النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (٢)
شغلت ... )) إلى آخره، وهو على صيغة المجهول، وقد بين شغله في رواية عبد الرحمن بن
مهدي حيث قال: انقلبت من السوق فسمعت النداء، والمراد به الأذان بين يدي الخطيب.
قوله: ((فلم أنقلب إلى أهلي)) الانقلاب: الرجوع من حيث جاء، وهو انفعال من: قلبت
الشيء إذا كبيته أورددته. قوله: ((حتى سمعت التأذين))، وفي رواية أخرى: («النداء»، وهو
بكسر النون أشهر من ضمها. قوله: ((فلم أزد أن توضأت)) كلمة: أن، هذه صلة زيدت
لتأكيد النفي. قوله: ((والوضوء أيضاً؟)) جاءت الرواية فيه بالواو وحذفها، وبنصب الوضوء
ورفعهما. أما وجه وجود الواو فهو أن يكون للعطف على الإنكار الأول، وهو قوله: ((أية ساعة
هذه؟)) لأن معنى الإنكار: ألم يكفك أن أخرت الوقت وفوت فضيلة السبق حتى أتبعته بترك
الغسل والقناعة بالوضوء؟ فتكون هذه الجملة المبسوطة مدلولاً عليها بتلك اللفظة. وقال
القرطبي: الواو، عوض من همزة الاستفهام، كما قرأ ابن كثير: ﴿قال فرعون وآمنتم به﴾
[الأعراف: ١٢٣]. وأما وجه حذف الواو فظاهر، ولكن يكون لفظ الوضوء بالرفع والنصب.
أما وجه الرفع فعلى أنه مبتدأ قد حذف خبره، تقديره: الوضوء أيضاً يقتصر عليه؟ ويجوز أن
يكون خبراً محذوف المبتدأ تقديره: كفايتك الوضوء أيضاً؟ وأما وجه النصب فهو على
إضمار فعل التقدير: أتتوضأ الوضوء فقط؟ يعني: اقتصرت على الوضوء وحده؟ قوله: ((أيضاً))
منصوب على أنه مصدر من: آض يئيض، أي: عاد ورجع. قال ابن السكيت: تقول فعلته أيضاً
إذا كنت قد فعلته بعد شيء آخر، كأنك أفدت بذكرهما الجمع بين الأمرين أو الأمور. قوله:
((وقد علمت)) جملة حالية أي: والحال أنك قد علمت أن رسول الله عَ له كان يأمر بالغسل
لمن يريد المجيء إلى الجمعة.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: القيام للخطبة وأنه من سننها وأنه على المنبر. وفيه : تفقد
الإمام رعيته وأمره لهم بمصالح دينهم وإنكاره على من أخل بالفضل. وفيه : مواجهة الإمام
بالإنكار للتكبير ليرتدع من هو دونه بذلك. وفيه : أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في
أثناء الخطبة لا يفسدها. وفيه : الاعتذار إلى ولاة الأمور. وفيه : إباحة الشغل والتصرف يوم
الجمعة قبل النداء، ولو أفضى ذلك إلى ترك فضيلة البكور إلى الجمعة، لأن عمر، رضي الله
تعالى عنه، لم يأمر برفع السوق بعد هذه القصة، واستدل به مالك على أن السوق لا يمنع يوم
الجمعة قبل النداء لكونها كانت في زمن عمر، رضي الله تعالى عنه، ولكون الذاهب إليها
مثل عثمان، رضي الله تعالى عنه، وقد قلنا: إن وجوب السعي وحرمة البيع والشراء بالأذان
الذي يؤذن بين يدي المنبر، لأنه هو الأصل، وبه قال الشافعي وأحمد وأكثر فقهاء الأمصار.
ثم اختلف العلماء في حرمة البيع في ذلك الوقت، فعند أبي حنيفة وأصحابه والشافعي: يجوز
البيع مع الكراهة، وعند مالك وأحمد والظاهرية: البيع باطل، وقد عرف في الفروع. وفيه :
جواز شهود الفضلاء السوق ومعاناة التجر. وفيه : أن فضيلة التوجه إلى الجمعة إنما تحصل
قبل التأذين، وقد استدل بعضهم بقوله: كان يأمر بالغسل، إن الغسل يوم الجمعة واجب، وهذا
الاستدلال ضعيف لأنه لو كان واجباً لرجع عثمان حين كلمه عمر، رضي الله تعالى عنه، أو
عمدة القاري / ج٦ / م١٦
:

٢٤٢
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (٣)
لرده عمر حين لم يرجع، فلما لم يرجع ولم يؤمر بالرجوع، ويحضرهما المهاجرون والأنصار،
دل على أنه ليس بواجب. وهذه قرينة على أن المراد من قوله عَّم في الحديث الذي فيه:
فليغتسل، ليس أمر الإيجاب، بل هو للندب، وكذا المراد من قوله: واجب، أنه كالواجب،
جمعاً بين الأدلة.
٨٧٩/٤ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُّ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عَنْ صَفْوَانَ بنِ سُلَيْمِ عَنْ عَطَاءِ بنِ
يَسَار عنْ أبي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ رضي الله تعالى عنه أنَّ رسولَ الله عَلَّهِ قَال غُسْلُ يَوْمِ
الجُمُعَةِ واجِبٌ عَلَى كُلِّ مُخْتَلِمٍ. [انظر الحديث ٨٥٨ وأطرافهِ].
مطابقته للجزء الثاني للترجمة من حيث إنه يدل على أن قوله: ((على كل محتلم))
يخرج الصبي والحديث بعينه أخرجه في: باب وضوء الصبيان ومتى يجب عليهم، ولكن
أخرجه هناك: عن علي بن عبد الله عن سفيان عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار عن
أبي سعيد الخدري، رضي الله تعالى عنه، وههنا أخرجه: عن عبد الله بن يوسف التنيسي عن
مالك .. إلى آخره، ولم تختلف رواة (الموطأ) على مالك في إسناده.
ورجاله مدنيون. وفيه : رواية تابعي عن تابعي عن صحابي. وقد ذكرنا بقية الكلام
هناك.
٣ - بابُ الطَّبِ لِلْجُمُعَةِ
أي: هذا باب في بيان حكم الطيب لأجل الجمعة، ولكن لم يجزم بحكمه للاختلاف
فيه.
٨٨٠/٥ - حدّثنا عَلِيٌّ قال حدَّثنا حَرَمِيُ بنُ عُمَارَةَ قال حدَّثنا شُعْبَة عنْ أَبِي بَكْرِ بنِ
المُنْكَدِرِ قال حدَّثني عَمْرُو بِنُ سُلَيْمِ الأَنْصَارِيُّ قالٍ أَشْهَدُ عَلَى أبي سَعِيد قال أَشْهَدُ عَلى
رسول الله عَللِ قال الفُسْلُ يَوْمَ الجُمَّعَةَ واجِبٌ عَلَى كُلِّ مُخْتَلِمٍ وَأَنْ يَسْتَنَّ وأنْ يَحْسَ طِيباً
إِنْ وَجَدَ قال عَمْرٌو أمَّا الغُسْلُ فَأَشْهَدُ أنَّهُ واجِبٌ وأمَّا الاسْتِنَانُ والطّيبُ فاللّهَ أَعْلُمُ أَوَاجِبٌ هُوَ
أم لا ولَكِنْ هَكَذَا في الحدِيثِ. [انظر الحديث ٨٥٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((وأن يمس طيباً)).
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: علي بن المديني. الثاني: حرمي، بفتح الحاء والراء
المهملتين وكسر الميم: إبن عمارة، بضم العين وتخفيف الميم، وقد مر ذكره في: باب
﴿فإن تابوا﴾ [التوبة: ٥و١١] .. في كتاب الإيمان. الثالث: شعبة بن الحجاج. الرابع: أبو بكر
ابن المنكدر، بضم الميم وسكون النون: على صيغة اسم الفاعل من الإنكدار: ابن عبد الله
ابن ربيعة المديني. الخامس: عمرو، بفتح العين: ابن سليم، بضم السين المهملة وفتح اللام
وسكون الياء آخر الحروف، وقد مر في: باب إذا دخل أحدكم المسجد. السادس: أبو سعيد
الخدري، رضي الله تعالى عنه.

٢٤٣
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (٣)
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديد
في موضع. وفيه : العنعنة في موضع. وفيه
في موضعين، وأراد به الراوي تأكيداً لروايته وإ
أبيه أو إلى بلده في رواية الأكثرین، وفي روا
وفيه : أدخل بعضهم بين عمرو بن سليم وبين .
على شعبة، فقال الباغندي: عن علي عن حرمي :
سعيد عن أبيه، ورواه عثمان بن سليم: عن عمرو بن
الأمر كذلك، فكيف ذكره البخاري في صحيحه؟ قلت
أشهد على أبي سعيد، ويحمل على أنه رواه أولاً عنه
وهذه حجة قوية لتخريجه هذا فى صحيحه. وفيه :
ومدنيين.
ثلاثة مواضع، وبصيغة الإفراد
واضع. وفيه : لفظ: أشهد،
· علي، بغير ذكر نسبته إلى
، بن عبد الله، بذكر أبيه.
لى الدار قطني: وقد اختلف
عن عبد الرحمن ابن أبي
سعيد. فإن قلت: إذا كان
: ذلك لأنه صرح بأن عمراً
منه، وأنه رواه في حالتين،
زاته ما بين بصري وواسطي
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الطهارة عن عمرو بن سواد عن ابن وهب
عن عمرو بن الحارث عن سعيد ابن أبي هلال وبكير بن الأشج، كلاهما عن أبي بكر بن
المنكدر عن عمرو بن سليم عن أبي سعيد، ولم يذكر عبد الرحمن. وأخرجه أبو داود فيه
عن محمد بن سلمة عن ابن وهب، ولم يذكر السواك ولا الطيب، وقال في آخره: إلّ أن
بكيراً لم يذكر عبد الرحمن. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن سلمة بإسناده مثله، وعن
هارون بن عبد الله عن الحسن بن سوار عن الليث نحوه.
ذكر معناه: قوله: ((محتلم)) أي: بالغ، وهو مجاز، لأن الاحتلام يستلزم البلوغ،
والقرينة المانعة عن الحمل على الحقيقة أن الاحتلام إذا كان معه الإنزال موجب للغسل،
سواء كان يوم الجمعة أو لا. قوله: ((وأن يستن))، عطف على معنى الجملة السابقة، و: أن،
مصدرية تقديره: والاستنان، وهو الاستياك، مأخوذ من: السن، يقال له: سننت الحديد
حككته على المسن، وقيل له: الاستنان لازم لأنه إنما يستاك على الأسنان، وحاصله دلك
السن بالسواك. قوله: ((إن وجد)»، متعلق: بيمس، أي: إن وجد الطيب يمسه، ويحتمل تعلقه:
بأن يستن، وفي رواية مسلم: ((ويمس من الطيب ما يقدر عليه)). وفي رواية له: ((ولو من طيب
المرأة)). وقال عياض: يحتمل قوله: ((ما يقدر عليه))، إرادة التأكيد فيفعل ما أمكنه، ويحتمل
إرادة الكثرة، والأول أظهر، ويؤيد قوله: ((ولو من طيب المرأة))، لأنه يكره استعماله للرجل،
وهو ما ظهر لونه وخفي ريحه، فإباحته للرجل لأجل عدم غيره يدل على تأكد الأمر في
ذلك.
قوله: ((قال عمرو)) وهو: ابن سليم راوي الخبر، وهو موصول بالإسناد المذكور إليه.
قوله: ((وأما الاستنان والطيب ... )) إلى آخره، أشار به إلى أن العطف لا يقتضي التشريك من
جميع الوجوه، فكان القدر المشترك تأكيداً لطلب الثلاثة، وكأنه جزم بوجوب الغسل دون
غيره للتصريح به في الحديث، وتوقف فيما عداه لوقوع الاحتمال فيه، وذكر الطحاوي
:
٦ منك ا

