النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
١٦ - كِتَابُ الكشوفِ / باب (٢)
لِحَيَاتِهِ فإذَا رَأيْتُمْ ذُلِكَ فادعُوا اللَّه وكبّرُوا وَصَلُّوا وتَصَدَّقُوا ثُمَّ قَالَ يا أمَّةَ مُحَمَّدٍ واللهِ ما
مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِي أَمتُهُ يا أمَّةَ مُحَمَّدٍ وَالله لَوْ تَعْلَمُونَ ما أَعْلَمُ
لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً. [الحديث ١٠٤٤ -أطرافه في: ١٠٤٦، ١٠٤٧، ١٠٥٠،
١٠٥٦، ١٠٥٨، ١٠٦٤، ١٠٦٥، ١٠٦٦، ١٢١٢، ٣٢٠٣، ٤٦٢٤، ٥٢٢١، ٦٦٣١].
مطابقته للترجمة في قوله: ((وتصدقوا))، ورجاله قد ذكروا غير مرة، وأخرجه مسلم
والنسائي جميعاً في الصلاة عن قتيبة عن مالك. وأخرجه أبو داود عن القعنبي عن مالك
مختصراً على قوله: ((الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك
فادعو الله عز وجل وكبروا وتصدقوا)) واعلم أن صلاة الكسوف رويت على أوجه كثيرة ذكر
أبو داود منها جملة، وذكر البخاري ومسلم جملة. وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه
کذلك.
وقال الخطابي: اختلفت الروايات في هذا الباب، فروي أنه: ركع ركعتين في أربع
ركوعات وأربع سجدات، وروي أنه: ركعهما في ركعتين وأربع سجدات، وروي أنه: ركع
ركعتين في ست ركوعات وأربع سجدات، وروي أنه ركع ركعتين في عشر ركوعات وأربع
سجدات، وقد ذكر أبو داود أنواعاً منها، ويشبه أن يكون المعنى في ذلك أنه صلاها مرات
وكرات، وكان إذا طالت مدة الكسوف مد في صلاته، وزاد في عدد الركوع، وإذا قصرت
نقص من ذلك وحذا بالصلاة حذوها، وكل ذلك جائز يصلى على حسب الحال ومقدار
الحاجة فيه.
ذكر ما فيه من المعنى واستنباط الأحكام: قوله: ((في عهد رسول الله عٍَّ)) أي:
في زمنه. قوله: ((فصلى رسول الله عَّلَّه) استدل به بعضهم على أنه عٍَّ كان يحافظ على
الوضوء، فلهذا لم يحتج إلى الوضوء في تلك الحال. وقال بعضهم: فيه نظر لأن في السياق
حذفاً لأن في رواية ابن شهاب ((خسفت فخرج إلى المسجد فصف الناس وراءه). وفي رواية
عمرة: ((فخسفت فرجع ضحى فمر بين الحجر ثم قام يصلي)). قلت: هذا الذي ذكره لا يدل
على أنه عَ لَّه كان على الوضوء أو لم يكن، ولكن حاله يقتضي وجلالة قدره تستدعي كونه
على محافظة الوضوء. قوله: ((فأطال القيام)) أي: يطول القراءة فيه، والدليل عليه رواية ابن
شهاب: ((فاقتراً قراءة طويلة))، ومن وجه آخر عنه: ((فقرأ سورة طويلة))، وفي حديث ابن عباس
على ما سيأتي: ((فقرأ نحواً من سورة البقرة في الركعة الأولى))، ونحوه لأبي داود من طريق
سليمان بن يسار عن عروة، وزاد أنه قرأ في القيام الأول من الركعة الثانية نحواً من آل
عمران، وعند الشافعية يستفتح القراءة في الركعة الأولى والثانية بأم القرآن، وأما الثالثة والرابعة
فيقرأ بها أيضاً عندهم، يقرأ السورة، وفي الفاتحة قولان: قال مالك: نعم، وقال ابن مسلمة:
لا.
قوله: ((ثم قام فأطال القيام)) وفي رواية ابن شهاب: (ثم قال: سمع الله لمن حمده))،
وزاد من وجه آخر: ((ربنا ولك الحمد))، وقيل: استدل به على استحباب الذكر المشروع في

١٠٢
١٦ - كِتَابُ الكُشُوفِ / باب (٢)
الاعتدال في أول القيام الثاني من الركعة الأولى، وقال بعضهم: واستشكله بعض متأخري
الشافعية من جهة كونه قيام قراءة لا قيام اعتدال، بدليل اتفاق العلماء ممن قال بزيادة الركوع
في كل ركعة على قراءة الفاتحة فيه. قلت: هذا المستشكل هو صاحب المهمات، وقوله
بدليل اتفاق العلماء فيه نظر، لأن محمد بن مسلمة من المالكية ممن قال بزيادة الركوع في
كل ركعة، ولم يقل بقراءة الفاتحة كما قلنا عن قريب. وأجاب عن ذلك شيخنا الحافظ زين
الدين العراقي، رحمه الله بقوله: ففي استشكاله نظر لصحة الحديث فيه، بل لو زاد الشارع
عليه ذكراً آخر لما كان مستشكلاً.
قوله: ((وهو دون القيام الأول)) أراد به أن القيام الأول أطول من الثاني في الركعة
الأولى، وأراد أن القيام في الثانية دون القيام الأول في الأولى، والركوع الأول فيها دون
الركوع الأول في الأولى. وأراد بقوله: في القيام الثاني في الثانية أنه دون القيام الأول فيها،
وكذلك ركوعه الثاني فيها دون ركوعه الأول فيها. وقال النووي: اتفقوا على أن القيام الثاني
والركوع الثاني من الأولى أقصر من القيام الأول والركوع، وكذا القيام الثاني والركوع الثاني
من الثانية أقصر من الأول منهما من الثانية. واختلفوا في القيام الأول والركوع الأول من
الثانية، هل هما أقصر من القيام الثاني والركوع الثاني من الركعة الأولى؟ ويكون هذا معنى
قوله: وهو دون القيام الأول، ودون الركوع الأول، أم يكونان سواء ويكون قوله: دون القيام أو
الركوع الأول أي أول قيام وأول ركوع؟ قوله: ((ثم ركع فأطال الركوع)) يعني أنه خالف به
عادته في سائر الصلوات كما في القيام وقال مالك: ويكون ركوعه نحواً من قيامه وقراءته.
قوله: ((ثم سجد فأطال السجود))، وهو ظاهر في تطويله، قال أبو عمر عن مالك: لم أسمع
أن السجود يطول في صلاة الكسوف، وهو مذهب الشافعي، ورأت فرقة من أهل الحديث
تطويل السجود في ذلك. قلت: حكى الترمذي عن الشافعي أنه يقيم في كل سجدة من
الركعة الأولى نحواً مما قام في ركوعه، وقال في الركعة الثانية: ثم سجد سجدتين ولم
يصف مقدار إقامته فيهما، فيحتمل أن يريد مثل ما تقدم في سجود الركعة الأولى، ويحتمل
أنه كسجود سائر الصلوات، وقال الرافعي: وهل يطول السجود في هذه الصلاة؟ فيه قولان،
ويقال: وجهان: أظهرهما: لا، كما لا يزيد في التشهد ولا يطول القعدة بين السجدتين،
والثاني: وبه قال ابن شريح: نعم، ويحكى عن البويطي: وقد صحح النووي خلافه في
(الروضة) فقال: الصحيح المختار أنه يطول، وكذا صححه في (شرح المهذب) وفي
(المنهاج) من زياداته، واقتصر في (تصحيح التنبيه على المختار) قال شيخنا الحافظ زين
الدين: إن قلنا بتطويل السجود في صلاة الكسوف فما مقدار الإقامة فيه؟ فالذي ذكره
الترمذي عن الشافعي أنه قال: ثم سجد سجدتين تامتين، ويقيم في كل سجدة نحواً مما أقام
في ركوعه، وهي رواية البويطي عن الشافعي أيضاً إلاّ أنه زاد بعد. قوله: ((تامتين طويلتين))
وهو الذي جزم به النووي في المنهاج.
قوله: ((ثم انصرف)) أي: من الصلاة. قوله: ((وقد تجلت الشمس)) أي: انكشفت،

