبد الحميد بن سلمة. أما حديث علي، رضي الله تعالى عنه، فأخرجه الدارقطني في كتاب (السنة) من طريق محمد بن إسحاق عنه، قال: سمعت رسول الله عَّم يقول: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، ولأخرت العشاء الآخرة إلى ثلث الليل، فإنه إذا مضى ثلث الليل الأول هبط الله إلى السماء الدنيا فلم يزل هناك حتى يطلع الفجر، فيقول القائل: ألاّ سائل يعطى سؤاله؟ ألاَ داع يجاب؟)) ورواه أحمد في (مسنده)، ورواه الدارقطني أيضاً من طريق أهل البيت من رواية الحسين بن موسى بن جعفر عن أبيه عن جده جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي، رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله، عَ له: ((إن الله ينزل في كل ليلة جمعة من أول الليل إلى آخره إلى سماء الدنيا، وفي سائر الليالي من الثلث الأخير من الليل فيأمر ملكاً ينادي: هل من سائل فأعطيه؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ يا طالب الخير أقبل، ويا طالب الشر أقصر)). وفي ٢٨٨ ١٩ - كتابُ التَّهَجَدِ / باب (١٤) إسناده من يجهل. وأما حديث أبي سعيد فأخرجه مسلم والنسائي في اليوم والليلة من رواية الأغر أبي مسلم (عن أبي سعيد وأبي هريرة: إن الله يمهل حتى إذا ذهب ثلث الليل الأول ينزل إلى سماء الدنيا ... )) الحديث. وأما حديث رفاعة الجهني، فرواه ابن ماجه من رواية عطاء بن يسار عنه قال: قال النبي، عَّ له: ((إن الله يمهل حتى إذا ذهب من الليل نصفه أو ثلثه، قال: لا يسأل عن عبادي غيري)) الحديث، ورواه النسائي في اليوم والليلة عنه. وأما حديث جبير بن مطعم فرواه النسائي في اليوم والليلة عنه: أن رسول الله، عَّه، قال: ((إن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟)) ورواه أحمد في (مسنده) من هذا الوجه وزاد: ((حتى يطلع الفجر)). وأما حديث ابن مسعود فأخرجه أحمد من رواية أبي إسحاق الهمداني عن أبي الأحوص عن ابن مسعود: أن رسول الله، عَّله، قال: ((إذا كان ثلث الليل الباقي يهبط الله، عز وجل، إلى سماء الدنيا، ثم تفتح أبواب السماء، ثم يبسط يده فيقول: هل من سائل يعطى سؤاله؟ ولا يزال كذلك حتى يسطع الفجر)). وأما حديث أبي الدرداء فرواه الطبراني في (معجمه الكبير) و(الوسط) من رواية زياد ابن محمد الأنصاري عن محمد بن كعب القرظي عن فضالة بن عبيد عن أبي الدرداء، قال: قال ◌َّ الله: ((ينزل الله تعالى في آخر ثلاث ساعات يبقين من الليل، فينظر في الساعة الأولى منهن في الكتاب الذي لا ينظر فيه غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت، وينظر في الساعة الثانية في جنة عدن وهي مسكنه الذي يسكن لا يكون معه فيها إلّ الأنبياء والشهداء والصديقون، وفيها ما لم يره أحد ولا خطر على قلب بشر، ثم يهبط آخر ساعة من الليل فيقول: ألاَ مستغفر يستغفرني فأغفر له؟ ألاَ سائل يسألني فأعطيه؟ ألاَ داع يدعوني فأستجيب له حتى يطلع الفجر؟ قال الله تعالى: ﴿وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً﴾ [الإسراء: ٧٨]. فيشهده الله وملائكته))، قال الطبراني: وهو حديث منكر. وأما حديث عثمان بن أبي العاص فرواه أحمد والبزار من رواية علي بن زيد عن الحسن عن عثمان ابن أبي العاص، قال: قال رسول الله عَّهِ: ((ينادي منادٍ كل ليلة: هل من داع فيستجاب له؟ هل من سائل فيعطى؟ هل من مستغفر فيغفر له؟ حتى يطلع الفجر))، ورواه الطبراني في (الكبير) بلفظ: ((تفتح أبواب السماء نصف الليل فينادي منادٍ ... )) فذكره. وأما حديث جابر فرواه الدارقطني في (كتاب السنة) وأبو الشيح ابن حبان أيضاً في (كتاب السنة) من رواية عبد الرحمن بن كعب بن مالك ((عن جابر بن عبد الله أن رسول الله عَّه قال: إن الله ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا لثلث الليل فيقول: ألاَ عبد من عبادي يدعوني فأستجيب له؟ ألا ظالم لنفسه يدعوني فأغفر له؟ ألاَ مقتر عليه فأرزقه؟ ألاَ مظلوم ٢٨٩ ١٩ - كتابُ التَّهَجَّدِ / باب (١٤) يستعز بي فأنصره؟ ألاَ عان يدعوني فأفك عنه؟ فيكون ذاك مكانه حتى يضيء الفجر، ثم يعلو ربنا عز وجل إلى السماء العليا على كرسيه))، وهو حديث منكر، في إسناده محمد بن إسماعيل الجعفري، يرويه عن عبد الله بن سلمة بن أسلم، بضم اللام، والجعفري منكر الحديث، قاله أبو حاتم، وعبد الله بن سلمة ضعفه الدارقطني، وقال أبو نعيم: متروك. وأما حديث عبادة بن الصامت فرواه الطبراني في (المعجم الكبير) و(الأوسط) من رواية يحيى بن إسحاق ((عن عبادة، قال: قال رسول الله عَّ له: ينزل ربنا، تبارك وتعالى، إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل، فيقول: ألاّ عبد من عبادي؟ ... )) الحديث نحو حديث جابر، وفي آخره، حتى يصبح الصبح ثم يعلو، عز وجل، على كرسيه))، وفي إسناده فضيل بن سليمان النميري، وهو وإن أخرج له الشيخان فقد قال فيه ابن معين ليس بثقة. وأما حديث عقبة بن عامر فرواه الدارقطني من رواية يحيى بن أبي كثير عنه، قال: ((أقبلنا مع النبي عَّ له فقال: إذا مضى ثلث الليل، أو قال نصف الليل، ينزل الله عز وجل، إلى السماء الدنيا فيقول: لا أسأل عن عبادي أحداً غيري))، قال الدارقطني: وفيه نظر. وأما حديث عمرو بن عنبسة فرواه الدارقطني أيضاً في (كتاب السنة) من رواية جرير ابن عثمان، قال: حدثنا سليم بن عامر بن عمرو بن عنبسة، قال: ((أتيت رسول الله عَ لَّه فقلت: يا رسول الله .. ) الحديث، وفيه: ((إن الرب، عز وجل، يتدلى من جوف الليل))، زاد في رواية الآخر: ((فيغفر إلاّ ما كان من الشرك))، زاد في رواية: ((والبغي والصلاة مشهودة حتى تطلع الشمس)). وأما حديث أبي الخطاب فرواه عبد الله بن أحمد في (كتاب السنة) بإسناده ((عن رجل من أصحاب رسول الله عَ لَّه يقال له أبو الخطاب، أنه سأل النبي عَّ له عن الوتر، فقال: أحب إلي أن أوتر نصف الليل، إن الله يهبط من السماء العليا إلى السماء الدنيا فيقول: هل من مذنب؟ هل من مستغفر؟ هل من داع؟ حتى إذا طلع الفجر ارتفع)). قال أبو أحمد الحاكم وابن عبد البر أبو الخطاب، له صحبة ولا يعرف اسمه. ذكر معناه: قوله: ((ينزل))، بفتح الياء، فعل مضارع: والله، مرفوع به. وقال ابن فورك: ضبط لنا بعض أهل النقل هذا الخبر عن النبي معَّه بضم الياء من: ينزل، يعني: من الإنزال. وذكر أنه ضبط عمن سمع منه من الثقات الضابطين. وكذا قال القرطبي: قد قيده بعض الناس بذلك فيكون معدى إلى مفعول محذوف، أي: ينزل الله ملكاً. قال: والدليل على صحة هذا ما رواه النسائي من حديث الأغر عن أبي هريرة وأبي سعيد قال: قال رسول الله عَ له: ((إن الله، عز وجل، يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر منادياً يقول: هل من داع فيستجاب له .. ؟)) الحديث، وصححه عبد الحق وحمل صاحب (المفهم) الحديث على النزول المعنوي على رواية مالك عنه عند مسلم، فإنه قال فيها: ((يتنزل ربنا))، بزيادة: تاء، بعد: ياء المضارعة، فقال: كذا صحت الرواية عنا، وهي ظاهرة في النزول المعنوي وإليها يرد عمدة القاري / ج٧ / م١٩ : ٢٩٠ ١٩ - كتابُ التَّهَجُّدِ / باب (١٤) ((ينزل))، على أحد التأويلات، ومعنى ذلك أن مقتضى عظمة الله وجلاله واستغنائه أن لا يعبأ بحقير ذليل فقير، لكن ينزل بمقتضى كرمه ولطفه لأن يقول: من يقرض غير عدوم ولا ظلوم، ويكون قوله: ((إلى السماء الدنيا))، عبارة عن الحالة القريبة إلينا، والدنيا بمعنى: القربى، والله أعلم. ثم الكلام هنا على أنواع. الأول: احتج به قوم على إثبات الجهة لله تعالى، وقالوا: هي جهة العلو، وممن قال بذلك: ابن قتيبة وابن عبد البر، وحكي أيضاً عن أبي محمد بن أبي زيد القيرواني، وأنكر ذلك جمهور العلماء لأن القول بالجهة يؤدي إلى تحيز وإحاطة، وقد تعالى الله عن ذلك. الثاني: أن المعتزلة أو أكثرهم: كجهم بن صفوان وإبراهيم بن صالح ومنصور بن طلحة والخوارج، أنكروا صحة تلك الأحاديث الواردة في هذا الباب، وهو مكابرة، والعجب أنهم أولوا ما ورد من ذلك في القرآن وأنكروا ما ورد في الحديث إما جهلاً وإما عناداً. وذكر البيهقي في (كتاب الأسماء والصفات): عن موسى بن داود، قال: قال لي عباد بن عوام، قدم علينا شريك بن عبد الله منذ نحو من خمسين سنة، قال: فقلت: يا أبا عبد الله إن عندنا قوماً من المعتزلة ينكرون هذه الأحاديث؟ قال: فحدثني نحو عشرة أحاديث في هذا، وقال: أما نحن فقد أخذنا ديننا هذا عن التابعين عن أصحاب النبي معَّلّ فهم عمن أخذوا؟ وقد وقع بين إسحاق بن راهويه وبين إبراهيم بن صالح المعتزلي، وبينه وبين منصور بن طلحة أيضاً منهم كلام، بعضه عند عبد الله بن طاهر بن عبد الله المعتزلي، وبعضه عند أبيه طاهر بن عبد الله. قال إسحاق بن راهويه: جمعني وهذا المبتدع، يعني إبراهيم بن صالح، مجلس الأمير عبد الله بن طاهر، فسألني الأمير عن أخبار النزول فسردتها، فقال إبراهيم: كفرت برب ينزل من سماء إلى سماء. فقلت: آمنت برب يفعل ما يشاء. قال: فرضي عبد الله كلامي وأنكر علي إبراهيم، وقد أخذ إسحاق كلامه هذا من الفضيل بن عياض، رحمه الله، فإنه قال: إذا قال الجهمي: أنا أكفر برب ينزل ويصعد، فقلت: آمنت برب يفعل ما يشاء، ذكره أبو الشيخ ابن حبان في (كتاب السنة) ذكر فيه: عن أبي زرعة، قال: هذه الأحاديث المتواترة عن رسول الله عَّ ◌ُله: إن الله ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، قد رواه عدة من أصحاب رسول الله عَ له، وهي عندنا صحاح قوية. قال رسول الله عَّله: ((ينزل)) ولم يقل: كيف ينزل، فلا نقول: كيف ينزل؟ نقول، كما قال رسول الله عَّ. وروى البيهقي في (كتاب الأسماء والصفات) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا محمد بن أحمد بن عبد الله المزني يقول: حديث النزول قد ثبت عن رسول الله عَ ليه من وجوه صحيحة، وورد في التنزيل ما يصدقه، وهو قوله: ﴿وجاء ربك والملك صفاً صفاً﴾ [الفجر: ٢٢]. ٠ ٠٠ الثالث: أن قوماً أفرطوا في تأويل هذه الأحاديث حتى كاد أن تخرج إلى نوع من التحريف، ومنهم من فصل بين ما يكون تأويله قريباً مستعملاً في كلام العرب، وبين ما يكون بعيداً مهجوراً، وأولوا في بعض وفوضوا في بعض، ونقل ذلك عن مالك. ٢٩١ ١٩ - كتابُ التَّهَجُّدِ / باب (١٤) الرابع: أن الجمهور سلكوا في هذا الباب الطريق الواضحة السالمة، وأجروا على ما ورد مؤمنين به منزهين لله تعالى عن التشبيه والكيفية، وهم: الزهري والأوزاعي وابن المبارك ومكحول وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة والليث بن سعد وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وغيرهم من أئمة الدين. ومنهم الأئمة الأربعة: مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد. قال البيهقي في (كتاب الأسماء والصفات): قرأت بخط الإمام أبي عثمان الصابوني، عقيب حديث النزول: قال الأستاذ أبو منصور - يعني الجمشاذي: وقد اختلف العلماء في قوله: ((ينزل الله))، فسئل أبو حنيفة فقال: بلا كيف، وقال حماد بن زيد: نزوله إقباله. وروى البيهقي في (كتاب الاعتقاد) بإسناده إلى يونس بن عبد الأعلى، قال: قال لي محمد بن إدريس الشافعي: لا يقال للأصل: لِمَ ولا كيف، وروى بإسناده إلى الربيع بن سليمان، قال: قال الشافعي: الأصل كتاب أو سنة أو قول بعض أصحاب رسول الله عَ ◌ّه أو إجماع الناس. قلت: لا شك أن النزول انتقال الجسم من فوق إلى تحت، والله منزه عن ذلك، فما ورد من ذلك فهو من المتشابهات، فالعلماء فيه على قسمين: الأول: المفوضة: يؤمنون بها ويفوضون تأويلها إلى الله، عز وجل، مع الجزم بتنزيهه عن صفات النقصان. والثاني: المؤولة: يؤولون بها على ما يليق به بحسب المواطن، فأولوا بأن معنى: ينزل الله: ينزل أمره أو ملائكته، وبأنه استعارة، ومعناه: التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك، وقال الخطابي: هذا الحديث من أحاديث الصفات، مذهب السلف فيه الإيمان بها وإجراؤها على ظاهرها ونفي الكيفية عنه: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وقال القاضي البيضاوي، لما ثبت بالقواطع العقلية أنه منزه عن الجسمية والتحيز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع أعلى إلى ما هو أخفض منه، فالمراد دنو رحمته، وقد روي: يهبط الله من السماء العليا إلى السماء الدنيا، أي: ينتقل من مقتضى صفات الجلال التي تقتضي الأنفة من الأراذل وقهر الأعداء والانتقام من العصاة إلى مقتضى صفات الإكرام للرأفة والرحمة والعفو، ويقال: لا فرق بين المجيء والإتيان والنزول إذا أضيف إلى جسم يجوز عليه الحركة والسكون والنقلة التي هي تفريغ مكان وشغل غيره، فإذا أضيف ذلك إلى من لا يليق به الانتقال والحركة، كان تأويل ذلك على حسب ما يليق بنعته وصفته تعالى. فالنزول: لغة، يستعمل لمعان خمسة مختلفة: بمعنى الانتقال: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهوراً﴾ [الفرقان: ٤٨]. و: الإعلام ﴿نزل به الروح الأمين﴾ [الشعراء: ١٩٣]. أي: أعلم به الروح الأمين محمداً عَّله، وبمعنى: القول ﴿سأنزل مثل ما أنزل الله﴾ [الأنعام: ٩٣]. أي سأقول مثل ما قال، والإقبال على الشيء، وذلك مستعمل في كلامهم جار في عرفهم، يقولون: نزل فلان من مكارم الأخلاق إلى دنيها، ونزل قدر فلان عند فلان إذا انخفض، وبمعنى: نزول الحكم، من ذلك قولهم: كنا في خير وعدل حتى نزل بنا بنو فلان، أي: حكم، وذلك كله متعارف عند أهل اللغة: وإذا كانت مشتركة في المعنى وجب حمل ما وصف به الرب، جل جلاله، من النزول على ما يليق به من بعض هذه المعاني، وهو: إقباله على أهل الأرض بالرحمة والاستيقاظ بالتذكير والتنبيه الذي يلقى في : ٢٩٢ ١٩ - كتابُ التَّهَجُدِ / باب (١٤) القلوب، والزواجر التي تزعجهم إلى الإقبال على الطاعة. ووجدناه، تعالى، خص بالمدح المستغفرين بالأسحار، فقال تعالى: ﴿وبالأسحار يستغفرون﴾ [الذاريات: ١٨]. قوله: ((عز وجل))، وفي بعض النسخ: ((تبارك وتعالى))، وهما جملتان معترضتان بين الفعل والفاعل وظرفه: لما أسند ما لا يليق إسناده بالحقيقة إلى الله تعالى، وأتى بما يدل على التنزيه على سبيل الاعتراض. قوله: ((حين يبقى ثلث الليل الآخر))، وعند مسلم: ((ثلث الليل الأول))، وفي لفظ: ((شطر الليل أو ثلث الليل الأخير))، وههنا ست روايات: الأولى: هي التي ههنا وهي: ثلث الليل الأول. الثانية: إذا مضى الثلث الأول. الثالثة: الثلث الأول أو النصف. الرابعة: النصف. الخامسة: النصف أو الثلث الأخير. السادسة: الإطلاق، والمطلقة منها تحمل على المقيدة، والتي بحرف الشك، فالمجزوم به مقدم على المشكوك فيه. فإن قلت: إذا كانت كلمة: أو، للترديد بين حالين، كيف يجمع بذلك بين الروايات؟ قلت: يجمع بأن ذلك يقع بحسب اختلاف الأحوال، لكون أوقات الليل تختلف في الزمان وفي الآفاق باختلاف تقدم دخول الليل عند قوم وتأخره عنه آخرين، وقد مر الكلام فيه من وجه آخر عن قريب. فإن قلت: ما وجه التحصيص بالثلث الأخير الذي رجحه جماعة على غيره من الروايات المذكورة؟ قلت: لأنه وقت التعرض لنفحات رحمة الله تعالى، لأنه زمان عبادة أهل الإخلاص، وروي أن آخر الليل أفضل للدعاء والاستغفار، وروى محارب بن دثار عن عمه أنه كان يأتي المسجد في السحر ويمر بدار ابن مسعود، فسمعه يقول: اللهم إنك أمرتني فأطعت، ودعوتني فأجبت، وهذا سحر فاغفر لي، فسئل ابن مسعود عن ذلك؟ فقال: إن يعقوب معَّ أخر الدعاء لبنيه إلى السحر. فقال: ﴿سوف أستغفر لكم﴾ [يوسف: ٩٨]. وروى أن داود عَِّ سأل جبريل عَ لَّه: أي الليل أسمع؟ فقال: لا أدري، غير أن العرش يهتز في السحر. قوله: ((الآخر))، بكسر الخاء المعجمة وارتفاعه على أنه صفة للثلث. قوله: ((من يدعوني)) المذكور ههنا الدعاء والسؤال والاستغفار، والفرق بين هذه الثلاثة أن المطلوب: إما لدفع المضرة، وإما لجلب الخير، والثاني إما ديني أو دنياوي، ففي لفظ الاستغفار إشارة إلى الأول، وفي السؤال إشارة إلى الثاني وفي الدعاء إشارة إلى الثالث. وقال الكرماني: فإن قلت: ما الفرق بين الدعاء والسؤال؟ قلت: المطلوب إما لدفع غير الملائم، وإما لجلب الملائم، وذلك إما دنيوي وإما ديني، فالاستغفار وهو طلب ستر الذنوب، إشارة إلى الأول، والسؤال إلى الثاني، والدعاء إلى الثالث، والدعاء ما لا طلب فيه نحو قولنا: يا الله يا رحمن، والسؤال هو الطلب، والمقصود واحد، واختلاف العبارات لتحقيق القضية وتأكيدها. قوله: ((فأستجيب له))، يجوز فيه النصب والرفع: أما النصب فعلى جواب الاستفهام، وأما الرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: فأنا أستجيب له، وكذا الكلام في قوله: ((فأعطيه فأغفر له)). واعلم أن السين في: ((فأستجيب)) ليس للطلب، بل هو بمعنى: أُجيب وذلك، لتحول الفاعل إلى أصل الفعل نحو: استحجر الطين، فإن قلت: ليس في وعد الله خلف وكثير من الداعين لا يستجاب لهم؟ قلت: إنما ذاك لوقوع الخلل في شرط من شروط ٢٩٣ ١٩ - كتابُ التَّهَجُدِ / باب (١٥) الدعاء مثل: الاحتراز في المطعم والمشرب والملبس، أو لاستعجال الداعي، أو يكون الدعاء ياثم أو قطيعة رحم، أو تحصل الإجابة ويتأخر المطلوب إلى وقت آخر يريد الله وقوع الإجابة فيه إما في الدنيا وإما في الآخرة. ١٥ - بابُ منْ نامَ أوَّلَ اللَّيْلِ وَأَحْيَا آخِرَهُ أي: هذا باب في بيان شأن من نام أول الليل وأحيى آخره بالصلاة أو بقراءة القرآن أو بالذ کر. وقالَ سَلْمَانُ لأبِي الدَّرَدَاءِ رضي الله تعالى عنهما نَمْ فَلَمَّا كانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قال قُمْ قال النبيُّ عَّلِ صَدَقَ سَلْمَانُ مطابقته للترجمة ظاهرة، لأن سلمان الفارسي أمر لأبي الدرداء بالنوم في أول الليل، ويالقيام في آخره، وهذا التعليق مختصر من حديث طويل أورده البخاري في كتاب الأدب من حديث أبي جحيفة، قال: ((آخى رسول الله عَّلل بين سلمان وأبي الدرداء، أقرى سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء مبتذلة، فقال لها: ما شأنك، قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاماً، فقال: كل فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، فقال: ثم، فنام فذهب يقوم، فقال: نم، فلما كان آخر الليل قال سلمان: قم الآن. قال: فصلينا، فقال سلمان: إن لربك عليك حقاً. ولنفسك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه، فأتى النبي عَّةِ، فذكر ذلك له فقال النبي علل: صدق سلمان)) ١١٤٦/١٧٦ - حدّثنا أبُو الوَلِيدِ قال حدثنا شُعْبَةُ وحدَّثني سُلَيْمَانُ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أبِي إِسْحَاقَ عنِ الأسْوَدِ قال سألتُ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها كَيْفَ كانَ صَلاةُ النبيِّ عَِّ بِاللَّيْلِ قالَتْ كانَ يَنامُ أوَّلَهُ وَيَقُومُ آخِرَهُ فَيُصَلِّي ثُمَّ يرْجِعُ إِلَى فِراشِهِ فإذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ وَثَبَ فإن كانَ بِهِ حَاجَةٌ اغْتَسَلَ وَإِلاَّ تَوَضَّأَ وخَرَجَ. مطابقته للترجمة في قوله: ((كان ينام أوله ويقوم آخره)). ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي. الثاني: شعبة بن الحجاج. الثالثٌّ سليمان بن حرب الواشحي. الرابع: أبو إسحاق السبيعي عمرو بن عبد الله. الخامس: الأسود بن يزيد. السادس: عائشة أم المؤمنين، رضي الله تعالى عنها. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: السؤال. وفيه: القول في موضعين. وفيه: شيخان للبخاري كلاهما بصريان وشعبة واسطي وأبو إسحاق والأسود كوفيان. وفيه: حدثنا أبو الوليد: وهذا يدل على شيئين: أحدهما: أنه معلق. والثاني: أن سياق البخاري الحديث على لفظ سليمان بن حرب، والتعليق وصله الإسماعيلي عن أبي خليفة عن أبي الوليد. ٢٩٤ ١٩ - كتابُ التَّهَجَّدِ / باب (١٦) ذكر من أخرجه غيره: أخرجه الترمذي في الشمائل عن بندار. وأخرجه النسائي في الصلاة عن محمد بن المثنى، كلاهما عن غندر عن شعبة، وأخرجه مسلم: حدثنا أحمد بن يونس، قال: حدثنا زهير، قال: حدثنا أبو إسحاق (ح) وحدثنا يحيى بن يحيى قال: أخبرنا أبو خيثمة ((عن أبي إسحاق قال: سألت الأسود بن يزيد عما حدثته عائشة عن صلاة رسول الله عَّ اله؟ قالت: كان ينام أول الليل ويحيي آخره، ثم إن كانت له حاجته ثم ينام، فإذا كان عند النداء الأول قالت: وثب، ولا والله ما قالت: قام، فأفاض عليه الماء، ولا والله ما قالت: اغتسل، وأنا أعلم ما تريد، وإن لم يكن جنباً توضأ وضوء الرجل للصلاة ثم صلى ركعتين)). ذكر معناه: قوله: ((فإن كان له حاجة قضى حاجته))، يعني: الجماع، وجواب: إن الذي هو جزاء الشرط محذوف، تقديره: فإن كانت له حاجة قضى حاجته. وقوله: ((اغتسل))، ليس بجواب، وإنما هو يدل على المحذوف، وفي رواية مسلم الجواب مذكور كما تراه، وقال الإسماعيلي: هذا حديث يغلط في معناه الأسود، فإن الأخبار الجياد: ((كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وأمر بذلك من سأله)). قيل: لم يرد الإسماعيلي بهذا أن حديث الباب غلط، وإنما أراد أن أبا إسحاق حدث به عن الأسود بلفظ آخر غلط فيه، والذي أنكره الحفاظ على أبي إسحاق في هذا الحديث هو ما رواه الثوري عنه بلفظ: ((كان رسول الله عَ لّه ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء)). وقال الترمذي: يرون هذا غلطاً من أبي إسحاق. ومما يستفاد منه: أنه عٍَّ كان ينام جنباً قبل أن يغتسل. وفيه: الاهتمام في العبادة والإقبال عليها بالنشاط، ولفظة الوثوب تدل عليه. قال الكرماني: وكلمة: الفاء، تدل على أنه عَّ لِ كان يقضي حاجته من نسائه بعد إحياء الليل، وهو الجدير به عَ لّه إذ العبادة مقدمة على غيرها. ١٦ - بابُ قِيَامِ النبيِّ عَّهِ بِاللَّيْلِ فِي رَمَضَانَ وغَيْرِهِ أي: هذا باب في بيان قيام النبي عَّه، أي: صلاته بالليل في رمضان أي: في ليالي رمضان وغيره. ١١٤٧/١٧٧ - حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ عنْ أَبِي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ أَنَّهُ سَألَ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها كَيْفَ كانَتْ صَلاَةٌ رسولِ الله عَّه فِي رَمَضَانَ فَقَالَتْ ما كانَ رسولُ الله عَ لَّه يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَ فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةٌ يُصَلِّي أَرْبَعاً فَلاَ تَسَلْ عنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعاً فَلاَ تَسَلْ عنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاَثَاً قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ يا رسولَ اللهِ أَتْنَامُ قَبْلَ أنْ تُوتِرَ فقال يا عائشَةُ إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلاَ يَنَامُ قَلْبِي. [الحديث ١١٤٧ - طرفاه في: ٢٠١٣، ٣٥٦٩]. مطابقته للترجمة ظاهرة. ورجاله قد ذكروا غير مرة. وأخرج البخاري أيضاً في الصوم عن إسماعيل، وفي صفة النبي عَّه عن القعنبي. وأخرجه مسلم في الصلاة عن يحيى بن يحيى. وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي، وأخرجه ٢٩٥ ١٩ - كتابُ التَّهَجُّدِ / باب (١٦) الترمذي فيه عن إسحاق بن موسى عن معن بن عيسى. وأخرجه النسائي عن قتيبة بن سعيد وعن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين. ذكر من أخرجه من غير عائشة: وفي هذا الباب عن أنس وجابر بن عبد الله وحجاج ابن عمرو وحذيفة وزيد بن خالد وصفوان بن المعطل وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعلي بن أبي طالب والفضل بن عباس ومعاوية بن الحكم السلمي وأبي أيوب وخباب وأم سلمة وصحابي لم يسم. أما حديث أنس: فرواه الطبراني في (الأوسط) من رواية جنادة بن مروان، قال: حدثنا الحارث بن النعمان، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: كان رسول الله عَّالله يحيى الليل بثمان ركعات ركوعهن كقراءتهن وسجودهن كقراءتهن، ويسلم بين كل ركعتين، وجنادة اتهمه أبو حاتم. وأما حديث جابر فرواه أحمد والبزار وأبو يعلى من رواية شرحبيل بن سعد أنه سمع جابر بن عبد الله قال: ((أقبلنا مع رسول الله عَّ ◌ُلم زمن الحديبية))، وفيه: ((ثم صلى بعدها)) أي: بعد العتمة، ((ثلاث عشرة سجدة)) وشرحبيل وثقه ابن حبان وضعفه غير واحد. وأما حديث حجاج بن عمرو فرواه الطبراني في (الكبير) و(الأوسط) من رواية كثير بن العباس عنه، قال: ((أيحسب أحدكم إذا قام من الليل يصلي حتى يصبح أن قد تهجد، إنما التهجد الصلاة بعد رقدة ثم الصلاة بعد رقدة ثم الصلاة بعد رقدة، تلك كانت صلاة رسول الله عَّله). وأما حديث حذيفة، فرواه محمد بن نصر في (كتاب قيام الليل) من رواية عبد الملك بن عمير عن ابن عم حذيفة ((عن حذيفة، قال: قمت إلى جنب رسول الله عَّلِ فقرأ السبع الطوال في سبع ركعات .. )) الحديث. وأما حديث زيد بن خالد، فرواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي في الشمائل من رواية عبد الله بن قيس بن مخرمة ((عن زيد بن خالد الجهني، أنه قال: لأرمقن صلاة رسول الله، عٍَّ، فصلى ركعتين خفيفتين، ثم صلى ركعتين طويلتين طويلتين، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم أوتر فذلك ثلاث عشرة ركعة)). وأما حديث صفوان بن المعطل فرواه أحمد في زياداته على المسند والطبراني في (الكبير) من رواية أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ((عن صفوان بن المعطل السلمي، قال: كنت مع رسول الله عَ لّه في سفر .. )) الحديث، وفي آخره: ((حتى صلى إحدى عشرة ركعة)). وأما حديث عبد الله بن عباس فرواه الأئمة الستة، فرواه البخاري ذكره في: باب كيف صلاة النبي عَ لّه، وأما حديث عبد الله بن عمر فرواه النسائي في (سننه) وابن ماجه من رواية عامر الشعبي، قال: ((سألت عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهم، عن صلاة رسول الله عَ لّه بالليل فقالا: ثلاث عشرة، منها ثمان بالليل ويوتر بثلاث وركعتين بعد الفجر)). وأما حديث علي بن أبي طالب، فرواه أحمد في زياداته على المسند من رواية أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة ((عن علي، قال: كان رسول الله عَّه