٢٤٤
٠٠٠
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (٣)
والطبري: أنه معټ لما قرن ؟
يومئذ غیر حرج إذا لم يكـ
الغسل، لأن مخرجهما من
العلماء يستحبون لمن قدر
أن یکون قوله: «وأن يسا
عَ لفه، وقال بعضهم: لم أ.
حقيقة لها. قلت: ظاهر.
العطف فیما قبل قوله، ولحوم
جمعة، وأجمع الجميع على أن تارك الطيب
يؤذي بها أهل المسجد، فكذا حكم تارك
الاستنان بالإجماع أيضاً، وكذا هما وإن كان
) اللباس الحسن. وقال ابن الجوزري: يحتمل
، كلام أبي سعيد، خلطه الراوي بكلام النبي
ن النسخ ولا في المسانيد، ودعوى الإدراج فيه لا
في صحة ما قاله ابن الجوزي، وإن تكلفنا وجه صحة
.الحديث.
لمابي: ذهب مالك إلى إيجاب الغسل، وأكثر الفقهاء إلى
ذکر ما يستفاد منه:
أنه غير واجب، وتأولوا الحديث مى معنى الترغيب فيه والتوكيد لأمره حتى يكون كالواجب
على معنى التشبيه، واستدلوا فيه بأنه قد عطف عليه. الاستنان والطيب، ولم يختلفوا أنهما غير
واجبين. قالوا: وكذلك المعطوف عليه. وقال النووي: هذا الحديث ظاهر في أن الغسل
مشروع للبالغ سواء أراد الجمعة أو لا، وحديث: ((إذا جاء أحدكم)) في أنه لما أرادها سواء
البالغ والصبي، فيقال في الجمع بينهما: إنه مستحب للكل ومتأكد في حق المريد، وآكد
في حق البالغ ونحوه، ومذهبنا المشهور: أنه مستحب لكل مريد أتى، وفي وجه: للذكور
خاصة، وفي وجه: لمن تلزمه الجمعة، وفي وجه: لكل أحد. وفي (المصنف): وكان ابن
عمر يجمر ثيابه كل جمعة. وقال معاوية بن قرة: أدركت ثلاثين من مزينة كانوا يفعلون ذلك،
وحكاه مجاهد عن ابن عباس وعن أبي سعيد وابن مغفل وابن عمر ومجاهد نحوه، وخالف
ابن حزم لما ذكر فرضية الغسل على الرجال والنساء، قال: وكذلك الطيب والسواك، وشرع
الطيب لأن الملائكة على أبواب المساجد يكتبون الأول فالأول، فربما صافحوه أو لمسوه.
واختلف في الاغتسال في السفر، فممن يراه؛ عبد الله بن الحارث وطلق بن حبيب
وأبو جعفر محمد بن علي بن الحسين وطلحة ابن مصرف. وقال الشافعي: ما تركته في
حضر ولا سفر وإن اشتريته بدينار، وممن كان لا يراه: علقمة وعبد الله بن عمرو وابن جبير
ابن مطعم ومجاهد وطاوس والقاسم بن محمد والأسود وإياس بن معاوية. وفي كتاب ابن
التين عن طلحة وطاوس ومجاهد أنهم كانوا يغتسلون للجمعة في السفر، واستحبه أبو ثور.
قال أبُو عَبْدِ اللّه هُوَ أخو محمَّدِ بنِ المُنكَدِرِ وَلَمْ يُسَمَّ أَبُو بَكْرِ هَذا رَواهُ عَنْهُ بُکَیْرُ.
ابنُ الأُشَجِّ وسَعِيدُ بنُ أبِي هِلالٍ وَعِدَّةٌ وكانَ مُحَمَّدُ بنُ المُنكَدِرِ يُگنَّی بأبي بكرٍ
وأبِي عَبْدِ اللهِ
أبو عبد الله: هو البخاري نفسه. قوله: ((هو)) أي: أبو بكر بن المنكدر المذكور في
سند الحديث المذكور: هو أخو محمد بن المنكدر. ومحمد أيضاً يكنى: بأبي بكر، ولكن
سمي بمحمد وأبو بكر أخوه لم يسم وهو معنى قوله: ((ولم يسم أبو بكر هذا))، والحاصل أن

٢٤٥
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (٤)
كلاً من الأخوين المذكورين يكنى: بأبي بكر، ولكن الامتياز بينهما بتصريح اسم أحدهما
وهو محمد، وأيضاً هو يكنى بكنية أخرى، وهي: أبو عبد الله، وهو معنى قول البخاري:
وكان محمد بن المكندر يكنى بأبي بكر وبأبي عبد الله وأخوه كنيته اسمه وليست له كنية
غيرها. قوله: ((روى عنه)) أي: عن أبي بكر بن المكندر، كذا وقع بلفظ: روى عنه، في رواية
أبي ذر، وفي رواية غيره ((رواه عنه)) أي: روى الحديث المذكور عن أبي بكر بن المنكدر
(بكير بن الأشج))، بضم الباء الموحدة مصغراً ومخففاً: ابن عبد الله الأشج، بالشين المعجمة
والجيم. قوله: ((وسعيد بن أبي هلال)) أي: وروى عن أبي بكر بن المنكدر سعيد بن أبي
هلال، وقد مر سعيد في: باب فضل الوضوء، ولكن فرق بين روايتيهما. فرواية بكير موافقة
لرواية شعبة في إسقاط الواسطة بين عمرو بن سليم وبين أبي سعيد الخدري، ورواية سعيد بن
أبي هلال بواسطة بين عمرو بن سليم وبين أبي سعيد، كما أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي
من طريق عمرو بن الحارث: أن سعيد بن أبي هلال وبكير بن الأشج حدثا عن أبي بكر بن
المنكدر عن عمرو بن سليم عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه، فذكر
الحديث، وقال في آخره: إلاّ أن بكيراً لم يذكر عبد الرحمن، وكذلك أخرج أحمد من طريق
ابن لهيعة: عن بكير، ليس فيه عبد الرحمن. قوله: ((وعدة))، أي: وروى أيضاً عن أبي بكر بن
المنكدر عدة: جماعة أي: عدد كثير من الناس.
٤ - بابُ فَضْلِ الجُمُعَةِ
أي: هذا باب فى بيان فضل الجمعة، وهذه اللفظة تشمل صلاة الجمعة ويوم الجمعة.
٨٨١/٦ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ سُمَي مؤلَى أبِي بَكْرِ بنِ عَبْدِ
الرّحمنِ عنْ أَبِي صالِحِ السَّمَّانِ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه أنَّ رسولَ الله عَ لَّه قال
مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمَّعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ ثُمَّ راحَ فَكَأْمَا قَرَّبَ بَدَنَةٌ ومَنِ رَاحَ في السَّاعَةِ
الثَّانِيَةِ فكأنَّا قَرَّبَ بَقَرَةٌ ومَنْ راحَ في السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنْمَا قَرَّبَ كَبْشاً أَقْرَنَ ومَنْ راحَ في
السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأْمَا قَرَّبَ دَجَاجَةٌ ومَنْ راحَ فِي السَّاعَةِ الخَامِسَةِ فَكَأْمَا قَرَّبَ بَيْضَةً فَإِذَا
خَرَجَ الإِمامُ حَضَرَتِ المَلائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ.
مطابقته للترجمة من حيث إن الذي يحضر الجمعة الذي هو عبادة بدنية كأنه يأتي
أيضاً بالعبادة المالية، فكأنه يجمع بين العبادتين: البدنية والمالية، وهذه الخصوصية للجمعة
دون غيرها من الصلوات، فدل ذلك على فضل الجمعة، فناسب ترجمة الباب بفضل الجمعة.
ذكر رجاله: وهم خمسة، وقد تكرر ذكرهم، وأبو صالح اسمه: ذكوان.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الصلاة أيضاً عن قتيبة. وأخرجه أبو داود عن
القعنبي. وأخرجه الترمذي عن إسحاق بن موسى عن معن بن عيسى. وأخرجه النسائي في
الملائكة عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين، كلاهما عن أبي القاسم وفيه وفي
الصلاة عن قتيبة، خمستهم عن مالك به. ورواه النسائي عن محمد بن عجلان عن سمي