١٠٣
١٦ - كِتَابُ الكُشُوفِ / باب (٢)
وفي رواية ابن شهاب، ((وقد انجلت الشمس قبل أن ينصرف))، وفي رواية: ((ثم تشهد
وسلم)). قوله: ((فخطب الناس)) صريح في إستحبابها، وبه قال الشافعي وإسحاق وابن جرير
وفقهاء أصحاب الحديث، وتكون بعد الصلاة. وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: لا خطبة فيها،
قالوا: لأن النبي عَّ له أمرهم بالصلاة والتكبير والصدقة، ولم يأمرهم بالخطبة، ولو كانت سنة
لأمرهم بها، ولأنها صلاة كان يفعلها المنفرد في بيته فلم يشرع لها خطبة، وإنما خطب عَّه
بعد الصلاة ليعلمهم حكمها وكأنه مختص به، وقيل: خطب بعدها لا لها، بل ليردهم عن
قولهم: إن الشمس كسفت لموت إبراهيم، كما في الحديث. وقال بعضهم: والعجب أن
مالكاً روى حديث هشام هذا، وفيه التصريح بالخطبة، ولم يقل به أصحابه؟ قلت: ليس
بعجب ذلك، فإن مالكاً - وإن كان قد رواها فيه وعللها بما قلنا - فلم يقل بها، وتبعه أصحابه
فیھا.
قوله: ((فحمد الله وأثنى عليه)) زاد النسائي في حديث سمرة: ((ويشهد أنه عبد الله
ورسوله)). قوله: ((فادعوا الله)) رواية الكشمسهني، وفي رواية غيره: ((فاذكروا الله)). قوله:
((أغير)) أفعل التفضيل من الغيرة، وهي تغير يحصل من الحمية والأنفة، وأصلها في الزوجين
والأهلين، وكل ذلك محال على الله عز وجل، وهو مجاز محمول على غاية إظهار غضبه
على الزاني. قيل: لما كانت ثمرة الغيرة صون الحريم ومنعهم وزجرهم من يقصدهم وزجر
من يقصد إليهم، أطلق ذلك لكونه منع من فعل ذلك وزجر فاعله وتوعده، فهو من باب
تسمية الشيء بما يترتب عليه. وقال ابن فورك: المعنى: ما أحد أكثر زجراً عن الفواحش من
الله تعالى. وقال ابن دقيق العيد: أهل التنزيه في مثل هذا على قولين: إما ساكت وإما مؤول،
على أن المراد من الغيرة شدة المنع والحماية، وقيل: معناه ليس أحداً منع من المعاصي من
الله ولا أشد كراهة لها منه. قلت: يجوز أن يكون هذا استعارة مصرحة تبعية قد شبه حال ما
يفعل الله مع عبده الزاني من الانتقام وحلول العقاب بحالة ما يفعله العبد لعبده الزاني من
الزجر والتعزير. فإن قلت: كيف إعراب: أغير؟ قلت: بالنصب خبر: ما، النافية، ويجوز الرفع
على أن يكون خبراً للمبتدأ، أعني قوله: ((أحد)). وكلمة: من، زائدة لتأكيد العموم. وقوله:
(أن يزني)) يتعلق بأغير، وحذف الجار وهي: في، أو: على. فإن قلت: ما وجه تخصيص
العبد والأمة بالذكر؟ قلت: رعاية لحسن الأدب مع الله تعالى لتنزهه عن الزوجة والأهل ممن
تعلق بهم الغيرة غالباً. قلت: ما وجه اتصال هذا الكلام بما قبله من قوله: ((فاذكروا الله)) إلى
آخره؟.
قلت: قال الطيبي: المناسبة من جهة أنهم لما أمروا باستدفاع البلاء بالذكر والصلاة
والصدقة ناسب ردعهم عن المعاصي التي هي من أسباب جلب البلاء، وخص منها الزنا لأنه
أعظمها في ذلك. وقيل: لما كانت هذه المعصية من أقبح المعاصي وأشدها تأثيراً في إثارة
النفوس وغلبة الغضب، ناسب ذلك تخويفهم في هذا المقام من مؤاخذة رب الغيرة وخالقها.
قوله: ((يا أمة محمد)) قيل: فيه معنى الإشفاق كما يخاطب الوالد ولده، إذا أشفق عليه بقوله:

١٠٤
١٦ - كِتَابُ الكُشُوفِ / باب (٢)
(يا بني)) قلت: ليس هذا مثل المثال الذي ذكره، فلو كان قال: يا أمتي، بالنسبة إليه لكان
من هذا الباب، وإنما هذا يشبه أن يكون من باب التجريد، كأنه أبعدهم عنه فخاطبهم بهذا
الخطاب، لأن المقام مقام التخويف والتحذير. قوله: ((والله لو تعلمون)) أي: من عظم انتقام
الله من أهل الجرائم وشدة عقابه وأهوال القيامة وأحوالها كما علمته لما ضحكتم أصلاً، إذ
القليل بمعنى العديم على ما يقتضيه السياق، فإن قلت: لا يرتاب في صدق النبي عَِّ، فلم
صدر كلامه بقوله ((والله)) في الموضعين؟.
قلت: لإرادة التأكيد لخبره، وإن كان لا يشك فيه، لأن المقام مقام الإنكار عما يليق
فعله فيقتضي التأكيد. وقيل: معنى هذا الكلام: لو علمتم من سعة رحمة الله وحلمه ولطفه
وكرمه ما أعلم لبكيتم على ما فاتكم من ذلك. وقيل: إنما خص نفسه عَُّلِّ بعلم لا يعلمه
غيره لأنه لعله أن يكون ما رآه في عرض الحائط من النار، ورأى فيها منظراً شديداً لو علمت
أمته من ذلك ما علم عَّ لآ لكان ضحكهم قليلاً وبكاؤهم كثيراً، إشفاقاً وخوفاً. وقد حكى
ابن بطال عن المهلب: أن سبب ذلك ما كان عليه الأنصار من محبة اللهو والغناء، وأطنب
فيه ورد عليه ذلك بأنه قول بلا دليل ولا حجة في تخصيصهم بذلك والقضية كانت في
أواخر زمنه عَّ له مع كثرة الأصناف من الخلائق في المدينة يومئذ.
وفي الحديث فوائد أخرى: فيه: المبادرة بالصلاة والذكر والتكبير والصدقة عند
وقوع كسوف وخسوف ونحوهما من زلزلة وظلمة شديدة وريح عاصف، ونحو ذلك من
الأهوال. وفيه: الزجر من كثرة الضحك والتحريض على كثرة البكاء. وفيه: الرد على من
زعم أن للكواكب تأثيراً في حوادث الأرض، على ما ذكرنا. وفيه: اهتمام الصحابة، رضي الله
تعالى عنهم، بنقل أفعال النبي عَّلّ ليقتدى به فيها. وفيه: الأمر بالدعاء والتضرع في سؤاله.
وفيه: التحريض على فعل الخيرات ولا سيما الصدقة التي نفعها متعد. وفيه: عظة الإمام عند
الآيات وأمرهم بأعمال البر. وفيه: أن صلاة الكسوف ركعتان ولكن على هيئة مخصوصة من
تطويل زائد في القيام وغيره على العادة من زيادة ركوع في كل ركعة، وقال بعضهم: الأخذ
بهذا أولى من إلغائها، وبذلك قال جمهور أهل العلم من أهل الفتيا، وقد وافق عائشة على
ذلك عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر، ومثله عن أسماء بنت أبي بكر وعن جابر عند
مسلم، وعن علي عند أحمد، وعن أبي هريرة عند النسائي، وعن ابن عمر عند البزار، وعن أم
سفيان عند الطبراني. قلت: لِمَ سكت هذا القائل عن: حديث: أبي بكرة الذي صدره
البخاري في هذا الباب ورواه النسائي؟ وحديث ابن مسعود الذي رواه ابن خزيمة في
(صحيحه)، وحديث عبد الرحمن بن سمرة عند مسلم، وحديث سمرة بن جندب عند
الأربعة، وحديث النعمان بن بشير عند الطحاوي، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص عنده
أيضاً وعند أبي داود وأحمد، وحديث قبيصة الهلالي عند أبي داود، وقد ذكرنا جميع ذلك
مستقصىّ،؟ فأحاديث هؤلاء كلها تدل على أن: صلاة الكسوف ركعتان كهيئة النافلة من غير
الزيادة على ركوعين. فإن قلت: أحاديث هؤلاء غاية ما في الباب أنها تدل على أن صلاة
!

١٠٥
١٦ - كِتَابُ الكُشُوفِ / باب (٣)
الكسوف ركعتان، والخصم قائل به، وليس فيها ما ينفي ما ذهب إليه الخصم من الزيادة؟.
قلت: في أحاديثهم نص على الركعتين مطلقاً، والمطلق ينصرف إلى الكامل وهي
الصلاة المعهودة من غير الزيادة المذكورة، مع أنهم لم يقولوا بإلغاء تلك الزيادة، وإنما اختاروا
ما ذهبوا إليه لموافقته القياس، ويؤيد ذلك ما رواه الطحاوي ((عن علي رضي الله تعالى عنه،
أنه كان يقول: فرض النبي عَ لّ أربع صلوات: صلاة الحضر أربع ركعات، وصلاة السفر
ركعتين، وصلاة الكسوف ركعتين، وصلاة المناسك ركعتين)). وقد قرنت صلاة الكسوف
بصلاة السفر وصلاة المناسك، وفي ركعة كل واحدة منهما ركوع واحد بلا خلاف،
فكذلك صلاة الكسوف، ولا سيما على قول من يقول: إن القرآن في النظم يوجب القرآن في
الحكم، فإن قالوا: الزيادة المذكورة ثبتت في رواية الحفاظ الثقات فوجب قبولها والعمل بها.
قلنا: قد ثبت عند مسلم عن عائشة وجابر، رضي الله تعالى عنهما، أن في كل ركعة ثلاث
ركوعات، وعنده عن ابن عباس: أن في كل ركعة ثلاث ركوعات، وعند أبي داود عن أبي
ابن كعب وعند البزار عن علي: أن في كل ركعة خمس ركوعات، فما كان جوابهم في هذه
فهو جوابنا في تلك، ثم إن هذا القائل نقل عن صاحب (الهدى) أنه نقل عن الشافعي وأحمد
والبخاري أنهم: كانوا يعدون الزيادة على الركوعين في كل ركعة غلطاً من بعض الرواة.
قلت: ينبغي أن لا يؤاخذ بهذا لأنه ثبت في (صحيح مسلم) ثلاث ركوعات وأربع ركوعات،
كما ذكرناه الآن.
٣ - بابُ النِّدَاءِ بِالصَّلاَةِ جامِعَةً فِي الگُشُوفِ
أي: هذا باب في بيان قول المنادي لصلاة الكسوف: الصلاة جامعة، بالنصب فيهما
على الحكاية في لفظ الصلاة، وحروف الجر لا يظهر عملها في باب الحكاية، ومعمولها
محذوف، تقديره: باب النداء بقوله الصلاة جامعة، أي: حال كونها جامعة. وقال بعضهم: أي
أحضروا الصلاة في كونها جماعة. قلت: لا يصح هذا، لأن الصلاة ليست بجماعة، وإنما هي
جامعة للجماعة، ويقدر: أحضروا الصلاة حال كونها جامعة للجماعة، وهو من الأحوال
المقدرة، ويجوز أن يرفع بالصلاة، وجامعة أيضاً فالصلاة على الابتداء وجامعة على الخبر،
على تقدير: جامعة للجماعة، وقال بعضهم: وقيل جامعة، صفة والخبر محذوف أي:
احضروا. قلت: هذا أيضاً لا يصح، لأن الصلاة معرفة، وجامعة نكرة، فلا تقع صفة للمعرفة
الاشتراط التطابق بين الصفة والموصوف.
١٠٤٥/٨٤ - حدّثنا إسْحَاقُ قال أخبرنا يَحْيِّى بنُ صالِحٍ قال حدَّثنا مُعَاوِيَةُ بنُ
سَلاَّمٍ بنِ أبي سَلاَّمِ الحَبَشِيُّ الدِّمَشْقِيُّ قال حدَّثنا يَخْبِى بنُ أبي كَثِيرٍ قال أخبرني أبُو سلَمَةً
ابن عَبْدِ الرحمنِ بنِ عَوْفِ الزُّهْرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو رضي الله تعالى عنهما. قال لَمَّا
كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رسولِ اللهِ عَ لِ نُودِيَ إِنَّ الصَّلاَةَ جامِعَةٌ. [الحديث ١٠٤٥ -
طرفه في: ١٠٥١].

