النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (٢٦)
بفتحتين هو ابن عتيبة.
وأخرجه البخاري أيضاً في بدء الخلق عن آدم وفي أحاديث الأنبياء، عليهم الصلاة
والسلام، عن محمد بن عرعرة وفي المغازي عن مسدد عن يحيى. وأخرجه مسلم في
الصلاة عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي موسى وبندار، ثلاثتهم عن غندر. وأخرجه النسائي في
التفسير عن محمد بن إبراهيم.
قوله: ((نصرت بالصبا))، ونصرته عَّه بالصبا كان يوم الخندق، بعث الله الصبا ريحاً
باردة على المشركين في ليالي شاتية شديدة البرد، فأطفأت النيران وقطعت الأوتاد والأطناب
وألقت المضارب والأخبية، فانهزموا بغير قتال ليلاً، قال الله تعالى: ﴿إذا جاءتكم جنود
فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها﴾ [الأحزاب: ٩]. وأما عاد فإنه: ابن عوص بن أرم بن
سام بن نوح، عليه الصلاة والسلام، فتفرعت أولاده، فكانوا ثلاث عشرة قبيلة ينزلون الأحقاف
وبلادها، وكانت ديارهم بالدهناء وعالج وبثرين ووبار إلى حضرموت، وكانت أخصب البلاد،
فلما سخط الله تعالى عيهم جعلها مفاوز، فأرسل الله عليهم الدبور فأهلكتهم، وكانت
﴿عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً﴾ [الحاقة: ٧]. أي: متتابعة ابتدأت غدوة الأربعاء
وسكنت في آخر الثامن، واعتزل هود نبي الله، عليه السلام، ومن معه من المؤمنين في حظيرة
لا يصيبهم منها إلاّ ما يلين الجلود وتلذ الأعين، وقال مجاهد: وكان قد آمن معه أربعة
آلاف، فذلك قوله تعالى: ﴿فلما جاء أمرنا نجينا هوداً والذين آمنوا معه﴾ [هود: ٥٨].
وكانت الريح تقلع الشجر وتهدم البيوت، ومن لم يكن في بيته منهم أهلكته في البراري
والجبال، وكانت ترفع الظعينة بين السماء والأرض حتى ترى كأنها جرادة، وترميهم بالحجارة
فتدق أعناقهم. وقال ابن عباس: دخلوا البيوت وأغلقوا أبوابها فجاءت الريح ففتحت الأبواب
وسفت عليهم الرمل فبقوا تحته سبع ليال وثمانية أيام، وكان يسمع أنينهم تحت الرمل،
وماتوا. وقال ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه: لم تجر الرياح قط بمكيال إلاّ في قصة عاد،
فإنها عصت على الخزان فغلبتهم فلم يعلموا مقدار مكيالها، فذلك قوله تعالى: ﴿فأهلكوا
بريح صرصر عاتية﴾ [الحاقة: ٦]. والصرصر ذات الصوت الشديد ﴿كأنهم أعجاز نخل
خاوية﴾ [الحاقة: ٧]. منقعراً من أصله.
وقال ابن بطال: في هذا الحديث تفضيل المخلوقات بعضها على بعض. وفيه: إخبار
المرء عن نفسه بما فضله الله به على جهة التحديث بنعمة الله والشكر له لا على الفخر.
وفيه: الإخبار عن الأمم الماضية وإهلاكها.
٢٦ _ بابُ ما قِيلَ فِي الزَّلاَزِلِ وَالآيَاتِ
أي: هذا باب في بيان ما قيل في الزلازل، وهو جمع الزلزلة، والآيات جمع آية، وهي
العلامة وأراد بها: علامات القيامة أو علامات قدرة الله تعالى، وإنما ذكر هذا الباب في أبواب
الاستسقاء، لأن وجود الزلزلة ونحوها يقع غالباً مع نزول المطر.
عمدة القاري / ج٧ / م٦

٨٢
١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (٢٦)
١٠٣٦/٧٥ - حدّثنا أبو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ قال أخبرنا أَبُو الزِّنَادِ عنْ عَبْدٍ
الرَّحْمُنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قال قال النبيُّ عَّهِ لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى يُقْبَضَ العِلْمُ وَتَكْثُرَ
الزَّلاَزِلُ ويَتَقَارَبَ الزَّمَانُ وَتَظْهَرَ الفِتَنُ ويَكْثُرَ الهَرْجُ وهو القَتْلُ القَتْلُ حتَّى يَكْثُرَ فِيَكُمُ المالُ
فَيَفِيضُ. [أنظر الحديث ٨٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. ورجاله قد تكرر ذكرهم، وأبو اليمان الحكم بن نافع، وشعيب
ابن أبي حمزة أبو الزناد، بالزاي والنون: عبد الله بن ذكوان، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج،
وقد ذكر هذا الحديث مطولاً في كتاب الفتن، وذكر منه قطعاً هنا وفي الزكاة وفي الرقاق.
قوله: ((لا تقوم الساعة)) أراد بها يوم القيامة. قوله: ((حتى يقبض العلم))، وذلك بموت
العلماء وكثرة الجهلاء، وقال السفاقسي: يعني أكثرهم، لقوله عَ لّه: ((لا تزال طائفة من أمتي
ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله)). قوله: ((وتكثر الزلازل))، قال المهلب: ظهور الزلازل
والآيات وعيد من الله تعالى لأهل الأرض، قال الله تعالى: ﴿وما نرسل بالآيات إلّ تخويفاً﴾
[الإسراء: ٥٩]. والتخويف والوعيد بهذه الآيات إنما يكون عند المجاهرة والإعلان
بالمعاصي، ألا ترى أن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، حين زلزلت المدينة في أيامه،
قال: يا أهل المدينة ما أسرع ما أحدثتم، والله لئن عادت لأخرجن من بين أظهركم، فخشي
أن تصيبه العقوبة معهم، كما قيل لرسول الله عَ لّر: ((أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا
كثر الخبث، ويبعث الله الصالحين على نياتهم)).
قوله: ((ويتقارب الزمان)). قال ابن الجوزي: فيه أربعة أقوال: أحدها: أنه قرب القيامة،
ثم المعنى: إذا قربت القيامة كان من شرطها الشح والهرج. والثاني: أنه قصر مدة الأزمنة
عما جرت به العادة، كما جاء: حتى تكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة
كاليوم. قيل: واليوم كالساعة، والساعة كالضرمة بالنار. والثالث: أنه قصر الأعمار بقلة البركة
فيها. والرابع: تقارب أحوال الناس في غلبة الفساد عليهم، ويكون المعنى: ويتقارب أهل
الزمان، أي تتقارب صفاتهم في القبائح، ولهذا ذكر على أثره الهرج والشح. وقال ابن التين:
معنى ذلك قرب الآيات بعضها من بعض، وفي (حواشي المنذري) قيل: معناه تطيب تلك
الأيام حتى لا تكاد تستطال، بل تقصر، قال: وقيل: على ظاهره من قصر مددها. وقيل:
تقارب أحوال أهله في قلة الدين حتى لا يكون فيهم من يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر
لغلبة الفسق وظهور أهله. قال الطحاوي: وقد يكون معناه في ترك طلب العلم خاصة. وقيل:
يتقارب الليل والنهار في عدم ازدياد الساعات وانتقاصها بأن يتساويا طولاً وقصراً. قال أهل
الهيئة: تنطبق دائرة منطقة البروج على دائرة معدل النهار، فحينئذ يلزم تساويهما ضرورة، وقال
النووي: حتى يقرب الزمان من القيامة. وقال الكرماني: حاصل تفسيره أنه لا تكون القيامة
حتى تقرب، وهذا كلام مهمل لا طائل تحته. قلت: هذه جرأة من غير طريقة، وليس هذا
الذي ذكره حاصل تفسيره، بل معنى كلامه: يقرب الزمان العام بين الخلق من القيامة التي
هي الزمان الخاص، وقال البيضاوي: أو يراد أن تتسارع الدول إلى الانقضاء فتقارب أيام