٢٤٦
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (٤)
بلفظ آخر: «تقعد الملائكة على أبواب المسجد يكتبون الناس على منازلهم، فالناس فيه
كرجل قدم بدنة، وكرجل قدم بقرة، وكرجل قدم شاة، وكرجل قدم دجاجة وكرجل قدم
عصفوراً وكرجل قدم بيضة)). رواه مسلم والنسائي وابن ماجه من رواية سفيان بن عيينة عن
الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي عَ لّهِ، قال: ((إذا كان يوم الجمعة كان
على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس على منازلهم، فإذا خرج الإمام
طويت الصحف واستمعوا الخطبة، فالمهجر إلى الصلاة كالمهدي بدنة، ثم الذي يليه
كالمهدي بقرة، ثم الذي يليه كالمهدي كبشاً، حتى ذكر البيضة والدجاجة)). ورواه النسائي
من رواية معمر عن الزهري عن الأعرابي عبد الله عن أبي هريرة عن النبي، عَ لّه، قال: ((إذا
كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المسجد فكتبوا من جاء إلى الجمعة، فإذا خرج
الإمام طوت الملائكة الصحف. قال: قال رسول الله عَ له: المهجر إلى الجمعة كالمهدي
يعني بدنة، ثم كالمهدي بقرة، ثم كالمهدي شاة، ثم كالمهدي بطة، ثم كالمهدي دجاجة،
ثم كالمهدي بيضة)). وروى الطبراني في (الكبير) من حديث وائلة بن الأسقع، قال: قال
رسول الله عَّ الله: ((إن الله تبارك وتعالى يبعث الملائكة يوم الجمعة على أبواب المسجد
يكتبون القوم الأول والثاني والثالث والرابع والخامس والسادس، فإذا بلغوا السابع كانوا بمنزلة
قرب العصافير)). وفي روايته مجهول، وروى أحمد في (مسنده) من حديث أبي سعيد
الخدري، رضي الله تعالى عنه عن النبي عَّ له، قال: ((إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة
على أبواب المسجد فيكتبون الناس من جاء على منازلهم، فرجل قدم جزوراً، ورجل قدم
بقرة، ورجل قدم دجاجة. ورجل قدم بيضة. فإذا أذن المؤذن وجلس الإمام على المنبر طويت
الصحف فدخلوا المسجد يستمعون الذكر)). وإسناده جيد. وفي كتاب (الترغيب) لأبي
الفضل الجوزي من حديث فرات بن السائب عن ميمون بن مهران عن ابن عباس مرفوعاً:
((إذا كان يوم الجمعة قد دفع إلى الملائكة ألوية حمد إلى كل مسجد يجمع فيه، ويحضر
جبريل، عليه الصلاة والسلام، المسجد الحرام، مع كل ملك كتاب، وجوههم كالقمر ليلة
البدر، معهم أقلام من فضة وقراطيس من فضة يكتبون الناس على منازلهم: فمن جاء قبل
الإمام كتب من السابقين، ومن جاء بعد خروج الإمام كتب: شهد الخطبة، ومن جاء حين
تقام الصلاة كتب: شهد الجمعة، وإذا سلم الإمام تصفح الملائكة وجوه القوم، فإذا فقدوا
منهم رجلاً كان فيما خلا من السابقين قالوا: يا رب إنا فقدنا فلاناً ولسنا ندري ما خلفه
اليوم؟ فإن كنت قبضته فارحمه، وإن كان مريضاً فاشفه، وإن كان مسافراً فأحسن صحابته
ويؤمن من معه من الكتاب.
ذكر معناه: قوله: ((من اغتسل))، يدخل فيه بعمومه كل من يصح منه التقرب، سواء
كان ذكراً أو أنثى حراً أو عبداً. قوله: ((غسل الجنابة))، بنصب اللام على أنه صفة لمصدر
محذوف، أي: غسلاً كغسل الجنابة، ويشهد بذلك رواية ابن جريج عن سمي عن عبد
الرزاق: ((فاغتسل أحدكم كما يغتسل من الجنابة))، ووقع في رواية ابن ماهان: ((من اغتسل

٢٤٧
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (٤)
غسل الجمعة))، واختلفوا في معنى، غسل الجنابة، فقال قوم: إنه حقيقة، حتى يستحب أن
يواقع زوجته ليكون أغض لبصره وأسكن لنفسه. قالوا: ويشهد لذلك حديث أوس الثقفي،
قال: ((سمعت رسول الله عَ ليه يقول: من غسل يوم الجمعة واغتسل ثم بكر وابتكر ومشى
ولم يركب ودنا من الإمام واستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة عمل سنة: أجر صيامها
وقيامها))، رواه أبو داود وغيره، وقال الترمذي: حديث أوس حديث حسن، وقال: معنى قوله:
((غسل)) وطىء امرأته قبل الخروج إلى الصلاة، يقال: غسل الرجل امرأته وغسلها مشدداً
ومخففاً إذا جامعها، وفحل غسلة: إذا كان كثير الضراب، والأكثرون على أن التشبيه في
قوله: ((غسل الجنابة)) للكيفية لا للحكم. قوله: ((ثم راح)) أي: ذهب أول النهار، ويشهد لهذا
ما رواه أصحاب (الموطأ): عن مالك في: ((الساعة الأولى)). قوله: ((ومن راح في الساعة
الثانية)) قال مالك: المراد بالساعات هنا لحظات لطيفة بعد زوال الشمس، وبه قال القاضي
حسين وإمام الحرمين. والرواح عندهم بعد زوال الشمس، وادعوا أن هذا معناه في اللغة، وقال
جماهير العلماء باستحباب التبكير إليها أول النهار، وبه قال الشافعي وابن حبيب المالكي،
والساعات عندهم من أول النهار، والرواح يكون أول النهار وآخره. وقال الأزهري: لغة العرب
أن الرواح: الذهاب، سواء كان أول النهار أو آخره أو في الليل، وهذا هو الصواب الذي
يقتضيه الحديث، والمعنى: لأن النبي ◌َّله، أخبر أن الملائكة تكتب من جاء في الساعة
الأولى وهو كالمهدي بدنة، ثم من جاء في الساعة الثانية، ثم في الثالثة، ثم في الرابعة، ثم
في الخامسة، وفي رواية النسائي: السادسة، فإذا خرج الإمام طووا الصحف ولم يكتبوا بعد
ذلك.
ومعلوم أن النبي، عَ لَّهِ، كان يخرج إلى الجمعة متصلاً بالزوال، وهو بعد انقضاء
الساعة السادسة، فدل على أنه لا شيء من الفضيلة لمن جاء بعد الزوال، ولأن ذكر الساعات
إنما كان للحث على التبكير إليها والترغيب في فضيلة السبق وتحصيل الصف الأول
وانتظارها والاشتغال بالتنفل والذكر، ونحو ذلك، وهذا كله لا يحصل بالذهاب بعد الزوال،
ولا فضيلة لمن أتى بعد الزوال لأن النداء يكون حينئذ، ويحرم التخلف بعد النداء.
قلت: الحاصل أن الجمهور حملوا الساعات المذكورة في الحديث على الساعات
الزمانية، كما في سائر الأيام، وقد روى النسائي أنه، عَّه، قال: ((يوم الجمعة اثنتا عشرة
ساعة))، وأما أهل علم الميقات فيجعلون ساعات النهار ابتداءها من طلوع الشمس، ويجعلون
الحصة التي من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس من حساب الليل، واستواء الليل والنهار
عندهم إذا تساوى ما بين المغرب وطلوع الشمس، وما بين طلوع الشمس وغروبها، فإن أريد
الساعات على اصطلاحهم فيكون ابتداء الوقت المرغب فيه لذهاب الجمعة من طلوع
الشمس، وهو أحد الوجهين للشافعية. وقال الماوردي: إنه الأصح، ليكون قبل ذلك من طلوع
الفجر زمان غسل وتأهب. وقال الروياني: إن ظاهر كلام الشافعي أن التبكير يكون من طلوع
الفجر، وصححه الروياني، وكذلك صاحب (المهذب) قبله، ثم الرافعي والنووي، ولهم وجه

٢٤٨
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (٤)
ثالث: إن التبكير من الزوال كقول مالك، حكاه البغوي والروياني. وفيه وجه رابع حكاه
الصيدلاني: إنه من ارتفاع النهار، وهو وقت الهجير. وقال الرافعي: ليس المراد من الساعات
على اختلاف الوجوه الأربع والعشرين الني قسم اليوم والليلة عليها، وإنما المراد ترتيب
الدرجات وفضل السابق على الذي يليه.
قوله: ((قرب بدنة)) أي: تصدق ببدنة متقرباً إلى الله تعالى، وقيل: المراد أن للمبادر
في أول ساعة نظير ما لصاحب البدنة من الثواب ممن شرع له القربان، لأن القربان لم يشرع
لهذه الأمة على الكيفية التي كانت للأمم الماضية. وقيل: ليس المراد بالحديث إلاّ بيان
تفاوت المبادرين إلى الجمعة، وأن نسبة الثاني من الأول نسبة البقرة إلى البدنة في القيمة
مثلاً، ويدل عليه أن في مرسل طاوس، رواه عبد الرزاق: كفضل صاحب الجزور على
صاحب البقرة، والبدنة تطلق على الإبل والبقر، وخصصها مالك بالإبل، ولكن المراد ههنا من
البدنة الإبل بالاتفاق، لأنها قوبلت بالبقرة، وتقع على الذكر والأنثى. وقال بعضهم: المراد
بالبدنة هنا الناقة بلا خلاف. قلت: فيه نظر، فكان لفظ: الهاء، فيه غره، وحسب أنه
للتأنيث، وليس كذلك، فإنه للوحدة كقمحة وشعيرة ونحوهما من أفراد الجنس، سميت
بذلك لعظم بدنها. وقال الجوهري: البدنة ناقة أو بقرة تنحر بمكة، سميت بذلك لأنهم كانوا
يسمونها. وحكى النووي عن الأزهري، أنه قال: البدنة تكون من الإبل والبقر والغنم. قلت:
هذا غلط، الظاهر أنه من النساخ، لأن المنقول الصحيح عن الأزهري، أنه قال: البدنة لا تكون
إلاّ من الإبل، وأما الهدي فمن الإبل والبقر والغنم. قوله: ((بقرة))، التاء فيها للوحدة. قال
الجوهري: البقر اسم جنس، والبقرة تقع على الذكر والأنثى، وإنما دخله الهاء على أنه واحد
من جنس، والبقرات جمع بقرة، والباقر جماعة البقر مع رعاتها، والبيقور، وأهل اليمن يسمون
البقرة: باقورة، وهو مشتق من: البَقْر، وهو: الشق فإنها تبقر الأرض أي: تشقها بالحراثة. قوله:
((كبشاً أقرن))، الكبش هو الفحل، وإنما وصف بالأقرن لأنه أكمل وأحسن صورة، ولأن القرن
ينتفع به، وفيه فضيلة على الأجم. قوله: ((دجاجة))، بكسر الدال وفتحها لغتان مشهورتان،
وحكى الضم أيضاً. وعن محمد بن حبيب: إنها بالفتح من الحيوان، وبالكسر من الناس.
والدجاجة تقع على الذكر والأنثى، وسميت بذلك لإقبالها وإدبارها، وجمعها: دجاج ودجائج
ودجاجات، ذكره ابن سيده. وفي (المنتهى) لأبي المعالي: فتح الدال في الدجاج أفصح من
كسره، ودخلت الهاء في الدجاجة لأنه واحد من جنس، مثل: حمامة وبطة ونحوهما، وكما
جاءت الدال مثلثة في المفرد، فكذلك يقال في الجمع: الدجاج والدجاج والدجاج. قوله:
((بيضة))، البيضة واحدة من البيض، والجمع: بيوض، وجاء في الشعر: بيضات. قوله:
((حضرت الملائكة))، بفتح الضاد وكسرها، والفتح أعلى.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: استحباب الغسل يوم الجمعة. وفيه : فضيلة التبكير، وقد
ذكرنا حده عن قريب. وفيه : أن مراتب الناس في الفضيلة على حسب أعمالهم. وفيه : أن
القربان والصدقة تقع على القليل والكثير، وقد جاء في النسائي بعد الكبش: بطة ثم دجاجة

٢٤٩
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (٤)
ثم بيضة، وفي أخرى: دجاجة ثم عصفور ثم بيضة، وإسنادهما صحيح. وفيه : إطلاق القربان
على الدجاجة والبيضة لأن المراد من التقرب التصدق، ويجوز التصدق بالدجاجة والبيضة
ونحوهما. وفيه: أن التضحية من الإبل أفضل من البقر لأنه عَ لَّ قدمها أولاً وتلاها بالبقرة،
وأجمعوا عليه في الهدايا واختلفوا في الأضحية فمذهب أبي حنيفة والشافعي والجمهور: أن
الإبل أفضل ثم البقر ثم الغنم كالهدايا، ومذهب مالك: أن الغنم أفضل ثم البقر ثم الإبل،
قالوا: لأن النبي عَّ لّ ضحى بكبشين وهو فداء إسماعيل، عليه الصلاة والسلام، وحجة
الجمهور حديث الباب مع القياس على الهدايا، وفعله عَّةٍ لا يدل على الأفضلية بل على
الجواز، ولعله لم يجد غيره، كما ثبت في (الصحيح) أنه عَّ لِ: ضحى عن نسائه بالبقرة. فإن
قلت: روى أبو داود وابن ماجه من حديث عبادة بن الصامت بإسناد صحيح أنه قال: ((خير
الأضحية الكبش الأقرن)). قلت: مراده خير الأضحية من الغنم الكبش الأقرن، وقال إمام
الحرمين: البدنة من الإبل ثم الشرع قد يقيم مقامها بقرة وسبعاً من الغنم، وتظهر ثمرة هذا
فيما إذا قال: لله علي بدنة، وفيه خلاف، الأصح تعين الإبل إن وجدت، وإلّ فالبقر أو سبع
من الغنم، وقيل: تتعين الإبل مطلقاً وقيل يتخير مطلقاً. وفيه : الملائكة المذكورون غير
الحفظة، ووظيفتهم كتابة حاضريها، قاله الماوردي والنووي، وقال ابن بزيزة: لا أدري هم أم
غيرهم؟ قلت: هؤلاء الملائكة يكتبون منازل الجائين إلى الجمعة مختصون بذلك، كما روى
أحمد في (مسنده): عن أبي أمامة، رضي الله تعالى عنه: ((سمعت رسول الله عَ له يقول:
تقعد الملائكة على أبواب المساجد فيكتبون الأول والثاني والثالث .. )) الحديث، والحفظة لا
يفارقون من وكلوا عليهم، وروى أبو داود من حديث عطاء الخراساني، قال: ((سمعت علياً،
رضي الله تعالى عنه، على منبر الكوفة يقول: إذا كان يوم الجمعة غدت الشياطين براياتها إلى
الأسواق فيرمون الناس بالترابيث أو الربائث، ويثبطونهم عن الجمعة، وتغدو الملائكة فتجلس
على أبواب المسجد فيكتبون الرجل من ساعة والرجل من ساعتين حتى يخرج الإمام، فإذا
جلس الرجل مجلساً يتمكن فيه من الاستماع والنظر فأنصت ولم يلغ كان كفلان من الأجر،
فإن نأى حيث لا يستمع فأنصت ولم يلغ كان له كفل من الأجر، وإن جلس مجلساً يتمكن
فيه من الاستماع والنظر فلغا ولم ينصت كان له كفل من وزر، ومن قال يوم الجمعة
لصاحبه: مه، فقد لغى، فليس له في جمعته تلك شيء، ثم يقول في آخر ذلك: سمعت
رسول الله عَّلَه، يقول ذلك)).
قال أبو داود: رواه الوليد بن مسلم عن ابن جابر، قال: بالربائث، وقال مولى امرأته أم
عثمان ابن عطاء، ورواه أحمد من رواية الحجاج بن أرطأة عن عطاء الخراساني بلفظ: ((وتقعد
الملائكة على أبواب المسجد يكتبون الناس على قدر منازلهم السابق والمصلي والذي يليه
حتى يخرج الإمام))، والربائث، بفتح الراء والباء الموحدة وآخره ثاء مثلثة: جمع ربيثة، وهو ما
يحبس الإنسان ويشغلاه. وأما الترابيث فقال صاحب (النهاية): يجوز أن يكون جمع: تربيئة،
وهي المرة الواحدة من التربيث، وقال الخطابي: وهذه الرواية ليست بشيء. وفيه : حضور

٢٥٠
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (٥).
الملائكة إذا خرج الإمام ليسمعوا الخطبة، لأن المراد من قوله: ((يستمعون الذكر)): هو
الخطبة. فإن قلت: في الرواية الأخرى من (الصحيح): فإذا جلس الإمام طووا الصحف، فما
الفرق بين الروايتين؟ قلت: بخروج الإمام يحضرون من غير طي، فإذا جلس الإمام على
المنبر طووها. ويقال: ابتداء طيهم الصحف عند ابتداء خروج الإمام وانتهاؤه بجلوسه على
المنبر، وهو أول سماعهم للذكر، والمراد به ما في الخطبة من المواعظ ونحوها.
٥ ۔۔ باب
ثبت لفظ: باب، هكذا من غير ضم إلى شيء في أصل البخاري، وهو كالفصل من
الباب الذي قبله، وقد ذكرنا أن الأبواب تجمع الفصول، كما أن الكتب تجمع الأبواب، وهو
غير معرب لأن المعرب جزء المركب إلاّ إذا جعلناه محذوف المبتدأ على تقدير: هذا باب،
فحينئذ يكون معرباً.
٨٨٢/٧ - حدّثنا أَبُو نُعَيْمِ قال حدَّثنا شَيْبَانُ عنْ يَحيى عنْ أَبِي سَلَمَةَ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ
عُمَرَ رضي الله تعالى عنه بَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَة إذ دَخَلَ رَبجلٌ فقال عُمَرُ لِمَ
تَخْتَبِشُونَ عنِ الصَّلاَةِ فقالِ الرَّجُلُ ما هُوَ إلاّ أنْ سَمِعْتُ النِّدَاءَ تَوَضَّأْتُ فقال أَلَمْ تَسْمعُوا
النبيَّ عَ لّهِ قال إِذَا راحَ أحدُكُمْ إلى الجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ. [انظر الحديث ٨٧٨].
وجه مطابقة دخوله في باب فضل الجمعة من حيث إنكار عمر على هذا الداخل،
وهو عثمان بن عفان، على ما ذكرناه مع جلالة قدره، لأجل احتباسه عن التبكير، فلولا عظم
الفضيلة فيه لما أنكر عمر عليه بحضور الصحابة من المهاجرين والأنصار، فإذا ثبتت الفضيلة
في التبكير إلى الجمعة ثبتت للجمعة بالطريق الأولى.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: أبو نعيم، بضم النون: الفضل بن دكين. الثاني:
شيبان، بفتح الشين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وبالباء الموحدة وبعد الألف نون:
وهو ابن عبد الرحمن التميمي النحوي. الثالث: يحيى بن أبي كثير. الرابع: أبو سلمة بن
عبد الرحمن. الخامس: أبو هريرة.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه : العنعنة في
ثلاثة مواضع. وفيه : القول في موضع واحد. وفيه : أن الراويين الأولين كوفيان والثالث يماني
والرابع مدني. وفيه : شيخ البخاري المذكور مذكور بكنيته، وشيخه مذكور مجرداً. وفيه :
أبو سلمة مذكور بكنيته وفي اسمه اختلاف، والأصح أن كنيته اسمه.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الصلاة عن إسحاق بن إبراهيم. وأخرجه أبو
: داود في الطهارة عن أبي توبة الربيع بن نافع. وقد مر الكلام فيه مستوفىّ في: باب فضل
: الغسل يوم الجمعة، فإنه أخرج هناك من حديث ابن عمر عن عمر، رضي الله تعالى عنهما.
قوله: ((إذا دخل رجل))، سماه عبيد الله بن موسى في روايته عن شيبان أنه: عثمان بن عفان،
: وكذا سماه الأوزاعي في روايته عند مسلم، وكذا سماه حرب بن شداد في رواية الطحاوي،

