النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٤٨)
آخر الكلام بعد سياق التشهد موالياً، والظاهر أنه من تصرف الرواة، والله أعلم. قوله: ((في
السماء والأرض)) وفي رواية مسدد عن يحيى: ((أو بين السماء والأرض))، والشك فيه من
مسدد، وفي رواية الإسماعيلي بلفظ: ((من أهل السماء والأرض)). قوله: ((أشهد أن لا إله إلاّ
الله))، زاد ابن أبي شيبة من رواية أبي عبيدة عن أبيه: ((وحده لا شريك له))، وسنده ضعيف،
لكن ثبتت هذه الزيادة في حديث أبي موسى عند مسلم، وفي حديث عائشة الموقوف في
(الموطأ) وفي حديث ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، عند الدارقطني إلّ أن سنده ضعيف،
وقد روى أبو داود من وجه آخر صحيح، عن ابن عمر في التشهد ((أشهد أن لا إله إلاّ الله)»
قال ابن عمر: زدت فيها: وحده لا شريك له)). وهذه ظاهرة الوقف.
قوله: ((وأشهد أن محمداً عبده ورسوله))، قال أهل اللغة يقال: رجل محمد ومحمود
إذا كثرت خصاله المحمودة، وقال ابن الفارس: وبذلك سمي نبينا عَِّ محمداً يعني: لعلم
الله تعالى بكثرة خصاله المحمودة، قلت: الفرق بين محمد وأحمد أن محمداً مفعل
للتكثير، وأحمد أفعل التفضيل، والمعنى: إذا حمدني أحد فأنت أحمد منهم، وإذا حمدت
أحداً فأنت محمد، و: العبد، الإنسان، حراً كان أو رقيقاً، يذهب فيه إلى أنه مربوب لباريه،
عز وجل، وجمعه: أعبد وعبيد وعباد وعبد وعبدان وعبدان، وأعابد جمع أعبد، والعبدي
والعبدي والعبوداء والعبدة أسماء الجمع، وجعل بعضهم: العباد لله وغيره من الجمع لله،
وللمخلوقين، وخص بعضهم بالعبدي: العبيد الذين ولدوا في الملك، والأنثى: عبدة، والعبدل
العبد، ولامه زائدة.
ذكر ما يستفاد منه: وهو على وجوه: الأول: فيما ورد من الاختلاف في ألفاظ
التشهد، روي في هذا الباب عن ابن مسعود وابن عباس وعمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر
وعائشة وعبد الله بن الزبير وجابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري وأبي موسى الأشعري
ومعاوية وسلمان وسمرة وأبي حميد.
أما حديث ابن مسعود: فقد رواه الستة عنه، ولفظ مسلم قال: ((علمني رسول الله
عَ لِّ التشهد، كفي بين كفيه، كما يعلمني السورة من القرآن، فقال: إذا قعد أحدكم في
الصلاة فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته،
السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإذا قالها أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض،
أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)). زادوا في رواية إلّ الترمذي وابن
ماجه: ((ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه فيدعو به)).
وأما حديث ابن عباس: رضي الله تعالى عنهما، فأخرجه الجماعة إلّ البخاري عن
سعيد بن جبير وطاوس عن ابن عباس، قال: ((كان رسول الله عَّ لم يعلمنا التشهد كما يعلمنا
السورة من القرآن، وكان يقول: التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها
النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلاّ الله
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)).
عمدة القاري / ج٦ / ١١٢

١٦٢
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٤٨)
وأما حديث عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، فأخرجه الطحاوي: حدثنا يونس
ابن عبد الأعلى، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث ومالك بن
أنس أن ابن شهاب حدثهما عن عروة بن الزبير: ((عن عبد الرحمن بن عبد القارىء أنه سمع
عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، يعلم الناس التشهد على المنبر وهو، يقول: قولوا:
التحيات لله، الزاكيات لله، والصلوات الله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته،
السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أن محمداً عبده
ورسوله)). وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في (مصنفهما) قلت: هذا موقوف، ورواه
أبو بكر بن مردويه في (كتاب التشهد) له مرفوعاً.
وأما حديث عبد الله بن عمر، فأخرجه أبو داود: حدثنا نصر بن علي حدثنا أبي حدثنا
شعبة عن أبي بشر سمعت مجاهداً يحدث ((عن ابن عمر، عن رسول الله عَ ليه في التشهد:
التحيات لله، الصلوات الطيبات الله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. قال ابن
عمر: زدت فيها: وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)) وأخرجه الدارقطني
عن أبي داود عن نصر بن علي، وقال: إسناده صحيح. وأخرجه الطبراني في (الكبير): حدثنا
أبو مسلم الكشي حدثنا سهل بن بكار حدثنا أبان بن يزيد عن قتادة عن عبد الله بن بابي
((عن ابن عمر. عن النبي عَّ له في التشهد: التحيات الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها
النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلّ الله،
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)). وأخرجه الطحاوي ولفظه: ((التحيات لله، الصلوات
الطيبات، والسلام عليك أيها النبي، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله
إلاّ الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .. )) إلاّ أن يحيى زاد في حديثه: «قال ابن عمر: زدت
فيها: وبركاته، وزدت فيها: وحده لا شريك له)). ويحيى بن إسماعيل البغدادي أحد مشايخ
الطحاوي. وأخرجه البزار مرفوعاً أيضاً.
وأما حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها: فأخرجه البيهقي في (سننه) عن القاسم
عنها، ((قالت: هذا تشهد النبي عَُّلّه: التحيات لله، الصلوات لله، الزاكيات لله، أشهد أن لا إله
إلاّ الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام
علينا، ويعده لنا بيديه عد العرب)).
وأما حديث عبد الله بن الزبير، رضي الله تعالى عنهما، فرواه الطبراني في (الكبير)
و(الأوسط) من حديث ابن لهيعة: عن الحارث بن يزيد سمعت أبا الورد، سمعت عبد الله بن
الزبير يقول: إن تشهد النبي عَّه: بسم الله وبالله خير الأسماء، التحيات لله، الصلوات
الطيبات، أشهد أن لا إله إلّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله
بالحق بشيراً ونذيراً، وإن الساعة آتية لا ريب فيها، وإن الله يبعث من في القبور، السلام
عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، اللهم اغفر لي
واهدني، هذا في الركعتين الأوليين)). وقال الطبراني: تفرد به ابن لهيعة. قلت: فيه مقال.

١٦٣
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٤٨)
وأما حديث جابر بن عبد الله فأخرجه النسائي وابن ماجه والترمذي في (العلل)
والحاكم من حديث أيمن بن نائل: حدثنا أبو الزبير عن جابر قال: ((كان رسول الله عَّ
يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن: بسم الله، وبالله، التحيات لله، والصلوات
والطيبات الله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله
الصالحين، أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أسأل الله الجنة وأعوذ
بالله من النار)، وصححه الحاكم. وقال النووي في (الخلاصة): وهو مردود، فقد ضعفه
جماعة من الحفاظ هم أجل من الحاكم وأتقن، وممن ضعفه البخاري والترمذي والنسائي
والبيهقي. قال الترمذي: سألت البخاري عنه فقال: هو خطأ.
وأما حديث أبي سعيد الخدري، رضي الله تعالى عنه، فأخرجه الطحاوي من حديث
أبي المتوكل عنه قال: ((كنا نتعلم التشهد كما نتعلم السورة من القرآن .. )) ثم ذكر مثل تشهد
ابن مسعود.
وأما حديث أبي موسى الأشعري، رضي الله تعالى عنه، فأخرجه مسلم وأبو داود
والنسائي والطبراني مطولاً، وفيه: ((فإذا كان عند القعدة فليكن من أول قول أحدكم أن يقول:
التحيات الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا
وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)). وأخرجه
أحمد، ولم يقل: وبركاته، ولا قال: وأشهد، قال: وأن محمداً.
وأما حديث معاوية، رضي الله تعالى عنه، فأخرجه الطبراني عنه ((أنه كان يعلم الناس
التشهد وهو على المنبر عن النبي عَّه: ((التحيات لله، والصلوات والطيبات .. )) إلى آخره، مثل
حديث ابن مسعود.
وأما حديث سلمان، رضي الله تعالى عنه، فأخرجه البزار في (مسنده) والطبراني في
(معجمه) أخرجاه عن سلمة بن الصلت عن عمرو بن يزيد الأزدي عن أبي راشد قال: ((سألت
سلمان الفارسي عن التشهد، فقال: أعلمكم كما علمنيهن رسول الله عَ له: التحيات لله
والصلوات والطيبات .. )) إلى آخره مثل حديث ابن مسعود، لكن زاد: لله، بعد: الطيبات. وقال
في آخره: ((قلها في صلاتك ولا تزد فيها حرفاً ولا تنقص منها حرفاً)، وإسناده ضعيف.
وأما حديث سمرة بن جندب، رضي الله تعالى عنه، فأخرجه أبو داود ولفظه: («قولوا:
التحيات لله، الطيبات والصلوات والملك لله، ثم سلموا على النبي، وسلموا على أقاربكم
وعلى أنفسكم)). وإسناده ضعيف، قاله بعضهم وليس كذلك، بل صحيح على شرط ابن
حبان.
وأما حديث أبي حميد فأخرجه الطبراني مثل حديث ابن مسعود، ولكن زاد:
((الزاكيات الله)) بعد: ((الطيبات))، وأسقط واو الطيبات، وإسناده ضعيف.
وفي الباب عن الحسين بن علي، وطلحة بن عبيد الله، وأنس وأبي هريرة والفضل بن

١٦٤
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٤٨)
عباس، وأم سلمة، وحذيفة، والمطلب بن ربيعة، وابن أبي أوفى، رضي الله تعالى عنهم،
قالوا: جملة من روى في التشهد من الصحابة أربعة وعشرون صحابياً.
الوجه الثاني: في ترجيح تشهد ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه، على جميع روايات
غيره. قال الترمذي: أصح حديث عن النبي، عَّه، في التشهد حديث ابن مسعود، والعمل
عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين، ثم أخرج عن معمر عن خصيف قال: ((رأيت
النبي عَّه في المنام فقلت له: إن الناس قد اختلفوا في التشهد، فقال: عليك بتشهد ابن
مسعود)). وأخرج الطبراني في (معجمه): عن بشير بن المهاجر عن أبي بريدة عن أبيه، قال:
(ما سمعت في التشهد أحسن من حديث ابن مسعود، وذلك أنه رفعه إلى النبي عَّه)). وقال
الخطابي: أصح الروايات وأشهرها رجالاً تشهد ابن مسعود. وقال ابن المنذر، وأبو علي
الطوسي: قد روي حديث ابن مسعود من غير وجه، وهو أصح حديث روي في التشهد عن
النبي عَ لّهِ. وقال أبو عمر: بتشهد ابن مسعود أخذ أكثر أهل العلم لثبوت فعله عن النبي
عَّ له. وقال علي بن المديني: لم يصح في التشهد إلاّ ما نقله أهل الكوفة عن ابن مسعود،
وأهل البصرة عن أبي موسى، وبنحوه قاله ابن طاهر. وقال النووي: أشدها صحة باتفاق
المحدثين حديث ابن مسعود، ثم حديث ابن عباس. وقال البزار: أصح حديث في التشهد
حديث ابن مسعود، وروي عنه من نيف وعشرين طريقاً، ثم سرد أكثرها، قال: ولا أعلم في
التشهد أثبت منه، ولا أصح أسانيد، ولا أشهر رجالاً.
قلت: هذا الطحاوي الجهبذ أخرج حديث ابن مسعود في كتابه (شرح معاني الآثار)
من اثني عشر طريقاً، وسرد الجميع، ثم قال في آخر الباب: فلهذا الذي ذكرنا استحسنا ما
روي عن عبد الله بتشديده في ذلك، ولإجماعهم عليه، إذ كانوا قد اتفقوا على أنه لا ينبغي
أن يتشهد، إلّ بخاص من التشهد، يعني: كلهم اتفقوا على أن التشهد لا يكون، إلّ بألفاظ
مخصوصة، ولا يكون بأي لفظ كان، فإذا كان كذلك فالمتفق عليه أولى من المختلف فيه،
فصار كونه متفقاً عليه دون غيره من مرجحاته، لأن الرواة عنه من الثقات لم يختلفوا في
ألفاظه، بخلاف غيره، وأن ابن مسعود تلقاه عن النبي عَّ تلقياً، فروى الطحاوي من طريق
الأسود بن يزيد عنه، قال: ((أخذت التشهد من في رسول الله عَّه ولقننيه كلمة كلمة)). وفي
رواية أبي معمر عنه: ((علمني رسول الله عَِّ التشهد، وكفي بين كفيه))، ومن المرجحات
ثبوت: الواو، في: الصلوات والطيبات، وهي تقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه،
فتكون كل جملة ثناء مستقلاً، بخلاف ما إذا حذفت فإنها تكون صفة لما قبلها: وتعدد الثناء
في الأول صريح، فيكون أولى. ولو قيل: إن الواو مقدرة في الثاني. ومنها : أنه ورد بصيغة
الأمر بخلاف غيره، فإنه مجرد حكاية.
ومنها : أن في رواية أحمد أن رسول الله عَِّ علمه التشهد وأمره أن يعلمه الناس،
ولم ينقل ذلك لغيره، ففيه دليل على مزيته.
وقال الكرماني: ذهب الشافعي إلى أن تشهد ابن عباس أفضل لزيادة لفظة:

١٦٥
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٤٩)
المباركات، فيه، وهي موافقة لقول الله تعالى: ﴿تحية من عند الله مباركة طيبة﴾ [النور:
٦١]. وقال مالك: تشهد عمر بن الخطاب أفضل لأنه علمه الناس على المنبر، ولم ينازعه
أحد، فدل على تفضيله. قلت: وذهب بعضهم إلى عدم الترجيح، منهم ابن خزيمة، والجواب
على ترجيح الشافعي حديث ابن عباس بالزيادة أنها مختلف فيها، وحديث ابن مسعود متفق
عليه، كما ذكرنا، وحديث ابن عباس مذكور ومعدود في أفراد مسلم، وأعلى درجة الصحيح
عند الحفاظ ما اتفق عليه الشيخان، ولو في أصله، فكيف إذا اتفقا على لفظه؟ فلم يكن ما
ذكره سبباً للترجيح، على أن ابن مسعود قد أنكر على ما زاد على ما رواه من لفظ النبي
عَّ له، وكونه موافقاً لما في القرآن وجه من الترجيح، فلا يفضل بذلك على الذي له وجوه من
الترجيح. والجواب عن ترجيح مالك تشهد عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، أنه
موقوف عليه، فلا يلحق المرفوع إلى النبي عَّ له. وقال برهان الدين، صاحب (الهداية):
الأخذ بتشهد ابن مسعود أولى لأن فيه الأمر، وأقله الاستحباب، و: الألف واللام، وهما
للاستغراق، وزيادة: الواو، لتجديد الكلام كما في القسم، وتأكيد التعليم. ومما روي في
إنكار الزيادة ما رواه الطبراني في (الأوسط) من حديث العلاء بن المسيب عن أبيه قال: كان
ابن مسعود يعلم رجلاً التشهد، فقال عبد الله: أشهد أن لا إله إلاّ الله، فقال الرجل: وحده لا
شريك له، فقال: عبد الله: هو كذلك، ولكن ينتهي إلى ما علمنا. وفي رواية البزار، فقال عبد
الله: وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فقال الرجل، وأن محمداً عبده ورسوله، فأعادها عليه
عبد الله مراراً، كل ذلك يقول: وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فقال الرجل، وأن محمداً
عبده ورسوله، فقال عبد الله: كذا علمنا، وقال ابن أبي شيبة في (مصنفه): حدثنا وكيع عن
إسحاق بن يحيى عن المسيب بن رافع: سمع ابن مسعود رجلاً يقول في التشهد: بسم الله،
فقال: إنما يقال هذا على الطعام.
الوجه الثالث: في التشهد هل هو واجب أم سنة؟ فقال الشافعي وطائفة: التشهد الأول
سنة، والآخر واجب. وقال جمهور المحدثين: هما واجبان. وقال أحمد: الأول واجب
والثاني فرض، وقد استوفينا الكلام فيه في: باب من لم ير التشهد الأول واجباً.
الوجه الرابع: في أن السنة في التشهد الإخفاء، لما روى الترمذي بإسناده إلى عبد الله
ابن مسعود: من السنة أن يخفى التشهد، وقال: حسن غريب، وعند الحاكم عن عبد الله: من
السنة أن يخفى التشهد. وقال: صحيح على شرط مسلم. وأخرج ابن خزيمة في (صحيحه)
عن عائشة، قالت: نزلت هذه الآية في التشهد: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾
[الإسراء: ١١٠]. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
١٤٩ - بابُ الدَّعَاءِ قَبْلَ السَّلامِ
أي: هذا باب فى بيان الدعاء قبل أن يسلم المصلي، يعني: التشهد قبل السلام.
٨٣٢/٢١٨ - حدَّثنا أبو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال أخبرنا عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ

١٦٦
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٤٩)
عنْ عائِشَةَ زوْجِ النَّبيِّ عَِّ أَخْبَرْتُهُ أنَّ رسولَ اللهِ ب كانَ يَدْعُو في الصَّلاَةِ اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ
بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ وأعُوذُ بِكَ مِنْ فِئْتَةِ المَسِيحِ الدََّجَّالِ وأعُوذُ بِكَ مِن فِتْنَةِ المَحْيَا وَفِتْتَةٍ
المَمَاتِ اللَّهُمَّ إِنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ المَأْثَمِ والمَغْرَمِ فقالَ لَهُ قائِلٌ ما أكْثَرَ ما تَسْتَعِيذُ مِنَ
المَغْرَمِ فقال إنَّ الرَّجُلَ إذَا غَرَمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ. قال مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ
سَمِعْتَ خَلَفَ بنَ عَامِرٍ يَقُولُ فِي المَسِيحِ وَالمَسِيحِ مُشَدَّدٌ لَيْسَ بَيْنَهُمَا فَوْقٌ وَهُمَا واحِدٌ
أَحَدُهُمَا عِيسَى عليه السَّلاَمُ والآخَرُ الدَّجَالُ. [الحديث ٨٣٢ - أطرافه في: ٨٣٣، ٢٣٩٧،
٦٣٦٨، ٦٣٧٥، ٦٣٧٦، ٦٣٧٧، ٧١٢٩].
مطابقته للترجمة من وجهين: أحدهما: بالقرينة، وهي التي ذكرها الكرماني من حيث
إن لكل مقام ذكراً مخصوصاً، فتعين أن يكون مقامه بعد الفراغ من الكل، وهو آخر الصلاة.
قلت: بيان ذلك أن للصلاة قياماً وركوعاً وسجوداً وقعوداً، فالقيام محل قراءة القرآن
والركوع، والسجود لهما دعاءان مخصوصان، والقعود محل التشهد، فلم يبق للدعاء محل إلاّ
بعد التشهد قبل السلام، وبهذا التقرير يندفع قول بعضهم عقيب نقله كلام الكرماني: وفيه
نظر، لأن هذا هو محل الترتيب للبخاري، لكنه مطالب بدليل اختصاص هذا المحل بهذا
الذكر، ولو أمعن هذا القائل في تأمل ما ذكرنا لما طلب الكرماني بما ذكره. والوجه الآخر:
أن الأحاديث النبوية يفسر بعضها بعضاً. وقد روي في بعض الطرق تعيين محل الدعاء،
فأخرج ابن خزيمة من طريق ابن جريج: أخبرني عبد الله بن طاوس عن أبيه أنه: كان يقول بعد
التشهد كلمات يعظمهن جداً، قلت: في المثنى كليهما؟ قالا: بل في التشهد الأخير: قلت:
ما هي؟ قال: أعوذ بالله من عذاب القبر .. )) الحديث. قال ابن جريج: أخبرنيه عن أبيه عن
عائشة مرفوعاً. وروي من طريق محمد ابن أبي عائشة عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه،
مرفوعاً: ((إذا تشهد أحدكم فليقل .. )) فذكر نحوه، هذه رواية وكيع عن الأوزاعي عنه،
وأخرجه أيضاً من رواية الوليد بن مسلم عن الأوزاعي بلفظ: ((إذا فرغ أحدكم من التشهد
الأخير .. )) فذكره، وفي رواية ابن ماجه: ((إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ من
أربع .. )) الحديث.
ذكر رجاله: وهم خمسة كلهم قد ذكروا غير مرة، وأبو اليمان الحكم بن نافع،
وشعيب بن أبي حمزة، والزهري محمد بن مسلم.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، وبصيغة الإخبار
كذلك في موضعين، وبالإفراد من الماضي في موضع واحد. وفيه : العنعنة في موضع واحد.
وفيه : القول في موضعين، وفيه : رواية التابعي عن التابعي عن الصحابية. وفيه : التصريح بأن
عائشة، رضي الله تعالى عنها، زوج النبي، عَّهِ. وفيه: أن الإثنين الأولين من الرواة حمصيان
والآخران مدنيان.
وأخرجه البخاري أيضاً عن أبي اليمان في الاستقراض. وأخرجه مسلم في الصلاة عن
أبي بكر عن إسحاق الصاغاني عن أبي اليمان به. وأخرجه أبو داود والنسائي عن عمرو بن

١٦٧
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٤٩)
عثمان عن بقية عن شعيب به.
ذكر معناه: قوله: ((كان يدعو في الصلاة)) أي: في آخر الصلاة بعد التشهد قبل
السلام، بالقرائن التي ذكرناها. قوله: ((من فتنة المسيح الدجال)) الفتنة عبارة عن الابتلاء
والامتحان، يقال: فتنته أفتنته فتناً وفتوناً: إذا امتحنته. ويقال فيها: افتنته أيضاً، وهو قليل. وقد
كثر استعمالها فيما أخرجه الاختبار للمكروه، ثم كثر حتى استعمل بمعنى الإثم والكفر والقتال
والإحراق والإزالة والصرف عن الشيء والمسيح، بفتح الميم وكسر السين المهملة المخففة
وفي آخره حاء مهملة: يطلق على عيسى ابن مريم، وعلى الدجال أيضاً، ولكنه يفرق بالتقييد،
وسمي الدجال بالمسيح لأن الخير مسح منه، فهو مسيح الضلالة. وقيل: سمي به لأن عينه
الموحدة ممسوحة، ويقال: رجل ممسوح الوجه ومسيح، وهو أن لا يبقى على أحد شقي
وجهه عين ولا حاجب إلا استوى. وقيل: لأنه يمسح الأرض، أي: يقطعها إذا خرج. وقال أبو
الهيثم: إنه مسيح على وزن: سكيت، وهو الذي مسح خلقه أي شوه، فكأنه هرب من
الالتباس بالمسيح بن مريم، عليهما السلام، ولا التباس، لأن عيسى، عليه الصلاة والسلام إنما
سمي مسيحاً لأنه كان لا يمسح بيده المباركة ذا عاهة إلاّ برىء. وقيل: لأنه كان أمسح
الرجل لا أخمص له. وقيل: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بدهن. وقيل: المسيح الصديق،
وقيل: هو بالعبرانية مشيحاً، فعرب. وأما تسمية الدجال بهذا اللفظ فلأنه، خداع ملبس من
الدجل، وهو الخلط، ويقال الطلي والتغطية، ومنه البعير المدجل أي: المدهون بالقطران،
ودجلة نهر ببغداد سميت بذلك لأنها تغطي الأرض بمائها، وهذا المعنى أيضاً في الدجال لأنه
يغطي الأرض بكثرة أتباعه، أو يغطي الحق بباطله. وقيل: لأنه مطموس العين من قولهم: دجل
الأثر إذا عفى ودرس، وقيل: من دجل أي: كذب، والدجال: الكذاب.
قوله: ((من فتنة المحيا وفتنة الممات))، والمحيا والممات كلاهما مصدران ميميان
بمعنى: الحياة والموت، ويحتمل زمان ذلك، لأن ما كان معتلاً من الثلاثي فقد يأتي منه
المصدر والزمان والمكان بلفظ واحد. أما فتنة الحياة فهي التي تعرض للإنسان مدة حياته من
الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات، وأشدها وأعظمها، والعياذ بالله تعالى، أمر الخاتمة عند
الموت، وأما فتنة الموت فاختلفوا فيها، فقيل: فتنة القبر، وقيل: يحتمل أن يراد بالفتنة عند
الاحتضار أضيفت إلى الموت لقربها منه. فإن قلت: إذا كان المراد من قوله: ((وفتنة
الممات)) فتنة القبر، يكون هذا مكرراً، لأن قوله: ((من عذاب القبر)) يدل على هذا؟ قلت:
لا تكرار، لأن العذاب يزيد على الفتنة، والفتنة سبب له، والسبب غير المسبب. قوله: ((من
المأثم)) أي: الإثم الذي يجر إلى الذم والعقوبة، أو المراد هو الإثم نفسه، وضعاً للمصدر
موضع الاسم. قوله: ((والمغرم)) أي: الدين، يقال: غرم الرجل، بالكسر إذا أدان. وقيل: الغرم
والمغرم، ما ينوب الإنسان في ماله من ضرر بغير جناية منه، وكذلك ما يلزمه أداؤه، ومنه
الغرامة، والغريم: الذي عليه الدين، والأصل فيه: الغرام، وهو الشر الدائم والعذاب. قوله:
((فقال له قائل)) أي: قال للنبي، عَّه، قائل سائلاً عن وجه الحكمة في كثرة استعاذته من

١٦٨
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٤٩)
المغرم، فقال، عَّ: إن الرجل إذا غرم يعني إذا لحقه دين حدث فكذب بأن يحتج بشيء
في وفاء ما عليه، ولم يقم به، فيصير كاذباً، ووعد فأخلف بأن قال لصاحب الدين: أوفيك
دينك في يوم كذا، أو في شهر كذا، أو في وقت كذا، ولم يوف فيه، فيصير مخالفاً لوعده،
والكذب وخلف الوعد من صفات المنافقين، كما ورد في الحديث المشهور، فلولا هذا
الدين عليه لما ارتكب هذا الإثم العظيم، ولما اتصف بصفات المنافقين. وكلمة: ما، في
قوله: ((ما أكثر ما تستعيذ)) للتعجب، و: ما، الثانية مصدرية يعني: ما أكثر استعاذتك من
المغرم، و: ما تستعيذ، في محل النصب. قوله: ((حدث))، بالتشديد: جزاء الشرط. قوله:
((وكذب)). بالتخفيف عطف عليه. قوله: ((ووعد)) عطف على: حدث. قوله: ((أخلف))، كذا
هو في رواية الحموي، وفي رواية الأكثرين: ((فأخلف))، بالفاء.
فإن قلت: قوله: ((فتنة المحيا والممات)) يشمل جميع ما ذكر، فلأي شيء
خصصت هذه الأشياء الأربعة بالذكر؟ قلت: لعظم شأنها وكثرة شرها، ولا شك أن
تخصيص بعض ما يشمله العام من باب الاعتناء بأمره لشدة حكمه، وفيه أيضاً عطف العام
على الخاص، وذلك لفخامة أمر المعطوف عليه وعظم شأنه، وفيه اللف والنشر الغير المرتب،
لأن عذاب القبر داخل تحت فتنة الممات، وفتنة الدجال تحت فتنة المحيا. فإن قلت: ما
فائدة تعوذه عَّ لّه من هذه الأمور التي قد عصم منها؟ قلت: إنما ذلك ليلتزم خوف الله تعالى،
ولتقتدي به الأمة، وليبين لهم صفة الدعاء. فإن قلت: سلمنا ذلك، ولكن ما فائدة تعوذه من
فتنة المسيح الدجال، مع علمه بأنه متأخر عن ذلك الزمان بكثير؟ قلت: فائدته أن ينتشر
خبره بين الأمة من جيل إلى جيل، وجماعة إلى جماعة، بأنه كذاب مبطل مفتر ساعٍ على
وجه الأرض بالفساد، مموه ساحر، حتى لا يلتبس على المؤمنين أمره عند خروجه، عليه
اللعنة، ويتحققوا أمره ويعرفوا أن جميع دعاويه باطلة، كما أخبر به رسول الله عَ له. ويجوز أن
يكون هذا تعليماً منه لأمته أو تعوذاً منه لهم.
فإن قلت: يعارض التعوذ بالله عن المغرم ما رواه جعفر بن محمد عن أبيه عن عبد
الله بن جعفر، يرفعه: ((إن الله تعالى مع الدائن حتى يقضي دينه ما لم يكن فيما يكرهه الله
تعالى))، وكان ابن جعفر يقول لخادمه: إذهب فخذ لي بدين، فإني أكره أن أبيت الليلة، إلاّ
والله معي. قال الطبراني: وكلا الحديثين صحيح. قلت: المغرم الذي استعاذ منه إما أن
يكون في مباح، ولكن لا وجه عنده لقضائه، فهو متعرض لهلاك مال أخيه، أو يستدين وله
إلى القضاء سبيل غير أنه يرى ترك القضاء، وهذا لا يصح إلاّ أذا نزل كلامه معٍَّ على
التعليم، لأمته، أو يستدين من غير حاجة طمعاً في مال أخيه ونحو ذلك، وحديث جعفر
فيمن يستدين لاحتياجه، احتياجاً شرعياً ونيته القضاء، وإن لم يكن له سبيل إلى القضاء في
ذلك الوقت، لأن الأعمال بالنيات، ونية المؤمن خير من عمله.
قوله: ((قال محمد بن يوسف)) هو أبو عبد الله محمد بن يوسف إبن مطرف الفربري،
أحد الرواة عن البخاري، يحكي البخاري عنه أنه قال: سمعت خلف بن عامر، يعني

١٦٩
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٤٩)
الهمداني، أحد الحفاظ أنه لم يفرق بين المسيح بالتخفيف والمسيح بالتشديد، وذكرنا عن
أبي الهيثم أنه فرق بينهما، وقد مر الكلام فيه مستوفىّ.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: إثبات عذاب القبر رداً على المعتزلة ومن أنكره من غيرهم.
وفيه : إثبات وجود الدجال وإثبات خروجه. وفيه : الاستعاذة من الفتن والشرور، والسؤال من
الله تعالى دفعها عنه. وفيه : بشاعة الدين وشدته وتأديته الدائن إلى ارتكاب الكذب والخلف
في الوعد اللذين هما من صفات المنافقين. وفيه : وجوب الاستعاذة من الدين لأنه يشين في
الدنيا والآخرة. وعن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، عن النبي عَّه أنه قال: ((الدين راية الله
في الأرض، فإذا أراد الله أن يذل عبداً وضعه في عنقه)). رواه الحاكم، وقال: صحيح على
شرط مسلم.
... /٨٣٣ _ وعَنِ الزُّهْرِيِّ قال أخبرني عُزْوَةُ أنَّ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ سَمِعْتُ
رسولَ اللهِ عَّلِ يَسْتَعِيذُ فِي صَلاتِهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَالِ. [انظر الحديث ٨٣٢ وأطرافه].
هذا عطف على قوله: ((شعيب عن الزهري))، وأشار به إلى أن الزهري روى الحديث
المذكور مطولاً ومختصراً، فالمطول هو الذي سبق قبله الذي استعاذ عَّ له بالله فيه من الأشياء
المذكورة، وههنا اقتصر على الاستعاذة من فتنة الدجال، وههنا زيادة ذكر السماع عن عائشة،
رضي الله تعالى عنها عن النبي عَ لَّه.
ثم اعلم أن العلماء اختلفوا فيما يدعو به الإنسان في صلاته. فعند أبي حنيفة وأحمد:
لا يجوز الدعاء إلّ بالأدعية المأثورة أو الموافقة للقرآن العظيم، لقوله عَّ له: ((إن صلاتنا هذه لا
يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن)). رواه مسلم، وذكره
ابن أبي شيبة عن أبي هريرة وطاوس ومحمد بن سيرين. وقال الشافعي ومالك: يجوز أن يدعو
فيها بكل ما يجوز الدعاء به في خارج الصلاة من أمور الدنيا والدين، مما يشبه كلام الناس،
ولا تبطل صلاته بشيء من ذلك عندهما. وقال ابن حزم بفرضية التعوذ الذي في حديث
عائشة، لما ذكر مسلم عن طاوس أنه أمر ابنه بإعادة صلاته التي لم يدع بها فيها.
٨٣٤/٢١٩ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سعِيدٍ قال حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ يَزِيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ عن أبي
الخَيْرِ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو عن أبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ رضي الله تعالى عنه أنَّهُ قال لِرَسُولِ الله
عَّهِ عَلِّمْنِي دُعَاءٍ أَدْعُو بِهِ فِي صَلاتِي قال قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْماً كَثِيراً ولاَ
يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاَّ أنْتَ فاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةٌ مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
[الحديث ٨٣٤ - طرفاه في: ٦٣٢٦، ٧٣٨٨].
مطابقته للترجمة من حيث الوجه الذي ذكرناه في الحديث السابق.
ورجاله قد ذكروا، وأبو الخير: مرثد بن عبد الله الیزني المصري، ومرثد، بفتح الميم
وسكون الراء وفتح الثاء المثلثة وفي آخره دال مهملة، ويزن، بفتح الياء آخر الحروف والزاي
وفي آخره نون: بطن من حمير، وتقدم ذكره في: باب إطعام الطعام من الإسلام.

١٧٠
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٤٩)
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه : العنعنة في
أربعة مواضع. وفيه : القول في موضعين. وفيه : أن رجال إسناده كلهم سوى طرفيه
مصريون. وفيه : رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي: فالتابعيان هما: يزيد بن أبي حبيب
وأبو الخير. وفيه : رواية الصحابي عن الصحابي: وهو عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبي
بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الدعوات عن عبد الله
ابن يوسف. وأخرجه مسلم في الدعوات عن محمد بن رمح وقتيبة، وأخرجه الترمذي فيه
عن قتيبة به. وأخرجه النسائي في الصلاة وفي القنوت عن قتيبة به. وأخرجه ابن ماجه في
الدعاء عن محمد بن رمح به، ورواه غير واحد فجعله من مسند عبد الله بن عمرو بن العاص
منهم: عمرو بن الحارث، خالف الليث فجعله من مسند عبد الله بن عمرو، ولفظه: ((عن أبي
الخير أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول: إن أبا بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، قال للنبي
عَ للـ ... )) هكذا رواه ابن وهب عن عمرو بن الحارث. وأما مقتضى رواية الليث بن سعيد عن
يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عبد الله بن عمرو عن أبي بكر إلى آخره: أن الحديث
من مسند أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، وأوضح من ذلك رواية أبي الوليد الطيالسي عن
الليث، فإن لفظه: عن أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، قال: قلت: يا رسول الله ...
أخرجه البزار من طريقه، ولا يقدح هذا الاختلاف في صحة هذا الحديث. وقد أخرج
البخاري طريق عمرو معلقة في الدعوات، وموصولة في التوحيد عن يحيى بن سلمان عن
عمرو، وكذا أخرج مسلم الطريقين طريق الليث وطريق ابن وهب، وزاد مع عمرو بن الحارث
رجلاً مبهماً، وبين ابن خزيمة في روايته أنه: عبد الله بن لهيعة.
ذكر معناه: قوله: ((أدعو به))، جملة في محل النصب لأنها صفة لقوله: ((دعاء)) الذي
هو منصوب على أنه مفعول ثان لقوله: ((علمني)). قوله: ((في صلاتي))، ظاهره عموم جميع
الصلاة، ولكن المراد في حالة القعود بعد التشهد قبل السلام، كما حققنا هكذا فيما مضى،
وقد قال الشيخ تقي الدين: لعله يترجح كونه فيما بعد التشهد لظهور العناية بتعليم دعاء
مخصوص في هذا المحل، ونازعه بعضهم فقال: الأولى الجمع بينهما في المحلين
المذكورين أي: السجود والتشهد. قلت: لا دليل له على دعوى الأولوية: بل الدليل الصريح
قام على أن محله في الجلسة، وقد مضى بيانه في أول الباب الذي قبله. قوله: ((ظلمت
نفسي)) يعني بإتيان ما يوجب العقوبة. قوله: ((ظلماً كثيراً)) بالثاء المثلثة، ويروى بالباء
الموحدة، وكذا هو في رواية مسلم. وقال النووي: فينبغي أن يقول: ظلماً كبيراً كثيراً. قوله:
((ولا يغفر الذنوب إلا أنت)) جملة معترضة بين قوله: ((ظلمت نفسي ظلماً كثيراً» وبين
قوله: ((فاغفر لي مغفرة)). وفائدة هذه الجملة الإشارة إلى الإقرار بأن الله هو الذي يغفر
الذنوب، وليس ذلك لغيره. وفي الحقيقة: هو إقرار أيضاً بالوحدانية، لأن مَن صفته غفران
الذنوب هو الموصوف بالوحدانية، والتنوين في قوله: ((مغفرة)) يدل على أنه غفران لا يكتنه

١٧١
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٥٠)
كنهه. قوله: ((من عندك)) إشارة إلى مزيد ذلك التعظيم، لأن ما يكون من عنده لا يحيط به
وصف الواصفين. وقال ابن الجوزي: هو طلب مغفرة متفضل بها لا يقتضيها سبب من جهة
العبد من عمل صالح وغيره، وحاصله: هب لي المغفرة وإن لم أكن أهلاً لها بعملي، وكمل
الكلام وختمه بقوله: ((وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم)). وفي هاتين الصفتين مقابلة حسنة
لأن قوله: ((الغفور)) مقابل لقوله: ((اغفر لي)) وقوله: ((الرحيم)) مقابل لقوله: ((ارحمني))، ولنا
أن نقول: فيه لف ونشر مرتب.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: طلب التعليم من العالم في كل ما فيه خير، خصوصاً
الدعوات التي فيها جوامع الكلم. وفيه : الاعتراف بالتقصير ونسبة الظلم إلى نفسه. وفيه :
الاعتراف بأن الله سبحانه هو المُتفضل المعطي من عنده رحمة على عباده من غير مقابلة
عمل حسن. وفيه : استحباب قراءة الأدعية في آخر الصلاة من الدعوات المأثورة أو المشابهة
لألفاظ القرآن. وقال الكرماني: قالت الشافعية: يجوز الدعاء في الصلاة بما شاء من أمر الدنيا
والآخرة ما لم يكن إنما قال ابن عمر: لأدعو في صلاتي حتى بشعير حماري وملح بيتي.
انتهى. وقد ذكرنا فيما مضى أنه لا يدعو إلّ بالأدعية المأثورة، أو بما يشبه ألفاظ القرآن، لقوله
عَّةٍ: ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة
القرآن))، وهو من أفراد مسلم.
١٥٠ - بابُ ما يُتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَ النَّشَهُدِ ولَيْسَ پوَاجِبٍ
أي: هذا باب في بيان ما يتخير المصلي من الدعاء بعد فراغه من التشهد، يعني:
قراءة التحيات، والحال أنه ليس بواجب. أشار بهذا إلى أن حديث الباب الذي فيه الأمر وهو
قوله: ((ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه)) ليس للوجوب وإنما هو للاستحباب. فإن قلت:
المأمور به هو التخير، وهو لا ينافي وجوب أصل الدعاء؟ قلت: من الدليل في عدم وجوب
أصل الدعاء حديث مسيء الصلاة، لأنه لم ينقل عنه عَّلِّ أنه أمره بذلك.
٨٣٥/٢٢٠ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا يحيى عنِ الأعْمَشِ قال حدثني شَقِيقٌ عنْ عَبْدِ
اللهِ قال كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النبيِّ عَ لَّه فِي الصَّلاةِ قُلْنَا السَّلامُ عَلَى فُلاَنٍ وفلاَنٍ فقال النبيُ عَ لـ
لا تَقُولُوا السَّلامُ عَلى اللهِ فَإِنَّ اللّه هُوَ السَّلامُ ولَكِنْ قُولُوا التَّحِيَّاتُ اللهِ والصَّلَوَاتُ والطَِّاتُ
السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النبيُّ ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكَاتِهِ السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ فإِنَّكُمْ
إِذَا قُلْتُمْ أَصَابَ كُلُّ عَبْدٍ فِي السَّمَاءِ أَوْ بَيْنَ السَّماءِ والأَرْضِ أَشْهَدُ أن لإِ إِلَهَ إِلاّ الله وأشْهَدُ
أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسُولُهُ ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ أعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو. [انظر الحديث ٨٣١
وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ثم ليتخير من الدعاء))، وقد مضى الكلام فيه في: باب
التشهد في الأخيرة، لأنه أخرجه هناك: عن أبي نعيم عن الأعمش عن شقيق .. إلى آخره،
وههنا: عن مسدد عن يحيى القطان عن سليمان الأعمش .. إلى آخره. قوله: ((ثم ليتخير))

١٧٢
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٥١)
ويروى: ((ثم يتخير من الدعاء أعجبه)). قال الكرماني: أي أحسنه. قلت: المعنى: يتخير من
الأدعية المأثورة فيدعو، أي فيدعو به، وكذا وقع في رواية أبي داود، وفي رواية النسائي:
((فليدع به))، وفي رواية إسحاق عن عيسى عن الأعمش: ((ثم ليتخير من الدعاء ما أحب)).
وفي رواية للبخاري في الدعوات: ((ثم ليتخير ما يعجبه من الثناء ما شاء))، ونحوه في رواية
مسلم بلفظ: من المسألة.
وقال الكرماني: وفيه : جواز الدعاء بكل ما شاء دينياً ودنياوياً شابه ألفاظ القرآن
والأدعية أم لا. قلت: ليس هذا على عمومه، لقوله معَّ اله: ((إن صلاتنا هذه ... )) الحديث، وقد
مر الآن، والكرماني تكلم بما له وسكت عما عليه، وقال بعضهم: والمعروف في كتب
الحنفية أنه لا يدعو في الصلاة إلّ بما جاء في القرآن أو ثبت في الحديث، لكن ظاهر
حديث الباب يرد على أبي حنيفة، قلت: ليس ما نقله عن كتب الحنفية كذلك، بل
المذكور في كتبهم أنه: لا يدعو في الصلاة إلاّ من الأدعية المأثورة، أو بما شابه ألفاظ القرآن.
وقوله: يرد عليه، رد عليه، لأن فيما ذهبوا إليه إهمالاً لحديث مسلم، وهو ((إن صلاتنا
هذه .. )) الحديث، ونحن عملنا بالحديثين، لأنا نختار من الأدعية المأثورة أو من الأدعية ما
شابه ألفاظ القرآن.
١٥١ - بابُ مَنْ لَمْ يَمْسَخْ جَبْهَتَهُ وأَنْفَهُ حَتَّى صَلَّى
أي: هذا باب ترجمته: من لم يمسح .. إلى آخره، يعني: لم يمسح جبهته وأنفه من
الماء والطين اللذين أصابا جبهته وأنفه، وهو في الصلاة حتى صلى صلاته، ولكن هذا
محمول على أن ذلك كان قليلاً لا يمنع التمكن من السجود، فإذا لم يمنع السجود يستحب
أن يتركه إلى أن يفرغ من صلاته، لأن ذلك من باب التواضع لله تعالى، وحديث الباب يشهد
بذلك.
قال أبُو عَبْدِ اللهِ رَأيْتُ الحمَيْدِيَّ يَحْتَجُ بِهَذَا الحَدِيثِ أنْ لاَ يَمْسَحَ الجَبْهَةَ فِي
الصَّلاةِ
أبو عبد الله هو البخاري نفسه، والحميدي، بضم الحاء: شيخه، وهو: عبد الله بن
الزبير بن عيسى بن عبد الله الزبير بن عبيد الله بن حميد الحميدي القرشي المكي، روى عنه
البخاري في أول كتابه: الأعمال بالنيات، وفي غير موضع. قوله: ((بهذا الحديث)) أشار به
إلى حديث الباب، وكأن البخاري أراد بإيراده ما نقله عن الحميدي أنه يرى في ذلك ما رآه
الحميدي، وإليه ذهب جماعة من العلماء.
٨٣٦/٢٢١ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إِبْرَاهِيمَ قال حدَّثنا هِشَامٌ عنْ يَحْيى عِنْ أبِي سلَمَةَ قال
سألْتُ أبا سَعِيدِ الخُدْرِيَّ فقال رأيْتُ رَسولَ الله عَّه يَسْجُدُ فِي الماءِ والطِّينِ حَتَّى رَأيْتُ أَثَرَ
الطِّينِ في جَبْهَتِهِ. [انظر الحديث ٦٦٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إن الحديث دل على أنه عَّ سجد في الماء والطين ولم

--
١٧٣
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٥٢)
يمسحهما حتى رأى أبو سعيد أثر الطين في جبهته، وقد مر الكلام في هذا الحديث مستوفى
بجميع تعلقاته في: باب السجود على الأنف في الطين، وهشام هو الدستوائي، ويحيى هو ابن
أبي كثير.
١٥٢ - بابُ التَّسْلِيمِ
أي: هذا باب في بيان التسليم في آخر الصلاة، وإنما لم يشر إلى حكمه: هل هو
واجب أم سنة؟ لوقوع الاختلاف فيه، لتعارض الأدلة. وقال بعضهم: ويمكن أن يؤخذ الوجوب
من حديث الباب حيث جاء فيه: كان إذا سلم، لأنه يشعر بتحقيق مواظبته على ذلك. قلت:
قام الدليل على أن التسليم في آخر الصلاة غير واجب، وأن تركه غير مفسد للصلاة، وهو
(أن رسول الله عَّاللّه صلى الظهر خمساً، فلما سلم أخبر بصنيعه، فثنى رجله فسجد
سجدتين))، رواه عبدالله بن مسعود، وأخرجه الجماعة بطرق متعددة، وألفاظ مختلفة. قال
الطحاوي، رحمه الله: ففي هذا الحديث أنه أدخل في الصلاة ركعة من غيرها قبل التسليم،
ولم ير ذلك مفسداً للصلاة، فدل ذلك أن السلام ليس من صلبها، ولو كان واجباً كوجوب
السجدة في الصلاة لکان حکمه أيضاً كذلك، ولکنه بخلافه، فهو سنة. انتهى.
قلت: اختلف العلماء في هذا، فقال مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم: إذا انصرف
المصلي من صلاته بغير لفظ التسليم فصلاته باطلة، حتى قال النووي: ولو اختل بحرف من
حروف: السلام عليكم، لم تصح صلاته، واحتجوا على ذلك بقوله، عَّله: ((تحليلها
التسليم)). رواه أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع عن سفيان عن ابن
عقيل عن محمد بن الحنفية عن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول
الله عَّهِ: ((مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)). وأخرجه الترمذي
وابن ماجه أيضاً. وأخرجه الحاكم في (مستدركه) وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم
يخرجاه. وقال الترمذي: هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن. قلت: اختلفوا في
صحته بسبب ابن عقيل، وهو: عبد الله بن محمد بن عقيل، فقال محمد بن سعد: هو من
الطبقة الرابعة من أهل المدينة وكان منكر الحديث لا يحتجون بحديثه، وكان كثير العلم،
وقال ابن المديني، عن بشر بن عمر الزهراني: كان مالك لا يروي عنه، وكان يحيى بن
سعيد لا يروي عنه، وعن يحيى بن معين: ليس حديثه بحجة، وعنه: ضعيف الحديث، وعنه.
ليس بذلك. وقال العجلي: تابعي مدني جائز الحديث. وقال النسائي: ضعيف. وقال
الترمذي: صدوق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، وعلى تقدير صحته أجاب
الطحاوي عنه بما محصله أن علياً، رضي الله تعالى عنه روى عنه: ((من رابه إذا رفع رأسه من
آخر سجدة فقد تمت صلاته))، فدل على أن معنى الحديث المذكور لم يكن على أن الصلاة
لا تتم إلاّ بالتسليم، إذا كانت نتم عنده بما هو قبل التسليم، فكان معنى: تحليلها التسليم،
التحليل الذي ينبغي أن تحل به لا بغيره، وجواب آخر: إن الحديث المذكور من أخبار
الآحاد فلا يثبت به الفرض.
:

١٧٤
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٥٢)
فإن قلت: كيف أثبت فرضية التكبير به ولم يثبت فرضية التسليم؟ قلت: أصل فرضية
التكبير في أول الصلاة بالنص، وهو قوله تعالى: ﴿وذكر اسم ربه فصلى﴾ [الأعلى: ١٥].
وقوله: ﴿وربك فكبر﴾ [المدثر: ٣]. غاية ما في الباب: يكون الحديث بياناً لما يراد به من
النص، والبيان به يصح كما في مسح الرأس، وذهب عطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب
وإبراهيم وقتادة وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وابن جرير الطبري بهذا إلى: أن التسليم ليس
بفرض حتی لو تر که لا تبطل صلاته.
٨٣٧/٢٢٢ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ قال حدَّثنا الزُّهْرِيُّ
عنٍ هِنْدَ بِنْتَ الحَارِثِ أنَّ أَمَّ سلَمَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ كان رسولُ اللهِ عَ لّهِ إِذَا
سلَّمَ قامَ النِّساءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ ومَكَثَ يَسِيراً قَبْلَ أنْ يَقُومَ قال ابنُ شِهَابٍ فَأُرَي. والله
أَعْلَمُ أنَّ مُكْتَهُ لِكَيْ ينْفُذَ النِّسَاءُ قَبْلَ أنْ يُدْرِكَهُنَّ مَنِ انْصَرَفَ مِنَ القَوْمِ. [الحديث ٨٣٧ -
طرفاه في: ٨٤٩، ٨٥٠].
مطابقته للترجمة في قوله: ((كان رسول الله عَّ إذا سلم)).
ذكر رجاله: وهم خمسة: موسى بن إسماعيل المنقري التبوذكي، وإبراهيم بن عبد
الرحمن بن سعد بن إبراهيم بن عوف، والزهري هو محمد بن مسلم، وهند بنت الحارث،
تقدمت في: باب العلم والعظة بالليل، وأم سلمة هند بنت أبي أمية، زوج النبي عَّه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه : العنعنة
في موضع واحد. وفيه : القول في ثلاثة مواضع. وفيه : أن رواته مدنيون ما خلا شيخ
البخاري فإنه بصري. وفيه : رواية تابعي عن تابعية عن صحابية.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الصلاة عن أبي الوليد
ويحيى بن قزعة وعن عبد الله بن محمد. وأخرجه أبو داود فيه عن محمد بن يحيى ومحمد
ابن رافع، وأخرجه النسائي عن محمد بن مسلمة عن ابن وهب، وأخرجه فيه عن أبي بكر بن
أبي شيبة.
ذكر معناه: قوله: ((حتى يقضي تسليمه))، ويروى: ((حين يقضي تسليمه))، أي: حين
يتم تسليمه ويفرغ منه. قوله: ((فأرى)) بضم الهمزة أي: أظن أن مكث رسول الله عَ لّه كان
يسيراً لأجل نفاذ النساء وذهابهن قبل تفرق الرجال لئلا يدركهن بعض المتفرقين من الصلاة.
قوله: ((والله أعلم)) جملة معترضة.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: خروج النساء إلى المساجد وسبقهن بالانصراف، والاختلاط
بهن مظنة الفساد، ويمكث الإمام في مصلاه والحالة هذه، فإن لم يكن هناك نساء
فالمستحب للإمام أن يقوم من مصلاه عقيب صلاته، كذا قاله الشافعي في (المختصر) وفي
(الأحياء) للغزالي: إن ذلك فعل النبي عَّه وأبي بكر وعمر، رضي الله تعالى عنهما، وصححه
ابن حبان في غير (صحيحه). وقال النووي: وعللوا قول الشافعي بعلتين:

١٧٥
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٥٣)
إحداهما: لئلا يشك من خلفه هل سلم أم لا.
الثانية: لئلا يدخل غريب فيظنه بعد في الصلاة فيقتدي به. وقال صاحب (التوضيح):
لكن ظاهر حديث البراء بن عازب: ((رمقت صلاة النبي عَلّ فوجدت قيامه فركعته فاعتداله
بعد ركوعه فسجدته فجلسه بين السجدتين فسجدته فجلسته ما بين التسليم والانصراف قريباً
من السواء)). رواه مسلم، يعني: أنه لم يكن يثبت ساعة ما يسلم، بل كان يجلس بعد السلام
جلسة قريبة من السجود. وقال الشافعي في (الأم): وللمأموم أن ينصرف إذا قضى الإمام
السلام قبل قيام الإمام، وإن أخر ذلك حتى ينصرف بعد الإمام أو معه كان ذلك أحب إلي.
وفي (الذخيرة): إذا فرغ من صلاته أجمعوا أنه لا يمكث في مكانه مستقبل القبلة، وجميع
الصلوات في ذلك سواء، فإن لم يكن بعدها تطوع إن شاء انحرف عن يمينه أو يساره وإن
شاء استقبل الناس بوجهه، إلا إذا لم يكن أمامه من يصلي، وإن كان بعد الصلاة سنن يقوم
إليها، وبه نقول. ويكره تأخيرها عن أداء الفريضة فيتقدم أو يتأخر أو ينحرف يميناً أو شمالاً.
وعن الحلواني من الحنفية: جواز تأخير السنن بعد المكتوبة، والنص: أن التأخير مكروه،
ويدعو في الفجر والعصر لأنه لا صلاة بعدهما، فيجعل الدعاء بدل الصلاة، ويستحب أن
يدعو بعد السلام، وقال في (التوضيح) أيضاً إذا أراد الإمام أن ينتقل في المحراب ويقبل على
الناس للذكر والدعاء جاز أن ينتقل كيف شاء، وأما الأفضل فأن يجعل يمينه إليهم ويساره إلى
المحراب. وقيل: عكسه، وبه قال أبو حنيفة.
ومن فوائد الحديث: وجوب غض البصر، ومكث الإمام في موضعه. ومكث القوم
في أماكنهم.
١٥٣ - بابٌ يُسَلِّمُ حِينَ يُسَلِّمُ الإِمامُ
أي: هذا باب ترجمته: يسلم المأموم حين يسلم الإمام، وأشار بهذا إلى أن المستحب
أن لا يتأخر المأموم في سلامه بعد الإمام متشاغلاً بدعاء ونحوه، دل عليه أثر ابن عمر
المذكور هنا، وفي هذا عن أبي حنيفة روايتان، في رواية: يسلم مع الإمام كالتكبير، وفي
رواية: يسلم بعد سلام إمامه. وقال الشافعي: المصلي المقتدي يسلم بعد فراغ الإمام من
التسليمة الأولى، فلو سلم مقارناً بسلامه إن قلنا: نية الخروج بالسلام شرط، لا يجزيه، كما لو
كبر مع الإمام لا تنعقد له صلاة الجماعة، فعلى هذا تبطل صلاته. وإن قلنا: إن نية الخروج غير
واجبة، فيجزيه كما لو ركع معه، وفي نية الخروج عن الصلاة بالسلام وجهان: أحدهما:
تجب، والثاني لا تجب، كذا في تتمتهم. وذكر في (المبسوط): المقتدي يخرج من الصلاة
بسلام الإمام. وقيل: وقول محمد. أما عندهما يخرج بسلام نفسه، وتظهر ثمرة الخلاف في
انتقاض الوضوء بسلام الإمام قبل سلام نفسه بالقهقهة، فعنده لا ينتقض خلافاً لهما.
وكان ابنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما يَسْتَجِبُّ إذَا سَلَّمَ الإِمامُ أنْ يُسلِّمَ منْ خَلْفَهُ
مطابقته للترجمة ظاهرة. وقيل: غير ظاهرة، لأن المفهوم من الترجمة أن يسلم المأموم
:

١٧٦
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٥٤)
مع الإمام، لأن سلامه إذا كان حين سلام الإمام يكون معه بالضرورة، والمفهوم من الأثر أن
يسلم المأموم عقيب صلاة الإمام، لأن كلمة: إذا، للشرط، والمشروط يكون عقيبه. قلت:
لا نسلم أن: إذا، ههنا للشرط، بل هي ههنا على بابها لمجرد الظرف، على أنه هو الأصل،
فحينئذ يحصل التطابق بين الترجمة والأثر. فافهم.
٨٣٨/٢٢٣ - حدَّثنا حبَّانُ بنُ مُوسَى قال أخبرنا عَبْدُ اللهِ أخبرنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيُّ عنْ
مَحْمُودٍ بِنِ الرَّبِيعِ عنْ عِثْبَانَ قال صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ عََّلِ فَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ. [انظر الحديث
٤٢٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: حبان، بكسر الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة:
ابن موسى أبو محمد المروزي، مات سنة ثلاث وثلاثين ومائتين. الثاني: عبد الله بن المبارك
المروزي. الثالث: معمر بن راشد البصري. الرابع: محمد بن مسلم الزهري. الخامس:
محمود بن الربيع أبو محمد الأنصاري الحارثي، عقل مجة مجها رسول الله عَّه، في وجهه
من دنو في دارهم وهو ابن خمس سنين، وهو ختن عبادة بن الصامت، رضي الله تعالى عنه.
السادس: عتبان، بكسر العين المهملة وسكون التاء المثناة من فوق وتخفيف الباء الموحدة،
تقدم ذكره في: باب، إذا دخل بيتاً يصلي.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه : العنعنة
في ثلاثة مواضع. وفيه : القول في ثلاثة مواضع. وفيه : من رواته أولاً مروزيان ثم بصري ثم
مدني. وفيه : رواية التابعي عن الصحابي، يروي عن الصحابي.
وقد ذكرنا في: باب إذا دخل بيتاً يصلي، أن البخاري أخرج هذا الحديث في
(صحيحه) في أكثر من عشرة مواضع ذكرناها هناك، وذكرنا أيضاً من أخرجه غيره.
١٥٤ - بابُ مَنْ لَمْ يَرُدُّ السَّلاَمَ عَلَى الإِمَامِ واكْتَفَى بِتَسْلِيمِ الصَّلاَةِ
أي: هذا باب في بيان من لم يرد السلام على الإمام، يعني بتسليمة ثالثة بين
التسليمتين، واكتفى بتسليم الصلاة وهو التسليمتان، ويروى: من لم يردد السلام، من الترديد،
وهو تكرير السلام. والحاصل من هذه الترجمة أن البخاري يرد بذلك على من يستحب
تسليمة ثالثة على الإمام بين التسليمتين، وهم من طائفة من المالكية، وقال ابن التين: يريد
البخاري أن من كان خلف الإمام إنما يسلم واحدة ينوي بها الخروج من الصلاة، ولم يرد
على الإمام ولا على من في يساره. وفيه نظر. وإنما أراد البخاري ما ذكرناه، والدليل على
ذلك أن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، كان لا يرد على الإمام. وعن النخعي: إن شاء رد
وإن شاء لم يرد. وفي (التوضيح): ومالك يرى أنه يرد، وبه قال ابن عمر في أحد قوليه،
والشعبي وسالم وسعيد بن المسيب وعطاء. وقال ابن بطال: أظن البخاري أنه قصد الرد على

١٧٧
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٥٤)
من أوجب التسليمة الثانية. قلت: فيه نظر، والصواب ما ذكرناه.
واختلف العلماء في هذا الباب، فذهب عمر بن عبد العزيز والحسن البصري ومحمد
ابن سيرين والأوزاعي ومالك: إلى أن التسليم في آخر الصلاة مرة واحدة، ويحكى ذلك عن
ابن عمر وأنس وسلمة بن الأكوع وعائشة رضي الله تعالى عنهم. واحتجوا في ذلك بحديث
سعد بن أبي وقاص، رضي الله تعالى عنه: ((أن رسول الله، عَّه، كان يسلم من الصلاة
بتسليمة واحدة: السلام عليكم)). رواه الطحاوي في (شرح معاني الآثار) وأبو عمر بن عبد
البر في (الاستذكار)، وذهب نافع بن عبد الحارث وعلقمة وأبو عبد الرحمن السلمي وعطاء
ابن أبي رباح والشعبي والثوري والنخعي وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والشافعي وإسحاق
وابن المنذر: إلى أن التسليم في آخر الصلاة ثنتان، مرة عن يمينه ومرة عن يساره، ويحكى
ذلك عن أبي بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعمار، رضي الله تعالى
عنهم. وأخرج الطحاوي حديث التسليمتين عن ثلاثة عشر من الصحابة، رضي الله تعالى
عنهم، وهم: سعد وعلي وابن مسعود وعمار بن ياسر وعبد الله بن عمر وجابر بن سمرة
والبراء بن عازب ووائل بن حجر وعدي بن عميرة الحضرمي وأبو مالك الأشعري وطلق بن
علي وأوس بن أبي أوس وأبو رمثة. قلت: وفي الباب أيضاً: عن جابر بن عبد الله وأبو سعيد
الخدري وسهل بن سعد وحذيفة بن اليمان والمغيرة بن شعبة ووائلة بن الأسقع وعبد الله بن
زيد، رضي الله تعالى عنهم فهؤلاء عشرون صحابياً رووا عن رسول الله عَ لل أن المصلي
يسلم في آخر صلاته تسليمتين: تسليمة عن يمينه وتسليمة عن يساره. وأجاب ابن عمر عن
حديث سعد بن أبي وقاص: أنه وهم، وإنما الحديث كما رواه ابن المبارك بسنده عنه أنه
عَّله: كان يسلم عن يمينه وعن يساره. وأجاب الطحاوي مثله بما محصله: أن رواية التسليمة
الواحدة هي رواية الدراوردي، وأن عبد الله بن المبارك وغيره خالفوه في ذلك، ورووا عنه عن
النبي عَّ له: أنه كان يسلم تسليمتين.
ثم اختلفوا في السلام: هل هو واجب أم سنة؟ فعن أبي حنيفة أنه واجب، وعنه أنه
سنة. وقال صاحب (الهداية): ثم إصابة لفظ السلام واجبة، عندنا، وليست بفرض، خلافاً
للشافعي. وفي (المغني): لابن قدامة: التسليم واجب لا يقوم غيره مقامه، والواجب تسليمة
واحدة والثانية سنة، وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن صلاة من اقتصر على تسليمة
واحدة جائزة. وقال الطحاوي: قال الحسن بن حر: هما واجبتان، وهي رواية عن أحمد. وبه
قال بعض أصحاب مالك. وقال الثوري: لو أخل بحرف من حروف: السلام عليكم، لم
تصح صلاته. وفي (المغني): السنة أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله، وإن قال: وبركاته،
أيضاً فحسن، والأول أحسن. وإن قال: السلام عليكم، ولم يزد فظاهر كلام أحمد أنه يجزيه،
وقال ابن عقيل: الأصح أنه لا يجزيه وإن نكس السلام فقال: وعليكم السلام، ولم يجزه.
وقال القاضي: فيه وجه أنه يجزيه، وهو مذهب الشافعي. وقال ابن حزم: الأولى فرض،
والثانية سنة حسنة لا يأثم تاركها.
عمدة القاري / ج٦ / ١٢٢

١٧٨
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٥٤)
٨٣٩/٢٢٤ - حدَّثنا عَبْدَانُ قال أخبرنا عَبْدُ الله قال أخبرنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال أخبرني
مَحْمُودُ بنُ الرَّبِيعِ وزَعَمَّ أَنَّهُ عَقَلَ رسولَ اللهِ عَ لَّهِ وَعَقَلَ مََّةً مَّهَا مِنْ دَلْوٍ كانَ فِي دَارِهِمْ
[انظر الحديث ٧٧ وأطرافه].
... /٨٤٠ - قال سَمِعْتُ عِثْبَانَ بنَ مالِكِ الأنْصَارِيَّ ثُمَّ أَحَدَ بَنِي سَالِمٍ قَالَ كُنْتُ أُصَلِّي
لِقَوْمِي بَيِي سالِمٍ فَأَتَيْتُ النبيَّ عَّهِ فَقُلْتُ إِنِّي أَنْكَرْتُ بَصَرِي وإِنَّ الشُّيُولْ تَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ
مَسْجِدٍ قَوْمِي فَلْوَدِدْتُ أَنَّكَ جِئْتَ فَصَلَّيْتَ فِي بَيْتِي مكَاناً حَتَّى أَتَّخِذَهُ مَسْجِداً فقال أَفْعَلُ
إِنْ شَاءَ اللّه فَغَدا عَلَيَّ رسولُ اللهِ عَ لَّهِ وَأَبُو بَكْرٍ مَعَهُ بَعْدَ ما اشْتَدَّ النَّهارُ فاسْتَأْذَنَ النبيُّ
عَ لَّهِ فَأَذِنْتُ لَهُ فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قال أَيْنَ تُحِبُّ أنْ أُصَلِّي مِنْ بَيْتِكَ فَأَشَارَ إِلَيْهِ مِنَ المَكَّانِ
الَّذِي أحبَّ أنْ يُصَلِّيَ فيهِ فَقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ ثُمَّ سَلَّمَ وسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ. [انظر الحديث
٤٢٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: (ثم سلم وسلمنا حین سلم))، وذلك من حيث إنه ليس
فيه الرد على الإمام، لأن الذي يقتضي معناه أنه عَّهِ سلم وسلم القوم أيضاً حين سلم،
فيكون سلامهم بعد تمام سلامه عَّه، أو بعد تقدمه بلفظ بعض السلام. وقال الكرماني:
وغرض البخاري أن يبين أن السلام لا يلزم أن يكون بعد سلام الإمام حتى لو سلم مع الإمام
لا تبطل صلاته، نعم، لو تقدم عليه تبطل، إلاّ أنه ينوي المفارقة. قلت: هذا الذي قاله لا
يطابق الترجمة، وإنما مراده أن المأموم لا يرد على الإمام بتسليمة بين التسليمتين، كما ذكرناه
في حديث الباب الذي قبله.
وهذا الحديث أخرجه البخاري في: باب المساجد في البيوت، بأطول منه: عن سعيد
ابن عفير عن الليث عن عقيل عن ابن شهاب .. إلى آخره، وههنا: عن عبدان وهو لقب عبد
الله بن عثمان بن جبلة الأزدي أبو عبد الرحمن المروزي عن عبد الله بن المبارك عن معمر
ابن راشد عن محمد بن مسلم الزهري ... إلى آخره.
قوله: ((وزعم))، المراد من الزعم ههنا: القول المحقق، فإنه قد يطلق عليه وعلى
الكذب وعلى المشكوك فيه، وينزل في كل موضع على ما يليق به. قوله: ((مجة مجها من
دلو)). من: مج لعابه: إذا قذفه، وقيل: لا يكون مجة حتى يباعد بها، وانتصاب: مجة، على
أنها مفعول: عقل. وقوله: ((مجها من دلو)) جملة في محل النصب على أنها صفة لمجة،
وكلمة: ((من)، بيانية. قوله: ((كانت))، صفة موصوف محذوف أي: من بئر كانت في
دارهم، والدلو دليل عليه، قاله الكرماني. وقال بعضهم: الدلو، يذكر ويؤنث، فلا يحتاج إلى
تقدير قلت: التقدير لا بد منه لأن الدلو لا يكون فيه ماء إلّ من بئر ونحوه. قلت: كانت،
بالتأنيث رواية أبي ذر، وفي رواية، جاءت: كان، بالتذكير، فعلى هذا لا حاجة إلى التقدير.
قوله: ((الأنصاري)، بالنصب لأنه صفة: عتبان، المنصوب بقوله: ((سمعت)). قوله: «ثم
أحد)» بالنصب أيضاً عطفاً على الأنصاري، والتقدير: الأنصاري ثم السالمي، لأنه من بني

١٧٩
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٥٤)
سالم أيضاً. قال بعضهم: هذا الذي يكاد من له أدنى ممارسة بمعرفة الرجال أن يقطع به، ثم
قال: وقال الكرماني: يحتمل أن يكون عطفاً على عتبان، يعني سمعت عتبان ثم سمعت أحد
بني سالم أيضاً. قال: والمراد به فيما يظهر: الحصين بن محمد الأنصاري، فكأن محموداً
سمع من عتبان ومن الحصين. قال: وهو بخلاف ما تقدم في: باب المساجد في البيوت، أن
الزهري هو الذي سمع محموداً، والحصين، ولا منافاة بينهما لاحتمال أن الزهري ومحموداً
سمعا جميعاً من الحصين، ولو وقع برفع أحد، بأن يكون عطفاً على: محمود، لساغ ووافق
الرواية الأولى، يعني: فيصير التقدير: قال الزهري: أخبرني محمود بن الربيع ثم أخبرني أحد
بني سالم، أي: الحصين. انتهى. قال: وكان الحامل له على ذلك كله قول الزهري في
الرواية السابقة: ثم سألت الحصين بن محمد الأنصاري، وهو أحد بني سالم، هناك. فكأنه
ظن أن المراد بقوله: أحد بني سالم هنا، هو المراد بقوله: أحد بني سالم هناك، ولا حاجة
لذلك، فإن عتبان من بني سالم أيضاً، وهو: عتبان بن مالك بن عمرو بن العجلان بن زياد بن
غنم بن سالم بن عوف، وعلى الاحتمال الذي ذكره إشكال آخر، لأنه يلزم منه أن يكون
الحصين بن محمد هو صاحب القصة المذكورة، أو أنها تعددت له ولعتبان، وليس كذلك،
فإن الحصين المذكور لا صحبة له، وقد ذكره ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) ولم يذكر
له شيخاً غير عتبان. انتهى كلامه.
قلت: هذا القائل ذكر أولاً شيئاً، وهو حط على الكرماني في الباطن، ثم أظهره بعد
ذلك بما لا يجديه من وجوه: الأول: أنه غيّر غالب عبارة الكرماني في النقل لتمشية كلامه،
يتأمله من يقف عليه. الثاني: أن الكرماني ما جزم بما ذكره، بل إنما قال بالاحتمال، وباب
الاحتمال مفتوح،. الثالث: أن قوله: فكأنه ظن .. إلى آخره، لا يتوجه الرد به، فإنه محل الظن
ظاهر، أو العبارة تؤدي إلى ذلك ظاهراً، ثم توجيهه الرد بقوله: فإن عتبان من بني سالم أيضاً
غير موجه، لأن كون عتبان من بني سالم لا ينافي كون الحصين من بني سالم أيضاً، ولا
يمنع إخبار الزهري عنه أيضاً. الرابع: أن قوله يلزم منه أن يكون الحصين بن محمد هو
صاحب القصة المذكورة ليس كذلك، لأن الملازمة ممنوعة، لأن كون الحصين غير
صحابي لا يقتضي الملازمة التي ذكرها، لأنه يحتمل أن يكون الحصين قد سمع القصة
المذكورة من صحابي، والراوي طوى ذكره اكتفاء بذكر عتبان. الخامس: أن تأييد ما ادعاه
بما ذكره عن ابن أبي حاتم غير سديد ولا محل له، لأن عدم ذكر ابن أبي حاتم للحصين
شيخاً غير عتبان لا يستلزم أن لا يكون له شيخ آخر أو أكثر، وهذا ظاهر.
قوله: ((فلوددت)) أي: فوالله لوددت. قوله: ((أتخذه))، قال الكرماني بالرفع وبالجزم،
لأنه وقع جواباً للمودة المفيدة للتمني. قوله: ((اشتد النهار)) أي: ارتفعت الشمس. قوله:
((فأشار إليه)) قال الكرماني: ((فأشار)) أي: النبي عَّ إلى المكان الذي هو المحبوب أن
يصلي فيه، ويحتمل أن تكون: من، للتبعيض، ولا ينافي ما تقدم أيضاً ثمة أنه قال: فأشرت،
لإمكان وقوع الإشارتين منه ومن النبي عَّ له إما معاً وإما متقدماً ومتأخراً. وقال بعضهم:

١٨٠
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٥٥)
والذي يظهر أن فاعل: أشار، هو: عتبان، لكن فيه التفات، إذ ظاهر السياق أن يقول:
فأشرت ... إلى آخره، وبهذا تتوافق الروايتان. قلت: الذي قاله الكرماني أولى وأحرى، لأن
فيه إظهار معجزة النبي، عَّه، حيث أشار إلى المكان الذي كان في قلب عتبان أن يصلي
فيه، فأشار إليه قبل أن يعينه عتبان.
وبقية الكلام في هذا الحديث ذكرناها في: باب المساجد في البيوت.
١٥٥ - بابُ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلاَةِ
أي: هذا باب في بيان الذكر عقيب الفراغ من الصلاة.
٨٤١/٢٢٥ - حدَّثنا إِسْحَاقُ بنُ نَصْرٍ قال حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قال أُخْبَرَنَا ابنُ جرَيْج قال
أُخْبَرَني عَمْرٌو أنَّ أبا مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما أخبَرَهُ
أنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ المَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ النبيِّ عَّ ◌ُلهِ. وقال
ابنُ عَبَّاسٍ كُنتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إِذَا سَمِعْتُهُ.
[الحديث ٨٤١ طرفة في: ٨٤٢]
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: إسحاق بن نصر وهو إسحاق بن إبراهيم بن نصر أبو
إبراهيم السعدي البخاري، فالبخاري يروي عنه تارة بنسبته إلى أبيه ويقول: حدثنا إسحاق بن
إبراهيم بن نصر، وتارة ينسبه إلى جده ويقول: حدثنا إسحاق بن نصر. الثاني: عبد الرزاق بن
همام. الثالث: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، بضم الجيم. الرابع: عمرو بن دينار.
الخامس: أبو معبد، بفتح الميم وسكون العين المهملة وفتح الباء الموحدة وفي آخره دال
مهملة: واسمه نافذ، بالنون وبكسر الفاء وفي آخره ذال معجمة. السادس: عبد الله بن عباس،
رضي الله تعالى عنهما.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه : الإخبار
كذلك في موضع واحد وبصيغة الإفراد من الماضي في ثلاثة مواضع. وفيه : القول في ثلاثة
مواضع، وفيه : أن شيخه من أفراده. وفيه : أن رواته ما بين بخاري ويماني ومكي ومدني.
وفيه : رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الصلاة أيضاً عن إسحاق بن منصور عن عبد
الرزاق: وأخرجه أبو داود فيه عن يحيى بن موسى البلخي عن عبد الرزاق.
ذكر معناه: قوله: ((كان على عهد النبي عَُّلّ) أي: على زمانه، ومثل هذا يحكم له
بالرفع عند الجمهور خلافاً لمن شذ في ذلك. قوله: ((قال ابن عباس)) هو موصول بالإسناد
الأول كما في رواية مسلم عن إسحاق بن منصور عن عبد الرزاق به، قوله: ((كنت أعلم))
فيه إطلاق العلم على الأمر المستند إلى الظن الغالب. قوله: ((بذلك)) أي: برفع الصوت إذا