النص المفهرس
صفحات 281-300
٠ ٢٨١ ١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (١٤) بينه وبين الترجمة بهذا الطريق. فافهم. ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: يوسف بن موسى بن راشد بن بلال القطان الكوفي، مات ببغداد سنة اثنتين وخمسين ومائتين. الثاني: أبو أسامة حماد بن أسامة الليثي، مات سنة إحدى ومائتين وهو ابن ثمانين سنة. الثالث: عبيد الله - بتصغير العبد - ابن عمر حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أبو عثمان المدني، وقد تكرر ذكره. الرابع: نافع مولى ابن عمر. الخامس: عبد الله بن عمر. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه : العنعنة في موضعين. وفيه : القول في ثلاثة مواضع. وفيه : أن شيخ البخاري من أفراده وفيه : أن رواته ما بين كوفي ومدني. وفيه : أحد الرواة بالكنية والآخر بالتصغير، وقد ذكره المزي في (الأطراف) من حديث ابن عمر في مسنده، وقيل: هو من مسند عمر، رضي الله تعالى عنه، والحديث أيضاً من أوله إلى قوله: ((قول رسول الله عَّ له)) من المرسلات. ذكر معناه: قوله: «كانت امرأة لعمر، رضي الله تعالی عنه) اسمها: عاتكة بنت زيد ابن عمرو بن نفيل، أخت سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرة، وعينها الزهري في رواية عبد الرزاق: ((عن معمر عنه، قال: كانت عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل عند عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، وكانت تشهد الصلاة في المسجد، وكان عمر يقول لها: والله إنك لتعلمين أني ما أحب هذا، قالت: والله لا أنتهي حتى تنهاني! قال: فلقد طعن عمر، رضي الله تعالى عنه، وإنها لفي المسجد)). كذا ذكره مرسلاً، ورواه عبد الأعلى عن معمر موصولاً بذكر سالم بن عبد الله عن أبيه، لكن أبهم المرأة. أخرجه أحمد عنه وسماها من وجه آخر عن سالم قال: ((كان عمر رجلاً غيوراً، وكان إذا خرج إلى الصلاة اتبعته عاتكة بنت زيد ... )) الحديث، وهو مرسل. قوله: ((تشهد)) أي: تحضر. قوله: ((فقيل لها)) أي: لامرأة عمر، وقال بعضهم: إن قائل ذلك كله هو عمر، ولا مانع أن يعبر عن نفسه بقوله: ((إن عمر ... )) إلى آخره، فيكون من باب التجريد والالتفات. انتهى. قلت: هو من باب التجريد لا من باب الالتفات. قوله: ((لم تخرجين؟)) أصله: لما تخرجين، فحذفت الألف كما في قوله تعالى: ﴿عم يتساءلون﴾ [النبأ: ١]. قوله: ((وقد تعلمين))، جملة وقعت حالاً. وقد علم أن الفعل المضارع إذا وقع حالاً وهو مثبت تدخل فيه كلمة: قد. قوله: ((ذلك)) إشارة إلى خروجها الذي يدل عليه قوله: ((تخرجين)) قوله: ((ويغار))، على وزن: يخاف، من الغيرة. قوله: ((فما يمنعه))، ويروى: ((وما يمنعه))، بالواو وكلمة: أن، مصدرية في محل الرفع لأنه فاعل، والتقدير: فما يمنعني بأن ينهاني، أي: بنهيه إياي، وقد مر البحث فيه مستوفى، في: باب استئذان المرأة زوجها بالخروج إلى المسجد، قبيل كتاب الجمعة. ١٤ - بابُ الرَّخْصَةِ إِنْ لَمْ يَخْضُرِ الجُمُعَةَ فِي المَطَرِ أي: هذا باب في بيان حكم الرخصة إن لم يحضر المصلي صلاة الجمعة في وقت ٢٨٢ ١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (١٤) نزول المطر، وكلمة: إن، بالكسر، و: لم يحضر، على صيغة المعلوم. وقال الكرماني: و: أن، بالفتح أي: في أن، و: يحضر، على لفظ المبني للمفعول، وفي بعض النسخ: باب الرخصة لمن لم يحضر الجمعة، وهذه أحسن من غيرها على ما لا يخفى. والرخصة في اللغة عبارة عن الإطلاق والسهولة، وفي الشريعة ما يكون ثابتاً على إعذار العباد تيسيراً يسمى: رخصة. ٩٠١/٢٤ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قال أخبرني عَبْدُ الحَمِيدِ صاحبُ الزِّيادِيِّ. قال حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ الحَارِثِ ابْنُ عَمِّ مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ قالَ ابنُ عَبَّاسٍ لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ إِذَا قُلْت أَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً رَسُولَ اللهِ فَلاَ تَقُلْ حَيٍّ عَلَى الصَّلاَةِ قُلْ صَلُّوا فِيٍ بُيُوتِكُمْ فكأنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا. قال فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي إِنَّ الجُمُعَةَ عَزْمَةٌ وَإِنِّي كرهْتُ أنْ أُخْرِجَكُمْ فَتَمْشُونَ فِي الطّينِ وَالدَّخْضِ. [انظر الحديث ٦١٦ وطرفه]. مطابقته للترجمة ظاهرة، والكلام في هذا الحديث قد مر في: باب الكلام في الأذان مستوفيّ، لأنه أخرجه هناك: عن مسدد عن حماد عن أيوب وعبد الحميد بن دينار صاحب الزيادي، وعاصم الأحول عن عبد الله بن الحارث قال: ((خطبنا ابن عباس في يوم ردغ .. )) الحديث، وهنا أخرجه: عن مسدد أيضاً عن إسماعيل بن علية إلى آخره. قوله: ((في يوم مطير)). قوله: ((فكأن الناس استنكروا)) أي: استنكروا. قوله: ((فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم))، وفي رواية الحجبي: كأنهم أنكروا ذلك، وفي: باب الكلام في الأذان، فنظر القوم بعضهم إلى بعض، أي: نظر إنكار. قوله: ((فقال)) أي: ابن عباس. قوله: ((فعله)) أي: فعل ما قلته للمؤذن. قوله: ((من هو خير مني)) أراد به رسول الله عَّهِ. قوله: ((عزمة))، بسكون الزاي، أي: واجبة متحتمة. وقال الإسماعيلي. قوله: ((إن الجمعة عزمة)) لا أظنه صحيحاً، فإن أكثر الروايات بلفظ: إنها عزمة أي: إن كلمة الأذان - وهي: حي على الصلاة - عزمة لأنها دعاء إلى الصلاة يقتضي لسامعه الإجابة، ولو كان المعنى: إن الجمعة عزمة، لكانت عزيمة لا تزول بترك بقية الأذان. انتهى. قلت: كأن الإسماعيلي إنما استشكل هذا بالنظر إلى معنى العزيمة، وهو ما يكون ثابتاً ابتداء غير متصل بمعارض، ولكن المراد بقول ابن عباس: وإن كانت الجمعة عزيمة، ولكن المطر من الأعذار التي تصير العزيمة رخصة، وهذا مذهب ابن عباس: أن من جملة الأعذار لترك الجمعة المطر، وإليه ذهب ابن سيرين وعبد الرحمن بن سمرة وهو قول أحمد وإسحاق. وقالت طائفة: لا يتخلف عن الجمعة في اليوم المطير، وروى ابن قانع: قيل لمالك: أتتخلف عن الجمعة في اليوم المطير؟ قال: ما. سمعت، قيل له: في الحديث: ((ألا صلوا في الرحال!)) قال: ذلك في السفر، وقد رخص في ترك الجمعة بأعذار أخر غير المطر، روى ابن القاسم عن مالك أنه أجاز أن يتخلف عنها لجنازة أخ من إخوانه لينظر في أمره. وقال ابن حبيب عن مالك: وكذا إن كان له مريض يخشى عليه الموت، وقد زار ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، ابناً لسعد بن زيد ذكر له شكواه، فأتاه إلى العقيق وترك الجمعة، وهو مذهب عطاء والأوزاعي. وقال الشافعي في أمر ٢٨٣ ١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (١٥) الوالد: إذا خاف فوات نفسه. وقال عطاء: إذا استصرخ على أبيك يوم الجمعة والإمام يخطب فقم إليه واترك الجمعة. وقال الحسن: يرخص ترك الجمعة للخائف، وقال مالك في (الواضحة): وليس على المريض والصحيح الفاني جمعة. وقال أبو مجلز: إذا اشتكى بطنه لا يأتي الجمعة. وقال ابن حبيب: أرخص عَّ ◌ُله في التخلف عنها لمن شهد الفطر والأضحى صبيحة ذلك اليوم من أهل القرى الخارجة عن المدينة، لما في رجوعه من المشقة لما أصابهم من شغل العيد، وفعله عثمان، رضي الله تعالى عنه، لأهل الغوالي، واختلف قول مالك فيه، والصحيح عند الشافعية: السقوط، واختلف في تخلف العروس والمجذوم، حكاه ابن التين، واعتبر بعضهم شدة المطر، واختلف عن مالك: هل عليه أن يشهدها؟ وكذا روي عنه، فيمن يكون مع صاحبه فيشتد مرضه: لا يدع الجمعة إلاّ أن يكون في الموت. قوله: ((أن أحرجكم)) من الإحراج، بالحاء المهملة وبالجيم من: الحرج، وهو المشقة. والمعنى: إني كرهت أن أشق عليكم بإلزامكم السعي إلى الجمعة في الطين والمطر. ويروى: ((أن أخرجكم)) من الإخراج، بالخاء المعجمة من الخروج. ويروى: ((كرهت أن أؤثمكم)) أي: أن أكون سبباً لاكتسابكم الإثم عند ضيق صدوركم. قوله: ((في الدحض))، بفتح الدال والحاء المهملتين وفي آخره ضاد معجمة، ويجوز تسكين الحاء وهو: الزلق. قال في (المطالع): كذا في رواية الكافة، وعند القابسي بالراء، وفسره بعضهم بما يجري في البيوت من الرحاضة، وهو بعيد إنما الرحض: الغسل، والمرحاض خشبة يضرب بها الثوب ليغسل عند الغسل، وأما ابن التين فإنه ذكره بالراء. قال: وكذا لأبي الحسن، ورحضت الشيء غسلته، ومنه المرحاض، أي: المغتسل، فوجهه أن الأرض حين يصيبها المطر تصير كالمغتسل، والجامع بينهما: الزلق. ١٥ - بابٌ مِنْ أَيْنَ تُؤْتَى الجُمُعَةُ وعَلَى عَنْ تَجِبُ لِقَوْلِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الجمعة: ٩]. أي: هذا باب ترجمته: من أين تؤتى الجمعة؟ وكلمة: أين، استفهام عن المكان. وقوله: تؤتى، مجهول من الإتيان. قوله: ((وعلى من تجب؟)) أي: الجمعة. قوله: ((لقوله تعالى)) يتعلق بقوله: ((تجب))، وأراد بإيراده بعض هذه الآية الكريمة الإشارة إلى وجوب الجمعة، وهذا لا خلاف فيه، ولكن الخلاف فيمن تجب عليه، فكأنه ذكر الترجمة بالاستفهام لهذا المعنى، وقد تكلمنا فيما يتعلق بالآية الكريمة في أول كتاب الجمعة لأنه ذكر الآية الكريمة هناك. وقَالَ عَطَاءٌ إِذَا كُنْتُ فِي قَرْيَةٍ جامِعَةٍ فَتُودِيَ بِالصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَحَقَّ عَلَيْكَ أَنْ تَشْهَدَهَا سَمعت النِّدَاءَ أَوْ لَمْ تَسْمَعَةً عطاء هو: ابن أبي رباح، ووصله عبد الرزاق عن ابن جريج عنه، وزاد في روايته: عن ابن جريج أيضاً قلت لعطاء: ما القرية الجامعة؟ قال: ذات الجماعة والأمير والقاضي والدور ٢٨٤ ١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (١٥) المجتمعة الآخذ بعضها ببعض، مثل جدة. انتهى. قلت: هذا الذي ذكره حد المدينة أطلق عليها اسم القرية. كما في قوله تعالى: ﴿على رجل من القريتين﴾ [الزخرف: ٣١]. وهما: مكة والطائف، وبهذا قال أصحابنا الحنفية. قوله: ((سمعت النداء أو لم تسمعه)) يعني: إذا كان داخل البلد، وبهذا صرح أحمد، ونقل النووي: أنه لا خلاف فيه. وكانَ أنَسّ رضي الله تعالى عنهُ في قَصْرِهِ أحياناً يجَمِّعُ وأحياناً لاَ يُجَمِّعُ وَهْوَ بِالزَّاوِيَةِ عَلَى فَرْسَخَيْنِ أنس هو ابن مالك خادم النبي عَّه، وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع عن أبي البختري، قال: رأيت أنساً شهد الجمعة من الزاوية، وهي على فرسخين من البصرة. قوله: ((أحياناً)) أي: في بعض الأوقات، وانتصابه على الظرفية. قوله: ((يجمع))، بضم الياء وتشديد الميم أي: يصلي الجمعة بمن معه، أو: يشهد الجمعة بجامع البصرة. قوله: ((وهو)) أي: القصر ((بالزاوية)): وهو موضع ظاهر البصرة معروف، بينها وبين البصرة فرسخان، والفرسخ، فيه وقعة كبيرة بين الحجاج وابن الأشعث. قوله: ((فرسخين)) أي: من البصرة. فإن قلت: روى عبد الرزاق عن معمر عن ثابت قال: كان أنس يكون في أرضه وبينه وبين البصرة ثلاثة أميال، فيشهد الجمعة بالبصرة، فهذا يعارض ما رواه ابن أبي شيبة؟ قلت: ليس الأمر كذلك، لأن الأرض المذكورة غير القصر، وأيضاً الفرسخ ثلاثة أميال، والميل أربعة آلاف خطوة. ٩٠٢/٢٥ - حدَّثنا أحْمَدُ قال حدَّثْنا عَبْدُ اللهِ بنُ وَهَبٍ. قال أخبرني عَمْرُو بنُ الحَارِثِ عنْ عُبَيْدِ اللهِ بنِ أبِي جَعْفَرٍ أنَّ مُحَمَّدَ بنَ جَعْفَرِ بنِ الزُّبَيْرِ حدَّثَهُ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عَائِشَةَ زَوْجَ النبيّ عَّهِ قَالَتْ كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ يومَ الجُمُعَةِ مِنْ مَنازِلِهِمْ وَالعَوَالِي فَيَأْتُونَ فِي الغُبَارِ يُصِيبُهُمُ الغُبَارُ والعَرَقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُمْ العَرَقُ فَأَتَّى رسولَ اللهِ عَّهِ إِنْسَان مِنْهُمْ وَهْوَ عِنْدِي فقال النبي عَّهِ لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَؤْمِكُمْ هذا. مطابقته للترجمة ظاهرة في قوله: ((كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم والعوالي)). ذكر رجاله: وهم سبعة: الأول: أحمد بن صالح، كذا في رواية أبي ذر، وبه قال ابن السكن، وذكر الجياني أن البخاري روى عن أحمد، يعني: غير مسمىّ، عن ابن وهب في كتاب الصلاة في موضعين، وقال: حدثنا أحمد حدثنا ابن وهب قال ... ، ونسبه أبو علي بن السكن في نسخته، فقال: أحمد بن صالح المصري، وقال الحاكم: روى البخاري في كتاب الصلاة في ثلاثة مواضع عن أحمد عن ابن وهب، فقيل: إنه ابن صالح المصري. وقيل: ابن عيسى التستري، ولا يخلو أن يكون واحداً منهما، فقد روى عنهما في (الجامع) ونسبهما في مواضع، وذكر أبو نصر الكلاباذي، قال: قال لي أبو أحمد، يعني الحاكم: أحمد عن ابن وهب في (الجامع) هو ابن أخي ابن وهب. وقال الحاكم أبو عبد الله: من قال هذا فقد وهم وغلط، دليله أن المشايخ الذين ترك البخاري الرواية عنهم في (الجامع) فقد روى عنهم في ٢٨٥ ١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (١٥) سائر مصنفاته: كابن صالح وغيره، وليس له عن ابن أخي وهب رواية في موضع، فهذا يدل على أنه لم يكتب عنه، أو كتب عنه ثم ترك الرواية عنه أصلاً. وقال الكلاباذي: قال ابن منده: كلما قال البخاري في (الجامع): حدثنا أحمد عن ابن وهب فهو ابن صالح، ولم يخرج عن ابن أخي ابن وهب في (الصحيح) وإذا حدث عن أحمد بن عيسى نسبه. الثاني: عبد الله بن وهب المصري. الثالث: عمرو بن الحارث، مر في: باب المسح على الخفين. الرابع: عبيد الله بن أبي جعفر الأموي القرشي، واسم أبي جعفر: يسار، أحد أعلام مصر، مات سنة خمس أو ست وثلاثين ومائة. الخامس: محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام القرشي. السادس: عروة بن الزبير بن العوام. السابع: أم المؤمنين عائشة، رضي الله تعالى عنها. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه : الإخبار بصيغة الإفراد في موضع. وفيه : العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه : القول في موضعين. وفيه : أن الأربعة من الرواة مصريون وهم: شيخه وثلاثة بعده متناسقون، واثنان بعدههما مدنيان. وفيه : رواية الرجل عن عمه. ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم أيضاً في الصلاة عن هارون بن سعيد وأحمد بن عيسى، كلاهما عن ابن وهب. وأخرجه أبو داود فيه عن أحمد بن صالح عن ابن وهب. ذكر معناه: قوله: ((ينتابون الجمعة))، أي: يحضرونها بالنوبة، وهو من الانتياب من النوبة، وهو المجيء نوباً، وروى ((يتناوبون)) من النوبة أيضاً. قوله: ((والعوالي)) جمع العالية، وهي مواضع وقرى بقرب مدينة رسول الله عَ ليه من جهة المشرق من ميلين إلى ثمانية أميال. وقيل: أدناها من أربعة أميال. قوله: ((فيأتون في الغبار يصيبهم الغبار)) كذا وقع لأكثر الرواة، وعند القابسي: ((فيأتون في العباء»، بفتح العين المهملة وبالمد جمع: عباءة، وعباية، لغتان مشهورتان، وكذا شرحه النووي في (شرحه) لأنه عند مسلم كذا هو، وكذا عند الإسماعيلي وغيرهما، وهو الصواب. قوله: ((إنسان منهم))، وفي رواية الإسماعيلي: ((أناس منهم)). قوله: ((لو أنكم تطهرتم))، كلمة: لو، تقتضي دخولها على الفعل، تقديره: لو ثبت تطهركم، ثم إن: لو، هذه يجوز أن تكون للتمني، فلا تحتاج إلى جواب، ويجوز أن تكون على أصلها والجزاء محذوف تقديره: لكان حسناً. ذكر ما يستفاد منه: اختلف العلماء في هذا الباب - أعني: في وجوب الجمعة على من كان خارج المصر - فقالت طائفة: تجب على من آواه الليل إلى أهله، وروي ذلك عن أبي هريرة وأنس وابن عمر ومعاوية، وهو قول نافع والحسن وعكرمة والحكم والنخعي وأبي عبد الرحمن السلمي وعطاء والأوزاعي وأبي ثور، حكاه ابن المنذر عنهم لحديث أبي هريرة مرفوعاً: ((الجمعة على من آواه الليل إلى أهله))، رواه الترمذي والبيهقي وضعفاه، ونقل عن أحمد أنه لم يره شيئاً، وقال لمن ذكره له: استغفر ربك استغفر ربك، ومعنى هذا الحديث: أنه إذا جمع مع الإمام