٢٥١
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (٦)
كلاهما عن يحيى بن أبي كثير. قوله: ((لم تحتبسون عن الصلاة؟)) أي: عن الحضور في
أول وقتها. قوله: ((النداء)) أي: الأذان. قوله: ((يقول))، ويروى: ((قال)).
٦ - بابُ الدَّهْنِ لِلْجُمُعَةِ
أي: هذا باب في بيان حكم الدهن لأجل الجمعة، والدهن، بفتح الدال: مصدر من
دهنت دهناً، وبالضم اسم، وههنا بالفتح، وإنما لم يجزم بحكمه للاختلاف فيه على ما
نذكره.
٨٨٣/٨ - حدّثنا آدَمُ قالَ حدَّثنا ابنُ أبي ذِئبٍ عنْ سَعِيدِ المَقْبَرِيِّ قالَ أخبرني أبي عنِ
ابنِ وَدِيعَةً عَنْ سِلْمَانَ الفَارِسِيِّ قال قال النبيُّ عَ لَّه لا يَغْتَسِلُ رَجُلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَيَتَطَهَّرُ مَا
اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ أَزِ يَِسٌّ مِنْ طِيبٍ بِيتِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ فَلاَ يُفرِّقُ بَينَ الْنِيْنِ ثُمَّ
يُصَلِّي ما كُتِبَ لَهُ ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإِمامُ إِلاَّ غُفِرَ لَهُ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ الجُمعةِ الأَخْرَى.
[الحديث ٨٨٣ - طرفه في: ٩١٠].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ویدهن من دهنه)).
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: آدم بن أبي إياس. الثاني: محمد بن عبد الرحمن بن
المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب، واسمه هشام القرشي العامري أبو الحارث المدني. الثالث:
سعيد بن أبي سعيد واسمه: كيسان المقبري أبو سعيد المدني، والمقبري نسبة إلى مقبرة
بالمدينة كان مجاوراً بها. الرابع: أبو سعيد المقبري. الخامس: عبد الله بن وديعة بن حرام
أبو وديعة الأنصاري المدني، قتل بالحرة. السادس: سلمان الفارسي، رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه : الإخبار
بصيغة الإفراد في موضع. وفيه : العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه : القول في أربعة مواضع.
وفيه : أن رواته كلم مدنيون. وفيه : ثلاثة من التابعين متوالية وهم: سعيد وأبوه وابن وديعة،
وقد ذكر ابن سعد ابن وديعة من الصحابة، وكذا ذكره ابن منده، وعزاه لأبي حاتم. وقال
الذهبي في (تجريد الصحابة): عبد الله ابن وديعة بن حرام الأنصاري، له صحبة، وروى عنه
أبو سعيد المقبري، فعلى هذا يكون فيه : رواية تابعيين عن صحابيين. وفيه : رواية الابن عن
الأب. وفيه : أن ابن وديعة ليس له في البخاري إلّ هذا الحديث. وفيه : غمز الدارقطني
على البخاري حيث قال: إنه اختلف فيه على سعيد المقبري، فرواه ابن أبي ذئب عنه هكذا،
ورواه ابن عجلان عنه، فقال: عن أبي ذر، بدل سلمان، وأرسله أبو معشر عنه، فلم يذكر
سلمان ولا أبا ذر، ورواه عبيد الله العمري عنه فقال: عن أبي هريرة. انتهى.
قلت: رواية ابن عجلان من حديث أبي ذر أخرجها ابن ماجه فقال: أخبرنا سهل بن
أبي سهل وحوثرة بن محمد قالا: أخبرنا يحيى بن سعيد القطان عن ابن عجلان عن سعيد
المقبري عن أبيه عن عبد الله بن وديعة عن أبي ذر عن النبي عدّ له، قال: ((من اغتسل يوم
الجمعة فأحسن غسله، وتطهر فأحسن طهوره، ولبس من أحسن ثيابه، ومس ما كتب الله له

٢٥٢
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (٦)
من طيب أهله، ثم أتى الجمعة ولم يلغ ولم يفرق بين اثنين غفر له ما بينه وبين الجمعة
الأخرى)). ورواية أبي معشر عن سعيد بن منصور، ورواية عبيد الله العمري عن أبي يعلى، ولا
يرد كلام الدارقطني لأن رواية البخاري والطريقة التي فيها من أتقن الروايات وأحكمها،
وغيرها لا يلحقها.
ذكر معناه: قوله: ((لا يغتسل رجل .. )) إلى آخره، مشتمل على شروط سبعة لحصول
المغفرة، وجاء في غيره من الأحاديث شروط أخرى على ما نذكرها إن شاء الله تعالى.
الأول: الاغتسال يوم الجمعة، وفيه دليل على أنه يدخل وقت غسل الجمعة بطلوع الفجر
من يومه، وهو قول جمهور العلماء. الثاني: التطهر، وهو معنى: ((ويتطهر ما استطاع من
الطهر))، وفي رواية الكشميهني: ((من طهر)) بالتنكير، ويراد به المبالغة في التنظيف، فلذلك
ذكره في باب التفعل وهو للتكلف، والمراد به: التنظيف بأخذ الشارب وقص الظفر وحلق
العانة، أو المراد بالاغتسال: غسل الجسد، وبالتطهر: غسل الرأس. أو المراد به: تنظيف
الثياب، وورد ذلك في حديث أبي سعيد وأبي أيوب، فحديث أبي سعيد عند أبي داود
ولفظه: ((من اغتسل يوم الجمعة ولبس من أحسن ثيابه)). وحديث أبي أيوب عند أحمد
والطبراني، ولفظه: ((من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب إن كان عنده ولبس من أحسن
ثيابه)). الثالث: الادهان، وهو معنى قوله: ((ويدهن من دهنه))، والمراد به: إزالة شعث الرأس
واللحية به، ويدهن بتشديد الدال من باب الافتعال، لأن أصله: يتدهن، فقلبت التاء دالاً
وأدغمت الدال في الدال. الرابع: مس الطيب، وهو معنى قوله: ((أو يمس من طيب بيته))،
قيل: معناه إن لم يجد دهناً يمس من طيب بيته، وقيل: أو، بمعنى: الواو. وقال الكرماني: و:
أو، في ((أو يمس)) لا ينافي الجمع بينهما. وقيل: بطيب بيته ليؤذن بأن السنة أن يتخذ الطيب
لنفسه ويجعل استعماله عادة له، فيدخر فى البيت بناء على أن المراد بالبيت حقيقته، ولكن
في حديث عبد الله بن عمرو عند داود: ((أو يمس من طيب امرأته))، والمعنى على هذا إن لم
يتخذ لنفسه طيباً فليستعمل من طيب امرأته. وفي حديث سلمان عند البخاري ولفظه: ((أو
يمس من طيب بيته))، وقال شيخنا زين الدين في (شرح الترمذي): الظاهر أن تقييد ذلك
بطيب المرأة والأهل غير مقصود، وإنما خرج مخرج الغالب، وإنما المراد بما سهل عليه مما هو
موجود في بيته، ويدل عليه قوله في حديث أبي سعيد وأبي هريرة: ((ويمس من طيب إن كان
عنده)). أي: في البيت سواء كان فيه طيب أهله أو طيب امرأته.
قوله: (ثم يخرج)) زاد في حديث أبي أيوب عند ابن خزيمة: ((إلى المسجد)).
الخامس: أن لا يفرق بين اثنين وهو معنى قوله: ((فلا يفرق بين اثنين))، وهو كناية عن
التبكير، أي: عليه أن يبكر فلا يتخطى رقاب الناس، كذا قاله الكرماني، ويقال: معناه لا
يزاحم رجلين فيدخل بينهما، لأنه ربما ضيق عليهما خصوصاً في شدة الحر واجتماع
الأنفاس. السادس: يصلي ما شاء وهو معنى قوله: ((ثم يصلي ما كتب له))، وفي حديث أبي
الدرداء عند أحمد والطبراني، ((وركع ما قضي له))، وفي حديث أبي أيوب عند أحمد

