النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (٦)
ذكر ما يستفاد منه: فيه: جواز مكالمة الإمام في الخطبة للحاجة. وفيه: القيام
للخطبة، وأنها لا تنقطع بالكلام ولا تقطع بالمطر وفيه: قيام الواحد بأمر الجماعة. وفيه:
سؤال الدعاء من أهل الخير ومن يرجى منه القبول وإجابتهم لذلك. وفيه: تكرار الدعاء ثلاثاً.
وفيه: إدخال دعاء الاستسقاء في خطبة الجمعة والدعاء على المنبر. وفيه: لا تحويل ولا
استقبال. وفيه: الاجتزاء بصلاة الجمعة عن صلاة الاستسقاء. وفيه: امتثال الصحابة بمجرد
الإشارة. وفيه: الأدب في الدعاء حيث لم يدع برفع المطر مطلقاً لاحتمال الاحتياج إلى
استمراره، فاحترز فيه ما يقتضي رفع الضرر وإبقاء النفع. وفيه: أن الدعاء بدفع الضرر لا ينافي
التوكل. وفيه: اليمين لتأكيد الكلام. وفيه: أن الدعاء برفع الضرر لا ينافي التوكل، وإن كان
مقام الأفضل التفويض. وقال ابن بطال استدل على الاكتفاء بدعاء الإمام في الاستسقاء قيل:
فيه نظر لأنه جاء في رواية يحيى بن سعيد: ((ورفع الناس أيديهم مع رسول الله عَ لَّم- يدعون)).
وفيه: حجة واضحة لأبي حنيفة أن الاستسقاء دعاء واستغفار ولا صلاة فيه، قيل: مجرد
الدعاء لا ينافي مشروعية الصلاة فيه. قلت: أبو حنيفة لم يقل: إن الصلاة فيه غير مشروعة،
بل يقول: إنها ليست بسنة، وما ورد في أحاديث الصلاة فلبيان الجواز، وقد مر الكلام فيه
مستوفئ.
٦ - بابُ الاسْتِسْقَاءِ فِي خُطْبَةِ الجُمُعَةِ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِ القِبْلَةِ
أي: هذا باب في بيان حكم الاستسقاء في خطبة الجمعة حال كون الخطيب غير
مستقبل القبلة.
١٠١٤/٥٦ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قال حدَّثنا إِسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ شَرِيكِ عنْ
أنَسِ بنِ مالِكِ أنَّ رجُلاً دَخَلَ المَسْجِدَ يَوْمَ لُمُعَةٍ مِنْ بابٍ كانَ نَحْوَ دَارِ القَضَاءِ ورَسُولُ اللهِ
عَّالِ قَائِمٌ يَخْطُبُ فاسْتَقْبَلَ رسولَ الله عَ لَّهِ قائِماً ثُمَّ قال با رسولَ اللهِ هَلَكَتِ الأَمْوَالُ
وانْقَطَعَتِ السُّبْلُ فادْعُ اللَّه يُغِيثُنَا فَرَفَعَ رسولُ اللهِ عَلَّهِ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ أَغِثْنَا اللَّهُمَّ أَغِثْنَا
أَللَّهُمَّ أغِثْنَا قال أَنَسٌ وَلاَ وَاللهِ ما نَرَى في السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ ولاَ قَزَعَةٍ وما بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ
بَيْتٍ ولاَ دَار قال فَطلعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلَ التْسِ فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَرَثْ ثُمَّ
أَمْطَرَتْ فَلاَ وَالله ما رَأَيْنَا الشَّمْسَ سِتَاً ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذُلِكَ البابِ فِي الجُمُعَةِ ورَسولُ الله
عَ لَِّ قَائِمٌ يَخْطُبُ فاسْتَقْبَلَهُ قائِماً فقال يا رسولَ اللهِ هَلَكَتِ الأَمْوَالُ وانْقَطَعَتِ السُّبْلُ فَادْعُ الله
يُمْسِكْهَا عَنَّا فَرَفَعَ رسولُ اللهِ عَلَّهِ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا اللَّهُمَّ عَلَى الآَكَامِ
وَالظِّرَابِ وبُطُونِ الأَوْدِيَةِ ومَنَابِتِ الشَّجَرِ قال فَأَقْلَعَتْ وخَرَجْنَا تَخْشِي فِي الشَّمْسِ قال شَرِيكٌ
سألْتُ أَنَسَ بنَ مالِكِ أهُوَ الرَّجُلُ الأوَّلُ فقالَ ما أدْرِي. [أنظر الحديث ٩٣٢ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وأعاد حديث أنس المذكور لأجل هذه الترجمة ولبيان
اختلاف سنده فإنه روى أولاً: عن محمد بن سلام عن أبي ضمرة عن شريك بن عبد الله،
وهذا رواه: عن قتيبة عن إسماعيل بن جعفر أبي إبراهيم الأنصاري المدني عن شريك

٦٢
١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (٧)
المذكور عن أنس، وهو أيضاً من الرباعيات. قوله: ((يوم الجمعة)) بالألف واللام في رواية
الأكثرين، وفي رواية كريمة بالتنكير. قوله: ((قائماً)) حال من الضمير الذي في: ((استقبل)).
قوله: ((يغيثنا))، بضم الياء وقد مر بيانه. قوله: ((فأقلعت))، بفتح الهمزة من الإقلاع، والإقلاع
عن الأمر: الكف عنه والإمساك، يقال: فلان أقلع عما كان عليه، ووجه تأنيثها باعتبار
السحابة.
٧ - بابُ الاسْتِسْقَاءِ عَلَى المِنْبَرِ
أي: هذا باب حكم الاستسقاء على المنبر.
١٠١٥/٥٧ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا أبو عُوانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عنْ أَنَس قال بيْنَمَا
رسولُ اللهِ عَّلِ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِذْ جَاءَ رجُلٌ فقال يا رسولَ اللهِ فَحَطَ المَطَرُ فادعُ الله
أَنْ يَسْقِيَنَا فِدَعَا فَمُطِرْنَا فَمَا كِدْنَا أَنْ نَصِلَ إِلَى مَنَازِلِنَا فَمَا زِلْنَا تُمْطَرُ إِلَى المُجُمُعَةِ المُقْبِلَةِ قال
فَقَامَ ذُلِكَ الرَّجُلُ أَوْ غَيْرُهُ فقال يا رسولَ الله ادْعُ اللَّهَ أنْ يَصْرِفَهُ عَنَّا فقال رسولُ الله عَلَّه
اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا. قال فَلَقَدْ رَأيْتُ السَّحَابَ يَتَقَطَّعُ ◌َمِيناً وشِمَالاً لا يُمْطَرُونَ وَلاَ يُمْطَرُ
أهْلُ المَدِينَةِ. [أنظر الحديث ٩٣٢ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وأعاده لأجل هذه الترجمة وللمغايرة فيمن أخرجه، لأنه رواه
هنا: عن مسدد عن أبي عوانة، بفتح العين المهملة الوضاح بن عبد الله اليشكري عن قتادة
عن أنس. قوله: ((بينما)، قد مر الكلام فيه غير مرة إذ أصله: بين زيدت فيه الألف والميم،
ويضاف إلى الجملة. وقوله: ((إذا جاء))، جوابه. قوله: ((قحط)) بكسر الحاء وفتحها. قوله:
((فمطرنا)) بضم الميم وكسر الطاء. قوله: ((فما كدنا أن نصل)) كلمة: أن نصل، خبر: لكاد
مع أن، لأن بينه وبين عسى معاوضة في دخول أن وعدمها، وأراد به أنه كثر المطر بحيث
تعذر الوصول إلى منازلنا. قوله: ((نمطر)) بضم النون وسكون الميم وفتح الطاء. قوله: ((يتقطع))
من باب التفعل. قوله: ((يمطرون)) أي: أهل اليمين وأهل الشمال، ومحلها من الإعراب الرفع
لأنها خبر مبتدأ محذوف، أي: هم يمطرون، ويجوز أن يكون حالاً، أي: السحاب يتقطع حال
كون أهل اليمين والشمال يمطرون.
٨ - بابُ منِ اكْتَفَى بِصَلاةِ الجُمُعَةِ فِي الاسْتِسْقَاءِ
أي: هذا باب في بيان حكم من اكتفى بصلاة الجمعة في حال الاستسقاء.
١٠١٦/٥٨ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ عن مالِكِ عنْ شَرِيكِ بنِ عَبْدِ الله عنْ
أَنَسٍ قال جاءَ رَجُلٌ إِلى النَّبِيِّ عَلَّهِ فقال هَلَكَتِ المَوَاشِي وتَقَطَّعَتِ السُّبْلُ فَدَعَا فَمُطِرْنَا مِنَ
الجُمُعَةِ إلَى الجُمُعَةِ ثُمَّ جاءَ فقالَ تَهَدَّمَتِ البُيُوتُ وتقطّعَتِ السُّبْلُ وهَلَكَتِ المَوَاشِي فادْعُ
الله يُمْسِكْهَا فقامَ عَّلِ فقال اللَّهُمَّ عَلَى الآَكَامِ والطِّرَابِ وَالأَوْدِيَةِ ومَنَابِتِ الشَّجرِ فانْجَابَتِ
عنِ المَدِينَةِ انْجِيَابَ الثَّوْبِ. [أنظر الحديث ٩٣٢ وأطرافه].
أعاد هذا الحديث أيضاً لما ذكرنا من الوجهين. فإن قلت: ليس فيه التصريح بأن

