النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
١٢ - كتاب الخوف / باب (٥)
قريظة ليس فيه حجة، لأنه قبل نزول صلاة الخوف قال: وقيل: إنما صلى شرحبيل على ظهر
الدابة لأنه طمع في فتح الحصن، فصلى إيماءً ثم فتحه. وقال ابن بطال: وأما استدلال الوليد
بقصة بني قريظة على صلاة الطالب راكباً، فلو وجد في بعض طرق الحديث أن الذين صلوا
في الطريق صلوا ركباناً لكان بيناً، ولما لم يوجد ذلك احتمل أن يقال: إنه يستدل بأنه كما
ساغ للذين صلوا في بني قريظة مع ترك الوقت، وهو فرض، كذلك ساغ للطالب أن يصلي
في الوقت راكباً بالإيماء، ويكون تركه للركوع والسجود كترك الوقت ويقال: لا حجة في
حديث بني قريظة لأن النبي عَّه إنما أراد سرعة سيرهم، ولم يجعل لهم بني قريظة موضعاً
للصلاة، ومذاهب الفقهاء في هذا الباب، فعند أبي حنيفة: إذا كان الرجل مطلوباً فلا بأس
بصلاته سائراً، وإن كان طالباً فلا. وقال مالك وجماعة من أصحابه: هما سواء، كل واحد
منهما يصلي على دابته. وقال الأوزاعي والشافعي في آخرين كقول أبي حنيفة، وهو قول
عطاء والحسن والثوري وأحمد وأبي ثور وعن الشافعي: إن خاف الطالب فوت المطلوب أوما
وإلاّ فلا.
٩٤٦/٦٩ - حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ بنِ أسْمَاءَ قالِ حدَّثنا جوَيْرِيةُ عنْ نَافَعِ عنِ ابنِ عُمَّرَ
قال قال النبي عَِّ لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأخزَابِ لاَ يُصَلِّيَنَّ أحَدٌ العَضْرَ إلاّ فِيْ بَنِي قُرَيْظَةَ
فأدركَ بَعْضُهمُ العَصْرُ فِي الطَّرِيقِ فقال بَعْضُهُمُ لا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيهَا. وقال بَعْضُهُمُ بَلْ
نُصَلِّي لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذُلِكَ فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ عَ لِّ فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِداً مِنْهُمْ. [الحديث ٩٤٦ - طرفه
في: ٤١١٩].
مطابقته للترجمة من حيث إنه يدل على أن المطلوب إذا صلى في الوقت بالإيماء جاز،
كما أن الذين صلوا في بني قريظة مع ترك الوقت جاز لهم ذلك، ولهذا لم يعنفهم النبي
عَِّ، فعلى هذا فالجواز في المطلوب أقوى. فإن قلت: فيه ترك الركوع والسجود، وهما
فرضان؟ قلت: كذلك في صلاتهم في بني قريظة ترك الوقت والوقت فرض، ولما ذكر
البخاري احتجاج الوليد بحديث قصة بني قريظة ذكره مسنداً عقيبه، ليعلم صحة الحديث
عنده، وصحة الاستدلال به. فافهم.
ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: عبد الله بن محمد بن أسماء بن عبيد بن مخراق
الضبعي البصري، ابن أخي جويرية المذكور، وهو مصغر جارية، بالجيم: ابن أسماء، روى عنه
مسلم أيضاً، مات سنة إحدى وثلاثين ومائتين. الثاني: جويرية بن أسماء، يكنى أبا مخراق
البصري. الثالث: نافع مولى ابن عمر. الرابع: عبد الله بن عمر.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه : العنعنة في
موضعين. وفيه : القول في ثلاثة مواضع. وفيه : أن النصف الأول من الرواة بصريان والنصف
الثاني مدنيان. وفيه : رواية الرجل عن عمه. وفيه : اسم أحد الرواة بالتصغير، والحال أن
أصل وضعه للأنثى.

٣٨٢
١٢ - كتاب الخوف / باب (٥)
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في المغازي، وأخرجه مسلم أيضاً في المغازي عن
شيخ البخاري عن جويرية به.
ذكر معناه: قوله: ((من الأحزاب))، وهي غزوة الخندق، وقد أنزل الله فيها سورة
الأحزاب، وكانت في شوال سنة خمس من الهجرة، نص على ذلك ابن إسحاق وعروة بن
الزبير وقتادة، وقال موسى بن عقبة. عن الزهري أنه قال: ثم كانت الأحزاب في شوال سنة
أربع، وكذلك قال مالك بن أنس، فيما رواه أحمد عن موسى بن داود عنه والجمهور على
قول إبن اسحاق: وسميت بالأحزاب لأن الكفار تألفوا من قبائل العرب وهم عشرة آلاف
نفس، وكانوا ثلاثة عساكر، وجناح الأمر إلى أبي سفيان، وسميت أيضاً: بغزوة الخندق، لأن
النبي عَّه لما سمع بهم وما جمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة. قال ابن هشام:
يقال: إن الذي أشار به سلمان، رضي الله تعالى عنه قال الطبري والسهيلي: أول من حفر
الخنادق: منوجهر بن إيرج، وكان في زمن موسى، عليه الصلاة والسلام، وذكر إبن إسحاق:
لما انصرف رسول الله عَ لّ عن الخندق راجعاً إلى المدينة والمسلمون قد وضعوا السلاح،
فلما كان الظهر أتى جبريل، عليه الصلاة والسلام، قال له: ((ما وضعت الملائكة السلاح بعد،
وإن الله يأمرك أن تسير إلى بني قريظة، فإني عائد إليهم، فأمر رسول الله عَّ لِ بلالاً فأذن في
الناس: من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلينَّ العصر إلاّ في بني قريظة. قال ابن سعد: ثم سار
إليهم وهم ثلاثة آلاف، وذلك يوم الأربعاء لتسع بقين من ذي القعدة عقيب الخندق.
قوله: ((لا يصلينَ) بالنون الثقيلة المؤكدة، قوله: ((في بني قريظة)) بضم القاف وفتح
الراء وسكون الياء آخر الحروف وفتح الظاء المعجمة وفي آخره هاء: وهم فرقة من اليهود،
وقريظة والنضير والنحام وعمرو، وهو هدل بني الخزرج بن الصريح بن نومان بن السمط
ينتهي إلى إسرائيل بن إسحاق بن إبراهيم، عليهم الصلاة والسلام، وقال ابن دريد: القرظ،
ضرب من الشجر يدبغ به، يقال: أديم مقروظ وتصغيره: قريظة، وبه سمي البطن من اليهود.
وفي رواية البخاري: التنصيص على العصر، وكذا في رواية الإسماعيلي: العصر. وفي صحيح
مسلم: التنصيص على الظهر، وكذا في رواية ابن حبان و(مستخرج) أبي نعيم قبل التوفيق
بين الروايتين، إن هذا الأمر كان بعد دخول وقت الظهر، وقد صلى الظهر بعضهم دون بعض،
فقيل للذين لم يصلوا الظهر: لا تصلوا الظهر إلاّ في بني قريظة، وللذين صلوها بالمدينة: لا
تصلوا العصر إلاّ في بني قريظة، وقيل: يحتمل أنه قال للجميع: لا تصلوا العصر ولا الظهر إلّ
في بني قريظة وقيل: يحتمل أنه قيل للذين ذهبوا أولاً، لا تصلوا الظهر إلاّ في بني قريظة،
وللذين ذهبوا بعدهم: لا تصلوا العصر إلاّ بها. قوله: ((فأدرك بعضهم)) الضمير فيه يرجع إلى
لفظ: أحد، وفي بعضهم الثاني والثالث إلى البعض. قوله: ((لم يرد منا)) على صيغة المجهول
من المضارع أي: المراد من قوله: لا يصلين أحد)) لازمه وهو الاستعجال في الذهاب إلى
بني قريظة لا حقيقة ترك الصلاة أصلاً. ولم يعنهم رسول الله عَّ على مخالفة النهي، لأنهم
فهموا منه الكناية عن العجلة، ولا التاركين للصلاة المؤخرين عن أول وقتها لحملهم النهي

٣٨٣
١٢ - كتاب الخوف / باب (٥)
على ظاهره.
ذكر ما يستفاد منه: من ذلك: ما استنبط منه ابن حبان معنى حسناً حيث قال: لو
كان تأخير المرء للصلاة عن وقتها إلى أن يدخل وقت الصلاة الأخرى يلزمه بذلك اسم
الكفر لما أمر المصطفى بذلك. ومنه: ما قاله السهيلي: فيه دليل على أن كل مختلفين في
الفروع من المجتهدين مصيب، إذ لا يستحيل أن يكون الشيء صواباً في حق إنسان أخطأ
في حق غيره، فيكون من اجتهد في مسألة فأداه اجتهاده إلى الحل مصيباً في حلها، وكذا
الحرمة، وإنما المحال أن يحكم في النازلة بحكمين متضادين في حق شخص واحد، وإنما
عسر فهم هذا الأصل على طائفتين: الظاهرية والمعتزلة، أما الظاهرية فإنهم علقوا الأحكام
بالنصوص فاستحال عندهم أن يكون النص يأتي بحظر وإباحة معاً إلاّ على وجه النسخ. وأما
المعتزلة: فإنهم علقوا الأحكام بتقبيح العقل وتحسينه، فصار حسن الفعل عندهم أو قبحه
صفة عين، فاستحال عندهم أن يتصف فعل بالحسن في حق زيد، والقبح في حق عمرو،
كما يستحيل ذلك في الألوان وغيرها من الصفات القائمة بالذوات، وأما ما عدا هاتين
الطائفتين فليس الحظر عندهم والإباحة بصفات أعيان، وإنما هي صفات أحكام، وزعم
الخطابي: أن قول القائل في هذا: كل مجتهد مصيب، ليس كذلك، وإنما هو ظاهر خطاب
خص بنوع من الدليل، ألا تراه قال: ((بل نصلي لم يرد منا ذلك)) يريد أن طاعة رسول الله
عَّ له فيما أمره به من إقامة الصلاة في بني قريظة لا يوجب تأخيرها عن وقتها على عموم
الأحوال، وإنما هو كأنه قال: صلوا في بني قريظة إلاّ أن يدرككم وقتها، قبل أن تصلوا إليها،
وكذا الطائفة الأخرى في تأخيرهم الصلاة، كأنه قيل لهم: صلوا الصلاة في أول وقتها إلاّ أن
يكون لكم عذر فأخروها إلى آخر وقتها.
وقال النووي، رحمه الله تعالى: لا احتجاج فيه على إصابة كل مجتهد، لأنه لم
يصرح بإصابة الطائفتين، بل بإصابة ترك تعنيفهما، ولا خلاف في ترك تعنيف المجتهد، وإن
أخطأ إذا بذل وسعه، وأما اختلافهم فسببه أن الأدلة تعارضت، فإن الصلاة مأمور بها في
الوقت، والمفهوم من: ((لا يصلين)) المبادرة بالذهاب إليهم، فأخذ بعضهم بذلك فصلوا حين
خافوا فوت الوقت، والآخرون بالآخر فأخروها. ويقال: اختلاف الصحابة في المبادرة بالصلاة
عند ضيق وقتها وتأخيرها سببه أن أدلة الشرع تعارضت عندهم، فإن الصلاة مأمور بها في
الوقت مع أن المفهوم من قوله: ((لا يصلين أحد إلاّ في بني قريظة)) المبادرة بالذهاب إليه،
وأن لا يشتغل عنه بشيء، لا أن تأخير الصلاة مقصود في نفسه من حيث إنه تأخير، فأخذ
بعض الصحابة بهذا المفهوم نظراً إلى المعنى لا إلى اللفظ فصلوا حين خافوا فوات الوقت،
وأخذ آخرون بظاهر اللفظ وحقيقته، ولم يعنف الشارع واحداً منهما لأنهم مجتهدون، ففيه
دليل لمن يقول بالمفهوم والقياس ومراعاة المعنى، ولمن يقول بالظاهر أيضاً، قلت: هذا
القول مثل ما قاله النووي مع بعض زيادة فيه، وقال الداودي: فيه أن المتأول إذا لم يبعد في
التأويل ليس بمخطىء، وأن السكوت على فعل أمر كالقول بإجازته.

٣٨٤
١٢ - كتاب الخوف / باب (٦)
٦ - بابُ التّكْبِيرِ والغَلَسِ بِالصُّبْحِ والصَّلاَةِ عِنْدَ الإِغَارَةِ والحَرْبِ
أي: هذا باب في بيان التكبير من كبر يكبر تكبيراً، وهو قول: الله أكبر، هكذا هو في
معظم الروايات، وفي رواية الكشميهني: التبكير، بتقديم الباء الموحدة من: بكر يبكر تبكيراً إذا
أسرع وبادر، و: الغلس، بفتحتين: الظلمة آخر الليل، والمراد منه التغليس بصلاة الصبح.
قوله: ((عند الإغارة)) يتعلق بالتكبير، وما عطف عليه، والإغارة، بكسر الهمزة في الأصل:
الإسراع في العدو، ويقال: أغار يغير إغارة، وكذلك الغارة، والمراد به ههنا: الهجوم على
العدو على وجه الغفلة، فهو من الأجوف الواوي. فإن قلت: ما مناسبة ذكر هذا الباب في
كتاب صلاة الخوف؟ قلت: قيل: أشار بذلك إلى أن صلاة الخوف لا يشترط فيها التأخير
إلى آخر الوقت، كما شرطه من شرطه في صلاة شدة الخوف عند التحام القتال، وقيل:
يحتمل أن يكون للإشارة إلى تعيين المبادرة إلى الصلاة في أول وقتها. قلت: هذا وجه بعيد
لا يخفى ذلك، لأن محل ذلك في كتاب الصلاة.
٩٤٧/٧٠ - حدَّثنا مُسَدَّدْ قَالَ حدَّثنا حَمَّادٌ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بنِ صُهَيْبٍ وَثَابِتِ الثُنَانِيِّ عن
أَنَسِ بنِ مَالَكِ أنَّ رسولَ الله عَّهِ صَلَّى الصُّبْحَ بِغَلَسِ ثُمَّ رَكِبَ فقال الله أَكْبَرُ خَرِبتْ خَيْبَرُ
إِنَّا إذا نَزَلْنَا بِسَاحَةٍ قَوْمٍ فِسَاءَ صَبَاحُ المُنْذِرِينَ فَخَرَجُوا يَسْعَوْنَ فِي السِّكَكِ ويَقُولُونَ مُحَمَّدٌ
والخَمِيسُ قال والخمِيسُ الجَيْشُ فِظَهَرَ عَلَيْهِمْ رسولُ اللهِ عَ لَّه فَقَتَلَ المُقَاتِلَةَ وَسَبَى الذرَارِيَّ
فِصَارَتْ صَفِيَّةُ لِدِخْيَةَ الكَلْبِيِّ وصارَتْ لِرَسُولِ اللهِ عَ لِّ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَجَعَلَ صَدَاقَهَا عِثْقَهَا
فقالَ عَبْدُ العَزِيزِ لِئَابِتٍ يا أبا مُحَمَّدٍ أَنْتَ سَأَلْتَ أَنَساً ما أَمْهَرَهَا قال أَمْهَرَهَا نَفْسَهَا فَتَبَسَّمَ.
[انظر الحديث ٣٧١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((صلى الصبح بغلس ثم ركب فقال الله أكبر)).
ورجاله قد ذكروا غير مرة. وأخرجه البخاري أيضاً في: باب ما يذكر في الفخذ،
بأطول منه، وأتم عن يعقوب بن إبراهيم عن إسماعيل بن علية عن عبد العزيز بن صهيب عن
أنس، رضي الله تعالى عنهم. وتكلمنا هناك على جميع ما يتعلق به.
قوله: ((بغلس)) أي: في أول الوقت. وقيل: التغليس بالصبح سنة سفراً أو حضراً، وكان
من عادته عَّ لهم ذلك. قلت: إنما غلس هنا لأجل مبادرته إلى الركوب، وقد وردت أحاديث
كثيرة صحيحة بالأمر بالإسفار. قوله: ((فقال: الله أكبر)) فيه: أن التكبير عند الإشراف على
المدن والقرى سنة، وكذا عند ما يسر به من ذلك عند رؤية الهلال، وكذا رفع الصوت به
إظهاراً لعلو دين الله تعالى، وظهور أمره. قوله: ((خربت خيبر))، يحتمل الإنشاء والخبر، وفيه
التفاؤل، وبخرابه سعادة المسلمين فهو من الفأل الحسن لا من الطيرة. قوله: ((بساحة قوم))
قال ابن التين: الساحة الموضع، وقيل: ساحة الدار. قوله: ((فساء صباح المنذرين)) أي:
أصابهم السوء من القتل على الكفر والاسترقاق. قوله: ((يسعون)) جملة حالية. قوله: ((في
السكك))، بكسر السين: جمع سكة. وهي الزقاق. قوله: ((والخميس)) سمي الجيش خميساً

٣٨٥
١٢ - كتاب الخوف / باب (٦)
لانقسامه إلى خمسة أقسام: الميمنة والميسرة والقلب والمقدمة والساقة. قوله: ((المقاتلة))
أي: النفوس المقاتلة، وهم الرجال. والذراري: جمع الذرية وهي الولد، ويجوز فيها تخفيف
الياء وتشديدها، كما في العواري وكل جمع مثله. قوله: ((فصارت صفية لدحية الكلبي،
وصارت لرسول الله عَّله)) ظاهره أنها صارت لهما جميعاً، وليس كذلك، بل صارت أولاً
لدحية ثم صارت لرسول الله عَ ◌ّةٍ، فعلى هذا: الواو، في: وصارت، بمعنى: ثم، أي: ثم
صارت للنبي عَّلِ أو تكون بمعنى: الفاء، والحروف ينوب بعضها عن بعض، ويجوز أن يكون
هنا مقدر للقرينة الدالة عليه، تقديره: فصارت صفية أولاً لدحية وبعده صارت لرسول الله عَ ليه
وكيفية الصيرورتين قد مضت في ذلك الباب. وقال الكرماني: النساء ليست داخلات تحت
لفظ الذراري، فكيف قال: فصارت صفية لدحية؟ ثم أجاب: بأن المراد بالذراري غير المقاتلة
بدليل أنه قسيمه. قوله: ((وجعل صداقها عتقها)) لأنها كانت بنت ملك، ولم يكن مهرها إلاّ
كثيراً، ولم يكن بيده ما يرضيها فجعل صداقها عتقها، لأن عتقها عندها كان أعز من الأموال
الكثيرة. قوله: ((فقال عبد العزيز))، هو عبد العزيز بن صهيب المذكور. قوله: ((لثابت)) هو
البناني. قوله: ((أأنت؟)) بهمزتين: أولاهما للاستفهام، وفائدة هذا السؤال مع علمه ذلك بقوله:
((وجعل صداقها عتقها) للتأكيد، أو كان استفسره بعد الرواية ليصدق روايته. قوله: ((ما
أمهرها)) قال ابن الأثير: يقال: مهرت المرأة وأمهرتها إذا جعلت لها مهراً، وإذا سقت إليها
مهراً، وهو: الصداق: وقال الشيخ قطب الدين الحلبي في (شرحه): صوابه مهرها يعني
بحذف الألف، وبخط الحافظ الدمياطي، مثل ما قاله ابن الأثير، وأنكر أبو حاتم: أمهرت، إلا
في لغة ضعيفة، والحديث يرد عليه، وصححه أبو زيد، وقيل: مهرت، ثلاثي أفصح وأعرب.
عمدة القاري / ج٦ / ٢٥٢

٣٨٦
١٣ - كتاب العيدين / باب (١)
١٣ - كِتَابُ العِیدیْنِ
أي: هذا كتاب في بيان أمور العيدين: عيد الفطر وعيد الأضحى وأصل العيد: عود
لأنه مشتق من: عاد يعود عوداً. وهو الرجوع، قلبت الواو ياءً لسكونها وانكسار ما قبلها،
كالميزان والميقات من الوزن والوقت، ويجمع على: أعياد، وكان من حقه أن يجمع على
أعواد، لأنه من العود كما ذكرنا، ولكن جمع بالياء للزومها في الواحد، أو للفرق بينه وبين
أعواد الخشبة، وسميا عيدين لكثرة عوائد الله تعالى فيهما، وقيل: لأنهم يعودون إليه مرة بعد
أخرى. وفي بعض النسخ: أبواب العيدين أي: هذه أبواب العيدين أي: في بيانهما. وهي رواية
المستملي وفي رواية الأصيلي وغيره: باب العيدين.
بسم الله الرحمن الرحيم
١ - بابٌ فِي العِيدَيْنِ والتَّجَمُّلِ فِيهِ
ليست في رواية أبي ذر البسملة، ولما ذكر الكتاب شرع يذكر الأبواب التي يتضمنها
الكتاب واحداً بعد واحد: أي: هذا باب في بيان العيدين وبيان التجمل فيه، أي: التزين.
قوله: ((فيه)) أي: في كل واحد من العيدين، وفي رواية الكشميهني: ((فيهما))، أي: في
العيدين، وهي على الأصل وفي بعض النسخ: باب العيدين بدون كلمة في، وفي بعضها:
باب ما جاء في العيدين.
٩٤٨/١ - حدّثنا أبُو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال أخبرني سالِمُ بنُ عَبْدِ اللهِ
أنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ عُمَرَ قال أخَذَ عُمَرَ بُحبَّةً مِنْ إِسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ في السُّوقِ فَأَخَذَهَا فَأَتَى رسِولَ اللهِ
عَِّ فقال يا رسولَ اللهِ ابتعْ لهذِهِ تَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ والوُفُودِ فقال لَهُ رسولُ اللهِ عَ لَّه إنّمَا هَذِهِ
لِبَاسُ مَنْ لاَ خِلاَقَ لَهُ فَلَبِثَ عُمَرُ ما شاءَ اللهِ أنْ يَلْبَثَ ثُمَّ أَرْسلَ إِلَيْهِ رسولُ اللهِ عَ لَّه بِجُبَّةٍ
ديبَاجٍ فأقْبَلَ بِهَا عُمَرُ فَأَتَى بِهَا رسولَ اللهِ يَّلِ فقال يا رسولَ اللهِ إِنَّكَ قُلْتَ أََّا هَذِهِ لِبَاسُ
مَنْ لَاَ خَلاَقَ لَهُ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ بِهذِهِ الجُبَّةِ فقال لَهُ رسولُ اللهِ عَِّ تَبِيعُهَا وتُصِيبُ بِهَا
حاجَتَكَ. [انظر الحديث ٨٨٦ وأطرافه].
مطابقته للجزء الأخير من الترجمة ظاهرة.
ورجاله بهذا النسق قد ذكروا غير مرة، وأبو اليمان: الحكم بن نافع والزهري: هو
محمد بن مسلم بن شهاب.
وأخرجه النسائي أيضاً في الزينة عن عبيد الله بن فضالة عن أبي اليمان به، وقد مر
أكثر الكلام فيه في كتاب الجمعة في: باب ما يلبس أحسن ما يجد. قوله: ((أخذ عمر))،
بهمزة وخاء وال معجمتين، كذا هو في معظم الروايات، وفي بعض النسخ: ((وجد عمر))،
بواو وجيم، وكذا أخرجه الإسماعيلي والطبراني في (مسند الشاميين) وغير واحد من طرق

٣٨٧
١٣ - كتاب العيدين / باب (٢)
إلى أبي اليمان شيخ البخاري، فيه. قيل: هو الصواب. وقال الكرماني: أراد من أخذ ملزومه
وهو الشراء، قلت: الشراء لم يقع ولكن إن أراد به السوم فله وجه. قوله: ((جبة)) الجبة، بضم
الجيم وتشديد الباء، معروفة وجمعها: جباب. قال الجوهري: الجباب ما يلبس من الثياب.
قوله: ((من إستبرق)) الإستبرق، بكسر الهمزة: الغليظ من الديباج، والديباج: الثياب المتخذة
من الإبريسم فارسي معرب، وقد تفتح داله ويجمع على: دياييج ودبابيج بالياء والباء، لأن
أصله دباج، بالتشديد. قوله: ((تباع في السوق)) جملة في محل الجر لأنها صفة: لإستبرق.
قوله: ((فأخذها)) أي: عمر، رضي الله تعالى عنه. وهذا من الأخذ بلا خلاف، وفائدة التكرار
التأكيد إذا كان الأخذ في الموضعين سواء، وأما على نسخة: وجد، فلا يجيء معنى التأكيد.
قوله: ((ابتاع هذه)) إشارة إلى الجبة المذكورة. وقال الكرماني: هذه إشارة إلى نوع تلك
الجبة لا إلى شخصها. قلت: ظاهر التركيب يشهد لصحة ما ذكرته. وقوله: ((ابتاع)) أمر
وقياسه حذف الألف، ولكن بعض الرواة أشبع فتحة التاء فصار: ابتاع، وهذه رواية أبي ذر
عن المستملي والسرخسي، ورواية الأكثرين: ابتع، بحذف الألف على الأصل، وعلى
الوجهين. قوله: ((تجمل))، مجزوم لأنه جواب الأمر، وأصل: تجمل تتجمل، بتاءين، فحذفت
إحدى التاءين كما في قوله تعالى: ﴿ناراً تلظَّى﴾ [الليل: ١٤]. أصله: تتلظى، وقيل: آبتاع؟
بهمزة استفهام ممدودّة على صيغة لفظ المتكلم، ومعناه: أأشتري؟ فعلى هذا يكون: تجمل،
مرفوعاً. قوله: (للعيد والوفود)) وتقدم في كتاب الجمعة للجمعة بدل العيد، وهي رواية نافع،
والتي هنا رواية سالم، وكان ابن عمر ذكرهما معاً، فأخذ كل راوٍ واحداً منهما، والوفود جمع
وفد. وقال الكرماني: القصة واحدة والجمعة أيضاً عيد. قوله: ((تبيعها وتصيب بها حاجتك))
وفي رواية الكشميهني: ((أو تصيب))، ومعنى الأول تنتفع بثمنها، ومعنى الثاني تجعلها لبعض
نسائك مثلاً.
ومن فوائده: استحباب التجمل بالثياب في أيام الأعياد والجمع، وملاقاة الناس، ولهذا
لم ينكر الشارع إلّ كونها حريراً، وهذا على خلاف بعض المتقشفين، وقد روي عن الحسن
البصري أنه خرج يوماً وعليه حلة يمان، وعلى فرقد جبة صوف، فجعل فرقد ينظر ويمس حلة
الحسن ويسبح، فقال له: يا فرقد ثيابي ثياب أهل الجنة وثيابك ثياب أهل النار يعني
القسيسين والرهبان، ثم قال له: يا فرقد التقوى ليست في هذا الكساء، وإنما التقوى ما وقر في
الصدر وصدقه العمل. وفيه : استفهام الصحابة عند اختلاف القول والفعل ليعلموا الوجه
الذي ينصرف إليه الأمر. وفيه : ائتلاف الصحابة بالعطاء وقبول العطية إذا لم يجر عن مسألة
وفضل الكفاف. وفيه : جواز بيع الحرير للرجال والنساء وهبته، وهذا الحديث أغلظ حديث
جاء في لبس الحرير.
٢ - بابُ الجِرَابِ والدَّرَقِ يَوْمَ العِيدِ
أي: هذا باب فى بيان ذكر الحراب والدرق اللذين جاء ذكرهما في الحديث يوم
العيد، فكأنه أشار بهذا إلى أن يوم العيد يوم انبساط وانشراح يغتفر فيه ما لا يغتفر في غيره،

٣٨٨
١٣ - كتاب العيدين / باب (٢)
والحراب، بكسر الحاء: جمع حربة، والدرق بفتحتين: جمع درقة وهي الترس الذي يتخذ
من الجلوس.
٩٤٩/٢ - حدّثنا أحمَدُ قال حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ قال أخبرنا عَمْرٌو وأنَّ مُحَمَّدَ بنَ عَبْدٍ
الرَّحْمنِ الأسَدِي حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ عنْ عَائِشَةَ قَالَتْ دَخَلَ عَلَيَّ رسولُ اللهِ عَلَّهِ وعِنْدِي
جارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ فَاضْطَجَعَ عَلى الفِرَاشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ ودَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي
وقال مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ النبيِّ عَ لَه فَأقْبَلَ عَلَيْهِ رسولُ اللهِ عَ لِّ فقال دَعْهُمَا فَلَمَّا
غَفَلَ غَمَزْتُهُما فخَرَجَتَا. [الحديث ٩٤٩ - أطرافه في: ٩٥٢، ٩٨٧، ٢٩٠٧، ٣٥٣٠،
٣٩٣١].
... /٩٥٠ - وكَانَ يَوْمَ عِيدٍ يَلْعَبُ الشُودَانُ بالدَّرْقِ والحِرَابِ فَإِمَّا سألْتُ النبيَّ عَ لّه وإمَّا
قالَ أَتَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ فَقُلْتُ نَعَمْ فَأَقَامَنِي ورَاءَهُ خَدِّي عَلَى خَدِّهِ وَهْوَ يَقُولُ دُونَكُمْ يا بَنِي
أَرْفِدَةَ حَتَّى إِذَا مَلَلْتُ قال حَسْبُكِ قُلْتُ نَعَمْ قال فَاذْهِبِي. [انظر الحديث ٤٥٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إن المذكور فيه لفظ الدرق والحراب، وهذه المناسبة في
مجرد الذكر، لأن الترجمة ما وضعت لبيان حكمه، ولهذا قال ابن بطال: ليس في حديث
الباب أنه، عَ لّه، خرج بأصحاب الحراب معه يوم العيد، ولا أمر أصحابه بالتأهب بالسلاح،
فلا يطابق الحديث الترجمة، وقد ذكرنا وجهه فلا يحتاج إلى مطابقة تامة بل أدنى الاستئناس
في ذلك كاف.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: أحمد بن حسان أبو عبد الله التستري مصري الأصل،
مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين، تكلم فيه يحيى بن معين، هكذا وقع أحمد بن عيسى في
رواية أبي ذر وابن عساكر وبه جزم أبو نعيم في (المستخرج) وفي رواية الأكثرين وقع: حدثنا
أحمد غير منسوب، وقال أبو علي بن السكن: كل ما في البخاري: حدثنا أحمد، غير
منسوب فهو أحمد بن صالح، وقال الحاكم: روي في كتاب الصلاة في ثلاثة مواضع: عن
أحمد عن ابن وهب، فقيل: إنه أحمد بن صالح، وقيل: أحمد بن عيسى التستري، ولا يخلو
أن يكون واحداً منهما، فقد روى عنهما في جامعه ونسبهما في موضع، وذكر الكلاباذي عن
أبي الحافظ: أحمد عن ابن وهب في (جامع البخاري) هو ابن أخي ابن وهب، قال الحاكم:
وهذا وهم وغلط، والدليل على ذلك أن المشايخ الذين ترك أبو عبد الله الرواية عنهم في
(الصحيح) قد روى عنهم في سائر تصانيفه: كابن صالح وغيره، وليس عن ابن أخي وهب
رواية في موضع، فهذا يدلك على أنه لم يكتب عنه، أو كتب عنه ثم ترك الرواية عنه أصلا.
وقال ابن منده: كل ما في البخاري: حدثنا أحمد عن ابن وهب. فهو: ابن صالح، ولم يخرج
البخاري عن ابن أخي ابن وهب في (صحيحه) شيئاً، وإذا حدث عن أحمد بن عيسى نسبه.
الثاني: عبد الله بن وهب المصري. الثالث: عمرو بن الحارث، وقد تكرر ذكره. الرابع:
محمد بن عبد الرحمن بن نوفل بن الأسود الأسدي القرشي المدني، يتيم عروة، دخل مصر

٣٨٩
١٣ - كتاب العيدين / باب (٢)
في زمن بني أمية، ومات سنة سبع عشرة ومائة. الخامس: عروة بن الزبير بن العوام.
السادس: عائشة أم المؤمنين، رضي الله تعالى عنهم.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في
موضع. وفيه : الإخبار بصيغة الجمع في موضعين. وفيه : العنعنة في موضعين. وفيه : القول
في ثلاثة مواضع. وفيه : أن الشطر الأول من الرواة مصريون والثاني مدنيون، رحمهم الله.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الجهاد عن إسماعيل
ابن أبي أويس، وأخرجه أيضاً عقيب هذا الباب، وفي: باب نظر المرأة إلى الحبشة، وفي:
باب إذا قام العبد يصلي ركعتين، وفي حسن العشرة مع الأهل، وفي: باب أصحاب الحراب
في المسجد، فهذه سبعة أبواب. وأخرجه مسلم في الصلاة عن هارون بن سعيد الأيلي
ويونس بن عبد الأعلى، كلاهما عن ابن وهب.
ذكر معناه: قوله: ((دخل على رسول الله، عَّةِ))، زاد في رواية الزهري عن عروة:
(في أيام منى)). قوله: ((جاريتان)) تثنية جارية، والجارية في النساء كالغلام في الرجال، ويقال
على من دون البلوغ منهما، وسيجيء في الباب الذي بعده من جواري الأنصار، وفي رواية
الطبراني من حديث أم سلمة أن إحداهما كانت لحسان بن ثابت، وفي (العيدين) لابن أبي
الدنيا من طريق فليح عن هشام بن عروة: ((وحمامة وصاحبتها تغنيان))، وإسناده صحيح، ولم
يذكر أحد من مصنفي أسماء الصحابة: حمامة، هذه وذكر الذهبي في (التجريد): حمامة أم
بلال، رضي الله تعالى عنه، اشتراها أبو بكر وأعتقها. قوله: ((تغنيان))، جملة في محل الرفع
على أنها صفة لجاريتين، وزاد في رواية الزهري: ((تدففان))، بفاءين أي: تضربان بالدف، وفي
رواية مسلم عن هشام: ((تغنيان بدف)). وفي رواية النسائي: ((بدفين))، والدف، بضم الدال
وفتحها والضم أشهر، ويقال له أيضاً: الكربال، بكسر الكاف، وهو الذي لا جلاجل فيه، فإن
كانت فيه فهو المزهر، ويأتي في الباب الذي بعده: ((تغنيان بما تفاوت الأنصار يوم بعاث))،
أي: قال بعضهم لبعض من فخر أو هجاء، وسيأتي في الهجرة، ((بما تعازفت))، بعين مهملة
وزاي وفاء من العزف، وهو الصوت الذي له دوي، وفي رواية: ((تقاذفت))، بقاف بدل العين،
وذال معجمة بدل الزاي من: القذف، وهو هجاء بعضهم لبعض، وعند أحمد في رواية حماد
ابن سلمة عن هشام: ((تذكران يوم بعاث))، يوم قتل فيه صناديد الأوس والخزرج.
قوله: ((بغناء بعاث))، الغناء، بكسر الغين المعجمة وبالمد، قال الجوهري: الغناء بالكسر
من السماع، وبالفتح النفع. وقال ابن الأثير: ولما يرد به الغناء المعروف من أهل اللهو
واللعب، وقد رخص عمر، رضي الله تعالى عنه، في غناء الأعراب وهو صوت كالحداء، و:
بعاث، بضم الباء الموحدة وتخفيف العين المهملة وفي آخره ثاء مثلثة، والمشهور: أنه لا
ينصرف، ونقل عياض عن أبي عبيدة: بالغين المعجمة، ونقل ابن الأثير عن صاحب (العين)
خليل كذلك، وكذا حكى عنه البكري في (معجم البلدان) وجزم أبو موسى في (ذيل
الغريب): بأنه تصحيف، وتبعه صاحب (النهاية). وقال أبو موسى وصاحب (النهاية): هو اسم

٣٩٠
١٣ - کتاب العیدین / باب (٢)
حصن للأوس، وفي كتاب أبي الفرج الأصفهاني في ترجمة أبي قيس بن الأسلت: هو
موضع في ديار بني قريظة فيه أموالهم، وكان موضع الوقعة في مزرعة لهم هناك. وقال
الخطابي: يوم بعاث يوم مشهور من أيام العرب كانت فيه مقتلة عظيمة للأوس على الخزرج
وبقيت الحرب مائة وعشرين سنة إلى الإسلام على ما ذكره ابن إسحاق وغيره، وكان أول
هذه الوقعة، فيما ذكره ابن إسحاق وهشام ابن الكلبي وغيرهما: أن الأوس والخزرج لما نزلوا
المدينة وجدوا اليهود مستوطنين بها فحالفوهم وكانوا تحت قهرهم، ثم غلبوا على اليهود
لعنهم الله بمساعدة أبي جبلة ملك غسان، فلم يزالوا على اتفاق بينهم حتى كانت أول حرب
وقعت بينهم حرب سمير، بضم السين المهملة وفتح الميم وسكون الياء آخر الحروف وفي
آخره راء، بسبب رجل يقال له: كعب من بني ثعلبة نزل على مالك بن العجلان الخزرجي،
فحالفه فقتله رجل من الأوس، يقال له: سمير، فكان ذلك سبب الحرب بين الحيين، ثم
كانت بينهم وقائع من أشهرها يوم السرارة، بمهملات و: يوم فارع بفاء وراء وعين مهملة، و:
يوم الفجار الأول والثاني، و: حرب حصين بن الأسلت، و: حرب حاطب بن قيس إلى أن
كان آخر ذلك: يوم بعاث، وكان رئيس الأوس فيه: حضير والد أسيد، وكان يقال له: حضير
الكتائب، وجرح يومئذ ثم مات بعد مدة من جراحته، وكان رئيس الخزرج: عمرو بن النعمان،
وجاءه سهم في القتال فصرعه، فهزموا بعد أن كانوا قد استظهروا. ولحسان وغيره من
الخزرج، وكذا لقيس بن الحطيم وغيره من الأوس في ذلك أشعار كثيرة مثبتة في دواوينهم.
قوله: ((فاضطجع على الفراش))، وفي رواية الزهري: ((إنه تغشى بثوبه))، وفي رواية لمسلم:
(تسجی))، أي: التف بثوبه. قوله: ((ودخل أبو بكر)) ويروى: ((وجاء أبو بكر))، وفي رواية
هشام بن عروة في الباب الذي بعده: ((ودخل علي أبو بكر وكأنه جاء زائراً لها بعد أن دخل
على النبي عَّه بيته))، قلت: يمكن أن يكون مجيئه لمنعه الجاريتين المذكورتين عن الغناء.
قوله: ((فانتهرني)) أي: زجرني، وفي رواية الزهري: ((فانتهرهما))، أي: الجاريتين،
والتوفيق بينهما أنه نهر عائشة لتقريرها ذلك، ونهرهما لفعلهما ذلك في بيت النبي عَ له.
قوله: ((مزمارة الشيطان؟))، بكسر الميم يعني: الغناء أو الدف، وهمزة الاستفهام قبلها مقدرة،
وهي مشتقة من الزمير وهو الصوت الذي له صفير، وسميت به الآلة المعروفة التي يزمر بها،
وإضافتها إلى الشيطان من جهة أنها تلهي وتشغل القلب عن الذكر، وفي رواية حماد بن
سلمة عند أحمد: ((فقال: يا عباد الله، المزمور عند رسول الله عَ ليه؟)) قال القرطبي: ((المزمور))
الصوت، وضبطه عياض بضم الميم، وحكي فتحها. وقال ابن سيده: يقال: زمر يزمر زميراً
وزمراناً: غنى في القصب، وامرأة زامرة، ولا يقال: رجل زامر، إنما هو زمَّار. وقد حكى
بعضهم: رجل زامر. وفي (الجامع في الحديث): ((نهى عن كسب الزمارة))، يريد الفاجرة.
وفي (الصحاح): ولا يقال للمرأة: زمارة، وفي كتاب ابن التين: الزمر الصوت الحسن، ويطلق
على الغناء أيضاً، وجمع المزمار: مزامير.
قوله: ((فأقبل عليه)) أي: على أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، وفي رواية الزهري:

٣٩١
١٣ - كتاب العيدين / باب (٢)
(فكشف النبي عَِّ عن وجهه))، وفي رواية فليح: ((فكشف رأسه))، وقد مضى أنه كان ملتفاً.
قوله: ((فقال دعهما))، أي: فقال النبي عَُّلِّ لأبي بكر: دع الجاريتين، أي: أتركهما وفي رواية
هشام: ((يا أبا بكر، إن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا .. )) هذا تعليل لنهيه عَّلَّه إياه بقوله:
((دعهما))، وبيان الخلاف ما ظنه أبو بكر من أنهما فعلتا ذلك بغير علمه لكونه دخل فوجد
النبي عَ لَّ مغطىّ بثوبه نائماً، ولا سيما كان المقرر عنده منع الغناء واللهو، فبادر إلى إنكار
ذلك قياماً عن النبي عَّ له، فأوضح عَّ له الحال، وبينه بقوله: ((إن لكل قوم عيداً) أي: إن لكل
طائفة من الملل المختلفة عيد يسمونه باسم مثل: النيروز والمهرجان، وإن هذا اليوم يوم
عيدنا، وهو يوم سرور شرعي فلا ينكر مثل هذا على أن ذلك لم يكن بالغناء الذي يهيج
النفوس إلى أمور لا تليق، ولهذا جاء في رواية: ((وليستا بمغنيتين))، يعني لم تتخذا الغناء
صناعة وعادة. وروى النسائي وابن حبان بإسناد صحيح، ((عن أنس: قدم النبي عَِّ المدينة
ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: قد أبدلكم الله تعالى بهما خيراً منهما يوم الفطر ويوم
الأضحى)). قوله: ((غمزتهما))، جواب: ((لما)) الغمز بالمعجمتين الإشارة بالعين والحاجب، أو
اليد والرمز كذلك. قوله: ((فخرجا))، بفاء العطف والمشهور: خرجتا، بدون الفاء. قال
الكرماني: خرجتا، بدون الفاء بدل أو استئناف.
قوله: ((وكان يوم عيد)) أي: كان ذلك ليوم يوم عيد، وكان القائل بذلك عائشة، رضي
الله تعالى عنها، ويدل عليه ما وقع في رواية الجوزقي في هذا الحديث: ((وقالت عائشة:
كان يوم عيد))، وبهذا يظهر أيضاً أنه موصول كغيره. قوله: ((يلعب)) أي: في ذلك اليوم. قوله:
((فإما سألت)) أي: التمست من رسول الله عَ لّهِ النظر إليهم وكلمة: إما، فيه تدل على ترددها
فيما كان وقع منها، هل كان عَِّ أذن لها في ذلك ابتداء منه من غير سؤال منها؟ أو كان
عن سؤال منها إياه في ذلك؟ قيل: هذا بناء على أن: ((سألت))، بسكون اللام، على أنه
كلامها، ويحتمل أن يكون: بفتح اللام، كلام الراوي. قلت: سكون اللام يدل على أنه لفظ
المتكلم وحده، وفتح اللام يدل على أنه فعل ماضٍ مفرد مؤنث، والاحتمال الذي ذكره
يبعده. قوله: ((فقلت: نعم)) لا يُدرى إلاّ بالتأمل، على أن جعله من كلامها أولى من جعله من
كلام الراوي، لأن كلام الراوي ليس من الحديث. فافهم. قوله: ((تشتهين؟» كلمة الاستفهام
فيه مقدرة، وكذلك: أن، المصدرية مقدرة في قوله: ((تنظرين؟)) والتقدير أتشتهين النظر إلى
السودان؟ وقد اختلفت الروايات عنها في ذلك، ففي رواية النسائي من طريق يزيد بن رومان
عنها: ((سمعنا لغطاً وصوت صبيان، فقام النبي عَّه، فإذا حبشية تزفن)) أي : - ترقص -
((والصبيان حولها، فقال: يا عائشة تعالي فانظري))، فهذا يدل على أنه سألها. وفي رواية عبيد
ابن عمير عنها عند مسلم: ((أنها قالت للعابين: وددت أني أراهم))، ففي هذا يحتمل أن يكون
السائل هو النبي عَّهِ، وأن تكون عائشة لا كما جزم به البعض أنها سألته. ورواية للنسائي من
طريق أبي سلمة عنها: ((دخل الحبشة المسجد يلعبون، فقال لي النبي، عَ له: يا حميراء
تحبين أن تنظري إليهم؟ فقلت: نعم)) إسناده صحيح. قال بعضهم: ولم أر في حديث صحيح

٣٩٢
١٣ - كتاب العيدين / باب (٢)
ذكر الحميراء إلاّ في هذا. قلت: روي من حديث هشام بن عروة عن أبيه، ((عن عائشة
قالت: استخنت ماء في الشمس، فقال النبي عَّةٍ: لا تفعلي يا حميراء فإنه يورث البرص)).
وهذا الحديث، وإن كان ضعيفاً ففيه ذكر الحميراء، وفي (مسند السراج) من حديث أنس:
((إن الحبشة كانت تزفن بين يدي النبي عَّ له ويتكلمون بكلام لهم، فقال: ما يقولون: قال:
يقولون محمد عبد صالح)). قوله: ((خدي على خده))، جملة حالية بلا: واو، كما في قوله
تعالى: ﴿قلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو﴾ [البقرة: ٣٦]. وقول القائل: كلمته فوه إلى في.
قلت: قال الكرماني: فإن قلت: حقق لي هذه المسألة، فإن الزمخشري في (الكشاف) تارة
يجعلها حالاً بدون الواو فصيحاً، وأخرى ضعيفاً؟ قلت: إذا أمكن وضع مفرد مقامهما
استفحصه كقوله تعالى: ﴿اهبطوا بعضكم لبعض عدو﴾ [البقرة: ٣٦]. أي: اهبطوا معادين،
وههنا أيضاً ممكن، إذ تقديره: أقامني متلاصقين. انتهى. قلت: كل جملة كانت لا يكتسي
محلها إعراباً إلاّ إذا وقعت موقع المفرد فلا يحتاج إلى تفصيل، والظاهر أن الكرماني لم يمعن
نظره في هذا الموضع، وقد اختلفت الروايات في هذا اللفظ، ففي رواية مسلم عن هشام عن
أبيه: ((فوضعت رأسي على منكبيه))، وفي رواية أبي سلمة: ((فوضعت ذقني على عاتقه
وأسندت وجهي إلى خده))، وفي رواية عبيد بن عمير عنها: ((أنظر بين أذنيه وعاتقه)). وفي
رواية الزهري عن عروة التي تأتي بعد: ((فيسترني وأنا أنظر)). وقد مضى في أبواب المساجد
بلفظ: ((يسترني بردائه)). قوله: ((وهو يقول)) جملة إسمية وقعت حالاً. قوله: ((دونكم)،
بالنصب على الظرفية، وهو كلمة الإغراء بالشيء، والمغرى به محذوف أي: إلزموا ما أنتم
فيه وعليكم به، والعرب تغري: بعليك وعندك وأخواتها، وشأنها أن يتقدم الاسم كما في هذا
الحديث، وقد جاء تأخيرها شاذاً، كقوله:
إني رأيت الناس يحمدونكا
يا أيها المانح دلوي دونكا
قوله: ((يا بني أرفدة))، بفتح الهمزة وسكون الراء وكسر الفاء وفتحها والكسر أشهر،
وهو لقب للحبشة أو اسم أبيهم الأقدم. وقيل: جنس منهم يرقصون. وقيل: المعنى يا بني
الآماء، وفي رواية الزهري عن عروة: ((فزجرهم عمر، رضي الله تعالى عنه، فقال النبي عَّه:
أمناً بني أرفدة))، وبين الزهري أيضاً عن سعيد عن أبي هريرة وجه الزجر حيث قال: ((فأهوى
إلى الحصباء فحصبهم بها، فقال النبي ◌َّهِ: دعهم يا عمر))، وسيأتي في الجهاد: وزاد أبو
عوانة في (صحيحه) فيه: ((فإنهم بنو أرفدة))، كأنه يعني أن هذا شأنهم وطريقتهم، وهو من
الأمور المباحة، فلا إنكار عليهم. قال المحب الطبري: فيه تنبيه على أنهم يغتفر لهم ما لم
يغتفر لغيرهم، لأن الأصل في المساجد تنزيهها عن اللعب، فيقتصر على ما ورد فيه النص.
قوله: ((أمناً بني أرفدة))، منصوب بفعل محذوف أي: اثمنوا أمناً، ولا تخافوا، ويجوز أن
يكون: أمناً الذي هو مصدر أقيم مقام الصفة، كقولك: رجل عدل أي عادل، والمعنى: آمنين
بني أرفدة. وقال ابن التين: وضبط في بعض الكتب: آمناً، على وزن: فاعلاً ويكون أيضاً
بمعنى: آمنين. قوله: ((حتى إذا مللت))، بكسر اللام الأولى من الملل، وهو السآمة. وفي رواية

٣٩٣
١٣ - كتاب العيدين / باب (٢)
الزهري: ((حتى أكون أنا الذي أسأم))، ولمسلم من طريقه: ((حتى أكون أنا الذي أنصرف)).
وفي رواية يزيد بن رومان عند النسائي: ((أما شبعت أما شبعت؟ قالت: فجعلت أقول: لا،
لأنظر منزلتي عنده)). وله من رواية أبي سلمة عنها: ((قلت: يا رسول الله لا تعجل. فقام لي ثم
قال: حسبك. قلت: لا تعجل. قلت: وما بي حب النظر إليهم ولكن أحببت أن تبلغ النساء
مقامه لي ومكانه مني)). قوله: ((حسبك؟)) الاستفهام مقدر أي: أحسبك؟ والخبر محذوف
أي: أكافيك هذا القدر؟
ذكر ما يستفاد منه: وهو على وجوه: الأول: الكلام في الغناء، قال القرطبي: أما الغناء
فلا خلاف في تحريمه، لأنه من اللهو واللعب المذموم بالاتفاق، فأما ما يسلم من المحرمات
فيجوز القليل منه في الأعراس والأعياد وشبههما، ومذهب أبي حنيفة تحريمه، وبه يقول أهل
العراق، ومذهب الشافعي كراهته وهو المشهور من مذهب مالك، واستدل جماعة من
الصوفية بحديث الباب على إباحة الغناء وسماعه بآلة وبغير آلة، ويرد عليهم بأن غناء
الجاريتين لم يكن إلاّ في وصف الحرب والشجاعة، وما يجري في القتال، فلذلك رخص
رسول الله عَ لِّفيه. وأما الغناء المعتاد عن المشتهرين به الذي يحرك الساكن ويهيج الكامن
الذي فيه وصف محاسن الصبيان والنساء ووصف الخمر ونحوها من الأمور المحرمة فلا
يختلف في تحريمه، ولا اعتبار لما أبدعته الجهلة من الصوفية في ذلك، فإنك إذا تحققت
أقوالهم في ذلك ورأيت أفعالهم ووقفت على آثار الزندقة منهم، وبالله المستعان. وقال بعض
مشايخنا: مجرد الغناء والاستماع إليه معصية، حتى قالوا: استماع القرآن بالألحان معصية،
والتالي والسامع آثمان، واستدلوا في ذلك بقوله تعالى: ﴿ومن الناس من يشتري لهو
الحديث﴾ [لقمان: ٦]. جاء في التفسير أن المراد به الغناء، وفي (فردوس الأخبار): ((عن
جابر، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: إحذروا الغناء فإنه من قبل إبليس وهو شرك عند الله ولا
يغني إلّ الشيطان)). ولا يلزم من إباحة الضرب بالدف في العرس ونحوه إباحة غيره من
الآلات كالعود ونحوه، وسئل أبو يوسف عن الدف: أتكرهه في غير العرس، مثل المرأة في
منزلها والصبي؟ قال: فلا كراهة، وأما الذي يجيء منه اللعب الفاحش والغناء فإني أكرهه.
الثاني: فيه جواز اللعب بالسلاح للتدريب على الحرب والتنشيط عليه. وفيه : جواز
المسايفة لما فيها من تمرين الأيدي على آلات الحرب.
الثالث: فيه جواز نظر النساء إلى فعل الرجال الأجانب، لأنه إنما يكره لهن النظر إلى
المحاسن والاستلذاذ بذلك، ونظر المرأة إلى وجه الرجل الأجنبي إن كان بشهوة فحرام
اتفاقاً، وإن كان بغير شهوة فالأصح التحريم .. وقيل: هذا كان قبل نزول ﴿وقل للمؤمنات
يغضضن من أبصارهن﴾ [النور: ٣١]. أو كان قبل بلوغ عائشة، رضي الله تعالى عنها. قلت:
فيه نظر، لأن في رواية ابن حبان: أن ذلك وقع لما قدم وفد الحبشة، وكان قدومهم سنة
سبع، فيكون عمرها حينئذ خمس عشرة ..
الرابع: فيه مشروعية التوسعة على العيال فى أيام الاعياد بأنواع ما يحصل لهم به بسط

٣٩٤
١٣ - كتاب العيدين / باب (٢)
النفس وترويح البدن من كلف العبادة، وأن الإعراض عن ذلك أولى.
الخامس: فيه أن إظهار السرور في الأعياد من شعائر الدين.
السادس: فيه جواز دخول الرجل على ابنته وهي عند زوجها إذا كانت له بذلك عادة.
السابع: فيه تأديب الأب ابنته بحضرة الزوج، وإن تركه الزوج إذ التأديب وظيفة الآباء،
والعطف مشروع من الأزواج للنساء.
الثامن: فيه الرفق بالمرأة واستجلاب مودتها.
التاسع: فيه أن مواضع أهل الخيرة تنزه عن اللهو واللغو، وإن لم يكن لهم فيه إثم إلاّ
یاذنهم.
العاشر: فيه أن التلميذ إذا رأى عند شيخه ما يستنكر مثله بادر إلى إنكاره، ولا يكون
في ذلك افتيات على شيخه، بل هو أدب منه ورعاية لحرمته وإجلال منصبه.
الحادي عشر: فيه فتوى التلميذ بحضرة شيخه بما يعرف من طريقته، ويحتمل أن أبا
بكر، رضي الله تعالى عنه، ظن أن النبي عَّ ◌ُلِّ نام فخشي أن يستيقظ، فيغضب على ابنته،
فبادر إلى سد هذه الذريعة. وفي قول عائشة، رضي الله تعالى عنها، وفي آخر هذا الحديث:
((فلما غفل غمزتهما فخرجتا))، دلالة على أنها مع ترخيص النبي عَّه لها في ذلك راعت
خاطر أبيها، أو خشيت غضبه عليها فأخرجتهما، واقتناعها في ذلك، بالإشارة فيما يظهر
للحياء من الكلام بحضرة من هو أكبر منها.
الثاني عشر: فيه جواز سماع صوت الجارية بالغناء، وإن لم تكن مملوكة، لأنه عَ لَّه
لم ينكر على أبي بكر سماعه، بل أنكر إنكاره واستمرتا إلى أن أشارت إليهما عائشة
بالخروج، ولكن لا يخفى أن محل الجواز ما إذا أمنت الفتنة بذلك. وقال المهلب: الذي
أنكره أبو بكر كثرة التنغيم وإخراج الإنشاد من وجهه إلى معنى التطريب بالألحان، ألا ترى أنه
لم ينكر الإنشاد، وإنما أنكر مشابهة الزمر بما كان في المعتاد الذي فيه اختلاف النغمات
وطلب الإطراب، فهو الذي يخشى منه، وقطع الذريعة فيه أحسن. وما كان دون ذلك من
الإنشاد ورفع الصوت حتى لا يخفى معنى البيت، وما أراده الشاعر بشعره فغير منهي عنه،
وقد روي عن عمر، رضي الله تعالى عنه، أنه رخص في غناء الأعرابي وهو صوت كالحداء
يسمى: النصب، إلا أنه رقيق.
الثالث عشر: استدل به ابن حزم، وقال: أبو الحسن في (التبصرة): هو منسوخ بالقرآن
العظيم، قال الله تعالى: ﴿إنما يعمر مساجد الله ... ﴾ [التوبة: ١٨]. الآية، وبقوله عَّ ◌ُله: ((جنبوا
مساجد کم مجانینکم وصبیانكم)).
الرابع عشر: فيه جواز اكتفاء المرأة في الستر بالقيام خلف من تتستر به من زوج أو
ذي محرم.
الخامس عشر: فيه بيان أخلاق النبي عَّطِّ الحسنة ولطفه وحسن شمائله ◌ُ
صلى اللّه

٣٩٥
١٣ - كتاب العيدين / باب (٣)
٣ - بابُ سُنَّةِ العِيدَيْنِ لِأهْلِ الإسْلاَمِ
أي: هذا باب في بيان سنية الدعاء في العيد، وهكذا هو في رواية أبي ذر عن
الحموي، وفي رواية الأكثرين: باب سنة العيدين لأهل الإسلام، وسنذكر وجه الترجمتين على
القولين.
٩٥١/٣ - حدّثنا حَجَّاجٌ قال حدَّثنا شُعْبَةُ قال أخبرنيٍ زُبَيْدٌ قال سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ عنِ الْبَرَاءِ
قال سَمِعْتُ النبيَّ عَّهِ يَخْطُبُ فقال إنَّ أوَّلَ ما نَبْدَأْ مِنُ يَوْمِنَا لهذَا أن نُصلِّيَ ثُمَّ نَرْجِعَ
فَتَنْحَرَ فَمَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا [الحديث ٩٥١ - أطرافه في: ٩٥٥، ٩٦٥، ٩٦٨،
٩٧٦، ٩٨٣، ٥٥٤٥، ٥٥٥٦، ٥٥٥٧، ٥٥٦٠، ٥٥٦٣، ٦٦٧٣].
مطابقته للترجمة المروية عن الحموي في قوله: يخطب))، فإن الخطبة مشتملة على
الدعاء كما أنها تشتمل على غيره من بيان أحكام العيد، وأما الترجمة المروية عن الأكثرين
فظاهره، لأن فيه بيان سنة العيد لأهل الإسلام، وإنما ذكر قوله: ((لأهل الإسلام))، إيضاحاً أن
سنة أهل الإسلام في العيد خلاف ما يفعله غير أهل الإسلام، لأن غير أهل الإسلام أيضاً لهم
أعياد كما ذكر في الحديث. ((إن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا)). فإن قلت: الحديث في بيان
سنة عيد النحر، فما وجهٍ قوله: ((سنة العيدين)) بالتثنية؟ قلت: من جملة سنة العيدين
وأعظمها: الصلاة، ولا يخلو العيد إن منها، فلذلك ذكره بالتثنية ولقد تكلف بعض الشراح في
هذا المكان بتعسفات لا طائل تحتها فلذلك اضربنا عن ذكرها.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: حجاج بن منهال السلمي الأنماطي البصري. الثاني:
شعبة بن الحجاج وقد تكرر ذكره. الثالث: زبيد بضم الزاي وفتح الباء الموحدة وسكون الياء
آخر الحروف وفي آخره دال مهملة: ابن الحارث اليامي الكوفي وكل ما في البخاري: زبيد
فهو بالباء الموحدة، وكل ما في (الموطأ) فهو: بالياء آخر الحروف. الرابع: عامر بن شراحيل
الشعبي. الخامس: البراء بن عازب.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه : الإخبار
بصيغة الإفراد في موضع. وفيه : العنعنة في موضع. وفيه : السماع في موضعين. وفيه :
القول في موضع. وفيه : أن الأول من الرواة بصري والثاني واسطي والثالث والرابع كوفيان.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في العيدين عن آدم وعن
سليمان بن حرب وفي العيدين أيضاً عن بندار عن شعبة وفي العيدين أيضاً عن أبي نعيم وفي
الأضاحي عن موسى بن إسماعيل وعن مسدد وفي العيدين أيضاً عن عثمان عن جرير وعن
مسدد عن أبي الأحوص وفي الأيمان والنذور كتب إلى محمد بن بشار. وأخرجه مسلم في
الذبائح عن يحيى بن يحيى عن هشيم وعن محمد بن المثنى وعن يحيى بن يحيى عن خالد
وعن أبي موسى وبندار، كلاهما عن غندر وعن عبد الله بن معاذ وعن هناد وقتيبة، كلاهما
عن أبي الأحوص وعن عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم، كلاهما عن جرير وعن أبي