يصلي من الليل ست عشرة ركعة سوى المكتوبة))، وإسناده حسن. وأما حديث الفضل بن عباس فرواه أبو داود من ٢٩٦ ١٩ - كتابُ التَّهَجَّدِ / باب (١٦) رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن كريب ((عن الفضل بن عباس، قال: بت ليلة عند النبي عَّ له لأنظر كيف يصلي، فقام فتوضأ وصلى ركعتين قيامة مثل ركوعه وركوعه مثل سجوده، ثم نام فذكره، وفيه: فلم يزل يفعل هذا حتى صلى عشر ركعات، ثم قام فصلى سجدة واحدة فأوتر بها)). وأما حديث معاوية بن الحكم فرواه الطبراني في (الكبير) من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن عن معاوية بن الحكم قال مثل حديث مالك في صلاة رسول الله عَّم إحدى عشرة ركعة، واضطجاعه على شقه الأيمن. وأما حديث أبي أيوب فرواه أحمد والطبراني في (الكبير) من رواية واصل بن السائب عن أبي سورة ((عن أبي أيوب: أن رسول الله عَّم كان إذا قام يصلي من الليل صلى أربع ركعات فلا يتكلم ولا يأمر بشيء ويسلم من كل ركعتين)). وأما حديث خباب بن الأرت فرواه النسائي من رواية عبد الله بن خباب عن أبيه، وكان شهد بدراً مع رسول الله عَّ له: أنه راقب رسول الله عَظ ◌ّم الليلة كلها حتى كان مع الفجر، فلما سلم رسول الله عَ لّه من صلاته جاء خباب فقال: ((يا رسول الله بأبي أنت وأمي لقد صليت الليلة صلاة ما رأيتك صليت نحوها؟ قال رسول الله عَ لّه: أجل إنها صلاة رغب ورهب)). وأما حديث أم سلمة فرواه أبو داود والترمذي في فضائل القرآن والنسائي من رواية ابن أبي مليكة ((عن يعلى بن مالك أنه سأل أم سلمة، رضي الله تعالى عنها، عن قراءة رسول الله عَ ليه فقالت: وما لكم وصلاته؟ كان يصلي وينام قدر ما صلى، ثم يصلي قدر ما نام، ثم ينام قدر ما يصلي حتى يصبح))، ولأم سلمة حديث آخر رواه البخاري وسيأتي في أبواب الوتر. وأما حديث الرجل الذي لم يسم فرواه النسائي من رواية حميد بن عبد الرحمن: ((أن رجلاً من أصحاب النبي عَّه قال: قلت وأنا في سفر مع النبي عَّهِ: والله لأرمقن رسول الله عَ لَّهِ للصلاة حتى أرى فعله))، الحديث: ((ثم قام فصلى حتى قلت: صلى قدر ما نام، ثم اضطجع حتى قلت: قد نام قدر ما صلى، ثم استيقظ ففعل كما فعل أول مرة، وقال مثل ما قال، ففعل رسول الله عَّهِ ثلاث مرار قبل الفجر)). ذكر معناه: قوله: ((في رمضان)، أي: في ليالي رمضان، قوله: ((فلا تسأل عن حسنهن))، معناه: هن في نهاية من كمال الحسن والطول مستغنيان لظهور حسنهن وطولهن عن السؤال عنهن والوصف. قوله: (أربعاً)) أي: أربع ركعات. قوله: ((أتنام؟)) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار والاستعلام. قوله: ((ولا ينام قلبي)) ليس فيه معارضة لما مضى في: باب الصعيد الطيب وضوء المسلم، أنه عَّ نام حتى فاتت صلاة الصبح، وطلعت الشمس لأن طلوع الشمس متعلق بالعين لا بالقلب، إذ هو من المحسوسات لا من المعقولات. ذكر ما يستفاد منه: فيه: أن عمله عَِّ كان ديمة شهر رمضان وغيره، وأنه كان إذا عمل عملاً أثبته وداوم عليه. وفيه: تعميم الجواب عند السؤال عن شيء لأن أبا سلمة إنما سأل عائشة، رضي الله تعالى عنها، عن صلاة رسول الله عَ ◌ّةٍ في رمضان خاصة، فأجابت عائشة بأعم من ذلك، وذلك لئلا يتوهم السائل أن الجواب مختص بمحل السؤال دون غيره، ٢٩٧ ١٩ - كتابُ التَّهَجُدِ / باب (١٦) فهو كقوله عَ له: ((هو الطهور ماؤه والحل ميته)) لما سأله السائل عن حالة ركوب البحر ومع راكبه ماء قليل يخاف العطش إن توضأ، فأجاب بطهورية ماء البحر حتى لا يختص الحكم بمن هذه حاله، وفي قولها: ((يصلي أربعاً)، حجة لأبي حنيفة، رضي الله تعالى عنه، في أن الأفضل في التنفل بالليل أربع ركعات بتسليمة واحدة، لأن ظاهر الكلام يقتضي ذلك فلا يعدل عن الظاهر إلاَّ بدليل. فإن قلت: قد ثبت إيتار النبي عَّه بركعة واحدة، وثبت أيضاً قوله عَ لقوله: ((ومن شاء أوتر بواحدة)) قلت: سلمنا ذلك، ولكنه إن تلك الركعة الواحدة توتر الشفع المتقدم لها، والدليل على ذلك ما رواه البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك عن نافع وعبد الله بن دينار ((عن ابن عمر: أن رجلاً سأل النبي عَ لَّه عن صلاة الليل؟ فقال رسول الله عَّله: صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى). وسيجيء الكلام في موضعه مستقصىّ إن شاء الله تعالى. وفيه: أنه عَّلَّه لا ينتقض وضوؤه بالنوم لكون قلبه لا ينام، وهذا من خصائص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما ثبت في الصحيح من قوله: ((وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم))، وفيه: أن النوم ناقض للطهارة. وفيه: تفصيل قد مر بيانه. وفيه: أن صلاته عَ لَّه كانت متساوية في جميع السنة بين ما يستفتح به الصلاة وما بعد ذلك. فإن قلت: في (صحيح مسلم) من حديث عائشة وزيد بن خالد وأبي هريرة استفتاح صلاة الليل بركعتين خفيفتين. وثبت أيضاً في الصحيح من حديث حذيفة صلاته في أول قيامه من الليل بسورة البقرة وآل عمران؟ قلت: يجمع بينهما بأنه عَّ لّ كان يفعل كلاً من الأمرين بالتسوية بين الركعات. الأسئلة والأجوبة منها: أنه ثبت في الصحيح من حديث عائشة أنه عَّ ((كان إذا دخل العشر الأواخر يجتهد فيه ما لا يجتهد في غيره))، وفي الصحيح أيضاً من حديثها: ((كان إذا دخل العشر أحيى الليل وأيقظ أهله وجد وشد المئزر))، وهذا يدل على أنه كان يزيد في العشر الأخير على عادته، فكيف يجمع بينه وبين حديث الباب؟ فالجواب أن الزيادة في العشر الأخير تحمل على التطويل دون الزيادة في العدد. ومنها: أن الروايات اختلفت عن عائشة في عدد ركعات صلاة النبي عَّمِ بالليل، وفي مقدار ما يجمعه منها بتسليم، ففي حديث الباب: إحدى عشرة ركعة، وفي رواية هشام بن عروة عن أبيه: ((كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء إلاّ في آخرها))، وفي رواية مسروق: ((أنه سألها عن صلاة رسول الله عَّ له فقال: سبع وتسع وإحدى عشرة سوى ركعتي الفجر))، وفي رواية إبراهيم عن الأسود ((عن عائشة: أنه كان يصلي بالليل تسع ركعات))، رواه البخاري والنسائي وابن ماجه. والجواب: إن من عدها ثلاث عشرة أراد بركعتي الفجر، وصرح بذلك في رواية القاسم ((عن عائشة: كانت صلاته عَّ لمه من الليل عشر ركعات ويوتر بسجدة ويركع ركعتي الفجر))، فتلك ثلاث عشرة ركعة. وأما رواية سبع وتسع فهي في حالة كبره، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وأما مقدار ما ٢٩٨ ١٩ - كتابُ التَّهَجُّدِ / باب (١٦) يجمعه من الركعات بتسليمه ففي رواية: كان يسلم بين ركعتين ويوتر بواحدة، وفي رواية: ((يوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء إلاَّ في آخرها))، وفي رواية: ((يصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلاَّ في الثامنة))، والجمع بين هذا الاختلاف أنه عَّه فعل جميع ذلك في أوقات مختلفة. ومنها: أنه اختلفت أيضاً الأحاديث الواردة في هذا الباب في عدد صلاته، ففي حديث زيد بن خالد وابن عباس وجابر وأم سلمة: ثلاث عشرة ركعة، وفي حديث الفضل وصفوان بن المعطل ومعاوية بن الحكم وابن عمر وإحدى الروايتين عن ابن عباس: إحدى عشرة، وفي حديث أنس: ثمان ركعات، وفي حديث حذيفة: سبع ركعات، وفي حديث أبي أيوب: أربع ركعات، وكذلك في بعض طرق حديث حذيفة، وأكثر ما فيها حديث علي، رضي الله تعالى عنه، ست عشرة ركعة. الجواب: بأن ذلك بحسب ما شاهد الرواة كذلك، فربما زاد وربما نقص، وربما فرق قيام الليل مرتين أو ثلاثاً، ومن عد ذلك تسعاً أسقط ركعة الوتر، ومن زاد على ثلاث عشرة ركعة فيكون قد عد سنة العشاء أو ركعتي الفجر أو عدهما جميعاً، وعليه يحمل ما رواه ابن المبارك في (الزهد والرقائق) في حديث مرسل: أنه عٍَّ كان يصلي من الليل سبع عشرة ركعة. ١١٤٨/١٧٨ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قال حدثنا يَحْيِى بِنُ سَعِيدٍ قال أخبرني أبي عنْ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ ما رَأيْتُ النبيَّ عَلَّهِ يَقْرأَ في شَيْءٍ مِنْ صَلاةِ اللَّيْلِ جالِساً حَتَّى إِذَا كَبِرَ قرَأْ جالساً فإذَا بَقِيَ عليه منَ السُّورَةِ ثَلاَثُونَ أَوْ أَرْبَعُونَ آيَةً قامَ فَقَرَأَهُنَّ ثُمَّ رَكَعَ. [انظر الحديث ١١١٨ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((من صلاة الليل))، وهي: قيام الليل الذي سماه في الترجمة. : ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: محمد بن المثنى بن عبيد، يعرف بالزمن. الثاني: يحيى بن سعيد القطان الأحول. الثالث: هشام بن عروة. الرابع: أبوه عروة بن الزبير بن العوام. الخامس: عائشة أم المؤمنين. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: الإخبار بصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: أن شيخه وشیخ شيخه بصریان وهشام وأبوه مدنيان. والحديث أخرجه مسلم أيضاً عن زهير بن حرب عن يحيى بن سعيد به. ذكر معناه: قوله: ((جالساً)) نصب على الحال في موضعين. قوله: ((کبر))، بكسر الباء الموحدة أي: أسن، وكان ذلك قبل موته عَّ الله بعام، وأما: كبر، بضم الباء فهو بمعنى: عظم. قوله: ((أو أربعون)) شك من الراوي. ذكر ما يستفاد منه: فيه: في قوله: ((حتى إذا بقي عليه ... )) إلى آخره، رد على من اشترط على من افتتح النفل قاعداً أن يركع قاعداً، وإذا افتتح قائماً أن يركع قائماً، وهو ٢٩٩ ١٩ - كتابُ التَّهَجُدِ / باب (١٧) محكي عن أشهب المالكي. وفيه: جواز النافلة جالساً، واختلف في كيفيته، فعن أبي حنيفة: يقعد في حال القراءة كما يقعد في سائر الصلاة، وإن شاء تربع وإن شاء احتبى، وعن أبي يوسف: يحتبي، وعنه: يتربع إن شاء، وعن محمد: يتربع وعن زفر: يقعد كما في التشهد، وعن أبي حنيفة، في صلاة الليل: يتربع من أول الصلاة إلى آخرها، وعن أبي يوسف: إذا جاء وقت الركوع والسجود يقعد كما يقعد في تشهد المكتوبة، وعنه: يركع متربعاً. قال في (المغني): الأمران جائزان، جاء عن النبي عَّلهم على ما روته عائشة، رضي الله تعالى عنها، والإقعاء مكروه والافتراض عند الشافعية أفضل من التربع على أظهر الأقوال، وفي رواية: ينصب ركبته اليمني كالقارىء بين يدي المقرىء، وعند مالك: يتربع، ذكره القرافي في (الذخيرة) وفي (المغني): عند أحمد يقعد متربعاً في حال القيام، ويثني رجليه في الركوع والسجود. وقال: القعود في حق النبي عَّله كالقيام في حالة القدرة، تشريفاً له وتخصيصاً. ١٧ - بابُ فَضْلِ الطُّهُورِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وفَضْلِ الصَّلاةِ بعدَ الوُضُوءِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أي: هذا باب في بيان فضيلة الطهور، وهو الوضوء بالليل والنهار، وفي رواية الكشميهني: باب فضل الطهور بالليل والنهار وفضل الصلاة عند الطهور بالليل والنهار، وفي بعض النسخ: بعد الوضوء، موضع: عند الطهور، وفي بعضها: باب فضل الصلاة عند الطهور بالليل والنهار، وهو الشق الثاني من رواية الكشميهني، وعليه اقتصر الإسماعيلي وأكثر الشراح. ١١٤٩/١٧٩ - حدّثنا إسْحَاقُ بنُ نَصْرٍ قال حدَّثنا أبو أُسَامةَ عنْ أَبِي حَيَّانَ عَنْ أبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه أنَّ النبيَّ عَ لَّهِ قَالَ لِلاَلٍ عِنْدَ صَلاةِ الفَجْرِ یا بِلالُ حَدِّثْنِي بِأَرْجِى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ في الإسْلاَمِ فإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الجَنَّةِ قال ما عَمِلْتُ عَمَلاً أَرْجَى عِنْدِي أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طُهُوراً فِي سَاعَةٍ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إلَّ صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الظُّهُورِ ما كُتِبَ لِي أنْ أُصَلِّيَ. مطابقته للترجمة لا تتأتى إلاَّ في الشق الثاني من رواية الكشميهني، وهو قوله: ((وفضل الصلاة عند الطهور بالليل والنهار)). ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: إسحاق بن نصر، وهو إسحاق بن إبراهيم بن نصر، فالبخاري يروي عنه في (الجامع) في غير موضع، لكنه تارة يقول: حدثنا إسحاق بن إبراهيم ابن نصر، وتارة يقول: حدثنا إسحاق بن نصر فينسبه إلى جده. الثاني: أبو أسامة حماد بن أسامة. الثالث: أبو حيان، بتشديد الياء آخر الحروف: واسمه يحيى بن سعيد، ووقع في (التوضيح): يحيى بن حيان وهو غلط. الرابع: أبو زرعة، اسمه هرم بن جرير بن عبد الله البجلي. الخامس: أبو هريرة، رضي الله تعالى عنه. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: ذكر الراوي باسم جده. وفيه: ثلاثة من ٣٠٠ ١٩ - كتابُ التَّهَجُدِ / باب (١٧) الرواة مذكورون بالكنية وآخر من الصحابة. وفيه: أن شيخه بخاري وأبو أسامة وأبو حيان وأبو زرعة کوفیون. وقال المزي في (الأطراف): أخرجه مسلم في الفضائل عن عبيد بن يعيش وأبي كريب محمد بن العلاء، كلاهما عن أبي أسامة، وعن محمد بن عبد الله بن نمير عن أبيه عن أبي حيان به، وأخرجه النسائي في المناقب عن محمد بن عبد الله المخزومي عن أبي أسامة به. ذكر معناه: قوله: ((قال لبلال))، هو: ابن رباح المؤذن. قوله: ((في صلاة الفجر))، إشارة إلى أن ذلك وقع في المنام، لأن عادته عَّ أنه كان يقص ما رآه غيره من أصحابه بعد صلاة الفجر، على ما يأتي في كتاب التعبير. قوله: ((بأرجى عمل)) أرجى: على وزن: أفعل التفضيل، بمعنى المفعول، لا بمعنى الفاعل، وأضيف إلى العمل لأنه الداعي إليه. وهو السبب فيه. قوله: ((في الإسلام)) وفي رواية مسلم: ((حدثني بأرجى عمل عملته عندك في الإسلام منفعة))، قوله: ((فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة)) وفي رواية مسلم: ((فإني سمعت الليلة خشف نعليك بين يدي)) قوله: ((في الجنة))، وفي رواية الإسماعيلي: ((حفيف نعليك))، وفي رواية الحاكم على شرط الشيخين: ((يا بلال، بم سبقتني إلى الجنة؟)) دخلت البارحة فسمعت خشخشتك أمامي))، وعند أحمد والترمذي. ((فإني سمعت خشخشة نعليك)) والخشخشة الحركة التي لها صوت كصوت السلاح، وفي رواية ابن السكن: دوي نعليك))، بضم الدال المهملة، يعني: صوتهما. وأما الدف فهو، بفتح الدال المهملة وتشديد الفاء. قال ابن سيده: الدفيف، سير لين، دف يدف دفيفاً، ودف الماشي على وجه الأرض إذا جد، ودف الطائر وأدف: ضرب جنبيه بجناحيه. وقيل: هو إذا حرك جناحيه ورجلاه في الأرض. وزعم أبو موسى المديني في (المغيث): أن حديث بلال هذا: ((سمعت دف نعليك)) أي: حفيفهما، وما يحس من صوتهما عند وطئهما، وذكره صاحب (التتمة) بالذال المعجمة، وأصله: السير السريع، وقد يقال: دف نعليك، بالدال المهملة ومعناهما: قريب. قوله: ((أني) بفتح الهمزة، وكلمة: من، مقدرة قبلها ليكون صلة أفعل التفضيل، وجاز الفاصلة بالظرف بين أفعل وصلته، هذا ما قاله الكرماني، وتحريره: أن أفعل التفضيل لا يستعمل في الكلام إلاَّ بأحد الأشياء الثلاثة وهي: الألف واللام، والإضافة، وكلمة: من. وههنا لفظ: ((أرجىء))، أفعل التفضيل كما قلنا، وهي خالية عن هذه الأشياء فقدر كلمة: من، تقديره: ما عملت عملاً أرجىء من أني لم أتطهر طهوراً، أي: لم أتوضأ وضوءاً، وهو يتناول الغسل أيضاً. قوله: وجاز الفاصلة بالظرف، أراد بالفاصلة هنا قوله: ((عندي)) فإنه ظرف فصل به بين كلمة: (أرجىء) وبين كلمة: من، المقدرة. فافهم. قوله: ((طهوراً))، بضم الطاء، وفي رواية مسلم: ((طهوراً تاماً)، ويحترز بالتمام عن الوضوء اللغوي وهو: غسل اليدين، لأنه قد يفعل ذلك لطرد النوم. قوله: ((في ساعة))، بالتنوين. قوله: ((ليل))، بالجر بدل من: ساعة، وفي رواية مسلم: ((من ليل أو نهار)). قوله: