النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (٣٩)
وأما رجال الحديث فقد ذكروا غير مرة.
وأما من أخرجه غيره: فقد أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي من طريق مالك عن نافع
إلى آخره. وأخرجه الترمذي من حديث الزهري عن سالم عن ابن عمر عن أبيه عن النبي
عَ ليه ((أنه كان يصلي بعد الجمعة ركعتين)). وأخرجه ابن ماجة عن محمد بن الصباح عن
سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن الزهري، وأخرج الترمذي أيضاً من حديث سهيل بن
أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ ◌ّله: ((من كان منكم مصلياً بعد
الجمعة فليصل أربعاً). وفي (سنن سعيد بن منصور): عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال:
((علمنا ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه، أن نصلي بعد الجمعة أربعاً، فلما قدم علينا علي بن
أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، علمنا أن نصلي ستاً .. )). وروى ابن حبان من حديث عبد
الله بن الزبير، رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله عَّله: ((ما من صلاة مفروضة إلاّ
وبين يديها ركعتان)). وعند أبي داود، وقال: هو مرسل: ((عن أبي قتادة أن رسول الله عَ لَّه
كره الصلاة نصف النهار إلاّ يوم الجمعة)). وقال: ((إن جهنم تسجر إلاّ يوم الجمعة)). وعن أبي
هريرة مثله، رواه الشافعي عن إبراهيم شيخه. وفي (الأوسط) للطبراني من حديث ابن عبيدة
عن أبيه ((أن النبي عَّلّ: كان يصلي قبل الجمعة أربعاً وبعدها أربعاً)). وعند ابن ماجه بسند
ضعيف عن ابن عباس، قال: ((كان النبي عَّ يركع قبل الجمعة أربعاً لا يفصل في شيء
منهن))، ورواه الطبراني في (المعجم الكبير): برجال ابن ماجه، وهي رواية بقية عن مبشر بن
عبيد عن حجاج بن أرطاة عن عطية العوفي عن ابن عباس، فزاد فيه: ((وبعدها أربعاً)). قال
النووي في (الخلاصة): هذا حديث باطل اجتمع فيه هؤلاء الأربعة وهم ضعفاء، ومبشر
وضَّاع صاحب أباطيل. قلت: بقية بن الوليد موثق ولكنه مدلس، وحجاج صدوق روى له
مسلم مقروناً بغيره، وعطية مشاه يحيى بن معين فقال فيه: صالح ولكن ضعفهما الجمهور.
قوله: ((حتى ينصرف)) أي: إلى البيت. قوله: ((فيصلي)) بالرفع لا بالنصب.
ومما يستفاد منه: أن صلاة النوافل في البيت أولى، وقال ابن بطال: إنما أعاد ابن عمر
ذكر الجمعة بعد ذكر الظهر من أجل أنه عَّم كان يصلي سنة الجمعة في بيته، بخلاف
الظهر، قال: والحكمة فيه أن الجمعة لما كانت بدل الظهر واقتصر فيها على ركعتين ترك
التنفل بعدها في المسجد خشية أن يظن أنها التي حذفت. انتهى. وقد أجاز مالك الصلاة
بعد الجمعة في المسجد للناس ولم يجز للأئمة. وقال ابن بطال: اختلف العلماء في الصلاة
بعد الجمعة، فقالت طائفة: يصلي بعدها ركعتين في بيته كالتطوع بعد الظهر، وروي ذلك
عن عمر وعمران بن حصين والنخعي، وقال مالك: إذا صلى الإمام الجمعة فينبغي أن لا
يركع في المسجد، لما روي عن رسول الله، عَ لَه، أنه: كان ينصرف بعد الجمعة ولم يركع
في المسجد، حتى قال: ومن خلفه أيضاً إذا سلموا، فأحب أن ينصرفوا، ولا يركعوا في
المسجد، وإن ركعوا فذاك واسع. وقالت طائفة: يصلي بعدها ركعتين ثم أربعاً، روي ذلك
عن علي وابن عمر وأبي موسى، وهو قول عطاء والثوري وأبي يوسف إلاّ أن أبا يوسف

٣٦٢
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (٣٩)
استحب أن تقدم الأربع قبل الركعتين. وقال الشافعي: ما أكثر المصلي بعد الجمعة من
التطوع فهو أحب إلي. وقالت طائفة: يصلي بعدها أربعاً لا يفصل بينهن بسلام، وروي ذلك
عن ابن مسعود وعلقمة والنخعي، وهو قول أبي حنيفة وإسحاق.
حجة الأولين حديث ابن عمر: ((أن رسول الله عَِّ كان لا يصلي بعد الجمعة إلاّ
ركعتين في بيته)). قال المهلب: وهما الركعتان بعد الظهر. وحجة الطائفة الثانية ما رواه أبو
إسحاق ((عن عطاء قال: صليت مع ابن عمر الجمعة، فلما سلم قام فركع ركعتين ثم صلى
أربع ركعات ثم انصرف)). وجه قول أبي يوسف ما رواه الأعمش عن إبراهيم عن سليمان بن
مسهر عن حرشة بن الحر: أن عمر، رضي الله تعالى عنه، كره أن تصلي بعد صلاة مثلها.
وحجة الطائفة الثالثة ما رواه ابن عيينة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة
مرفوعاً: ((من كان منكم مصلياً بعد الجمعة فليصل أربعاً)). وقد مر ذكره.
وبقي الكلام في سنة الظهر والمغرب والعشاء. أما سنة الظهر فسيأتي بيانها إن شاء
الله تعالى. وأما سنة المغرب، فقد روى الترمذي من حديث عبد الله بن مسعود أنه قال: ((ما
أحصي ما سمعت رسول الله، عَ له، يقرأ في الركعتين بعد المغرب وفي الركعتين قبل صلاة
الفجر. بـ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ [الكافرون: ١] و﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١]
وأخرجه ابن ماجه أيضاً. وأخرجه الترمذي أيضاً من رواية أيوب عن نافع عن ابن عمر قال:
((حفظت من النبي، عَّه، عشر ركعات ... )) الحديث. وفيه: ((ركعتين بعد المغرب في بيته)).
واتفق عليه الشيخان من رواية يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر،
رضي الله تعالى عنهما.
وفي هذا الباب عن عبد الله بن جعفر عند الطبراني في (الأوسط) وابن عباس عند أبي
داود وأبي أمامة عند الطبراني في (الكبير) وأبي هريرة عند النسائي وابن ماجه: وهاتان
الركعتان بعد المغرب من السنن المؤكدة، وبالغ بعض التابعين فيهما، فروى ابن أبي شيبة في
(مصنفه): عن وكيع عن جرير بن حازم عن عيسى بن عاصم الأسدي عن سعيد بن جبير،
قال: لو تركت الركعتين بعد المغرب لخشيت أن لا يغفر لي، وقد شذ الحسن البصري فقال
بوجوبهما، ولم يقل مالك بشيء من التوابع للفرائض إلاّ ركعتي الفجر، وروى ابن أبي شيبة
((عن ابن عمر، قال: من صلى بعد المغرب أربعاً كان كالمعقب غزوة بعد غزوة». وروي
أيضاً عن مكحول، قال رسول الله عَّ له: ((من صلى ركعتين بعد المغرب))، - يعني: قبل أن
يتكلم - ((رفعت صلاته في عليين)). قال شارح الترمذي: وهذا لا يصح لإرساله، وأيضاً فلا
يدري من القائل، يعني: قبل أن يتكلم.
قلت: رواه متصلاً أبو الشيخ ابن حبان في كتاب (الثواب وفضائل الأعمال) من رواية
مقاتل عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعاً: ((ما من صلاة أحب إلى الله من
المغرب)). الحديث، وفيه: ((فمن صلاها ثم صلى بعدها ركعتين قبل أن يتكلم جليسه رفعت
صلاته في أعلى عليين). قلت: يصح هذا مستنداً لأصحابنا في استحبابهم إيصال السنن

٣٦٣
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (٤٠)
للفرائض. وقال شارح الترمذي: وله وجه في المغرب بسبب ضيق وقتها على القول بأن وقتها
ضيق على قول الشافعي في الجديد، ثم المستحب في ركعتي المغرب أن تكونا في بيته
لظاهر الحديث، وكذلك سائر النوافل التابعة للفرائض أن تكون في البيت عند جمهور
العلماء، للحديث المتفق عليه: ((أفضل صلاة المرء في بيته إلاّ المكتوبة)). وعند الثوري
ومالك: نوافل النهار كلها في المسجد أفضل، وذهب ابن أبي ليلى إلى أن سنة المغرب لا
يجزىء فعلها في المسجد. وأما سنة العشاء، وهما الركعتان بعدها، فمن السنن المؤكدة، وقد
صح أنه عَّلِ كان لا يدعهما. وعن أنس قال: قال رسول الله عَّله: ((من صلى ركعتين بعد
العشاء الآخرة يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وعشرين مرة: ﴿قل هو الله أحد﴾
[الإخلاص: ١] بنى الله عز وجل له قصراً في الجنة)). رواه أبو الشيخ ابن حبان.
٤٠ - بابُ قَوْلِ اللهِ تعالَى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وابْتَغُوا مِنْ
فَضْلِ اللهِ﴾ [الجمعة: ١٠]
أي: هذا باب في بيان المراد من ذكر قول الله عز وجل: ﴿فإذا قضيت﴾ [الجمعة:
١٠]. وأراد بذكر هذه الآية الكريمة هنا الإشارة إلى أن الأمر في قوله: ﴿فانتشروا﴾ [الجمعة:
١٠]. والأمر في قوله: ﴿وابتغوا﴾ [الجمعة: ١٠]. للإباحة لا للوجوب، لأنهم منعوا عن
الانتشار في الأرض للتكسب وقت النداء يوم الجمعة، لأجل إقامة صلاة الجمعة، فلما صلوا
وفرغوا أمروا بالانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله، وهو رزقه، وإنما قلنا: هذا الأمر
للإباحة لأنه لمنفعة لنا، فلو كان للوجوب لعاد علينا، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وإذا
حللتم فاصطادوا﴾ [المائدة: ٢]. فإنه حرم عليهم الصيد وهم محرمون، فلما خرجوا عن
الإحرام أحل لهم الصيد، كما كان أولاً.
وقال ابن التين: جماعة أهل العلم على أن هذا إباحة بعد الحظر، وقيل: هو أمر على
بابه. وعن الداودي: هو إباحة لمن كان له كفاف ولا يطيق التكسب، وفرض على من لا
شيء له، ويطيق التكسب. وقال غيره: من تعطف عليه بسؤال أو غيره ليس طلب التكسب
عليه بفريضة. وفي (تفسير النسفي) ﴿فإذا قضيت الصلاة﴾ [الجمعة: ١٠]. فرغ منها
﴿فانتشروا في الأرض﴾ [الجمعة: ١٠]. للتجارة والتصرف في حوائجكم. ﴿وابتغوا من
فضل الله﴾ [الجمعة: ١٠]. أي: الرزق، ثم أطلق لهم ما حظر عليهم بعد قضاء الصلاة من
الانتشار، وابتغاء الربح مع التوصية بإكثار الذكر وأن لا يلهيهم شيء من التجارة ولا غيرها
عنه، وهما أمر إباحة وتخيير كما في قوله: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ [المائدة: ٢]. وعن
أنس، رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله عَّم في قول الله: ﴿فإذا قضيت الصلاة
فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله﴾ [الجمعة: ١٠]. ليس لطلب دنياكم، ولكن عيادة
مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله. وقيل: صلاة تطوع. وقال الحسن وسعيد بن جبير
ومحكول: وابتغوا من فضل الله، هو طلب العلم، وقال جعفر الصادق، رضي الله تعالى عنه:
وابتغوا من فضل الله يوم السبت.

٣٦٤
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (٤٠)
٩٣٨/٦١ - حدّثنا سَعِيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ قال حدَّثنا أَبُو غسّانَ قال حدَّثني أبُو حازمٍ عنْ
سَهْلٍ بنِ سَعْدٍ قال كانَتْ فِينَا امرأةٌ تَجْعَلُ عَلى أَرْبِعَاءَ في مَزْرَعةٍ لَها سِلْقاً فَكَانَتْ إذَا كانَ
يَوْمُ جُمُعَةٍ تَنْزِعُ أصُولَ السَّلْقِ فَتَجْعَلُهُ فِي قِدِرٍ ثُمَّ تجْعَلُ عَلْهِ قَبْضةٌ مِنْ شَعِيرٍ تَطْحَنُهَا فَتَكُونُ
أصُولُ السَّلْقِ عَرْقَهُ وكُنَّا نَنْصَرِفُ مِنْ صَلاةِ الجُمُعَةِ فَتُسَلِّمُ عَلَيْهَا فَتُقَرِّبُ ذَلِكَ الطَّعَامَ إِلَيْنَا
فتَلْعَقُهُ وَكُنَّا نَتَمَنَّى يَوْمَ الجُمُعَةِ لِطَعَامِهَا ذُلِكَ. [الحديث ٩٣٨ - أطرافه في: ٩٣٩، ٩٤١،
٢٣٤٩، ٥٤٠٣، ٦٢٤٨، ٦٢٧٩].
مطابقته للترجمة التي هي آية من القرآن الكريم من حيث إن في الآية الانتشار بعد
الفراغ من الصلاة، وهو الانصراف منها، وفي الحديث أيضاً: كانوا ينصرفون بعد فراغهم من
صلاة الجمعة، وفي الآية الابتغاء من فضل الله الذي هو الرزق وفي الحديث أيضاً: كانوا بعد
انصرافهم منها يبتغون ما كانت تلك المرأة تهيؤه من أصول السلق، وهو أيضاً رزق ساقه الله
إليهم.
ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: سعيد بن أبي مريم وهو سعيد بن محمد بن الحكم
ابن أبي مريم الجمحي مولاهم البصري. الثاني: أبو غسان، بفتح الغين المعجمة وتشديد
السين المهملة: هو محمد بن مطرف المدني. الثالث: أبو حازم، بالحاء المهملة وبالزاي:
هو سلمة بن دينار. الرابع: سهيل بن سعيد بن مالك الأنصاري والساعدي ..
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه : العنعنة
في موضع واحد. وفيه : القول في ثلاثة مواضع. وفيه : راويان مذكوران بالكنية. وفيه : أن
رجاله مدنيون ما خلا شيخ البخاري فإنه مصري.
ذكر معناه: قوله: ((امرأة)، لم يعلم اسمها. قوله: ((تجعل)) بالجيم والعين المهملة،
وفي رواية الكشميهني: تحقل، بالحاء المهملة والقاف أي: تزرع. وقال الجوهري: الحقل
الزرع إذا تشعب ورقه قبل أن يغلظ سوقه، تقول منه: أحقل الزرع، ومنه: المحاقلة، وهو بيع
الزرع وهو في سنبله. قوله: ((على أربعاء))، جمع: ربيع، كأنصباء جمع نصيب. وهو
الجداول، وذكر ابن سيده أن الربيع هو الساقية الصغيرة تجري إلى النخل مجاريه، وقال ابن
التين: هي الساقية. وقيل: النهر الصغير. وقال عبد الملك: هو حافات الأحواض ومجاري
المياه. الجداول: جمع جدول، وهو النهر الصغير، قاله الجوهري. قوله: ((في مزرعة)) بفتح
الراء، وحكى ابن مالك جواز تثليثها. قوله: ((سلقاً))، بكسر السين وهو معروف، وانتصابه على
أنه مفعول تجعل أو تحقل على الروايتين، وقال الكرماني: وسلق، بالرفع مبتدأ خبره: لها، أو
مفعول ما لم يسم فاعله على تقدير أن يجعل بلفظ المجهول، وبالنصب إن كان بلفظ
المعروف، وحينئذ الأصل فيه أن يكتب بالألف، لكن جاز على اللغة الربيعية أن يسكن بدون
الألف لأنهم يقفون على المنصوب المنون بالسكون، فلا يحتاج الكاتب على لغتهم إلى
الألف، ومثله كثير في هذا الصحيح، نحو: سمعت أنس، ورأيت سالم. انتهى. قلت: تصرفه
في إعراب: سلقاً، تعسف مع عدم مجيء الرواية على الرفع، وهو منصوب قطعاً على ما

٣٦٥
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (٤١)
ذ کرنا.
قوله: ((تطحنها)) من الطحن، ومحله النصب على الحال من: شعير، قاله الكرماني،
وليس كذلك، لأن شرط ذي الحال أن يكون معرفة والجملة بعد النكرة صفة، وفي رواية
المستملي: ((تطبخها)) من الطبخ. قوله: ((عرقه))، بفتح العين وسكون الراء المهملتين وفتح
القاف بعدها هاء الضمير أي: عرق الطعام الذي تطبخه المرأة من أصول السلق، وقال بعضهم
أي: عرق الطعام وليس بشيء، لأنه لم يمض ذكره، ولفظ الطعام قد ذكر فيما بعده، والعرق
اللحم الذي على العظم، يقال: عرقت العظم عرقاً إذا أكلت ما عليه من اللحم، والمراد: أن
أصول السلق كانت عوضاً عن اللحم. وفي رواية الكشميهني: ((غرقة))، بفتح الغين المعجمة
وكسر الراء وبعد القاف هاء تأنيث بمعنى: مغروقة، يعني السلق يغرق في المرقة لشدة نضجه.
قوله: ((فنلعقه))، من: لعق يلعق من باب: علم يعلم، واختيار ثعلب في الفصيح هكذا، بكسر
العين في الماضي وفتحها في المستقبل.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: جواز السلام على النسوة الأجانب واستحباب التقرب
بالخير ولو بالشيء الحقير. وفيه : قناعة الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، وشدة العيش وعدم
حرصهم على الدنيا ولذاتها. وفيه : المبادرة إلى الطاعة.
٩٣٩/٦٢ - حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ قال حدَّثنا ابنُ أبي حازِمٍ عنْ أَبِيهِ عنْ سَهْلٍ بهذا
وقال ما كُنَّا نَقِيلُ ولاَ نَتَغَدَّى إِلَّ بَعْدَ الجُمُعَةِ. [انظر الحديث ٩٣٨ وأطرافه].
عبد الله بن مسلمة، بفتح الميمين: هو القعنبي، وابن أبي حازم هو عبد العزيز ابن أبي
حازم سلمة بن دينار المدني، مات سنة أربع وثمانين ومائة، وهو ساجد. وقال أبو داود: مات
فجأة يوم الجمعة في مسجد النبي عَّهم في التاريخ المذكور. قوله: ((بهذا))، أي: بهذا
الحديث الذي قبله، وأشار بهذا إلى أن أبا غسان وعبد العزيز المذكور اشتركا في رواية هذا
الحديث عن أبي حازم، وزاد عبد العزيز قوله: ما كنا نقيل ولا نتغدى إلاّ بعد الجمعة. قوله:
((نقيل)) بفتح النون من: قال يقيل قيلولة فهو قائل، والقيلولة: الاستراحة نصف النهار، وإن لم
يكن معها نوم، وكذلك: المقيل، وأصله أجوف يائي. قوله: ((ولا نتغدى)) بالغين المعجمة
والدال المهملة من: الغداء، وهو الطعام الذي يؤكل أول النهار، واستدلت الحنابلة بهذا
الحديث لأحمد على جواز صلاة الجمعة قبل الزوال، ورد عليهم بما قاله ابن بطال: بأنه لا
دلالة فيه على هذا، لأنه لا يسمى بعد الجمعة وقت الغداء، بل فيه أنهم كانوا يتشاغلون عن
الغداء والقائلة بالتهيؤ للجمعة ثم بالصلاة ثم ينصرفون فيقيلون ويتغدون، فتكون قائلتهم
وغداؤهم بعد الجمعة عوضاً عما فاتهم في وقته من أجل بكورهم، وعلى هذا التأويل جمهور
الأئمة وعامة العلماء، وقد استوفينا الكلام فيه في: باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس.
٤١ - بابُ القَائِلَةِ بَعْدَ الجُمُعَةِ
أي: هذا باب في بيان حكم القائلة بعد صلاة الجمعة، والقائلة على وزن الفاعلة

