النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ ١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (٤) يقصر صلاته الرباعية، وإن كان أقل من ذلك لا يجوز، وهذه العبارة رواية أبي ذر، وفي رواية غيره: وسمى النبي عَّهِ يوماً وليلة سفراً، وإطلاق السفر على يوم وليلة تجوز، وكذا إطلاق يوم وليلة على السفر، وهذا أنسب. يقال: سميت فلاناً زيداً، وقد ذكر في هذا الباب ثلاثة أحاديث: إثنان منها عن ابن عمر والآخر عن أبي هريرة، وفي حديث أبي هريرة: أقل مدة السفر التي لا يحل للمرأة أن تسافر فيها بدون زوج أو محرم يوم وليلة كما يأتي ذكره. وأشار إلى هذا بقوله: ((وسمى النبي عَّ ◌ُلِ السفر يوماً وليلة)). وقال بعضهم: وتعقب بأن في بعض طرقه: ثلاثة أيام، كما في حديث ابن عمر، وفي بعضها: يوم وليلة، وفي بعضها: يوم، وفي بعضها: ليلة، وفي بعضها: بريد. قلت: ليس فيه تعقب لأن المحكي في هذا الباب نحو من عشرين قولاً، وقد ذكرنا في هذا الباب الصلاة بمنىّ، وأشار بهذا إلى أن أقل المسافة التي اختارها من هذه الأقوال، يوم وليلة، ولا يقال المذكور في بعضها يوم فقط بدون ليلة، لأنا نقول: إذا ذكر اليوم مطلقاً يراد به الكامل، وهو اليوم بليلته، وكذا إذا أطلقت الليلة بدون ذكر اليوم. وكانَ ابنُ عُمَرَ وابنُ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهم يَقْصُرَانِ ويُفْطِرانِ فِي أُرْبَعَةِ بُرُدٍ وَهْيَ سِتَّةَ عشَرَ فَرْسَخاً هذا التعليق أسنده البيهقي، فقال: أخبرنا ابن حامد الحافظ أخبرنا زاهر بن أحمد حدثنا أبو بکر النيسابوري حدثنا يوسف بن سعید بن مسلم حدثنا حجاج حدثني لیٹ حدثنا يزيد بن أبي حبيب ((عن عطاء بن أبي رباح: أن ابن عمر وابن عباس كانا يصليان ركعتين ويفطران في أربعة برد، فما فوق ذلك)). قال أبو عمر: هذا عن ابن عباس معروف من نقل الثقات متصل الإسناد عنه من وجوه. منها ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء عنه، وقال ابن أبي شيبة أخبرنا ابن عيينة عن عمر وأخبرني عطاء عنه، وحدثنا وكيع حدثنا هشام ابن الغاز عم ربيعة الجرشي عن عطاء عنه، وقد اختلف عن ابن عمر في تحديد ذلك اختلافاً كثيراً، فروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن نافع أن ابن عمر كان أدنى ما يقصر الصلاة فيه مال له بخيبر، وبين المدينة وخيبر ستة وتسعون ميلاً، وروى وكيع من وجه آخر عن ابن عمر أنه قال: يقصر من المدينة إلى السويداء، وبينهما إثنان وسبعون ميلاً، وروى عبد الرزاق عن مالك عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه: أنه سافر إلى ريم فقصر الصلاة. قال عبد الرزاق: وهي على ثلاثين ميلاً من المدينة، وروى ابن أبي شيبة عن وكيع عن مسعر عن محارب: سمعت ابن عمر يقول: إني لأسافر الساعة من النهار فأقصر. وقال الثوري: سمعت جبلة بن سحيم، سمعت ابن عمر يقول: لو خرجت ميلاً لقصرت الصلاة، وإسناد كل من هذه الآثار صحيح، وقد اختلف في ذلك على ابن عمر، وأصح ما روي عنه ما رواه ابنه سالم ونافع أنه: كان لا يقصر إلّ في اليوم التام أربعة برد، وفي (الموطأ) عن ابن شهاب عن مالك عن سالم عن أبيه: أنه كان يقصر في مسيرة اليوم التام، وقال بعضهم: على هذا في تمسك الحنفية بحديث ابن عمر، على أن: أقل مسافة القصر ثلاثة أيام إشكال، لا سيما على قاعدتهم بأن ١٨٢ ١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (٤) الاعتبار بما رأی الصحابي لا بما روى. قلت: ليس فيه إشكال، لأن هذا لا يشبه أن يكون رأياً، إنما يشبه أن يكون توقيفاً على أن أصحابنا أيضاً اختلفوا في هذا الباب اختلافاً كثيراً، فالذي ذكره صاحب (الهداية): السفر الذي تتغير به الأحكام أن يقصد الإنسان مسيرة ثلاثة أيام ولياليها بسير الإبل ومشي الأقدام، وقدر أبو يوسف بيومين وأكثر الثالث، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، ورواية ابن سماعة عن محمد، وقال المرغيناني وعامة المشايخ: قدروها بالفراسخ، فقيل: أحد وعشرون فرسخاً، وقيل: ثمانية عشر فرسخاً. قال المرغيناني: وعليه الفتوى. وقيل خمسة عشر فرسخاً. وما ذكره صاحب (الهداية) هو مذهب عثمان وابن مسعود وسويد بن غفلة وفي (التمهيد): وحذيفة بن اليمان وأبو قلابة وشريك بن عبد الله وابن جبير وابن سيرين والشعبي والنخعي والثوري والحسن بن حي، وقد استقصينا الكلام فيه في: باب الصلاة بمنى. قوله: ((وهو ستة عشر فرسخاً) من كلام البخاري أي: البرد ستة عشر فرسخاً، والبرد، بضم الباء الموحدة: جمع بريد، وقال ابن سيده: البريد فرسخان. وقيل: ما بين كل منزلين بريد، وقال صاحب (الجامع): البريد أميال معروفة، يقال: هو أربعة فراسخ. والفرسخ ثلاثة أميال. وفي (الواعي): البريد سكة من السكك، كل اثني عشر ميلاً بريد، وكذا ذكره في (الصحاح) وغيره. وفي (الجمهرة): البريد معروف عربي، والفرسخ، قال ابن سيده: هو ثلاثة أميال أو ستة، سمي بذلك لأن صاحبه إذا مشي وقعد واستراح، كأنه سكن، والفرسخ: السكون. وفي (الجامع): قيل: إنما سمي فرسخاً من السعة. وقيل: المكان إذا لم يكن فيه فرجة فهو فرسخ. وقيل: الفرسخ الطويل. وفي (مجمع الغرائب): فراسخ الليل والنهار ساعاتهما وأوقاتهما. وفي (الصحاح): هو فارسي معرب، والميل من الأرض معروف، وهو قدر مد البصر، وقيل: ليس له حد معلوم، وقيل: هو ثلاثة آلاف ذراع، وعن يعقوب: منتهى مد البصر، ويقال: الميل عشر غلوات، والغلوة طلق الفرس، وهو مائتا ذراع وفي (المغرب) للمطرزي الغلوة ثلاثمائة ذراع إلى أربعمائة. وقيل: هو قدر رمية سهم. وقال ابن عبد البر: أصح ما في الميل أنه ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة. وقيل: أربعة آلاف ذراع، وقيل: ألف خطوة بخطوة الجمل. وقيل: هو أن ينظر إلى الشخص فلا يعلم أهو آتٍ أو ذاهب أو رجل هو أو امرأة. وقال عياض: وقيل: إثنا عشر ألف قدم، وعن الحربي قال أبو نصر: هو قطعة من الأرض ما بين العلمين. ١٠٨٦/١٢١ - حدّثنا إِسْحَاقُ بنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ قال قُلْتُ لأِي أُسَامَةَ حدَّثَكُمْ عُبَيْدُ اللهِ عنْ نَافِعِ عنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما أنَّ النبيَّ عَّهِ قال لاَ تُسَافِرِ المَرْأَةُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ مَعَ ذِي مَخْرَمٍ. [الحديث ١٠٨٦ - طرفه في: ١٠٨٧]. مطابقته للترجمة من حيث إنه يبين الإبهام الذي في الترجمة ففسره أولاً بقوله: ((وسمى النبي عَِّ السفر يوماً وليلة)). وثانياً بقوله: ((وكان ابن عمر .. )) إلى آخره، وثالثاً بهذا الحديث الذي رواه عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، لأن إبهام الترجمة وإطلاقه يتناول الكل. ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: إسحاق، قال أبو علي الجياني: حيث قال البخاري: ١٨٣ ١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (٤) حدثنا إسحاق، فهو ابن راهويه. وإما ابن نصر السعدي. وإما ابن منصور الكوسج لأن الثلاثة أخرج عنهم البخاري عن أبي أسامة. قال الكرماني: إسحاق هو الحنظلي. قلت: هو إسحاق ابن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم، يعرف بابن راهويه الحنظلي المروزي، والصواب معه، لأنه ساق هذا الحديث في مسنده بهذه العبارة. الثاني: أبو أسامة حماد بن أسامة الليثي، وقد مر غير مرة. الثالث: عبيد الله بن عمر العمري، وقد مر عن قريب. الرابع: نافع مولى ابن عمر. الخامس: عبد الله ابن عمر. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع، وبصيغة الإفراد في موضع، وفيه: قال وقلت. وفيه: أن شيخه مروزي وأبو أسامة كوفي وعبيد الله ونافع مدنيان. وفيه: دليل لمن قال: إنه لا يشترط في صحة الناقل قول الشيخ: نعم، في جواب من قال له: حدثكم فلان، بكذا، قال بعضهم: فيه نظر، لأن مسند إسحاق في آخره وأقر به أبو أسامة وقال: نعم. قلت: فيه نظر، لأن هذا المستدل إنما استدل بظاهر عبارة البخاري التي تساعده فيه على ما لا يخفى. وفيه: أن شيخه مذكور بغير نسبة، ويحتمل وجه ذلك أنه روى هذا الحديث من هؤلاء الثلاثة المسمى كل منهم بإسحاق ولم ينسبه ليتناول الثلاثة، لأنه أخرج عن الثلاثة عن أبي أسامة. والحديث أخرجه مسلم أيضاً عن أبي بكر بن أبي شيبة وأخرجه مسلم أيضاً من طريق الضحاك بن عثمان عن نافع مسيرة ثلاث ليال، والتوفيق بين الروايتين أن المراد: ثلاثة أيام بلیالیھا وثلاث ليال بأيامها. ذكر ما يستنبط منه: احتج به أبو حنيفة وأصحابه وفقهاء أصحاب الحديث على أن المحرم شرط في وجوب الحج على المرأة إذا كانت بينها وبين مكة مسيرة ثلاثة أيام ولياليها، وبه قال النخعي والحسن البصري والثوري والأعمش. فإن قلت: الحج لم يدخل في السفر الذي نهى عنه النبي، عَّله، وأنه محمول على الأسفار غير الواجبة، والحج فرض، فلا يدخل في هذا النهي؟ قلت: النهي عام في كل سفر، ويؤيده ما رواه البخاري ومسلم. فقال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، كلاهما عن سفيان، قال أبو بكر: حدثنا سفيان بن عيينة، قال: حدثنا عمرو بن دينار ((عن أبي معبد قال: سمعت ابن عباس يقول: سمعت النبي عَّم يخطب: لا يخلون رجل بامرأة إلاّ ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلّ مع ذي محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتي حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، قال: انطلق فحج مع امرأتك)). ولفظ البخاري يجيء في موضعه، إن شاء الله تعالى. وأخرجه ابن ماجه والطحاوي أيضاً، ولفظ الطحاوي: ((أردت أن أحج بامرأتي، فقال رسول الله عَ ليهِ: ((أحجج مع امرأتك)). فدل ذلك على أنها لا ينبغي لها أن تحج إلّ به، ولولا ذلك لقال رسول الله: وما حاجتها إليك لأنها مع المسلمين، وأنت فامض لوجهك فيما اكتتبت، ففي ترك النبي عَّهِ أن يأمره بذلك وأمره أن يحج معها دليل على أنها لا يصلح لها الحج إلاّ به. ١٨٤ ١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (٤) وروى ابن حزم ابن عباس هذا في (المحلى) بسنده، كما مر، غير أن في لفظه: ((إني نذرت أن أخرج في جيش كذا))، عوض قوله: ((إني اكتتبت في غزوة كذا)). ثم قال: ولم يقل عَّ له: لا تخرج إلى الحج إلاّ معك، ولا نهاها عن الحج، بل ألزمه ترك نذره في الجهاد وألزمه الحج معها، فالفرض في ذلك عليه لا عليها. قلت: إنما قال ذلك توجيهاً لمذهبه في أن المرأة تحج من غير زوج ومحرم، فإن كان لها زوج ففرض عليه أن يحج معها وليس كما فهمه، بل الحديث في نفس الأمر حجة عليه، لأنه لما قال له: ((فاخرج معها))، وأمره بالخروج معها فدل على عدم جواز سفرها إلاّ به أو بمحرم، وإنما ألزمه بترك نذره لتعلق جواز سفرها به. فإن قلت: ظاهر الحديث يدل على أن الزوج أو المحرم إذا امتنع عن الخروج معها في الحج أنه يجبر على ذلك، ومع هذا فأنتم تقولون: إذا امتنع الزوج أو المحرم لا يجبر عليه. قلت: فليكن كذلك فلا يضرنا هذا، وإنما قصدنا إثبات شرطية الزوج أو المرأة إذا أرادت الحج، على أن هذا الأمر ليس بأمر إلزام، وإنما نبه بذلك على أن المرأة لا تسافر إلاّ بزوجها، ومذهب الشافعي ومالك أن المرأة تسافر للحج الفرض بلا زوج ولا محرم، وإن كان بينها وبين مكة سفر أو لم يكن وخصًّا النهي الوارد عن ذلك بالأسفار غير الواجبة، ومذهب عطاء وسعيد بن كيسان وطائفة من الظاهرية: أنه يجوز سفر المرأة فيما دون البريد، فإذا كان بريداً فصاعداً فليس لها أن تسافر إلاّ بمحرم، واحتجوا في ذلك بما رواه الطحاوي، قال: حدثنا أبو بكرة قال: حدثنا أبو عمر الضرير عن حماد بن سلمة، قال: حدثنا سهيل بن أبي صالح عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه،قال: قال رسول الله عَّهِ: ((لا تسافر امرأة بريداً، إلاّ مع زوج أو ذي محرم)). وأخرجه البيهقي أيضاً، ولفظه: ((لا تسافر المرأة بريداً إلاّ مع ذي محرم))، وأخرجه أبو داود نحوه. وذهب الشافعي وطاوس وقوم من الظاهرية إلى أن المرأة لا يجوز لها أن تسافر مطلقاً سواء كان السفر قريباً أو بعيداً، إلا ومعها ذو محرم لها، واحتجوا في ذلك بما رواه الطحاوي. قال حدثنا روح بن الفرج، قال: حدثنا حامد بن يحيى، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، قال: حدثنا ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله عَ ليهِ: ((لا تسافر المرأة إلاّ ومعها ذو محرم)). قال الطحاوي: اتفقت الآثار التي فيها مدة الثلاث كلها عن النبي عَّ له في تحريم السفر ثلاثة أيام على المرأة بغير محرم، واختلف فيما دون الثلاث، فنظرنا في ذلك فوجدنا النهي عن السفر بلا محرم مسيرة ثلاثة أيام فصاعداً ثابتاً بهذه الآثار كلها، وكان توقيته ثلاثة أيام في ذلك إباحة السفر دون الثلاث لها بغير محرم، ولولا ذلك لما كان لذكره الثلاث معنى، ولنهى نهياً مطلقاً. ولم يتكلم بكلام يكون فصلاً، ولكن ذكر الثلاث ليعلم أن ما دونها بخلافها، ثم ما روي عنه في منعها من السفر دون الثلاث من اليوم واليومين والبريد، فكل واحد من تلك الآثار، ومن الأثر المروي في الثلاث متى كان بعد الذي خالفه شيخه إن كان على سفر اليوم بلا محرم بعد النهي - عن سفر الثلاث بلا ١٨٥ ١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (٤) محرم - فهو ناسخ، وإن كان خبر الثلاث هو المتأخر عنه فهو ناسخ، فقد ثبت أن أحد المعاني دون الثلاث ناسخة للثلاث، أو الثلاث ناسخة لها، فلم يخل خبر الثلاث من أحد وجهين: إما أن يكون هو المتقدم، أو يكون هو المتأخر، فإن كان هو المتقدم فقد أباح السفر بأقل من ثلاث بلا محرم، ثم جاء بعده النهي عن سفر ما هو دون الثلاث بغير محرم، فحرم ما حرم الحديث الأول وزاد عليه حرمة أخرى وهي ما بينه وبين الثلاث، فوجب استعمال الثلاث على ما أوجبه الأثر المذكور فيه، وإن كان هو المتأخر وغيره المتقدم فهو ناسخ لما تقدمه، والذي تقدمه غير واجب العمل به، فحديث الثلاث واجب استعماله على الأحوال كلها، وما خالفه فقد يجب استعماله إن كان هو المتأخر، ولا يجب إن كان هو المتقدم، فالذي قد وجب علينا استعماله والأخذ به في كلا الوجهين أولى مما يجب استعماله في حال وتر که في حال. انتھی. وقال القاضي عياض: وقوله في الرواية الواحدة عن أبي سعيد: ثلاث ليال، وفي الأخرى: يومين، وفي الأخرى: أكثر من ثلاث، وفي حديث ابن عمر: ثلاث، وفي حديث أبي هريرة: مسيرة ليلة، وفي الأخرى عنه: يوم وليلة، وفي الأخرى عنه: ثلاث، وهذا كله ليس يتنافر ولا يختلف، فيكون عَّله منع من ثلاث ومن يومين ومن يوم أو يوم وليلة، وهو أقلها، وقد يكون قوله هذا في مواطن مختلفة ونوازل متفرقة، فحدث كل من سمعها بما بلغه منها وشاهده، وإن حدث بها واحد فحدث بها مرات على اختلاف ما سمعها، وبحسب اختلاف هذه الروايات اختلف الفقهاء في تقصير المسافر وأقل السفر. فإن قلت: حديث الباب الذي رواه عمر الذي فيه تعيين ثلاثة أيام، وأنه ممنوع إلاّ بذي محرم، وقد روي عنه من قوله خلاف ذلك، قال الطحاوي: حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثنا بكر بن مضر عن عمرو بن الحارث ((عن بكير أن نافعاً حدثه أنه: كان يسافر مع ابن عمر مواليات له ليس معهن ذو محرم)). قلت: قد يجوز أن يكون سفرهن بغير محرم هو السفر الذي لم يدخل فيها نهي عنه عَّهِ. قوله: ((مواليات))، بضم الميم، أي: نساء مواليات من الموالاة، وعقد الموالاة أن يسلك رجل على يد آخر فيواليه، فيقول: أنت مولاي ترثني إذا مت وتعقل عني إذا جنيت، فهذا عقد صحيح. وكذا لو أسلم على يد رجل ووالى غيره. فإن قلت: روي عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، أنها كانت تسافر بغير محرم، فأخذ به جماعة وجوزوا سفرها بغير محرم. قلت: كان الناس لعائشة محرماً لأنها أم المؤمنين، فمع أيهم سافرت فقد سافرت بمحرم، وليس الناس لغيرها من النساء كذلك، وهذا الجواب من أبي حنيفة، رضي الله تعالى عنه. ١٠٨٧/١٢٢ - حدثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا يَحْيَى عنْ عُبَيْدِ اللهِ عنْ نافِعِ عنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما عن النبيِّ عَ لّه قال لاَ تُسَافِرُ المَزْأَةُ إلاّ معَ ذِي مَخْرَمٍ. [أنظر الحديث ١٠٨٦]. هذا طريق آخر لحديث ابن عمر عن مسدد عن يحيى القطان عن عبيد الله بن عمر ١٨٦ ١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (٤) العمري عن نافع إلى آخره. قوله: ((إلا معها ذو محرم)) رواية الأصيلي وأبي ذر وفي رواية غيرهما: ((إلاّ مع ذي محرم))، والمحرم، بفتح الميم: من لا يحل له نكاحها، ووقع في رواية أبي سعيد عند مسلم وأبي داود: ((إلاّ ومعها أبوها وأخوها أو زوجها أو ابنها أو ذو محرم منها)). واختلف في المحرم، فيجوز لها المسافرة مع محرمها بالنسب: كأبيها وأخيها وابن اختها وابن أخيها وخالها وعمها، ومع محرمها بالرضاع كأخيها من الرضاع وابن أخيها وابن اختها منه، ونحوهم، ومع محرمها من المصاهرة كأبي زوجها وابن زوجها، ولا كراهة في شيء من ذلك إلاّ أن مالكاً كره سفرها مع ابن زوجها لفساد الناس بعد العصر الأول، وكذلك يجوز لهؤلاء الخلوة بها والنظر إليها من غير حاجة، ولكن لا يحل النظر بشهوة. تابَعَهُ أَحْمَدُ عنِ ابْنِ المُبَارَكِ عَنْ عُبَيْدِ الله عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ عنِ النبيِّ عَ لَّه : أي: تابع عبيد الله أحمد حيث رواه عن عبد الله بن المبارك عن عبيد الله العمري عن نافع عن ابن عمر، عن النبي ◌َّمِ مثله، أي: مرفوعاً نحوه، وذكر البخاري متابعته إياه دفعاً لمن قال: إنه موقوف، وفي (علل الدارقطني) قال يحيى بن سعيد القطان: ما أنكرت على عبيد الله بن عمر إلاّ هذا الحديث. وقال: رواه عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر موقوفاً. وقال صاحب (التلويح): رواه ابن أبي شيبة في (مسنده) عن ابن نمير وعن أبي أسامة عن عبيد الله، فذكره مرفوعاً، قال: رأيت حاشية بخط قديم جداً: هذا الحديث غلط، غلط، فيه عبيد الله عن نافع، ولم ينكر عليه القطان غيره. قال: وفيه نظر لجلالة عبيد الله، ولأن يحيى نفسه رواه عنه فلو كان منكراً ما رواه عنه وإذا رواه عنه فلا يحدث، ثم قال: وقد وجدنا لعبيد الله متابعاً على رفعه، رواه مسلم في (صحيحه) عن محمد بن رافع: حدثنا ابن أبي فديك عن الضحاك بن عثمان، عن نافع، فذكره بلفظ: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة ثلاث ليال إلاّ ومعها ذو محرم)). وأما أحمد المذكور فقال الكرماني: هو أحمد بن محمد بن موسى المروزي، يكنى أبا العباس، ويلقب بمردويه. قلت: هكذا ذكر الحاكم أبو عبد الله أنه أحمد بن محمد بن موسى مردويه، وزعم الدارقطني أنه: أحمد بن محمد بن ثابت شبويه، وقال أحمد بن عدي: لا يعرف. قيل: إنه أحمد بن حنبل، وهو غير صحيح، لأنه لم يسمع عن عبد الله بن المبارك. ١٠٨٨/١٢٣ - حدّثنا آدَمُ قال حدثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ قال حدَّثنا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ عنْ أبيهِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهما قال قال النبيُّ عَلَّهِ لاَ يَحِلُّ لاِفِرَأَةِ تُؤْمِنُ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تسَافِرَ مَسِيرَةً يَومٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُزْمَةٌ. مطابقته للترجمة ما ذكرناه في أول حديث الباب. ذكر رجاله: وهم خمسة ذكروا غير مرة، وآدم ابن إياس من أفراد البخاري وابن أبي ذئب هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب، واسم أبي ذئب: هشام العامري المدني، وسعيد ابن أبي سعيد المدني، وكنيته أبو سعيد، وأبوه سعيد واسمه: كيسان ١٨٧ ١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (٤) المقبري، بضم الباء الموحدة: نسبة إلى مقبرة بالمدينة كان أبو سعيد مجاوراً لها. والحديث أخرجه مسلم في الحج، وقال: حدثني زهير بن حرب، قال: حدثنا يحيى ابن سعيد عن ابن أبي ذئب، قال: حدثنا سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي عٍَّ قال: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم إلّ مع ذي محرم)). ذكر الاختلاف فيه في المتن والسند: أما الاختلاف في المتن: فإن رواية البخاري: ((مسيرة يوم وليلة))، وفي رواية مسلم: ((مسيرة يوم))، والتوفيق بينهما بأن يقال: المراد بيوم في رواية مسلم هو اليوم بليلته. وفي رواية البخاري: ((أن تسافر)» وفي رواية مسلم: (تسافر)) بدون ذكر: أن، وهذا ليس باختلاف على الحقيقة، لأن: أن، مقدرة في رواية مسلم، وفي رواية البخاري: ((ليس معها حرمة)) وفي رواية مسلم: ((إلاّ مع ذي محرم))، وهذا الاختلاف في الصورة وفي المعنى كلاهما سواء. وأما الاختلاف في السند: فإن البخاري ومسلماً اتفقا في هذه الرواية عن سعيد المقبري عن أبيه، وروى مسلم أيضاً بدون ذكر أبيه، فقال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا ليث عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله عَلَّه: ((لا يحل لامرأة مسلمة أن تسافر مسيرة ليلة إلاَّ ومعها رجل ذو حرمة منها)). وكذلك اختلف فيه على مالك، ففي رواية مسلم عند ذكر أبيه، حيث قال: حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله عَّ الله، قال: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم آآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلاّ مع ذي محرم منها)). وقال أبو داود: أخبرنا عبد الله بن مسلمة والنفيلي عن مالك، قال: وحدثنا الحسن بن علي، قال: حدثنا بشر بن عمر، قال: حدثني مالك عن سعيد بن أبي سعيد، قال الحسن في حديثه عن أبيه: ثم اتفقوا على أبي هريرة عن النبي عَّهِ، قال: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر يوماً وليلة)). قال أبو داود: لم يذكر النفيلي والقعنبي عن أبيه. وقال أبو داود، رواه ابن وهب وعثمان بن عمر عن مالك، كما قال القعنبي، وقال الدارقطني في (الغرائب): رواه بشر بن عمر وإسحاق الفروي عن مالك عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة، وعند الإسماعيلي من حديث الوليد بن مسلم عن مالك مثل حديث بشر بن عمر، وقال أبو عمر: روى شيبان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة، وقال الدارقطني في (استدراكه) على الشيخين: كونهما أخرجاه من حديث أبي ذئب عن سعيد عن أبيه، وقال: الصواب: سعيد عن أبي هريرة من غير ذكر أبيه، واحتج بأن مالكاً ويحيى بن أبي كثير وسهيلاً قالوا: عن سعيد عن أبي هريرة، فهذا الدارقطني رجح رواية إسحاق عن أبيه، ولكن في رواية الشيخين: عن أبيه، زيادة من الثقة، وهي مقبولة، وقد وافق ابن أبي ذئب على قوله: عن أبيه، الليث بن سعد في رواية أبي داود عنه قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا سعيد، قال: حدثنا الليث عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه أن أبا هريرة قال: قال رسول الله عَ له: ((لا يحل لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة إلّ ومعها رجل ذو حرمة منها))، والليث وابن أبي ذئب من ١٨٨ ١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (٤) أثبت الناس في سعيد، وذكرنا عن مسلم عن قريب بعين الإسناد والمتن، ولكن ليس فيه عن أبيه، كذا رأيته في بعض النسخ، وفي بعضها: عن أبيه، فإن صحت الروايتان يكون على اللیث أيضاً اختلاف ينظر فيه. ذكر معناه: قوله: ((لا يحل)، فعل مضارع وفاعله قوله: ((أن تسافر)»، و: أن، مصدرية تقديره: لا يحل لامرأة مسافرتها مسيرة يوم. وقال صاحب (التلويح): الهاء في: مسيرة يوم، للمرة الواحدة، التقدير: أن تسافر مرة واحدة سفرة واحدة مخصوصة بيوم وليلة، وتبعه على هذا صاحب (التوضيح) وهذا تصرف عجيب، ولفظ: ((مسيرة)) مصدر ميمي بمعنى: السير، كالمعيشة بمعنى العيش، وليست التاء فيه للمرة، وما كل تاء تدخل المصدر تدل على الوحدة. قوله: ((تؤمن بالله واليوم الآخر)) ظاهره أن هذا قيد يخرج الكافرات، كما ذهب إليه البعض، وليس كذلك، بل هو وصف لتأكيد التحريم لأنه تعريض أنها إذا سافرت بغير محرم فإنها تخالف شرط الإيمان بالله واليوم الآخر، لأن التعرض إلى وصفها بذلك إشارة إلى إلزام الوقوف عند ما نهيت عنه، وأن الإيمان بالله واليوم الآخر يقضي لها بذلك. قوله: («ليس معها حرمة)) جملة حالية، أي: ليس معها رجل ذو حرمة منها، كما في رواية مسلم، كذلك، وقد مر عن قريب. واستدل بهذا الحديث الأوزاعي والليث على: أن المرأة ليس لها أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلّ بذي محرم، ولها أن تسافر في أقل من ذلك، وقد مر الكلام فيه مستقصیّ. تابَعَهُ يَحْتَى بنُ أبي كَثِيرٍ وسُهَيْلٌ ومالِكٌ عنِ المَقْبُرِيِّ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أي: تابع ابن أبي ذئب عن أبي هريرة يحيى وسهيل ومالك، فهذه المتابعة في متن الحديث لا في الإسناد، لأنهم لم يقولوا عن أبيه. وقال المزني: يعني تابعه في قوله: ((مسيرة يوم وليلة)) قلت: أشار بهذا إلى أن متابعة هؤلاء ابن أبي ذئب عن سعيد في لفظ المتن لا في ذكر سعيد عن أبيه عن أبي هريرة، ولكن لم يختلف على يحبى في روايته عن أبي سعيد عن أبيه، لأن الطحاوي روى هذا الحديث من طريق يحيى، وفيه: عن أبيه، حيث قال: حدثنا أبو أمية، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا شيبان بن عبد الرحمن عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سعيد عن أبيه أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله عَّله: ((لا يحل لامرأة أن تسافر يوماً فما فوقه ألاّ ومعها ذو حرمة). وأخرجه أحمد في مسنده: حدثنا حسن حدثنا شيبان عن يحيى عن أبي سعيد أن أباه أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله عَ ليه: ((لا يحل لامرأة أن تسافر يوماً فما فوقه إلاَّ ومعها ذو حرمة)). واختلف في ذلك على سهيل ومالك. أما الاختلاف على سهيل فقال أبو داود: حدثنا يوسف بن موسى عن جرير عن سهيل عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة .. الحديث، وفيه: أن تسافر بريداً. وأخرجه الطحاوي: حدثنا أبو بكرة، قال: حدثنا أبو عمر الضرير عن ١٨٩ ١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (٥) حماد بن سلمة، قال: حدثنا سهيل بن أبي صالح عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَّل: ((لا تسافر امرأة بريداً إلاَّ مع زوج أو ذي محرم)). وأخرجه البيهقي أيضاً نحوه، فهذه ليس فيها ذكر: عن أبيه، وروى مسلم: حدثنا أبو كامل الجحدري، قال حدثنا بشر، يعني ابن المفضل، قال: حدثنا سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله عَّ ل: ((لا يحل لامرأة أن تسافر ثلاثاً إلاّ ومعها ذو محرم عليها))، فهذا في روايته أبدل سعيداً بأبي صالح، وخالف في اللفظ أيضاً فقال: ((أن تسافر ثلاثاً)، ويحتمل أن يكون الحديثان معاً عند سهيل، ولذلك صحح ابن حبان الطريقين عنه، وقال ابن عبد البر: رواية سهيل مضطربة في الإسناد والمتن. وأما الاختلاف على مالك فقد ذكرناه عن قريب، وقد رأيت الاختلاف الظاهر بين الحفاظ في ذكر أبيه، فلعله سمع من أبيه عن أبي هريرة، ثم سمع عن أبي هريرة نفسه، فرواه تارة كذا وتارة كذا، وسماعه عن أبي هريرة صحيح. ٥ - بابٌ يَقْصُرُ إذَا خَرَجَ مِنْ مَوْضِعِهِ أي: هذا باب يذكر فيه أن الإنسان يقصر صلاته الرباعية إذا خرج من موضعه قاصداً سفراً تقصر في مثله الصلاة. وَخَرَجَ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَصَرَ وَهْوَ يَرَى البُيُوتَ فَلَمَّا رَجَعَ قِيلَ لَهُ لهُذِهِ الكُوفَةُ قال لاَ حَتَّى نَدْخُلَهَا مطابقته للترجمة ظاهرة، والكلام فيه على أنواع: الأول: في معناه فقوله: ((وخرج علي)) أي: من الكوفة. لأن قوله: ((هذه الكوفة)» يدل عليه. قوله: ((فقصر)) أي: الصلاة الرباعية. قوله: ((وهو يرى البيوت)) جملة حالية أي: والحال أنه يرى بيوت الكوفة. قوله: ((فلما رجع)) أي: من سفره هذا. قوله: ((هذه الكوفة)) يعني: هل نتم الصلاة؟ قال: لا، أي: لا نتم حتى ندخلها. النوع الثاني: إن هذا التعليق أخرجه الحاكم موصولاً من رواية الثوري عن وقاء بن إياس ((عن علي بن ربيعة، قال: خرجنا مع علي، رضي الله تعالى عنه، فقصرنا الصلاة ونحن نرى البيوت، ثم رجعنا فقصرنا الصلاة ونحن نرى البيوت)). وأخرجه البيهقي من طريق يزيد ابن هارون ((عن وقاء بن إياس: خرجنا مع علي، رضي الله تعالى عنه، متوجهين ههنا، وأشار بيده إلى الشام، فصلى ركعتين ركعتين حتى إذا رجعنا ونظرنا إلى الكوفة حضرت الصلاة، قالوا: يا أمير المؤمنين هذه الكوفة، أنتم الصلاة؟ قال: لا، حتى ندخلها)). ووقاء، بكسر الواو وبعدها قاف ثم مدة: ابن إياس، بكسر الهمزة وتخفيف الياء آخر الحروف. قال صاحب (التلويح): فيه كلام. وقال أبو عمر: روي مثل هذا عن علي من وجوه شتى. قلت: روى ابن أبي شيبة في (مصنفه): حدثنا عباد بن العوام عن داود بن أبي هند ((عن أبي حرب بن أبي الأسود الديلي أن علياً، رضي الله تعالى عنه، خرج من البصرة فصلى الظهر أربعاً، ثم قال: إنا : ١٩٠ ١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (٥) لو جاوزنا هذا الخص لصلينا ركعتين)). ورواه عبد الرزاق في (مصنفه): أخبرنا سفيان الثوري عن داود بن أبي هند ((عن أبي حرب بن أبي الأسود: أن علياً لما خرج من البصرة رأى خصاً، فقال: لولا هذا الخص لصلينا ركعتين، فقلت: وما الخص؟ قال: بيت من القصب)). قلت: هو بضم الخاء المعجمة وتشديد الصاد المهملة. قال أبو عمر: روى سفيان بن عيينة وغيره عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: ((خرجت مع علي بن أبي طالب إلى صفين، فلما كان بين الجسر والقنطرة صلى ركعتين))، قال: وسنده صحيح. النوع الثالث: في اختلاف العلماء في هذا الباب، فعندنا إذا فارق المسافر بيوت المصر يقصر، وفي (المبسوط): يقصر حين يخلف عمران المصر، وفي (الذخيرة): إن كانت لها محلة منتبذة من المصر وكانت قبل ذلك متصلة بها فإنه لا يقصر ما لم يجاوزها، ويخلف دورها بخلاف القرية التي تكون بفناء المصر، فإنه يقصر وإن لم يجاوزها. وفي (التحفة): المقيم إذا نوى السفر ومشى أو ركب لا يصير مسافراً ما لم يخرج من عمران المصر، لأنه بنية العمل لا يصير عاملاً ما لم يعمل، لأن الصائم إذا نوى الفطر لا يصير مفطراً. وفي (المحيط): والصحيح أنه تعتبر مجاوزة عمران المصر إلاّ إذا كان ثمة قرية أو قرى متصلة بربض المصر، فحينئذ تعتبر مجاوزة القرى. وقال الشافعي: في البلد يشترط مجاوزة السور لا مجاوزة الأبنية المتصلة بالسور خارجة، وحكى الرافعي وجهاً: أن المعتبر مجاوزة الدور، ورجح الرافعي هذا الوجه في (المجرد)، والأول في الشرح وإن لم يكن في جهة خروجه سور، أو كان في قرية يشترط مفارقة العمران. وفي (المغني) لابن قدامة: ليس لمن نوى السفر القصر حتى يخرج من بيوت مصره أو قريته، ويخلفها وراء ظهره. قال: وبه قال مالك والأوزاعي وأحمد والشافعي وإسحاق وأبو ثور. وقال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على هذا، وعن عطاء وسليمان بن موسى: إنهما كانا يبيحان القصر في البلد لمن نوى السفر، وعن الحارث بن أبي ربيعة: إنه أراد سفراً فصلى بالجماعة في منزله ركعتين، وفيهم الأسود بن يزيد وغير واحد من أصحاب عبد الله، وعن عطاء أنه قال: إذا دخل عليه وقت صلاة بعد خروجه من منزله قبل أن يفارق بيوت المصر يباح له القصر، وقال مجاهد: إذا ابتدأ السفر بالنهار لا يقصر حتى يدخل الليل، وإذا ابتدأ بالليل لا يقصر حتى يدخل النهار. ١٠٨٩/١٢٤ - حدّثنا أَبُو نُعَيْم قال حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ المُنْكَدِرِ وإبْرَاهِيمَ ابن مَيْسَرَةَ عَنْ أَنَسٍ رضي الله تعالى عنهُ قال صَلَّيْتُ الظهْرَ مَعَ النبيِّ عَ لَّهِ بِالمَدِينَةِ أَرْبَعاً وَالعَصْرَ بِذِي الحُلَّيْفَةِ رَكْعَتَيْنٍ. [الحديث ١٠٨٩ - أطرافه في: ١٥٤٦، ١٥٤٧، ١٥٤٨، ١٥٥١، ١٧١٢، ١٧١٤، ١٧١٥، ٢٩٥١، ٢٩٨٦]. مطابقته للترجمة ظاهرة لأن أنساً يخبر في حديثه أن النبي عّ لّ قصر صلاته بعدما خرج من المدينة، والترجمة هكذا. والمناسبة بينه وبين أثر علي، رضي الله تعالى عنه، المذكور من حيث إن أثر علي يدل على أن القصر يشرع بفراق الحضر، وحديث أنس ٠٠ ١٩١ ١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (٥) كذلك، لأنه يدل على أنه عَ لَّه ما قصر حتى فارق المدينة، وكان قصره في ذي الحليفة، لأنه كان أول منزل نزله ولم تحضر قبله صلاة، ولا يصح استدلال من استدل به على إباحة القصر في السفر القصير لكون بين المدينة وذي الحليفة ستة أميال، لأن ذا الحليفة لم تكن منتهى سفر النبي عَّ له، وإنما خرج إليها يريد مكة، فاتفق نزوله بها وكانت صلاة العصر أول صلاة حضرت بها فقصرها، واستمر على ذلك إلى أن رجع. ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: أبو نعيم، بضم النون: الفضل بن دكين. الثاني: سفيان الثوري، نص عليه المزي في (الأطراف). الثالث: محمد بن المنكدر، بلفظ اسم الفاعل من الانكدار، ابن عبد الله القرشي التيمي المدني، مات سنة ثلاثين ومائة، قاله الواقدي. الرابع: إبراهيم بن ميسرة - ضد الميمنة - الطائفي المكي. الخامس: أنس بن مالك. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضعين. وفيه: تابعيان يرويان عن صحابي. وفيه: أن شيخه كوفي وشيخ شيخه كذلك والثالث مدني والرابع مكي. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً عن محمد بن المنكدر في الحج أيضاً عن عبد الله بن محمد بن هشام بن يوسف. وأخرجه أبو داود في الصلاة عن أحمد بن حنبل، وهنا أخرجه البخاري: عن إبراهيم بن ميسرة عن أنس. وأخرجه مسلم في الصلاة أيضاً عن سعيد بن منصور. وأخرجه أبو داود فيه عن زهير بن حرب. وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة. وكذلك أخرجه النسائي لكن ثلاثتهم عن سفيان بن عيينة. ذكر معناه: قوله: ((أربعاً) أي: أربع ركعات، هذا الذي على هذه الصورة رواية الكشميهي وفي رواية غيره: ((صليت الظهر مع النبي عَّه بالمدينة أربعاً وبذي الحليفة ركعتين)). قال ابن حزم، والمراد بركعتين: هي العصر، كما جاء مبيناً في رواية أخرى. قال: وكان ذلك يوم الخميس لست ليال بقين من ذي القعدة. وابن سعيد يقول: يوم السبت لخمس ليال بقين من ذي القعدة. وفي (صحيح مسلم): لخمس بقين من ذي القعدة، وذلك لستة عشر للحج. قوله: ((والعصر)) بالنصب أي: صلاة العصر. قوله: ((بذي الحليفة))، ذو الحليفة ماء لبني جشم، قال عياض: على سبعة أميال من المدينة. قال ابن قرقول: ستة، وقال البكري: هي تصغير حلفة، وهي ميقات أهل المدينة. ذكر ما يستنبط منه: وفي (التوضيح): أورد الشافعي هذا الحديث مستدلاً على أن من أراد سفراً وصلى قبل خروجه فإنه يتم، كما فعله الشارع في الظهر بالمدينة، وقد نوى السفر، ثم صلى العصر بذي الحليفة ركعتين، والحاصل أن من نوى السفر فلا يقصر حتى يفارق بيوت مصره، وقد ذكرنا الخلاف فيه عن قريب مستقصىّ. وفيه: حجة على من يقول: يقصر إذا أراد السفر، ولو في بيته، وعلى مجاهد في قوله: لا يقصر حتى يدخل الليل. ١٩٢ ١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (٥) ١٠٩٠/١٢٥ - حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنا سُفْيَانُ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ عِنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتِ الصَّلاةُ أوَّلُ ما فُرِضَتْ رَكْعَتَانِ فَأَقِرَّتْ صَلاَةُ السَّفَرِ وَأَتَمّتْ صَلاَةُ الحَضَرِ. قال الزُّهْرِيُّ فقُلْتُ لِعُرْوَةَ ما بالُ عَائِشَةَ تُتِمُ قال تَأوَّلَتْ ما تَأوَّلَ عُثْمَانُ رضي الله تعالى عنه. [أنظر الحديث ٣٥٠ وطرفه]. مطابقته للترجمة تأتي بتوجيهه، وإن كان فيه بعض التعسف، وهو أن ذكر السفر يصدق على المسافر فيدل على أنه إذا خرج من موضعه يقصر عند وجود شرط القصر. فافهم. ورجاله ذكروا غير مرة، وعبد الله بن محمد بن عبد الله أبو جعفر المعروف بالمسندي، وسفيان هو ابن عيينة، والزهري هو محمد بن مسلم. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: القول في خمسة مواضع. وفيه: أن شيخه من أفراده. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابية. وفيه: أن شيخه بخاري وسفيان مكي والزهري وعروة مدنيان. ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم أيضاً في الصلاة عن علي بن خشرم. وأخرجه النسائي فيه عن إسحاق بن إبراهيم عن سفيان، وقد مر هذا الحديث في أول كتاب الصلاة،. أخرجه عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن صالح بن كيسان عن عروة عن عائشة، وقد مضى الكلام فيه مستوفىّ. ونتكلم فيه بما لم يذكر هناك. قوله: «أول)) بالرفع على أنه بدل من الصلاة، أو: مبتدأ ثان وخبره. قوله: ((ركعتان)) والجملة خبر المبتدأ الأول، ويجوز نصب: أول، على الظرفية أي: في أول. فإن قلت: في رواية كريمة: ((ركعتين ركعتين)) فأين الخبر على هذا؟ قلت: على هذه الرواية تكون الركعتين منصوباً على الحال، وقد سد مسد الخبر. قوله: ((فرضت)) قال أبو عمر: كل من رواه عن عائشة قال فيه: فرضت الصلاة إلاّ ما حدث به أبو إسحاق الحربي، قال: حدثنا أحمد بن الحجاج حدثنا ابن المبارك حدثنا ابن عجلان عن صالح بن كيسان عن عروة ((عن عائشة قالت: فرض رسول الله عَ للِ الصلاة ركعتين ركعتين))، الحديث. انتهى كلامه. قلت: في مسند عبد الله بن وهب بسند صحيح، ((عن عروة عنها: فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين .. )) الحديث. وعند السراج، بسند صحيح: ((فرض الصلاة على رسول الله عَ لل أول ما فرضها ركعتين)) (ح) وفي لفظ: ((كان أول ما افترض على رسول الله عَّ له من الصلاة ركعتين ركعتين إلا المغرب))، وسنده صحيح. وعند البيهقي من حديث داود بن أبي هند عن عامر ((عن عائشة، قالت: افترض الله الصلاة على رسول الله عَّله بمكة ركعتين ركعتين إلاّ المغرب، فلما هاجر إلى المدينة زاد إلى كل ركعتين ركعتين إلاّ صلاة الغداة)). وقال الدولابي: نزل إتمام صلاة المقيم في الظهر يوم الثلاثاء إثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر بعد مقدمه عَّ له بشهر، وأقرت صلاة السفر ركعتين، وقال المهلب: إلاّ المغرب فرضت ١٩٣ ١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (٥) وحدها ثلاثاً، وما عداها ركعتين ركعتين. وقال الأصيلي: أول ما فرضت الصلاة أربعاً على هيئتها اليوم، وأنكر قول من قال: فرضت ركعتين، وقال: لا يقبل في هذا خبر الآحاد. وأنكر حديث عائشة. وقال أبو عمر بن عبد البر: رواه مالك عن صالح بن كيسان عن عروة عن عائشة، وقال: حديث صحيح الإسناد عند جماعة أهل النقل، لا يختلف أهل الحديث في صحة إسناده إلاّ أن الأوزاعي قال فيه: عن الزهري عن عروة عن عائشة وهشام بن عروة عن عروة عن عائشة. ولم يروه مالك عن ابن شهاب ولا عن هشام إلاّ أن شيخاً يسمى محمد بن يحيى بن عباد بن هانىء رواه عن مالك وابن أخي الزهري جميعاً عن الزهري عن عروة عن عائشة، وهذا لا يصح عن مالك، والصحيح في إسناده عن مالك في (الموطأ) وطرقه عن عائشة متواترة، وهو عنها صحيح ليس في إسناده مقال. إلاّ أن أهل العلم اختلفوا في معناه. فذهب جماعة منهم إلى ظاهره وعمومه وما يوجبه لفظه، فأوجبوا القصر في السفر فرضاً. وقالوا: لا يجوز لأحد أن يصلي في السفر إلاّ ركعتين ركعتين في الرباعيات، وحديث عائشة واضح في أن الركعتين للمسافر فرض، لأن الغرض الواجب لا يجوز خلافه، ولا الزيادة عليه ألا ترى أن المصلي في الحضر لا يجوز له أن يزيد في صلاة من الخمس، ولو زاد لفسدت، فكذلك المسافر لا يجوز له أن يصلي في السفر أربعاً، لأن فرضه فيه ركعتان. وممن ذهب إلى هذا عمر بن عبد العزيز، إن صح عنه. وعنه: الصلاة في السفر ركعتان لا يصح غيرهما، ذكره ابن حزم محتجاً به، وحماد بن أبي سليمان، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وقول بعض أصحاب مالك، وروى عن مالك أيضاً وهو المشهور عنه، أنه قال: من أتم في السفر أعاد في الوقت، واستدلوا بحديث عمر بن الخطاب: ((صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم عَّةِ))، رواه النسائي بسند صحيح، وبما رواه ابن عباس عند مسلم: ((إن الله فرض الصلاة على نبيكم عَّ له في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين)). وفي (التمهيد) من حديث أبي قلابة: ((عن رجل من بني عامر أنه أتى النبي عَ لّم فقال له: إن الله تعالى وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة))، وعن أنس بن مالك القشيري عن النبي عَِّ مثله، وعند ابن حزم صحيحاً عن ابن عمر، قال رسول الله عَّةٍ: ((صلاة السفر ركعتان من ترك السنة كفر))، وعن ابن عباس: من صلى في السفر أربعاً كمن صلى في الحضر ركعتين، وفي (مسند السراج) بسند جيد: عن عمرو بن أمية الضمري يرفعه: (إن الله تعالى وضع عن المسافر الصيام ونصف الصلاة))، وهو قول عمر وعلي وابن مسعود وجابر وابن عباس وابن عمر والثوري، رضي الله تعالى عنهم، وقال الأوزاعي: إن قام إلى الثالثة ألغاها وسجد للسهو. وقال الحسن بن حي: إذا صلى أربعاً متعمداً أعادها إذا كان ذلك منه الشيء اليسير، فإن طال ذلك منه وكثر في سفره لم يعد، وقال الحسن البصري: من صلى أربعاً عمداً بئس ما صنع، وقضيت عنه. ثم قال: لا أبا لك، أترى أصحاب محمد عَّلِ تركوها لأنها ثقلت عليهم؟ وقال الأثرم: قلت لأحمد: الرجل يصلي أربعاً في السفر؟ عمدة القاري / ج٧ / م١٣ ١٩٤ ١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (٥) قال: لا، ما يعجبني. وقال البغوي: قال الشافعي: هذا قول أكثر العلماء. وقال الخطابي: الأولى القصر ليخرج من الخلاف. وقال الترمذي: العمل على ما فعله النبي عَّه. وقال الكرماني: فإن قلت: هذا الحديث دليل صريح للحنفية في وجوب القصر؟ قلت: لا دلالة لهم فيه، لأنه لو كان الحديث مجرى على ظاهره لما جاز لعائشة إتمامها، ثم إنه خبر واحد لا يعارض لفظ القرآن وهو: ﴿أن تقصروا من الصلاة﴾ [النساء: ١٠١]. الصريح في أنها كانت في الأصل زائدة عليه، إذ القصر معناه التنقيص، ثم إن الحديث عام مخصوص بالمغرب وبالصبح، وحجية العام المخصص مختلف فيها، ثم إن راوية الحديث عائشة قد خالفت روايتها، وإذا خالف الراوي روايته لا يجب العمل بروايته عندهم، قلت: لا نسلم أنه لا دلالة لنا فيه لأنه ينبىء بأن صلاة المسافر التي هي الركعتان فرضت في الأصل هكذا، والزيادة عليهما طارئة، ولم تستقر الزيادة إلاّ في الحضر، وبقيت صلاة المسافر فرضاً على أصلها، وهو الركعتان، فكما لا تجوز الزيادة في الحضر بالإجماع، فكذا المسافر لا تجوز له الزيادة، ولفظ: فرضت، وإن كان على صيغة المجهول، لكن يدل على أن الله هو الذي فرض، كما مر صريحاً في الأحاديث المذكورة آنفاً. وقوله: لأنه لو كان الحديث مجرى على ظاهره لما جاز لعائشة إتمامها، جوابه في نفس الحديث، وهو قول عروة: تأولت ما تأول عثمان، لأن الزهري لما روى هذا الحديث عن عروة عن عائشة ظهر له أن الركعتين هو الفرض في حق المسافر، لكن أشكل عليه إتمام عائشة من حيث إنها أخبرت بفرضية الركعتين في حق المسافر، ثم إنها كيف أتمت؟ فسأل عروة بقوله: ما بال عائشة تتم؟ فأجاب عروة بقوله: ((تأولت ما تأول عثمان، رضي الله تعالى عنه، وقد ذكرنا الوجوه التي ذكرت في تأول عثمان، وقد ذكر بعضهم الوجوه المذكورة، ثم قال: والمنقول في ذلك أن سبب إتمام عثمان أنه كان يرى القصر مختصاً بمن كان شاخصاً سائراً، وأما من أقام في مكان في أثناء سفره فله حكم المقيم فيتم، والحجة فيه ما رواه أحمد بإسناد حسن عن عباد بن عبد الله ابن الزبير، قال: لما قدم علينا معاوية حاجاً صلى بنا الظهر ركعتين بمكة، ثم انصرف إلى دار الندوة، فدخل عليه مروان وعمرو بن عثمان فقالا: لقد عبت أمر ابن عمك لأنه كان قد أتم الصلاة، قال: وكان عثمان حيث أتم الصلاة إذا قدم مكة يصلي بها الظهر والعصر والعشاء أربعاً ثم إذا خرج إلى منى وعرفة قصر الصلاة، فإذا فرغ من الحج وأقام بمنىّ أتم الصلاة انتھی. قلت: هذا الذي ذكره يؤيد ما ذهبنا إليه من وجوب القصر، لأنه قال: كان يرى القصر مختصاً بمن كان شاخصاً سائراً، وظاهره أنه كان يرى القصر واجباً للمسافر، وكان يرى حكم المقيم لمن أقام، ونحن أيضاً نرى ذلك، غير أن المسافر متى يكون مقيماً فيه: فيه خلاف قد ذكرناه، فلا يضرنا هذا الخلاف، ودعوانا في وجوب القصر في حق المسافر، ثم إن هذا القائل ادعى أن إسناد حديث أحمد حسن، ولم يذكر رواته حتى ينظر فيهم، وقول الكرماني: ثم إنه خبر واحد لا يعارض لفظ القرآن .. إلى آخره، قلنا: لا نسلم ذلك على الوجه الذي ١٩٥ ١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (٥) ذكرتم، لأن نفي الجناح في القصر إنما هو في الزيادة على الركعتين، لأن الصلاة فرضت بمكة: ركعتين ركعتين، وزيدت عليهما: ركعتان في المدينة، والآية مدنية نزلت في إباحة القصر للضاربين في الأرض وهم: المسافرون، فدل على أن إباحة القصر في الزيادة لا في الأصل، لأن الإجماع منعقد على أن المسافر لا يصلي في سفره أقل من ركعتين إلاّ ما شذ، قول من قال: إن المسافر يصلي ركعة عند الخوف، فلا يعتد بهذا القول، على أنا نقول أيضاً: جاء في الحديث المشهور أنه عَّهِ صلى الظهر بأهل مكة في حجة الوداع ركعتين، ثم أمر منادياً ينادي: يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر. ولو كان فرض المسافر أربعاً لم يحرمهم فضيلة الجماعة معه، وعند مسلم في رواية: ((صلى النبي عَ لِّ بمنىّ صلاة المسافر، وأبو بكر وعمر وعثمان ثماني سنين، أو قال ست سنين)). وفي رواية له: ((صلى في السفر))، ولم يقل: بمنىّ، وفي رواية له: صحبت رسول الله عَ لّه في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين، وصحبت عثمان، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله)). وهكذا لفظ رواية أبي داود. وفي رواية ابن ماجه: ((صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله تعالى)). فإن قلت: روى النسائي من رواية العلاء بن زهير عن عبد الرحمن بن الأسود ((عن عائشة أنها، اعتمرت مع رسول الله، عَّهِ، من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قالت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي: قصرت فأتممت، وأفطرت فصمت، قال: أحسنت يا عائشة، وما عاب علي)). انتهى. قال البيهقي: وهو إسناد صحيح موصول، فهذا يدل على أن القصر غير واجب، إذ لو كان واجباً لأنكر النبي، عَ لّه، على عائشة في إتمامها. قلت: قد اختلف فيه على العلاء بن زهير، فرواه أبو نعيم عنه هكذا، ورواه محمد بن يوسف الفريابي عن العلاء بن زهير عن عبد الرحمن بن الأسود عن عائشة، فعلى هذا الإسناد غير موصول. وقال النووي في (الخلاصة): هذه اللفظة مشكلة، فإن المعروف أنه، عَّ له، لم يعتمر إلّ أربع عمر، كلهن في ذي القعدة. فإن قلت: روى البزار من رواية المغيرة بن زياد عن عائشة أن النبي، عَّهِ، كان يسافر فيتم الصلاة ويقصر، ورواه الدارقطني، وقال: هذا إسناد صحيح، ووافقه البيهقي على صحة إسناده. قلت: كيف يحكم بصحته وقد قال أحمد: المغيرة بن زياد منكر الحديث أحاديثه مناكير؟ وقال أبو حاتم وأبو زرعة: شيخ لا يحتج بحديثه؟ وأدخله البخاري في كتاب الضعفاء، وعادة البيهقي التصحيح عند الاحتجاج لإمامه والتضعيف عند الاحتجاج لغيره. وقول الكرماني: ثم إن الحديث عام مخصوص بالمغرب والصبح غير سديد، لأن المراد من قولها: فرضت الصلاة، هي الصلاة المعهودة في الشرع، وهي الصلوات الخمس، ومسماها معلوم، فكيف يصدق عليه حد العام وهو ما ينتظم جمعاً من المسميات؟ وكيف يقول: مخصوص بالمغرب والصبح، وهو غير صحيح؟ لأن الخصوص إخراج بعض ما يتناوله العام، فكيف يخرج المغرب التي هي ثلاث ركعات من أصل الفرض الذي هو ركعتان؟ وأما الصبح فعلى الأصل فلا يتصور فيه صورة الإخراج؟ وقوله: وحجية العام المخصص مختلف ١٩٦ ١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (٦) فيها، غير وارد علينا لأنا لم نقر لا بالعموم ولا بالخصوص، فكيف يرد علينا ما قاله؟ ولئن سلمنا العموم فلا نسلم الخصوص على الوجه الذي ذكره، ولئن سلمنا العموم والخصوص فلا نسلم ترك الاحتجاج بالعام المخصوص مطلقاً؟ وقوله: ثم إن راوية الحديث عائشة، رضي الله تعالى عنها .. إلى آخره، غير وارد علينا لأنا نقول: إن عائشة خالفت ما روته، بل نقول: إنها أولت، كما قال عروة، ومما يؤيد ذلك ما رواه البيهقي بإسناد صحيح من طريق هشام ابن عروة عن أبيه: ((أنها كانت تصلي في السفر أربعاً، فقلت لها: لو صليت ركعتين؟ فقالت: يابن أختي لا تشق علي))، فهذا يدل على أنها تأولت القصر ولم تنكره، وتأويلها إياه لا ينافي وجوبه في نفس الأمر، مع أن الإنكار لم ينقل عنها صريحاً. وبعد كل ذلك، فنحن ما اكتفينا في الاحتجاج فيما ذهبنا إليه بهذا الحديث وحده، ولنا في ذلك دلائل أخرى قد ذكرناها فيما مضى، وقال أبو عمر وغيره: اضطربت الآثار عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، في هذا الباب قلت: فلذلك ما اكتفى اصحابنا في الاحتجاج، ومما يؤيد ما ذهب إليه أصحابنا ما رواه عبد الرزاق في (مصنفه): عن معمر عن قتادة عن مورق العجلي، قال: ((سئل ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، عن الصلاة في السفر؟ فقال: ركعتين ركعتين، من خالف السنة كفر)). ورواه الطحاوي أيضاً: حدثنا أبو بكرة، قال: حدثنا روح، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثنا أبو التياح ((عن مورق، قال: سأل صفوان بن محرز ابن عمر عن الصلاة في السفر؟ فقال: أخشى أن تكذب علي: ركعتان من خالف السنة كفر)). وأخرجه البيهقي أيضاً نحوه من حديث أبي التياح، واسم أبي التياح يزيد بن حميد الضبعي. ٦ - بابٌ يُصَلِّي المَغُرِبَ ثَلاَثًاً فِي السَّفَرِ أي: هذا باب يذكر فيه أن المسافر يصلي صلاة المغرب ثلاث ركعات كما في الحضر وإنها لا يدخل فيها القصر وروى أحمد في مسنده من طريق ثمامة بن شراحيل قال خرجت إلى ابن عمر فقلت ما صلاة المسافر قال ركعتين ركعتين إلا المغرب. ١٠٩١/١٢٦ - حدّثنا أبُو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال أخبرني سالِمٌ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما قال رَأيْتُ رسولَ الله عَ لِ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ في السَّفَرِ يُؤَخِّرُ المَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ العِشَاءِ. قال سالِمٌ وكانَ عَبْدُ اللهِ يَفْعَلُهُ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ. [الحديث ١٠٩١ - أطرافه في: ١٠٩٢، ١١٠٦، ١١٠٩، ١٦٦٨، ١٦٧٣، ١٨٠٥، ٣٠٠٠]. ١٠٩٢ _ وزَادَ اللَّيْثُ قال حدَّثني يُونُسُ عنِ ابنِ شِهَابٍ قال سالِمٌ كَانَ ابنُ عُمَّرَ رضي الله تعالى عنهما يَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشَاءِ بِالمُزْدَلِفَةِ. قال سالمٌ وَأَخَّرَ ابنُ عُمَّرَ المَغْرِبَ وكانَ اسْتُصْرِغَ عَلَى امْرَأَتِهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ أبِي عُبَيْدٍ فَقُلْتُ لَهُ الصَّلاَةَ فَقالَ سِرْ فَقُلْتُ له الصَّلاَةُ فقالَ سِرْ حَتَّى سارَ مِيلَيْنِ أَوْ ثَلاثَةً ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى ثُمَّ قالَ هَكَذَا رَأيْتُ النبيَّ معَه يُصَلِّي إِذَا أَعْجَلَهُ الشَّيْرُ. وقال عبدُ اللهِ رَأَيْتُ النبيَّ عَّ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ يُقِيمُ المَغْرِبَ ١٩٧ ١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (٦) فَيُصَلِّيهَا ثَلاثاً ثُمَّ يُسَلِّمُ ثُمَّ قَلَّمَا يَلْبَثُ حَتَّى يُقِيمَ العِشَاءَ فَيُصَلِّبِهَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُسَلِّمُ وَلاَ يُسَبِّحُ بَعْدَ العِشَاءِ حَتَّى يَقُومَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ. [أنظر الحديث ١٠٩٢ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((يقيم المغرب فيصليها ثلاثاً). ذكر رجاله: وهم سبعة: الأول: أبو اليمان الحكم بن نافع البهراني. الثاني: شعيب بن أبي حمزة. الثالث: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. الرابع: سالم بن عبد الله بن عمر. الخامس: الليث بن سعد. السادس: يونس بن يزيد. السابع: عبد الله بن عمر بن الخطاب. ذكر لطائف إسناده: فيه: حدثنا أبو اليمان، وفي بعض النسخ: أخبرنا. وفيه: الإخبار أيضاً بصيغة الجمع في موضع، وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: التحديث بصيغة الإفرااد في موضع. وفيه: القول في ثمانية مواضع. وفيه: الرؤية في موضعين. وفيه: أن شيخه وشيخ شيخه حمصيان، والزهري وسالم مدنيان، والليث مصري ویونس أيلي. وهذا الحديث أخرجه البخاري في موضعين: في تقصير الصلاة عن أبي اليمان. وأخرجه النسائي في الصلاة عن عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير وعن أحمد بن محمد بن مغيرة. ذكر معناه: قوله: ((كان إذا أعجله السير في السفر))، قيد السفر يخرج ما إذا كان خارج البلد في بستانه أو كرمه مثلا. قوله: ((يؤخر المغرب)) أي: يؤخر صلاة المغرب إلى وقت العشاء. قوله: ((يفعله)) أي: يفعل تأخير المغرب إلى وقت العشاء إذا كان يعجله السير في السفر. قوله: ((وزاد الليث)) أي: الليث بن سعد، وقد وصل الإسماعيلي فقال: أخبرني القاسم بن زكريا حدثنا ابن زنجويه وحدثني إبراهيم بن هانىء حدثنا الرمادي، حدثنا أبو صالح حدثنا الليث بهذا، وقال الإسماعيلي: رأى البخاري أول الإرسال من الليث أقوى من روايته عن أبي صالح عن الليث، ولم يستخبر أن يروي عنه. قلت: هذا الوجه الذي ذكره فيه نظر، لأن البخاري روى عن أبي صالح في (صحيحه) على الصحيح، ولكنه يدلسه فيقول: حدثنا عبد الله، ولا ينسبه، وهو هو، نعم قد علق البخاري حديثاً فقال فيه، قال الليث بن سعد حدثني جعفر بن ربيعة، ثم قال في آخر الحديث: حدثني عبد الله بن صالح، قال: حدثنا الليث، فذكره. ولكن هذا عند ابن حمويه السرخسي دون صاحبيه، وقال في (تهذيب التهذيب): وقد صرح ابن حمويه عن الفربري عن البخاري بروايته عن عبد الله بن صالح عن الليث في حديث رواه البخاري أولاً تعليقاً، فلما فرغ من المتن قال: حدثني عبد الله بن صالح عن الليث به. ثم اعلم أن ظاهر سياق البخاري يدل على أن جميع ما بعد قوله: ((زاد الليث))، ليس داخلاً في رواية شعيب عن الزهري، وليس كذلك، فإن رواية شعيب عنه تأتي بعد ثمانية أبواب في: باب هل يؤذن أو يقيم إذا جمع بين المغرب والعشاء، وإنما الزيادة في ١٩٨ ١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (٦) قصة صفية، وفعل ابن عمر خاصة، وفي (التصريح) بقوله: ((قال عبد الله رأيت رسول الله عَّ اللٍّ)) فقط. قوله: ((استصرخ)) بضم التاء على صيغة المجهول، أي: أخبر بموت زوجته صفية بنت أبي عبيد، هي أخت المختار الثقفي. وهو من الصراخ، بالخاء المعجمة، وأصله الإستغاثة بصوت مرتفع، وكان هذا بطريق مكة بيِّن ذلك في كتاب الجهاد من رواية أسلم مولى عمر، رضي الله تعالى عنه، على ما يجيء في كتاب الجهاد في: باب السرعة في السير. قوله: ((الصلاة)) بالنصب على الإغراء، ويجوز الرفع على الابتداء أي: الصلاة حضرت، ويجوز الرفع على الخبرية أي: هذه الصلاة، أي: وقت الصلاة. قوله: ((فقال: سر)) أي: فقال عبد الله السالم: سر، وهو أمر من سار يسير. قوله: ((ميلين)) قد مضى أن الميل ثلث فرسخ، وهو أربعة آلاف خطوة. قوله: ((ثم قال)) أي: عبد الله بن عمر. قوله: ((يقيم المغرب)) من الإقامة، هكذا في رواية الأكثرين، وللحموي أيضاً، وفي رواية المستملي والكشميهني: ((يعتم، بضم الياء وسكون العين وكسر التاء المثناة من فوق: أي يدخل في العتمة وفي رواية كريمة: ((يؤخر المغرب)). قوله: ((فيصليها ثلاثاً)) أي: فيصلي المغرب ثلاث ركعات. قوله: ((وقلما يلبث)) كلمة: ما، مصدرية أي: قل لبثه. قوله: ((ولا يسبح)) أي: لا يصلي من السبحة، وهو صلاة الليل. ذكر ما يستنبط منه: فيه: الجمع بين المغرب والعشاء، وقال الكرماني: وهو حجة للشافعي في جواز الجمع بين المغربين بتأخير الأولى إلى الثانية. قلنا: ليس المراد منه أن يصليهما في وقت العشاء، ولكن المراد أن يؤخر المغرب إلى آخر وقتها، ثم يصليها ثم يصلي العشاء، وهو جمع بينهما صورة لا وقتاً، وسيجيء تحقيق الكلام في بابه إن شاء الله تعالى. قال الكرماني: وهو عام في جميع الأسفار إلاّ سفر المعصية، فإنها رخصة، والرخص لا تناط بالمعاصي. قلنا: ينافي عموم نص القرآن فلا يجوز، وسيجيء الكلام فيه مستقصىّ. وفيه: تأكيد قيام الليل لأنه عَّلّ لا يتركه في السفر، فالحضر أولى بذلك، وقال بعضهم: وفي قوله: ((سر)) جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب. قلت: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإن كان وقت الخطاب وقت الحاجة فلا يجوز، وهذا إذا وقع في كلام الشارع ليس في غيره على ما عرف في موضعه. وفيه: أن صلاة المغرب لا تقصر في السفر، وترجمة الباب عليه. وقد روي عن جماعة من الصحابة في ذلك أحاديث: منها: ما رواه عبد الله بن عمر وهو المذكور في الباب. منها: ما رواه البزار عن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، من رواية الحارث عنه، قال: ((صليت مع رسول الله عَّةٍ صلاة الخوف ركعتين إلاّ المغرب ثلاثاً، وصليت معه في السفر ركعتين إلاّ المغرب ثلاثاً). ومنها: ما رواه أحمد ((عن عمران بن حصين من رواية أبي نضرة أن فتى من أسلم سأل عمران بن حصين عن صلاة رسول الله ١٩٩ ١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (٧) عَ ◌ّه، فقال: ما سافر رسول الله عَِّ إلاّ صلى ركعتين إلاّ المغرب)). ومنها: ما رواه الطبراني في (الأوسط) من رواية ((عبد الله بن يزيد عن خزيمة بن ثابت، قال: صلى النبي عَّ يجمع المغرب والعشاء ثلاثاً واثنتين بإقامة واحدة)). وقال ابن بطال: لم تقصر المغرب في السفر عما كانت عليه في أصل الفريضة، لأنها وتر صلاة النهار، قال: وهذا تمام في كل سفر، فمن ادعى أن ذلك في بعض الأسفار فعليه الدليل. وقال شيخنا زين الدين، رحمه الله: بلغني أن الملك الكامل سأل الحافظ أبا الخطاب بن دحية عن المغرب: هل تقصر في السفر؟ فأجابه بأنها تقصر إلى ركعتين، فأنكر عليه ذلك. فروى حديثاً بسنده فيه قصر المغرب إلى ركعتين، ونسب إلى أنه اختلقه، فالله أعلم هل يصح وقوعه في ذلك؟ وما أظنه يقع في مثل هذا، إلاّ أنه اتهم. قال الضياء المقدسي: لم يعجبني حاله، كان كثير الوقيعة في الأئمة، قال ابن واصل، قاضي حمان .. كان ابن دحية مع فرط معرفته بالحديث وحفظه الكثير له متهماً بالمجازفة في النقل، وقال ابن نقطة: كان موصوفاً بالمعرفة والفضل إلاّ أنه كان يدعي أشياء لا حقيقة لها. وذكره الذهبي في (الميزان) فقال: متهم في نقله، مع أنه كان من أوعية العلم، دخل فيما لا يعنيه. فإن قلت: ما وجه تسمية صلاة المغرب بوتر النهار وهي صلاة ليلية جهرية اتفاقاً؟ قلت: أجيب بأنها لما كانت عقيب آخر النهار، وندب إلى تعجيلها عقيب الغروب أطلق عليها وتر النهار لقربها منه، لتميز عن الوتر المشروع في الليل، وهذا كقوله عَ لّه في الحديث الصحيح: ((شهرا عيد لا ينقصان: رمضان وذو الحجة)). وعيد الفطر إنما هو من شوال، ولكن لما كان عقيب رمضان سمي رمضان: شهر عيد لقربه منه. ٧ - بابُ صَلاَةِ التَّطَوَّعِ عَلَى الدَّوَابٌّ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ أي: هذا باب في بيان حكم صلاة التطوع على الدابة، ولفظ: الدابة، بالإفراد رواية الأكثرين، وفي رواية كريمة وأبي الوقت على الدواب، بصيغة الجمع. فإن قلت: في حديثي الباب، وهما حديث عامر بن ربيعة وحديث عبد الله بن عمر لفظ: الراحلة. وفي الترجمة لفظ: الدابة؟ قلت: لفظ الدابة أعم من لفظ الراحلة، وفي الباب حديث جابر أيضاً، ولفظه: ((وهو راكب في غير القبلة))، وهذا اللفظ يتناول الدابة والراحلة فاختار في الترجمة لفظاً أعم ليتناول اللفظين المذكورين، وهذا أوجه من الذي قاله ابن رشيد، وأورد فيه الصلاة على الراحلة لتكون ترجمته بأعم ليلحق الحكم بالقياس. ١٠٩٣/١٢٧ - حدثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللهِ قال حدَّثنا عَبْدُ الأعلى قال حدَّثنا مَعْمَرٌ عن الزُّهْرِيِّ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عامِرٍ عنْ أَبِيهِ. قال رَأيْتُ النبيَّ عَلَّهِ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ. [الحديث ١٠٩٣ - طرفاه في: ١٠٩٧، ١١٠٤]. مطابقته للترجمة من حيث إن الدابة تشمل الراحلة. ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: علي بن عبد الله المعروف بابن المديني، وقد مر غير ٢٠٠ ١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (٧) مرة. الثاني: عبد الأعلى بن عبد الأعلى أبو محمد الشامي، مر في: باب المسلم من سلم المسلمون. الثالث: معمر، بفتح الميمين، ابن راشد، وقد مر. الرابع: محمد بن مسلم الزهري. الخامس: عبد الله بن عامر رأى النبي عَّهِ وهو صغير، مات سنة خمس وثلاثين. السادس: أبوه عامر بن ربيعة العنزي، بفتح العين المهملة والنون وبالزاي: حليف آل عمر بن الخطاب، كان من المهاجرين الأولين، وشهد بدراً، مات بعيد مقتل عثمان، رضي الله تعالى عنه. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: القول في موضعين. وفيه: الرؤية .. وفيه: أن شيخه مديني وعبد الأعلى بصري والزهري مدني. وفيه: رواية التابعي عن الصحابي ورواية الصحابي عن الصحابي، قال الذهبي: لعبد الله ولأبيه صحبة، واستشهد عبد الله يوم الطائف. وفيه: رواية الابن عن الأب، وليس لعامر بن ربيعة في البخاري سوى هذا الحديث، وآخر في الجنائز، وآخر علقه في الصيام. وأخرجه البخاري أيضاً في تقصير الصلاة عن يحيى بن بكير عن ليث عن عقيل عن الزهري، وأخرجه مسلم في الصلاة عن عمرو بن سواد وحرملة بن يحيى، كلاهما عن ابن وهب عن يونس عن الزهري. ذكر معناه وما يستنبط منه: قوله: ((على راحلته)) وهي: الناقة التي تصلح لأن ترحل، وكذلك الرحول، ويقال: الراحلة المركب من الإبل ذكراً كان أو أنثى، قاله الجوهري. وقال ابن الأثير: الراحلة من الإبل: البعير القوي على الأسفار والأحمال والذكر والأنثى فيه سواء، والهاء فيه للمبالغة. قوله: ((حيث توجهت به)) أي: توجهت الدابة، يعني: إلى قِبَلِ القبلة أو غيرها. وقال الترمذي: والعمل عليه عند عامة أهل العلم، لا نعلم بينهم اختلافاً، لا يرون بأساً أن يصلي الرجل على راحلته تطوعاً حيث ما كان وجهه إلى القبلة أو غيرها قلت: هذا بالإجماع في السفر، واختلفوا في الحضر: فجوزه أبو يوسف وأبو سعيد الإصطخري من الشافعية وأهل الظاهر، وعن بعض الشافعية: يجوز التنفل على الدابة في الحضر لكن مع استقبال القبلة في جميع الصلاة، وفي وجه آخر: يجوز للراكب دون الماشي، واستدل أبو يوسف ومن ذكرنا معه من جواز التنفل على الدابة في الحضر بعموم حديث الباب، لأنه لم يصرح فيه بذكر السفر، ومنع أبو حنيفة ومحمد من ذلك في الحضر، واحتجا على ذلك بحديث ابن عمر الآتي في: باب الإيماء على الدابة، عقيب هذا الباب، لأن السفر فيه مذكور، وفي إحدى روايات مسلم: ((كان رسول الله عَّه يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه). ومما يستنبط منه: أنه يجوز ذلك للراكب دون الماشي، لأن ذلك رخصة، والرخص لا يقاس عليها، وجزم أصحاب الشافعي ترخيص الماشي في السفر بالتنفل إلى جهة مقصده إلا أن مذهبهم اشتراط استقبال القبلة في تحرمه وعند الركوع والسجود، ويشترط كونهما