٦٣
١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (٩)
السائل المذكور عن النبي عَّلِ إنما سأله وهو على المنبر يخطب يوم الجمعة؟ قلت: هذه
الأحاديث كلها في الأصل واحد، ويفسر بعضها بعضاً. قوله: ((فدعا فمطرنا)) وفي رواية
الأصيلي: ((فادع الله)) بدل ((فدعا))، أي: قال الرجل: ادع الله فدعا الرسول عَلَّهِ. قوله:
((هلكت المواشي)) أي: من قلة الماء والنبات ((وتقطعت السبل)) أيضاً من قلتهما أيضاً. وأما
الهلاك والتقطع ثانياً فمن كثرة الماء. قوله: ((فانجابت))، بالجيم وبالباء الموحدة أي:
انكشفت، وقد مر الكلام فيه.
وفيه: ما يدل على أن الرجل الثاني فيه هو الرجل الأول، لأن الضمير في قوله: ((ثم
جاء))، يرجع إلى قوله: ((جاء رجل))، فافهم، والله أعلم.
٩ - بابُ الدُّعَاءِ إِذَا تقَطَّعَتِ السُبُلُ مِنْ كَثْرَةِ المَطَرِ
أي: هذا باب في بيان الدعاء إذا انقطعت السبل لأجل كثرة المطر، وفي بعض
النسخ: إذا انقطعت.
١٠١٧/٥٩ - حدّثنا إسْمَاعِيلُ قال حدَّثني مالِكٌ عنْ شَرِيكِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ أبِي
غَمِيرٍ عنْ أَنَس بنِ مالِكِ قال جاءَ رَجُلٌ إِلَى رسُولِ اللهِ عَُّلَِّ فقال يا رسولَ اللهِ هَلَكَتِ
المَوَاشِي وَانْقَطَعَتِ السُّبْلُ فَادْعُ الله فدَعَا رسولُ الله عَ لِ فَمُطِرُوا مِنْ جُمُعَةٍ إِلَى جُمُعَةٍ فَجَاءَ
رَبُجُلٌ إلى رسولِ اللهِ عَّلِ فقال يا رسول الله تَهَدَّمَتِ البُيُوتُ وتَقَطَّعَتِ السُّبْلُ وَهَلَكَتِ
المَوَاشي فقال رسولُ اللهِ عَّهِ اللَّهُمَّ عَلَى رُؤُوسِ الجِبَالِ وَالْآَكَامِ وبُطُونِ الأَوْدِيَةِ ومَنَابِتِ
الشَّجَرِ فانْجَابَتْ عنِ المَدِينَةِ انْجِيَابَ الثَّوْبِ. [انظر الحديث ٩٣٢ وأطرافه].
أعاد هذا الحديث أيضاً لما ذكرنا، وإسماعيل بن أبي أويس ابن أخت مالك بن أنس.
وفيه: ما يدل على أن الرجل الثاني غير الرجل الأول، وهذا ظاهر. قوله: ((انجياب الثوب))
أي: كانجياب الثوب.
١٠ - بابُ ما قِيلَ إِنَّ النَّبِيَّ عَلَّهِ لَمْ يُحَوِّلْ رِدَاءَهُ فِي الاسْتِسْقَاءِ يَوْمَ الجُمُعَةِ
أي: هذا باب في بيان ما قيل: إن النبي عَّهِ ... إلى آخره. فإن قلت: خبر التحويل
صحيح، فكيف قال بقوله: باب ما قيل؟ قلت: لأن قوله في الحديث: ((ولم يذكر أنه حول
رداءه)) يحتمل أن يكون القائل به هو الراوي عن أنس، أو يكون من دونه، فلأجل هذا التردد
ذكر بهذه الصيغة.
١٠١٨/٦٠ - حدّثنا الحَسَنُ بنُ بِشْرٍ قال حدَّثنا مُعَافَى بنُ عِمْرَانَ عنِ الأوزَاعِيِّ
عنْ إِسْحَاقَ بنِ عَبْدِ اللهِ عنْ أَنَسٍ بنِ مالِكِ أنَّ رَجُلاً شكا إلَى النبيِّ عَ لَِّ هَلاَكَ المَالِ وجَهْدِ
العِيَالِ فَدَعَا الله يَسْتَسْقِي وَلَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ حَوَّلَ رِدَاءَهُ ولاَ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ. [انظر الحديث ٩٣٢
وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ولم يذكر أنه حول رداءه)). فإن قلت: كيف المطابقة

٦٤
١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (١١)
وليس في الحديث ذكر يوم الجمعة؟ قلت: هذا الحديث برواية إسحاق عن أنس مختصر من
حديث مطول يأتي ذكره بعد أبواب، إن شاء الله تعالى، وفيه ذكر يوم الجمعة على ما تقف
عليه، وشيخ البخاري: الحسن بن بشر، بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة: أبو
علي البجلي، بالباء الموحدة والجيم المفتوحتين: الكوفي، مات سنة إحدى وعشرين ومائة،
وهو من أفراد البخاري، والمعافى، بضم الميم وبالعين المهملة وفتح الفاء: وهو اسم مفعول
من المعافاة، ابن عمران أبو مسعود الموصلى، قال الثوري: هو ياقوتة العلماء، مات سنة
خمس وثمانين ومائة، والأوزاعي: هو عبد الرحمن بن عمرو، وإسحاق بن عبد الله بن أبي
طلحة واسمه: زيد بن سهل الأنصاري ابن أخي أنس بن مالك، يكنى أبا یحبى.
وأخرج البخاري هذا الحديث أيضاً في الاستئذان عن محمد بن مقاتل، وفي
الاستسقاء أيضاً عن إبراهيم بن المنذر. وأخرجه مسلم في الصلاة عن داود بن رشيد.
وأخرجه النسائي عن محمود بن خالد.
قوله: ((هلاك المال)) أي: من قلة الماء. قوله: ((وجهد العيال))، أي: من القحط،
والجهد، بفتح الجيم وضمها: الطاقة، لكن الرواية بالفتح، وقال الفراء، بالضم: الطاقة،
وبالفتح: المشقة. قوله: ((ولم يذكر)) أي: الراوي عن أنس، أو من دونه، كما قلنا، وقال
الكرماني: ولم يذكر - أي أنس - وفيه شيئان: أحدهما: عدم التحويل، والآخر: عدم استقبال
القبلة، وقال الكرماني: عدم التحويل والاستقبال متفق عليهما إذا كان الاستسقاء في غير
الصحراء، وإنما الخلاف فيها؟ قلت: عدم التحويل كيف يكون متفقاً عليه وفيه خلاف أبي
حنيفة، فإنه يحتج بهذا الحديث على عدم سنية التحويل مطلقاً، والله تعالى أعلم.
١١ - بابُ إذَا اسْتَشْفَعُوا إِلَى الإِمَامِ لِيَسْتَسْقِي لَهُمْ وَلَمْ يَرُدُّهُمْ
أي: هذا باب ترجمته: إذا استشفعوا ... إلى آخره، أي: إذا استشفع الناس أو القوم إلى
الإمام يستسقي لأجلهم، وقوله: يستسقي يجوز أن يكون من الأحوال المنتظرة، وفي بعض
النسخ: ليستسقي، بلام التعليل، والواو في ((ولم يردهم)) للعطف، ويصلح أن يكون للحال.
فإن قلت: قد ذكر في باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا، فما فائدة هذا الباب؟
قلت: ذلك لبيان ما على الناس أن يفعلوا إذا احتاجوا إلى الاستسقاء، وهذا الباب لبيان ما
على الإمام من إجابة سؤالهم.
١٠١٩/٦١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخْبَرَنا مالِكٌ عنْ شَرِيكِ بنِ عَبْدِ الله
بنِ أَبِي ثَمِرٍ عنْ أَنَسٍ بنِ مالِكِ أَنَّهُ قال جاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ عَلَّهِ فِقَالَ يا رسولَ الله
هَلَّكَتِ المَوَاشِي وتَقَطَّعَتِ السّبُلُ فادعُ اللهِ فَدَعَا الله فمُطِرْنَا مِنَ الجُمُعَةِ إلَى الجُمُعَةِ فَجَاءَ
رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ ظَلِ فِقالَ يا رسول الله تَهَدَّمَتِ البُيُوتُ وتَقَطَّعَتِ السّبْلُ وهَلَكَتِ المَواشِي
فقال رسولُ اللهِ عَِّ اللَّهُمَّ عَلَى ظُهُورِ الجِبَالِ والآَكَامِ وبُطُونِ الأوْدِيَةِ ومَنَابِتِ الشَّجَرِ
فانْجَابَتْ عنِ المَدِينَةِ انْجِيَابَ الثَّوْبِ. [أنظر الحديث ٩٣٢ وأطرافه].

٦٥
١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (١٢)
أعاد حديث شريك أيضاً لأجل هذه الترجمة، ولبيان مغايرة شيخه وشيخ شيخه. قوله:
((اللهم على ظهور الجبال)) أي: يا ألله أنزل المطر على ظهور الجبال. قوله: ((منابت
الشجر)) المنابت جمع منبت على وزن مفعل بكسر العين، قال الكرماني: كيف يمكن وقوع
المطر عليها؟ ثم أجاب: بأن المراد ما حولها أو ما يصلح أن يكون منبتاً.
وقال ابن بطال: فيه: دليل على أن للإمام إذا سئل الخروج إلى الاستسقاء أن يجيب
إليه لما فيه من الضراعة إلى الله تعالى، في إصلاح أحوال عباده، وكذا في كل ما فيه صلاح
الرعية أن يجيبهم إلى ذلك، لأن الإمام راع ومسؤول عن رعيته فيلزمه حياطتهم.
١٢ - بابٌّ إذَا اسْتَشْفَعَ المُشْرِكُونَ بِالمُسْلِمِينَ عِنْدَ القَخْطِ
أي: هذا باب ترجمته: إذا استشفع ... إلى آخره، ولم يذكر جواب: إذا، اكتفاء بما وقع
في الحديث، لأن فيه أن أبا سفيان استشفع بالنبي، عَّةٍ، وسأله أن يدعو الله ليرفع عنهم ما
ابتلاهم به من القحط، وأبو سفيان إذ ذاك كان كافراً. فإن قلت: ليس في الحديث التصريح
بدعاء النبي عٍَّ، ولم يعلم منه حكم الباب، فكيف الاكتفاء به؟ قلت: سيأتي هذا الحديث
في تفسير سورة ص بلفظ: ((فاستسقى لهم فسقوا))، والحديث واحد وأيضاً صرح بذلك في
زيادة أسباط على ما يأتي الآن، لا يقال كان استشفاعه عقيب دعاء النبي عَّ له عليهم، لأنا
نقول: هذا لا يضر بالمقصود، لأن المراد منه استشفاع الكافر بالمؤمن مطلقاً، وقد وجد في
الحديث ذلك على أنه لا فرق بين الوجهين، لأن فيه إظهار التضرع والخضوع منهم
ووقوعهم في الذلة، وفيه عزة للمؤمنين. وقال بعضهم: لا دلالة فيما وقع من النبي عَّهُ في
هذه القضية على مشروعية ذلك لغير النبي عَّه إذ الظاهر أن ذلك من خصائص النبي عَ ◌ّ
لاطلاعه على المصلحة في ذلك، بخلاف من بعده من الأئمة انتهى. قلت: لا دليل هنا على
الخصوصية، وهي تثبت بالاحتمال على أن ابن بطال قال: استشفاع المشركين بالمسلمين
جائز إذا رجى رجوعهم إلى الحق، وكانت هذه القضية بمكة قبل الهجرة.
١٠٢٠/٦٢ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ عنْ سُفْيَانَ. قال حدَّثنا مَنْصُورٌ وَالأعْمَشُ
عن أبي الضُّحَى عنْ مَسْرُوق قال أَتَيْتُ ابنَ مَسْعُودٍ فقال إِنَّ قُرَيْشاً أَبْطَؤُوا عنِ الإسْلاَمِ فَدَعَا
عَلَيْهِمُ النبيُّ عَلَِّ فَأَخَذَتْهُم سَنةٌ حَتَّى هَلَكُوا فِيهَا وَأَكَلُوا المَيْتَةَ وَالعِظَامَ فَجَاءَهُ أَبُو سُفْيَانَ
فقالَ يا مُحَمَّدُ جِئْتَ تَأْمُرُ بِصِلَةِ الرَّحِمِ وإِنَّ قَوْمَكَ هَلَكُوا فَادْعِ الله تعَالى فَقَرَأَ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ
ثُمَّ عادُوا إِلَى كُفْرِهِمْ فَذْلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠].
﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكَبْرَى﴾ [الدخان: ١٦]. يَوْمَ بَدْرٍ. [أنظر الحديث ١٠٠٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وقد سلف هذا الحديث في: باب دعاء النبي عَ ◌ّه: ((إجعلها
سنين كسني يوسف))، فإنه أخرج هناك: عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير عن منصور عن
أبي الضحى عن مسروق، وههنا أخرجه: عن محمد بن كثير العبدي البصري عن سفيان
الثوري عن منصور والأعمش، كلاهما عن أبي الضحى مسلم بن صبيح، وقد ذكرنا هناك
عمدة القاري / ج٧ / م٥

٦٦
١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (١٢)
جميع ما يتعلق به من الأشياء.
قوله: ((أتيت ابن مسعود)) أي: عبد الله بن مسعود. قوله: (أبطؤوا)) أي: تأخروا عن
الإسلام ولم يبادروا إليه. قوله: ((سنة))، بفتح السين. أي: جدب وقحط. قوله: ((فجاءه أبو
سفيان))، يعني: والد معاوية، واسم أبي سفيان صخر بن حرب الأموي، وكان مجيئه قبل
الهجرة، لقول ابن مسعود: ثم عادوا، فذلك قوله: ﴿يوم نبطش البطشة الكبرى﴾ [الدخان:
١٦]. ولم ينقل أن أبا سفيان قدم المدينة قبل بدر. قوله: ((جئت تأمر بصلة الرحم)) يعني:
الذين هلكوا بدعائك من ذوي رحمك، فينبغي أن تصل رحمهم بالدعاء لهم، ولم يقع دعاؤه
لهم بالتصريح في هذا السياق. قوله: ((﴿بدخان مبين .. ﴾)) [الدخان: ١٠]. الآية ليس في
رواية أبي ذر ذكر لفظ: الآية. قوله: ﴿يوم نبطش البطشة الكبرى﴾ [الدخان: ١٦]. زاد
الأصيلي، في روايته بقية الآية. قوله: ((ثم عادوا))، يعني: لما كشف الله تعالى عنهم عادوا
إلى كفرهم فابتلاهم الله بيوم البطشة، أي: يوم بدر.
قال وزَادَ أسْبَاطٌ عنْ مَنْصُورٍ فَدَعَا رسولُ الله عَ لَّهِ فَسُقُوا الغَيْثَ فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ سَبْعاً
وشَكَا النَّاسُ كَثْرَةَ المَطَرِ. فقالَ اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا فَانْحَدَرَتِ السَّحَابَةُ عنْ
رَأْسِهِ فَسُقُوا النَّاسَ حَوْلَهُمْ
هذا تعليق يعني: زاد أسباط عن منصور بإسناده المذكور قبله إلى ابن مسعود، وقد
وصله البيهقي من رواية علي بن ثابت عن أسباط بن نصر عن منصور عن أبي الضحى عن
مسروق ((عن ابن مسعود قال: لما رأى رسول الله عَ لَّم من الناس إدباراً ... )) فذكر نحو الذي
قبله، وزاد: ((فجاءه أبو سفيان وأناس من أهل مكة، فقالوا: يا محمد إنك تزعم أنك بعثت
رحمة، وأن قومك هلكوا فادع الله لهم، فدعا رسول الله عَ ليه فسقوا الغيث ... )) الحديث،
وأسباط، بفتح الهمزة وسكون السين المهملة بعدها الباء الموحدة وفي آخره طاء مهملة، قال
صاحب (التوضيح): أسباط هذا هو ابن محمد بن عبد الرحمن القاص أبو محمد القرشي
مولاهم الكوفي، ضعفه الكوفيون. وقال النسائي: ليس به بأس، ووثقه ابن معين، مات في
المحرم سنة مائتين قلت: ذكر في رواية البيهقي أنه أسباط بن نصر، وهو الصحيح، وهو
أسباط بن نصر الهمداني أبو يوسف، ويقال: أبو نصر الكوفي، وثقه ابن معين، وتوقف فيه
أحمد، وقال النسائي: ليس بالقوي، واعترض على البخاري بزيادة أسباط هذا، فقال الداودي:
أدخل قصة المدينة في قصة قريش وهو غلط، وقال أبو عبد الملك: الذي زاده أسباط وهم
واختلاط لأنه ركب سند عبد الله ابن مسعود على متن حديث أنس بن مالك، وهو قوله:
((فدعا رسول الله عَّ لم فسقوا الغيث ... )) إلى آخره، وكذا قال الحافظ شرف الدين الدمياطي،
وقال: وحديث عبد الله بن مسعود كان بمكة وليس فيه هذا، والعجب من البخاري كيف
أورد هذا وكان مخالفاً لما رواه الثقات، وقد ساعد بعضهم البخاري بقوله: لا مانع أن يقع
ذلك مرتين وفيه نظر لا يخفى، وقال الكرماني: فإن قلت: قصة قريش والتماس أبي سفيان
كانت في مكة لا في المدينة؟ قلت: القصة مكية إلّ القدر الذي زاد أسباط، فإنه وقع في

٦٧
١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (١٣)
المدينة. قوله: ((فسقوا))، بضم السين والقاف على صيغة المجهول، وأصله: سقيوا، استثقلت
الضمة على الياء بعد سلب حركة ما قبلها فصار: سقوا، على وزن فعوا. قوله: ((الغيث))،
منصوب لأنه مفعول ثان. قوله: ((فسقوا الناس حولهم)) الكلام في: سقوا، قد مر الآن، و:
الناس، منصوب على الاختصاص أي: أعني الناس الذين حول المدينة وأهلها، وفي رواية
البيهقي: ((فأسقى الناس حولهم))، وزاد بعد هذا: قال - يعني ابن مسعود - لقد مرت آية
الدخان.
١٣ - بابُ الدعاءِ إِذَا كَثُرَ المَطَرُّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا
أي: هذا باب في بيان الدعاء عند كثرة المطر بقوله: ((اللهم حوالينا ولا علينا)) هذا
إذا أضيف الباب إلى الدعاء، ويجوز قطع الإضافة، فحينئذ يكون الدعاء مرفوعاً بالابتداء.
وقوله: ((حوالينا)) خبره، ويكون التقدير: هذا باب ترجمته الدعاء إذا كثر المطر حوالينا، يعني
بلفظ: حوالينا. وقال الكرماني: يحتمل أن يكون الدعاء عاملاً في: حوالينا، وإن كان عمل
المصدر المعرف باللام قليلاً، لكن بشرط كون الدعاء مجروراً بإضافة الباب إليه، إذ لو كان
مبتدأ: و ((إذا كثر المطر)) خبره، لزم الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي، هو الخبر، وأن
يكون، حوالينا، بياناً للدعاء أو بدلاً.
١٠٢١/٦٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ أَبِي بَكْرٍ قال حدَّثنا مُعْتَمِرٌ عنْ عُبَيْدِ اللهِ عنْ ثَابِتٍ
عنْ أَنَسٍ قَال كانَ النبيُّ عَ لَّهِ يَخْطُبُ يَوْمَ جُمُعَةٍ فَقَامَ النَّاسُ فَصَاحُوا فَقَالُوا يا رَسُولَ الله
قَخَطَ المَطَرُ واحْمَرَّتِ الشَّجَرُ وهَلَكَتِ الْبَهَائِمُ فادعُ اللهَ يَسْقِينَا فقال اللَّهُمَّ اسْقِنَا مَرَّتَيْنِ وائحُ
اللهِ ما نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً مِنْ سَحَابٍ فَتَشَأتْ سَحَابَةٌ وَأَمْطَرَتْ ونَزَلَ عنِ المِثْبَرِ فَصلَّى فَلَمَّا
انْصَرَّفَ لَمْ تَزَلْ تُمْطِرُ إلى الجُمُعَةِ الَّتِي تَلِيهَا فَلَمَّا قَامَ النبيُّ عَُّلّه يَخْطُبُ صاحُوا إِلَيْهِ تَهَدَّمَتِ
البُيُوتُ وانْقَطَعَتِ السُّبْلُ فادعُ اللهِ يَخْبِسْهَا عَنَّا فَتَبَسَّمَ النّبِيُّ عَُّلَّهِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ
عَلَيْنَا فَكَشَطَتِ المَدِينَةُ فَجَعَلَتْ تُخْطِرُ حَوْلَهَا وَلاَ تُخْطِرُ بِالمَدِينَةِ قَطْرَةً فَنَظَرْتُ إلَى المَدِينَةِ وَإِنَّهَا
لَفِي مِثْلَ الإكْلِيلِ. [أنظر الحديث ٩٣٢ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وأعاد حديث أنس أيضاً من طريق ثابت عنه لأجل هذه
الترجمة، ولأجل مغايرة الرواة، وإنما وضع رواية ثابت هنا لقوله: ((وما تمطر بالمدينة قطرة))
لأن ذلك أبلغ في انكشاف المطر، وهذه اللفظة لم تقع إلاّ في هذه الرواية. قوله: ((احمرت
الشجر)) يعني: تغير لونها عن الخضرة إلى الحمرة من اليبس، وأنث الفعل باعتبار جنس
الشجر. قوله: ((وهلكت البهائم))، ويروى: ((المواشي))، وهي: الدواب والأنعام. قوله: ((مرتين))
ظرف للقول لا للسقي. قوله: ((وأيم الله))، الهمزة فيه همزة الوصل، وقد مر الكلام فيه فيما
مضى. قوله: ((قزعة من سحاب)) أي: قطعة منه. قوله: ((لم يزل المطر)) ويروى: ((لم تزل
تمطر))، قوله: ((تكشطت)) أي تكشفت يقال: كشطت الجل عن ظهر الفرس، والغطاء عن
الشيء: إذا كشفته عنه، وفي رواية كريمة: ((فكشطت))، على صيغة المجهول. قوله:

٦٨
١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (١٤)
((الإكليل))، بكسر الهمزة، وهو شيء مثل عصابة تزين بالجواهر، ويسمى التاج إكليلاً.
١٤ - بابُ الدُّعاءِ في الاسْتِشْقَاءِ قائِماً
أي: هذا باب في بيان الدعاء في الاستسقاء حال كونه قائماً في الخطبة وغيرها، لأنه
أقرب إلى الخشوع والتواضع، وقيل: ليراه الناس فيقتدوا به فيما صنع.
١٠٢٢ _ وقَالَ أَبُو نُعَيْمِ عنْ زُهَيْرٍ عنْ أَبِي إِسْحَاقَ خَرَجَ عَبْدُ اللهِ بنُ یَزِيدَ
الأَنْصَارِيُّ وخَرَجَ مَعَهُ البَرَاءُ بنُ عازِبٍ وَزَيْدُ بنُّ أَرْقَمَ رضي الله تعالى عنهم فاسْتَسْقَى فقامَ
بِهِمْ عَلَى رِجْلَيْهِ عَلَى غَيْرِ مِثْتَرٍ فاسْتَغْفَرَ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ يَجْهَرُ بِالقِرَاءَةِ وَلَمْ يُؤَذِّنْ وَلَمْ يُقِمْ.
قال أبُو إِسْحَاقَ وَرَأَى عَبْدُ اللهِ بنُ يَزِيدَ النبيَّ عَلِّ.
مطابقته للترجمة في قوله: ((فقام لهم على رجليه من غير منبر)).
ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: أبو نعيم، بضم النون: وهو الفضل بن دكين، وقد
تكرر ذكره. الثاني: زهير بن معاوية الكوفي. الثالث: أبو إسحاق السبيعي، واسمه: عمرو بن
عبد الله الكوفي. الرابع: عبد الله بن يزيد بن زيد بن حصين بن عمرو الأوسي الخطمي أبو
موسى، قال الذهبي: شهد الحديبية ومات قبل ابن الزبير. وقال أبو عمر: وشهد الحديبية وهو
ابن سبع عشرة سنة، وكان أميراً على الكوفة، وشهد مع علي، رضي الله تعالى عنه، صفين
والجمل والنهروان، وذكره ابن طاهر أيضاً في الصحابة الذين خرج لهم في (الصحيحين)،
وقال: كان صغيراً على عهد رسول الله، عَّه، وكان أميراً على الكوفة على عهد ابن الزبير.
قال الواقدي: مات في زمن ابن الزبير، رضي الله تعالى عنهما، وقال أبو عبيد الآجري: قلت
لأبي داود: عبد الله بن يزيد الخطمي له صحبة؟ قال: يقولون: له رؤية، سمعت يحيى بن
معين يقول، هذا، وقال أبو داود: سمعت مصعباً الزبيري يقول: ليس له صحبة.
ذكر لطائف إسناده: فيه: قال البخاري قال لنا أبو نعيم، قال الكرماني: والفرق بين
قال لنا، وحدثنا: أن القول يستعمل إذا سمع من شيخه في مقام المذاكرة والمحاورة،
والتحديث إذا سمع في مقام التحميل والنقل. قيل: ليس استعمال البخاري لذلك منحصراً
في المذاكرة، فإنه يستعمله فيما يكون ظاهره الوقف، وفيما يصلح للمتابعات. وفيه: العنعنة
في موضعين.
والحديث أخرجه مسلم أيضاً في المغازي عن محمد بن المثنى ومحمد بن بشار،
كلاهما عن محمد بن جعفر عن شعبة عن أبي إسحاق به في حديث لزيد بن أرقم.
ذكر معناه: قوله: ((خرج عبد الله بن يزيد)) يعني: خرج إلى الصحراء، وذلك لما كان
أميراً على الكوفة من جهة عبد الله بن الزبير في سنة أربع وستين قبل غلبة المختار بن أبي
عبيد عليها، ذكره ابن سعد وغيره. قوله: ((فقام))، أي: عبد الله بن يزيد. قوله: ((لهم))، ويروى
((بهم)، قوله: ((فاستغفر)) هذه رواية أبي الوقت، وفي رواية غيره: ((فاستسقى))، قوله: ((ثم
صلى ركعتين) ظاهره أنه أخر الصلاة عن الخطبة، وقد ذكرنا الخلاف فيه. قوله: ((يجهر))،

٦٩
١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (١٥)
في موضع النصب على الحال. قوله: ((ولم يؤذن ولم يقم))، قال ابن بطال: أجمعوا على أن
لا أذان ولا إقامة للاستسقاء. قوله: ((قال أبو إسحاق)) هو: أبو إسحاق المذكور في السند.
قوله: ((روى عبد الله بن يزيد عن النبي، عَّه) ويروى: ((ورأى عبد الله بن يزيد))، قال
الكرماني: وعلى تقدير الرواية إن أراد رواية ما صدر عنه من الصلاة والجهر فيهما وغيرهما
صار مرفوعاً، وإن أراد الرواية في الجملة فهو موقوف عليه. قلت: رأى عبد الله بن يزيد رواية
الأكثرين، ورواية الحموي وحده: وروى عبد الله، وقد أخرج يعقوب بن سفيان في (تاريخه)
هذا الحديث من رواية قبيصة عن الثوري: ((عن أبي إسحاق قال: بعث ابن الزبير إلى عبد الله
ابن يزيد الخطمي: أن استسق بالناس، فخرج وخرج الناس معه، وفيهم زيد بن أرقم والبراء بن
عازب))، وخالفه عبد الرزاق عن الثوري فقال فيه: ((ان ابن الزبير خرج يستسقي بالناس .. ))
الحديث. وقوله: ((إن ابن الزبير هو الذي فعل ذلك)) وهم، وإنما الذي فعله هو عبد الله بن يزيد
بأمر ابن الزبير، وفي (سنن الكجي) ما يدل على أن الذي صلى بهم ذلك اليوم هو زيد بن
أرقم.
١٠٢٣/٦٤ - حدثنا أبو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال حدَّثني عَبَّادُ بنُ
◌َمِيم أنَّ عَقَّهُ وكانَ مِنْ أصْحَابِ النبيِّ عَِّ أخبَرَهُ أنَّ النبيَّ عَ ◌ّهِ خَرَجَ بِالنَّاسِ يَشْتَسْقِي لَهُمْ
فقاَمَ فَدَعَا الله قائِماً ثُمَّ تَوَجَّهَ قِبَلَ القِبْلَةِ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ فَأَسْقُوا. [انظر الحديث ١٠٠٥
وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فقام فدعا الله قائماً))، وقد مضى هذا الحديث في: باب
تحويل الرداء في الاستسقاء، أخرجه هنا: عن أبي اليمان الحكم بن نافع الحمصي عن
شعيب بن أبي حمزة الحمصي عن محمد بن مسلم الزهري عن عباد بن تميم عن عمه عبد
الله بن زيد، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((قبل القبلة))، بكسر القاف وفتح الباء الموحدة أي:
جهة القبلة. قوله: ((فأسقوا))، بضم الهمزة والقاف على بناء المجهول، وأصله: أسقيوا،
استثقلت الضمة على الياء فنقلت إلى ما قبلها بعد حذف حركتها، فصار: أسقوا، على وزن:
افعوا. ويروى: ((فسقوا))، على بناء المجهول أيضاً وإعلاله مثل إعلال: أسقوا، لكن الأول من
المزيد وهو: الاستسقاء، والثاني من المجرد وهو: السقي.
١٥ - بابُ الجَهْرِ بِالقِرَاءَةِ فِي الاسْتِسْقَاءِ
أي: هذا باب في بيان الجهر بالقراءة في صلاة الاستسقاء.
١٠٢٤/٦٥ - حدّثنا أبُو نُعَيْمِ قال حدَّثنا ابنُ أبِي ذِئْبٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عَبَّادِ بنِ
تَمِيم عنْ عَمِّهِ قال خَرَجَ النَّبيُّ عَّ ◌ُلّه يَسْتَسْقِي فَتَوَجَّهَ إلَى القِبْلَةِ يَدْعُو وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ ثُمَّ صَلَّى
رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالقِرَاءَةِ. [انظر الحديث ١٠٠٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((يجهر فيهما بالقراءة))، وقد مضى هذا الحديث في: باب
تحويل الرداء في الاستسقاء، غير أن هنا زاد قوله: ((ويجهر فيهما بالقراءة)). قوله: ((يجهر))

٧٠
١٥ - کتابُ الاستسقاء / باب (١٦)
في محل النصب على الحال ورواية كريمة هكذا: ((يجهر)) بلفظ المضارع، ورواية الأصيلي
((جهر))، بلفظ الماضي.
وأبو نعيم الفضل بن دكين، وابن أبي ذئب هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب.
وفيه: الدلالة على أن الخطبة في الاستسقاء قبل الصلاة لأن: ثم، للترتيب وهو قول
عمر بن عبد العزيز والليث بن سعد، وروي ذلك عن عمر وابن الزبير والبراء بن عازب وزيد
ابن أرقم. وقال مالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد: الصلاة قبل الخطبة. وقال الطحاوي:
وفي حديث أبي هريرة أنه خطب بعد الصلاة، فوجدنا الجمعة فيها خطبة وهي قبل الصلاة،
ورأينا العيدين فيهما الخطبة وهي بعد الصلاة، وكذلك كان رسول الله، عَ ◌ّه، يفعل فينظر
في خطبة الاستسقاء بأي الخطبتين أشبه فنعطف حكمها على حكمها، فالجمعة فرض
وكذلك خطبتها، وخطبة العيد ليست كذلك، لأنها تجوز بغير الخطبة، وكذلك صلاة
الاستسقاء تجوز وإن لم يخطب، غير أنه إذا تركها أساء، فكانت بخطبة العيدين أشبه منها
بخطبة الجمعة، فدل ذلك أنها بعد الصلاة. ومن فوائد الحديث: الجهر بالقراءة في صلاة
الاستسقاء، وهو مما أجمع عليه الفقهاء، وقد مر غير مرة.
١٦ - بابٌ كَيْفَ حَوَّلَ النبيُّ عَّ ◌َلَّهِ ظَهْرَهُ إِلَى النَّاسِ
أي: هذا باب ترجمته كيف حول إلى آخره.
١٠٢٥/٦٦ - حدّثنا آدَمُ قال حدَّثنا ابنُ أَبِي ذِئْبٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عَبَّادِ بنِ تَمِيم
عِنْ عَمِّهِ قال رأيْتُ النبيَّ عَ لَّهِ يَوْمَ خرَجَ يَسْتَسْقِي قال فَحَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةُ
يَدْعُو ثُمَّ حَوَّلَ رِدَاءَهُ ثُمَّ صَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالقِرَاءَةِ. [انظر الحديث ١٠٠٥
وأطرافه].
أعاد حديث عبد الله بن زيد المذكور لأجل الترجمة المذكورة، ولأجل مغايرة شيوخه
واختلاف بعض المتن. فإن قلت: أين مطابقة الحديث للترجمة، لأنها في كيفية التحويل،
والحديث في وقوعه فقط؟ قلت: قال الكرماني: معناه حوله حال كونه داعياً. قلت: أشار
بهذا إلى أن الحال من الكيفيات، وقيل: كي، هنا استفهامية لأنه، لما كان التحويل المذكور
لم يتبين كونه من ناحية اليمين أو اليسار احتاج إلى الاستفهام. قلت: يمكن أن تؤخذ الكيفية
من حال النبي عَّه، فإنه كان يعجبه التيمن في شأنه كله، وكان المفهوم من: حول، وقوعه
ومن: حاله، كيفيته، وهو كونه من اليمين لأن المعهود منه التيمن في كل حاله، فافهم، وآدم
شيخه هو ابن أبي إياس، وابن أبي ذئب هو عبد الرحمن، وقد مر في الباب السابق، ومحل
التحويل بعد فراغ الموعظة وإرادة الدعاء.
١٧ - بابُ صَلاَةِ الاسْتِسْقَاءِ رَكْعَتَيْنِ
أي: هذا باب فى بيان صلاة الاستسقاء، وأراد به بيان كميتها، وأشار إليها بقوله:
((ركعتين)) على طريق عطف البيان، لأن لفظ: الاستسقاء، مجرور بالإضافة. وقيل: مجرور

٧١
١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (١٨)
على البدل، ولا يصح ذلك، لأن المبدل منه في حكم السقوط فيصير التقدير: باب صلاة
ركعتين، فليس بصحيح.
١٠٢٦/٦٧ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قال حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ أبِي بَكْرٍ
عنْ عَبَّادِ بنِ تَمِيمٍ عنْ عَمِّهِ أنَّ النبيَّ عَِّ اسْتَسْقَى فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَقَلَبَ رِدَاءَهُ. [أنظر
الحديث ١٠٠٥ وأطرافه].
أعاد الحديث المذكور في الباب الذي قبله لأجل وضع الترجمة، ولأجل مغايرة
شيوخه على ما لا يخفى، ومطابقته للترجمة ظاهرة.
قوله: ((عن عمه))، هو عبد الله بن زيد، وفي رواية أبي الوقت: ((عن عمه سمع النبي
عَُّله)). قوله: ((وقلب رداءه)) عطف على: ((فصلى ركعتين))، بالواو. وقوله: ((فصلى)) عطف
على: استسقى، بالفاء، فيه دليل على أن الصلاة وقلب الرداء وقعا معاً، ولكن يحتمل أن
يكون القلب قبل الصلاة، على ما في حديث الباب السابق، ويحتمل أن يكون بعد الصلاة،
لأن: الواو، لا تدل على الترتيب، بل لمطلق الجمع كما عرف في موضعه.
١٨ - بابُ الاسْتِشْقَاءِ فِي المُصَلَّى
أي: هذا باب في بيان الاستسقاء في المصلى الذي في الصحراء، وأشار به إلى أن
المستحب أن يصلي صلاة الاستسقاء في الجبانة. وقال بعضهم: هذه الترجمة أخص من
الترجمة المتقدمة أول الأبواب، وهي: باب الخروج إلى الاستسقاء، ووقع في هذا الباب تعيين
الخروج إلى المصلى، فناسب كل رواية ترجمتها، قلت: لا نسلم الأخصية بل كلاهما سواء،
لأن معنى الخروج إلى الاستسقاء هو الخروج إلى المصلى، لأن هذا القائل فسر قوله: ((خرج
يستسقي))، بقوله: ((أي: إلى المصلى)).
١٠٢٧/٦٨ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ أبِي
بَكْرٍ سَمِعَ عَبَّدَ بنِ تَمِيمٍ عنْ عَمِّهِ قال خَرَجَ النبيُّ عَّهِ إلى المُصَلَّى يَمْتَشْقِي وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ
فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَقَلَبَ رِدَاءَهُ. قال سُفْيَانُ فأخْبَرَني المَسْعُودِيُّ عنْ أَبِي بَكْرٍ قال جَعَلَ اليَمِينَ
عَلَى الشِّمَالِ. [أنظر الحديث ١٠٠٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وعبد الله بن محمد بن عبد الله أبو جعفر المعروف
بالمسندي، وهو من أفراد البخاري وسفيان هو ابن عيينة، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد
هو عمرو بن حزم.
قوله: ((يستسقي) من الأحوال المقدرة. قوله: ((واستقبل))، عطف على قوله: ((خرج)).
قوله: ((قال سفيان وأخبرني المسعودي))، هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله
ابن مسعود، مات سنة ستة ومائة. قوله: ((عن أبي بكر)) يعني: يروي عن أبي بكر والد عبد
الله المذكور فيه، قال الحافظ المزي: هذا معلق، وقال ابن القطان: لا يدري عمن أخذه
البخاري، ولهذا لا يعد أحد المسعودي في رجاله. وأجيب عن هذا بأن: الظاهر أنه أخذه عن

٧٢
١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (١٩)
شيخه عبد الله بن محمد، ولا يلزم من عدم عد المسعودي في رجاله أن لا يكون وصل هذا
الموضع عنه. قلت: فيه نظر لأن الظاهر ما قاله المزي، وإنما يصح الجواب المذكور أن لو
قال: وقال سفيان، بواو العطف، ليكون عطفاً على الإسناد الأول، وإنما قطعه عن الأول
بالفصل فلا يفهم منه الاتصال. وقال ابن بطال: حديث أبي بكر هذا يدل على تقديم الصلاة
على الخطبة، لأنه ذكر أنه صلى قبل قلب الرداء، وهو أضبط للقصة من ابنه عبد الله الذي
ذكر الخطبة قبل الصلاة. قلنا: لا نزاع في جواز الأمرين، وإنما النزاع في الأفضل. وقال ابن
بطال أيضاً: فيه دليل على أنه عَِّ كان يلبس الرداء على حسب لباس أهل الأندلس ومصر
وبغداد، وهو غير الاشتمال به، لأنه حول ما على يمينه على يساره، ولو كان لباسه اشتمالاً
لقيل: قلب أسفله أعلاه، أو: حل رداءه فقلبه.
١٩ - بابُ اسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ في الاسْتِسْقَاءِ
أي: هذا باب في بيان استقبال القبلة في الدعاء في الاستسقاء.
١٠٢٨/٦٩ - حدّثنا مُحَمَّدٌ قال أخبرنا عَبْدُ الوَهَّابِ قال حدَّثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ
قال أخبرني أبُو بَكْرٍ بنُ مُحَمَّدٍ أنَّ عَادَ بنَ تَمِيمٍ أَخْبَرَهُ أنَّ عَبْدَ اللهِ بنِ زَيْدِ الأنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ
أنَّ النبيَّ عَّهِ خرَجَ إلَى المُصَلَّى يُصَلِّي وَأَنَّهُ لَهَا دَعَا أَوْ أَرَادَ أنْ يَدْعُوَ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ وحَوَّلَ
رِدَاءَهُ. [أنظر الحديث ١٠٠٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((أو أراد أن يدعو استقبل القبلة)) وأعاد أيضاً حديث عبد
الله بن زيد لما ذكرنا من المعاني فيما قبل، قوله: ((محمد بن سلام)) كذا وقع في رواية أبي
ذر بنسبة محمد إلى أبيه، وفي رواية غيره: ((حدثنا محمد)) بذكره مجرداً عن النسبة، وعبد
الوهاب هو ابن عبد المجيد الثقفي. قوله: ((خرج إلى المصلى يدعو))، هذه رواية المستملي،
وفي رواية غيره: ((خرج إلى المصلى يصلي)). قوله: ((أو أراد أن يدعو))، شك من الراوي.
قيل: يحتمل أن يكون الشك من يحيى بن سعيد، فقد رواه السراج من طريق يحيى بن أيوب
عنه بالشك أيضاً، ورواه مسلم من رواية سليمان بن بلال فلم يشك. وقال ابن بطال: سنة من
خطب الناس معلماً لهم وواعظاً لهم أن يستقبلهم، لكن عند دعاء الاستسقاء يسقبل القبلة لأن
الدعاء مستقبل القبلة أفضل. وقال النووي: يلحق بالدعاء الوضوء والغسل والأذكار والقراءة
وسائر الطاعات، إلاّ ما خرج بالدليل كالخطبة.
قال أبُو عَبْدِ اللهِ: ابنُ زَيِدِ لهُذا مازِنِيَّ والأُوَّلُ كُوفِيُّ هُوَ ابنُ يَزِيدَ
أبو عبد الله هو البخاري نفسه أشار بقوله، هذا إلى عبد الله بن زيد الأنصاري، هو عم
عباد من مازن، وإليه أشار بقوله: ((مازني)، وقد استقصينا الكلام فيه في: باب تحويل الرداء
في الاستسقاء. قوله: ((قال أبو عبد الله ... )) إلى آخره في رواية الكشميهني وحده، وليس في
رواية غيره. قيل: كان اللائق أن يذكر هذا في: باب الدعاء في الاستسقاء قائماً، لأن كليهما
مذكوران فيه، وكان الأولى بيان تغايرهما هناك، وليس ههنا ذكر عبد الله بن يزيد.

٧٣
١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (٢٠)
٢٠ - بابُ رَفْعِ النَّاسِ أَيْدِيهُمْ مَعَ الإِمَامِ في الاسْتِسْقَاءِ
أي: هذا باب في بيان أن الناس يرفعون أيديهم عند رفع الإمام يديه، وكأنه أراد به الرد
على من زعم أنه يكتفى بدعاء الإمام.
١٠٢٩ - وقالَ أيوبُ بنُ سُلَيْمَانَ حدَّثني أَبُو بَكْرٍ بنُ أبِي أُوَيْسٍ عنْ سُلَيْمَانَ بنِ
هِلاَلٍ. قال يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ سَمِعْتُ أَنَسَ بنَ مالِكِ قال أتَى رَجُلٌ أَعْرَابِيُّ مِنْ أَهْلِ البَدْوِ إلَى
رسولِ الله عَ لَّه يَوْمَ الجُمُعَةِ فقال يا رسولَ الله هَلَكَتِ المَاشِيَةُ هَلَكَ العِيَّالُ هَلَكَ النَّاسُ فَرَفَعَ
رسولُ الله عَ لَّه يَدَيْهِ يَدْعُو ورَفَعَ النَّاسَ أَيْدِيهُمْ مَعَهُ يَدْعُونَ. قال فمَا خَرَجْنَا مِنَ المَسْجِدِ
حَتَّى مُطِرْنا فَمَا زِلْنَا نُمْطَرُ حَتى كانَتِ الجُمُعَةُ الأُخْرَى فَأَتَى الرَّجُلُ إِلَى نِبِيِّ اللهِ عَُِّّ فَقالَ يا
رَسُولَ اللهِ بَشِقَ المُسَافِرُ ومُنِعَ الطَّرِيقُ بَشِقَ أَيْ مَلَّ. [أنظر الحديث ٩٣٢ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، هذا تعليق ذكره البخاري عن شيخه أيوب بن سليمان بن
هلال، ووصله أبو نعيم الحافظ، قال: حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد حدثنا موسى بن
العباس وإسحاق الحربي، قالا: حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي حدثنا أيوب بن سليمان
حدثنا أبو بكر، فذكره، وقال: ذكره البخاري، فقال: وقال أيوب بن سليمان بلا رواية، وقال
الإسماعيلي: أخبرنا موسى بن العباس حدثنا أبو إسماعيل حدثنا أيوب بن سليمان، وعنده:
((حبس المسافر وانقطع الطريق))، وقال البيهقي: أخبرنا أبو القاسم عبد الخالق المؤذن أخبرنا
أبو بكر محمد بن أحمد بن خنب البخاري أخبرنا أبو إسماعيل الترمذي حدثنا أيوب بن
سليمان وفيه: ((فأتى الرجل إلى رسول الله عَّلَّةٍ فقال: يا رسول الله بشق المسافر ومنع
الطريق)) الحديث.
قوله: ((أبو بكر بن أبي أويس)) هو: أبو بكر عبد الحميد بن عبد الله بن عبد الله بن
أبي أويس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني، وهو أخو إسماعيل بن أبي أويس. قوله: ((عن
سليمان)) هو أبو أيوب المذكور، ويحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري، وأبو سعيد المدني
القاضي. قوله: ((يدعو)) من الأحوال المقدرة، وكذلك قوله: ((يدعون)). قوله: ((مطرنا))، بضم
الميم على صيغة المجهول. قوله: ((فأتى الرجل)) أي: المذكور، إذ اللام في مثله للعهد عن
النكرة السابقة. قال الكرماني فإن قلت: قد مر أن أنساً قال: ((لا أدري أهو الرجل الأول أو
غيره))؟ قلت: لا منافاة، إذ ربما نسي ثم تذكر، أو كان ذاكراً ثم نسي. قوله: ((بشق
المسافر))، بفتح الباء الموحدة وكسر الشين المعجمة وفي آخره قاف. وفسره البخاري بقوله:
((بشق: أي مل)). وقال الخطابي: بشق ليس بشيء، إنما هو: لثق المسافر، من: اللثق، بالثاء
المثلثة: وهو الوحل. يقال: لثق الثوب إذا أصابه ندى المطر ولطخ الطين، ويحتمل أن يكون:
مشق، بالميم، فحسبه السامع: بشق، لتقارب مخرجي الباء والميم، يريد: أن الطرق صارت
مزلة زلقاً، ومنه: مشق الخط. وقال ابن بطال: وذكر الرواة في هذا الحديث: بشق المسافر،
بالباء الموحدة، ولم أجد له في اللغة معنىّ، ووجدت في (نوادر اللحياني): نشق، بالنون
وكسر الشين، بمعنى: نشب. وعلى هذا يصح المعنى في قوله: ((ومنع الطريق)). قال صاحب

٧٤
١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (٢١)
(التلويح): وفيه نظر لما ذكره أبو محمد في (الكتاب الواعي) في الحديث: ((بشق
المسافر))، ورواه المستملي في (صحيح البخاري): كذا، يعني بالباء الموحدة، ومعنى:
بشق: مل. قال: وفي (المنضد) لكراع: بشق: تأخر ولم يتقدم. قال: فمعنى ((بشق
المسافر)): ضعف عن السفر وعجز منه لكثرة المطر، كضعف الباشق وعجزه عن التصيد لأنه
ينفر الصيد ولا يصيد. وقال صاحب (المجمل): بشق الظبي في الحبالة: علق، ورجل بشق
يقع في الأمر لا يكاد يتخلص منه.
قالوا: رفع اليد مستحب في الاستسقاء لأنه خضوع وتضرع إلى الله تعالى، روي أن
النبي عَ ◌ِّ قال: ((إن الله حيي يستحيي إذا رفع العبد إليه يديه أن يردهما صفراً). وكان
مالك يرى رفع اليدين في الاستسقاء وبطونهما إلى الأرض، وذلك العمل عند الاستكانة
والخوف وهو الرهب. وأما عند الرغبة والسؤال فبسط الأيدي وهو الرغب، وهو معنى قوله
تعالى: ﴿ويدعوننا رغباً ورهباً) [الأنبياء: ٩٠]. وقال النووي: قال جماعة من أصحابنا
وغيرهم: السنة في كل دعاء لدفع بلاء كالقحط أن يرفع يديه ويجعل ظهر كفيه إلى السماء،
فإذا دعا لسؤال شيء وتحصيله جعل بطون كفيه إلى السماء.
١٠٣٠ - وقالَ الأُوَيْسِيُّ حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ يَحيى بنِ سَعِيدٍ وَشَرِيكِ
سَمِعَا أَنَساً عنِ النَّبِيِّ عَّهِ أَنَّهُ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ.
الأويسي، بضم الهمزة وفتح الواو وسكون الياء آخر الحروف وبالسين المهملة: هو
عبد العزيز بن عبد الله، وقد تقدم. ومحمد بن جعفر بن أبي كثير المدني أخو إسماعيل، وقد
تقدم، وشريك بن عبد الله، وقد تقدم، وهذا التعليق هنا ثبت في رواية المستملي، وثبت
لأبي الوقت وكريمة في آخر الباب الذي بعده، وسقط بالكلية عند البقية، وهو مذكور عند
الجميع في كتاب الدعوات، ووصل أبو نعيم في (المستخرج) هذا التعليق، وسيأتي هناك، إن
شاء الله تعالى.
٢١ - بابُ رَفْعِ الإمَامِ يَدَهُ فِي الاسْتِسْقَاءِ
أي: هذا باب في بيان رفع الإمام يده، هذه الترجمة ثبتت في رواية الحموي
والمستملي، قيل: ذكر هذه الترجمة، - وإن كانت الترجمة التي قبلها تتضمنها - لفائدة
أخرى، وهي أنه عَِّ لم يفعل ذلك إلاّ في الاستسقاء. وقيل: الأولى: لبيان اتباع المأمومين
الإمام في رفع اليدين، والثانية: لإثبات رفع اليدين للإمام في الاستسقاء، قلت: الأولى:
تتضمن الثانية فلا وجه لهذا، وقيل: قد قصد بالثانية كيفية رفع الإمام يده لقوله: ((حتى يرى
بياض إبطيه)).
١٠٣١/٧٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قال حدَّثنا يَخْيى وابنُ أَبِي عَدِيٍ عنْ سَعِيدٍ
عَنْ قَتَادَةَ عنْ أَنَسِ بنِ مالِكِ قال كانَ النبيُّ عَّهِ لا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إلاّ فِي
الاسْتِسْقَاءِ وَإِنَّهُ يَرْفَعُ حَتَّى يُرَى بَياضُ إِبْطَيْهِ. [الحديث ١٠٣١ - طرفاه في: ٤٥٦٥،

٧٥
١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (٢٢)
٦٣٤١].
مطابقته للترجمة ظاهرة، ويحيى بن سعيد القطان، وابن أبي عدي هو محمد بن
إبراهيم، وأبو عدي كنية إبراهيم، وسعيد هو ابن أبي عروبة.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في صفة النبي عَّ له عن عبد الأعلى بن حماد.
وأخرجه مسلم في الاستسقاء عن أبي موسى وعن عبد الأعلى بن عبد الأعلى ويحيى بن
سعيد. وأخرجه النسائي فيه عن شعيب بن يوسف عن يحيى بن سعيد وعن حميد بن مسعدة،
وأخرجه ابن ماجه فيه عن نصر بن علي به.
قوله: ((إبطيه)) بسكون الباء، قال النووي: هذا الحديث ظاهره يوهم أنه لم يرفع عَ ◌ّ
يديه إلاّ في الاستسقاء، وليس الأمر كذلك، بل قد ثبت رفع يديه في الدعاء في مواطن غير
الاستسقاء، وهي أكثر من أن تحصى، فيتؤول هذا الحديث على أنه لم يرفع الرفع البليغ
بحيث يرى بياض إبطيه إلاّ في الاستسقاء، أو أن المراد: لم أره يرفع، وقد رآه غيره، فتقدم
رواية المثبتين فيه.
٢٢ - بابُ ما يُقَالُ إذَا مَطَرَتْ
أي: هذا باب في بيان ما يقال إذا أمطرت أي: االسماء، وفي بعض النسخ: إذا أمطرت
السماء، بإظهار الفاعل. وقال الكرماني: كلمة: ما، موصولة أو موصوفة أو استفهامية، وأخذه
بعضهم في شرحه ولم يبين واحد منهما حقيقة هذا الكلام، فنقول: إذا كانت موصولة يكون
التقدير: باب في بيان الذي يقال عند المطر، وأما إذا كانت موصوفة فيكون التقدير: باب في
بيان شيء يقال إذا مطرت، فيكون: ما، الذي بمعنى: شيء، قد اتصف بقوله: يقال إذا
مطرت، وذلك كما في قول الشاعر:
ربما تكره النفوس من الأمـ
ـرله فرجة كحل العقال
أي: رب شيء تكرهه النفوس. وأما الإستفهامية فيكون التقدير: باب في بيان أي شيء
يقال إذا مطرت. قوله: ((مطرت))، بلا ألف من الثلاثي المجرد، رواية أبي ذر، وعند البقية:
((إذا أمطرت)) بالألف من الثلاثي المزيد فيه، يقال: مطرت السماء تمطر، ومطرتهم مطراً،
وأمطرتهم أصابتهم بالمطر، وأمطرهم الله في العذاب خاصة، ذكره ابن سيده، قال الفراء:
مطرت السماء تمطر مطراً ومطراً، فالمطر المصدر، والمطر الإسم، وناس يقولون: مطرت
السماء وأمطرت بمعنى.
وقالَ ابنُ عَبَّاسٍ كَصَيِّبِ المَطَرِ
أي: قال ابن عباس: الصيب المذكور في القرآن في قوله: ﴿أو كصيب من السماء﴾
[البقرة: ١٩]. المراد منه المطر، وإنما ذكر البخاري هذا لمناسبته لقوله عَّ له: ((صيباً نافعاً)).
وهذا تعليق وصله أبو جعفر الطبري، قال: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا أبو صالح حدثنا

٧٦
١٥ - كتاب الاستسقاء / باب (٢٢)
معاوية عن علي عن ابن عباس، قال: الصيب المطر، وعن قتادة ومجاهد وعطاء والربيع بن
أنس: الصيب المطر. وقال عبد الرحمن بن زيد ﴿أو كصيب من السماء﴾ [البقرة: ١٩].
قال: أو كغيث من السماء، وفي تفسير الضحاك: الصيب الرزق. وقال سفيان: الصيب الذي
فيه المطر.
وقال غَيْرُهُ صاب وأصابَ يَصُوبُ
أي: قال غير ابن عباس: صاب كأنه يشير به إلى أن اشتقاقه من الأجوف الواوي،
ولكن لا يقال: أصاب يصوب، وإنما يقال: صاب يصوب، وأصاب يصيب، وقال بعضهم:
لعله كان في الأصل: صاب وانصاب، كما حكاه صاحب (المحكم) فسقطت النون، قلت:
لا يزول بهذا الإشكال، بل زاد الإشكال إشكالاً لأنه لا يقال: انصاب یصوب، بل يقال:
انصاب ينصاب انصياباً، والظاهر أن النساخ قدموا لفظة: أصاب على لفظة: يصوب، وما كان
إلّ صاب يصوب وأصاب، وأشار به إلى الثلاثي المجرد والمزيد فيه. وقد قلنا: إنه أجوف
واوي، وأصل صاب صوب، قلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، ويصوب أصله يصوب
بسكون الصاد وضم الواو فاستثقلت الضمة على الواو فنقلت إلى ما قبلها فصار يصوب،
وأصل: صيب صيوب، اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء،
وأدغمت الياء في الياء: كسيد وميت، ويقال: مطر صيب وصيوب وصوب.
١٠٣٢/٧١ - حدّثنا مُحَمَّدٌ هُوَ ابنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ المَرُوزِيُّ قال أخبرنا عَبْدُ
الله قالَ أخبرنا عُبَيْدُ اللهِ عنْ نافِعِ عنِ القاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ عنْ عَائِشَةَ أنَّ رَسُولَ اللهِ عََّلِّ كانَ
إِذَا رَأَى المَطَرَ قالَ اللَّهُمَّ صَيِّاً نَافِعاً.
مطابقته للترجمة من حيث أن فيه ما يقال عند رؤية المطر.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: محمد بن مقاتل أبو الحسن المروزي، وقد مر ذكره.
الثاني: عبد الله هو ابن المبارك. الثالث: عبيد الله بن عمر العمري. الرابع: نافع مولى ابن
عمر. الخامس: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق. السادس: أم المؤمنين، عائشة،
رضي الله تعالى عنها.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه: الإخبار
كذلك في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن
شيخه من أفراده. وفيه: أنه بينه بقوله: هو ابن مقاتل، وفيه: عبد الله بالتكبير، وعبيد الله
بالتصغير. وفيه: أن نافعاً من جملة من روى عن عائشة. وفيه: نزل عنها. وفيه: عبيد الله من
جملة من سمع عن القاسم. وفيه: نزل عنه، مع أن معمراً قد رواه عن عبيد الله بن عمر عن
القاسم نفسه بإسقاط نافع من السند، أخرجه عبد الرزاق عنه. وفيه: أن شيخه وشيخ شيخه
رازيان، والثلاثة البقية مدنيون. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابية.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه النسائي في اليوم والليلة عن محمود بن خالد وعن

٧٧
١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (٢٢)
إبراهيم بن يعقوب وعن عبدة بن عبد الرحيم وعن عمرو بن علي. وأخرجه ابن ماجه في
الدعاء عن هشام بن عمار.
ذكر معناه: قوله: ((اللهم صيباً نافعاً)، كذا في رواية المستملي، وفي رواية ليست
لفظة: اللهم، وصيباً منصوب بفعل مقدر تقديره: يا ألله إجعل صيباً نافعاً. ونافعاً صفة صيباً.
وقال الكرماني: وفي بعض الروايات: ((صباً نافعاً) من الصب، أي: اصببه صباً نافعاً. واحترز
بقوله: ((نافعاً)) عن الصيب الضار، وقال ابن قرقول: ضبطه القابسي: صيبا، بالتخفيف، وفي
رواية أبي داود: كان النبي عَّهِ إذا رأى ناشئاً في أفق السماء ترك العمل، وإن كان في
صلاة، ثم يقول: اللهم إني أعوذ بك من شرها، فإن مطرنا قال: اللهم صيباً هنيئاً). وعند
النسائي: ((كان إذا مطروا قال: اللهم إجعله سيباً نافعاً). وعند ابن ماجه: ((إذا رأى سحاباً مقبلاً
من أفق من الآفاق ترك ما هو فيه، وإن كان في صلاة، حتى يستقبله فيقول: اللهم إنا نعوذ
بك من شر ما أرسل به، فإن أمطر، قال: اللهم سيباً نافعاً، مرتين أو ثلاثاً، وإن كشفه الله
تعالى ولم يمطروا حمد الله على ذلك)). وقال الخطابي: السيب العطاء، والسيب: مجرى
الماء، والجمع: سيوب، وقد ساب يسوب: إذا جرى.
تابَعَهُ القاسِمُ بنُ يَحْتِى عِنْ عُبَيْدِ الله وَرَوَاهُ الأَوْزَاعِيُّ وَعُقَيْلٌ عَنْ نَافِعٍ
القاسم بن يحيى بن عطاء بن مقدم أبو محمد الهلالي الواسطي، مات سنة سبع وتسعين
ومائة، وهو من أفراد البخاري وعبيد الله هو ابن عمر المذكور، وقال صاحب (التلويح): هذه
المتابعة ذكرها الدارقطني في (الغرائب) عن المحاملي: حدثنا حفص بن عمر أخبرنا يحيى عن
عبيد الله، ولفظه: ((صيباً هنيئاً). انتهى. قلت: لم يظهر لي وجه هذه المتابعة.
قوله: ((ورواه الأوزاعي)) أي: روى الحديث المذكور عبد الرحمن بن عمر والأوزاعي
عن نافع، وأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة عن محمود بن خالد عن الوليد بن مسلم
عن الأوزاعي عن نافع، ولفظه: ((هنيئا)، بدل ((نافعاً)). فإن قلت: الوليد مدلِّس. قلت: روى في
(الغيلانيات) من طريق دحيم عن الوليد وشعيب بن إسحاق قالا: حدثنا الأوزاعي حدثني
نافع، وأمن بهذا عن تدليس الوليد، واستبعد صحة سماع الأوزاعي من نافع، خلافاً لمن نفاه.
قوله: ((وعقيل))، بالرفع عطف على الأوزاعي، أي: ورواه أيضاً عقيل بن خالد عن نافع،
وذكره الدارقطني، وذكر فيه اختلافاً كثيراً، فمرة ذكر رواية الأوزاعي عن نافع، ومرة عن
رجل عنه، ومرة عن محمد بن الوليد عن نافع، وذكره مرة عن عقيل عن نافع. وقال
الكرماني: فإن قلت: لم قال أولاً: تابعه، وثانياً رواه: وما فائدة تغيير الأسلوب؟ قلت: إما
لإرادة التعميم، لأن الرواية أعم من أن تكون على سبيل المتابعة، أم لا، وإما لأنهما لم يرويا
عن نافع بواسطة عبيد الله، بخلاف القاسم، فلا يصح عطفهما عليه، والله المتعال سبحانه هو
يعلم بحقيقة الحال.