٣٩٦
١٣ - کتاب العیدین / باب (٣)
بكر بن أبي شيبة عن عبد الله بن نمير وعن محمد بن عبد الله بن نمير وعن أحمد بن سعيد.
وأخرجه أبو داود في الأضاحي عن مسدد عن أبي الأحوص وعن خالد به. وأخرجه الترمذي
فيه عن علي بن حجر. وأخرجه النسائي في الصلاة عن عثمان بن عبد الله وعن محمد بن
عثمان وفي الأضاحي عن قتيبة به وعن هناد عن يحيى.
ذكر معناه: قوله: ((يخطب))، جملة فعلية في محل النصب على أنها أحد مفعولي
سمعت على مذهب الفارسي، والصحيح أنه لا يتعدى إلاّ إلى مفعول واحد، فحينئذ يكون
محل: يخطب، نصباً على الحال. قوله: ((هذا)) أشار به إلى يوم العيد، وهو عيد النحر. قوله:
((ثم نرجع))، بالنصب والرفع، فالنصب على العطف على: ((أن نصلي))، والرفع على أنه خبر
مبتدأ محذوف تقديره: ثم نحن نرجع. قوله: ((فمن فعل)) أي: الابتداء بالصلاة ثم بعدها
بالنحر فقد أصاب سنة النبي عَّ له.
ذكر ما يستفاد منه: وهو على وجوه: الأول: فيه أن صلاة العيد سنة ولكنها مؤكدة،
وهو قول الشافعي، وقال الإصطخري من أصحابه فرض كفاية، وبه قال أحمد ومالك وابن
أبي ليلى، والصحيح عن مالك أنه كقول الشافعي، رضي الله تعالى عنه، وعند أبي حنيفة
وأصحابه: واجبة. وقال صاحب (الهداية): وتجب صلاة العيد على كل من تجب عليه
الجمعة. وفي مختصر أبي موسى الضرير، هي فرض كفاية، وكذا قال في الغزنوي، وفي
(القنية): قيل: هي فرض. ونقل القرطبي عن الأصمعي أنها فرض. واختلف فيمن يخاطب
بالعيد، فروى ابن القاسم عن مالك: في القرية فيها عشرون رجلاً أرى أن يصلوا العيدين،
وروى ابن نافع عنه أنه: ليس ذلك إلّ على من تجب عليه الجمعة، وهو قول الليث، وأكثر
أهل العلم فيما حكاه ابن بطال. وقال ربيعة: كانوا يرون الفرسخ وهو ثلاثة أميال. وقال
الأوزاعي: من آواه الليل إلى أهله فعليه الجمعة والعيد. وقال ابن القاسم وأشهب: إن شاء من
لا تلزمهم الجمعة أن يصلوها بإمام فعلوا، ولكن لا خطبة عليهم، فإن خطب فحسن، وحجة
أصحابنا في الوجوب مواظبته، عَّله، من غير ترك. واستدل شيخ الإسلام على وجوبها بقوله
تعالى: ﴿ولتكبروا الله على ما هداكم﴾ [البقرة: ١٨٥ والحج: ٣٧]. قيل: المراد من صلاة
العيد، والأمر للوجوب، وقيل في قوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ [الكوثر: ٢]. إن المراد
به صلاة عيد النحر، فتجب بالأمر.
الوجه الثاني: أن السنة أن يخطب بعد الصلاة، لما روى البخاري ومسلم عن نافع
عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، قال: ((كان رسول الله، عَّ له، ثم أبو بكر وعمر يصلون
العيد قبل الخطبة)). وقال ابن بطال: فيه أن صلاة العيد سنة، وأن النحر لا يكون إلاّ بعد
الصلاة، وأن الخطبة أيضاً بعدها. وقال الكرماني: الأخير ممنوع، بل المستفاد منه أن الخطبة
مقدمة على الصلاة. قلت: لا نسلم ما قاله لأنه صرح بأن أول ما يبدأ به يوم العيد الصلاة ثم
النحر، ولقد غر الكرمانى ظاهر قوله: ((يخطب، فقال: فالفاء فيه تفسيرية، فسر فى خطبته التي
خطب بها بعد الصلاة أن أول ما يبدأ به يوم العيد الصلاة، ولأنها هي الأمر المهم، والخطبة

٣٩٧
١٣ - كتاب العيدين / باب (٣)
من التوابع، حتى لو تركها لا يضر صلاته، بخلاف خطبة الجمعة. فإن قلت: وقع للنسائي
استدلاله بحديث البراء على أن الخطبة قبل الصلاة، وترجم له: باب الخطبة يوم العيد قبل
الصلاة، واستدل في ذلك بقوله: ((أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم ننحر))، وتأول أن
قوله: هذا قبل الصلاة لأنه كيف يقول: ((أول ما نبدأ به أن نصلي)) وهو قد صلى. قلت: قال
ابن بطال: غلط النسائي في ذلك لأن العرب قد تضع الفعل المستقبل مكان الماضي، فكأنه
قال عَّ الله: أول ما يكون الابتداء به في هذا اليوم الصلاة التي قدمنا فعلها، وبدأنا بها، وهو
مثل قوله تعالى: ﴿وما نقموا منهم إلاّ أن يؤمنوا بالله﴾ [البروج: ٨]. المعنى إلّ الإيمان
المتقدم منهم، وقد بين ذلك في: باب استقبال الإمام للناس في خطبة العيد، فقال: إن أول
نسكنا في يومنا هذا أن نبدأ بالصلاة، وللنسائي: ((خطب يوم النحر بعد الصلاة)).
الوجه الثالث: أن النحر بعد الفراغ من الصلاة، وسيجيء الكلام فيه فيما بعد، إن شاء
الله تعالى.
٩٥٢/٤ - حدثنا عُبَيْدُ بنُ إسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا أبُو أسَامَةَ عنْ هِشَامٍ عنْ أَبِيه عنْ عائِشَةَ
رضي الله تعالى عنها قالَتْ دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وعِنْدِي جارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الأَنْصَارِ تُغَنِّيَانِ بِمَا
تَقَاوَلَتِ الأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ قَالَتْ وَلَيْسَنَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ فقال أَبُو بَكْرٍ أَبِمَزَامِيرِ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ
رسول الله عٍَّ وَذُلِكَ فِي يَوْمٍ عيدٍ فقال رسولُ اللهِ عَِّ يا أبا بَكْرٍ إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيداً وَلهذا
عِيدُنَا. [انظر الحديث ٩٤٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة المروية عن الحموي غير ظاهرة، أللهم إلاّ إذا قلنا بالتكلف، بأن قوله
عَّلِ: ((وهذا عيدنا))، تقرير منه لما وقع من الجاريتين في هذا اليوم الذي هو يوم السرور
والفرح، وتقريره رضاه بذلك، والرضى منه عَّم يقوم مقام الدعاء. وأما مطابقته للترجمة
المروية عن الأكثرين فلا تتأتى إلاّ إذا حملنا لفظ السنة على معناها اللغوي، وبهذا المقدار
يستأنس به وجه المطابقة. وفيه الكفاية، وحديث عائشة هذا قد مضى الكلام فيه في باب
الحراب والدرق يوم العيد، لأنه أخرجه هناك عن أحمد بن عيسى عن ابن وهب عن عمرو
عن محمد بن عبد الرحمن عن عروة عن عائشة، وهنا أخرجه: عن عبيد بن إسماعيل الهباري
القرشي الكوفي، وهو من أفراد البخاري يروي عن أبي أسامة حماد بن أسامة عن هشام عن
عروة عن أبيه عروة عن عائشة، ومن زوائده على ذاك قوله: ((وليستا بمغنيتين)) أي: ليس
الغناء عادة لهما ولا هما معروفتان به. وقال القاضي عياض: أي: ليستا ممن تغني بعادة
المغنيات من التشويق والهوى والتعريض بالفواحش والتشبب بأهل الجمال وما يحرك النفوس
كما قيل: الغناء رقية الزنا وليستا أيضاً ممن اشتهر بإحسان الغناء الذي فيه تخطيط وتكسير،
وعمل يحرك الساكن ويبعث الكامن، ولا ممن اتخذه صنعة وكسباً. وقال الخطابي: هي
التي اتخذت الغناء صناعة، وذلك مما لا يليق بحضرة النبي عَّ له. وأما الترنم بالبيت والبيتين
وتطريب الصوت بذلك مما ليس فيه فحش أو ذكر محظور فليس مما يسقط المروءة،
وحكم اليسير منه خلاف حكم الكثير. قوله: ((أبمزامير؟)) ويروى: ((أمزامير؟)) بدون الباء أي:

٣٩٨
١٣ - كتاب العيدين / باب (٤)
أتلتبسون أو تشتغلون بها، وهو جمع: مزمور، وقد مر معناه مستقصىّ. قوله: ((وهذا عيدنا))
يريد به أن إظهار السرور في العيدين من شعائر الدين وإعلاء أمره. قاله الخطابي: قيل: وفيه
دليل على أن العيد موضوع للراحات وبسط النفوس والأكل والشرب والجماع، ألا ترى أنه
أباح الغناء من أجل عذر العيد؟
٤ - بابُ الأكْلِ يَوْمَ الفطْرِ قَبْلَ الخُرُوجِ
أي: هذا باب في بيان حكم الأكل يوم عيد الفطر قبل الخروج إلى المصلى لأجل
صلاة العيد.
٩٥٣/٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحِيم قال حدَّثنا سَعِيدُ بنُ سُلَيْمَانَ قال حدَّثنا هُشَيم
قال أخبرنا عُبَيْدُ اللهِ بنُ أبي بَكْرِ بنِ أنَسَ عن أنَسٍ قال كانَ رسولُ اللهِ عَلِّ لاَ يَغْدُو يَوْمَ
الفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَرَاتٍ.
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: محمد بن عبد الرحيم المشهور بالصاعقة، وقد
تقدم. الثاني: سعيد بن سليمان الملقب بسعدويه، وقد تقدم. الثالث: هشيم، بضم الهاء:
ابن بشير، بضم الباء الموحدة وفتح الشين المعجمة: ابن القاسم بن دينار السلمي الواسطي.
الرابع: عبيد الله - بالتصغير - ابن أبي بكر بن أنس. الخامس: جده أنس بن مالك.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد والإخبار كذلك
في ثلاثة مواضع. وفيه : العنعنة في موضع واحد. وفيه : القول في أربعة مواضع. وفيه : أن
شيخه من أفراده وهو بغدادي، وسعيد وهشيم واسطيان وعبيد الله مدني. وفيه : روى سعيد
ابن سليمان عن هشيم وتابعه أبو الربيع الزهريان عند الإسماعيلي وجبارة بن المغلس عند ابن
ماجه. قال: حدثنا جبارة بن المغلس حدثنا هشيم عن عبيد الله بن أبي بكر ((عن أنس بن
مالك قال: كان النبي، عَّه، لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم تمرات)). ورواه عن هشيم قتيبة
عند الترمذي وأحمد بن منيع عند ابن خزيمة وأبو بكر بن أبي شيبة عند ابن حبان وعمرو بن
عون عند الحاكم، فقالوا كلهم: عن هشيم عن محمد بن إسحاق عن حفص بن عبيد الله
ابن أنس، وأعله الإسماعيلي بأن هشيماً مدلس، وقد اختلف عليه فيه، وابن إسحاق ليس من
شرط البخاري. قلت: هشيم صرح هنا بالإخبار فأمن تدليسه على أن البخاري نزل فيه
درجة، لأن سعيد بن سليمان من شيوخه، وقد أخرج هذا الحديث عنه بواسطة لكونه لم
يسمعه منه. وقال صاحب (التوضيح): هذا الحديث من أفراد البخاري قلت: ليس كذلك،
لأن ابن ماجه أخرجه أيضاً كما ذكرناه عن قريب.
ذكر معناه: قوله: ((كان لا يغدو)) وفي لفظ ابن ماجه: ((لا يخرج))، وفي لفظ ابن
حبان والحاكم: ((ما خرج يوم فطر حتى يأكل تمرات)). قوله: ((حتى يأكل تمرات)) وفي رواية
ابن ماجه: ((حتى يطعم تمرات))، وفي لفظ ابن حبان: ((حتى يأكل تمرات ثلاثاً أو خمساً أو

٣٩٩
١٣ - كتاب العيدين / باب (٤)
سبعاً أو أقل من ذلك أو أكثر وتراً). وفي لفظ أحمد: ((ويأكلهن أفراداً).
ذكر ما يستفاد منه: فيه: أن السنة لا يخرج إلى المصلى يوم عيد الفطر إلاّ بعد أن
يطعم تمرات وتراً وله شواهد: منها: حديث بريدة: ((كان رسول الله عَّ لا يغدو يوم الفطر
حتى يأكل، ولا يأكل يوم الأضحى حتى يرجع)). أخرجه الترمذي وابن ماجه وفي لفظ
البيهقي: ((فيأكل من كبد أضحيته)). ومنها: حديث ابن عمر: ((كان رسول الله عَّ له لا يغدو
يوم الفطر حتى تغدى الصحابة من صدقة الفطر))، أخرجه ابن ماجه، وفي سنده عمرو بن
صهبان وهو متروك. ومنها: حديث أبي سعيد الخدري قال: ((كان النبي عَ لَّه يأكل يوم
الفطر قبل أن يخرج إلى المصلى))، أخرجه ابن أبي شيبة في (مصنفه) والبزار في مسنده،
وزاد: ((فإذا خرج صلى ركعتين للناس، وإذا رجع صلى في بيته ركعتين، وكان لا يصلي قبل
الصلاة شيئاً يعني يوم العيد)). وروى الترمذي، محسناً، عن الحارث ((عن علي، رضي الله
تعالى عنه، قال: من السنة أن يطعم الرجل يوم الفطر قبل أن يخرج إلى المصلى))، وأخرجه
الدارقطني عنه وعن ابن عباس. وفي (الموطأ) ((عن ابن المسيب: أن الناس كانوا يؤمرون
بالأكل قبل الغدو يوم الفطر))، وعن الشافعي: حدثنا إبراهيم بن محمد ((أخبرني صفوان بن
سليم أن النبي، عَّله، كان يطعم قبل أن يخرج إلى الجبانة ويأمر به)). وهذا مرسل، وقد روي
مرفوعاً عن علي ورواه الشافعي بمعناه عن ابن المسيب وعروة بن الزبير ((وعن السائب بن يزيد
قال: مضت السنة أن يأكل قبل أن يغدو يوم الفطر)) وعن أبي إسحاق ((عن رجل من الصحابة
أنه: كان يأمر بالأكل يوم الفطر قبل أن يأتي المصلى))، وحكاه عن معاوية ابن سويد بن مقرن
وابن مغفل وعروة وصفوان بن محرز وابن سيرين وعبد الله بن شداد والأسود بن يزيد وأم
الدرداء وعمر بن عبد العزيز ومجاهد وتميم بن سلمة وأبي مخلد، وعن عبد الله بن نمير:
((حدثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه كان يخرج الى المصلى ولا يطعم شيئاً))، وحدثنا
هشيم ((أخبرنا مغيرة عن إبراهيم قال: إن طعم فحسن وإن لم يطعم فلا بأس))، وحكاه
الدارقطني عن ابن مسعود ((إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل))، وعن النخعي مثله، وكان بعض
التابعين يأمرهم بالأكل في الطريق، قال ابن المنذر: والذي عليه الأكثر استحباب الأكل. فإن
قلت: ما الحكمة في استحباب التمر؟ قلت: قيل: لما في الحلو من تقوية البصر الذي
يضعفه الصوم، وهو أيسر من غيره، ومن ثمة استحب بعض التابعين أن يفطر على الحلو
مطلقاً كالعسل، رواه ابن أبي شيبة عن معاوية بن قرة وابن سيرين وغيرهما، وروى فيه حكمة
أخرى عن ابن عون أنه سئل عن ذلك فقال: إنه يحبس البول. قلت: يحتمل أن يكون التعيين
في التمر لكونه أيسر الموجود وأكثره وأكثر قوتهم مع ما فيه من الحلو. وقيل: الحكمة فيه
أن النخلة ممثلة بالمسلم، وقيل: لأنها هي الشجرة الطيبة. وأما الحكمة في جعلهن وتراً
فلأنه عَِّ كان يوتر في جميع أموره استشعاراً للوحدانية، وأما الحكمة في نفس الأكل قبل
صلاة عيد الفطر فلئلا يظن أن الصيام يلزم يوم الفطر إلى أن يصلي صلاة العيد مع التأسي
برسول الله ﴾.

٤٠٠
١٣ - كتاب العيدين / باب (٥)
وقال مُرَّى بْنُ رَجاءِ حدَّثني عُبَيْدُ اللهِ قال حدَّثي
أنسٌ عنِ النَّبِيِّ عَّهِ وَيَأْكُلُهُنَّ وَثْراً
ذكر البخاري هذا المعلق لإفادة أربعة أشياء: الأول: أن فيه التصريح بإخبار عبيد الله
ابن أبي بكر عن أنس، رضي الله تعالى عنه، لأن في الرواية الأولى: عنعنة. والثاني: الإشارة
إلى أن الأكل مقيد بالوتر للحكمة التي ذكرناها. والثالث: الإشارة إلى أن مرجَّى قد تابع
هشيماً على روايته عن عبيد الله بن أبي بكر. والرابع: أن مرّى، لما كان في الاحتجاج به
خلاف ذكر ما رواه بصورة التعليق، وليس في البخاري غير هذا الموضع الواحد، وقد وصل
هذا المعلق أحمد عن حرمي بن عمارة، عن مرجى بن رجاء، ومن هذا الوجه أخرجه البخاري
في ((تاريخه))، وأخرجه أبو نعيم من حديث هاشم بن القاسم، حدّثنا مرجى به ومُرجى بضم
الميم وفتح الراء وتشديد الجيم المفتوحة والياء المقصورة، ورجاء، بفتح الراء وتخفيف الجيم
وبالمد: السمرقندي.
٥ - بابُ الأَكْلِ يَوْمَ النَّخرِ
أي: هذا باب في بيان حكم الأكل يوم عيد النحر، ولم يذكر الأكل هنا في وقت
معين كما ذكره معيناً في باب الأكل يوم الفطر، فإنه قيده بقوله: قبل الخروج، يعني إلى
المصلى، لأن في حديث الباب: فقام رجل فقال: هذا يوم يشتهى فيه اللحم، ولم يقيد
بوقت، وكذلك في حديث البراء: ((إن اليوم يوم أكل وشرب))، ولكن يمكن أن يكون المراد
من اليوم بعض اليوم كما في قوله تعالى: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾. ثم إن هذا البعض
مجمل، وقد فسره في حديث بريدة، أخرجه الترمذي والحاكم، وقد ذكرناه في الباب
السابق، فإنه بين فيه أن وقت الأكل في هذا اليوم بعد الصلاة، كما بين أن وقته في عيد
الفطر قبل الصلاة.
٩٥٤/٦ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا إِسْمَاعِيلُ عنْ أَيُّوبَ عنْ مُحَمَّدٍ عنْ أَنَسِ قال قال النبيُّ
عََّهِ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاَةِ فَلْيُعِدْ فقامَ رَمُّجُلٌ فقال لهذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيِهِ اللَّحْمُ وذَكَرَ منْ
جِيرَانِهِ فكأنَّ النبيَّ عَ ◌ّهِ صَدَّقَهُ قَالَ وَعِنْدِي جَذَعَةٌ أَحَب إِلَيَّ مِنْ شَاتَي لَحْمٍ فَرَخّصَ لَهُ النبيُّ
عَ ◌ّمِ فَلاَ أَدْرِي أَبَلَغَتِ الرُّخْصَةُ مَنْ سِوَاهُ أُمْ لاَ؟ [الحديث ٩٥٤ - أطرافه في: ٩٨٤، ٥٥٤٦،
٥٥٤٩، ٥٥٦١].
مطابقته للترجمة يمكن أن تؤخذ من قوله: ((هذا يوم يشهى فيه اللحم))، فإنه أطلق
ذكر اليوم، وكذلك في الترجمة.
ذكر رجاله: وهم خمسة، قد ذكروا غير مرة، وإسماعيل هو ابن علية، وأيوب هو
السختياني.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الأضاحي عن مسدد،