٨٣
١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (٢٦)
الملوك.
قوله: ((ويكثر الهرج))، بفتح الهاء وسكون الراء وفي آخره جيم: وهو القتال،
والاختلاط، ورأيتهم يتهارجون أي: يتسافدون، قاله صاحب (العين). وقال يعقوب: الهرج
القتل. وقال ابن دريد: الهرج الفتنة في آخر الزمان. قال: وروي: ((أمام الساعة هرج)). وأصله
الإكثار من الشيء. وفي (المحكم): الهرج شدة القتل وكثرته، كثرة الكذب وكثرة النوم،
والهرج شيء تراه في النوم وليس بصادق. قوله: ((حتى يكثر))، وذلك لقلة الرجال وقلة
الرغبات ولقصر الآمال لعلمهم بقرب الساعة. قال الكرماني: فإن قلت: لِمَ ترك: الواو، ولم
يعطف على ما قبله؟ يعني: لم يقل: وحتى يكثر؟ قلت: لأنه لا غاية لكثرة الهرج، ويحتمل
أن يكون معطوفاً على ما قبله، والواو محذوفة، وحذف الواو جائز في اللغة. قوله: ((فيفيض))
بفتح حرف المضارعة، ويجوز في الضاد الرفع والنصب: أما الرفع فعلى أنه خبر مبتدأ
محذوف، أي: فهو يفيض، وأما النصب فعلى أنه عطف على: أن يكثر، يقال: فاض الماء
يفيض إذا كثر حتى سال على ضفة الوادي أي جانبه، ويقال: أفاض الرجل إناءه أي ملأه
حتى فاض، ويقال: فيض المال كثرته حتى يفضل منه بأيدي ملاكه ما لا حاجة لهم به،
وقيل: بل ينتشر في الناس ويعمهم، وهو الأظهر.
١٠٣٧/٧٦ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قال حدَّثنا حُسَيْنُ بنُ الحَسَنِ قال حدثنا
ابْنُ عَوْنٍ عِنْ نَافِعِ عنِ ابنِ عُمَرَ قال اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا في شامِنَا وفي يَمَنِنَا قال قالوا وفي نَجْدِنَا
قال قال اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنا في شامِنَا وفي يَمَنِنا قال قالوا وفي نَجْدِنَا قال قال هُنَاكَ الزَّلازِلُ
والفِتَنُ وبِهَا يَطْلُعُ قَوْنُ الشَّيْطَانِ. [الحديث ١٠٣٧ - طرفه في: ٧٠٩٤].
مطابقته للترجمة في قوله: ((هنالك الزلازل والفتن)).
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: محمد بن المثنى بن عبيد أبو موسى، يعرف بالزمن
العنبري من أهل البصرة. الثاني: حسين بن الحسن بن يسار من آل مالك بن يسار - ضد
اليمين - البصري مات سنة ثمان وثمانين ومائة. الثالث: عبد الله بن عون بن أرطبان، بفتح
الهمزة: البصري. الرابع: نافع مولى ابن عمر. الخامس: عبد الله بن عمر بن الخطاب.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في
موضعين. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: أن رواته بصريون ما خلا نافعاً. وفيه: أن هذا
موقوف على ابن عمر، قال الحميدي: اختلف على ابن عون فيه، فروى عنه مسنداً، وروى
عنه موقوفاً على ابن عمر من قوله، والخلاف إنما وقع من حسين بن الحسن فإنه هو الذي
روى الوقف، وأما أزهر السمان وعبيد الله بن عبد الله بن عون فروياه عن ابن عون عن نافع
عن ابن عمر: أن النبي عَ ليه .. فذكره، وفي رواية: ذكر النبي عَّه، وذكر الحديث. وقال ابن
التين: قال الشيخ أبو الحسن: سقط من سنده ابن عمر عن النبي عَّ له، وهذا لفظ النبي عَبێ،
لأن مثل هذا لا يدري بالرأي وقال النسفي: قال أبو عبد الله: هذا الحديث مرفوع إلى النبي
:

٨٤
١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (٢٦)
عَ لِّ إلاّ أن ابن عون كان يوقفه.
وأخرجه البخاري في الفتن عن علي بن عبد الله عن أزهر بن سعد مصرحاً فيه بذكر
النبي عَّ له، وأخرجه الترمذي في المناقب عن بشر بن آدم بن بنت أزهر السمان عن جده
أزهر مرفوعاً، وقال: حديث حسن صحيح، وخرجه الإسماعيلي مسنداً، وفيه: فلما كان في
الثالثة أو الرابعة قال: أظنه قال: وفي نجدنا. قال الداودي: وإنما لم يقل: في نجدنا، لأنه لا
يدعو بما سبق في علم الله تعالى خلافه.
:
.-
ذكر معناه: قوله: ((في شامنا))، قال ابن هشام في (التيجان) هو اسم أعجمي من لغة
بني حام، وتفسيره بالعربي: خير طيب، وذكر الكلبي في (كتاب البلدان) عن الشرفي: إنما
سميت بسام نوح لأنه أول من نزلها. قال الكلبي: ولم ينزلها سام قط، قال: ولما أخرج الناس
من بابل أخذ بعضهم يمنة فسميت اليمن، وتشاءم آخرون فسميت الشام. وكانت الشام يقال
لها: أرض كنعان، قال: وكان فالخ بن عامر هو الذي قسم الأرض بين بني نوح، عليه
السلام، وقال أبو القاسم الزجاجي في كلامه على الزاهر: سميت بذلك لكثرة قراها وتداني
بعضها من بعض، فشبهت بالشامات، وقال أهل الأثر: سميت بذلك لأن قوماً من كنعان بن
حام خرجوا عند التفرق فتشأموا إليها: أي أخذوا ذات الشمال، وقال ابن عساكر في (تاريخ
دمشق): قال ابن المقفع: سميت الشام بسام بن نوح، عليه السلام، وسام اسمه بالسريانية:
شام، وبالعبرانية: شيم. قال ابن عساكر. وقيل: سميت شاماً لأنها عن شمال الأرض. وقال
بعض الرواة: إن اسم الشام أولاً سورية، وكانت أرض بني إسرائيل، قسمت على اثني عشر
سهماً، فصار لسهم منهم مدينة شامرين، وهي من أرض فلسطين، فصار إليها متجر العرب في
ذلك، ومنها كانت ميرتهم فسموا الشام بشامرين، ثم حذفوا فقالوا: الشام. وقال البكري: الشأم،
مهموز الألف، وقد لا يهمز، وقال الفراء: فيها لغتان: شام وشأم، والنسب إليها شأمي وشامي،
وشام على الحذف. قال الجوهري: يذكر ويؤنث، ولا يقال: شأم، وما جاء في ضرورة الشعر
فمحمول على أنه اقتصر من النسبة على ذكر البلد، والقوم أشأموا، أي: أتوا الشام أو ذهبوا إليها.
وقال أبو الحسين بن سراج مهموز ممدود، وأباه أكثرهم إلاّ في النسب أعني: فتح الهمزة، كما
اختلف في إثبات الياء مع الهمزة الممدودة، فأجازه سيبويه ومنعه غيره.
ويقال: قوله: ((في شامنا ويمننا) أي: الإقليمين المشهورين، ويحتمل أن يراد بهما:
البلاد التي في يميننا ويسارنا أعم منهما، يقال: نظرت يمنة وشامة أي: يميناً ويساراً، ونجد هو
خلاف الغور. والغور هو تهامة، وكل ما ارتفع عن تهامة إلى أرض العراق فهو نجد، وإنما ترك
الدعاء لأهل المشرق ليضعفوا عن الشر الذي هو موضوع في جهتهم لاستيلاء الشيطان بالفتن
عليها. قوله: ((وبها)) أي: وبنجد يطلع قرن الشيطان، أي: أمته وحزبه. وقال كعب، رضي الله
تعالى عنه: يخرج الدجال من العراق.

٨٥
١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (٢٧)
٢٧ - بابُ قَوْلِ الله تعالى ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢].
أي: هذا باب في بيان قول الله عز وجل ... إلى آخره، وجه إدخال هذه الترجمة في
أبواب الاستسقاء لأن هذه الآية فيمن قالوا: الاستسقاء بالأنواء، على ما روى عبد بن حميد
الكشي في تفسيره: حدثني يحيى بن عبد الحميد عن ابن عيينة عن عمرو عن ابن عباس:
﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾ [الواقعة: ٨٢]. قالا: الاستسقاء بالأنواء، أخبرنا إبراهيم عن
أبيه عن عكرمة عن مولاه ﴿وتجعلون رزقكم﴾ [الواقعة: ٨٢]. قال: تجعلون شكركم، وفي
تفسير ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما: جمع إسماعيل بن أبي زياد الشامي، وروايته عن
الضحاك عنه: ﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾ [الواقعة: ٨٢]. قال: وذلك أن النبي عَ لَّه
مر على رجل وهو يستسقي بقدح له ويصبه في قربة من ماء السماء، وهو يقول: سقينا بنوء
كذا وكذا، فأنزل الله تعالى: ﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾ [الواقعة: ٨٢]. يعني:
المطر، حيث يقولون سقينا بنوء كذا وكذا. وفي (صحيح مسلم) من حديث ابن عباس:
((قال مطر الناس على عهد رسول الله عَّه فقال النبي عَظله: أصبح من الناس شاكراً ومنهم
كافراً، قالوا: هذه رحمة وضعها الله تعالى، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا فنزلت هذه
الآية: ﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾ [الواقعة: ٨٢]. وذكر أبو العباس في (مقامات
التنزيل) عن الكلبي أن النبي عَ لي عطش أصحابه فاستسقوه، قال: إن سقيتم قلتم سقينا بنوء
كذا وكذا. قالوا: والله ما هو بحين الأنواء، فدعا الله تعالى فمطروا، فمر النبي عَ لّه برجل
يغرف من قدح ويقول: مطرنا بنوء كذا وكذا، فنزلت.
وروى الحكم عن السدي، قال: أصابت قريشاً سنة شديدة، فسألوا النبي عَّ أن
يستسقي، فدعا فأمطروا. فقال بعضهم: مطرنا بنوء كذا وكذا، فنزلت الآية. قال السدي:
وحدثني عبد خير عن علي، رضي الله تعالى عنه، أنه كان يقرؤها: وتجعلون شكركم، وقال
عبد بن حميد: حدثنا عمر بن سعد وقبيصة عن سفيان عن عبد الأعلى عن أبي عبد
الرحمن، قال: كان علي يقرأ: ﴿وتجعلون شكركم أنكم تكذبون﴾ وروى سعيد بن
المنصور عن هشيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، أنه كان يقرأ: ﴿وتجعلون شكركم
أنكم تكذبون﴾، ومن هذا الوجه أخرجه ابن مردويه في (التفسير المسند). وفي (المعاني)
للزجاج: وقرئت: ﴿وتجعلون شكركم أنكم تكذبون﴾، ولا ينبغي أن يقرأ بها بخلاف
المصحف. وقيل: في القراءة المشهورة حذف، تقديره: وتجعلون شكر رزقكم. وقال
الطبري: المعنى، وتجعلون الرزق الذي وجب عليكم به الشكر تكذبیکم به، وقيل: بل الرزق
بمعنى الشكر في لغة أزد شنوءة، نقله الطبري عن الهيثم بن عدي: وفي (تفسير أبي القاسم
الجوزي): وتجعلون نصيبكم من القرآن أنكم تكذبون.
قال ابنُ عَبَّاسٍ شُكْرَكُمْ
هذا التعليق ذكره عبد بن حميد في تفسيره، وقد ذكرناه آنفاً: أطلق الرزق وأراد به

٨٦
١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (٢٨)
لازمه وهو الشكر، فهو مجاز، أو أراد شكر رزقكم، فهو من باب الإضمار.
١٠٣٨/٧٧ - حدّثنا إسْمَاعِيلُ قال حدَّثني مالِكٌ عنْ صالِحِ بنِ كَيْسَانَ عنْ عُبَيْدِ الله
ابن عَبْدِ الله بنِ عُثْبَةَ بنِ مَسْعُودٍ عنْ زَيْدِ بنِ خالِدِ الجُهَنِيِّ أنه قال صلَّىَ لَنا رسولُ اللهِ عَ لَّهِ صَلاةً
الصُّبْحِ بالحُدَثِيَّةِ علَى إِثْرِ سَماءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ فلمَّا انْصَرَفَ النبيُّ عَّهِ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فقال هَلْ
تَدْرُونَ ماذا قال ربُّكُمْ قالوا الله ورسولُهُ أعْلَمُ قال أضْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُ ؤْمِنٌ بي وكافِرٌ فَأُمَّا مَنْ
قالَ مُطِزْنَا بِفَضْلِ اللهِ ورَحْمَتِهِ فِذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كافِرٌ بِالكَوْكَبِ وأمَّا مَنْ قال مُطِرْنَا بِنَوْءِ كذَا
وكذا فذَلِكَ كَافِرَ بِي مُؤْمِنٌ بالكَوْكَبِ. [أنظر الحديث ٨٤٦ وطرفيه].
مطابقته للترجمة من حيث إنهم كانوا ينسبون الأفعال إلى غير الله، فيظنون أن النجم
يمطرهم ويرزقهم، فهذا تكذيبهم، فنهاهم الله عن نسبة الغيوث التي جعلها الله حياة لعباده
وبلاده إلى الأنواء، وأمرهم أن يضيفوا ذلك إليه لأنه من نعمته عليهم، وأن يفردوه بالشكر
على ذلك.
ورجاله قد ذكروا غير مرة، وإسماعيل هو ابن أبي أويس ابن أخت مالك بن أنس.
قوله: ((عن زيد بن خالد))، هكذا يقول صالح بن كيسان: لم يختلف عليه في ذلك،
وخالفه الزهري فرواه عن شيخهما عبيد الله فقال: عن أبي هريرة، أخرجه مسلم عقب رواية
صالح، وصحح الطريقين، لأن عبيد الله سمع من زيد بن خالد وأبي هريرة جميعاً عدة
أحاديث، فلعله سمع هذا منهما، فحدث به تارة عن هذا وتارة عن هذا، وإنما لم يجمعهما
لاختلاف لفظهما، وقد صرح صالح سماعه له من عبيد الله عند أبي عوانة، وروى صالح عن
عبيد الله بواسطة الزهري عدة أحاديث.
وحديث الباب أخرجه البخاري في: باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم: عن عبد الله
ابن مسلمة عن مالك إلى آخره نحوه، وقد تكلمنا هناك على جميع ما يتعلق به من الأشياء،
والله أعلم بحقيقة الحال.
٢٨ - بابٌ لا يَدْرِي مَتَى يَجِيءُ المَطَرُ إلاّ الله
أي: هذا باب ترجمته لا يدري وقت مجيء المطر إلاّ الله، ولما كان الباب السابق
يتضمن أن المطر إنما ينزل بقضاء الله تعالى، وأنه لا تأثير للكواكب في نزوله ذكر هذا الباب
بهذه الترجمة ليبين أن أحداً لا يعلم متى يجيء، ولا يعلم ذلك إلاّ الله عز وجل، لأن نزوله
إذا كان بقضائه ولا يعلمه أحد غيره فكذلك لا يعلم أحد إبان مجيئه.
وقال أبُو هُرَيْرَةَ عنِ النَّبِيِّ عَلَّهِ خَمْسٌ لا يَعْلَمُهُنَّ إلاّ الله
هذا قطعة من حديث وصله البخاري في الإيمان، وفي تفسير لقمان من طريق أبي
زرعة عن أبي هريرة في سؤال جبريل، عليه الصلاة والسلام، عن الإيمان والإسلام، لكن لفظه:
في خمس لا يعلمهن إلاّ الله، ووقع في بعض الروايات في التفسير بلفظ: وخمس، وروى ابن

٨٧
١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (٢٨)
مردويه في التفسير من طريق يحيى بن أيوب البجلي عن جده عن أبي زرعة عن أبي هريرة
رفعه: ((خمس من الغيب لا يعلمهن إلاّ الله: ﴿إن الله عنده علم الساعة ... ﴾ [لقمان: ٣٤].
إلى آخره الآية.
١٠٣٩/٧٨ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قال حدثنا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ دِينار
عنِ ابنِ عُمَرَ قال قال رسولُ الله عَلَّهِ مِفْتَاحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لا يَعْلَمُهَا إلاّ الله لا يَعْلَمْ أَحدٌ ما
يَكُونُ فِي غَدٍ وَلاَ يَعْلَمُ أحَدٌ ما يَكُونُ فِي الأَزْحَامِ ولا تَعْلَمُ نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غداً وما
تَدْرِي نفْسٌ بِأيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ وما يَدْرِي أَحَدٌ مَتَى يَجِيءُ المَطَرُ. [الحديث ١٠٣٩ - أطرافه
في: ٤٦٢٧، ٤٦٩٧، ٤٧٧٨، ٧٣٧٩].
مطابقته للترجمة ظاهرة. ورجاله قد ذكروا غير مرة، ومحمد بن يوسف هو الفريابي،
وسفيان هو الثوري، وقد رواه البخاري مطولا في: باب سؤال جبريل النبي عّ لّ عن الإيمان
والإسلام، ولفظه فيه: ((في خمس لا يعلمهن إلا الله ثم تلا النبي عَّ أن الله عنده علم
الساعة)) الآية.
قوله: ((مفتاح الغيب)) وفي رواية الكشميهني ((مفاتح الغيب))، ذكر الطبراني أن:
المفاتيح جمع مفتاح، والمفاتح جمع مفتح، وهما في الأصل كل ما يتوسل به إلى استخراج
المغلقات التي يتعذر الوصول إليها، وهو إما استعارة مكنية بأن يجعل الغيب كالمخزن
المستوثق بالإغلاق فيضاف إليه ما هو من خواص المخزن المذكور، وهو المفتاح وهو
الاستعارة الترشيحية، ويجوز أن يكون استعارة مصرحة بأن يجعل ما يتوصل به إلى معرفة
الغيب للمخزون، ويكون لفظ الغيب قرينة له، والغيب ما غاب عن الخلق، وسواء كان
محصلاً في القلوب أو غير محصل، ولا غيب عند الله عز وجل.
وههنا أسئلة: الأول: أن الغيوب التي لا يعلمها إلا الله كثيرة، ولا يعلم مبلغها إلا الله
تعالى، وقال الله تعالى: ﴿وما يعلم جنود ربك إلاّ هو﴾ [المدثر: ٣١]. فما وجه التخصيص
بالخمس؟ وأجيب: بأوجه .. الأول: أن التخصيص بالعدد لا يدل على نفي الزائد، والثاني:
أن ذكر هذا العدد في مقابلة ما كان القوم يعتقدون أنهم يعرفون من الغيب هذه الخمس.
والثالث: لأنهم كانوا يسألونه عن هذه الخمس. والرابع: أن أمهات الأمور هذه، لأنها إما أن
تتعلق بالآخرة وهو علم الساعة، وإما بالدنيا، وذلك إما متعلق بالجماد أو بالحيوان. والثاني إما
بحسب مبدأ وجوده أو بحسب معاده أو بحسب معاشه.
السؤال الثاني: من أين يعلم منه علم الساعة، وقد ذكر الله الخمسة حيث قال: ﴿إِن
الله عنده علم الساعة﴾ [لقمان: ٣٤]. وأجيب: بأن الأول من هذه إشارة إليه إذ يحتمل وقوع
أشراط الساعة في الغد.
السؤال الثالث: أنه قال في الموضعين نفس، وفي ثلاثة مواضع: أحد وأجيب: بأن
النفس هي الكاسبة وهي المائتة، قال تعالى: ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾ [المدثر: ٣٨].

٨٨
١٥ - کتابُ الاستسقاء / باب (٢٨)
وقال تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها﴾ [الزمر: ٤٢]. فلو قيل بدلها لفظ أحد، فيها
لاحتمل أن يفهم منه لا يعلم أحد ماذا تكسب نفسه أو بأي أرض تموت نفسه. فتفوت
المبالغة المقصودة، وهي: أن النفس لا تعرف حال نفسها لا حالاً ومآلاً وإذ لم يكن لها
طريق إلى معرفتها فكان إلى عدم معرفة ما عداها أولى.
السؤال الرابع: ما الفرق بين العلم والدراية؟ وأجيب: بأن الدراية أخص لأنها علم
باحتيال، أي أنها لا تعرف وإن أعملت حيلها.
السؤال الخامس: لم عدل عن لفظ: القرآن، وهو يدري إلى لفظ: يعلم فيماذا
تكسب غداً؟ وأجيب: لإرادة زيادة المبالغة، إذ نفي العام مستلزم لنفي الخاص بدون العكس،
فكأنه قال: لا تعلم أصلاً سواء احتالت أم لا. وقال ابن بطال: وهذا يبطل خرص المنجمين
في تعاطيهم علم الغيب، فمن ادعى علم ما أخبر الله ورسوله، وأن الله منفرد بعلمه فقد
كذب الله ورسوله، وذلك كفر من قائله، وقال الزجاج: من ادعى أنه يعلم شيئاً من هذه
الخمس فقد كفر بالقرآن العظيم.

بسم الله الرحمن الرحيم
١٦ - کِتابُ الگُشْوفِ
أي: هذه أبواب في بيان أمور الكسوف، وفي بعض النسخ: كتاب الكسوف،
والكتاب يجمع الأبواب، وأصله: من كسفت حاله أي: تغيرت، وهو نقصان الضوء، والأشهر
في ألسن الفقهاء تخصيص الكسوف بالشمس والخسوف بالقمر، وادعى الجوهري أنه
الأفصح، وقيل: هما يستعملان فيهما، وبوب له البخاري باباً كما سيأتي. وقيل: الكسوف
للقمر والخسوف للشمس، وهو مردود. وقيل: الكسوف أوله، والخسوف آخره، وقال الليث
ابن سعد: الخسوف في الكل، والكسوف في البعض. وقد مر الكلام فيه مستقصىّ فيما
تقدم.
١ - بابُ الصَّلاةِ فِي كُشُوفِ الشَّمْسِ
أي: هذا باب في بيان مشروعية صلاة كسوف الشمس، والكلام فيه على أنواع:
الأول: أنه لا خلاف في مشروعية صلاة الكسوف والخسوف، وأصل مشروعيتها بالكتاب
والسنة وإجماع الأمة. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وما نرسل بالآيات إلاّ تخويفاً﴾ [الإسراء:
٥٩]. والكسوف آية من آيات الله المخوفة، والله تعالى يخوف عباده ليتركوا المعاصي
ويرجعوا إلى طاعة الله التي فيها فوزهم. وأما السنة فقوله عَّ له: ((إذا رأيتم شيئاً من هذه
الأفزاع فافزعوا إلى الصلاة)). وأما الإجماع، فإن الأمة قد اجتمعت عليها من غير إنكار أحد.
الثاني: أن سبب مشروعيتها هو الكسوف، فإنها تضاف إليه وتتكرر بتكرره. الثالث: أن شرط
جوازها هو ما يشترط بسائر الصلوات. الرابع: أنها سنة وليست بواجبة، وهو الأصح. وقال
بعض مشايخنا: إنها واجبة للأمر بها. ونص في (الأسرار) على وجوبها، وصرح أبو عوانة أيضاً
بوجوبها، وعن مالك أنه: أجراها مجرى الجمعة، وقيل: إنها فرض كفاية واستبعد ذلك.
الخامس: أنها تصلى في المسجد الجامع أو في مصلى العيد. السادس: أن وقتها هو الوقت
الذي يستحب فيه سائر الصلوات دون الأوقات المكروهة، وبه قال مالك. وقال الشافعي: لا
يكره في الأوقات المكروهة. السابع: في كمية عدد ركعاتها، فعند الليث بن سعد ومالك
والشافعي وأحمد وأبي ثور: صلاة الكسوف ركعتان، في كل ركعة ركوعان وسجودان،
فتكون الجملة أربع ركوعات وأربع سجدات في ركعتين، وعند طاوس وحبيب بن أبي ثابت
وعبد الملك بن جريج: ركعتان في كل ركعة أربع ركوعات وسجدتان، فتكون الجملة ثمان
ركوعات وأربع سجدات، ويحكى هذا عن علي وابن عباس، رضي الله تعالى عنهم. وعند
قتادة وعطاء بن أبي رباح وإسحاق وابن المنذر: ركعتان في كل ركعة ثلاث ركوعات
وسجدتان، فتكون الجملة ست ركوعات وأربع سجدات، وعند سعيد بن جبير وإسحاق بن
راهويه في رواية، ومحمد بن جرير الطبري وبعض الشافعية: لا توقيت فيها، بل يطيل أبداً
ويسجد إلى أن تنجلي الشمس.
٨٩

٩٠
١٦ - كِتَابُ الكُشُوفِ / باب (١)
وقال عياض: وقال بعض أهل العلم: إنما ذلك بحسب مكث الكسوف، فما طال مكثه
زاد تكرير الركوع فيه، وما قصر اقتصر فيه، وما توسط اقتصد فيه قال: وإلى هذا نحا
الخطابي ويحيى وغيرهما. وقد يعترض عليه بأن طولها ودوامها لا يعلم من أول الحال ولا
من الركعة الأولى، وعند إبراهيم النخعي وسفيان الثوري وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد
هي: ركعتان كسائر صلاة التطوع في كل ركعة ركوع واحد وسجدتان، ويروى ذلك عن
ابن عمر وأبي بكرة وسمرة بن جندب وعبد الله بن عمرو وقبيصة الهلالي والنعمان بن بشير
وعبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن الزبير، ورواه ابن أبي شيبة عن ابن عباس. وفي
(المحيط): عن أبي حنيفة: إن شاؤوا صلوها ركعتين وإن شاؤوا أربعاً. وفي (البدائع): وإن
شاؤوا أكثر من ذلك، هكذا رواه الحسن عن أبي حنيفة، وعند الظاهرية: يصلى لكسوف
الشمس خاصة إن كسفت من طلوعها إلى أن يصلى الظهر ركعتين، وإن كسفت من بعد
صلاة الظهر إلى أخذها في الغروب صلى أربع ركعات كصلاة الظهر، والعصر وفي كسوف
القمر خاصة: إن كسف بعد صلاة المغرب إلى أن يصلي العشاء الآخرة صلى ثلاث ركعات
كصلاة المغرب، وإن كسفت بعد صلاة العتمة إلى الصبح صلى أربعاً كصلاة العتمة،
واحتجوا في ذلك بحديث النعمان بن بشير: ((إذا خسفت الشمس والقمر فصلوا كأحدث
صلاة صليتموها)).
:
١٠٤٠/٧٩ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ قال حدَّثنا خالِدٌ عنْ يُونُسَ عنِ الحَسَنِ عنْ
أَبِي بَكْرَةَ قال كُنَّا عنْدَ رسولِ اللهِ عَُّله فانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فقامَ النبيُّ عَ لَّه يَجُرُّ رِدَاءَهُ حتَّى
دَخَلَ المَسْجِدَ فدَخَلْنَا فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ حَتَّى انْجَلَتِ الشَّمْسُ فقال النبيُّ عَّ ◌ُلِّ إِنَّ الشَّمْسَ
والقَمَرَ لاَ يَنْكَسِفَانٍ لِمَوْتِ أحَدٍ فإِذَا رَأيْتُمُوهُمَا فَصَلّوا وَادْعُوا حَتَّى يُكْشَفَ ما بِكُمْ.
[الحديث ١٠٤٠ - أطرافه في: ١٠٤٨، ١٠٦٢، ١٠٦٣، ٥٧٨٥].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وهي صلاة النبي عَّ له عند كسوف الشمس.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: عمرو، بفتح العين: ابن عون، مر في: باب ما جاء
في القبلة. الثاني: خالد بن عبد الله الطحان الواسطي. الثالث: يونس بن عبيد. الرابع:
الحسن البصري. الخامس: أبو بكرة، نفيع بن الحارث، وقد تقدم.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين وفيه: العنعنة في ثلاثة
مواضع. وفيه: أن الإسناد كله بصريون غير خالد. وفيه: أن رواية الحسن عن أبي بكرة متصلة
عند البخاري، وهو من أفراد البخاري،، وقال الدارقطني: هو مرسل، وقال أبو الوليد في
(كتاب الجرح والتعديل): أخرج البخاري حديثاً فيه الحسن: سمعت أبا بكرة، فتأوله
الدارقطني وغيره من الحفاظ على أنه: الحسن بن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى
عنهم، لأن البصري لم يسمع عندهم من أبي بكرة، والصحيح أن الحسن في هذا الحديث
هو الحسن بن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنهما، وكذا قاله الداودي فيما ذكره ابن
بطال.