أمكنه العود إلى أهله آخر النهار قبل دخول الليل. وقالت طائفة: إنها ٢٨٦ ١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (١٥) تجب على من سمع النداء، روي ذلك عن عبد الله بن عمر أيضاً وحكاه الترمذي عن الشافعي وأحمد وإسحاق، وحكاه ابن العربي عن مالك أيضاً واستدل له بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص أخرجه أبو داود من رواية سفيان عن محمد بن سعيد عن أبي سلمة بن نبيه عن عبد الله بن هارون عن عبد الله بن عمرو عن النبي عَّ له: قال: ((الجمعة على من سمع النداء)). قال أبو داود: روى هذا الحديث جماعة عن سفيان مقصوراً على عبد الله بن عمرو، ولم يرفعوه. ورواه الدارقطني من رواية الوليد عن زهير بن محمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله عَّ الله قال: ((إنما الجمعة على من سمع النداء))، والوليد هو ابن مسلم، وزهير ابن محمد، كلاهما من رجال (الصحيح). لكن زهيراً روى عنه أهل الشام مناكير، منهم: الوليد مدلس، وقد رواه بالعنعنة فلا تصح، وقد رواه الدارقطني أيضاً من رواية محمد ابن الفضل بن عطية عن حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي عَّ له، قال: ((والجمعة على من يهدىء الصوت)). قال داود بن رشيد: يعني حيث يسمع الصوت، ومحمد بن الفضل بن عطية ضعيف جداً، والحجاج هو: ابن أرطأة، وهو مدلس مختلف في الاحتجاج به، وقال ابن العربي: الوجوب على من سمع النداء عند الشافعي، قال: وتعليقه السعي على سماع النداء يسقطه عمن كان في المصر الكبير إذا لم يسمعه، وقالت طائفة: يجب على أهل المصر، ولا يجب على من كان خارج المصر، سمع النداء أو لم يسمعه. قال شيخنا في (شرح الترمذي): وهو قول أبي حنيفة بناء على قوله: إن الجمعة لا تجب على أهل القرى والبوادي ما لم يكن في المصر، ورجحه القاضي أبو بكر بن العربي، وقال: إن الظاهر مع أبي حنيفة، رضي الله تعالى عنه. قلت: مذهب أبي حنيفة: أن الجمعة لا تصح إلاّ في مصر جامعٍ، أو في مصلى العيد. وفي (المفيد) و(الاسبيجاني) و(التحفة): لا تجب الجمعة عندنا إلاّ في مصر جامع، أو فيما هو في حكمه، كمصلى العيد. وفي (جوامع الفقه): وأرباض المصر كالمصر، وفي (الينابيع): لو كان منزله خارج المصر لا تجب عليه. قال: وهذا أصح ما قيل فيه، وفي (قاضيخان): عن أبي يوسف هو رواية عنه، وعنه من ثلاثة فراسخ، وعنه إذا شهد الجمعة فإن أمكنه المبيت بأهله لزمته الجمعة، واختاره كثير من مشايخنا. وفي (الذخيرة): في ظاهر رواية أصحابنا: لا يجب شهود الجمعة إلاّ على من يسكن المصر والأرياض دون السواد، سواء كان قريباً من مصر أو بعيداً عنها. وعن محمد: إذا كان بينه وبين المصر ميل أو ميلان أو ثلاثة أميال فعليه الجمعة، وهو قول مالك والليث، وفي (منية المفتي) على أهل السواد الجمعة إذا كانوا على قدر فرسخ هو المختار، وعنه: إذا كان أقل من فرسخين تجب، وفي الأكثر. لا، وفي رواية: كل موضع لو خرج الإمام إليه صلى الجمعة فتجب، وعن معاذ بن جبل: يجب الحضور من خمسة عشر فرسخاً. وقال ابن المنذر: يجب عند ابن المنكدر وربيعة والزهري في رواية: من أربعة أميال، وعن الزهري: من ستة أميال، وحكاه ابن التين عن النخعي وعن مالك والليث: ثلاثة أميال. ٢٨٧ ١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (١٦) وحكى أبو حامد عن عطاء: عشرة أميال. واختلف أصحاب مالك: هل مراعاة ثلاثة أميال من المنار أو من طرف المدينة؟ فالأول قاله القاضي أبو محمد، والثاني قاله محمد بن عبد الحكم. وعن حذيفة: ليس على من على رأس ميل جمعة. وقال صاحب (التوضيح): في حديث الباب رد لقول الكوفيين بأن الجمعة لا تجب على من كان خارج المصر، لأن عائشة، رضي الله تعالى عنها، أخبرت عنهم بفعل دائم أنهم كانوا يتناوبون الجمعة، فدل على لزومها عليهم. قلت: هذا نقله عن القرطبي، وهو ليس بصحيح، لأنه لو كان واجباً على أهل العوالي ما تناوبوا، ولكانوا يحضرون جميعاً. وفيه من الفوائد: رفق العالم بالمتعلم، واستحباب التنظيف لمجالسة أهل الخير، واجتناب أذى المسلم بكل طريق، وحرص الصحابة على امتثال الأمر ولو شق عليهم. ١٦ - بابُ وَقْتِ الجُمُعَةِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ أي: هذا باب في بيان أن وقت صلاة الجمعة إذا زالت الشمس من كبد السماء: وقال بعضهم: جزم بهذه المسألة مع وقوع الخلاف فيها لضعف دليل المخالف عنده. قلت: لا حاجة إلى القيد بلفظ: عنده، لأن عند غيره أيضاً من جماهير العلماء: إن وقت الجمعة إذا زالت الشمس. وكَذْلِكَ يُرْوَى عنْ عُمَرَ وَعَلِيٍ والنُّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ وعَمْرٍو بنِ حُرَيْثٍ رضي الله تعالى عنهم أي: كما ذكرنا: إن وقت الجمعة إذا زالت الشمس، كذلك روي عن هؤلاء الصحابة، رضي الله تعالى عنهم. وهذه أربع تعاليق. الأول: عن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، فرواه ابن أبي شيبة من طريق سويد بن غفلة أنه: صلى مع أبي بكر وعمر، رضي الله تعالى عنهما، حين تزول الشمس، وفي حديث السقيفة، عن ابن عباس قال: فلما كان يوم الجمعة وزالت الشمس خرج عمر فجلس على المنبر. الثاني: عن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، فرواه ابن أبي شيبة عن وكيع عن أبي العنبس عمرو بن مروان عن أبيه، قال: كنا نجمع مع علي إذا زالت الشمس، وقال ابن حزم: روينا عن أبي إسحاق، قال: شهدت علي بن أبي طالب يصلي الجمعة إذا زالت الشمس. عن النعمان بن بشير، فرواه ابن أبي شيبة بسند صحيح: عن عبيد الله بن موسى عن سماك، قال: كان النعمان يصلي بنا الجمعة بعد ما تزول الشمس. انتهى. وكان النعمان أميراً على الكوفة في أول خلافة يزيد بن معاوية. ٢٨٨ ١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (١٦) الرابع: عن عمرو بن حريث، فرواه ابن أبي شيبة أيضاً من طريق الوليد بن العيزار قال: ((ما رأيت إماماً كان أحسن صلاة للجمعة من عمرو بن حريث، فكان يصليها إذا زالت الشمس)). إسناده صحيح، وكان عمرو ينوب عن زياد وعن ولده في الكوفة أيضاً. فإن قلت: لم اقتصر البخاري على هؤلاء الصحابة دون غيرهم؟ قلت: قيل: لأنه نقل عنهم خلاف ذلك، وفي التوضيح لأنه روى عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، رضي الله تعالى عنهم، أنهم كانوا يصلون الجمعة قبل الزوال، من طريق لا يثبت قاله ابن بطال. وروى ابن أبي شيبة من طريق أبي رزين، قال: كنا نصلي مع علي الجمعة فأحياناً نجد فيئاً، وأحياناً لا نجد. وروي أيضاً عن طريق عبد الله بن سلمة، بكسر اللام، وقال: صلى بنا عبد الله - يعني ابن مسعود - الجمعة ضحىّ، وقال: خشيت عليكم الحر. وروي أيضاً من طريق سعيد بن سويد قال: صلى بنا معاوية الجمعة ضحىٍ، وروي أيضاً عن غندر عن شعبة عن سلمة بن كهيل عن مصعب بن سعد قال: كان سعد يقيل بعد الجمعة. قلت: الجواب عما روي عن علي، رضي الله تعالى عنه، إنه محمول على المبادرة عند الزوال أو التأخير قليلاً، وأما الذي روي عن ابن مسعود، ففيه عبد الله، وهو صدوق ولكنه تغير لما كبر، قاله شعبة وغيره، وأما الذي روى عن معاوية ففي سنده سعد، ذكره ابن عدي في الضعفاء. وقال البخاري: لا يتابع على حديثه، وأما الذي روى عن سعد فلا يدل على فعلها قبل الزوال، بل أنه كان يؤخر النوم للقائلة إلى بعد الزوال لاشتغاله بالتهيئة إلى الجمعة من الغسل والتنظيف أو لتبكيره إليها. ٩٠٣/٢٦ - حدَّثنا عَبْدَانُ قالَ أخبرنا عَبْدُ الله قال أخبرنا يَخْيَى بنُ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَألَ عَمْرَةَ عن الغُسْلِ يَوْمَ الجُمُعَةِ فقَالَتْ قالَت عَائِشَةُ رضي الله تعالى عنها كانَ النَّاسُ مَهَنَة أَنْفُسِهِمْ وكانُوا إِذَا رَاحُوا إلى الجُمُعَةِ رَامحوا في هَيْئَتِهِمْ فَقِيلَ لَهُمْ لَوِ اغْتَسَلْتُمْ. [الحديث ٩٠٣ - طرفه في: ٢٠٧١]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((وكانوا إذا راحوا إلى الجمعة راحوا))، لأن الرواح لا يكون إلاّ بعد الزوال. فإن قلت: روي عن الزهري أنه قال: المراد بالرواح في قوله: ((من اغتسل يوم الجمعة ثم راح)): الذهاب مطلقاً، فإذا كان كذلك لا توجد المطابقة بين الحديث والترجمة قلت: إما يكون مجازاً أو مشتركاً، فعلى كل من التقديرين فالقرينة مخصصة في قوله: ((من راح في الساعة الأولى)) قائمة في إرادة مطلق الذهاب، وفي هذا قائمة في الذهاب بعد الزوال. ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: عبدان، بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة وتخفيف الدال المهملة وبعد الألف نون. واسمه عبد الله بن عثمان بن جبلة الأزدي أبو عبد الرحمن المروزي، مات سنة إحدى وعشرين ومائتين. الثاني: عبد الله بن المبارك. الثالث: يحيى بن سعيد الأنصاري. الرابع: عمرة، بفتح العين المهملة وسكون الميم: بنت عبد الرحمن بن سعد الأنصارية المدنية. الخامس: عائشة الصديقة، رضي الله تعالى عنها. ٢٨٩ ١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (١٦) ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد وبصيغة الإخبار كذلك في موضعين. وفيه : السؤال. وفيه : القول في أربعة مواضع. وفيه : شيخ البخاري مذكور باللقب. وفيه : رواية التابعية عن الصحابية. وفيه : رواية التابعي عن التابعية. وفيه : من الرواة مروزيان وهما: شيخه وشيخ شيخه، ومدني ومدنية، وهما: يحبى وعمرة. ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم أيضاً في الصلاة عن محمد بن رمح عن الليث. وأخرجه أبو داود في الطهارة عن مسدد عن حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد به. ذكر معناه: قوله: ((مهنة أنفسهم))، بفتح الميم والهاء والنون جمع: ماهن، ككتبة جمع كاتب، والماهن: الخادم، وحكى ابن التين أنه روي بكسر الميم وسكون الهاء وهو مصدر ومعناه: أصحاب خدمة أنفسهم. قلت: هي رواية أبي ذر، وفي رواية مسلم من طريق الليث: عن يحيى بن سعيد أكان الناس أهل عمل ولم يكن لهم كفاءة؟ أي: لم يكن لهم من يكفيهم العمل من الخدم. قوله: ((إذا راحوا)) أي: إذا ذهبوا بعد الزوال، لأن حقيقة الرواح بعد الزوال عند أكثر أهل اللغة، وفيه سؤال ذكرناه عن قريب مع جوابه. قوله: ((لو اغتسلتم؟)) كلمة: لو، إما للتمني، فلا تحتاج إلى جواب، وإما على أصلها فجوابها محذوف نحو: لكان حسناً. ونحو ذلك. ومما يستفاد منه: أن وقت الجمعة بعد الزوال، وهو وقت الظهر، وأن الاغتسال مستحب لإزالة الرائحة الكريهة حتى لا يتأذى الناس بل الملائكة أيضاً. ٩٠٤/٢٧ - حدّثنا سُرَيْجُ بنُ النعْمَانِ قال حدَّثنا فُلَيْحُ بنُ سُلَيْمَانَ عنْ عُثْمانَ بنِ عَبدِ الرَّحْمنِ بنِ عُثْمَانَ التَّيْمِي عنْ أَنَسٍ بنِ مالِكِ رضي الله تعالى عنه أن النبي عَِّ كانَ يُصَلِّي الجُمُعَةَ حِينَ تَمُلُ الشَّمْسُ. مطابقته للترجمة ظاهرة، وسريج، بضم السين المهملة وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره جيم: ابن النعمان بضم النون البغدادي، مات سنة سبع عشرة ومائتين، وفليح، بضم الفاء، مر في أول كتاب العلم. قوله: ((عن أنس)) صرح الإسماعيلي من طريق زيد بن الحباب عن فليح بسماع عثمان له من أنس. ذكر من أخرجه غيره: أخرجه أبو داود أيضاً في الصلاة عن الحسن بن علي عن زيد ابن الحباب عن فليح به. وأخرجه الترمذي فيه عن أحمد بن منيع عن سريج بن النعمان به وعن يحيى بن موسى عن أبي داود عن فليح نحوه، وقال: حسن صحيح. وقال: وفي الباب عن سلمة بن الأكوع وجابر والزبير بن العوام. قلت: وفيه أيضاً عن سهل بن سعد وعبد الله ابن مسعود وعمار بن ياسر وسعد القرظي وبلال، رضي الله تعالى عنهم. أما حديث سلمة ابن الأكوع فأخرجه الأئمة الستة خلا الترمذي من رواية إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: ((كنا نصلي مع النبي عَّهِ الجمعة ثم ننصرف وليس للحيطان ظل نستظل به)). وفي رواية لمسلم: ((كنا نجمع مع رسول الله عَّه إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء». أما عمدة القاري / ج٦ / ١٩٢ ٢٩٠ ١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (١٦) حديث جابر، فأخرجه مسلم والنسائي من رواية جعفر بن محمد عن جابر بن عبد الله، قال: ((كنا نصلي مع رسول الله عَ لّه ثم نرجع فنريح نواضحنا. قال حسن: يعني ابن عياش، فقلت لجعفر: في أي ساعة تلك؟ قال: بعد زوال الشمس)). وأما حديث الزبير بن العوام فأخرجه أحمد من رواية مسلم بن جندب عن الزبير قال: ((كنا نصلي مع النبي عَّلِ الجمعة ثم ننصرف فنبتدر في الأجام فما نجد من الظل إلاّ قدر موضع أقدامنا)). قال يزيد بن هارون، الأجام: الأطام. وأما حديث سهل بن سعد فأخرجه البخاري على ما يأتي، وأخرجه أيضاً مسلم والنسائي والترمذي. وأما حديث عبد الله بن مسعود فأخرجه أحمد في (مسنده). وأما حديث عمار بن ياسر فرواه الطبراني في (الكبير) عنه قال: ((كنا نصلي الجمعة ثم ننصرف فما نجد للحيطان فيئاً نستظل به)) وأما حديث سعد القرظي، فأخرجه ابن ماجه عنه: ((أنه كان يؤذن يوم الجمعة على عهد رسول الله عَّه إذا كان الفيء مثل الشراك)). وأما حديث بلال فرواه الطبراني في (الكبير): ((أنه كان يؤذن لرسول الله عَ ل يوم الجمعة إذا كان الفيء قدر الشراك، إذا قعد النبي عَُّلِّ على المنبر)). ذكر ما يستفاد منه: أجمع العلماء على أن وقت الجمعة بعد زوال الشمس إلاّ ما روي عن مجاهد أنه قال: يجوز فعلها في وقت صلاة العيد، لأنها صلاة عيد، وقال أحمد: تجوز قبل الزوال، ونقله ابن المنذر عن عطاء وإسحاق، ونقله الماوردي عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنه، في السادسة. وقال ابن قدامة، في (المقنع): يشترط لصحة الجمعة أربعة شروط: أحدها الوقت، وأوله أول وقت صلاة العيد، قال: وقال الجرمي: يجوز فعلها في الساعة السادسة، قال: وروي عن ابن مسعود وجابر وسعد ومعاوية أنهم صلوها قبل الزوال، وقال القاضي وأصحابه: يجوز فعلها في وقت صلاة العيد. قال: وروي ذلك عن عبد الله عن أبيه، قال: نذهب إلى أنها كصلاة العيد، وأراد بعبد الله عبد الله بن أحمد بن حنبل، وقال عطاء: كل عيد حين يمتد الضحى الجمعة والأضحى والفطر، لما روي ((عن ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه، قال: ما كان عيداً إلاّ في أول النهار، ولقد كان رسول الله عَّه يصلي بنا الجمعة في ظل الحطيم)). رواه ابن البختري في (أماليه) بإسناده، واحتج بعض الحنابلة بقوله عَّلّهِ: ((إن هذا يوم جعله الله عيداً للمسلمين))، قالوا: فلما سماه عيداً جازت الصلاة فيه، في وقت العيد، كالفطر والأضحى، وفيه نظر، لأنه لا يلزم من تسمية يوم الجمعة عيداً أن يشتمل على جميع أحكام العيد، بدليل أن يوم العيد يحرم صومه مطلقاً، سواء صام قبله أو بعده بخلاف يوم الجمعة بالاتفاق. ٩٠٥/٢٨ - حدَّثنا عَبْدَانُ قال أخبرنا عبدُ الله قال أخبرنا حُمَيْدٌ عنْ أنَسٍ قال كُنَّا نُبَّكِّرُ بِالجُمُعَةِ ونَقِيلُ بعدَ الجُمُعَةِ. [الحديث ٩٠٥ - طرفه في: ٩٤٠]. عبدان: هو عبد الله بن عثمان، وقد مر عن قريب، وعبد الله هو: ابن المبارك، وظاهر هذا الحديث أنهم كانوا يصلون الجمعة باكر النهار، وليس له تطابق للترجمة، وهو أيضاً يعارض الحديث السابق عن أنس أيضاً، ولكن قالوا: ليس المراد من قوله: ((كنا نبكر))، من ٢٩١ ١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (١٧) التبكير الذي هو أول النهار، لأن التبكير يطلق أيضاً على فعل الشيء في أول وقته وتقديمه على غيره، وهو المراد ههنا، والمعنى: كنا نبدأ بالصلاة قبل القيلولة، وذلك بخلاف ما جرت به عادتهم في صلاة الظهر في الحر، فإنهم كانوا يقيلون ثم يصلون لمشروعية الإبراد. وقال الكرماني: التبكير لا يراد به أول النهار باتفاق الأئمة، وقال الجوهري، كل من بادر إلى الشيء فقد بكر إليه أي وقت كان، يقال بكروا لصلاة المغرب، وبهذا التقرير يحصل التطابق بين الترجمة والحديث، وينتفي التعارض بين الحديثين، وبهذا يجاب أيضاً عما تمسك به من جوز الجمعة قبل الزوال، نظراً إلى ظاهر اللفظ، وهذا الحديث من أفراد البخاري، ولم يقع فيه التصريح برفعه، وقد أخرجه الطبراني في (الأوسط) من طريق محمد بن إسحاق حدثني حميد الطويل. قوله: ((ونقيل))، عطف على قوله: ((نبكر))، من: قال يقيل قيلولة وقيلاً ومقيلاً، وهو شاذ، فهو قائل، وقوم قيل، كصاحب وصحب، وقيل أيضاً، بالتشديد، ومعناه: النوم في الظهيرة، والله أعلم بحقيقة الحال. ١٧ - بابٌ إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ يَوْمَ الجُمُعَةِ أي: هذا باب ترجمته إذا اشتد الحر، وجواب: إذا، محذوف تقديره: إذا اشتد الحر يوم الجمعة أبرد بها، وإنما لم يجزم بالحكم الذي يفهم من الجواب لكونه لم يتيقن أن قوله: يعني الجمعة، من كلام التابعي أو من كلام من دونه، لأن قول أنس: ((كان النبي عَ ◌ّهِ إذا اشتد البرد بكر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة))، ومطلق يتناول الظهر والجمعة، كما أن قوله في رواية حميد عنه: ((كنا نبكر بالجمعة))، مطلق يتناول شدة الحر وشدة البرد، والحاصل أن النقل عن أنس، رضي الله تعالى عنه، مختلف. فرواية حميد عنه تدل على التبكير بالجمعة مطلقاً، ورواية أبي خلدة عنه تدل على التفصيل فيها، وروايته الثانية عنه تدل على أن هذا الحكم بالصلاة مطلقاً، يعني: سواء كان جمعة أو ظهراً، وروايته الثالثة التي رواها عنه بشر بن ثابت تدل على أن هذا الحكم بالظهر، ويحصل الائتلاف بين هذه الروايات بأن نقول: الأصل في الظهر التبكير عند اشتداد البرد والإبراد عند اشتداد الحر، كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، والأصل في الجمعة، التبكير لأن يوم الجمعة يوم اجتماع الناس وازدحامهم، فإذا أخرت يشق عليهم: وقال ابن قدامة: ولذلك كان النبي عَّهِ يصليها إذا زالت الشمس صيفاً وشتاءً على ميقات واحد، ثم إن أنساً، رضي الله تعالى عنه، قاس الجمعة على الظهر عند اشتداد الحر لا بالنص، لأن أكثر الأحاديث تدل على التفرقة في الظهر وعلى التبكير في الجمعة. ٩٠٦/٢٩ - حدثنا مُحَمَّدُ بنُ أبِي بَكْرِ المُقَدَّمِيُّ قال حدَّثنا حَرَمِيُ بنُ عُمَارَةَ قالَ حدَّثنا أَبُوِ خَلْدَةَ هُوَ خالِدُ بنُ دِينارٍ قالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بنَ مالِكِ يَقُولُ كانَ النبيُّ عَ لَّهِ إِذَا اشْتَدَّ البَرْدُ بِكْرَ بِالصَّلاَةِ وَإِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلاَةِ يَعْنِي الجُمُعَةَ. مطابقته للترجمة في قوله: ((إذا اشتد الحر)). ٢٩٢ ١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (١٧) ذكر رجاله: وهم أربعة: المقدمي، بضم الميم وفتح القاف وتشديد الدال المفتوحة، وحرمي، بفتح الحاء المهملة والراء وكسر الميم: ابن عمارة، بضم العين المهملة وتخفيف الميم، وأبو خلدة، بفتح الخاء المعجمة وسكون اللام وبفتحها أيضاً، وهو كنية خالد بن دينار التيمي السعدي البصري الخياط، بفتح الخاء المعجمة وتشديد الياء آخر الحروف. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه : السماع. وفيه : القول في أربعة مواضع. وفيه : أحد الرواة بصيغة النسبة والآخر بالكنية وتصريح الاسم. وفيه : أن الرواة كلهم بصريون. وفيه : أن البخاري روى هذا الحديث الواحد فقط من أبي خلدة. قاله الغساني، وأخرجه النسائي ولم يذكر فيه لفظ: الجمعة، بل ذكره بعد قوله: تعجيل الظهر في البرد. قال يُونُسُ بنُ بُكَيْرٍ أخبرنا أَبُو خَلْدَةَ فقال بِالصَّلاةِ وَلَمْ يَذْكُرِ الجُمُعَةَ هذا التعليق وصله البخاري في (الأدب المفرد) ولفظه: ((سمعت أنس بن مالك، وهو مع الحكم أمير البصرة على السرير، يقول: كان النبي عَّ إذا كان الحر أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد بكر بالصلاة)). قوله: ((وقال بالصلاة))، أي: وقال أبو خلدة في رواية يونس عنه بلفظ: الصلاة، فقط، ولم يذكر الجمعة، وكذا أخرجه الإسماعيلي عن أبي الحسن: حدثنا أبو هشام عن يونس بلفظ: ((إذا كان الحر أبرد بالصلاة وإذا كان البرد بكرها))، يعني: الظهر، وكذا أخرجه البيهقي من حديث عبيد بن يعيش عنه بلفظ: ((الصلاة))، فقط. وقال الكرماني: قوله: ولم يذكر الجمعة، موافق لقول الفقهاء حيث قالوا: ندب الإبراد إلاّ في الجمعة لشدة الخطر في فواتها، ولأن الناس يبكرون إليها فلا يتأذون بالحر. وقال بِشْرُ بنُ ثابَتِ حدَّثنا أَبُو خَلْدَةَ قال صَلَّى بِنَا أميرٌ الجُمُعَةَ ثُمَّ قالٍ لأِنَسٍ رضي الله تعالى عنه كَيْفَ كانَ النَّبِيُّ عَلَّهِ يُصَلِّي الظهْرَ هذا التعليق وصله الإسماعيلي من حديث إبراهيم بن مرزوق عن بشر عن أنس، بلفظ: ((إذا كان الشتاء بكر بالظهر، وإذا كان الصيف أبرد بها، ولكن يصلي العصر والشمس بيضاء نقية)). وأخرجه البيهقي أيضاً. قوله: ((أمير)) سماه البخاري في كتاب (الأدب المفرد) على ما ذكرناه، وهو: الحكم بن أبي عقيل الثقفي، كان نائباً عن ابن عمه الحجاج بن يوسف، وكان على طريقة ابن عمه في تطويل الخطبة يوم الجمعة حتى يكاد الوقت أن يخرج، واستدل به ابن بطال على أن وقت الجمعة وقت الظهر، لأن أنسأ سوى بينهما في جوابه للحكم المذكور، حتى قيل: كيف كان النبي عَِّ يصلي الظهر خلافاً لمن أجاز الجمعة قبل الزوال؟ وقال التيمي: معنى الحديث أن الجمعة وقتها وقت الظهر، وأنها تصلى بعد الزوال ويبرد بها في شدة الحر، ولا يكون الإبراد إلاّ بعد تمكن الوقت. ٢٩٣ ١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (١٨) ١٨ - بابُ المَشْي إلَى الجُمُعَةِ وقَوْلِ الله جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الجمعة: ٩] ومَنْ قالَ السَّعْيُ العَمَلُ والذَّهَابُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩]. أي: هذا باب في بيان المشي إلى صلاة الجمعة، أراد أن في حالة المشي إليها ما يترتب من الحكم. قوله: ((وقول الله)) بالجر عطف على قوله: ((المشي) أي: وفي بيان معنى قول الله عز وجل: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ [الجمعة: ٩]. والسعي في لسان العرب: الإسراع في المشي والاشتداد. وفي (المحكم): السعي عدوّ دون الشد، سعى يسعى سعياً، والسعي الكسب وكل عمل من خير أو شر سعي. وقال ابن التين: ذهب مالك إلى أن المشي والمضي يسميان سعياً من حيث كانا عملاً، وكل من عمل بيده أو غيرها، فقد سعى، وأما السعي بمعنى الجري فهو الإسراع، يقال: سعى إلى كذا بمعنى: العدو، والجري، فيتعدى يإلى، وإن كان بمعنى العمل فيتعدى باللام. وقال الكرماني: في قوله: ﴿وسعى لها سعيها﴾ [الإسراء: ١٩]. أي: عمل لها وذهب إليها. فإن قلت: هذا معدى باللام، وذلك بإلى؟ قلت لا تفاوت بينهما إلاّ بإرادة الاختصاص والانتهاء. انتهى كلامه. قلت: الفرق بين: سعى له وسعى إليه، بما ذكرنا، وهو الذي ذكره أهل اللغة وإليه أشار البخاري. بقوله: ((من قال السعي: العمل)) والذهاب يعني من فسر السعي بالعمل والذهاب يقول باللام كما في قوله تعالى: ﴿وسعى لها سعيها﴾ [الإسراء: ١٩]. أي: عمل لها، ولكن: باللام، لا تأتي إلّ في تفسير السعي بالعمل، وأما في تفسير السعي بالذهاب فلا يأتي إلاّ يإلى، ثم اختلفوا في معنى قوله تعالى: ﴿فاسعوا﴾ [الجمعة: ٩]. فمنهم من قال: معناه: فامضوا، واحتجوا بأن عمر وابن مسعود، كانا يقرآن: فامضوا إلى ذكر الله. قالا: ولو قرأناها فاسعوا لسعينا حتى يسقط رداؤنا. وقال عمر، رضي الله تعالى عنه، لأبي بن كعب، رضي الله تعالى عنه، وقرأ: فاسعوا، لا تزال تقرأ المنسوخ؟ كذا ذكره ابن الأثير. وفي تفسير عبد ابن حميد، قيل لعمر، رضي الله تعالى عنه: إن أبياً يقرأ: فاسعوا: فامشوا؟ فقال عمر: أبي أعلمنا بالمنسوخ. وفي (المعاني) للزجاج: وقرأ أبي وابن مسعود: فامضوا، وكذا ابن الزبير فيما ذكره ابن التين، ومنهم من قال: معنى: فاسعوا، فاقصدوا. وفي تفسير أبي القاسم الجوزي: فاسعوا، أي: فاقصدوا إلى صلاة الجمعة، ومنهم من قال: معناه: فامشوا، كما ذكرناه عن أبي. وقال ابن التين: ولم يذكر أحد من المفسرين أنه الجري، وقد ذكرنا نبذاً من ذلك في أول كتاب الجمعة. وقال ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما يَحْرُمُ البَيْعُ حِينَئِذٍ أي: حين نودي للصلاة، وهذا التعليق وصله ابن حزم من طريق عكرمة عن ابن عباس بلفظ: ((لا يصلح البيع يوم الجمعة حتى ينادى للصلاة، فإذا قضيت الصلاة فاشترِ وبع)). وقال الزجاج: البيع في وقت الزوال من يوم الجمعة إلى انقضاء الصلاة كالحرام. وقال الفراء: إذا أذن المؤذن حرم البيع والشراء، لأنه إذا أمر بترك البيع فقد أمر بترك الشراء. ولأن المشتري ٢٩٤٩ ١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (١٨) والبائع يقع عليهما البيعان، وفي تفسير إسماعيل بن أبي زياد الشامي: عن محمد بن عجلان عن أبي الزبير عن جابر، قال: قال رسول الله عَ له: ((تحرم التجارة عند الأذان، ويحرم الكلام عند الخطبة، ويحل الكلام بعد الخطبة وتحل التجارة بعد الصلاة)). وعن قتادة: ((إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة حرم البيع والشراء). وقال الضحاك: إذا زالت الشمس، وعن عطاء والحسن مثله، وعن أيوب: لأهل المدينة ساعة يوم الجمعة ينادون: حرم البيع، وذلك عند خروج الإمام وفي (المصنف): عن مسلم بن يسار إذا علمت أن النهار قد انتصف يوم الجمعة فلا تتبايعن شيئاً. وعن مجاهد: من باع شيئاً بعد زوال الشمس يوم الجمعة فإن بيعه مردود. وقال صاحب (الهداية) قيل: المعتبر في وجوب السعي وحرمة البيع هو الأذان الأصلي الذي كان على عهد النبي عَّه بين يدي المنبر. قلت: هو مذهب الطحاوي، فإنه قال: هو المعتبر في وجوب السعي إلى الجمعة على المكلف، وفي حرمة البيع والشراء، وفي (فتاوى العتابي): هو المختار، وبه قال الشافعي وأحمد وأكثر فقهاء الأمصار، ونص في المرغيناني: أنه هو الصحيح. وقال ابن عمر: الأذان الأول بدعة، ذكره ابن أبي شيبة في (مصنفه) عنه: ثم البيع إذا وقع فعند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر والشافعي: يجوز البيع مع الكراهة، وهو قول الجمهور. وقال مالك وأحمد والظاهرية: يبطل البيع. وفي (المحلى): يفسخ البيع إلى أن تقضى الصلاة، ولا يصححه خروج الوقت، ولو كانا كافرين، ولا يحرم نكاح ولا إجارة ولا سلم. وقال مالك: كذلك في البيع الذي فيه سلم، وكذا في النكاح والإجارة والسلم، وأباح الهبة والقرض والصدقة. وعن الثوري: البيع صحيح وفاعله عاص لله تعالى، وروى ابن القاسم عن مالك: أن البيع مفسوخ وهو قول أكثر المالكية، وروى عنه ابن وهب وعلي بن زياد: بئس ما صنع، ويستغفر الله تعالى. وقال عنه: ولا أرى الربح فيه حراماً. وقال ابن القاسم: لا يفسخ ما عقد من النكاح، ولا يفسخ الهبة والصدقة والرهن والحمالة. وقال أصبغ: يفسخ النكاح. وقال ابن التين: كل من لزمه التوجه إلى الجمعة يحرم عليه ما يمنعه منه من بيع أو نكاح أو عمل. قال: واختلف في النكاح والإجارة، قال: وذكر القاضي أبو محمد: أن الهبات والصدقات مثل ذلك. وقال أبو محمد: من انتقض وضوؤه فلم يجد ماء إلاّ بثمن جاز له أن يشتريه ليتوضأ به، ولا يفسخ شراؤه. قال الشافعي: في (الأم): ولو تبايع رجلان ليسا من أهل فرض الجمعة لم يحرم بحال ولا يكره، وإذا بايع رجلان من أهل فرضها أو أحدهما من أهل فرضها. فإن كان قبل الزوال فلا كراهة، وإن كان بعده وقبل ظهور الإمام أو قبل جلوسه على المنبر أو قبل شروع المؤذن في الأذان بين يدي الخطيب كره كراهة تنزيه، وإن كان بعد جلوسه وشروع المؤذن فيه حرم على المتبايعين جميعاً، سواء كان من أهل الفرض أو أحدهما، ولا يبطل البيع. وحرمة البيع ووجوب السعي مختصان بالمخاطبين بالجمعة، أما غيرهم كالنساء فلا يثبت في حقه ذلك، وذكر ابن أبي موسى في غير المخاطبين روايتين. ٢٩٥ ١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (١٨) وقال عَطَاءٌ: تَحْزُمُ الصِّنَاعَاتُ كُلُّهَا هذا التعليق عن عطاء بن أبي رباح وصله عبد بن حميد في (تفسيره الكبير) عن روح عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: هل من شيء يحرم إذا نودي بالأول سوى البيع؟ قال عطاء: إذا نودي بالأول حرم اللهو والبيع، والصناعات كلها بمنزلة البيع، والرقاد، وأن يأتي الرجل أهله، وأن يكتب كتاباً. وقالَ إِبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ إذا أُذَّنَ المُؤَذِّنُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَهْوَ مُسَافِرٌ فَعَلَيْهِ أُنْ يَشْهَدَ إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أبو إسحاق الزهري القريشي المدني، كان على قضاء بغداد يروي عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وأخرج أبو داود في (مراسيله): حدثنا قتيبة عن أبي صفوان عن أبي ذئب ((عن صالح بن أبي كثير أن ابن شهاب خرج لسفر يوم الجمعة من أول النهار، قال: فقلت له في ذلك، فقال: إن رسول الله عَ للم خرج لسفر يوم الجمعة من أول النهار)). ورواه ابن أبي شيبة: عن الفضل حدثنا ابن أبي ذئب عن ابن شهاب بغير واسطة، وقال ابن المنذر: اختلف فيه عن الزهري، وقد روى عنه مثل قول الجماعة. أي: لا جمعة على مسافر، كذا رواه الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن الزهري، وقال ابن المنذر: هو كالإجماع من أهل العلم على ذلك لأن الزهري اختلف عليه فيه. وقيل: يحمل كلام الزهري على حالين، فحيث قال: لا جمعة على مسافر، وأراد على طريق الوجوب. وحيث قال: فعليه أن يشهد، أراد على طريق الاستحباب. وأما رواية إبراهيم بن سعد عنه فيمكن أن تحمل على أنه إذا اتفق حضوره في موضع تقام فيه الجمعة فسمع النداء لها أنها تلزم المسافر، وقال ابن بطال: وأكثر العلماء على أنه لا جمعة على مسافر، حكاه ابن أبي شيبة عن علي بن أبي طالب وابن عمر وأنس بن مالك وعبد الرحمن بن سمرة وابن مسعود ونفر من أصحاب عبد الله ومكحول وعروة بن المغيرة وإبراهيم النخعي وعبد الملك بن مروان والشعبي وعمر بن عبد العزيز. ولما ذكر ابن التين قول الزهري، قال: إن أراد وجوبها فهو قول شاذ، وفي (شرح المهذب): أما السفر ليلها - يعني: ليلة الجمعة - قبل طلوع الفجر فيجوز عندنا، وعند العلماء كافة إلاّ ما حكاه العبدري عن إبراهيم النخعى قال: لا يسافر بعد دخول العشاء من يوم الخميس حتى يصلي الجمعة، وهذا مذهب باطل لا أصل له. انتهى. قلت: بل له أصل صحيح، رواه ابن أبي شيبة عن أبي معاوية عن ابن جريج عن عطاء عن عائشة، قالت: ((إذا أدركتك ليلة الجمعة فلا تخرج حتى تصلي الجمعة))، وأما السفر قبل الزوال فجوزه عمر بن الخطاب والزبير بن العوام وأبي عبيدة بن الجراح وعبد الله بن عمر والحسن وابن سيرين، وبه قال مالك وابن المنذر. وفي (شرح المهذب): الأصح تحريمه. وبه قالت عائشة وعمر بن عبد العزيز وحسان بن عطية ومعاذ بن جبل. وأما السفر بعد الزول يوم الجمعة إذا لم يخف فوت الرفقة ولم يصل الجمعة في طريقه فلا يجوز عند مالك وأحمد، وجوزه أبو حنيفة. ٢٩٦ ١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (١٨) ٩٠٧/٣٠ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثنا الوَلِيدُ بنُ مُسْلِم قال حدَّثنا يَزِيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ قال حدَّثنا عَبَايَةُ بنُ رِفَاعَةً قال أدْرَكَنِي أَبُو عَبْسٍ وأنا أَذْهَبُ إِلَّى الجُمُعَةِ فقال سَمِعْتُ النبيَّ عَّهِ يَقُولُ مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَماهُ فِي سَبِيلِ اللهِ حَرَّمَهُ الله عَلى النَّار. [الحديث ٩٠٧ - طرفه في: ٢٨١١]. مطابقته للترجمة من حيث إن الجمعة تدخل في قوله: ((في سبيل الله))، لأن السبيل اسم جنسَ مضاف فيفيد العموم، ولأن أبا عبس جعل حكم السعي إلى الجمعة حكم الجهاد. ذكر رجاله: وهم خمسة: علي بن عبد الله بن المديني، قد تكرر ذكره. والوليد بن مسلم قد مر في: باب وقت المغرب، ويزيد، بفتح الياء آخر الحروف وكسر الزاي ابن أبي مريم أبو عبد الله الأنصاري الدمشقي إمام جامعها، مات سنة أربع وأربعين ومائة، وعباية، بفتح العين المهملة والباء الموحدة المخففة وبعد الألف ياء آخر الحروف مفتوحة: ابن رفاعة، بكسر الراء وتخفيف الغاء وبعد الألف عين مهملة: ابن رافع بن خديج، بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة وبالجيم: الأنصاري، وأبو عبس، بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة وفي آخره سين مهملة: واسمه عبد الرحمن - على الصحيح - ابن جبير، بفتح الجيم وسكون الباء الموحدة وبالراء. وقال الذهبي: وقيل: جابر بن عمرو الأنصاري الأوسي الحارثي، بدري مشهور. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع. وفيه : السماع. وفيه : القول في خمسة مواضع. وفيه : أن الأولين من الرواة مدنيان والآخران دمشقيان. وفيه : أنه ليس للبخاري في الكتاب من أبي عبس إلاّ هذا الحديث الواحد. وفيه : أن يزيد هذا من أفراد البخاري. وفيه : رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي، لأن يزيد بن أبي مريم رأى واثلة بن الأسقع. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الجهاد عن إسحاق عن محمد بن المبارك. وأخرجه الترمذي في الجهاد عن أبي عمار الحسين بن حريث عن الوليد بن مسلم به، وقال: حديث حسن صحيح. وأخرجه النسائي في الجهاد أيضاً كذلك، ولفظه: قال يزيد بن أبي مريم: لحقني عباية بن رافع بن خديج وأنا ماشٍ إلى الجمعة، فقال: أبشر فإن خطاك هذه في سبيل الله، سمعت أبا عبس يقول: قال رسول الله عَّهِ: ((من اغبرت قدماه في سبيل الله فهو حرام على النار)). وزاد الإسماعيلي في روايته: ((وهو راكب، فقال: احتسب خطاك هذه). فذكر الحديث، والظاهر أن القصة المذكورة وقعت لكل منهما، والله أعلم. وفي الباب عن ابن عمر رواه الفلاس عن أبي نصر التمار عن كوثر بن حكيم عن نافع عنه عن أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه: ((حرمها الله على النار)). وعن عثمان، رضي الله تعالى عنه، عند ، معاذ ابن المقري، ولفظه: ((ما اغبرت قدما رجل في سبيل الله إلاّ حرم الله عليه النار)). يرفعه عند ابن عساكر، ولفظه: ((والذي نفسي بيده، ما اغبرت قدما عبد ولا وجهه في عمل. أفضل عند الله يوم القيامة بعد المكتوبة من جهاد في سبيل الله)). وعن عبادة يرفعه عند ٢٩٧ ١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (١٨) المخلص بسند جيد: ((لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف امرىء مسلم). وعن أبي سعيد الخدري، مثله عند أبي نعيم، وعن مالك بن عبد الله النخعي مثله عند أحمد، وعن أبي الدرداء، رضي الله تعالى عنه، عند الطبراني: ((لا تلثموا من الغبار في سبيل الله فإنه مسك الجنة))، وعن أنس عنده أيضاً ((الغبار في سبيل الله إسفار الوجوه يوم القيامة)). وعن أبي أمامة عند ابن عساكر: ((ما من رجل يغبر وجهه في سبيل الله إلّ أمن الله وجهه من النار، وما من رجل يغبر قدماه في سبيل الله إلّ أمن الله قدمه من النار يوم القيامة))، وعن عائشة رضي الله تعالى عنها، عند الخلعي: ((من اغبرت قدماه في سبيل الله فلن يلج النار أبداً». ذكر معناه: قوله: ((وأنا أذهب))، جملة إسمية وقعت حالاً، وكذا وقع عند البخاري أن القصة وقعت لعباية مع أبي عبس وعند الإسماعيلي من رواية علي بن بحر وغيره عن الوليد ابن مسلم أن القصة وقعت ليزيد بن أبي مريم مع عباية، وكذا أخرجه النسائي كما ذكرناه عن قريب، وذكرنا التوفيق بين الروايتين. قوله: ((اغبرت قدماه)) أي: أصابها الغبار، وإنما ذكر القدمين وإن كان الغبار يعم البدن كله عند ثور أنه: لأن أكثر المجاهدين في ذلك الزمان كانوا مشاة والأقدام تتغبر على كل حال سواء كان الغبار قوياً أو ضعيفاً، ولأن أساس ابن آدم على القدمين، فإذا سلمت القدمان من النار سلم سائر أعضائه عنها. وكذلك الكلام في ذكر الوجه في سبيل الله. ٩٠٨/٣١ - حدّثنا آدَمُ قال حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ قال حدَّثنا الزُّهْرِي عنْ سَعِيدٍ وأبِي سلَمَةَ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النَّبِيِّ عَ لِ وحدَّثنا أبو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عنٍ الزُّهْرِيِّ قال أخبرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بِنُ عَبْدِ الرَّحمنِ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ قالِ سَمِعْتُ رسولَ اللهِ عَله يَقُولُ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَلاَ تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ وَأَتُوهَا تَمْشُونَ وعَلَيْكُمُ السَّكِينَةَ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلوا وما فاتكُمْ فَأَتُّوا. [انظر الحديث ٦٣٦]. مطابقته للترجمة من حيث وجود لفظ السعي في كل منهما، مع الإشارة إلى أن بين لفظي السعي فيهما مغايرة، بيانه أن السعي المذكور في قوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ [الجمعة: ٩]. المذكور في الترجمة، غير السعي المذكور في هذا الحديث. في قوله: ((فلا تأتوها تسعون))، بيان ذلك أن السعي المذكور في الآية المأمور به مفسر بالمضي والذهاب، والسعي المذكور في هذا الحديث مفسر بالعدو، وحيث قابله المشي، بقوله: ((وأتوها تمشون))، وهذا الحديث قد ذكر في: باب ((لا يسعى إلى الصلاة وليأتها بالسكينة والوقار)) في أواخر كتاب الأذان بالإسناد المذكور هنا: عن آدم بن أبي إياس عن محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ذئب عن محمد بن مسلم الزهري عن سعيد بن المسيب. وأخرجه هناك أيضاً من طريق آخر عن آدم، وههنا أخرجه أيضاً من طريقين الأول: عن آدم إلى آخره، والثاني: عن أبي اليمان الحكم بن نافع عن شعيب بن أبي حمزة عن الزهري. وفي ألفاظ الحديث بعض تفاوت، وقد تكلمنا هناك على جميع ما يتعلق به. ٢٩٨ ١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (١٩) قوله: ((تسعون)) جملة حالية، فالنهي يتوجه إليه لا إلى الإتيان. قال الكرماني: فإن قلت: كيف نهى عنه والقرآن قد أمر به حيث قال: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ [الجمعة: ٩]. قلت: المراد بالسعي هنا هو الإسراع، وفي القرآن: القصد أو الذهاب أو العمل. انتهى. قلت: الذي ذكرناه الآن في وجه المطابقة يغني عن هذا السؤال مع جوابه. قوله: ((السكينة))، بالنصب يعني: الزموا السكينة، ومعناها: الهنيئة والتأني، ويجوز بالرفع على الابتداء. ٩٠٩/٣٢ - حدّثنا عَمْرُو بنُ عَلِي قال حدَّثني أَبُو قُتَيْبَةَ قال حدَّثنا عَلِيُّ بنُ المُبَارَكِ عنْ يَخْلِى بنِ أبِي كَثِيرٍ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ أبِي قَتَادةَ قال أبُو عَبْدِ اللهِ لا أَعْلَمُهُ إلاّ عنْ أَبِيهِ عنِ النَّبِيِّ عَ لّه قال لا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي وعَلَّيْكُمُ السَّكِينَةَ. [انظر الحديث ٦٣٧ وطرفه]. وجه المطابقة بين هذا الحديث وبين الترجمة قريب من وجه المطابقة المذكورة في الحديث السابق، ويؤخذ ذلك من لفظ السكينة، وإن كان فيه بعض التعسف. وأخرج البخاري هذا الحديث في أواخر كتاب الأذان في: باب متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام عند الإقامة: عن مسلم بن إبراهيم عن هشام، قال: كتب إلى يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: قال رسول الله عَّهِ: ((إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني))، وهنا أخرجه: عن عمرو بن علي الفلاس عن أبي قتيبة، بضم القاف وفتح المثناة من فوق وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة: واسمه سلم، بفتح السين المهملة وسكون اللام: ابن قتيبة الشعيري، بفتح الشين المعجمة: الخراساني سكن البصرة، مات بعد المائتين، عن علي بن المبارك الهنائي، بضم الهاء وتخفيف النون وبالمد، وقد تكلمنا هناك على جميع ما يتعلق به. قوله: ((قال أبو عبد الله)) المراد به البخاري نفسه. قوله: ((لا أعلمه))، هو مقول: قال أبو عبد الله، أي: قال البخاري: لا أعلم رواية عبد الله هذا الحديث عن أحد إلاّ عن أبيه. وقوله: قال أبو عبد الله)) في رواية المستملي وحده، وأشار به إلى أن عنده توقف في وصله لكونه كتبه من حفظه أو لغير ذلك، ولأجل ذلك قال الكرماني: هذا منقطع لأن شيخه لم يروه إلاّ منقطعاً وأن حكم البخاري بأنه رواه من أبيه، قيل: في الأصل هو موصول لا شك فيه لأن الإسماعيلي أخرجه عن ابن ناجية عن أبي حفص، وهو عمرو بن علي شيخ البخاري، فقال فيه: عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه، ولم يشك. ١٩ - بابٌ لاَ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْتَيْنِ يَوْمَ الجُمُعَةِ أي: هذا باب ترجمته: لا يفرق أي الداخل المسجد بين اثنين يوم الجمعة. ٩١٠/٣٣ - حدثنا عَبْدَانُ قال أخبرنا عَبْدُ اللهِ قال أخبرنا ابنُ أَبِي ذِئْبٍ عنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عنْ أَبِيهِ عنِ ابنٍ وَدِيعَةَ عنْ سَلْمَانَ الفَارِسيِّ قال قال رسولُ اللهِ عَ لَِّ مَنِ اعْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَتَطَهَّرَ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ ثُمَّ ادَّهَنَ أَوْ مَسَّ مِنْ طِيبٍ ثُمَّ راحَ فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصَلَّى ما كُتِبَ لَهُ ثُمَّ إِذَا خَرَجَ الإِمَامُ أَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى. [انظر الحديث ٨٨٣]. ٢٩٩ ١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (١٩) مطابقته للترجمة في قوله: ((فلم يفرق بين اثنين))، والحديث قد مضى في: باب الدهن للجمعة. أخرجه: عن آدم بن أبي إياس عن ابن أبي ذئب إلى آخره، وقد تكلمنا هناك على ما يتعلق به من سائر الوجوه، لكن لم نمعن في الكلام في التفريق بين اثنين، ونذكره ههنا إن شاء الله تعالى. وعبدان، بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة: وهو لقب عبد الله بن عثمان أبو عبد الرحمن المروزي، وقد تكرر ذكره، وعبد الله هو ابن المبارك، وابن أبي ذئب هو محمد ابن عبد الرحمن، وقد تكرر ذكره، وأبو سعيد اسمه كيسان، وابن وديعة اسمه عبد الله، ووديعة، بفتح الواو، وقد مر الكلام فيه هناك مستوفی. واختلفوا في التفرقة بين اثنين والأشبه بتأويله أن لا يتخطى رجلين أو يجلس بينهما على ضيق الموضع، ويؤيده ما في (الموطأ): عن أبي هريرة: ((لأن يصلي أحدكم بظهر الحرة خير له من أن يقعد حتى إذا قام الإمام جاء يتخطى رقاب الناس)). ومعناه: أن المأثم عنده في التخطي أكثر من المأثم في التخلف عن الجمعة، كذا تأوله القاضي أبو الوليد. وقال أبو عبد الملك: إن صلاته بالحرة وهي حجارة سود بموضع يبعد عن المسجد خير له، ورواه ابن أبي شيبة بلفظ ((لأن أصلي بالجرة أحب إلي من أن أتخطى رقاب الناس يوم الجمعة)). وعن سعيد ابن المسيب مثله، وقال كعب: لأن أدع الجمعة أحب إلي من أن أتخطى رقاب الناس يوم الجمعة. وقال سلمان: إياك والتخطي، واجلس، وهو قول عطاء والثوري وأحمد. وقد ورد في هذا الباب أحاديث. منها : ما رواه الترمذي من حديث سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه، قال: قال رسول الله عَّهِ: ((من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ جسراً إلى جهنم))، وقال: حديث سهل بن معاذ عن أبيه حديث غريب. ومنها : حديث جابر بن عبد الله: ((أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله عَ ليه يخطب، فجعل يتخطى الناس فقال رسول الله عَّلَله: إجلس فقد آذيت وآنيت)). أخرجه ابن ماجه، وفي سنده: إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف. ومنها : حديث عبد الله بن بسر، رواه أبو داود والنسائي بإسناد جيد من رواية أبي الزاهرية، واسمه: صدير بن كريب، قال: ((كنا مع عبد الله ابن بسر، صاحب النبي عَّه، يوم الجمعة فجاء رجل يتخطى رقاب الناس والنبي عَّه يخطب، فقال له النبي عَّله: إجلس فقد آذيت)). ومنها : حديث عبد الله بن عمرو، رواه أبو داود بإسناد حسن من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي عَّ له أنه قال: ((من اغتسل يوم الجمعة .. )) إلى آخره، وفيه: ((ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهراً))، يعني: لا تكون له كفارة لما بينهما. ومنها : حديث الأرقم أخرجه أحمد في (مسنده): عن النبي عَ لِ أنه قال: ((إن الذي يتخطى رقاب الناس ويفرق بين اثنين بعد خروج الإمام كالجارِّ قصبه في النار))، ورواه الطبراني أيضاً في (المعجم الكبير)، وفي سنده هشام بن زياد، ضعفه أحمد وأبو داود والنسائي. ومنها : حديث عثمان بن الأزرق، أخرجه الطبراني في (الكبير) ولفظه: ((من تخطى رقاب الناس بعد خروج الإمام وفرق ٣٠٠ ١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (١٩) بين اثنين كان كالجارّ قصبه في النار))، وقال الذهبي: عثمان بن الأزرق له صحبة، قاله في معجم الطبراني. ومنها : حديث أبي الدرداء أخرجه الطبراني في (الأوسط) قال: قال رسول الله عَ لِ: ((لا تأكل متكئاً، ولا تخط رقاب الناس يوم الجمعة)). وفي سنده عبد الله بن زريق، قال الأزدي لم يصح حديثه. ومنها : حديث أنس، رضي الله تعالى عنه، أخرجه الطيراني أيضاً، قال: ((بينما النبي عَّلَّم يخطب إذ جاء رجل فتخطى رقاب الناس .. )) الحديث، وفيه: ((رأيتك تخطى رقاب الناس وتؤذيهم، من آذى مسلماً فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، عز وجل)). قوله: ((اتخذ جسراً))، قال شيخنا في (شرح الترمذي): المشهور: اتخذ، على بناء المجهول بمعنى: يجعل جسراً على طريق جهنم ليوط ويتخطى كما تخطى رقاب الناس، فإن الجزاء من جنس العمل، ويحتمل أن يكون على بناء الفاعل، أي: اتخذ لنفسه جسراً يمشي عليه إلى جهنم بسبب ذلك. قوله: ((وآنيت)) أي: أخرت المجيء وأبطأت. قوله: ((قصبه))، القصب، بضم القاف: المعاء، وجمعه: أقصاب، وقيل: القصب سم للأمعاء كلها، وقيل: هو ما كان أسفل البطن من الأمعاء. قوله: ((متكئاً) أي: حال كونك متكئاً. وقال صاحب (التوضيح): وقد اختلف العلماء في التخطي، فمذهبنا أنه مكروه إلّ أن يكون قدامه فرجة لا يصليها إلّ بالتخطي فلا يكره حينئذ، وبه قال الأوزاعي وآخرون، وقال ابن المنذر بكراهته مطلقاً عن سلمان الفارسي وأبي هريرة، وكعب بن سعيد بن المسيب وعطاء وأحمد بن حنبل، وعن مالك: كراهته إذا جلس على المنبر، ولا بأس به قبله. وقال قتادة: يتخطاهم إلى مجلسه. وقال الأوزاعي: يتخطاهم إلى السعة وهذا يشبه قول الحسن، قال: لا بأس بالتخطي إذا كان في المسجد سعة، وقال أبو بصرة: يتخطاهم بإذنهم. وقال ابن المنذر: لا يجوز شيء من ذلك عندي، لأن الأذى يحرم قليله وكثيره، وقال صاحب (التوضيح): وهو المختار، وعند أصحابنا الحنفية لا بأس بالتخطي والدنو من الإمام إذا لم يؤذ الناس. وقيل: لا بأس به إذا لم يأخذ الإمام في الخطبة، ويكره إن أخذ. وقال الحلواني: الصحيح أن الدنو من الإمام أفضل لا التباعد منه، ثم تقييد التخطي بالكراهة يوم الجمعة هو المذكور في الأحاديث، وكذلك قيده الترمذي في حكايته عن أهل العلم، وكذلك قيده الشافعية في كتب فقههم في أبواب الجمعة، وكذا هو عبارة الشافعي في (الأم): وأكره تخطي رقاب الناس يوم الجمعة لما فيه من الأذى وسوء الأدب. انتهى. قلت: هذا التعليل يشمل يوم الجمعة وغيره من سائر الصلوات في المساجد وغيرها، وسائر المجامع من حلق العلم وسماع الحديث ومجالس الوعظ، وعلى هذا يحمل التقييد بيوم الجمعة على أنه خرج مخرج الغالب لاختصاص الجمعة بمكان الخطبة وكثرة الناس، بخلاف غيره. ويؤيد ذلك ما رآه أبو منصور الديلمي في (مسند الفردوس) من حديث أبي أمامة قال: قال رسول الله عَّ له: ((من تخطى حلقة قوم بغير إذنهم فهو عاص))، ولكنه ضعيف لأنه من رواية جعفر بن الزبير، فإنه كذبه شعبة وتركه للناس. ثم اختلفوا في كراهة ذلك: هل هو للتحريم أو لا؟ فالمتقدمون يطلقون الكراهة ويريدون كراهة التحريم وحكى الشيخ أبو حامد في تعليقه عن نص الشافعي التصريح بتحريمه، -