٢٥٣
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (٦)
والطبراني أيضاً ((فيركع إن بدا له)). السابع: الإنصات، وهو معنى قوله: ((ثم ينصت))، بضم
الياء: من الإنصات. يقال: أنصت إذا سكت وأنصته إذا أسكته، فهو لازم ومتعد، والأول
المراد هنا، ويروى: ((ثم أنصت))، وفي أصول مسلم: ((انتصت))، بزيادة التاء المثناة من فوق.
قال عياض: وهو وهم، وذكر صاحب (الموعب) والأزهري وغيرهما: أنصت ونصت
وانتصت، ثلاث لغات بمعنى واحد فلا وهم حينئذ. قوله: ((إذا تكلم الإمام)) أي: إذا شرع في
الخطبة. وفي حديث قرئع الضبي: ((حتى يقضي صلاته))، ونحوه في حديث أبي أيوب.
وأما الزيادة على الشروط السبعة المذكورة. فمنها: المشي وترك الركوب، وفي حديث
أبي الدرداء عند أحمد والطبراني في (الكبير): ((من اغتسل يوم الجمعة)) الحديث، وفيه: ((ثم
مشى إلى الجمعة))، ولا شك أن المشي في السعي إليها أفضل إلا أن يكون بعيداً عن إقامتها
وخشي فوتها فالركوب أفضل، وهل المراد بالمشي في الذهاب إليها فقط أو الذهاب
والرجوع؟ أما في الذهاب إليها فهو آكد، وأما في الرجوع فهو مندوب إليه أيضاً. ومنها :
ترك الأذى، ففي حديث أبي أيوب: ((ولم يؤذ أحداً). فإن قلت: قوله: ((فلا يفرق بين اثنين))
يغني عن هذا؟ قلت: الأذى أعم من التفريق بين الاثنين، فيحتمل أن يكون الأذى في
المسجد، وفي طريق المسجد، ويدل عليه ما في حديث أبي الدرداء: ((ولم يتخط أحداً ولم
يؤذ))، والعطف يقتضي المغايرة، فهو من ذكر العام بعد الخاص. ومنها : المشي إلى
المسجد، وعليه السكينة. وفي حديث أبي أيوب: «ثم خرج وعليه السكينة حتى يأتي
المسجد))، والمراد به: التؤدة في مشيه إلى الجمعة وتقصير الخطى. ومنها : الدنو من الإمام،
كما جاء في رواية أبي داود والنسائي وابن ماجه، ثم المراد بالدنو من الإمام هل هو حالة
الخطبة أو حالة الصلاة إذا تباعد ما بين المنبر والمصلى مثلا؟ الظاهر أن المراد حينئذ الدنو
منه في حالة الخطبة لسماعها، وفي حديث ابن عباس عند البزار والطبراني في (الأوسط):
(ثم دنا حيث يسمع خطبة الإمام))، والحديث ضعيف. ومنها : ترك اللغو، وفي حديث عبد
الله بن عمر، وعند أبي داود: ((ثم لم يتخط رقاب الناس ولم يلغ عند الموعظة كانت كفارة
لما بينهما، ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهراً). وفي حديث أبي طلحة عند
الطبراني في (الكبير) ((وأنصت ولم يلغ في يوم الجمعة)) الحديث. واللغو قد يكون بغير
الكلام، كمس الحصى وتقليبه بحيث يشغل سمعه وفكره، وفي بعض الأحاديث: ((ومن مس
الحصى فقد لغا)). ومنها : الاستماع، وهو إلقاء السمع لما يقوله الخطيب. فإن قلت:
الإنصات يغني عنه؟ قلت: لا لأن الإنصات ترك الكلام، والاستماع ما ذكرناه، وقد يستمع
ولا ينصت بأن يلقي سمعه لما يقوله وهو يتكلم بكلام يسير أو يكون قوي الحواس بحيث
لا يشتغل بالاستماع عن الكلام، ولا بالكلام عن الاستماع، فالكمال الجمع بين الإنصات
والاستماع.
قوله: ((ما بينه وبين الجمعة الأخرى)) أي: ما بين يوم الجمعة هذا وبين يوم الجمعة
الأخرى. قوله: ((الأخرى)) يحتمل الماضية قبلها والمستقبلة بعدها، لأن الأخرى تأنيث الآخر

٢٥٤
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (٦)
بفتح الخاء لا بكسرها.
، وقوله: ((لا يغتسل .. )) إلى
ذكر ما يستفاد منه: فيه: استحباب الغسل يو
آخره، وهو محمول على الغسل الشرعي عند جمهور العلماء، يحكي عن المالكية تجويزه
بماء الورد، ويرده قوله: عَّ له في (الصحيح) ((من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة)). وفيه :
استحباب تنظيف ثيابه يوم الجمعة. وفيه : استحباب الادهان والتطيب. وفيه : كراهة
التخطي يوم الجمعة، وقال الشافعي: أكره التخطي إلاّ لمن لا يجد السبيل إلى المصلى إلاّ
بذلك، وكان مالك لا يكره التخطي إلاّ إذا كان الإمام على المنبر. وفيه : مشروعية التنفل
قبل صلاة الجمعة بما شاء، لقوله عَّ له: ((صلى ما كتب له)). وفيه: وجوب الإنصات لورود
الأمر بذلك، واختلف العلماء في الكلام: هل هو حرام أم مكروه كراهة تنزيه؟ وهما قولان
للشافعي قديم وجديد، قال القاضي: قال مالك وأبو حنيفة وعامة الفقهاء: يجب الإنصات
للخطبة. وحكي عن الشعبي والنخعي: أنه لا يجب إلاّ إذا تلي فيها القرآن، واختلفوا إذا لم
يسمع الإمام هل يلزمه الإنصات كما لو سمعه؟ فقال الجمهور: يلزمه. وقال النخعي وأحمد
والشافعي، في أحد قوليه: لا يلزمه. ولو لغا الإمام هل يلزمه الإنصات أم لا؟ فيه قولان. وفيه :
أن المغفرة ما بينه وبين الجمعة الأخرى، مشروطة بوجود ما تقدم من الأمور السبعة المذكورة
في الحديث، فإن قلت: في حديث نبيشة: ((يكون كفارة للجمعة التي تليها))، فما وجه
الجمع بين الحديثين؟ قلت: يحتمل أن يحمل الحديثان على حالين، فإن كانت له ذنوب
في الجمعة التي قبلها كفرت ما قبلها، فإن لم تكن له ذنوب فيها بأن حفظ فيها أو كفرت
بأمر آخر إما بالأيام الثلاثة الزائدة على الأسبوع التي عينها في الحديث: ((وزيادة ثلاثة أيام))،
فتكفر عنه ذنوب الجمعة المستقبلة. فإن قلت: تكفير الذنوب الماضية: بالحسنات وبالتوبة
وبتجاوز الله تعالى، فكيف يعقل تكفير الذنب قبل وقوعه؟ قلت: المراد عدم المؤاخذة به إذا
وقع، ومنه ما ورد في مغفرة ما تقدم من الذنب وما تأخر، ومنه حديث أبي قتادة في (صحيح
مسلم): ((صيام يوم عرفة احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده)).
٨٨٤/٩ - حدثنا أبو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال طاؤُسٌ قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ
ذكَرُوا أَنَّ النَّبِيَّ عَِّ قَالَ اغْتَسِلُوا يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاغْسِلُوا رُؤُوسَكُمْ وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا مُجُنُباً
وَأَصِيبُوا مِنَ الطَّيبِ. قال ابنُ عَبَّاسٍ أَمَّا الغُسْلُ فَنَعَمْ وَأَمَّ الطَّيبُ فَلاَ أَدْرِي. [الحديث ٨٨٤
- طرفه في: ٨٨٥].
ليس في هذا الحديث ذكر الدهن ليطابق الترجمة، ولكن تأتي المطابقة من وجه آخر،
وهو أن العادة استعمال الدهن بعد غسل الرأس، فكأن هذا أشعر به، ووجه آخر: أن الدهن
ذكر في حديث طاوس هذا في رواية إبراهيم بن ميسرة، وإنما الزهري الذي لم يذكره، وزيادة
الثقة الحافظ مقبولة، والحديث واحد، فكأنه مذكور أيضاً في رواية الزهري تقديراً وإن لم
يكن صريحاً.

٢٥٥
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (٦)
ورجال الحديث قد تكرر ذكرهم، وأبو اليمان هو الحكم بن نافع غالباً يروي عن
شعيب بن أبي حمزة عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن طاوس. وأخرجه النسائي
أيضاً في الصلاة عن محمد بن يحيى بن عبد الله عن أبي اليمان به.
قوله: ((ذكروا))، لم يسم طاوس من حدثه بذلك، والظاهر أنه أبو هريرة، لأن الطحاوي
روى من طريق عمرو بن دينار عن طاوس عن أبي هريرة نحوه، وكذلك رواه ابن خزيمة وابن
حبان. قوله: ((واغسلوا رؤوسكم)) إما تأكيد ((لاغتسلوا)) من باب ذكر الخاص بعد العام،
وبيان لزيادة الاهتمام به، أو يراد بالأول: الغسل المشهور الذي هو كغسل الجنابة، وبالثاني:
التنظيف من الأذى واستعمال الدهن. قوله: ((وإن لم تكونوا جنباً))، عطف على مقدر تقديره:
إن كنتم جنباً وإن لم تكونوا جنباً، ولفظ الجنب يستوي فيه المفرد والمثنى والجمع
والمذكر والمؤنث، فلذلك وقع خبراً لقوله: ((وإن لم تكونوا)). قوله: ((وأصيبوا)) أمر من
الإصابة، وكلمة: من، في: من الطيب، للتبعيض قائم مقام المفعول أي: أصيبوا بعض الطيب،
ومعناه: استعملوا. قوله: ((فلا أدري)) أي: فلا أعلم أن رسول الله عَِّ قاله، وهذا يخالف ما
رواه ابن ماجه من رواية صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن عبيد بن السباق عن ابن
عباس مرفوعاً: ((من جاء إلى الجمعة فليغتسل وإن كان له طيب فليمس منه))، وصالح
ضعيف، وخالفه مالك فرواه عن الزهري عن عبيد بن سباق مرسلاً.
ومما يستفاد منه: أن الاغتسال يوم الجمعة للجنابة يجوز عن الجمعة، سواء نواه
للجمعة أو لا. وقال ابن المنذر: أكثر من يحفظ فيه من أهل العلم يقولون: يجزىء غسلة
واحدة للجنابة والجمعة. وقال ابن بطال: رويناه عن ابن عمر ومجاهد ومكحول والثوري
والأوزاعي وأبي ثور، وقال أحمد: أرجو أن يجزيه، وهو قول أشهب وغيره، وبه قال المزني.
وعن أحمد: أنه لا يجزيه عن غسل الجنابة حتى ينويها، وهو قول مالك في (المدونة):
وذكره ابن عبد الحكم، وذكر ابن المنذر عن بعض ولد أبي قتادة أنه قال: من اغتسل للجنابة
يوم الجمعة اغتسل للجمعة.
٨٨٥/١٠ - حدَّثنا إبْرَاهيمُ بنُ مُوسى قال أخبرنا هِشَامٌ أنَّ ابنَ جُريْجِ أَخْبَرَهُمْ قالَ أخبرَنِي
إبْرَاهِيمُ بنُ مَيْسَرَةَ عنْ طَاؤُسِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما أنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَ النَّبِيِّ عَلَّه
فِي الغُسْلِ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَقُلْتُ لابنِ عَبَّاسٍ أَيْمَسُ طِيباً أَوْ دُهْناً إنْ كانَ عِنْدَ أهْلِهِ فقالَ لاَ
أَعْلَمُهُ. [انظر الحديث ٨٨٤].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: إبراهيم بن موسى الفراء أبو إسحاق الرازي الحافظ.
الثاني: هشام بن يوسف أبو عبد الرحمن قاضي صنعاء، مات سنة سبع وتسعين ومائة باليمن.
الثالث: عبد الملك بن جريج. الرابع: إبراهيم بن ميسرة، بفتح الميم وسكون الياء آخر
الحروف وفتح السين والراء المهملتين: الطائفي المكي التابعي. الخامس: طاوس اليماني.

٢٥٦
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (٧)
السادس: عبد الله بن عباس.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع. وفيه : الإخبار بصيغة
الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في موضعين. وفيه : العنعنة في موضعين. وفيه : رواية
التابعي عن التابعي عن الصحابي. وفيه : أن رواته ما بين رازي وصنعاني ومكي وطائفي
ويماني على نسق مذكور فيه.
وأخرجه مسلم في الصلاة أيضاً عن الحسن بن علي وعن محمد بن رافع وعن
إسحاق بن إبراهيم وعن هارون بن عبد الله، الكل عن ابن جريج.
قوله: ((أيمس طيباً؟)) الهمزة فيه للاستفهام وطيباً. منصوب بقوله: ((يمس)). قوله: ((فقال))،
أي: ابن عباس. قوله: ((لا أعلمه)) أي: لا أعلم أنه قول النبي، عَّه، ولا كونه مندوباً.
٧ - بابٌ يَلْبَسُ أحسَنَ ما يَجِدُ
أي: هذا باب ترجمته يلبس من يجيء إلى الجمعة أحسن ما يجد من الثياب.
٨٨٦/١١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قالَ أخبرنا مالِكٌ عنْ نَافِعِ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ أنَّ
عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رأى حُلَّةٌ سِيَرَاءَ عِنْدَ بابِ المَسْجِدِ فقالَ يا رسولَ الله لَوِ اشْتَرَيْتَ لهذِهِ
فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ وللْوَقْدِ إِذا قَدِمُوا عَلَيْكَ فقالَ رسولُ اللهِ عَ لَّهِ إِنَّمَا يَلْبَسُ لهِذِهِ مَنْ لاَ
خَلاَقَ لَهُ في الآخِرَةِ ثُمَّ جاءَتْ رسولَ اللهِ صَلِّ مِنْهَا حُلَلٌ فَأَعْطَى عُمَرَ بِنَ الخَطَّابِ رضي
الله تعالى عنهُ مِنْهَا حُلَّةً فقالَ عُمَرُ يا رَسولَ اللهِ كَسَوْتَنِيهَا وَقَدْ قُلْتَ في حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا
قُلْتَ قالَ رسولُ اللهِ عَ لَّهِ إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبِسَهَا فَكَسَاهَا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله
تعالى عنهُ أخاً لَهُ بِمَكّةَ مُشْرِكاً. [الحديث ٨٨٦ - أطرافه في: ٩٤٨، ٢١٠٤، ٢٦١٢،
٢٦١٩، ٣٠٥٤، ٥٨٤١، ٥٩٨١، ٦٠٨١].
مطابقته للترجمة من حيث إنه يدل على استحباب التجمل يوم الجمعة، والتجمل
يكون بأحسن الثياب، وإنكاره عَّه على عمر، رضي الله تعالى عنه، لم يكن لأجل التجمل
بأحسن الثياب، وإنما كان لأجل تلك الحالة التي أشار إليها عمر بشرائها من الحرير، وبهذا
يرد على الداودي قوله: ليس في الحديث دلالة على الترجمة، لأنه لا يلزم أن تكون الدلالة
صريحاً، ولم يلتزم البخاري بذلك، وقد جرت عادته في التراجم بمثل ذلك، وبأبعد منه في
الدلالة عليها. فافهم.
ذكر بقية الكلام فيه: أما رجاله فإنهم قد تكرر ذكرهم خصوصاً على هذا النسق،
وهذا السند من أعلى الأسانيد وأحسنها: مالك عن نافع عن ابن عمر.
وأما البخاري فإنه أخرجه في الهبة أيضاً عن القعنبي، وأخرجه مسلم في اللباس عن
يحيى بن يحيى. وأخرجه أبو داود في الصلاة عن القعنبي. وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة،
الكل عن مالك، رضي الله تعالى عنه، وهو من مسند ابن عمر، وجعله مسلم من مسند عمر

٢٥٧
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (٧)
لا ابنه.
وأما معناه فقوله: (حلة)): هي الإزار والرداء، لا تكون حلة حتی تکون ثوبین، سواء كانا
من برد أو غيره. وقال ابن التين: لا تكون حلة حتى تكون جديدة، سميت بذلك لحلها عن
طيها، وقال أبو عبيد: الحلل برود اليمن، وتجمع على: حلال أيضاً والأشهر: حلل. قوله:
((سيراء))، بكسر السين المهملة وفتح الياء آخر الحروف بعدها راء ممدودة، قال ابن قرقول:
هو الحرير الصافي، فمعناه: حلة حرير، وعن مالك: السيراء شيء من حرير، وعن ابن
الأنباري: السيراء الذهب، وقيل: هو نبت ذو ألوان وخطوط ممتدة كأنها السيور ويخالطها
حرير، وقال الفراء: هي نبت، وهي أيضاً ثياب من ثياب اليمن. وفي (الصحاح): برود فيها
خطوط صفر. وفي (المحكم): قيل هو ثوب مسير فيه خطوط يعمل من القز. وفي
(الجامع): قيل هي ثياب يخالطها حرير. وفي (العين): يقال: سيرت الثوب والسهم جعلته
خطوطاً. وفي (المغيث): برود يخالطها حرير كالسيور، فهو فعلاء من السير وهو: القد. وقال
القرطبي: هي المخططة بالحرير، ذكره الخليل والأصمعي، ثم إعراب: حلة سيراء، ورواه
بعضهم على الوصفية. قلت: فعلى هذا: حلة، بالتنوين، وسيراء، صفته وقيل: إن سيراء، بدل
من: حلة، وليس بصفة. وقال الخطابي: حلة سيراء كناقة عشراء قلت: يعني بالتنوين، ولكن
أهل العربية يختارون الإضافة. قال سيبويه: لم يأت فعلاء صفة، واختلفت الروايات في هذه
اللفظة. فقال أبو عمر: قال أهل العلم: إنها كانت حلة من حرير، وجاء: من استبرق وهو
الحرير الغليظ، وقال الداودي: هو رقيق الحرير، وأهل اللغة على خلافه، وفي رواية أخرى:
((من ديباج أو خز)). وفي رواية: ((حلة سندس))، وكلها دالة على أنها كانت حريراً محضاً.
وهو الصحيح لأنه هو المحرم. وأما المختلط فلا يحرم إلاّ أن يكون الحرير أكثر وزناً عند
الشافعية، وعند الحنفية العبرة للحمة كما عرف في موضعه. قوله: ((لو اشتريت هذه؟)) يجوز
أن تكون كلمة: لو، للشرط، ويكون جزاؤها محذوفاً تقديره: لكان حسناً، ويجوز أن تكون
للتمني فلا تحتاج إلى الجزاء. قوله: ((فلبستها يوم الجمعة وللوفد؟)) وفي رواية للبخاري:
((فلبستها للعيد وللوفود))، وفي رواية الشافعي: فلبستها للجمعة والوفود))، وهو جمع: وفد،
والوفد جمع: وافد، وهو القادم رسولاً وزائراً منتجعاً أو مسترفداً.
قوله: ((إنما يلبس هذه من لا خلاق له))، وفي رواية: ((إنما يلبس الحرير))، ويلبس بفتح
الباء الموحدة، والخلاق: الحظ والنصيب من الخير والصلاح. وقال ابن سيده: لا خلاق له،
يعني: لا رغبة له في الخير. وقال عياض: وقيل: الحرمة، وقيل: الدين، فعلى قول من يقول:
النصيب والحظ، يكون محمولاً على الكفار، وعلى القولين الأخيرين يتناول المسلم والكافر.
قوله: ((منها))، أي: من الحلة السيراء، والضمير في: منها، الثاني يرجع إلى الحلل. قوله: ((في
حلة عطارد))، بضم العين المهملة وتخفيف الطاء المهملة وكسر الراء وفي آخره دال مهملة:
وهو عطارد بن حاجب بن زرارة بن زيد بن عبد الله بن درام بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة
ابن تميم، وفد على النبي عَ لله سنة تسع وعليه الأكثرون، وقيل: سنة عشر، وهو صاحب
عمدة القاري / ج٦ / ١٧٢

٢٥٨
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (٧)
الديباج الذي أهداه للنبي عَّةٍ، وكان كسرى كساه إياه فعجب منه الصحابة، فقال رسول الله
عَّهِ: ((لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا)). وقال الذهبي: له وفادة مع الأقرع
والزبرقان، ذكره في (كتاب الصحابة) وكان عطارد يقيم بالسوق الحلل أي: يعرضها للبيع،
فأضاف الحلة إليه بهذه الملابسة، وقال أبو عمر: قال أيوب: عن ابن سيرين: حلة عطارد أو
لبيد على الشك.
قوله: ((فكساها عمر))، أي: فكسا الحلة التي أرسلها النبي عَ لَّه ((أخاً له بمكة مشركاً))
وانتصاب: أخاً، على أنه مفعول ثان: لكسا، يقال: كسوته جبة، فيتعدى إلى مفعولين أحدهما
غير الأول. قوله: ((له)) في محل النصب لأنه صفة لقوله: ((أخاً)) تقديره أخاً كائناً له، وكذلك:
بمكة، في محل النصب، ومشركاً أيضاً نصب على أنه صفة بعد صفة. قيل: إنه أخوه من
أمه. وقيل: أخوه من الرضاعة. وفي النسائي و(صحيح أبي عوانة): ((فكساها أخاً له من أمه
مشركاً)، واسمه: عثمان بن حكيم، وقد اختلف في إسلامه، قاله بعضهم. قلت: وفي رواية
للبخاري: أرسل بها عمر، رضي الله تعالى عنه، إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم، وهذا
يدل على إسلامه بعد ذلك.
وأما الذي يستفاد منه: فعلى أوجه: الأول: فيه دلالة على حرمة الحرير للرجال، قال
القرطبي، رحمه الله: اختلف الناس في لباس الحرير، فمن مانع ومن مجوز على الإطلاق،
والجمهور من العلماء على منعه للرجال، وقد صح أنه، عَّللم قال: ((شققها خمراً بين نسائك»،
وعن أبي موسى الأشعري: أن رسول الله، عَ لّه قال: ((حرم لباس الحرير والذهب على ذكور
أمتي وأحل لإناثهم)). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح: ((وعن عمر، رضي الله تعالى
عنه أنه خطب بالجابية فقال: نهى النبي عَّلّ عن الحرير إلاّ موضع إصبعين أو ثلاث أو
أربع)). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. الثاني: فيه جواز البيع والشراء على أبواب
المساجد. الثالث: فيه مباشرة الصالحين والفضلاء البيع والشراء،. الرابع: فيه جواز ملك ما
لا يجوز لبسه له، وجواز هديته وتحصيل المال منه، وقد جاء: ((لتصيب بها مالاً». الخامس:
فيه ما كان عَّ لَّه عليه من السخاء والجود وصلة الإخوان والأصحاب بالعطاء. السادس: فيه
صلة للأقارب الكفار والإحسان إليهم، وجواز الهدية إلى الكافر. السابع: فيه جواز إهداء
الحرير للرجال لأنها لا تتعين للبسهم.
فإن قلت: يؤخذ منه عدم مخاطبة الكفار بالفروع حيث كساه عمر، رضي الله تعالى
عنه، إياه؟ قلت: هذه حجة الحنفية، فإن الكفار غير مخاطبين بالشرائع عندهم. وقالت
الشافعية: يؤخذ منه ذلك لأنه ليس فيه الإذن، وإنما هو الهدية إلى الكافر، وقد بعث الشارع
ذلك إلى عمر وعلي وأسامة، رضي الله تعالى عنهم، ولم يلزم منه إباحة لبسها لهم، بل صرح
عَ له بأنه إنما اعطاها لينتفع بها بغير اللبس، حيث قال عَُّله: ((تبيعها وتصيب بها حاجتك)).
الثامن: فيه عرض المفضول على الفاضل ما يحتاج إليه من مصالحه التي لا يذكرها.
التاسع: فيه أن من لبس الحرير في الدنيا من الرجال والنساء ظاهره أنه يحرم من ذلك في

٢٥٩
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (٨)
الآخرة، لأن كلمة: من، تدل على العموم وتتناول الذكور والإناث، لكن الحديث مخصوص
بالرجال لقيام دلائل أخرى بإباحته للنساء، وأما مسألة الحرمان في الآخرة فمنهم من حمله
على حقيقته، وزعم أن لابسه يحرم في الآخرة من لبسه سواء تاب عن ذلك أو لا، جرياً على
الظاهر، والأكثرون على أنه لا يحرم إذا تاب ومات على توبته. العاشر: فيه استحباب لبس
الثياب الحسنة يوم الجمعة، وروى أبو داود من حديث ابن سلام، قال: قال رسول الله عد له:
((ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته؟)). وروى ابن ماجه من
حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، قالت: قال رسول الله عَ لّهِ: ((ما على أحدكم، أن
وجد سعة أن يتخذ ثوبين للجمعة سوى ثوبي مهنته؟» وروى ابن أبي شيبة بإسناد على
شرط مسلم، عن أبي سعيد مرفوعاً: ((إن من الحق على المسلم إذا كان يوم الجمعة السواك،
وأن يلبس من صالح ثيابه، وأن يطيب بطيب إن كان)).
٨ - بابُ السِّوَاكِ يَوْمَ الجُمُعَةِ
أي: هذا باب في بيان استعمال السواك يوم الجمعة، والسواك إسم لما يدلك به
الأسنان من العيدان، يقال: ساك فاه يسوكه إذا دلكه بالسواك، فإذ لم يذكر الفم. يقال:
استاك، وقال الجوهري: السواك المسواك.
وقَالَ أَبُو سَعِيدٍ عنِ النَّبِيِّ عَّلَّهِ يَسْتَنْ
أبو سعيد هو الخدري، واسمه سعد بن مالك، وهذا تعليق وهو طرف من حديث أبي
سعيد ذكره في: باب الطيب للجمعة، وفي الحديث ذكر الجمعة، وبه يقع التطابق بين هذا
المعلق والترجمة. قوله: ((يستن)) من الاستنان وهو الاستياك.
٨٨٧/١٢ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قالَ أَخْبَرَنَا مالِكٌ عنْ أَبِي الزِّنَادِ عنِ الأغرَجِ عنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ عَّ ◌ُلِ قَال لَوْلاَ أَشُقَّ عَلَى أَمَّتِي أَوْ عَلَى اَلنَّاسِ
لأمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كلِّ صَلاةٍ. [الحديث ٨٨٧ - طرفه في: ٧٢٤٠].
مطابقته للترجمة من حيث إن السواك عند كل صلاة، وصلاة الجمعة من كل صلاة.
ورجاله: قد ذكروا غير مرة، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان، والأعرج عبد الرحمن بن
هرمز، وهذا الحديث رواه عن أبي هريرة جعفر بن ربيعة بلفظ: ((على أمتي لأمرتهم
بالسواك))، وعند النسائي من رواية قتيبة عن مالك: ((مع كل صلاة))، وزعم أبو عمر أن رواية
عبد الله بن يوسف عن مالك: ((لولا أن أشق على المؤمنين - أو على الناس - لأمرتهم
بالسواك))، وكذا قاله القعنبي وأيوب بن صالح ومعن، وزاد: ((عند كل صلاة))، وكذلك قال
قتيبة فيه: ((عند كل صلاة))، ولم يقل: أو على الناس، وذكر أبو العباس أحمد بن طاهر في
آخر كتابه (أطراف الموطأ) أن أبا هريرة قال: ((لولا أن يشق على أمته لأمرهم بالسواك مع كل
وضوء))، وأنه موقوف عند يحيى بن يحيى وطائفة، ورفعه روح وسعيد بن عفير ومطرف
وجماعة عن مالك، قال، ورواية معن ومطرف وجويرية: ((مع كل صلاة))، وأما الدارقطني

٢٦٠
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (٨)
فذكر في (الموطأ): أن ابن يوسف ومحمد بن يحيى قالا: ((لولا أن أشق على أمتي أو
على الناس)) وقال معن: ((على المؤمنين - أو على الناس - لأمرتهم بالسواك))، وزاد معن:
((عند كل صلاة)). انتهى. وكأن قول الدارقطني هو الصواب، كما ذكره البخاري وغيره،
وادعى ابن التين أنه ليس في هذا الحديث في (الموطأ): ((مع كل صلاة))، ولا قوله: ((أو
على الناس))، وقد ظهر لك خلافه، وقال صاحب (التوضيح): وفي الباب عن سبعة عشر
صحابياً ذكرهم الترمذي. فإن قلت: كيف التوفيق بين رواية: عند كل وضوء، ورواية: عند
كل صلاة؟ قلت: السواك الواقع عند الوضوء واقع للصلاة لأن الوضوء مشرع لها.
ذكر معناه: قوله: ((لولا)) كلمة لربط امتناع الثانية لوجود الأولى، نحو: لولا زيد
لأكرمتك، أي: لولا زيد موجود، والمعنى ههنا، لولا مخافة أن أشق لأمرتهم أمر إيجاب، وإلاّ
لانعكس معناها إذ الممتنع: المشقة، والموجود: الأمر. وقال القاضي البيضاوي: لولا، كلمة
تدل على انتفاء الشيء لثبوت غيره، والحق أنها مركبة من: لو، الدالة على انتفاء الشيء
لانتفاء غيره، و: لا، النافية، فدل الحديث على انتفاء الأمر لثبوت المشقة، لأن انتفاء النفي
ثبوت، فيكون الأمر منفياً لثبوت المشقة. قوله: ((أن أشق)) كلمة: أن، مصدرية، وهي محل
الرفع على الابتداء، وخبره محذوف واجب الحذف، والتقدير: لولا المشقة موجودة لأمرتهم.
قوله: ((أو على الناس))، شك من الراوي. قوله: ((بالسواك)) أي: باستعمال السواك، لأن
السواك آلة.
ذكر الأحكام المتعلقة به: وهو على وجوه.
الأول: أن استعمال السواك، هل هو واجب أم سنة؟ فذهب أكثر أهل العلم إلى عدم
وجوبه، بل ادعى بعضهم فيه الإجماع، وحكى الشيخ أبو حامد والماوردي عن إسحاق بن
راهويه أنه قال: هو واجب لكل صلاة فمن تركه عامداً بطلت صلاته، وعن داود: أنه واجب
ولكنه ليس بشرط، واحتج من قال بوجوبه بورود الأمر به، فعند ابن ماجه في حديث أبي
أمامة مرفوعاً: ((تسوكوا))، ولأحمد نحوه من حديث العباس، وقالوا: في حديث أبي هريرة
المذكور دليل على أن الأمر للوجوب من وجهين: أحدهما: أنه نفي الأمر مع ثبوت الندبية،
ولو كان للندب لما جاز النفي. والآخر: أنه جعل الأمر مشقة عليهم، وذلك إنما يتحقق إذا
كان الأمر للوجوب، إذ الندب لا مشقة فيه لأنه جائز الترك. قلت: الجواب أن شيئاً من
الأحاديث المذكورة لم يثبت، وثبوت الندبية بدليل آخر، والحديث نفي الفرضية بما ذكرنا
والسنية أو الندبية بدلائل أخرى. وقال الشافعي: فيه دليل على أن السواك ليس بواجب، لأنه
لو كان واجباً لأمرهم به، شق عليهم أو لم يشق، والعجب من صاحب (الهداية) يقول:
السواك سنة لأنه عَُّلِّ كان يواظب عليه، ولم يذكر شيئاً من الأحاديث الدالة على المواظبة،
وقد علم أن مواظبة النبي ◌َّهِ على فعل شيء يدل على أن ذلك واجب، وأعجب منه ما قاله
الشراح (للهداية): أن المواظبة مع الترك دليل السنية، وقد دل على تركه حديث الأعرابي،
فإنه لم ينقل فيه تعليم السواك، فلو كان واجباً لعلمه.