٣٦٦
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (٤١)
بمعنى: القيلولة، وقد ذكرناه عن قريب.
٩٤٠/٦٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عُقْبَةَ الشِّيبَانِيُّ قال حدَّثنا أَبُو إِسْحَاقَ الفَزَارِيُّ عنْ حُمَيْدٍ
قال سَمِعْتُ أنساً يقُولُ كُنَّا نُبَّكِّرُ إِلَى الجُمُعَةِ ثُمَّ نَقِيلُ. [انظر الحديث ٩٠٥].
مطابقته للترجمة ظاهرة لأن ظاهر الحديث أنهم كانوا يصلون الجمعة ثم يقيلون.
ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: محمد بن عقبة أبو عبد الله الشيباني الكوفي، أخو
الوليد. الثاني: أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الفزاري، بفتح الفاء وتخفيف الزاي وبالراء،
المصيصي بإهمال الصادين، مات سنة ست وثمانين ومائة. الثالث: حميد بضم الحاء: ابن
أبي حميد الطويل البصري. الرابع: أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه : العنعنة في
موضعين. وفيه : القول في موضعين. وفيه : أن شيخه من أفراده. وفيه : أن رواته كوفي
ومصيصي وبصري.
قوله: (نبكر)) من التبكير وهو الإسراع إلى الشيء.
وفيه : نوم القائلة وهو مستحب، وقد قال الله تعالى: ﴿وحين تضعون ثيابكم من
الظهيرة﴾ [النور: ٥٨]. أي: من القائلة.
٩٤١/٦٤ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبِي مَوْيَمَ قال حدَّثنا أبو غسّانَ قال حدَّثني أَبُو حازِمٍ عنْ
سَهْلٍ. قال كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ عَ لَِّ الجُمُعَةَ ثُمَّ تَكُونُ القائِلَةُ [انظر الحديث ٩٣٨
وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وأبو غسان محمد بن مطرف، وقد مر في الباب السابق،
وكذلك أبو حازم وهو: سلمة بن دينار. قوله: ((ثم تكون القائلة)) أي: تقع القيلولة، والكلام
فيه قد مر عن قريب مستوفى. هذا آخر كتاب الجمعة

٣٦٧
١٢ - كتاب الخوف / باب (١)
بسم الله الرحمن الرحيم
١٢ - كتاب الخوف
١ - أَبْوَابُ صَلاَةِ الخَوْفِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ
مُجُنَاحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُواً
مُبِيناً* وإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا
سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ
وأسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْقُلُونَ عنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةٌ واحِدَةً ولاَ
◌ُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُم أذىّ مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وخُذُوا حِذْرَ كُمْ
إِنَّ اللهِ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾ [النساء: ١٠١ و١٠٢].
أي: هذه أبواب في بيان حكم صلاة الخوف، كذا وقع لفظة أبواب بصيغة الجمع في
رواية المستملي وأبي الوقت، وفي رواية الأصيلي وكريمة: باب، بالإفراد، وسقط في رواية
الباقين. قوله: ((وقول الله)) بالجر، عطف على ما قبله، وثبتت الآيتان بتمامهما إلى قوله:
﴿عذاباً مهيناً﴾ [النساء: ١٠٢] في رواية كريمة وفي رواية الأصيلي اقتصر على قوله: ﴿وإذا
ضربتم في الأرض فيس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ [النساء: ١٠١] ثم قال:
إلى قوله: ﴿عذاباً مهيناً﴾ وأما في رواية، أبي ذر فساق الآية الأولى بتمامها، ومن الآية الثانية
ساق إلى قوله: ﴿معك﴾ وإنما ذكر هاتين الآيتين الكريمتين في هذه الترجمة إشارة إلى أن
صلاة الخوف في هيئة خارجة عن هيئات بقية الصلوات، إنما ثبتت بالكتاب، وأما بيان
صورتها على اختلافها فبالنسبة.
قوله: ﴿وإذا ضربتم في الأرض﴾ [النساء: ١٠١] الضرب في الأرض السفر، ويقال:
ضربت في الأرض إذا سافرت، وتأتي هذه المادة لمعان كثيرة. قوله: ﴿جناح﴾ أي: إثم.
قوله: ﴿أن تقصروا﴾ ظاهره التخيير بين القصر والإتمام، وأن الإتمام أفضل، وإليه ذهب
الشافعي، وعن أبي حنيفة: القصر في السفر عزيمة غير رخصة، لا يجوز غيره. وقرىء: إن
تقصروا، بضم التاء من: الإقصار، وقرأ الزهري ان تقصروا، بالتشديد، والقصر ثابت بنص
الكتاب في حال الخوف خاصة. وهو قوله: ﴿إِن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ [النساء:
١٠١] وأما في حال الأمن فبالسنة، واحتج الشافعي أيضاً بما رواه مسلم والأربعة عن يعلى بن
أمية. قال: قلت لعمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه: قال الله تعالى: ﴿فليس عليكم
جناح أن تقصروا من الصلاة أن خفتم﴾ [النساء: ١٠١] فقد أمن الناس، قال: عجبت مما
عجبت منه، فسألت رسول الله عَّهِ فقال: ((صدقة تصدق الله تعالى بها عليكم، فاقبلوا
صدقته)). فقد علق القصر بالقبول وسماه صدقة والمتصدق عليه مخير فى قبول الصدقة، فلا
يلزمه القبول حتماً.
ولنا أحاديث: منها : حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، قالت: ((فرضت الصلاة

٣٦٨
١٢ - كتاب الخوف / باب (١)
ركعتين ركعتين فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر)). رواه البخاري ومسلم. ومنها:
حديث ابن عباس قال: ((فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربع ركعات، وفي
السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة)). رواه مسلم. ومنها : حديث عمر، رضي الله تعالى عنه،
قال: ((صلاة السفر ركعتان، وصلاة الضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة
ركعتان، تمام غير قصر على لسان نبيكم محمد عٍَّ)). رواه النسائي وابن ماجه وابن حبان
في (صحيحه) والجواب عن حديث يعلى بن أمية أنه دليلنا لأنه أمر بالقبول والأمر للوجوب.
قوله: ((أن يفتنكم))، المراد من الفتنة ههنا القتال والتعرض لما يكره. قوله: ((وإذا كنت
فيهم)) تعلق به أبو يوسف وذهب إلى أن صلاة الخوف غير مشروعة بعد النبي عَ ◌ّهِ، وبه قال
الحسن بن زيادة والمزني وإبراهيم بن علية، فعلل المزني بالنسخ في زمان النبي عَ ◌ّه، حيث
أخرها يوم الخندق، وعلل أبو يوسف بأن الله شرط كون النبي عَّ له فيهم لإقامتها، ورد ما
قاله المزني بما روي عن الصحابة في هذا الباب بعد الخندق، والخندق مقدم على المشهور،
فكيف ينسخ المتأخر؟ ذكره النووي وغيره، ورد ما قاله أبو يوسف بأن الصحابة فعلوها بعده
عَّ لِّ، وأن سببها الخوف وهو متحقق بعده، كما في حياته، ثم اعلم أن الخوف لا يؤثر في
نقصان عدد الركعات إلاّ عند ابن عباس والحسن البصري وطاوس حيث قالوا: إنها ركعة،
وروى مسلم من حديث مجاهد، ((عن ابن عباس قال: ((فرض الله الصلاة على لسان نبيكم
في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة)). وأخرجه الأربعة أيضاً، وإليه ذهب
أيضاً عطاء وطاوس ومجاهد والحكم بن عتيبة وقتادة وإسحاق والضحاك. وقال ابن قدامة:
والذي قال منهم: ركعة، إنما جعلها عند شدة القتال، وروي مثله عن زيد بن ثابت وأبي هريرة
وجابر، قال جابر: إنما القصر ركعة عند القتال، وقال إسحاق: يجزيك عن الشدة ركعة تومىء
إيماءً فإن لم تقدر فسجدة واحدة، فإن لم تقدر فتكبيرة لأنها ذكر الله تعالى. وعن الضحاك
أنه قال: ركعة، فإن لم تقدر كبر تكبيرة حيث كان وجهك،. وقال القاضي: لا تأثير للخوف
في عدد الركعات، وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم ابن عمر والنخعي والثوري ومالك
والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه، وسائر أهل العلم من علماء الأمصار لا يجيزون ركعة.
٩٤٢/٦٥ - حدَّثنا أبو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال سأَلْتُهُ هَلْ صَلَّى النبيُّ
عَّهِ يَعْنِي صِلاَةَ الخَوْفِ قال أخبرني سالِمٌ أنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما قال
غَزَوْتُ مَعَ رسولِ اللهِ عَّهِ قِبَلَ نَجْدٍ فَوَازَيْنَا العَدُوَّ فصَافَفْنَا لَهُمْ فَقَامَ رسولُ اللهِ عَلِ يُصَلِّي
لَنَا فَقَامَتْ طائِفَةٌ مَعهُ تُصَلِّي وَأقْبَلَتْ طائِفَةٌ عَلَى العَدُوِّ ورَكَّعَ رسولْ اللّهِ عَ لّه بِمَنْ مَعَهُ وَسَجَدَ
سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكانَ الطَّائِفَةِ التي لَمْ تُصَلِّ فجَاؤُوا فَرَكَعَ رسولُ اللهِ عَلّه بِهِمْ رَكْعَةٌ
وسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ فقامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةٌ وسَجدَ سَجْدتَيْنِ.
[الحديث ٩٤٢ - أطرافه في: ٩٤٣، ٤١٣٢، ٤١٣٣، ٤٥٣٥].
مطابقته للترجمة من حيث إن المذكور فيها مشروعية صلاة الخوف، والحديث فيه
کذلك مع بیان صفتها.

٣٦٩
١٢ - كتاب الخوف / باب (١)
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: أبو اليمان الحكم بن نافع. الثاني: شعيب بن أبي
حمزة. الثالث: محمد بن مسلم الزهري. الرابع: سالم بن عبد الله بن عمر. الخامس: أبوه
عبد الله بن عمر.
:
:
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإخبار كذلك
في موضع. وفيه : العنعنة في موضع واحد. وفيه : الإخبار بصيغة الإفراد. وفيه : القول في
أربعة مواضع. وفيه : أن الأولين من الرواة حمصيان والإثنين بعدهما مدنيان.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في المغازي عن أبي
اليمان. وأخرجه مسلم أيضاً عن عبد بن حميد عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري.
وأخرجه أبو داود عن مسدد بن عبد الملك عن يزيد بن زريع عن معمر عن الزهري. وأخرجه
الترمذي عن محمد بن عبد الملك عن يزيد بن زريع عن معمر عن الزهري، وأخرجه النسائي
عن كثير بن عبيد عن بقية عن شعيب عن الزهري عن سالم عن أبيه. وأخرجه النسائي أيضاً
عن عبد الأعلى بن واصل عن يحيى بن آدم عن سفيان عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن
عمر، ولما أخرج الترمذي حديث ابن عمر قال: وفي الباب عن جابر وحذيفة وزيد بن ثابت
وابن عباس وأبي هريرة وابن مسعود سهل ابن أبي حثمة وأبي عياش الزرقي، واسمه زيد بن
صامت وأبي بكرة. قلت: وفيه أيضاً عن علي وعائشة وخوات بن جبير وأبي موسى
الأشعري. فحديث جابر عند مسلم موصولاً، وعند البخاري معلقاً في المغازي. وحديث
حذيفة عند أبي داود والنسائي. وحديث زيد بن ثابت عند النسائي. وحديث ابن عباس عند
البخاري والنسائي. وحديث أبي هريرة عند البخاري في التفسير والنسائي في الصلاة.
وحديث ابن مسعود عند أبي داود. وحديث سهل بن أبي حثمة عند الترمذي. وحديث
أبي عياش عند أبي داود والنسائي. وحديث أبي بكرة عند أبي داود والنسائي. وحديث
علي عند البزار. وحديث عائشة عند أبي داود. وحديث خوات بن جبير عند ابن منده في
(معرفة الصحابة) وحديث أبو موسى عند ابن عبد البر في (التمهيد).
ذكر معناه: قوله: ((سألته)) السائل هو: شعيب، أي: سألت الزهري. قوله: ((هل صلى
النبي عَّه؟)) وفي رواية السراج: عن محمد بن يحيى عن أبي اليمان شيخ البخاري: ((سألته
هل صلى رسول الله عَّلٍ صلاة الخوف وكيف صلاها إن كان صلاها؟)) قوله: ((قبل نجد))،
بكسر القاف وفتح الباء، أي: جهة نجد، والنجد كل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو
نجد، وهذه الغزوة هي غزوة ذات الرقاع. وقال ابن إسحاق: أقام رسول الله عَ لَّه بالمدينة بعد
غزوة بني النضير شهري ربيع وبعض جمادى، ثم غزا نجداً يريد بني محارب وبني ثعلبة من
غطفان، واستعمل على المدينة أبا ذر، رضي الله تعالى عنه، قال ابن هشام: ويقال: عثمان بن
عفان، رضي الله تعالى عنه. قال ابن إسحاق: فسار حتى نزل نجداً وهي غزوة ذات الرقاع،
قلت: ذكرها في السنة الرابعة من الهجرة، وكانت فيها غزوة بني النضير أيضاً، وهي التي
أنزل الله تعالى فيها سورة الحشر، وحكى البخاري عن الزهري عن عروة أنه قال: كانت غزوة
عمدة القاري / ج٦ / ٢٤٣

٣٧٠
١٢ - كتاب الخوف / باب (١)
بني النضير أيضاً بعد بدر بستة أشهر قبل أحد، وكانت غزوة أحد في شوال سنة ثلاث.
واختلفوا في أي سنة نزل بيان صلاة الخوف؟ فقال الجمهور: إن أول ما صليت في
غزوة ذات الرقاع، قاله محمد بن سعد وغيره. واختلف أهل السير في أي سنة كانت؟ فقيل:
سنة أربع، وقيل: سنة خمس، وقيل: سنة ست، وقيل: سنة سبع، فقال محمد بن إسحاق
كانت أول ما صليت قبل بدر الموعد، وذكر ابن إسحاق وابن عبد البر أن بدر الموعد
كانت في شعبان من سنة أربع. وقال إبن إسحاق: وكانت ذات الرقاع في جمادى الأولى،
وكذا قال أبو عمر بن عبد البر: إنها في جمادى الأولى سنة أربع. فإن قلت: قال الغزالي في
(الوسيط) وتبعه عليه الرافعي: إن غزوة ذات الرقاع آخر الغزوات. قلت: هذا غير صحيح،
وقد أنكر عليه ابن الصلاح في (مشكل الوسيط) وقال: ليست آخرها ولا من أواخرها، وإنما
آخر غزواته: تبوك، وهو كما ذكره أهل السير، وإن أراد أنها آخر غزاة صلى فيها صلاة
الخوف فليس بصحيح أيضاً، فقد صلى معه صلاة الخوف أبو بكرة، وإنما نزل إلى النبي
عَّ له في غزوة الطائف، تدلى ببكرة فكني بها، وليس بعد غزوة الطائف إلّ غزوة تبوك، ولهذا
قال ابن حزم: إن صفة صلاة الخوف في حديث أبي بكرة أفضل صلاة الخوف، لأنها آخر
فعل رسول الله عَ لَه لها.
قوله: ((فوازينا العدو)) أي: قابلنا من الموازاة، وهي المقابلة والمحاذاة وأصله من
الإزاء: بالهمزة، في أوله يقال: هو بإزائه: أي: بحذائه، وقد آزيته إذا حاذيته. ولا تقل: وازيته،
قاله الجوهري. قلت: فعلى هذا أصل. قوله: ((فوازينا)) أي: فآزينا قلبت الهمزة واواً كما أن
الواو تقلب همزة في مواضع منها: أواقي أصله وواقي. قوله: ((فصاففناهم))، وفي رواية
المستملي والسرخسي: ((فصاففنا لهم))، ويروى: ((فصففناهم)). قوله: ((يصلي لنا))، أي: لأجلنا
أو يصلي بنا. قوله: ((ركعة وسجدتين))، وفي رواية عبد الرزاق عن ابن جريج عن الزهري:
مثل نصف صلاة الصبح، وهذه الزيادة تدل على أن الصلاة المذكورة كانت غير الصبح:
فتكون رباعية، وسيأتي في المغازي ما يدل على أنها كانت صلاة العصر، وصرح في رواية
مسلم في حديث جابر بالعصر، وفي حديث أبي بكرة بالظهر. قوله: ((ثم انصرفوا مكان
الطائفة التي لم تصل)) أي: فقاموا في مكانهم، وصرح فيه في رواية بقية عن شعيب عن
الزهري عن النسائي.
ذكر ما يستفاد منه: هذا الحديث حجة لأصحابنا الحنفية في صلاة الخوف،
وحديث ابن مسعود أيضاً رواه أبو داود: حدثنا عمران بن ميسرة حدثنا ابن فضيل حدثنا
خصيف عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنه، قال ((صلى رسول الله
عَّ لِ صلاة الخوف فقاموا صفاً خلف رسول الله عٍَّ وصف مستقبل العدو، فصلى بهم
النبي عَ لّهِ ركعة ثم جاء الآخرون فقاموا مقام أولئك مستقبلي العدو، ورجع أولئك إلى
مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا)) ورواه البيهقي أيضاً، وقال: أبو عبيدة لم يسمع من
أبيه، وخصيف ليس بالقوي. قلت: أبو عبيدة أخرج له البخاري محتجاً به في غير موضع،

٣٧١
١٢ - كتاب الخوف / باب (١)
وروى له مسلم، وقال أبو داود: كان أبو عبيدة يوم مات أبوه ابن سبع سنين مميزاً، وابن سبع
سنين يحتمل السماع والحفظ، ولهذا يؤمر الصبي ابن سبع سنين بالصلاة تخلقاً وتأدباً،
وخصيف، بالخاء المعجمة، وثقه أبو زرعة والعجلي وابن معين وابن سعد، وقال النسائي:
صالح، وجعل المازري حديث ابن عمر قول الشافعي وأشهب، وحديث جابر قول أبي
حنيفة، وهو سهو فيهما، بل أخذ أبو حنيفة وأصحابه وأشهب برواية ابن عمر، والشافعي
برواية سهل بن أبي حثمة، وقال النووي: ولو فعل مثل رواية ابن عمر ففي صحته قولان،
والصحيح المشهور صحته. قال: وقول الغزالي قاله بعض أصحابنا، بعيد وغلط في شيئين
أحدهما: نسبته إلى بعض الأصحاب، بل نص عليه الشافعي في (الجديد) وفي (الرسالة)
وفي الثاني: تضعيفه انتهى. قلت: هم يقولون: قال الشافعي: إذا صح الحديث فهو مذهبي،
وأي شيء يكون أصح من حديث ابن عمر وقد خرجته الجماعة؟ وقال القدوري في (شرح
مختصر الكرخي) وأبو نصر البغدادي في (شرح مختصر القدوري): الكل جائز، وإنما الخلاف
في الأولى.
فائدة: قال الخطابي: صلاة الخوف أنواع صلاها النبي عَّه في أيام مختلفة وأشكال
متباينة يتحرى في كلها ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة، فهي على اختلاف صورها
متفقة المعنى. وقال ابن عبد البر في (التمهيد): روي في صلاة الخوف عن النبي عَّله وجوه
كثيرة فذكر منها ستة أوجه: الأول: ما دل عليه حديث ابن عمر، قال به من الأئمة الأوزاعي
وأشهب. قلت: قال به أبو حنيفة وأصحابه على ما ذكرنا. الثاني: حديث صالح بن خوات
عن سهل بن أبي حثمة، قال به مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور. الثالث: حديث ابن مسعود
قال به أبو حنيفة وأصحابه إلاّ أبا يوسف. الرابع: حديث أبي عياش الزرقي، قال به ابن أبي
ليلى والثوري. الخامس: حديث حذيفة قال به الثوري في (مجيزه) وهو المروي عن جماعة
من الصحابة منهم: حذيفة وابن عباس وزيد بن ثابت وجابر بن عبد الله. السادس: حديث
أبي بكرة أنه صلى بكل طائفة ركعتين، وكان الحسن البصري يفتي به، وقد حكى المزني
عن الشافعي: أنه لو صلى في الخوف بطائفة ركعتين ثم سلم فصلى بالطائفة الأخرى ركعتين
ثم سلم كان جائزاً. قال: وهكذا صلى النبي عَّمِ ببطن نخل، قال ابن عبد البر: وروي أن
صلاته هكذا كانت يوم ذات الرقاع، وذكر أبو داود في (سننه) لصلاة الخوف ثمانية صور،
وذكرها ابن حبان في (صحيحه) تسعة أنواع، وذكر القاضي عياض في (الإكمال) لصلاة
الخوف ثلاثة عشر وجهاً، وذكر الثوري أنها تبلغ ستة عشر وجهاً، ولم يبين شيئاً من ذلك.
وقال شيخنا الحافظ زين الدين في (شرح الترمذي): قد جمعت طرق الأحاديث الواردة في
صلاة الخوف فبلغت سبعة عشر وجهاً، وبيّتها، لكن يمكن التداخل في بعضها. وحكى ابن
القصار المالكي: أن النبي عَّلِ صلاها عشر مرات، وقال ابن العربي: صلاها أربعاً وعشرين
مرة وبيّ القاضي عياض تلك المواطن، فقال: وفي حديث ابن أبي حثمة وأبي هريرة وجابر
أنه صلاها في يوم ذات الرقاع سنة خمس من الهجرة، وفي حديث أبي عياش الزرقي أنه

٣٧٢
١٢ - كتاب الخوف / باب (٢)
صلاها بعسفان ويوم بني سليم، وفي حديث جابر في غزاة جهينة وفي غزاة بني محارب
بنخل، وروى أنه صلاها في غزوة نجد يوم ذات الرقاع، وهي غزوة نجد وغزوة غطفان.
وقال الحاكم في (الإكليل) حين ذكر غزوة ذات الرقاع: وقد تسمى هذه الغزوة غزوة
محارب، ويقال: غزوة خصفة، ويقال: غزوة ثعلبة، ويقال: غطفان، والذي صح أنه صلى بها
صلاة الخوف من الغزوات: ذات الرقاع وذو قرد وعسفان وغزوة الطائف، وليس بعد غزوة
الطائف إلّ تبوك وليس فيها لقاء العدو، والظاهر أن غزوة نجد مرتان، والذي شهدها أبو
موسى وأبو هريرة هي غزوة نجد الثانية لصحة حديثيهما في شهودها.
ومما يستفاد من حديث الباب من قوله: ((طائفة)) أنه لا فرق بين أن تكون إحدى
الطائفتين أكثر من الأخرى عدداً أو تساوى عددهما، لأن الطائفة تطلق على القليل والكثير
حتى على الواحد، فلو كانوا ثلاثة ووقع عليهم الخوف جاز لأحدهم أن يصلي بواحد
ويحرس واحد، ثم يصلي الآخر، وهو أقل ما يتصور في صلاة الخوف جماعة، على القول:
بأن أقل الجماعة ثلاثة، لكن الشافعي قال: أكره أن تكون كل طائفة أقل من ثلاثة، لأنه أعاد
عليهم ضمير الجمع بقوله: ((أسلحتهم))، ذكره النووي.
ومن ذلك أنهم كانوا مسافرین، فلو كانوا مقیمین فحكمهم حكم المسافرين عند
الخوف، وبه قال الشافعي وأحمد ومالك في المشهور عنه، وعنه: لا تجوز صلاة الخوف في
الحضر. وقال أصحابه: تجوز خلافاً لابن الماجشون، فإنه قال: لا تجوز، ونقل النووي عن
مالك عدم الجواز في الحضر على الإطلاق غير صحيح، لأن المشهور عنه الجواز.
٢ - بابُ صَلاَةِ الخَوْفِ رِجَالاً ورُكْبَاناً
أي: هذا باب في بيان حكم صلاة الخوف حال كون المصلين رجالاً وركباناً،
فالرجال جمع: راجل، والركبان جمع: راكب، وذلك عند الاختلاط وشدة الخوف، وأشار
بهذه الترجمة إلى أن الصلاة لا تسقط عند العجز عن النزول عن الدابة فإنهم يصلون ركباناً
فرادى يومئون بالركوع والسجود إلى أي جهة شاؤوا. وفي (الذخيرة): إذا اشتد الخوف صلوا
رجالاً قياماً على أقدامهم أو ركباناً مستقبلي القبلة وغير مستقبليها. وقال القاضي عياض في
(الإكمال): لا يجوز ترك استقبال القبلة فيها عند أبي حنيفة وهذا غير صحيح، ولا تجوز
بجماعة عند أبي حنيفة وأبي يوسف وابن أبي ليلى، وعن محمد: تجوز، وبه قال الشافعي،
وإذا لم يقدروا على الصلاة على ما وصفنا أخروها ولا يصلون صلاة غير مشروعة، وعن
مجاهد وطاوس والحسن وقتادة والضحاك: يصلون ركعة واحدة لا بإيماء، وعن الضحاك: فإن
لم يقدروا يكبرون تكبيرتين حيث كانت وجوههم، وقال إسحاق: إن لم يقدروا على الركعة
فسجدة واحدة، وإلّ فتكبيرة واحدة.
رَاجٌِ قائِمٌ
أشار بهذا إلى شيئين: أحدهما: أن رجالاً في الترجمة جمع: راجل، لا جمع: رجل.

٣٧٣
١٢ - كتاب الخوف / باب (٢)
والثاني: أن الراجل بمعنى الماشي، كما في سورة الحج ﴿يأتوك رجالاً﴾ [الحج: ٢٧].
٩٤٣/٦٦ - حدّثنا سَعِيدُ بنُ يَحيى بنِ سعِيدِ القُرَشِيُّ قال حدَّثني أبي قال حدَّثنا ابنُ
جُرَيْجِ عنْ مُوسى بنِ عُقْبَةَ عنْ نافِعِ عنِ ابنِ عُمَرَ نَخْواً مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ إِذَا اخْتَلَطُوا قِياماً.
وزَادَ ابْنُ عُمَرَ عنِ النَّبِيِّ عَّهِ وإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذُلِكَ فَلْيُصلُّوا قِياماً ورُكْبَاناً. [انظر الحديث
٩٤٢ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم سبعة: الأول: سعيد بن يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص
القرشي، يكنى أبا عثمان البغدادي، مات في النصف من ذي القعدة سنة تسع وأربعين
ومائتين. الثاني: أبوه يحيى بن سعيد المذكور، قال البخاري: حدثني سعيد بن يحيى أنه
قال: مات أبي في النصف من شعبان سنة أربع وتسعين ومائة. الثالث: عبد الملك بن عبد
العزيز بن جريج. الرابع: موسى بن عقبة بن أبي عياش، مولى الزبير بن العوام، مات سنة
أربعين ومائة. الخامس: نافع مولى ابن عمر. السادس: مجاهد بن جبير.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في
موضع وهي قوله: حدثني أبي، ويروى بصيغة الجمع أيضاً. وفيه : العنعنة في ثلاثة مواضع.
وفيه : القول في موضعين. وفيه : أن شيخه بغدادي وأبوه كوفي وابن جريج ومجاهد مكيان
وموسى ونافع مدنيان. وفيه : أن أحد الرواة منسوب إلى جده.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة والنسائي عن عبد
الأعلى بن واصل، كلاهما عن يحيى بن آدم عن سفيان عن موسى بن عقبة، فذكر صلاة
الخوف نحو سياق الزهري عن سالم، وقال في آخره: قال ابن عمر، فإذا كان الخوف أكثر
من ذلك فليصل راكباً أو قائماً يومىء إيماءً، ورواه ابن المنذر من طريق داود بن عبد الرحمن
عن موسى بن عقبة موقوفاً، كله، لكن قال في آخره: وأخبرنا نافع أن عبد الله بن عمر كان
يخبر بهذا عن النبي عَِّ، فاقتضى ذلك رفعه كله، ورواه مالك في (الموطأ) عن نافع
كذلك، لكن قال في آخره: قال نافع: لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلاّ عن النبي عنهے،
وزاد في آخره: مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها.
ذكر معناه: قوله: ((عن نافع عن ابن عمر نحواً من قول مجاهد)) أي: روى نافع عن
ابن عمر مثل قول مجاهد، وقول مجاهد هو قوله: إذا اختلطوا، بيّ ذلك الإسماعيلي من
رواية حجاج بن محمد عن ابن محمد عن ابن جريج عن عبد الله بن كثير عن مجاهد: إذا
اختلطوا فإنما هو الذكر، وإشارة الرأس، وكل واحد من قول ابن عمر وقول مجاهد موقوف،
أما رواية نافع عن ابن عمر فإنها موقوفة على ابن عمر، وأما قول مجاهد فإنه موقوف على
نفسه، لأنه لم يروه عن ابن عمر، ولا عن غيره، وقال ابن بطال: أما صلاة الخوف رجالاً
وركباناً فلا تكون إلاّ إذا اشتد الخوف واختلطوا في القتال، وهذه الصلاة تسمى: بصلاة

٣٧٤
١٢ - كتاب الخوف / باب (٣)
المسايفة، وممن قال بذلك ابن عمر، وإن كان خوفاً شديداً صلوا قياماً على أقدامهم أو
ركباناً مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها، وهو قول مجاهد: روى ابن جريج عن مجاهد قال:
إذا اختلطوا فإنما هو الذكر والإشارة بالرأس، فمذهب مجاهد أنه يجزيه الإيماء عند شدة القتال
كمذهب ابن عمر، وقول البخاري: وزاد ابن عمر عن النبي عَّ: ((وإن كانوا أكثر من
ذلك فليصلوا قياماً وركباناً)) أراد به أن ابن عمر رواه عن النبي عَّله وليس من رأيه، وإنما هو
مسند، وهذا هو التحقيق في هذا المقام، وليس أحد من الشراح غير ابن بطال أعطى لهذا
الحديث حقه. قوله: ((إذا اختلطوا قياماً) أي: قائمين، وانتصابه على الحال، وذو الحال
محذوف تقديره: يصلون قياماً، والمراد من الاختلاط: اختلاط المسلمين بالعدو. قوله: ((وإن
كانوا أكثر من ذلك)) أي: وإن كان العدو أكثر عند اشتداد الخوف. وقوله: ((من ذلك)) أي:
من الخوف الذي لا يمكن معه القيام في موضع ولا إقامة صف فليصلوا حينئذ قياماً وركباناً.
وانتصابهما على الحال، ومعنى: ركباناً أي: على رواحلهم، لأن فرض النزول سقط. وقال
الطحاوي: ذهب قوم إلى أن الراكب لا يصلي الفريضة على دابته وإن كان في حال لا يمكنه
فيها النزول، لأن النبي عَّه لم يصل يوم الخندق راكباً.
والحديث أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما، وهو ما روي عن حذيفة قال: ((سمعت
النبي عَّالله يقول يوم الخندق: شغلونا عن صلاة العصر، قال: ولم يصلها يومئذ حتى غربت
الشمس، ملأ الله قبورهم ناراً وقلوبهم ناراً وبيوتهم ناراً). هذا لفظ الطحاوي. قلت: وأراد
الطحاوي بالقوم: ابن أبي ليلى والحكم بن عتيبة والحسن بن حي، وقال: وخالفهم في ذلك
آخرون، وأراد بهم: الثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمداً وزفر ومالكاً وأحمد، فإنهم قالوا:
إن كان الراكب في الحرب يقاتل لا يصلي وإن كان راكباً لا يقاتل ولا يمكنه النزول يصلي،
وعند الشافعي: يجوز له أن يقاتل وهو يصلي من غير تتابع الضربات والطعنات، ثم قال
الطحاوي: وقد يجوز أن يكون النبي عَ لّه لم يصل يومئذ لأنه لم يكن أمر حينئذ أن يصلي
راكباً، دل على ذلك حديث أبي سعيد الخدري أنه قال: حبسنا يوم الخندق حتى كان بعد
المغرب بهوي من الليل حتى كفينا، وذلك قول الله عز وجل: ﴿وكفى الله المؤمنين القتال
وكان الله قوياً عزيزاً﴾ [الأحزاب: ٢٥]. قال: فدعا رسول الله عَّ له بلالاً فأقام الظهر فأحسن
صلاتها كما كان يصليها في وقتها، ثم أمره فأقام العصر فصلاها كذلك، ثم أمره فأقام
المغرب فصلاها كذلك، وذلك قبل أن ينزل الله عز وجل في صلاة الخوف: ﴿فرجالاً أو
ركباناً﴾ [البقرة: ٢٣٩]. فأخبر أبو سعيد أن تركهم للصلاة يومئذ ركباناً إنما كان قبل أن يباح
لهم ذلك، ثم أبيح لهم بهذه الآية.
٣ - بابٌ يخرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً فِي صَلاةِ الخَوْفِ
أي: هذا باب ترجمته: يحرس بعض المصلين بعضاً في صلاة الخوف. قال ابن بطال:
ومحل هذه الصورة إذا كان العدو في جهة القبلة فلا يفترقون بخلاف الصورة الماضية في
حديث ابن عمر، قال الطحاوي: ليس هذا بخلاف القرآن لجواز أن يكون قوله تعالى:

٣٧٥
١٢ - كتاب الخوف / باب (٣)
﴿ولتأت طائفة أخرى﴾ [النساء: ١٠٢]. إذا كان العدو في غير القبلة، وذلك ببيانه، عَّ له، ثم
بيّ كيفية الصلاة إذا كان العدو في جهة القبلة.
٩٤٤/٦٧ - حدّثنا حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحِ قال حدَّثنا مُحَمدُ بنُ حَرْبٍ عنِ الزُّبَيْدِيِّ عنِ الزُّهْرِيِّ
عنْ عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عُتْبَةً عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال قامَ النبيُّ عَّله
وقامَ النَّاسُ مَعَهُ فَكَبَّرَ وكَبَّرُوا معَهُ ورَكَعَ ورَكَعَ ناسٌ مِنْهُمْ ثُمَّ سَجَدَ وسَجَدُوا مَعَهُ ثُمَّ قَامَ
الثَّانِيَةِ فَقَامَ الَّذِينَ سَجَدُوا وحرَسُوا إِخْوَانَهُمْ وَأَتَتِ الطَّائِفَةُ الأَخْرَى فَرَكَعُوا وسَجَدُوا مَعَهُ
والنَّاس كُلُّهُمْ فِي صَلاَةٍ وَلَكِنْ يَخْرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً.
مطابقته للترجمة في قوله: ((حرسوا إخوانهم).
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: حيوة، بفتح الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف
وفتح الواو وفي آخره هاء: ابن شريح، بضم الشين المعجمة وفتح الراء وسكون الياء آخر
الحروف وفي آخره حاء مهملة: أبو العباس الحمصي الحضرمي، وهو حيوة الأصغر، مات
سنة أربع وعشرين ومائتين. الثاني: محمد بن حرب - ضد الصلح - الخولاني الحمصي
المعروف بالأبرش، مات سنة اثنتين وتسعين ومائة. الثالث: محمد بن الوليد الزبيدي يكنى أبا
الهذيل الشامي الحمصي. والزبيدي، بضم الزاي وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر
الحروف وكسر الدال المهملة: نسبة إلى زبيد، وهو منبه بن صعب، وهذا هو زبيد الأكبر.
الرابع: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. الخامس: عبيد الله، بضم العين: ابن عبد الله -
بالتكبير - ابن عتبة، بضم العين المهملة وسكون التاء المثناة من فوق وفتح الباء الموحدة: ابن
مسعود الهزلي أبو عبد الله المدني الفقيه الأعمى، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، مات سنة
تسعة وتسعین، السادس: عبد الله بن عباس.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه : العنعنة في
ثلاثة مواضع. وفيه : القول في موضعين. وفيه : عن الزبيدي، وفي رواية الإسماعيلي: حدثنا
الزبيدي. وفيه : أن الثلاثة الأول من الرواة حمصيون، والإثنان بعدهم مدنيان. وفيه : الإثنان
منهم مذكوران بالنسبة. وفيه : أحدهم اسمه مصغر.
والحديث أخرجه النسائي في الصلاة أيضاً: عن عمرو بن عثمان عن محمد بن حرب
عن الزبيدي عنه به.
ذكر معناه: قوله: ((وركع ناس منهم)) زاد الكشميهني: ((معه)). قوله: ((ثم قام للثانية))
أي: الركعة الثانية، وكذا في رواية النسائي والإسماعيلي: ((ثم قام إلى الركعة الثانية فتأخر
:
الذين سجدوا معه)). قوله: ((وأتت الطائفة الأخرى)) أي: الذين لم يركعوا ولم يسجدوا معه
في الركعة الأولى. قوله: ((فركعوا وسجدوا))، وفي رواية النسائي والإسماعيلي: ((فركعوا مع
النبي عَّهُ)). قوله: ((كلهم في صلاة))، زاد الإسماعيلي: ((يكبرون))، ولم يقع في رواية
الزهري هذه هل أكملوا الركعة الثانية أم لا؟ وقد رواه النسائي من طريق أبي بكر بن أبي

٣٧٦
١٢ - كتاب الخوف / باب (٤)
الجهم عن شيخه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة فزاد في آخره، ولم يقضوا، وهذا
كالصريح في اقتصارهم على كل ركعة ركعة.
ذكر ما يستفاد منه: هذا الحديث في صورة ما إذا كان العدو بينه وبين القبلة،
فيصف الناس فى صفين فيركع بالصف الذي يليه ويسجد معه، والصف الثاني قائم يحرس،
فإذا قام من سجوده إلى الركعة الثانية تقدم الصف الثاني وتأخر الأول فركع عَ ليه بهم،
وأكمل الركعة وهم كلهم في صلاة. وقد روي الحديث من طريق آخر ((عن ابن عباس أنه
عَّ الله: صلى بهم صلاة الخوف بذي قرد والمشركون بينه وبين القبلة))، وقد روى نحوه أبو
عياش الزرقي وجابر بن عبد الله مرفوعاً، وبه قال ابن عباس: إذا كان العدو في القبلة أن
يصلي على هذه الصفة، وهو مذهب ابن أبي ليلى، وحكى ابن القصار عن الشافعي نحوه،
وقال الطحاوي: ذهب أبو يوسف إلى أن العدو إذا كان في القبلة فالصلاة هكذا، وإذا كان
في غيرها فالصلاة كما روى ابن عمر وغيره. قال: وبهذا تتفق الأحاديث. قال: وليس هذا
بخلاف التنزيل لأنه يجوز أن يكون قوله: ﴿ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك﴾
[النساء: ١٠٢]. إذا كان العدو في غير القبلة، ثم أوحي إليه بعد ذلك كيف حكم الصلاة إذا
كانوا في القبلة، ففعل الفعلين جميعاً كما جاء الخبران، وترك مالك وأبو حنيفة العمل بهذا
الحديث لمخالفته للقرآن، وهو قوله: ﴿ولتأت طائفة أخرى .. ﴾ [النساء: ١٠٢]. الآية،
والقرآن يدل على ما جاءت به الروايات في صلاة الخوف عن ابن عمر وغيره من دخول
الطائفة الثانية في الركعة الثانية، ولم يكونوا صلوا قبل ذلك. وقال أشهب وسحنون: إذا كان
العدو في القبلة لا أحب أن يصلي بالجيش أجمع، لأنه يتعرض أن يفتنه العدو ويشغلوه،
ويصلي بطائفتين شبه صلاة الخوف، والله تعالى أعلم.
٤ - بابُ الصَّلاةِ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ الحُصُونِ وَلِقَاءِ العَدُوِّ
أي: هذا باب في بيان الصلاة عند مناهضة الحصون. يقال: ناهضته أي: قاومته،
وتناهض القوم في الحرب: إذا نهض كل فريق إلى صاحبه، وثلاثيه من باب: فعل يفعل
بالفتح فيهم، يقال: نهض ينهض نهضاً ونهوضاً أي: قام، وأنهضته أنا فانتهض واستنهضته
لأمر كذا، إذا أمرته بالنهوض. والحصون جمع: حصن، بكسر الحاء، وقد فسر الجوهري:
القلعة بالحصن، حيث قال: القلعة الحصن على الجبل، والظاهر أن بينهما فرق باعتبار
العرف، فإن القلعة تكون أكبر من الحصن، وتكون على الجبل والسهل، والحصن غالباً يكون
على الجبل وألطف من القلعة. وأصل معنى الحصن: المنع، سمي به لأنه يمنع من فيه ممن
يقصده. قوله: ((ولقاء العدو)) أي: والصلاة عند لقاء العدو، واللقاء: الملاقاة، وهذا العطف من
عطف العام على الخاص.

٣٧٧
١٢ - كتاب الخوف / باب (٤)
وقال الأوْزَاعِيُّ إنْ كانَ تَهَيَّأُ الفَتْحُ ولَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلاَةِ صلَّوْا إِيمَاءً كُلُّ امْرِىءٍ لِنَفْسِهِ فإنْ
لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الإِيمَاءِ أَخَّرَ الصَّلاَةَ حَتَّى يَنْكَشِفَ القِتَالُ أوْ يَأْمَنُوا فَيُصَلُّوَا رَكْعَتَيْنِ فَإِنْ لَمْ
يَقْدِرُوا صَلُّوْا رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنٍ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا فَلاَ يُجْزِتُهُمُ التَّكْبِيرُ وَيُؤَخِّرُونها حَتَّى يَأْمَنُوا
أشار بهذا إلى مذهب عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي أنه إن كان تهيأ الفتح، أي:
تمكن فتح الحصن. والحال أنهم لم يقدروا على الصلاة، أي: على إتمامها أفعالاً وأركاناً.
وفي رواية القابسي: إن كان بها الفتح، بالباء الموحدة، وهاء الضمير، قيل: إنه تصحيف.
قوله: ((صلوا إيماء)) أي: صلوا مومئين إيماء. قوله: ((كل امرىء لنفسه)) أي: كل شخص يصلي
بالإيماء منفرداً بدون الجماعة. قوله: ((لنفسه)) أي: لأجل نفسه دون غيره بأن لا يكون إماماً
لغيره. قوله: ((فإن لم يقدروا على الإيماء)) أي: بسبب اشتغال القلب والجوارح، لأن الحرب
إذا اشتد غاية الاشتداد لا يبقى قلب المقاتل وجوارحه إلاّ عند القتال، ويتعذر عليه الإيماء.
وقيل: يحتمل أن الأوزاعي كان يرى استقبال القبلة شرطاً في الإيماء، فيعجز عن الإيماء إلى
جهة القبلة. فإن قلت: كيف يتعذر الإيماء مع حصول العقل؟ قلت: عند وقوع الدهشة يُغلب
العقل فلا يعمل عمله. قوله: ((أو يأمنوا)) استشكل فيه ابن رشيد بأنه جعل الأمن قسيم
الانكشاف، وبه يحصل الأمن فكيف يكون قسيمه؟ وأجاب الكرماني عن هذا فقال: قد
ينكشف ولا يحصل الأمن لخوف المعاودة، وقد يأمن لزيادة القوة وإيصال المدد مثلاً، ولم
يكن منكشفاً بعد.
قوله: ((فإن لم يقدروا)) يعني: على صلاة ركعتين صلوا ركعة وسجدتين، فإن لم
يقدروا على صلاة ركعة وسجدتين يؤخرون الصلاة، فلا يجزيهم التكبير. وقال الثوري:
يجزيهم التكبير، وروى ابن أبي شيبة من طريق عطاء وسعيد بن جبير وأبي البختري في
آخرين، قالوا: إذا التقى الزحفان وحضرت الصلاة فقالوا: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ
الله والله أكبر، فتلك صلاتهم بلا إعادة. وعن مجاهد والحكم: إذا كان عند الطراد والمسايفة
يجزىء أن تكون صلاة الرجل تكبيراً، فإن لم يمكن إلاّ تكبيرة أجزأته أين كان وجهه. وقال
إسحاق بن راهويه: تجزىء عند المسايفة ركعة واحدة يومىء بها إيماء فإن لم يقدر فسجدة،
فإن لم يقدر فتكبيرة. قوله: ((حتى يأمنوا) أي: حتى يحصل لهم الأمن التام، وحجة الأوزاعي
فيما قاله حديث جابر، رضي الله تعالى عنه: إن لم يقدر على الإيماء أخر الصلاة حتى
يصليها كاملة، ولا يجزىء عنها تسبيح ولا تهليل، لأنه عَّ قد أخرها يوم الخندق. وهذا
استدلال ضعيف، لأن آية صلاة الخوف لم تكن نزلت قبل ذلك.
وبِهِ قالَ مَكْحُولٌ
أي: بقول الأوزاعي قال مكحول أبو عبد الله الدمشقي فقيه أهل الشام التابعي، ولد
مكحول بكابل لأنه من سبيه، فرفع إلى سعيد بن العاص فوهب لأمرأة من هذيل فأعتقته،
وقيل غير ذلك. وقال محمد بن سعد: مات سنة ست عشرة ومائة. قال العجلي: تابعي ثقة،
وروى له البخاري في (كتاب الأدب) و(القراءة خلف الإمام) وروى له مسلم والأربعة. وقال

٣٧٨
١٢ - كتاب الخوف / باب (٤)
الكرماني: قوله: وبه قال مكحول، يحتمل أن يكون من تتمة كلام الأوزاعي، وأن يكون تعليقاً
من البخاري؟ قلت: الظاهر أنه تعليق وصله عبد بن حميد في (تفسيره) عنه من غير طريق
الأوزاعي بلفظ: إذا لم يقدر القوم على أن يصلوا على الأرض صلوا على ظهر الدواب
ركعتين، فإن لم يقدروا فركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا أخروا الصلاة حتى يأمنوا فيصلوا
بالأرض.
وقال أنَسّ حَضَرْتُ عِنْدَ مُنَاهَضَةٍ حِصْنٍ تُسْتَرَ عِنْدَ إضَاءَةِ الفَجْرِ واشْتَدَّ اشْتِعَالُ القِتَالِ
فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلاَةِ فَلَمْ نُصَلِّ إلَّ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ فَصَلَّيْنَاهَا مَعَ أبِي مُوسى
فَفْتِحَ لَنَا. وقالَ أنَسّ وما يَسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلاَةِ الدُّنْيَا وما فِيهَا
هذا التعليق وصله ابن سعد وابن أبي شيبة من طريق قتادة عنه، وقال خليفة بن خياط
في (تاريخه): حدثنا ابن زريع عن سعيد عن قتادة عن أنس قال: لم نصل يومئذ الغداة حتى
انتصف النهار. قال خليفة: وذلك فى سنة عشرين. قوله: ((تستر))، بضم التاء المثناة من فوق
وسكون السين المهملة وفتح التاء الثانية وفي آخره راء: وهي مدينة مشهورة من كور الأهوار
بخورستان، وهي بلسان العامة: ششتر، بشينين أولاهما مضمومة والثانية ساكنة وفتح التاء
المثناة من فوق. اعلم أن تستر فتحت مرتين الأولى: صلحا، والثانية عنوة. قال ابن جرير:
كان ذلك في سنة سبع عشرة فى قول سيف، وقال غيره: سنة ست عشرة، وقيل: في سنة
تسع عشرة. قال الواقدي: لما فرغ أبو موسى الأشعري من فتح السوس صار إلى تستر فنزل
عليها وبها يومئذ الهرمزان، وفتحت على يديه، ومسك الهرمزان وأرسل به إلى عمر بن
الخطاب، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((فلم يقدروا على الصلاة)) إما للعجز عن النزول أو
عن الإيماء، وجزم الأصيلي بأن سببه أنهم لم يجدوا إلى الوضوء سبيلاً من شدة القتال. قوله:
((إلا بعد ارتفاع النهار)) وفي رواية عمر بن أبي شيبة: ((حتى انتصف النهار)). قوله: ((ما
يسرني بتلك الصلاة)) الباء فيها للمقابلة والبدلية، أي: بدل تلك الصلاة ومقابلتها. وفي رواية
الكشميهني: من تلك الصلاة. قوله: ((الدنيا)) فاعل: ((ما يسرني))، وقيل: معناه لو كانت في
وقتها كانت أحب إلي من الدنيا وما فيها. وفي رواية خليفة: ((الدنيا كلها)) بدل: ((الدنيا وما
فيها)).
٩٤٥/٦٨ _ حدَّثنا يَحْيَى قال حدَّثنا وَكِيعٌ عِنْ عَلِيٍّ بنِ المُبَارَكِ عنْ يَحْيِى بنِ أبِي كَثِيرٍ
عنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ قال جاءَ عُمَرُ يَوْمَ الخَنْدَقِ فَجَعَلَ يَسْبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ
ويَقُولُ يا رِسُولَ اللهِ ما صَلَّيْتُ العَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ أنْ تَغِيبَ فقال النبيُّ عَّه وأنا
والله ما صَلَّيْتُهَا بَعْدُ قالَ فَتَزَلَ إلى بُطْحَانَ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى العَصْرَ بَعْدما غَابَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ
صَلَّى المغْرِبَ بَعْدَهَا. [انظر الحديث ٥٩٦ وأطرافه].
مطابقته للجزء الثاني من الترجمة. وهو قوله: ((ولقاء العدو))، وكان الحكم فيه من
جملة الأحكام التي ذكرناها تأخير الصلاة إلى وقت الأمن. وفي هذا الحديث أيضاً: أخرت