١٠٦
١٦ - كِتَابُ الكُشُوفِ / باب (٤)
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: إسحاق هو: إسحاق بن منصور على زعم أبي علي
الجياني وقيل: إنه إسحاق بن راهويه على زعم أبي نعيم. الثاني: يحيى بن صالح الوحاظي.
الثالث: معاوية بن سلام بن أبي سلام، بتشديد اللام فيهما، مات سنة أربع وستين ومائة.
الرابع: يحيى بن أبي كثير، وقد مر غير مرة. الخامس: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف
الزهري. السادس: عبد الله بن عمرو بن العاص.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع وبصيغة الإفراد عن شيخه إسحاق.
وفيه: التحديث بصيغة الجمع عن يحيى بن صالح. وفيه: التحديث بصيغة الإفراد عن معاوية
وعن يحيى بن أبي كثير. وفيه: الإخبار بصيغة الإفراد عن أبي سلمة وفي رواية حجاج
الصواف عن يحيى: حدثنا أبو سلمة حدثني عبد الله، أخرجه ابن خزيمة، وفيه: العنعنة في
موضع واحد. وفيه: القول في خمسة مواضع. وفيه: أن شيخه قد ذكره من غير نسبة. وفيه:
أن يحيى بن صالح شيخه أيضاً روى عنه بلا واسطة في: باب ما إذا كان الثوب ضيقاً، وههنا
روى عنه بواسطة إسحاق. وفيه: أن معاوية ذكر بنسبتين: أحدهما: بقوله: الحبشي، بفتح
الحاء المهملة والباء الموحدة المفتوحة: منسوب إلى بلاد الحبش، وقال ابن معين: الحبش
حي من حمير، وقال الأصيلي: هو بضم الحاء وسكون الباء، وهو كما يقال: عجم بفتحتين
وعجم بضم العين وإسكان الجيم، والأخرى: نسبة إلى دمشق، بكسر الدال وهي دمشق
الشام. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الكسوف عن أبي
نعيم عن شيبان. وأخرجه مسلم في الصلاة عن محمد بن رافع وعن عبد الله بن عبد الرحمن
الدارمي. وأخرجه النسائي فيه عن محمود بن خالد عن مروان بن محمد عن معاوية بن
سلام.
ذكر معناه: قوله: ((نودي: إن الصلاة))، بتخفيف إن المفسرة، ويروى بالتشديد،
ويكون خبرها محذوفاً تقديره: إن الصلاة حاضرة، أو نحو ذلك، وجامعة، نصب على الحال
كما ذكرنا عن قريب، فإن صحت الرواية برفع جامعة يكون هو خبراً لإن، وقيل: يجوز فيه
رفع الكلمتين أيضاً ورفع الأول ونصب الثاني وبالعكس.
وفيه: أن صلاة الكسوف ليس فيها أذان ولا إقامة وإنما ينادى لها بهذه الجملة، وفي
رواية الكشميهني: ((نودي: الصلاة جامعة))، بدون: أن، وقال ابن عبد البر: أجمع العلماء على
أن صلاة الكسوف ليس فيها أذان ولا إقامة إلا أن الشافعي قال: لو نادى مناد: الصلاة
جامعة، ليخرج الناس بذلك إلى المسجد لم يكن بذلك بأس.
٤ - بابُ خُطْبَةِ الإِمامِ فِي الكُشُوفِ
أي: هذا باب في بيان خطبة الإمام في كسوف الشمس.

١٠٧
١٦ - كِتَابُ الكُشُوفِ / باب (٤)
وقالَتْ عَائِشَةُ وأسْمَاءُ خطَبَ النبيُّ عَّ ◌ُله
أي: خطب في الكسوف، أما تعليق عائشة فقد أخرجه في باب الصدقة في
الكسوف، وقد مضى عن قريب، وفيه: وقد تجلت الشمس وخطب الناس، وأما تعليق أسماء
بنت أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، أخت عائشة لأبيها، فسيأتي بعد أحد عشر باباً
في: باب قول الإمام في خطبة الكسوف: أما بعد.
١٠٤٦/٨٥ - حدّثنا يَخْتَى بنُ بُكَيْرٍ قال حدَّثني اللَّيْثُ عنْ عُقَيْل عنِ ابنِ شهَابٍ
ح وحدَّثني أحْمَدُ بنُّ صَالِحِ قال حدَّثنا عَنْبَسةُ قال حدَّثنا يُونُسُ عنِ ابنِ شِهَابٍ قال حدَّثني
عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النبيّ عَ لَّه قالَتْ خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ النّبِيِّ عَ لّهِ فَخَرَجَ إلَى
المَسْجِدِ فصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ فَكَبَّرَ فَاقْتَرَأَ رسولُ اللهِ عَ لَِّ قِرَاءَةً طوِيلَةً ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعاً
طَوِيلاً ثُمَّ قالَ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ فقامَ ولَمْ يَسْجُدْ وَقَرَأْ قِرَاءَةً طَوِيلةٌ هِيَ أدْنَى مِنَ القِرَاءَةِ
الأُولَى ثُمَّ كَهَرَ ورَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً وَهْوَ أذْنَى مِنَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ ثُمَّ قال سَمِعَ الله لِمَنْ
حَمِدَهُ ربَّنَا ولكَ الحَمْدُ ثُمَّ سجَدَ ثُمَّ قال في الرّكْعَةِ الآخِرَةِ مِثْلَ ذُلِكَ فَاسْتَكْمَلَ أرْبَعَ
رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ وانْجَلَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ ثُمَّ قامَ فأثْنَى عَلَى الله ◌ِمَا هُوَ
أَهْلُهُ ثُمَّ قال هُمَّا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ الله لاَ يَخْسِفَانِ لِمَوْتٍ أَحَدٍ ولاَ لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأيْتُمُوهما
فافْزَعُوا إِلَى الصَّلاةِ. [أنظر الحديث ١٠٤٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ثم قام فأثنى على الله بما هو أهله))، لأن القيام والثناء على
الله فيه هو الخطبة.
ذكر رجاله: وهم تسعة، لأنه رواه من طريقين: الأول: يحيى بن بكير، هو يحيى بن
عبد الله بن بكير، بضم الباء الموحدة أبو زكريا المخزومي المصري. الثاني: الليث بن سعد
المصري. الثالث: عقيل، بضم العين: ابن خالد المصري. الرابع: محمد بن مسلم بن
شهاب الزهري. الخامس: أحمد بن صالح أبو جعفر المصري. السادس: عنبسة، بفتح العين
المهملة وسكون النون وفتح الباء الموحدة بعدها سين مهملة مفتوحة: ابن خالد بن يزيد
الأيلي، مات سنة سبع وتسعين ومائة. السابع: يونس بن يزيد بن مسكان أبو يزيد الأيلي،
مات سنة بضع وخمسين ومائة. الثامن: عروة بن الزبير. التاسع: عائشة، رضي الله تعالى
عنها.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع وبصيغة الإفراد
كذلك في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: القول في خمسة مواضع. وفيه:
أن أحمد بن صالح من أفراد البخاري. وفيه: أن رواته مصريون ما خلا ابن شهاب وعروة،
فإنهما مدنيان. وفيه: رواية الشخص عن عمه، وهو: عنبسة عن يونس.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الصلاة عن محمد
ابن مقاتل عن عبد الله بن المبارك. وأخرجه مسلم في الكسوف عن حرملة بن يحيى وأبي

١٠٨
١٦ - كِتَابُ الكُشُوفِ / باب (٤)
الطاهر بن السرح ومحمد بن سلمة، ثلاثتهم عن ابن وهب عن يونس به. وأخرجه أبو داود
فيه عن أبي الطاهر وابن سلمة به. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن سلمة، وأخرجه ابن
ماجه فيه عن أبي الطاهر به.
ذكر معناه: قوله: ((فصف الناس)) برفع الناس لأنه فاعل صف، يقال: صف القوم إذا
صاروا صفاً، ويجوز نصب الناس والفاعل محذوف أي: فصف النبي، عَِّ، الناس وراءه.
قوله: ((ثم قال في الركعة الأخيرة)) أي: فعل، وهو إطلاق القول على الفعل، والعرب تفعل
هذا كثيراً. قوله: ((ثم قام فأثنى على الله تعالى)) يعني: قام لأجل الخطبة فخطب. قوله:
((فافزعوا))، بفتح الزاي، أي: التجئوا وتوجهوا إليها. أو: استعينوا بها على دفع الأمر الحادث
من: باب: فزع بالكسر يفزع بالفتح فزعاً، والفزع في الأصل: الخوف، فوضع موضع الإغاثة
والنصر لأن من شأنه الإغاثة والدفع. قوله: ((إلى الصلاة)) قال بعضهم: أي المعهودة
الحاصلة، وهي التي تقدم فعلها منه، عَ ◌ّله، قبل الخطبة، ولم يصب من استدل به على مطلق
الصلاة. قلت: الذي استدل به على مطلق الصلاة هو المصيب لأن المذكور هو الصلاة فإذا
ذكرت مطلقة ينصرف إلى الصلاة المعهودة فيما بينهم التي يصلونها على الصفة المعهودة،
ولا تذهب أذهان الناس إلاّ إلى ذلك، والعجب من غير المصيب يرد كلام المصيب.
ذكر ما يستنبط منه: وقد مر أكثر ذلك. فيه: فعل صلاة الكسوف في المسجد دون
الصحراء وإن كان يجوز فعلها في الصحراء، ولعل كونها في المسجد ههنا لخوف الفوت
بالانجلاء، وقال القدوري: كان أبو حنيفة يرى صلاة الكسوف في المسجد والأفضل في
الجامع. وفي (شرح الطحاوي): صلاة الكسوف في المسجد الجامع أو في مصلى العيد،
وعند مالك: تصلى فيه دون الصحراء. وقال ابن حبيب: هو مخير، وحكي عن أصبغ:
وصوب بعض أهل العلم المسجد في المصر الكبير للمشقة، وخوف الفوت دون الصغير.
وفيه: الخطبة، وقد مر الكلام فيها مستقصىّ. وفيه: تقديم الإمام على المأموم، وهو من قوله:
((فصف الناس وراءه))، وفيه: المبادرة إلى المأمور به والمسارعة إلى فعله. وفيه: الالتجاء إلى
الله تعالى عند المخاوف بالدعاء والاستغفار لأنه سبب لمحو ما فرط منه من العصيان. وفيه:
أن الذنوب سبب لوقوع البلايا والعقوبات العاجلة والآجلة.
وكانَ يُحَدِّثُ كَثِيرُ بنُ عَبَّاسٍ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما
كانَ يُحَدِّثُ يَوْمَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ بِثْلِ حَدِيثِ عُزْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ فَقُلْتُ لِعُزْوَةَ إِنَّ أخاكَ
يَوْمَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ بِالمَدِينَةِ لَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ الصُّبْحِ قالَ أجَلْ لأِنَّهُ أَخْطَأ
السُنَّةَ
:
قوله: ((كان يحدث كثير بن عباس)) وهو مقول الزهري عطفاً على قوله: ((حدثني
عروة)). وقوله: ((كثير))، بالرفع: اسم كان وخبره. قوله: ((يحدث))، مقدماً، وقد وقع صريحاً
في رواية مسلم من طريق الزبيدي عن الزهري بلفظ ((قال: كثير ابن العباس يحدث أن ابن
عباس كان يحدث عن صلاة رسول الله عَّالم يوم كسفت الشمس، مثل ما حدث عروة عن

١٠٩
١٦ - كِتَابُ الكُشُوفِ / باب (٥)
: جهر في صلاة
عائشة)). وحديث عروة عن عائشة هو ما روى عروة عنها ((أن النبى
الخسوف بقراءته، فصلى أربع ركوعات في ركعتين وأربع سجدات)). قال الزهري: وأخبرني
كثير بن عباس عن ابن عباس ((عن النبي عَّ أنه صلى أربع ركوعات في ركعتين وأربع
سجدات .. )) إلى هنا لفظ مسلم. قوله: ((فقلت)) القائل هو الزهري. قوله: ((أن أخاك)) يعني:
عبد الله بن الزبير. قوله: (مثل الصبح))، أي: مثل صلاة الصبح في العدد والهيئة. قوله: ((قال:
أجل)) أي: قال عروة: نعم صلى كذلك، وفي رواية ابن حبان، فقال: أجل كذلك صنع ((لأنه
أخطأ السنة)) أي: لأن عبد الله بن الزبير أخطأ السنة، لأن السنة هي أن تصلي في كل ركعة
ركوعان. وقال: بعضهم: وتعقب بأن عروة تابعي وعبد الله صحابي فالأخذ بفعله أولى. ثم
أجاب: بما حاصله: إن ما صنعه عبد الله يتأدى به أصل السنة، وإن كان فيه تقصير بالنسبة
إلى كمال السنة، ويحتمل أن يكون عبد الله أخطأ السنة من غير قصد لأنها لم تبلغه. قلت:
وقد قلنا في أول أبواب الكسوف: إن عروة أحق بالخطأ من عبد الله الصاحب الذي عمل بما
علم، وعروة أنكر ما لا يعلم، ولا نسلم أنها لم تبلغه لاحتمال أنه بلغه من أبي بكرة - أو من
غيره - مع بلوغ حديث عائشة إياه، فاختار حديث أبي بكرة لموافقته القياس، فإذاً لا يقال
فيه: إنه أخطأ السنة. والله أعلم بالصواب.
٥ - بابُ هَلْ يَقُولُ كَسَفَتِ الشَّمْسُ أوْ خَسَفَتْ؟
أي: هذا باب يقال فيه: هل يقول القائل: كسفت الشمس؟ أو يقول: خسفت
الشمس؟ قيل: أتى البخاري بلفظ الاستفهام إشعاراً منه بأنه لم يترجح عنده في ذلك شيء،
وقال بعضهم: ولعله أشار إلى ما رواه ابن عيينة عن الزهري ((عن عروة: لا تقولوا كسفت
الشمس، ولكن قولوا: خسفت)) وهذا موقوف صحيح رواه سعيد بن منصور عنه. قلت:
ترتيب البخاري يدل على أن الخسوف يقال في الشمس والقمر جميعاً لأنه ذكر الآية وفيها
نسبة الخسوف إلى القمر ثم ذكر الحديث وفيه نسبة الخسوف إلى الشمس وكذلك يقال
بالكسوف فيهما جميعاً، لأن في حديث الباب ((فقال في كسوف الشمس والقمر: إنهما
آيتان)). وبهذا يرد على عروة فيما روى الزهري عنه. وبما روى في أحاديث كثيرة: كسفت
الشمس، منها: حديث المغيرة بن شعبة الذي مضى في أول الأبواب، ((قال: كسفت الشمس
على عهد رسول الله عَّهِ .. )) الحديث، وفيه: أيضاً: ((أن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت
أحد)) إن كسفت الشمس وخسف القمر أجود الكلامين، وذكر الجوهري: أنه أفصح، وحكى
عياض عن بعضهم عكسه، وغلطه لثبوته بالخاء في القرآن، وفي الحقيقة في معناهما فرق،
فقيل: الكسوف أن يكسف ببعضهما، والخسوف: أن يخسف بكلهما، قال الله تعالى:
﴿فخسفنا به وبداره الأرض﴾ وقال شمر: الكسوف في الوجه الصفرة والتغير، وقال ابن
حبيب في (شرح الموطأ): الكسوف تغير اللون والخسوف انخسافهما، وكذلك تقول في
عين الأعور إذا انخسفت وغارت في جفن العين، وذهب نورها وضياؤها.

١١٠
١٦ - كِتَابُ الكُشُوفِ / باب (٦)
وقالَ اللّه تعالَى: ﴿وَخَسَفَ القَمَرُ﴾ [القيامة: ٨]
إيراد البخاري هذه الآية إشارة إلى أن الأجود أن يقال: خسف القمر، وإن كان يجوز
أن يقال: كسف القمر، لا كما قال بعضهم: يحتمل أن يكون أراد أن يقال: خسف القمر،
كما جاء في القرآن، ولا يقال: كسف، وكيف لا يقال كسف وقد أسند الكسف إليه كما
أسند الشمس؟ كما في حديث المغيرة بن شعبة المذكور في أول الأبواب وفي غيره،
و كذلك في حديث الباب.
١٠٤٧/٨٦ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ قال حدَّثنا اللَّيْثُ قال حدَّثني عُقَيْلٌ عنِ ابنِ
شِهَابٍ قال أخبرني عُزْوَةُ بنُ الزُّبَيْرُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النبيِّ عَلَّهِ أُخبرَتْهُ أَنَّ رسولَ اللهِ عَلَّهِ.
صَلَّى يَوْمَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ فَقَامَ فَكَثِّرَ فَقَرَأْ قرَاءَةً طوِيلَةً ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً ثُمَّ رَفَّعَ رَأْسَهُ
فقال سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ وقَأَمَ كما هُوَ ثُمَّ قَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً وَهْيَ أَذْنَى مِنَ القِرَاءَةِ الأُولَى ثُمَّ
رَكَّعَ رُكُوعاً طَوِيلاً وَهْيَ أَذْنَى مِنَ الرِكْعَةِ الأَولى ثُمَّ سَجَدَ سُجُوداً طَوِيلاً ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ
الآخِرَةِ مِثْلَ ذُلِكَ ثُمَّ سَلَّمَ وقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ فَخَطَبَ النَّاسَ فقالَ فِي كُشُوفِ الشَّمْسِ
والقَمَرِ إِنَّهُمَا آيَتانِ مِنْ آيَاتِ الله لاَ يَخْسِفَانِ لِمَوْتٍ أَحَدٍ ولاَ لِحَيَاتِهِ فإذَا رَأْئْتُمُوهُمَا فَاقْزَعُوا
إلى الصَّلاَةِ. [أنظر الحديث ١٠٤٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة يمكن أن تؤخذ من قوله: ((فقال في كسوف الشمس والقمر))، وقوله:
((لا يخسفان)) لأن كل واحد من الكسوف والخسوف استعمل في كل واحد من الشمس
والقمر، وإيراده الآية المذكورة وهذا الحديث يدلان على هذا ويدل أيضاً على أن الاستفهام
في الترجمة ليس للنفي والإنكار. فافهم، وسعيد بن عفير، بضم العين المهملة وفتح الفاء
وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره راء، وقد مر في: باب من يرد الله به خيراً يفقهه في
الدين، في كتاب العلم، وبقية الكلام فيما يتعلق به قد مضت مستقصاة.
٦ - بابُ قَوْلِ النبيِّ مَ لَّلِ يُخَوِّفُ اللّه عِبَادَهُ بالگُشوفِ
قاله أبُو مُوسَى عنِ النبيِّ عَلَّم
أي: هذا باب في ذكر قول النبي عَّه في حديث أبي موسى الأشعري: ((يخوف الله،
عز وجل، عباده بالكسوف))، وسيأتي حديث أبي موسى هذا في: باب الذكر في الكسوف.
١٠٤٨/٨٧ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُّ سَعِيدٍ قال حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ يُؤنُسَ عنِ
الحَسَنِ عِنْ أَبِي بَكْرَةَ قان قال رسولُ الله عَّلَّلِ إِنَ الشَّمْسَ والقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آياتِ الله لاَ
يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولاَ لِحَيَاتِهِ ولُكِنَّ الله تعالى يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ. [أنظر الحديث
١٠٤٠ وأطرافه].
قد مضى الكلام في حديث أبي بكرة في أول أبواب الكسوف، ومطابقته للترجمة
ظاهرة.

١١١
١٦ - كِتَابُ الكُشوفِ / باب (٦)
قوله: ((ولكن الله يخوف بهما))، وفي رواية الكشميهني: ((ولكن الله يخوف)). قوله:
(يخوف))، فيه رد على أهل الهيئة حيث يزعمون أن الكسوف أمر عادي لا يتأخر ولا يتقدم،
فلو كان كذلك لم يكن فيه تخويف، فيصير بمنزلة الجزر والمد في البحر، وقد جاء في
حديث أبي موسى، على ما يأتي: ((فقام فزعاً يخشى أن تكون الساعة))، فلو كان الكسوف
بالحساب لم يقع الفزع، ولم يكن للأمر بالعتق والصدقة والصلاة والذکر معنی، وقد رددنا
عليهم فيما مضى، ويرد عليهم أيضاً بما جاء في رواية أحمد والنسائي وغيرهما: ((إن الشمس
والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله، وإن الله إذا تجلى
لشيء من خلقه خضع له)). وقال الغزالي: هذه الزيادة لم تثبت فيجب تكذيب ناقلها، ولو
صحت لكان أهون من مكابرة أمور قطعية لا تصادم الشريعة، ورد عليه بأنه: كيف يسلم
دعوى الفلاسفة ويزعم أنها لا تصادم الشريعة مع أنها مبنية على أن العالم كري الشكل
وظاهر الشرع خلاف ذلك؟ والثابت من قواعد الشرع أن الكسوف أثر الإرادة القديمة، وفعل
الفاعل المختار فيخلق في هذين الجرمين النور متى شاء والظلمة متى شاء من غير توقيف
على سبب أو ربط باقتراب، وكيف يرد الحديث المذكور وقد أثبته جماعة من العلماء
وصححه ابن خزيمة والحاكم؟ ولئن سلمنا أن ما ذكره أهل الحساب صحيح في نفس الأمر،
فإنه لا ينافي كون ذلك مخوفاً لعباد الله تعالى.
وقال أبُو عُبَيدِ الله لَمْ يَذْكُرْ عِبْدُ الوَارِثِ وشُغْبَةُ وخالِدُ بنُ عَبْدِ الله وحَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ
عنْ يُونُسَ يُخوّفُ بِهِمَا عِبَادِهِ
أشار بهذا الكلام إلى أن عبد الوارث بن سعيد التنوري وشعبة بن الحجاج وخالد بن
عبد الله الطحان الواسطي وحماد بن سلمة، بفتح اللام، لم يذكروا في روايتهم عن يونس بن
عبيد المذكور عن قريب لفظ: ((يخوف الله بهما عباده)) في روايته عن الحسن البصري عن
أبي بكرة. أما رواية عبد الوارث فذكرها البخاري بعد عشرة أبواب في باب الصلاة في
كسوف القمر، وليس فيها هذا اللفظ، على ما ستقف عليها، ولكن ثبت ذلك عن عبد
الوارث من وجه آخر رواه النسائي عن عمران بن موسى عن عبد الوارث، قال: حدثنا يونس
عن الحسن عن أبي بكرة قال: ((كنا عند رسول الله عَّ له فانكسفت الشمس فخرج رسول الله
عَّله يجر رداءه حتى انتهى إلى المسجد وثاب إليه الناس، فصلى بنا ركعتين، فلما انكشفت
قال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده، وإنهما لا ينخسفان لموت
أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فصلوا حتى يكشف ما بكم، وذلك أن ابناً له مات يقال له:
إبراهيم، فقال ناس في ذلك)). وأما رواية شعبة فأخرجها البخاري في: باب كسوف القمر،
حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا سعيد بن عامر، قال: حدثنا شعبة عن يونس عن الحسن
(عن أبي بكرة قال: انكسفت الشمس على عهد النبي عَّله فصلى ركعتين)). وأما رواية خالد
بن عبد الله فقد مضت في أول أبواب الكسوف. وأما رواية حماد بن سلمة فأخرجها
الطبراني في (المعجم الکبیر): عن علي بن عبد العزیز، قال: حدثنا حجاج بن منهال حدثنا

١١٢
١٦ - کِتَابُ الكُشوفِ / باب (٧)
حماد بن سلمة عن يونس فذكره، وأخرجها البيهقي أيضاً من طريق أبي زكريا السيلحيني
عن حماد بن سلمة عن يونس فذكره.
وتَابَعَهُ مُوسى عنْ مُبَارَكِ عنِ الحَسَنِ قالٍ أخبرني أبُو بَكْرَةَ عنِ النَّبِيِّ عَ لَّهِ أَنَّ الله
تعالى يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ
أي: تابع يونس في روايته عن الحسن موسى عن مبارك، واختلف في المراد بموسى،
فقيل: هو موسى بن إسماعيل التبوذكي وجزم به الحافظ المزي، وقيل: هو موسى بن داود
الضبي، ومال إليه الحافظ الدمياطي وجماعة. قيل: الأول أرجح لكون موسى بن إسماعيل
معروفاً في رجال البخاري، ومبارك هو: ابن فضالة بن أبي أمية القرشي العدوي البصري، وفيه
مقال، وأراد به البخاري تنصيص الحسن على سماعه من أبي بكرة، فإن ابن خيثمة ذكر في
(تاريخه الكبير) عن يحيى أنه لم يسمع منه، وذكر في هذه المتابعة للرد عليه، فإنه صرح
فيها أن الحسن قال: أخبرني أبو بكرة، وقد علم أن المثبت يرجح على النافي. قوله:
((يخوف الله بهما)) أي: بكسوف الشمس وكسوف القمر، ويروى: ((بها))، أي: بالآية، فإن
كسوفهما آية من الآيات، وفي رواية غير أبي ذر: ((إن الله يخوف)).
وتابَعَهُ أَشْعَثُ عنِ الحَسَنِ
يعني: تابع مبارك بن فضالة أشعث بن عبد الملك الحمراني عن الحسن كذلك، لكن
بلا ذكر التخويف، رواه النسائي كذلك عن الفلاس عن خالد بن الحارث عن أشعث عن
الحسن ((عن أبي بكرة، قال: كنا جلوساً عند النبي عَِّ فكسفت الشمس فوثب يجر ثوبه
فصلى ركعتين حتى انجلت الشمس)). وقال بعضهم: وقع قوله: ((تابعه أشعث))، في بعض
الروايات عقيب متابعة موسى، والصواب تقديمه لخلو رواية أشعث عن ذكر التخويف. قلت:
لا يلزم من متابعة أشعث لمبارك بن فضالة في الرواية عن الحسن أن يكون فيه ذكر
التخويف، لأن مجرد المتابعة تكفي في الرواية، وقد ذهل صاحب (التلويح) هنا حيث قال:
في قوله: ((تابعه أشعث عن الحسن)) يعني: تابع مبارك بن فضالة عن الحسن بذكر التخويف
رواه النسائي إلى آخره، وليس في رواية النسائي عن الأشعث ذكر التخويف، والله أعلم
بحقيقة الحال.
٧ - بابُ التَّعَوَّذِ مِنْ عذَابِ القَبْرِ فِي الكُشُوفِ
أي: هذا باب في بيان التعوذ من عذاب القبر في حالة الكسوف، سواء كان في
الصلاة حين يدعو فيها أو بعد الفراغ منها.
والمناسبة في ذلك من حيث كون كل واحد من الكسوف والقبر مشتملاً على
الظلمة، فيحصل الخوف من هذا كما يحصل من هذا، فإذا تعوذ بالله تعالى ربما يحصل له
الاتعاظ في العمل بما ينجيه من عاقبة الأمر.
١٠٤٩/٨٨ - حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالَكِ عنْ يَحيى بنِ سَعِيدٍ عنْ عَمْرَةَ

١١٣
١٦ - كِتَابُ الكُشُوفِ / باب (٧)
بِنْتِ عَبْدِ الرحمنِ عنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ عَّلَلِ أَنَّ يَهُودِيَّةً جاءَتْ تَسْألُهَا فَقَالَتْ لَهَا أَعَاذَكِ الله
مِنْ عَذَابِ القَبْرِ فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رضي الله تعالى عنها رسولَ الله عَ لَّهِ أَيُعَذَّبُ النَّاسُ فِي
قُبُورِهِمْ فَقَالَ رسولُ اللهِ عَ لِّ عائذاً باللهِ مِنْ ذُلِكَ. [الحديث ١٠٤٩ - أطرافه في: ١٠٥٥،
١٢٧٢، ٦٣٦٦].
١٠٥٠ - ثُمَّ رَكِبَ رسولُ اللهِ عَ لَّلِ ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَباً فَخَسَفَتِ الشَّمْسُ فَرَجَعَ
ضُحِىّ فَمَوَّ رسولُ الله عَ لَه بَيْنَ ظَهْرَانَي الحُجَرِ ثُمَّ قامَ يُصَلِّي وقامَ النَّاسُ وَرَاءَهُ فَقَامَ قِيَاماً
طَوِيلاً ثم ركع ركوعاً طويلاً ثم رفع فقام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول ثم ركع ركوعاً
طويلاً وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ ثُمَّ قَامَ فَقَامَ قِيَاماً طَوِيلاً ثم ركع طويلاً ثم رفع
فقام قياماً طويلاً وهو دَون القيام الأول ثم ركع ركوعاً طويلاً وَهْوَ دُونَ القِيامِ الأوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ
رُكُوعاً طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ ثُمَّ قامَ قِيَاماً طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ القِيَامِ
الأوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً وَهَوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ وَانْصَرَفَ فقال ما شاءَ
الله أنْ يَقُولَ ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. [انظر الحديث ١٠٤٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ثم أمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر)).
ورجاله قد ذكروا غير مرة.
وأخرجه البخاري أيضاً عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك. وأخرجه مسلم فيه عن
القعنبي وعن محمد بن المثنى وعن ابن أبي عمر. وأخرجه النسائي فيه عن عمرو بن علي
وعن محمد بن سلمة.
ذكر معناه: قوله: ((أن يهودية)) أي: امرأة يهودية، وفي (مسند السراج) من حديث
أشعث بن الشعثاء عن أبيه عن مسروق، قال: ((دخلت يهودية على عائشة فقالت لها: أسمعتِ
رسول الله عَّه يذكر شيئاً في عذاب القبر؟ فقالت عائشة: لا، وما عذاب القبر؟ قالت:
فسليه، فجاء النبي عَّ ◌ُلّم فسألته عائشة عن عذاب القبر، فقال عَ لَّه: عذاب القبر حق. قالت
عائشة: فما صلى بعد ذلك صلاة إلاّ سمعته يتعوذ من عذاب القبر)). وفي حديث منصور عن
أبي وائل ((عن مسروق عنها، قالت: دخل عليَّ عجوزتان من عجائز اليهود، فقالت: إن أهل
القبور يعذبون في قبورهم، فكذبتهما ولم أصدقهما، فدخل عليَّ رسول الله عَِّ فقلت له:
دخل علي عجوزتان من عجز اليهود فقالتا: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم، فقال: إنهم
ليعذبون في قبورهم عذاباً تسمعه البهائم)). وفي هذا دليل على أن اليهودية كانت تعلم
عذاب القبر، إما سمعت ذلك من التوراة أو في كتاب من كتبهم. قوله: ((أيعذب الناس؟))،
على صيغة المجهول فيه دليل على أن عائشة لم تكن قبل ذلك علمت بعذاب القبر، لأنها
كانت تعلم أن العذاب والثواب إنما يكونان بعد البعث. قوله: ((عائذاً بالله)) على وزن: فاعل،
مصدر لأن المصدر قد يجيء على هذا الوزن كما في قولهم: عافاه الله عافية، فعلى هذا
انتصابه على المصدرية تقديره: أعوذ عائذاً بالله، أي: أعوذ عياذاً بالله، ويجوز أن يكون:
عمدة القاري / ج٧ / ٨٢

١١٤
١٦ - كِتَابُ الكُشُوفِ / باب (٨)
عائذاً، على بابه، ويكون منصوباً على الحال، وذو الحال محذوف تقديره: أعوذ حال كوني
عائذاً بالله. وروي: ((عائذ بالله))، بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي: أنا عائذ بالله. قوله:
((من ذلك)) أي: من عذاب القبر. قوله: ((ذات غداة))، لفظة: ((ذات))، زائدة. وقال الداودي:
لفظة ((ذات)) بمعنى: في، أي: في غداة ورد عليه ابن التين: بأنه غير صحيح، بل تقديره: في
ذات غداة. قلت: الصواب معه لأنه لم يقل أحد: إن ذات بمعنى: في، ويجوز أن يكون من
باب إضافة المسمى إلى اسمه. قوله: ((ضحىٍ)) بضم الضاد مقصور، فوق الضحوة وهي
ارتفاع أول النهار. قوله: ((بين ظهراني الحجر))، أي: في ظهري الحجر، الألف والنون
زائدتان، ويقال: الكلمة كلها زائدة، والحجر، بضم الحاء المهملة وفتح الجيم: جمع حجرة
والمراد بها بيوت أزواج النبي عَ لّه.
ومما يستنبط منه: أنه: يدل على أن عذاب القبر حق، وأهل السنة مجمعون على
الإيمان به والتصديق، ولا ينكره إلّ مبتدع. وأن من لا علم له بذلك لا يأثم، وأن من سمع
بذلك وجب عليه أن يسأله أهل العلم ليعلم صحته. وفيه: ما يدل على أن حال عذاب القبر
عظيم، فلذلك أمر النبي عَ لّم في ذلك الوقت بالتعوذ منه. وفيه: أن وقت صلاة الكسوف
وقت الضحى على ما صلى عَ لَّه في ذلك الوقت بحسب حصول الكسوف فيه، والعلماء
اختلفوا فيه، فقال ابن التين: أول وقته وقت جواز النافلة، وأما آخره فقال مالك: إنها إنما تصلى
ضحوة النهار ولا تصلى بعد الزوال، فجعلها كالعيدين، وهي رواية ابن القاسم، وروى عنه ابن
وهب: تصلى في وقت صلاة النافلة وإن زالت الشمس، وعنه: لا تصلى بعد العصر، ولكن
يجتمع الناس فيه فيدعون ويتصدقون ويرغبون. وقال الكوفيون: لا يصلون في الأوقات
المنهي عن الصلاة فيها لورود النهي بذلك، وتصلى في سائر الأوقات، وهو قول ابن أبي
مليكة وعطاء وجماعة. وقال الشافعي: تصلى في كل وقت، نصف النهار وبعد العصر
والصبح، وهو قول أبي ثور وابن الجلاب المالكي: وقال أصحابنا الحنفية: وقتها المستحب
كسائر الصلوات، ولا تصلى في الأوقات المكروهة، وبه قال الحسن وعطاء بن أبي رباح
وعكرمة وعمرو بن شعيب وقتادة وأيوب وإسماعيل بن علية وأحمد، وقال إسحاق: يصلون
بعد العصر ما لم تصفر الشمس، وبعد صلاة الصبح ولو كسفت في الغروب لم تصل
إجماعاً، ولو طلعت مكسوفة لم تصل حتى تحل النافلة، وبه قال مالك وأحمد وآخرون، وقال
ابن المنذر: وبه أقول، خلافاً للشافعي.
٨ - بابُ طُولٍ السُّجُودِ فِي الگُشُوفِ
أي: هذا باب في بيان طول السجود في صلاة الكسوف، وأشار بهذا إلى الرد على
من أنكر طول السجود فيه، وهو قول بعض المالكية، فإنهم قالوا إن الذي شرع فيه التطويل
شرع تكراره كالقيام والركوع، ولم تشرع الزيادة في السجود فلا يشرع التطويل فيه، وقد
ذكرنا فيما مضى أن الرافعي قال: هل يطول السجود في هذه الصلاة؟ فيه قولان، ويقال:
وجهان: أظهرهما: لا، والثاني: نعم، وبه قال ابن شريح، لأنه منقول في بعض الروايات: مع

١١٥
١٦ - كِتَابُ الكُشُوفِ / باب (٨)
تطويل الركوع، أورده مسلم في (الصحيح). قلت: لم ينفرد به مسلم، بل حديث الباب يدل
عليه أيضاً ويرد بهذا على من يقول: إن التطويل في القيام والركوع لإمكان رؤية انجلاء
الشمس، بخلاف السجود، وعلى من يقول: إن في تطويل السجود استرخاء المفاصل
المفضي إلى النوم المفضي إلى خروج شيء.
١٠٥١/٨٩ - حدّثنا أبو نُعَيْم قال حدَّثْنَا شَيْبَانُ عنْ يَحيى عنْ أَبِي سَلَمَةَ عنْ عَبْدِ
اللهِ بنِ عَمْرو أنه قالَ لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رسولِ اللهِعَ لِّ نُودِيَ إِنَّ الصَّلاةَ
جامِعَةٌ فَرَكَعَ النبيُّ عَّلِ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ ثُمَّ جَلَسَ ثُمَّ
مجلِّيَ عنِ الشَّمْسِ قالَ وقالَتْ عائِشَةُ رضي الله تعالى عنها ما سَجَدْتُ سُجُوداً قط كانَ
أَطْوَلَ مِنْهَا. [انظر الحديث ١٠٤٥].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وهي قول عائشة في آخر الحديث.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: أبو نعيم، بضم النون: الفضل بن دكين. الثاني:
شيبان بن عبد الرحمن التميمي، أصله من البصرة وسكن الكوفة. الثالث: يحيى بن أبي كثير
اليمامي الطائي من أهل البصرة سكن اليمامة. الرابع: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف.
الخامس: عبد الله بن عمرو، بفتح العين وفي آخره واو، ووقع في رواية الكشميهني: عبد الله
ابن عمر، بضم العين وفتح الميم بلا واو، قيل: إنه وهم.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنعة في
ثلاثة مواضع. وفيه: القول في أربعة مواضع. وفيه: أن رواته ما بين كوفي ويمامي ومدني.
وفيه: راويان بكنية وراويان بلا نسبة.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري في الكسوف عن إسحاق عن
يحيى بن صالح عن معاوية بن سلام عن يحيى به مختصراً، كما هنا، وأخرجه مسلم في
الصلاة عن محمد بن رافع وعن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وأخرجه النسائي فيه عن
محمود بن خالد.
ذكر معناه: قوله: ((على عهد رسول الله عَ لَّه) أي: على زمنه. قوله: ((نودي))، على
صيغة المجهول من النداء وهو الإعلام. وقوله: ((إن الصلاة جامعة))، قد مر الكلام فيه عن
قريب. قوله: ((في سجدة)) أي: في ركعة، وقد يعبر بالسجدة عن الركعة من باب إطلاق
الجزء على الكل. قوله: ((ثم جلي))، بضم الجيم وتشديد اللام على صيغة المجهول: من
التجلية، وهو الانكشاف. قوله: ((قال: وقالت)) أي: قال أبو سلمة: ((قالت عائشة، رضي الله
تعالى عنها: ما سجدت سجوداً قط)). وفي رواية مسلم: ((ما ركعت ركوعاً قط ولا سجدت
سجوداً قط كان أطول منه))، ويحتمل أن يكون فاعل: قال، هو عبد الله بن عمرو، فيكون فيه
رواية صحابي عن صحابية. فإن قلت: ما وجه رواية البخاري: أطول منها بتأنيث الضمير
والسجود مذكر؟ قلت: وقع في رواية مسلم وغيره منه بتذكير الضمير، وهو الأصل، ويؤول

١١٦
١٦ - كِتَابُ الكُشُوفِ / باب (٩)
في رواية البخاري السجود بالسجدة، فتأنيث الضمير بهذا الاعتبار.
وإطالة السجود وردت في أحاديث كثيرة. منها: ما تقدم في رواية عروة عن عائشة
بلفظ: ((ثم سجد فأطال السجود)). ومنها: ما تقدم في أوائل صفة الصلاة من حديث أسماء
بنت أبي بكر مثله. ومنها: ما رواه النسائي عن عبد الله ابن عمرو: ((ثم رفع رأسه وسجدها
فأطال السجود))، ونحوه ما رواه النسائي أيضاً عن أبي هريرة. ومنها: ما رواه الشيخان من
حديث أبي موسى ((بأطول قيام وركوع وسجود)). ومنها: ما رواه أبو داود والنسائي من
حديث سمرة: ((كأطول ما سجد بنا في صلاة)، وقال بعض المالكية: لا يلزم من كونه أطال
السجود أن يكون بلغ به حد الإطالة في الركوع، ورد عليهم بما رواه مسلم من حديث جابر
بلفظ: ((وسجوده نحو من ركوعه))، وبه قال أحمد وإسحاق، وهو أحد قولي الشافعي، وادعى
صاحب (المهذب): أنه لم يقل به الشافعي، ورد عليه بأن الشافعي نص عليه في البويطي،
ولفظه: ((ثم سجد سجدتين طويلتين يقيم في كل سجدة نحواً مما قام له في ركوعه))،
وحديث جابر الذي رواه مسلم يدل على تطويل الاعتدال الذي يليه السجود، ولفظه: ((فأطال
القيام حتى جعلوا يخرجون، ثم ركع فأطال ثم رفع فأطال ثم ركع فأطال ثم رفع فأطال ثم
سجد سجدتين))، الحديث. وأنكر النووي هذه الرواية، وقال: هذه رواية شاذة مخالفة فلا
يعمل بها، أو المراد: زيادة الطمأنينة في الاعتدال، ورد عليه بما رواه النسائي وابن خزيمة
وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو، ففيه: ((ثم ركع فأطال حتى قيل: لا يرفع، ثم رفع
فأطال حتى قيل: لا يسجد، ثم سجد فأطال حتى قيل: لا يرفع، ثم رفع فجلس فأطال حتى
قيل: لا يرفع، ثم رفع فجلس فأطال الجلوس حتى قيل: لا يسجد ثم سجد))، فهذا يدل على
تطويل الجلوس بين السجدتين، وبهذا يرد على الغزالي في نقله الاتفاق على ترك إطالته،
أللهمّ إلاّ إذا أراد به: بالاتفاق من أهل المذهب. والله أعلم.
٩ - بابُ صَلاَةِ الكُشْوفِ جَمَاعَةٌ
أي: هذا باب في بيان صلاة الكسوف بالجماعة، أشار بهذا إلى أن صلاة الكسوف
بالجماعة سنة. وقال صاحب (الذخيرة): من أصحابنا: الجماعة فيها سنة، ويصلي بهم الإمام
الذي يصلي الجمعة والعيدين، وفي (المرغيناني): يؤمهم فيها إمام حيهم بإذن السلطان، لأن
اجتماع الناس ربما أوجب فتنة وخللاً، ولا يصلون في مساجدهم بل يصلون جماعة واحدة،
ولو لم يقمها الإمام صلى الناس فرادى. وفي (مبسوط) بكر، عن أبي حنيفة في غير رواية
الأصول: لكل إمام مسجد أن يصلي بجماعة في مسجده، وكذا في (المحيط). وقال
الإسبيجاني: لكن بإذن الإمام الأعظم، وقال بعضهم: باب صلاة الكسوف جماعة، أي: وإن
لم يحضر الإمام. قلت: إذا لم يكن الإمام حاضراً كيف يصلون جماعة؟ ولا تكون الصلاة
بالجماعة إلّ إذا كان فيهم إمام؟ فإن لم يكن إمام وصلوا فرادى لا يقال صلوا بجماعة، وإن
كانوا جماعات؟ فإن قلت: بم انتصب جماعة؟ قلت: يجوز أن يكون بنزع الخافض، كما
قدرناه، فإن قلت: هل يجوز أن يكون حالاً؟ قلت: يجوز إذا قدر هكذا: باب صلاة القوم

١١٧
١٦ - كِتَابُ الكُشُوفِ / باب (٩)
الكسوف حال كونهم جماعة، فطوى ذكر الفاعل للعلم به.
وصَلَّى ابنُ عَبَّاسِ لَهُمْ فِي صُفَّةٍ زَمْزَمَ
أي: صلى للقوم عبد الله بن عباس، رضي الله تعالى عنهما، في صفة زمزم، والصفة،
بضم الصاد المهملة وتشديد الفاء، قال ابن التين: صفة زمزم، قيل: كانت أبنية يصلي فيها
ابن عباس، والصفة موضع مظلل يجعل في دار أو في حوش. وقال ابن الأثير، في ذكر أهل
الصفة: هم فقراء المهاجرين، ولم يكن لواحد منهم منزل يسكنه، فكانوا يأوون إلى موضع
مظلل في مسجد المدينة يسكنونه. وقال الكرماني: صفة، بضم المهملة وفي بعضها
بالمعجمة وهي بالكسر والفتح: جانب الوادي، وصفتاه جانباه، وهذا التعليق رواه ابن أبي
شيبة عن غندر: حدثنا ابن جريج عن سليمان الأحول عن طاوس: أن الشمس انكسفت على
عهد ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، وصلى على زمزم ركعتين في كل ركعة أربعة
سجدات، ورواه الشافعي وسعيد بن منصور جميعاً: عن سفيان بن عيينة عن سليمان الأحول
(سمعت طاوساً يقول: كسفت الشمس فصلی بنا ابن عباس في صفة زمزم ست ركوعات
في أربع سجدات، وبين الروايتين مخالفة. وقال البيهقي: روى عبد الله بن أبي بكر عن
صفوان بن عبد الله بن صفوان قال: رأيت ابن عباس، رضي الله تعالى عنه، صلى على ظهر
زمزم في كسوف الشمس ركعتين في كل ركعة ركوعان. وقال الشافعي: إذا كان عطاء
وعمرو وصفوان والحسن يروون عن ابن عباس خلاف سليمان الأحول كانت رواية ثلاثة
أولى أن تقبل، ولو ثبت عن ابن عباس أشبه أن يكون ابن عباس فرق بين خسوف الشمس
والقمر وبين الزلزلة، فقد روي أنه صلى في زلزلة ثلاث ركوعات في ركعة، فقال: ما أدري
أزلزلت الأرض أم بي أرض، أي: رعدة؟ قال الجوهري: الأرض: النفضة والرعدة ثم نقل قول
ابن عباس، هذا، قال أبو عمر: لم يأت عن النبي عَّله من وجه صحيح: أن الزلزلة كانت في
عصره ولا صحت عنه فيها سنة، وأول ما جاءت في الإسلام على عهد عمر بن الخطاب،
رضي الله تعالى عنه، وفي (المعرفة) للبيهقي: صلى علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى
عنه، في زلزلة ست ركوعات في أربع سجدات وخمس ركعات وسجدتين في ركعة وركعة،
وسجدتين في ركعة، وقال الشافعي: لو ثبت هذا الخبر عن علي، رضي الله تعالى عنه، لقلنا
به، وهم یثبتونه ولا یقولون به.
وجَمَّعَ عَلِيُّ بنُ عَبْد اللهِ بنِ عَبَّاسٍ وصَلَّى ابنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهم
أي: جمع الناس علي بن عبد الله لصلاة الكسوف، وعلي بن عبد الله تابعي ثقة، روى
له مسلم والأربعة، وروى له البخاري في (الأدب) وكان أصغر ولد أبيه سناً، وكان يدعى:
السجاد، وكان يسجد كل يوم ألف سجدة، ولد ليلة قتل علي بن أبي طالب في شهر
رمضان سنة أربعين، فسمي باسمه وكني بكنيته: أبا الحسن، وفي ولده الخلافة، مات سنة
أربع عشرة ومائة، وعن يحيى بن معين: مات سنة ثمان عشرة ومائة بالحميمة من أرض البلقاء

١١٨
١٦ - كِتَابُ الكُشْوفِ / باب (٩)
في أرض الشام وهو ابن ثمان أو تسع وسبعين سنة، قوله: ((وصلى ابن عمر)) يعني: صلاة
الكسوف بالناس، وأخرج ابن أبي شيبة قريباً من معناه: حدثنا وكيع عن سفيان عن عاصم بن
عبيد الله، قال: رأيت ابن عمر يهرول إلى المسجد في كسوف ومعه نعلاه، يعني لأجل
الجماعة، وأشار البخاري بهذين الأثرين إلى أن صلاة الكسوف بالجماعة، وهذا هو المطابقة
بينهما وبين الترجمة.
١٠٥٢/٩٠ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكِ عنْ زَيْدِ بنِ أُسْلَمَ عِنْ عَطَاءِ
ابن يَسَارِ عِنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ قال الْخَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رسولِ اللهِ عَ لَّ فَصلَّى
رسولُ اللهِ عَلِ فَقَامَ قِيَاماً نَخْواً منْ قِرَاءَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً ثُمَّ رَفَعَ فقَامَ
قِيَاماً طَوِيلا وَهْوَ دُونَ القِيَامِ الأوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلا وهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ
ثُمَّ قامَ قِيَاماً طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ القِيَامِ الأوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ ثُمَّ
رَفَعَ فَقَامَ قِياماً طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ القِيامِ الأوَّلِ ثُمَّ ركعَ رُكُوعاً طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ
ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ انْصَرَفَ وقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ فقالَ عَّهِ إِنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ
لاَ يَحْسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأيْتُمْ ذُلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قالُوا يا رسولَ الله رَأَيْنَاكَ
تَنَاوَلْتَ شَيْئاً فِي مَقامِكَ ثُمَّ رَأْتِنَاكَ كَفْكَعْتَ قَال ◌ََّلِ إِنِّي رَأيْتُ الجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ عُنْقُوداً وَلَوْ
أصَبْتَهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ ما بَقِيَتِ الدُّنْيَا وأُرِيتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ مَنْظَراً كاليَوْمٍ قَطْ أَفْطَعَ وَرَأيْتُ أكثَرَ
أَهْلِهَا النِّسَاءَ قالوا بمَ يا رسولَ اللهِ قال بِكُفْرِهِنَّ قِيلَ يَكْفُرْنَ بِاللهِ قالَ يَكْفُوْنَ العَشِيرَ ويَكْفُرْنَ
الإِحْسَانَ لوْ أحْسَنَتَ إِلَى إحدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ثُمَّ رَأْتْ مِنْكَ شَيْئاً قَالَتْ ما رأيْتُ مِنْكَ خَيْراً
قَط. [انظر الحديث ٢٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تأتي بمحذوف مقدر في قوله: ((فصلى رسول الله عَلَه))، أي: صلى
بالجماعة، وهذا لا يشك فيه، ولكن الراوي طوى ذكره إما اختصاراً وإما اعتماداً على القرينة
الحالية، لأنه لم ينقل عنه أنه صلى صلاة الكسوف وحده.
ورجاله تكرر ذكرهم. قوله: ((عن عطاء بن يسار عن ابن عباس)) كذا في (الموطأ)
وجميع من أخرجه من طريق مالك، ووقع في رواية اللؤلؤي في (سنن أبي داود): عن أبي
هريرة بدل ابن عباس قيل: هو غلط نبه عليه ابن عساكر، وقال المزي: هو وهم.
وأخرجه البخاري في الصلاة وفي صلاة الخسوف وفي الإيمان عن القعنبي وفي
النكاح عن عبد الله بن يوسف وفي بدء الخلق عن إسماعيل بن أبي أويس. وأخرجه مسلم
في الصلاة عن محمد بن رافع عن سويد بن سعيد. وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي.
وأخرجه النسائي عن محمد بن سلمة.
ذكر معناه: قوله: ((نحواً من قراءة سورة البقرة) وفي لفظ: ((نحواً من قيام سورة
البقرة))، وعند مسلم: ((قدر سورة البقرة))، وهذا يدل على أن القراءة كانت سراً، وكذا في
بعض طرق حديث عائشة. ((فحزرت قراءته فرأيت أنه قرأ سورة البقرة)). وقيل: إن ابن عباس

١١٩
١٦ - كِتَابُ الكُشْوفِ / باب (٩)
كان صغيراً فمقامه آخر الصفوف فلم يسمع القراءة فحزر المدة، ورد على هذا بأن في بعض
طرقه: ((قمت إلى جانب النبي عَّ ◌ُلّه، فما سمعت منه حرفاً))، ذكره أبو عمر. قوله: ((رأيناك
تناولت شيئاً)، كذا في رواية الأكثرين: ((تناولت))، بصيغة الماضي، وفي رواية الكشميهني:
((تناول شيئاً))، بالخطاب من المضارع، وأصله: تتناول، بتاءين لأنه من باب التفاعل فحذفت
منه إحدى التاءين، ويروى: ((تتناول)) على الأصل. قوله: ((كعكعت)) قد مر الكلام فيه في:
باب رفع البصر إلى الأمام، لأنه أخرج هذا الحديث فيه مختصراً. وفيه: ((تكعكعت))، وهو
رواية الكشميهني بزيادة التاء في أوله، وفي رواية غيره: كعكعت، ومعناهما: تأخرت. وقال
ابن عبد البر: معناه تقهقرت، وهو الرجوع إلى ورائه. وقال أبو عبيد: كعكعته فتكعكع. قلت:
هذا يدل على أن: كعكع، متعد: وتكعكع لازم، فإن قلت: فعلى هذا قوله: ((كعكعت))
يقتضي مفعولاً فما هو؟ قلت: على هذا معناه: رأيناك كعكعت نفسك، وأما رواية: تكعكعت
فظاهرة. فإن قلت: هذا من الرباعي الأصل أو من المزيد؟ قلت: نقل أهل اللغة هذه المادة
يدل على أنه جاء من البابين، فقول أبي عبيد يدل على أنه رباعي مجرد، وقول الجوهري
وغيره يدل على أنه ثلاثي مزيد فيه، لأنه نقل عن يونس: كع يكع، بالضم. وقال سيبويه:
يكع، بالكسر أجود، وأصله: كعع، فأسكنت العين الأولى وأدرجت في الثانية: كمد وفر،
وفي (الموعب) لابن التياني، كععت وكععت بالكسر والفتح أكع وأكع بالكسر والفتح كعاً
وكعاعةً بالفتح، وقال صاحب (العين): كع كعوعاً وهو الذي لا يمضي في عزم، وفي
(المحكم): كع كعوعاً وكعاعة وكيموعة وكعكعه عن الورد: نحاه. ويقال: أكعه الفرق
إكعاعاً إذا حبسه عن وجهه، ويقال: أصل كعكعت كععت، ففرق بينهما بحرف مكرر
للاستثقال. قلت: هذا تصرف من غير التصريف، ووقع في رواية مسلم: ((رأيناك كففت))، من
الكف، وهو المنع.
قوله: ((إني رأيت الجنة))، ظاهره من رؤية العين: كسف الله تعالى الحجب التي بينه
وبين الجنة وطوى المسافة التي بينهما حتى أمكنه أن يتناول منها عنقوداً، والذي يؤيد هذا
حديث أسماء الذي مضى في أوائل صفة الصلاة بلفظ: ((دنت مني الجنة حتى لو اجترأت
عليها لجئتكم بقطاف من قطافها))، ومن العلماء من حمل هذا على أن الجنة مثلت له في
الحائط كما ترى الصورة في المرآة. فرأى جميع ما فيها. واستدلوا على هذا بحديث أنس
على ما سيأتي في التوحيد: ((لقد عرضت علي الجنة والنار آنفاً في عرض هذا الحائط وأنا
أصلي))، وفي رواية: ((لقد مثلت، وفي رواية مسلم: ((لقد صورت))، فإن قلت: انطباع الصورة
إنما يكون في الأجسام الصقيلة؟ قلت: هذا من حيث العادة فلا يمتنع خرق العادة لا سيما في
حق هذا النبي العظيم عَِّ، ومع هذا هذه قصة أخرى وقعت في صلاة الظهر، وتلك في
صلاة الكسوف، ولا مانع أن ترى الجنة والنار مرتين وأكثر على صور مختلفة، وقال القرطبي:
ليس من المحال إبقاء هذه الأمور على ظواهرها، لا سيما على مذهب أهل السنة في أن
الجنة والنار وقد خلقتا وهما موجودتان الآن، فيرجع إلى أن الله تعالى خلق لنبيه عَّ هِ إدراكاً

١٢٠
١٦ - كِتَابُ الكُشُوفِ / باب (٩)
خاصاً به أدرك به الجنة والنار على حقيقتهما، ومنهم من تأول الرؤية هنا بالعلم، وقد أبعد
لعدم المانع من الأخذ بالحقيقة والعدول عن الأصل من غير ضرورة. قوله: ((عنقوداً) بضم
العين. قوله: ((ولو أصبته) في رواية مسلم: (ولو أخذته)). قوله: ((ما بقيت الدنيا)) أي: مدة
بقاء الدنيا، لأن طعام الجنة لا ينفذ وثمار الجنة لا مقطوعة ولا ممنوعة، وحكى ابن العربي
عن بعض شيوخه: إن معنى قوله: ((لأكلتم منه ما بقيت الدنيا))، أن يخلق في نفس الآكل
مثل الذي أكل: دائماً بحيث لا يغيب عن ذوقه، وقد رد عليه بأن هذا رأي فلسفي مبني على
أن دار الآخرة لا حقائق لها، وإنما هي أمثال، والحق أن ثمار الجنة لا تقطع ولا تمنع، فإذا
قطعت خلقت في الحال فلا مانع أن يخلق الله مثل ذلك في الدنيا إذا شاء، وفيه بحث،
لأن كلام هذا القائل لا يستلزم نفي حقيقة دار الآخرة، لأن ما قاله في حال الدنيا والفرق بين
حال الدنيا وحال الآخرة ظاهرة.
فإن قلت: بين قوله: ((ولو أصبته))، أو: ((لو أخذته)). وبين قوله: ((رأيناك تناولت شيئاً)،
منافاة ظاهراً؟ قلت: يحمل التناول على تكلف الأخذ لا حقيقة الأخذ. قلت: لا يحتاج إلى
هذا التأويل بالتكلف لعدم ورود السؤال المذكور، لأن قوله: ((تناولت)) خطاب للنبي عَ ليه
منهم، وقوله: ((ولو أُصبته)) إخبار النبي معَّلّ عن نفسه، ولا منافاة بين الإخبارين، فكأنهم
تخيلوا التناول من النبي عَّه ولم يكن في نفس الأمر حقيقة التناول موجودة يدل عليه معنى.
قوله: ((وتناولت عنقود))، يعني تناولته حقيقة في الجنة، ولكن لم يؤذن لي بقطفه وهو معنى
قوله: ((ولو أصبته))، يعني: لو أذن لي بقطفه لأصبته، وأخرجته منها إليكم، ولكن لم يقدر لي
لأنه من طعام الجنة، وهو لا يفنى والدنيا فانية، فلا يجوز أن يؤكل فيها ما لا يفنى، لأنه يلزم
من أكل ما لا يفنى أن لا يفنى آكله، وهو محال في الدنيا.
فإن قلت: كيف يقول: معناه تناولته حقيقة في الجنة ولكن لم يؤذن لي بقطفه؟ وقد
وقع في حديث عقبة بن عامر، رضي الله تعالى عنه عن ابن خزيمة: ((أهوى بيده ليتناول
شيئاً)، وفي رواية البخاري في حديث أسماء في أوائل صفة الصلاة: ((حتى لو اجترأت
عليها؟)) وكأنه لم يؤذن له في ذلك، فلم يجترىء عليه، وفي حديث جابر عند مسلم: ((ولقد
مددت يدي وأنا أريد أن أتناول من ثمارها لتنظروا إليه، ثم بدا لي أن لا أفعل))؟ وفي حديث
عائشة، رضي الله تعالى عنها، عند البخاري: ((لقد رأيت أن آخذ قطفاً من الجنة حين
رأيتموني، جعلت أتقدم))، ووقع لعبد الرزاق من طريق مرسلة: ((أردت أن آخذ منها قطفاً
لأريكموه فلم يقدر))؟ قلت: كل هذه الروايات لا تنافي ما قلنا. أما في حديث عقبة فلا يلزم
من قوله: ((أهوى بيده ليتناول شيئاً) عدم تناوله حقيقة، لرؤيتهم صورة التناول وعدم رؤيتهم
حقيقته. وأما في حديث أسماء فلأن عدم اجترائه على إخراجه من الجنة لأنه لم يؤذن له
بذلك، فلا يمنع ذلك حقيقة التناول. وأما في حديث جابر فلأن صورة التناول لأجل إخراجه
إليهم لم يكن، لأن نظرهم إليه وهو يتناول في الجنة لا يتصور في حقهم لعدم قدرتهم على
ذلك، فهذا لا ينافي حقيقة التناول في الجنة، ولكن لم يؤذن له بالإخراج لما قلنا. وأما في