٩١
١٦ - كِتَابُ الكُشُوفِ / باب (١)
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه الخاري أيضاً في صلاة الكسوف عن
قتيبة عن حماد بن زيد وعن أبي معمر عن عبد الوارث وفي اللباس عن محمد عن عبد
الأعلى، وأخرجه النسائي في الصلاة عن عمران بن موسى عن عبد الوارث نحوه، وفي
التفسير عن عمرو بن علي عن يزيد مقطعاً وعن عمرو بن علي ومحمد بن عبد الأعلى،
كلاهما عن خالد وفيه وفي التفسير أيضاً عن قتيبة ببعضه وعن محمد بن كامل.
ذكر معناه: قوله: ((فانكسفت)) يقال: كسفت الشمس، بفتح الكاف، وانكسفت
بمعنى، وأنكر القزاز: انكسفت، والحديث يرد عليه. قوله: ((يجر رداءه))، جملة وقعت حالاً،
وزاد في اللباس من وجه آخر عن يونس: مستعجلاً. وللنسائي في رواية يزيد بن زريع عن
يونس: من العجلة، قوله: ((فإذا رأيتموها))، بتوحيد الضمير، وفي رواية كريمة: ((فإذا
رأيتموهما))، بتثنية الضمير، وجه الأول أن الضمير يرجع إلى الكسفة التي يدل عليها. قوله:
((لا يكسفان)). أو الآية، لأن الكسفة آية من الآيات، ووجه الثاني ظاهر، لأن المذكور الشمس
والقمر.
ذكر استنباط الأحكام: وهو على وجوه: الأول: استدل به أصحابنا على أن صلاة
الكسوف ركعتان، لأنه مصرح فيه بقوله: ((فصلى ركعتينن))، وكذلك روى جماعة من
الصحابة عن النبي عَِّ أن صلاة الكسوف ركعتان. منهم: ابن مسعود رضي الله تعالى عنه،
أخرج حديثه ابن خزيمة في (صحيحه) عنه: ((انكسفت الشمس فقال الناس: إنما انكسفت
الموت إبراهيم، عليه السلام، فقام رسول الله عَّ للم فصلى ركعتين)). ومنهم: عبد الرحمن بن
سمرة، رضي الله تعالى عنه، أخرج حديثه مسلم: ((انخسفت الشمس فانطلقت، فإذا رسول
٠٠
الله عَّ قائم يسبح ويكبر ويدعو، حتى انجلت الشمس، وقرأ سورتين وركع ركعتين)).
وأخرجه الحاكم، ولفظه: ((وقرأ سورتين في ركعتين)). وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وأخرجه النسائي ولفظه: ((فصلى ركعتين وأربع سجدات)). ومنهم: سمرة بن جندب، أخرج
حديثه الأربعة أصحاب السنن، وفيه: ((فصلى فقام بنا كأطول ما قام بنا في صلاة قط لا
نسمع له صوتاً، قال: ثم ركع بنا كأطول ما ركع بنا في صلاة قط لا نسمع له صوتاً، قال:
ثم سجد بنا كأطول ما سجد بنا في صلاة قط لا نسمع له صوتاً، قال: ثم فعل في الركعة
الأخرى مثل ذلك)). وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. ومنهم: النعمان بن بشير، أخرج
حديثه الطهاوي: حدثنا إبراهيم بن محمد الصيرفي البصري قال: حدثنا أبو الوليد، قال:
حدثنا شريك عن عاصم الأحول عن أبي قلابة عن النعمان بن بشير، رضي الله تعالى عنه:
((أن النبي عَّ كان يصلي في كسوف الشمس كما تصلون ركعة وسجدتين)). وقال
البيهقي: أبو قلابة لم يسمع من النعمان، والحديث مرسل، قلت: صرح في (الكمال) بسماعه
عن النعمان، وقال ابن حزم: أبو قلابة أدرك النعمان وروى هذا الخبر عنه، وصرح ابن عبد البر
بصحة هذا الحديث، وقال: من أحسن حديث ذهب إليه الكوفيون حديث أبي قلابة عن
:
النعمان، وأبو قلابة أحد الأعلام، واسمه: عبد الله بن زيد الجرمي، والحديث أخرجه أبو داود
:

٩٢
١٦ - کِتَابُ الگُشُوفِ / باب (١)
والنسائي أيضاً. ومنهم: عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله تعالى عنهما، أخرج حديثه
الطحاوي: حدثنا ربيع المؤذن، قال: حدثنا أسد، قال: حدثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن
السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو، وقال: كسفت الشمس على عهد النبي عَّهِ فقام
بالناس فلم یکد یرفع ثم رفع فلم یکد یسجد ثم سجد فلم يكد يرفع ثم رفع، وفعل في
الثانية مثل ذلك، فرفع رأسه وقد امحصت الشمس).
وأخرجه الحاكم وقال: صحيح ولم يخرجاه من أجل عطاء بن السائب. قلت: قد
أخرج البخاري لعطاء هذا حديثاً مقروناً بأبي بشر، وقال أيوب: هو ثقة، وأخرجه أبو داود أيضاً
وأحمد في (مسنده) والبيهقي في (سننه). ومنهم: قبيصة الهلالي، رضي الله تعالى عنه أخرج
حديثه أبو داود، قال: ((كسفت الشمس على عهد رسول الله عَّ له فخرج فزعاً يجر ثوبه وأنا
معه يومئذ بالمدينة فصلى ركعتين)) الحديث، وفيه: ((فإذا رأيتموها فصلوا كأحدث صلاة
صليتموها من المكتوبة)). وأخرجه النسائي أيضاً وأخرجه الطحاوي من طريقين، ففي طريقه
الأولى: عن قبيصة البجلي، وفي الثانية: عن قبيصة الهلالي وغيره، وكل منهما صحابي على
ما ذكره البعض، وذكر أبو القاسم البغوي في (معجم الصحابة) أولاً قبيصة الهلالي فقال:
سكن البصرة وروى عن النبي عَّ أحاديث، ثم ذكر قبيصة آخر، فقال: قبيصة يقال: إنه
البجلي، ويقال: الهلالي: سكن البصرة، وروى عن النبي عَّمِ حديثاً. حدثنا أبو الربيع
الزهراني حدثنا عبد الوارث حدثنا أيوب عن أبي قلابة عن قبيصة قال: ((انكسفت الشمس
على عهد رسول الله عَّ فنادى في الناس، فصلى بهم ركعتين، فأطال فيهما حتى انجلت
الشمس، فقال: إن هذه الآية تخويف يخوف الله بها عباده فإذا رأيتم ذلك: فصلوا كأخف
صلاة صليتموها من المكتوبة)). وقال أبو نعيم: ذكر بعض المتأخرين قبيصة البجلي وهو
عندي قبيصة بن مخارق الهلالي، والبجلي وهم، قلت: رواية الطحاوي وكلام البغوي يدلان
على أنهما اثنان. قوله: ((كأحدث صلاة))، يعني: كأقرب صلاة. قال بعضهم: معناه إن آية من
هذه الآيات إذا وقعت مثلاً بعد الصبح يصلى ويكون في كل ركعة ركوعان، وإن كانت بعد
المغرب يكون في كل ركعة ثلاث ركوعات، وإن كانت بعد الرباعية يكون في كل ركعة
أربع ركوعات. وقال بعضهم: معناه أن آية من هذه الآيات إذا وقعت عقيب صلاة جهرية
يصلى ويجهر فيها بالقراءة، وإن وقعت عقيب صلاة سرية يصلى ويخافت فيها بالقراءة.
قلت: رواية البغوي: كأخف صلاة، تدل على أن المراد كما وقع في صلاة من المكتوبة في
الخفة، وهي صلاة الصبح، وأراد به أنه يصلي ركعتين كصلاة الصبح بركوعين وأربع
سجدات. فافهم. ومنهم: علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، أخرج حديثه أحمد من
رواية حنش عنه قال: ((كسفت الشمس فصلى علي، رضي الله تعالى عنه، للناس فقرأ يس أو
نحوها، ثم ركع نحواً من قدر سورة، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده، ثم قام إلى
الركعة الثانية، ففعل كفعله في الركعة الأولى، ثم جلس يدعو ويرغب حتى انجلت الشمس،
ثم حدثهم أن رسول الله، عَّةٍ، كذلك فعل)). وروى ابن أبي شيبة بسند صحيح (عن

٩٣
١٦ - كِتَابُ الكُشُوفِ / باب (١)
السائب بن مالك، والد عطاء: أن النبي، عَّةٍ، صلى في كسوف القمر ركعتين)). وفي (علل
ابن أبي حاتم): السائب ليست له صحبة، والصحيح إرساله، ورواه بعضهم عن أبي إسحاق
عن السائب بن مالك عن ابن عمر عن النبي، عَّهِ، وروى ابن أبي شيبة أيضاً بسند صحيح
((عن إبراهيم: كانوا يقولون: إذا كان ذلك فصلوا كصلاتكم حتى تنجلي)).
وحدثنا وكيع حدثنا إسحاق بن عثمان الكلابي ((عن أبي أيوب الهجري، قال:
انكسفت الشمس بالبصرة وابن عباس أمير عليها، فقام يصلي بالناس فقرأ فأطال القراءة. ثم
ركع فأطال الركوع، ثم رفع رأسه ثم سجد، ثم فعل مثل ذلك في الثانية، فلما فرغ قال:
هكذا صلاة الآيات! قال: فقلت: بأي شيء قرأ فيهما؟ قال: بالبقرة وآل عمران)). وحدثنا
وكيع عن يزيد بن إبراهيم عن الحسن ((أن النبي عَ ◌ّه صلى في كسوف ركعتين، فقرأ في
إحداهما بالنجم)) وفي (المحلى) أخذ بهذا طائفة من السلف، منهم عبد الله بن الزبير صلى
في الكسوف ركعتين كسائر الصلوات. فإن قيل: قد خطأه في ذلك أخوه عروة. قلنا: عروة
أحق بالخطأ من عبد الله الصاحب الذي عمل بعلم، وعروة أنكر ما لم يعلم، وذهب ابن حزم
إلى العمل بما صح من الأحاديث فيها، ونحا نحوه ابن عبد البر، فقال: وإنما يصير كل عالم
إلى ما روى عن شيوخه، ورأى عليه أهل بلده، وقد يجوز أن يكون ذلك اختلاف إباحة
وتوسعة. قال البيهقي: وبه قال ابن راهويه وابن خزيمة وأبو بكر بن إسحاق والخطابي،
واستحسنه ابن المنذر، وقال ابن قدامة: مقتضى مذهب أحمد أنه يجوز أن تصلى صلاة
الكسوف على كل صفة، وقال ابن عبد البر: إن رسول الله عَّهِ صلى صلاة الكسوف مراراً،
فحكى كل ما رأى، وكلهم صادق كالنجوم، من اقتدى بهم اهتدى، وذهب البيهقي إلى أن
الأحاديث المروية في هذا الباب كلها ترجع إلى صلاة النبي عَّ في كسوف الشمس يوم
مات إبراهيم. وقد روى في حديث كل واحد منهم ما يدل على ذلك، والذي ذهب إليه
أولئك الأئمة توفيق بين الأحاديث، وإذا عمل بما قاله البيهقي حصل بينها خلاف يلزم منه
سقوط بعضها وإطراحه، وإنما يدل على وهن قوله ما روته عائشة، رضي الله تعالى عنها، عند
النسائي بسند صحيح: أن رسول الله عَّه صلى في كسوف في صفة زمزم يعني بمكة، وأكثر
الأحاديث كانت بالمدينة، فدل ذلك على التعدد، وكانت وفاة إبراهيم يوم الثلاثاء لعشر
خلون من شهر ربيع الأول سنة عشر، ودفن بالبقيع، والحاصل في ذلك أن أصحابنا تعلقوا
بأحاديث من ذكرناهم من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، ورأوها أولى من رواية غيرهم،
نحو حديث عائشة وابن عباس وغيرهما، لموافقتها القياس في أبواب الصلاة.
وقد نص في حديث أبي بكرة على ركعتين صريحاً. بقوله: ((فصلى ركعتين))، وفي
رواية النسائي: ((كما تصلون))، وحمل ابن حبان والبيهقي على أن المعنى: كما تصلون في
الكسوف، بعيد وظاهر الكلام يرده. فإن قلت: خاطب أبو بكرة بذلك أهل البصرة، وقد كان
ابن عباس علمهم أن صلاة الكسوف ركعتان، في كل ركعة ركوعان. قلت: حديث أبي
بكرة إخبار عن الذي شاهده من صلاة النبي عَّم وليس فيه خطاب أصلاً، ولئن سلمنا أنه

٩٤
١٦ - كِتَابُ الگُشُوفِ / باب (١)
خاطب بذلك من الخارج، فليس معناه كما حمله ابن حبان والبيهقي، لأن المعنى: كما
كانت عبادتكم فيما إذا صليتم ركعتين بركوعين وأربع سجدات، على ما تقرر شأن الصلوات
على هذا. وقال بعضهم: وظهر أن رواية أبي بكرة مجملة ورواية جابر: أن في كل ركعة
ركوعين، مبينة، فالأخذ بالمبين أولى، قلت: ليت شعري أين الإجمال في حديث أبي بكرة؟
هل هو إجمال لغوي أو إجمال اصطلاحي؟ وليس ههنا أثر من ذلك؟ ولو قال هذا القائل:
الأخذ بحديث جابر أولى لأن فيه زيادة، والأخذ بالزيادة في روايات الثقات أولى وأجدر.
فنقول: وإن كان الأمر هذا، ولكن الأخذ بما يوافق الأصول أولى. وأعجب من هذا أن هذا
القائل ادعى اتحاد القصة، وقد أبطلنا ذلك عن قريب.
الثاني من الوجوه: الاستدلال بقوله: ((حتى انجلت))، على إطالة الصلاة، حتى يقع
الانجلاء، ولا تكون الإطالة إلاّ بتكرار الركعات والركوعات وعدم قطعها إلى الانجلاء،
وأجاب الطحاوي عن ذلك بأنه قد قال في بعض الأحاديث: ((فصلوا وادعوا حتى ينكشف)).
ثم روى بإسناده، حديثاً عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله عَّله: ((إن الشمس والقمر
آيتان من آيات الله تعالى لا ينكسفان لموت أحد - أراه قال: ولا لحياته - فإذا رأيتم
مثل ذلك فعليكم بذكر الله والصلاة)). فدل ذلك على أنه عَّلِ لم يرد منهم مجرد الصلاة،
بل أراد منهم ما يتقربون به إلى الله تعالى من الصلاة والدعاء والاستغفار وغير ذلك، نحو:
الصدقة والعتاقة. وقال بعضهم بعد أن نقل بعض كلام الطحاوي في هذا: وقرره ابن دقيق
العيد بأنه جعل الغاية لمجموع الأمرين، ولا يلزم من ذلك أن يكون غاية لكل منهما على
انفراده. فجاز أن يكون الدعاء ممتداً إلى غاية الانجلاء بعد الصلاة، فيصير غاية للمجموع
ولا يلزم منه تطويل الصلاة ولا تكريرها. قلت: في الحديث أعني حديث أبي بكرة: ((فصلوا
وادعوا حتى ينكشف ما بكم))، فقد ذكر الصلاة والدعاء بواو الجمع، فاقتضى أن يجمع
بينهما إلى وقت الانجلاء قبل الخروج من الصلاة، وذلك لا يكون إلاّ بإطالة عنها، في رواية
مسلم: ((ما ركعت ركوعاً قط ولا سجدت سجوداً قط كان أطول منه)). وفي رواية البخاري
أيضاً: ((ثم سجد سجوداً طويلاً). وقال أيضاً ((فصلى بأطول قيام وركوع وسجود)). وأما إطالة
القراءة ففي حديث عائشة: ((فأطال القراءة))، وفي حديث ابن عباس: ((فقام قياماً طويلاً قدر
نحو سورة البقرة))، ولا يشك أنه عَ لّه لم يكن في طول قيامه ساكتاً، بل كان مشتغلاً بالقراءة
وبالدعاء، وإذا مد الدعاء بعد خروجه من الصلاة لا يكون جامعاً بين الصلاة والدعاء في وقت
واحد، لأن خروجه من الصلاة يكون قاطعاً للجمع، ولا شك أن الواو تدل على الجمع، وقد
وقع في رواية النسائي من حديث النعمان بن بشير، قال: ((كسفت الشمس على عهد رسول
الله عَّ فجعل يصلي ركعتين ركعتين ويسأل عنها حتى انجلت)). فهذا يدل على أن إطالته
عَّ له كانت بتعداد الركعات، وقال بعضهم: يحتمل أن يكون معنى قوله: ((ركعتين)) أي:
ركوعين وأن يكون السؤال وقع بالإشارة فلا يلزم التكرار.
قلت: مراد هذا القائل الرد على الحنفية في قولهم أن صلاة الكسوف كسائر الصلوات

٩٥
١٦ - كِتَابُ الكُشُوفِ / باب (١)
بلا تكرار الركوع، لما ذكرنا وجه ذلك، ولا يساعده ما يذكره لأن تأويله: ركعتين بركوعين،
تأويل فاسد باحتمال غير ناشىء عن دليل، وهو مردود. فإن قلت: فعلى ما ذكرت فقد دل
الحديث على أنه يصلي للكسوف ركعتان بعد ركعتين، ويزاد أيضاً إلى وقت الانجلاء، فأنتم
ما تقولون به؟ قلت: لا نسلم ذلك، وقد روى الحسن عن أبي حنيفة: إن شاؤوا صلوا
ركعتين، وإن شاؤوا صلوا أربعاً، وإن شاؤوا صلوا أكثر من ذلك، ذكره في (المحيط) وغيره،
فدل ذلك على أن الصلاة إن كانت بركعتين يطول ذلك بالقراءة والدعاء في الركوع
والسجود إلى وقت الانجلاء، وإن كانت أكثر من ركعتين فالتطويل يكون بتكرار الركعات
دون الركوعات، وقول القائل المذكور، وإن يكون السؤال وقع بالإشارة؟ قلت: يرد هذا ما
أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن أبي قلابة أنه عَّ كلما ركع ركعة أرسل رجلاً لينظر:
هل انجلت؟ قلت: فهذا يدل على أن السؤال في حديث النعمان كان بالإرسال لا بالإشارة،
وأنه كلما كان يصلي ركعتين على العادة يرسل رجلاً يكشف عن الانجلاء. فإن قلت: قوله:
((ركع ركعة))، يدل على تكرار الركوع قلت: لا نسلم ذلك، بل المراد كلما ركع ركعتين
من باب إطلاق الجزء على الكل، وهو كثير فلا يقدر المعترض على رده.
الثالث: في هذا الحديث إبطال ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من تأثير الكواكب في
الأرض، وقال الخطابي: كانوا في الجاهلية يعتقدون أن الكسوف يوجب حدوث تغير في
الأرض من موت أو ضرر، فأعلم النبي عَ لِّ أنه اعتقاد باطل، وأن الشمس والقمر خلقان
مسخران لله تعالى، ليس لهما سلطان في غيرهما ولا قدرة على الدفع عن أنفسهما.
الرابع: فيه ما كان النبي عَّيِ عليه من الشفقة على أمته وشدة الخوف من آية الله
تعالى، عز وجل. الخامس: فيه ما يدل على أن جر الثوب لا يذم إلّ من قصد به الخيلاء،
كما صرح بذلك في غير هذا الحديث. السادس: فيه المبادرة إلى طاعة الله تعالى، ألا ترى
أنه عَّ له كيف قام، وهو يجر رداءه مشتغلاً بما نزل؟ السابع: قالوا: وفيه دلالة على أنه يجمع
في كسوف الشمس، وبه قال الشافعي وأحمد إسحاق وأبو ثور وأهل الحديث، وذهب أبو
حنيفة وأحمد ومالك إلى أن: ليس في خسوف القمر جماعة. قلت: أبو حنيفة لم ينف
الجماعة فيه، وإنما قال: الجماعة فيه غير سنة، بل هي جائزة وذلك لتعذر اجتماع الناس من
أطراف البلد بالليل، وكيف وقد ورد قوله عَّله: ((أفضل صلاة المرء في بيته إلا
المكتوبة)؟ وقال مالك: لم يبلغنا، ولا أهل بلدنا، أنه معَّهِ جمع لكسوف القمر، ولا نقل عن
أحد من الأئمة بعده أنه عَّلِّ جمع فيه. ونقل ابن قدامة في (المعنى) عن مالك: ليس في
كسوف القمر سنة ولا صلاة، وقال المهلب: يمكن أن يكون تركه عَّله، والله أعلم، رحمة
للمؤمنين لئلا تخلو بيوتهم بالليل فيخطفهم الناس ويسرقون، يدل على ذلك قوله: عَ لَِّ لأم
سلمة ليلة نزول التوبة على كعب بن مالك وصاحبيه: ((قلت له: أَلا أُبشّر الناس؟ فقال عَلَّهِ:
أخشى أن يخطفهم الناس)). وفي حديث آخر: ((أخشى أن يمنع الناس نومهم)). وقال تعالى:
﴿ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه﴾ [القصص: ٧٣]. فجعل السكون في

٩٦
١٦ - كِتَابُ الكُشْوفِ / باب (١)
الليل من النعم التي عددها الله تعالى على عباده، وقد سمى ذلك رحمة، وقد قال ابن
القصار: خسوف القمر يتفق ليلاً فيشق الاجتماع له، وربما أدرك الناس نياماً فيثقل عليهم
الخروج لها، ولا ينبغي أن يقاس على كسوف الشمس، لأنه يدرك الناس مستيقظين
متصرفين، ولا يشق اجتماعهم كالعيدين والجمعة والاستسقاء.
فإن قلت: روي عن الحسن البصري، قال: خسف القمر وابن عباس بالبصرة، فصلى
بنا ركعتين في كل ركعة ركعتان، فلما فرغ خطبنا: وقال: صليت بكم كما رأيت رسول الله
عَّهُ يصلي بنا. رواه الشافعي في (مسنده) وذكره ابن التين بلفظ: ((أنه صلى في خسوف
القمر ثم خطب، وقال: يا أيها الناس إني لم أبتدع هذه الصلاة بدعة، وإنما فعلت كما رأيت
رسول الله عَّ لل فعل). وقد علمنا أنه صلاها في جماعة لقوله: ((خطب)) لأن المنفرد لا
يخطب، وروى الدارقطني عن عروة عن عائشة: ((أنه عَّلِ كان يصلي في خسوف الشمس
أربع ركعات وأربع سجدات ويقرأ في الأولى بالعنكبوت أو الروم وفي الثانية بيس)). قلت: أما
رواية الحسن فرواها الشافعي عن إبراهيم بن محمد وهو ضعيف، وقول الحسن: خطبنا، لا
يصح، فإن الحسن لم يكن بالبصرة لما كان ابن عباس بها. وقيل: إن هذا من تدليساته. وأما
حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، فمستغرب. فإن قلت: روى الدارقطني أيضاً من طريق
حبيب: ((عن طاوس عن ابن عباس: أن النبي عَّهِ صلى كسوف الشمس والقمر ثمان
ركعات في أربع سجدات)). قلت: في إسناده نظر، والحديث في مسلم وليس فيه ذكر:
القمر، والعجب من شيخنا زين الدين العراقي، رحمه الله، يقول: لم تثبت صلاته عَ لَّه
لخسوف القمر بإسناد متصل، ثم ذكر حديث عائشة وحديث ابن عباس اللذين رواهما
الدارقطني، وقال: ورجال إسنادهما ثقات، ولكن كون رجالهما ثقات لا يستلزم اتصال
الإسناد. ولا نفي المدرج ..
الأسئلة والأجوبة: منها ما قيل: ما الحكمة في الكسوف؟ والجواب :: ما قاله أبو
الفرج: فيه سبع فوائد. الأول: ظهور التصرف في الشمس والقمر. الثاني: تبيين قبح شأن من
يعبدهما. الثالث: إزعاج القلوب الساكنة بالغفلة عن مسكن الذهول. الرابع: ليرى الناس
نموذج ما سيجري في القيامة من قوله: ﴿وجمع الشمس والقمر﴾ [القيامة: ٩]. الخامس:
أنهما يوجدان على حال التمام فيركسان، ثم يلطف بهما فيعادان إلى ما كانا عليه، فيشار
بذلك إلى خوف المكر ورجاء العفو. السادس: أن يفعل بهما صورة عقاب لمن لا ذنب له.
السابع: أن الصلوات المفروضات عند كثير من الخلق عادة لا انزعاج لهم فيها ولا وجود
هيبة، فأتى بهذه الآية وسنت لهما الصلاة ليفعلوا صلاة على انزعاج وهيبة.
ومنها ما قيل: أليس في رؤية الأهلة وحدوث الحر والبرد وكل ما جرت العادة بحدوثه
من آيات الله تعالى فما معنى قوله في الكسوفين: ((أنهما آيتان))؟ وأجيب: بأن: هذه الحوادث
آيات دالة على وجوده، عز وجل، وقدرته. وخص الكسوفين لإخباره عَ لِّ عن ربه عز وجل
أن القيامة تقوم وهما منكوسان وذاهبا النور، فلما أعلمهم بذلك أمرهم عند رؤية الكسوف
:

٩٧
١٦ - كِتَابُ الكُشُوفِ / باب (١)
بالصلاة والتوبة خوفاً من أن يكون الكسوف لقيام الساعة ليعتدوا لها. وقال المهلب: يحتمل
أن يكون هذا قبل أن يعلمه الله تعالى بأشراط الساعة.
ومنها ما قيل: ما الكسوف؟ وأجيب: بأنه تغير يخلقه الله تعالى فيهما لأمر يشاؤه ولا
يدري ما هو، أو يكون تخويفاً للاعتبار بهما مع عظم خلقهما، وكونهما عرضة للحوادث،
فكيف بابن آدم الضعيف الخلق؟ وقيل: يحتمل أن يكون الخسوف فيهما عند تجلي الله
سبحانه لهما، وفي حديث قبيصة الهلالي عند أبي داود والنسائي الإشارة إلى ذلك، فقال
فيه: ((إن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد، ولكنهما خلقان من خلقه ما يشاء، وإن الله
عز وجل إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له)) الحديث: ويؤيده قوله تعالى: ﴿فلما تجلى ربه
للجبل جعله دكاً﴾ [الأعراف: ١٤٣]. ولأهل الحساب فيه كلام كثير، أكثره خباط.
يقولون: أما كسوف الشمس فإن القمر يحول بينها وبين النظر، وأما كسوف القمر فإن
الشمس تخلع نورها عليه، فإذا وقع في ظل الأرض لم يكن له نور بحسب ما تكون له
المقابلة، ويكون الدخول في ظل الأرض يكون الكسوف من كل أو بعض. قالوا: وهذا أمر
يدل عليه الحساب ويصدق فيه البرهان، ورد عليهم بأنهم قالوا بالبرهان: إن الشمس أضعاف
القمر في الجرمية بالعقل، فكيف يحجب الصغير الكبير إذا قابله ولا يأخذ منه عشره؟ وأيضاً
إن الشمس إذا كانت تعطيه نورها، فكيف يحجب نورها ونوره من نورها؟ هذا خباط، وأيضاً:
قلتم: إن الشمس أكبر من الأرض بتسعين ضعفاً أو نحوها، وقلتم: إن القمر أكبر منها بأقل من
ذلك، فكيف يقع الأعظم في ظل الأصغر، وكيف تحجب الأرض نور الشمس، وهي في
زاوية منها. وأيضاً فالشمس لها فلك ومجرى، ولا خلاف أن كل واحد منهما محدود ومعلوم
لا يعدو مجراه، كل يوم إلى مثله من العام، فيجتمعان ويتقابلان، فلو كان الكسوف لوقوعه
في ظل الأرض في وقت لكان ذلك الوقت محدوداً معلوماً، لأن المجرى منهما محدود
معلوم، فلما كان تأتي الأوقات المختلفة والجري واحداً والحساب واحداً علم قطعاً فساد
قولهم.
١٠٤١/٨٠ - حدثنا شِهَابُ بنُ عَبَّادٍ قال حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ حُمَيْدٍ عنِ اسِمَاعِيلَ
عنْ قَيْسٍ قال سَمِعْتُ أبًا مَسْعُودٍ يَقُولُ قال النبيُّ عَ لَّ إِنَّ الشمْسَ والقَمَرَ لاَ يَنْكَسِفَانِ
لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ وَلُكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ فإذَا رَأيْتُمُوهُمَا فَقُومُوا فَصِلُّوا. [الحديث
١٠٤١ - طرفاه في: ١٠٥٧، ٣٢٠٤].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: شهاب بن عباد، بفتح العين المهملة وتشديد الباء
الموحدة: العبدي الكوفي، من شيوخ مسلم أيضاً. ولهم شيخ آخر يقال له: شهاب بن عباد
العبدي، لكنه بصري، وهو أقدم من الكوفي في طبقة شيوخ شيوخه، روى له البخاري وحده
في (الأدب المفرد). الثاني: إبراهيم بن حميد، بضم الحاء: الرواسي، بضم الراء وبالسين
المهملة: الكوفي، مات سنة ثمان وسبعين ومائة. الثالث: إسماعيل بن أبي خالد، وقد مر.
عمدة القاري / ج٧ / م٧

٩٨
١٦ - كِتَابُ الكُشُوفِ / باب (١)
الرابع: قيس بن أبي حازم، وقد مر. الخامس: أبو مسعود عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري
الخزرجي البدري، لأنه من ماء بدر ولم يشهد بدراً وسكن الكوفة، مات أيام علي بن أبي
طالب.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في
موضعين. وفيه: القول في أربعة مواضع. وفيه: إن رواته كلهم كوفيون. وفيه: رواية التابعي
عن التابعي عن الصحابي.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الكسوف عن مسدد
عن يحيى وفي بدء الخلق عن أبي موسى عن يحيى، وأخرجه مسلم في الخسوف عن يحيى
بن يحيى وعن عبيد الله بن معاذ وعن يحيى بن حبيب وعن أبي بكر بن أبي شيبة وعن
إسحاق بن إبراهيم وعن ابن أبي عمر. وأخرجه النسائي فيه عن يعقوب بن إبراهيم. وأخرجه
ابن ماجه عن محمد بن عبد الله بن نمير.
ذكر معناه: قوله: ((آيتان)) أي: علامتان من آيات الله الدالة على وحدانيته وعظيم قدرته
أو: آيتان على تخويف عباده من بأسه وسطوته، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وما نرسل بالآيات إلّ
تخويفاً﴾ أو آيتان لقرب القيامة أو لعذاب الله تعالى، أو لكونهما مسخرين لقدرة الله وتحت
حكمه، وأصل آية: أوية، بالتحريك، قلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، وقال سيبويه:
موضع العين من الآية: واو، لأن ما كان موضع العين واللام: ياءً، أكثر مما موضع العين واللام
فيه ياءان، والنسبة إليه: أووي، قال الفراء: هي من الفعل فاعلة، وإنما ذهب منه اللام، ولو
جاءت تامة لجاءت آيية، ولكنها خففت، وجمع الآية: آي وأيائي وآيات. قوله: ((فإذا
رأيتموهما))، بتثنية الضمير رواية الكشميهني، وكذا في رواية الإسماعيلي، وفي رواية غيرهما:
((فإذا رأيتموها))، بتوحيد الضمير الذي يرجع إلى الآية التي يدل عليها، قوله: ((آيتان))، أو
الآيات، والمعنى على الأول: إذا رأيتم كسوف كل منهما، لاستحالة وقوع ذلك فيهما معاً
في حالة واحدة عادة، وإن كان جائزاً في القدرة الإلهية. قوله: ((فقوموا فصلوا)): أمر النبي
عَ لِّ في هذا الحديث بالصلاة، قال أبو بكر بن العربي: ذكر ستة أشياء عامة وخاصة، اذكروا
الله ادعوا كبروا صلوا تصدقوا أعتقوا، أما ذكر الله ففي (الصحيحين) من حديث ابن عباس:
(فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله))، وأما التكبير ففي حديث عائشة في (الصحيح) ((فإذا رأيتم ذلك
فادعوا الله عز وجل وكبروا)). وأما الصلاة ففي الحديث المذكور، وأما الصدقة ففي حديث
عائشة المذكور. وفيه: ((تصدقوا))، وأما العتق ففي البخاري من حديث أسماء بنت أبي بكر،
رضي الله تعالى عنهما، قالت: أمر رسول الله عَّ بالعتاقة في صلاة الكسوف. وقوله:
((صلوا)) مجمل وبينه عَّله بفعله في الأحاديث المذكورة.
١٠٤٢/٨١ - حدّثنا أصْبَغُ قال أخبرني ابنُ وَهْبٍ قال أخبرني عَمْرٌو عنْ عَبْدِ
الرَّحْمنِ بنِ القَاسِمِ حدَّثَهُ عنْ أَبِيهِ عنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما أنَّهُ كانَ يُخْبِرُ عنٍ
النبيِّ عَّهِ أَنَّ الشَّمَسَ والقَمَرَ لاَ يَحْسِفَانِ لِمَوْتٍ أحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ الله

٩٩
١٦ - كِتَابُ الكُشُوفِ / باب (١)
فإِذَا رَأَيْتُمُوهما فَصَلّوا. [الحديث ١٠٤٢ - طرفه في: ٣٢٠١].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: أصبغ، بفتح الهمزة: ابن الفرج أبو عبد الله المصري.
الثاني: عبد الله بن وهب المصري. الثالث: عمرو بن الحارث المصري. الرابع: عبد
الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنهم. الخامس: أبوه
القاسم. السادس: عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنهما.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع. وبصيغة الإفراد في
موضع وفيه: الإخبار بصيغة الإفراد في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه:
القول في موضعين. وفيه: من الرواة الثلاثة الأول مصريون والبقية مدنيون.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في بدء الخلق عن يحيى بن سليمان. وأخرجه مسلم
في الصلاة عن هارون بن سعيد الأيلي. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن سلمة.
ذكر معناه: قوله: ((لا يخسفان))، بفتح أوله ويجوز الضم، وحكى ابن الصلاح منعه
ولم يبين وجه المنع. قوله: ((ولا لحياته)) أي: ولا يخسفان لحياة أحد. فإن قلت: الحديث
ورد في حق من ظن أن ذلك لموت إبراهيم ابن النبي عٍَّ، وقد روى ابن خزيمة والبزار من
طريق نافع ((عن ابن عمر قال: خسفت الشمس يوم مات إبراهيم))، الحديث فإذا كان السياق
إنما هو في موت إبراهيم فما فائدة قوله: ((ولا لحياته)) إذا لم يقل أحد بأن الانكساف لحياة
أحد؟ قلت: فائدته دفع توهم من يقول: لا يلزم من نفي كونه سبباً للفقدان أن لا يكون سبباً
للإيجاد، فعمم الشارع النفي أي ليس سببه لا الموت ولا الحياة، بل سببه قدرة الله تعالى.
١٠٤٣/٨٢ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنا هاشِمُ بنُ القاسِم قال حدَّثنا
شَيْبَانُ بنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ زِيادٍ بِنِ عِلاَقَةَ عنِ المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةً قال كسَفَتِ الشَّمْسَ عَلَى عَهْدِ
رسولِ الله عَ لَّه يَوْمَ ماتَ إبْرَاهِيمُ فقالَ الناسُ كَسَفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ فقالَ رسولُ الله
عَ لَه إِنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أحدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ فإذا رَأيْتُمْ فَصَلُّوا وَادْعُوا الله
عَزَّ وَجَلَّ. [الحديث ١٠٤٣ - طرفاه في: ١٠٦٠، ٦١٩٩].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: عبد الله بن محمد بن عبد الله أبو جعفر البخاري
المعروف بالمسندي. الثاني: هاشم بن القاسم أبو النضر الليثي الكناني، خراساني سكن
بغداد وتوفي بها غرة ذي القعدة سنة سبع ومائتين. الثالث: شيبان بن معاوية النحوي، مر في
كتاب العلم. الرابع: زياد، بكسر الزاي وتخفيف الياء آخر الحروف: ابن علاقة، بكسر العين
المهملة وتخفيف اللام وبالقاف، مر في آخر كتاب الإيمان. الخامس: المغيرة بن شعبة.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في
موضعين. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: أن شيخ البخاري من أفراده. وفيه: أن أحد

١٠٠
١٦ - كِتَابُ الكُشُوفي / باب (٢)
رواته بخاري ويلقب بالمسندي لأنه كان وقت الطلب يتتبع الأحاديث المسندة ولا يرغب
في المقاطيع والمراسيل. والثاني: خراساني بغدادي، والثالث بصري كوفي، والرابع كوفي.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في (الأدب) عن أبي
الوليد الطيالسي عن زائدة. وأخرجه مسلم في الصلاة عن أبي بكر ومحمد بن عبد الله بن
نمير.
ذكر معناه: قوله: ((يوم مات إبراهيم) يعني ابن النبي عَِّ، وذكر جمهور أهل السير
أنه مات في السنة العاشرة من الهجرة، قيل: في ربيع الأول، وقيل: في رمضان. وقيل: في
ذي الحجة، والأكثر على أنها وقعت في عاشر الشهر، وقيل: في رابعه، وقيل: في رابع
عشره، ولا يصح شيء منها على قول ذي الحجة لأن النبي عَّه كان إذ ذاك بمكة في
الحج، وقد ثبت أنه شهد وفاته وكان بالمدينة بلا خلاف فلعلها كانت في آخر الشهر. فإن
قلت: الكسوف في الشمس إنما يكون في الثامن والعشرين أو التاسع والعشرين من آخر الشهر
العربي، فكيف تكون وفاته في العاشر؟ قلت: هذا التاريخ يحكى عن الواقدي، وهو ذكر ذلك
بغير إسناد، فقد تكلموا فيما يسنده الواقدي، فكيف فيما يرسله؟ وقال البيهقي: في باب ما
يحول على جواز الاجتماع للعيد وللخسوف لجواز وقوع الخسوف في العاشر، ثم روي عن
الواقدي ما ذكرناه عن تاريخ وفاة إبراهيم. وقال الذهبي، في (مختصر السنن): لم يقع ذلك
ولن يقع، والله قادر على كل شيء، لكن امتناع وقوع ذلك كامتناع رؤية الهلال ليلة الثامن
والعشرين من الشهر، وأم إبراهيم مارية القبطية، ولد في ذي الحجة سنة ثمان، وتوفي وعمره
ثمانية عشر شهراً، هذا هو الأشهر. وقيل: ستة عشر شهراً. وقيل: سبعة عشر شهراً وثمانية
أيام. وقيل: سنة وعشرة أشهر وستة أيام، ودفن بالبقيع. قوله: ((فإذا رأيتم))، مفعوله محذوف
تقديره إذا رأيتم شيئاً من ذلك، وفي رواية الإسماعيلي: فإذا رأيتم ذلك.
٢ - بابُ الصَّدَقَّةِ فِي الگُشوفِ
أي: هذا باب في بيان الصدقة في حالة الكسوف، ذكر البخاري فيما قبل هذا الباب
أربعة أحاديث في ثلاثة منها الأمر بمجرد الصلاة من غير بيان هيئتها، وذكر الحديث الواحد
الذي رواه أبو بكرة مبيناً بركعتين، ثم ذكر في هذا الباب هيئة لصلاة الكسوف غير هيئة ذاك،
والظاهر أن تقديمه حديث أبي بكرة على غيره لميله إليه لموافقته القياس.
١٠٤٤/٨٣ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مالِكِ عَنْ هِشَامِ بنِ عُزْوَةَ عَنْ أَبِيهِ
عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ خَسفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رسولِ اللهِ عَ لَّهِ فَصَلَّى رسولُ اللهِ عَه
بِالنَّاسِ فَقَامَ فَأَطَالَ القِيَامَ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الُّكُوعَ ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ القِيامَ وَهْوَ دُونَ القِيامِ الأَوَّلِ
ثُمَّ رَكَّعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ
الثَّانِيَّةِ مِثْلَ ما فَعَلَ فِي الأولَى ثُمَّ انْصَرَفَ وقَدِ انْجَلَتِ الشَّمْسُ فَخَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ الله
وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قال أُنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ آيَتَانٍ مِنْ آيَاتِ الله لاَ يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتٍ أُحَدٍ وَلاَ