٣٧٩
١٢ - کتاب الخوف / باب (٥)
الصلاة عن النبي، عٍَّ، وعن عمر وغيرهما: حتى نزلوا إلى بطحان، بضم الباء الموحدة: وادٍ
بالمدينة، فصلوها فيه. وصرح ههنا بأن الفائتة هي صلاة العصر، وفي (الموطأ): الظهر
والعصر. وفي النسائي: الظهر والعصر والمغرب والعشاء. وفي الترمذي: أربع صلوات. وقد
استوفينا الكلام في هذا الحديث من سائر الوجوه في: باب من صلى بالناس جماعة بعد
ذهاب الوقت، لأنه أخرجه هناك: عن معاذ بن فضالة عن هشام عن يحيى عن أبي سلمة عن
جابر، وههنا أخرجه: عن يحيى بن جعفر، والنسخ مختلفة فيه ففي أكثر الروايات: حدثنا
يحيى حدثنا وكيع، ووقع في رواية أبي ذر: يحيى بن موسى، ووقع في نسخة صحيحة
بعلامة المستملي: يحيى بن جعفر، ووقع في بعض النسخ: يحيى ابن موسى بن جعفر، وهو
غلط. والنسخة المعتمد عليها: يحيى بن جعفر بن أعين أبو زكريا البخاري يحيى البيكندي،
مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين، وهو من أفراد البخاري، وأما يحيى بن موسى بن عبد ربه بن
سالم فهو الملقب: بخت، بفتح الخاء المعجمة وتشديد التاء المثناة من فوق، وهو أيضاً من
مشايخ البخاري، وهو أيضاً من أفراده، وروى عنه البخاري في البيوع والحج ومواضع، وقال:
مات سنة أربعين ومائتين.
ثم اختلفوا في سبب تأخير الصلاة يوم الخندق، فقال بعضهم: اختلفوا هل كان نسياناً
أو عمداً، وعلى الثاني: هل كان للشغل بالقتال أو لتعذر الطهارة؟ أو قبل نزول آية الخوف؟
انتهى. قلت: الأحسن في ذلك مع مراعاة الأدب هو الذي قاله الطحاوي: وقد يجوز أن
يكون النبي عَ ◌ّ لم يصل يومئذ - يعني: يوم الخندق - لأنه كان يقاتل، فالقتال عمل
والصلاة لا يكون فيها عمل، وقد يجوز أن يكون: لم يصل يومئذ لأنه لم يكن أمر حينئذ أن
يصلي راكباً. وأما القتال في الصلاة فإنه يبطل الصلاة عندنا، وقال مالك والشافعي وأحمد: لا
يبطل، والله تعالى أعلم.
٥ - بابُ صَلاَةِ الطَّالِبٍ والمَطْلُوبِ رَاكِباً وَإِيمَاءً
أي: هذا باب في بيان صلاة الطالب وصلاة المطلوب. قوله: ((راكباً)) حال. قوله:
((وقائماً) عطف عليه، وفي بعض النسخ: أو قائماً، من القيام بالقاف في رواية الحموي وفي
رواية الأكثرين: ((راكباً وإيماء) أي: حال كونه مومياً.
وقالَ الوَلِيدُ ذَكَرْتُ لِلأوزَاعِيِّ صَلاَةَ شُرَخْبِيلَ بنِ السَّمْطِ وأصْحَابِهِ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ فقال
كَذَلِكَ الأَمْرُ عِنْدَنَا إذَا تُخُوِّفَ الفَوْتَ واحْتَجَّ الوَلِيدُ بِقَوْلِ النبيِّ عَ لَّهِ: ((لا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ
إلاّ فِي بَنِي قَرَيْظَةَ))
مطابقته للترجمة من حيث إن شرحبيل ومن معه كانوا ركباناً، والإجماع على أن
المطلوب لا يصلي إلّ راكباً، فكانوا مطلوبين راكبين، ولو كانوا طالبين أيضاً فالمطابقة
حاصلة، والوليد، بفتح الواو: وهو ابن مسلم القرشي الأموي الدمشقي يكنى أبا العباس، وقال
كاتب الواقدي: حج سنة أربع وتسعين ومائة. ثم انصرف فمات في الطريق قبل أن يصل إلى

٣٨٠
١٢ - كتاب الخوف / باب (٥)
دمشق، والأوزاعي: هو عبد الرحمن بن عمرو، وشرحبيل، بضم الشين المعجمة وفتح الراء
وسكون الحاء المهملة وكسر الباء الموحدة: ابن السمط، بفتح السين المهملة وكسر الميم،
على وزن: الكتف، قاله الغساني. وقال ابن الأثير: بكسر السين وسكون الميم: ابن الأسود بن
جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية الأكرمين بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع ابن كندة
الكندي أبو يزيد، ويقال: أبو السمط الشامي، مختلف في صحبته، ذكره في (الكمال) من
التابعين. وقال: ويقال: له صحبة للنبي عَّهِ. ويقال: لا صحبة له، وذكره محمد بن سعد في
الطبقة الرابعة: وقال: جاهلي إسلامي، وفد إلى النبي عَّ له، وأسلم، وقد شهد القادسية وولي
حمص، وهو الذي افتتحها وقسمها منازل، وقال النسائي: ثقة، وقال أحمد بن محمد بن
عيسى البغدادي صاحب (تاريخ الحمصيين): توفي بسلمية سنة ست وثلاثين، ويقال: سنة
أربعين، ويقال: مات بصفين، وليس له في البخاري في غير هذا الموضع، وهو تعليق رواه
الطبراني وابن عبد البر من وجه آخر: ((عن الأوزاعي قال: قال شرحبيل بن السمط لأصحابه:
لا تصلوا الصبح إلّ على ظهر، فنزل الأشتر - يعني: النخعي - فصلى على الأرض، فقال
شرحبيل: مخالف خالف الله به)).
وروى ابن أبي شيبة عن وكيع: حدثنا ابن عون («عن رجاء بن حيوة الكندي، قال:
((كان ثابت بن السمط - أو السمط بن ثابت - في مسير في خوف، فحضرت الصلاة فصلوا
ركباناً، فنزل الأشتر، فقال ماله؟ فقالوا: نزل يصلي. قال: ماله خالف؟ خولف به)) انتهى.
وذكر ابن حبان أن ثابت بن السمط أخو شرحبيل بن السمط، فإذا كان كذلك فيشبه أن
يكونا كانا في ذلك الجيش فنسب إلى كل منهما، وقد ذكر شرحبيل جماعة في الصحابة،
وثابتاً في التابعين، وقال ابن بطال: طلبت قصة شرحبيل بن السمط بتمامها لأتبيّن هل كانوا
طالبين أم لا؟ فذكر الفزاري في (السنن) عن ابن عون: ((عن رجاء عن ثابت بن السمط - أو
السمط بن ثابت - قال: كانوا في السفر في خوف فصلوا ركباناً، فالتفت فرأى الأشتر قد نزل
للصلاة، فقال: خالف خولف به، فجرح الأشتر في الفتنة)). قال: فبان بهذا الخبر أنهم كانوا
حين صلوا ركباناً لأن الإجماع حاصل على أن المطلوب لا يصلي إلّ راكباً، وإنما اختلفوا في
الطالب فقال ابن التين: صلاة ابن السمط ظاهرها إنها كانت في الوقت، وهو من قوله تعالى:
﴿رجالاً أو ركباناً﴾ [البقرة: ٢٣٩].
قوله: ((كذلك الأمر)) أي: أداء الصلاة على ظهر الدابة بالإيماء، وهو الشأن والحكم
عند خوف فوات الوقت أو فوات العدو أو فوات النفس. قوله: ((واحتج الوليد)) أي: الوليد
المذكور، وقال بعضهم: معناه أن الوليد قوى مذهب الأوزاعي في مسألة الطالب بهذه
القصة. قلت: لا يفهم من احتجاج الوليد بالحديث تقوية ما ذهب إليه الأوزاعي صريحاً وإنما
وجه الاستدلال به بطريق الأولوية، لأن الذين أخروا الصلاة حتى وصلوا إلى بني قريظة لم
يعنفهم النبي عَّ ◌ُلّه مع كونهم فوتوا الوقت، فصلاة من لا يفوت الوقت بالإيماء أو كيف ما
تمكن، أولى من تأخير الصلاة حتى يخرج وقتها. وقال الداودي: احتجاج الوليد بحديث بني