٧٨
١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (٢٣)
٢٣ - بابُ مَنْ تَطّرَ فِي المَطَرِ حَتَّى يَتَحَادَرَ عَلَى لِحْيَتِهِ
أي: هذا باب في بيان من تمطّر .. إلى آخره. قوله: ((تمطّر)) بتشديد الطاء على وزن:
تفعل، وباب: تفعل يأتي لمعان: للتكلف، كتشجع لأن معناه: كلف نفسه الشجاعة، و:
للاتخاذ، نحو: توسدت التراب أي: اتخذته وسادة، و: للتجنب نحو: تأثم أي جانب الإثم، و:
للعمل، يعني فيدل على أن أصل الفعل حصل مرة بعد مرة، نحو: تجرعته أي شربته جرعة بعد
جرعة. وقال بعضهم: أليق المعاني هنا أنه بمعنى: مواصلة العمل في مهلة نحو، تفكر. ولعله
أشار إلى ما أخرجه مسلم من طريق جعفر بن سليمان عن ثابت ((عن أنس قال: حسر رسول الله
عَّلَِّ ثوبه حتى أصابه المطر)). وقال لأنه حديث عهد بربه، قال العلماء: معناه قريب العهد
بتكوين ربه، فكأن المصنف أراد أن يبين أن تحادر المطر على لحيته عَّةٍ: لم يكن اتفاقاً، وإنما
كان قصداً فلذلك ترجم بقوله: ((من تمطر))، أي: قصد نزول المطر عليه، لأنه لو لم يكن
باختياره لنزل عن المنبر أول ما وكف السقف، لكنه تمادى في خطبته حتى كثر نزوله بحيث
تحادر على لحيته. انتهى. قلت: الذي ذكره أهل الصرف في معاني: تفعل، هو الذي
ذكرناه، والذي ذكره هذا القائل يقرب من المعنى الرابع، ولكن لا يدل على هذا شيء مما
في حديث الباب، وقوله: ولعله أشار إلى أن ما أخرجه مسلم، لا يساعده، لأن حديث مسلم لا
يدل على مواصلة العمل في مهلة، وإنما الذي يدل هو أنه عَّ لِ كشف ثوبه ليصيبه المطر، لما
ذكره من المعنى، وهذا لا يدل على أنه واصل ذلك وتمادى فيه حتى يطلق عليه أنه تمطّر،
وقصد هذا المعنى في الحديث غير صحيح، ولا وضع الترجمة المذكورة على هذا المعنى.
وقوله: (تحادر المطر على لحيته عَ لَّه) لم يكن اتفاقاً. وإنما كان قصداً غير مسلم
من وجهين: أحدهما: أن الذي تحادر على لحيته عَ لّه لم يكن إلاّ من الماء النازل من وكف
السقف، وإن كان هو من المطر في الأصل، ولم يكن في المطر الذي أصاب ثوبه عَِّ في
حديث مسلم حاجز بينه وبين الموضع الذي وصل إليه، والآخر: أن قوله: إنما كان قصداً،
دعوى بلا برهان، وليس في الحديث ما يدل على ذلك، واستدلاله على ما ادعاه بقوله: لأنه
لو لم يكن باختياره لنزل عن المنبر .. إلى آخره، لا يساعده، لأن لقائل أن يقول: عدم نزوله
من المنبر إنما كان لئلا تنقطع الخطبة.
١٠٣٣/٧٢ - حدَّثْنا مُحَمَّدُ بنُ مُقَاتِلٍ قال أخبرنا عَبْدُ اللهِ قال أخبرنا الأوْزَاعِيّ
قال حدَّثنا إِسْحَاقُ بنُ عَبْدِ الله بنِ أبِي طَلْحَةَ الأنْصارِيُّ قال حدَّثني أنَسُ بَنُ مالِكِ قال
أصابَتِ النَّاسَ سنَةٌ عَلَى عَهْدِ رسولِ اللهِ عَُّلِّ فَبَيْنَا رسولُ اللهِ يَخْطُبُ عَلَى المِنْبَرِ يَوْمَ
الجُمُعَةِ قامَ أعْرَابِيُّ فقالَ يا رسُولَ اللهِ هَلَكَ المَالُ وجَاعَ العِيَالُ فادْعُ اللَّه لَنَا أَنْ يَسْقِيَنَا قالَ
فَرَفَعَ رسولُ اللهِ عَ لِّ يَدَيْهِ ومَا فِي السَّمَاءِ قَزَعَةٌ قال فِثَارَ سَحَابٌ أَمْثَالَ الجِبَالِ ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ
عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأيْتُ المَطَرَ يتَجَادَرْ عَلَى لِحْيَتِهِ قال فَمُطِرْنَا يَوْمَنا ذُلِكَ وَفِي الغَدِ ومِنْ بَعْدٍ
الغَدِ وَالَّذِي يَلِيهِ إِلَى الجُمُعَةُ الأَخْرَى فَقَامَ ذُلِكَ الأعْرَابِيُّ أَوْ رَجُلٌ غَيْرُهُ فَقَالَ يا رَسُولَ اللهِ
تَهَدَّمَ البِنَاءُ وَغَرِقَ المَالُ فادعُ اللهِ لَنَا فَرَفَعَ رسولُ اللهِ عَ لِّ يَدَيْهِ وقال اللَّهُمَّ حَوَالْنَا ولاَ

٧٩
١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (٢٤)
عَلَيْنَا. قال فَمَا جَعَلَ يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى ناحِيَةٍ مِنَ السَّمَاءِ إلَّ تَفَرَّجَتْ حَتَّى صارَتِ المَدِينَةُ فِي
مِثْلِ الجَوْبَةِ حَتَّى سَالَ الوَادِي وَادِي قَنَاةَ شَهْراً قال فَلَمْ يَجِيءٍ أَحَدٌ مِنْ ناحيَةٍ إلاّ حدَّثَ
بِالجُودِ. [أنظر الحديث ٩٣٢ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته))، ولكنها غير
ظاهرة لأن هذا الكلام لا يدل على التمطر الذي هو من التفعل الدال على التكلف، وقد مر
هذا الحديث في كتاب الجمعة وكتاب الاستسقاء مطولاً ومختصراً برواة مختلفة ومتون
متغايرة بزيادة ونقصان، وقد استقصينا الكلام في تفسيره بجميع ما يتعلق به. قوله: ((بالجود))،
بفتح الجيم وسكون الواو: المطر الكثير.
٢٤ - بابٌ إذا هَبَّتِ الرِّيحُ
أي: هذا باب ترجمته إذا هبت الريح، وجواب: إذا، مقدر تقديره: إذا هبت الريح ما
يصنع من قول أو فعل، ووجه دخول هذا الباب في أبواب الاستسقاء أن المراد من الاستسقاء
نزول المطر، والريح في الغالب يأتي به، لأن الرياح على أقسام، منها الريح الذي يسوق
السحب الممطرة.
١٠٣٤/٧٣ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ قال أُخْبَرَنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ قَالَ أخبرني
محُمَيْدٌ أَنَّهُ سَمِعَ أنَساً يَقُولُ كانَتِ الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ إذَا هَبَّتْ عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِ النبيِّ.
مطابقته للترجمة ظاهرة. ورجاله قد ذكروا غير مرة.
قوله: ((عرف ذلك)) أي: هبوبها، أي: أثره، يعني: تغير وجهه، وظهر فيه علامة
الخوف. والحاصل أنه أطلق السبب وأراد المسبب، إذ الهبوب سبب الخوف من أن يكون
عذاباً سلطه الله على أمته. قيل: كان النبي عَِّ يخشى أن تصيبهم عقوبة ذنوب العامة كما
أصاب الذين قالوا: ﴿هذا عارض ممطرنا﴾ [الأحقاف: ٢٤]. وروى أبو يعلى بإسناد صحيح
عن قتادة: ((عن أنس: أن النبي عٍَّ كان إذا هاجت ريح شديدة، قال: اللهم إني أسألك من
خير ما أمرت به وأعوذ بك من شر ما أمرت به)). وهذه زيادة على رواية حميد يجب قبولها
لثقة رواتها، وفي الباب عن أبي هريرة وابن عباس وعائشة وأبي بن كعب، رضي الله تعالى
عنهم. أما حديث أبي هريرة فرواه أبو داود في (سننه) أنه قال: ((سمعت رسول الله عَ ليه
يقول: الريح من روح الله، قال سلمة: فروح الله عز وجل تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب، فإذا
رأيتموها فلا تسبوها، وسلوا الله خيرها واستعيذوا بالله من شرها)). وأما حديث ابن عباس فرواه
الطبراني قال: ((كان رسول الله عَّ إذا هاجت ريح استقبلها بوجهه وجثى على ركبتيه،
وقال: اللهم إني أسألك من خير هذه وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما
أرسلت به، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعله عذاباً، اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً)). وأما
حديث عائشة فرواه مسلم أنها قالت: ((كان النبي عَّ إذا عصفت الريح قال: اللهم إني
أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما

٨٠
١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (٢٥)
أرسلت به. قالت: فإذا تخيلت السماء تغير لونه، وخرج وأقبل وأدبر، فإذا مطرت سري عنه،
فعرفت ذلك عائشة، فسألته فقال: لعله يا عائشة كما قال قوم عاد: ﴿فلما رأوه عارضا
مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا﴾ [الأحقاف: ٢٤]. وأما حديث أبي بن كعب،
رضي الله تعالى عنه، فرواه. وأما حديث عثمان بن العاص فرواه الطبراني، قال: ((كان رسول
الله عَ لِّ إذا اشتدت الريح الشمال، قال: اللهم إني أعوذ بك من شر ما أرسلت به)).
ومن فوائد حديث الباب: الاستعداد بالمراقبة لله عز وجل والالتجاء إليه عند اختلاف
الأحوال وحدوث ما يخاف بسببه، والله أعلم بحقيقة الحال.
٢٥ - بابُ قَوْلِ النبيِّ عَلَّهِ نُصِرْتُ بِالصبا
أي: هذا باب قول النبي عَّ له: نصرت بالصبا، وذكر أبو حنيفة في (كتاب الأنواء) أن
خالد بن صفوان قال: الرياح أربع: الصبا: ومهبها فيما بين مطلع الشرطين إلى القطب، ومهب
الشمال، فيما بين القطب إلى مسقط الشرطين، وما بين مسقط الشرطين إلى القطب الأسفل
مهب الدبور، وما بين القطب الأسفل إلى مطلع الشرطين مهب الجنوب. وحكي عن جعفر
ابن سعد بن سمرة أنه قال: الرياح ست: القبول: وهي الصبا، مخرجها ما بين المشرقين وما
بين المغربين. الدبور: وزاد: النكباء، ومحوة. وقال الجوهري: الصبا: ريح مهبها المستوي
موضع مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار، والدبور: الريح الذي يقابل الصبا، ويقال: الصبا
مقصورة الريح الشرقية، والدبور بفتح الدال: الريح الغربية، ويقال: الصبا التي تجيء من
ظهرك إذا استقبلت القبلة، والدبور التي تجيء من قبل وجهك إذا استقبلتها. وعن ابن
الأعرابي أنه قال: مهب الصبا من مطلع الثريا إلى بنات نعش، ومهب الدبور من مسقط النسر
الطائر إلى سهيل، والصبا ريح البرد، والدبور ريح الصيف، وعن أبي عبيدة: الصبا للإلذاذ
والدبور للبلاء، وأهونه أن يكون غباراً عاصفاً يقذي الأعين وهي أقلهن هبوباً، وفي التفسير:
ريح الصبا هي التي حملت ريح يوسف، عليه الصلاة والسلام، قبل البشير إليه فإليها يستريح
كل محزون، والدبور: هي الريح العقيم، يقال: صبا وصبيان وصبوات وأصباء، وكتابتها
بالألف لقولهم: صبت الريح تصبو صباً: إذا هبت. وقال أبو علي: الصبا والدبور يكونان إسماً
وصفة، والدبور يجمع على: دبر وإدبار ودبائر، ويجمع: قبول، على: قبائل. يقال: قبلت الريح
تقبل قبولاً، ودبرت تدبر دبوراً، ويقال: أقبلنا من القبول، وأصبينا من الصبا، وأدبرنا من الدبور،
فنحن مصبون ومدبرون، فإذا أردت أنها أصابتنا قلت: قبلنا فنحن مقبولون، وصبينا فنحن
مصبون، ومصبیون، ودبرنا فنحن مدبرون.
١٠٣٥/٧٤ - حدّثنا مُسْلِمٌ قالِ حدَّثنا شُعْبَة عنِ الحَكَمِ عَنْ مُجَاهِدٍ عنِ ابنِ
عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ عَّهِ قال نُصِرْتُ بِالصبّا وَأَهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ. [الحَديث ١٠٣٥ - أطرافه
في: ٣٢٠٥، ٣٣٤٣، ٤١٠٥].
مطابقته للترجمة ظاهرة. ورجاله قد ذكروا غير مرة، ومسلم هو ابن إبراهيم، والحكم
: