النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٤٣)
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم خمسة: محمد بن الصباح، بفتح الصاد المهملة وتشديد الباء
الموحدة: الدولابي البزاز، وهشيم بن بشير، بفتح الباء الموحدة، وخالد بن مهران الحذاء،
وأبو قلابة عبد الله بن زید.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه : الإخبار
كذلك في ثلاثة مواضع. وفيه : العنعنة في موضع واحد. وفيه : القول في ثلاثة مواضع.
وفيه : أن رواته ما بين بغدادي وهو شيخ البخاري وواسطي وبصري.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه أبو داود أيضاً في الصلاة عن مسدد. وأخرجه الترمذي
والنسائي جميعاً فيه عن علي بن حجر عن هشيم.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: دليل للشافعية على ندبية جلسة الاستراحة. وقال الطحاوي:
ليس في حديث أبي حميد جلسة الاستراحة، وساقه بلفظ: ((فقام ولم يتورك))، وأخرجه أبو
داود كذلك: قال الطحاوي: فلما تخالف الحديثان احتمل أن يكون ما فعله في حديث
مالك بن الحويرث لعلة كانت به، فقعد من أجلها، لا لأن ذلك من سنة الصلاة. وقال أيضاً:
لو كانت هذه الجلسة مقصودة لشرع لها ذكر مخصوص. وقال الكرماني: الأصل عدم العلة،
وأما تركه عَّ له فلبيان جواز الترك. قلت: قوله: ((لا تبادروني فإني قد بدنت)) يدل على أن
ذلك كان لعلة، ولأن هذه الجلسة للاستراحة والصلاة غير موضوعة لتلك، وقال بعضهم: إن
مالك بن الحويرث هو راوي حديث: ((صلوا كما رأيتموني أصلي))، فحكاياته لصفات صلاة
النبي ◌َُّلّ داخلة تحت هذا الأمر. قلت: هذا لا ينافي وجود العلة لأجل هذه الجلسة،
وبقولنا قال مالك وأحمد. وفي (التمهيد): اختلف الفقهاء في النهوض عن السجود إلى
القيام، فقال مالك والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه: ينهض على صدور قدميه ولا
يجلس، وروي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس، وقال النعمان ابن أبي عياش:
أدركت غير واحد من أصحاب النبي عَّ يفعل ذلك. وقال أبو الزناد: ذلك السنة، وبه قال
أحمد بن راهويه. وقال أحمد: وأكثر الأحاديث على هذا. قال الأثرم: رأيت أحمد ينهض بعد
السجود على صدور قدميه ولا يجلس قبل أن ينهض. وروى الترمذي عن أبي هريرة قال:
((كان رسول الله عَّ ينهض في الصلاة على رؤوس قدميه))، ثم قال: والعمل عليه عند أهل
العلم. وأخرج ابن أبي شيبة في (مصنفه): عن عبد الله بن مسعود أنه كان ينهض في الصلاة
على صدور قدميه ولم يجلس. وأخرج نحوه عن علي وابن عمر وابن الزبير وابن عباس ونحو
ذلك. وأخرج أيضاً عن عمر، رضي الله تعالى عنه.
١٤٣ - بابٌ كيْفَ يَعْتَمِدُ عَلَى الأَرْضِ إذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَةِ
أي: هذا باب ترجمته: كيف يعتمد المصلي على الأرض إذا قام من الركعة، أي:
ركعة كانت، وفي رواية المستملي والكشميهني: من الركعتين. أي: الركعة الأولى والركعة

١٤٢
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٤٤)
الثانية.
٨٢٤/٢١٠ - حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ قال حدَّثنا وُهَيْبٌ عنْ أَيُّوبَ عن أبِي قِلاَبَةً قال جاءَنا
مالِكُ بنُ الحُوَيْرِثِ فصَلَّى بِنَا في مَسْجِدِنَا هَذا فقال إنِّي لأصلِّي بِكُمْ وما أُرِيدُ الصَّلاَةَ
ولَكِنْ أريدُ أنْ أرِيكُمْ كَيْفَ رَأيْتُ النبيَّ عَّهِ يُصَلِّي. قال أَيُّوبُ فقُلْتُ لأبي قِلاَبَةً وَكَيْفَ
كانَتْ صَلاتُهُ قال مِثْلَ صَلاَةِ شَيْخِنَا هِذَا يَعْنِي عَمْرَو بنَ سَلِمَةَ قال أيُّوبُ وكانَ ذَلِكَ الشَّيْخُ
يُتِمُّ التَّكْبِيرَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ عَنِ السَّجْدَةِ الثَّانِيَّةِ جَلَسَ وَاعْتَمَدَ عَلَى الأَرْضِ ثُمَّ قَامَ. [انظر
الحديث ٦٧٧ وطرفيه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((واعتمد على الأرض)) ثم قال الكرماني: الترجمة لبيان
كيفية الاعتماد لا لبيان نفس الاعتماد، فما وجه موافقة الحديث لها؟ قلت: فيه بيان
الكيفية بأن يجلس أولاً ثم يعتمد ثم يقوم. قال الفقهاء: يعتمد كما يعتمد العاجن للخمير.
وقيل: المراد من الاعتماد أن يكون باليد، يدل عليه ما رواه عبد الرزاق عن ابن عمر: أنه كان
يقوم إذا رفع رأسه من السجدة معتمداً على يديه قبل أن يرفعهما.
ورواة الحديث قد ذكروا غير مرة، ووهيب مصغراً: ابن خالد، وأيوب السختياني، وأبو
قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، وقد مر هذا الحديث في الباب الذي قبله، وفي الذي قبل
قبله، وفيما مضى أيضاً، وقد ذكرنا جميع ما يتعلق به. قوله: ((لكني)) ویروی: ((لكن))، بدون
نون الوقاية. قوله: ((يتم التكبير)) أي: كان يكبر عند كل انتقال غير الاعتدال لا ينقص من
التكبيرات شيئاً عند الانتقالات، أو كان يمده من أول الانتقال إلى آخره. قوله: ((فإذا رفع))،
ويروى: ((وإذا رفع)) بالواو. قوله: ((من السجدة) كذا هو بكلمة: من رواية أبي ذر، وهي
رواية الإسماعيلي أيضاً، وفي رواية المستملي والكشميهني: ((في السجدة))، وفي رواية غيرهم
((عن السجدة)) بكلمة: عن.
١٤٤ - بابٌ يُكَبِّرُ وَهْوَ يَنْهَضُ منَ السَّجدَتَيْنِ
أي: هذا باب ترجمته: يكبر المصلي في حالة نهوضه من السجدتين، وأشار بهذا إلى
أن التكبير عند القيام إلى الركعة الثالثة من التشهد الأول وقت النهوض من السجدتين، وعند
بعضهم: وقت الاستواء، ونقل ذلك عن مالك، والكلام في الأولوية. فافهم.
وكانَ ابنُ الزَّبَيْرِ يُكَبِّرُ في نَهْضَتِهِ
هو عبد الله بن الزبير بن العوام، وقد غلب عليه هذا دون غيره من أولاد الزبير، وهذا
تعليق وصله ابن أبي شيبة في (مصنفه): عن عبد الوهاب الثقفي عن ابن جريج عن عمرو بن
دينار: أن ابن الزبير كان يكبر لنهضته.
٨٢٥/٢١١ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ صَالِحِ قال حدَّثنا فُلَيْخُ بنُ سُلَيْمَانَ عنْ سعِيدِ بنِ الحَارِثِ
قال صَّلَّى لَنَا أَبُو سَعِيدٍ فَجَهَرَ بالتَّكْبِيرِ حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ منَ السُّجُودِ وحِينَ سَجَدَ وحينَ رفَعَ

١٤٣
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٤٤)
وحِينَ قامَ مِنَ الرَّكّعَتَيْنِ وقال هَكَذَا رَأَيْتُ النبيَّ عَّهِ.
مطابقته للترجمة في قوله: ((حين قام من الركعتين))، وهي حالة النهوض من
السجدتين، وبهذا يرد على ابن المنير حيث قال: أجرى البخاري الترجمة وأثر ابن الزبير
مجرى التبيين لحديثي الباب، لأنهما ليسا صريحين في أن ابتداء التكبير يكون مع أول
النهوض. انتهى. بيان وجه الرد أن قول البخاري: باب يكبر .. إلى آخره، هو حاصل معنى قوله
في الحديث: ((وحين قام من الركعتين))، فالمطابقة تامة، ولم يقل: باب يكبر مع أول
النهوض، حتى يصح كلام المنير. وقال ابن رشيد: في هذه الترجمة إشكال لأنه ترجم فيما
مضى: باب التكبير إذا قام من السجود، وأورد فيه حديث ابن عباس وأبي هريرة، وفيهما
التنصيص على أنه يكبر في حالة النهوض، وهو الذي اقتضته هذه الترجمة، فكأن ظاهرها
التكرار. انتهى. قلت: لا نسلم أن في هذه الترجمة إشكالاً، ولا يلزم مما ذكره التكرار،
فقوله في: باب التكبير إذا قام من السجود، أعم من أن يكون من سجود الركعة الأولى أو
الثانية أو الثالثة. وهذه الترجمة في التكبير عند القيام إلى الركعة الثالثة من بعد التشهد خاصة،
وأما فائدة ذكر هذا بعد شمول الأعم إياه، فلأجل إيراده ههنا حديثي أبي سعيد وعلي بن أبي
طالب، رضي الله تعالى عنهما.
ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: يحيى بن صالح أبو زكريا الوحاظي الحمصي.
الثاني: فليح، بضم الفاء: ابن سليمان بن أبي المغيرة، وكان اسمه: عبد الملك ولقبه فلیح،
فغلب على اسمه واشتهر به. الثالث: سعيد بن الحارث بن المعلى الأنصاري المدني،
قاضيها. الرابع: أبو سعيد الخدري، واسمه: سعد بن مالك.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه : العنعنة في
موضع واحد. وفيه : القول في موضعين. وفيه : أن رواته ما بين حمصي ومدنيين.
وهذ الحديث تفرد به البخاري عن أصحاب الكتب، وذكر الإسماعيلي في روايته عن
أبي يعلى: حدثنا أبو خيثمة حدثنا يونس حدثنا فليح عن سعيد سمعت هذا الحديث مطولاً،
ولفظه: ((اشتكى أبو هريرة - أو غاب - فصلى أبو سعيد فجهر بالتكبير حين افتتح وحين
ركع .. )) الحديث، وزاد في آخره: ((فلما انصرف قيل له: قد اختلف الناس على صلاتك،
فقام عند المنبر فقال: أيها الناس إني والله ما أبالي اختلفت صلاتكم أم لم تختلف، إني
رأيت رسول الله عَّ هكذا يصلي)). وذكر الحميدي في (الجمع بين الصحيحين) أن
البرقاني خرجه في صحيحه بلفظ: ((أن الناس قد اختلفوا في صلاتك)). انتهى. والاختلاف
بينهم كان في الجهر بالتكبير والإسرار به، وكان مروان وغيره من بني أمية يسرون، وكان أبو
هريرة يصلي بالناس في إمارة مروان على المدينة.
وفيه دلالة على أن أبا هريرة كان يصلي خلاف صلاتهم، فروي في (الموطأ) عن أبي
هريرة أنه كان يكبر في حال قيامه، وكذا روي عن ابن عمر وغيره، وقد تقدم في: باب ما

١٤٤
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٤٥)
يقول الإمام ومن خلفه، من حديث أبي هريرة بلفظ: ((وإذا قام من السجدتين قال: الله أكبر)).
والتوفيق بينهما أن يحمل على أن المعنى: إذا شرع في القيام.
٨٢٦/٢١٢ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قال حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ قال حدَّثنا غَيْلاَنُ بنُ
جَرِيرٍ عنْ مُطَرِّفٍ قال صَلَّيْتُ أنا وعِمْرَانُ صَلاَةً خَلْفَ عَليّ بن أبي طالبٍ رضي الله تعالى
عنهُ فكانَ إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ وإذَا رَفَعَ كَبَّرَ وإِذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ فَلَمَّا سَلَّمَ أَخَذَ عِمْرَانُ
بِيَدِي فقالَ لَقَدْ صَلَّى بِنَا هَذَا صَلاَةَ مُحَمَّدٍ عَ لَّهِ أَوْ قَالَ لَقَدْ ذَكَّرَنِي هذَا صَلاةَ مُحَمَّدٍ
عَ لَّهِ. [انظر الحديث ٧٨٤ وطرفه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((وإذا نهض من الركعتين كبر))، والمراد من السجدتين في
الترجمة الركعتان الأوليان، لأن السجدة تطلق على الركعة، من إطلاق الجزء على الكل،
والكلام في هذا الحديث قد تقدم في: باب إتمام التكبير في الركوع، وغيلان، بفتح الغين
المعجمة وسكون الياء آخر الحروف، وجرير بفتح الجيم، ومطرف بضم الميم وفتح الطاء
المهملة وكسر الراء: ابن عبد الله بن الشخير العامري.
١٤٥ - بابُ سُنَّةِ الجُلُوسِ فِي الَّشَهُدِ
أي: هذا باب في بيان سنة الجلوس في التشهد، والمراد من سنة الجلوس يحتمل أن
تكون هيئته كالافتراش مثلاً، ويحتمل أن تكون نفسه، وحديث الباب يصلح للأمرين. وقال
الكرماني قلت: الجلوس قد يكون واجباً؟ قلت: المراد بالسنة الطريقة المحمدية، وهي أعم
من المندوب.
وكانَتْ أُمُ الدَّرْدَاءِ تَجْلِسُ فِي صِلاَتِهَا جِلْسَةَ الرَّجُلِ وكَانَتْ فَقِيهَةً
اسم أم الدرداء: خيرة بنت أبي حدرد، وقيل: هجيمة، وقد تقدمت في: باب فضل
صلاة الفجر مع الجماعة، وأثرها الذي علقه البخاري وصله ابن أبي شيبة عن وكيع عن ثور
عن مكحول أن أم الدرداء كانت تجلس في الصلاة كجلسة الرجل. قيل : يفهم من رواية
ابن أبي شيبة أن أم الدرداء هذه هي الصغرى التابعية، لا أم الدرداء الكبرى الصحابية، لأن
مكحولاً أدرك الصغرى دون الكبرى. قلت: قال ابن الأثير: قد جعل ابن منده وأبو نعيم خيرة
أم الدرداء الكبرى، وهجيمة واحدة، وليس كذلك، فإن الكبرى اسمها: خيرة، وأم الدرداء
الصغرى اسمها: هجيمة، الكبرى لها صحبة والصغرى لا صحبة لها، هذا هو الصحيح وما
سواه وهم. قلت: إطلاق البخاري: أم الدرداء، ههنا من غير تعيين يحتمل الكبرى والصغرى،
ولكن احتمال الكبرى يقوى بقوله: ((وكانت فقيهة)). ثم قوله: ((وكانت فقيهة)) هل هو من
كلام البخاري أو غيره؟ فقال صاحب (التلويح) القائل: ((وكانت فقيهة)) هو البخاري، فيما
أرى. وقال صاحب (التوضيح): الظاهر أنه قول البخاري، وقال بعضهم: ليس كما قال، وشيد
كلامه بأن الدليل إذا كان عاماً وعمل بعمومه بعض العلماء رجح به، وإن لم يحتج به
بمجرده، وقد عرف من رواية مكحول أن المراد بأم الدرداء الصغرى التابعية لا الكبرى

١٤٥
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٤٥)
الصحابية، لأن مكحولاً لم يدرك الكبرى، وإنما أدرك الصغرى. قلت: عبارة البخاري تحتمل
الأمرين، ولكن الظاهر أنها الكبرى كما قال صاحب (التلويح) و(التوضيح).
قوله: ((جلسة الرجل))، بكسر الجيم، لأن الفعلة بالكسر إنما هي للنوع، فدل هذا على
أن المستحب للمرأة أن تجلس في التشهد كما يجلس الرجل، وهو أن ينصب اليمنى
ويفترش اليسرى، وبه قال النخعي وأبو حنيفة ومالك، ويروى عن أنس كذلك، وعن مالك
أنها تجلس على وركها الأيسر وتضم بعضها إلى بعض قدر طاقتها، ولا تفرج في ركوع ولا
سجود ولا جلوس، بخلاف الرجل، وقال قوم: تجلس كيف شاءت إذا تجمعت، وبه قال
عطاء والشعبي، وكانت صفية، رضي الله تعالى عنها، تصلي متربعة، ونساء ابن عمر كن
يفعلنه، وقال بعض السلف: كن النساء يؤمرن أن يتربعن إذا جلسن في الصلاة، ولا يجلسن
جلوس الرجال على أوراكهن. وقال عطاء وحماد: تجلس كيف تيسر.
٨٢٧/٢١٣ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكِ عنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ القَاسِمِ عنْ عَبْدِ اللهِ
ابن عَبْدِ الله أنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كانَ يَرَي عَبْدَ اللهِ بنَ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما يَتَرَبَّعُ فِي الصَّلاَةِ إذَا
جَلَسَ فَفَعَلْتُهُ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السّنِّ فَتَهَانِي عَبْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ وقال أََّا سُنَّةُ الصَّلاَةِ أَنْ تَنْصِبَ
رِجْلَكَ اليُمْنَى وَتَثْنِيَ اليُشْرَى فَقُلْتُ إِنَّكَ تَفْعَلُ ذَلِكَ فقالَ أنّ رِجْلَيَّ لاَ تَحْمِلاَتِي.
مطابقته للترجمة في قوله: ((إنما سنة الصلاة أن تنصب .. )) إلى آخره.
ورجاله مشهورون، وهم: عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى
عنهم، والعبد مكبر في الابن والأب معاً، وهو تابعي ثقة سمي باسم أبيه وكني بكنيته. قوله:
((أنه أخبره)) صريح في أن عبد الرحمن بن القاسم روى عن عبد الله المذكور، وروى
الإسماعيلي عن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عبد الله، وكذا رواه ابن نافع
والأكثرون عن القعنبي، فقالوا: عن أبيه، وعلم من رواية عبد الله بن مسلمة أن عبد الرحمن
سمعه عن أبيه عن عبد الله، ثم لقي عبد الله وسمعه منه بلا واسطة، أو يكون عبد الرحمن
سمعه من عبد الله وأبوه معه.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه أبو داود أيضاً في الصلاة عن القعنبي وعن عبيد الله بن
معاذ وعن عثمان بن أبي شيبة وعن هناد بن السري. وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة عن الليث
وعن الربيع بن سليمان.
ذكر معناه: قوله: ((إنما سنة الصلاة)) تدل على أن هذا الحديث مسند، لأن الصحابي
إذا قال: سنة، فإنما يريد سنة النبي عَّ له. إما بقوله أو بفعل شاهده، كذا قاله ابن التين. قوله:
((وأنا يومئذ))، الواو فيه للحال. قوله: ((أن تنصب)) أي: لا تلصقه بالأرض. قوله: ((ويثني)) أي:
يعطف، لم يبين فيه ما يصنع بعد ثنيها: هل يجلس فوقها أو يتورك؟ ووقع في (الموطأ): عن
يحيى بن سعيد أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس في التشهد، فنصب رجله اليمنى وثنى
اليسرى وجلس على وركه اليسرى ولم يجلس على قدمه، ثم قال: أراني هذا عبد الله بن
عمدة القاري / ج ٦ / ١٠٣

١٤٦
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٤٥)
عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهم، وحدثني أن أباه كان يفعل ذلك، فظهر من رواية
القاسم الإجمال الذي في رواية ابنه، وروى النسائي من طريق عمرو بن الحارث عن يحيى بن
سعيد: أن القاسم حدثه عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: من سنة الصلاة أن
تنصب اليمنى وتجلس على اليسرى. قوله: ((تفعل ذلك)) أي: التربع. قوله: ((إن رجلي)) كذا
هو في رواية الأكثرين، وفي رواية حكاها ابن التين: ((إن رجلاي)) ووجه هذه بوجهين:
أحدهما: أن تكون: إن، بمعنى: نعم أفعل ذلك، ويكون حرف جواب، وقد ورد ذلك في
كلام العرب نظماً ونثراً، أما النظم ففي قوله:
وقد كبرت فقلت: إنه
ويقلن شيب قد علاك
وأما النثر، فقد قال عبد الله بن الزبير لمن قال: لعن الله ناقة حملتني إليك: إن
وراكبها، أي: نعم ولعن راكبها. والوجه الثاني: أن يكون على لغة بني الحارث، فإنهم لا
ينصبون بإن اسمها، وعليه قراءة: ﴿إِن هذان لساحران﴾ [طه: ٦٣]. وقال الشاعر:
إن أباها وأبا أباها
قوله: ((لا تحملاني)) روي بتشديد النون وبتخفيفها.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: أن السنة أن ينصب المصلي رجله اليمنى ويثني اليسرى.
وقد اختلفوا في صفة الجلوس في الصلاة، فذهب يحيى بن سعيد الأنصاري والقاسم بن
محمد وعبد الرحمن بن القاسم ومالك إلى: أن المصلي ينصب رجله اليمنى ويثني رجله
اليسرى، ويقعد بالأرض في القعدة الأولى وفي الأخيرة، وهذا هو التورك الذي ينقل عن
مالك. وفي (الجواهر): المستحب في الجلوس كله الأول والأخير وبين السجدتين أن يكون
توركاً. وفي (التمهيد): المرأة والرجل سواء في ذلك عند مالك، وذهب الشافعي وأحمد
وإسحاق إلى: أن المصلي يفعل في القعود الأول مثل ما ذكرنا الآن، وإن كان في القعود
الثاني يقعد على رجله اليسرى وينصب اليمنى. وقال أبو عمر: قال الشافعي: إذا قعد في
الرابعة أماط رجليه جميعاً فأخرجهما عن وركه الأيمن وأفضى بمقعدته إلى الأرض، وأضجع
اليسرى ونصب اليمنى في القعدة الأولى. وقال أحمد مثل قول الشافعي، إلّ في الجلوس في
الصبح، فإن عنده كالجلوس في ثنتين، وهو قول داود. وقال الطبري: إن فعل هذا فحسن،
وإن فعل هذا فحسن، لأن ذلك كله قد ثبت عن النبي عَّهِ. وقال النووي: الجلسات عند
الشافعي أربع: الجلوس بين السجدتين، وجلسة الاستراحة عقيب كل ركعة يعقبها قيام،
والجلسة للتشهد الأول، والجلسة للتشهد الأخير، فالجميع يسن مفترشاً إلّ الأخيرة. فلو كان
مسبوقاً وجلس إمامه في آخر الصلاة متوركاً جلس المسبوق مفترشاً في تشهده، فإذا سجد
سجدتي السهو تورك ثم سلم انتهى.
وعندنا: السنة أن يفترش رجله اليسرى ويجلس عليها وينصب اليمنى نصباً في
القعدتين جميعاً، وبه قال الثوري، واستدلوا بحديث عائشة في (صحيح مسلم) قالت: ((كان

١٤٧
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٤٥)
النبي عَّم يفتتح الصلاة .. )) إلى أن قالت: ((وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله
اليمنى .. )) الحديث. وأما جلوس المرأة فهو التورك عندنا، وقال النووي: وجلوس المرأة
كجلوس الرجل، وحكى القاضي عياض عن بعض السلف: أن سنة المرأة التربع، وعن
بعضهم: التربع في النافلة، وقال أبو عمر: اختلفوا في التربع في النافلة وفي الفريضة للمريض،
فأما الصحيح فلا يجوز له التربع في الفريضة بإجماع العلماء، وروى ابن أبي شيبة عن ابن
مسعود، رضي الله تعالى عنه، قال: لأن أقعد على رضفتين أحب إلي من أن أقعد متربعاً في
الصلاة، وهذا يشعر بتحريمه عنده، ولكن المشهور عند أكثر العلماء أن هيئة الجلوس في
التشهد سنة، وقال ابن بطال: روي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يتربعون في الصلاة،
كما فعله ابن عمر، منهم: ابن عباس وأنس وسالم وعطاء وابن سيرين ومجاهد، وجوزه
الحسن في النافلة، وفي رواية: كرهه هو والحكم وابن مسعود.
٨٢٨/٢١٤ - حدّثنا يَخْتِى بنُ بُكَيْرِ قال حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ خَالِدٍ عنْ سَعِيد عنْ مُحَمَّدِ بنِ
عَمْرِو بنِ حَلْحَلَةَ عنْ مُحَمَّدٍ بنِ عَمْرِو بنِ عطَاءٍ وحدَّثنا اللَّيْثُ عن يَزِيدَ بنِ أبِي حَبِيبٍ
ويَزِيدَ بنِ مُحَمَّدٍ عنْ مُحَمَّدٍ بنِ عَمْرِو بنِ حَلْحَلَةَ عنْ مُحَمَّدِ بنِ عَمْرِو بِنِ عَطَاءٍ أَنَّهُ كانَ
جَالِساً معَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النبيِّ عَ لّهِ فَذَكَرْنَا صَلاَةَ النبيِّ عَِّ فقال أَبُو حُمَيْدِ السَّاعِدِيُّ أَنَا
كُنْتُ أَحْفَظُكُمْ لِصَلاةِ رسولِ اللهِ عَ لّهِ رَأيْتُهُ إِذَا كَثُرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ
يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ فإذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى حَتَّى يُعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ فَإِذَا سَجَدَ
وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ ولاَ قَابِضِهِمَا واسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أصَابِعِ رِجْلَيْهِ القِبْلَةَ فَإِذَا جَلَسَ فِي
الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ اليُسْرَى ونَصَبَ اليُمْنَى وإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ
اليُشْرَى ونَصَبَ الأخْرَى وقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ.
مطابقته للترجمة في قوله: ((إذا جلس في الركعتين .. )) إلى آخره.
ذكر رجاله: وهم تسعة: الأول: يحيى بن بكير، بضم الباء الموحدة: هو يحيى بن
عبد الله بن بكير أبو زكريا المصري. الثاني: الليث بن سعد. الثالث: خالد بن يزيد
الجمحي المصري. الرابع: سعيد بن أبي هلال الليثي المدني. الخامس: محمد بن عمرو
ابن حلحلة، بفتح المهملتين وسكون اللام الأولى: الديلي المدني. السادس: محمد بن
عمرو بن عطاء بن عياش القرشي العامري المدني. السابع: يزيد، من الزيادة، ابن أبي حبيب
أبو رجاء المصري، واسم أبي حبيب: سويد. الثامن: يزيد بن محمد القرشي. التاسع: أبو
حميد الساعدي الأنصاري المدني، اسمه: عبد الرحمن، وقيل: المنذر.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه : العنعنة
في سبعة مواضع. وفيه : القول في موضعين. وفيه : أن رواته ما بين مصريين ومدنيين،
فالثلاثة الأول منهم مصريون، فكذلك السابع، والبقية مدنيون. وفيه : أن خالداً من أقران
شيخه. وفيه : إسنادان أحدهما: عن الليث عن خالد، والآخر: عن الليث عن يزيد ابن أبي

١٤٨
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٤٥)
حبيب. وفيه : أن بين الليث وبين محمد بن عمرو بن حلحلة في الرواية الأولى اثنين،
وبينهما في الرواية الثانية واسطة واحدة. وفيه : أن يزيد بن أبي حبيب من صغار التابعين.
وفيه : إرداف الرواية النازلة بالرواية العالية على عادة أهل الحديث. وفيه : أن يزيد بن محمد
من أفراد البخاري. وفيه : أن الليث في الرواية الثانية يروي عن شيخين، كلاهما عن محمد
ابن عمرو بن حلحلة.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه أبو داود أيضاً في الصلاة عن أحمد بن حنبل وعن
مسدد وعن قتيبة عن ابن لهيعة وعن عيسى بن إبراهيم المصري. وأخرجه الترمذي فيه عن
ابن المثنى وابن بشار وعن ابن بشار والحسن بن علي الخلال. وأخرجه النسائي فيه عن ابن
بشار عن يحيى به وعن يعقوب بن إبراهيم، وأخرجه ابن ماجه عن بندار عن أبي بكر بن أبي
شيبة وعلي بن محمد.
ذكر معناه: قوله: ((قال: وحدثنا)) قائله هو يحيى بن بكير المذكور، قوله: ((في نفر))،
وفي رواية كريمة: ((مع نفر))، بفتحتين، وهو اسم جمع يقع على جماعة من الرجال خاصة، ما
بين الثلاثة إلى العشرة، ولا واحد له من لفظه. وقال ابن الأثير: النفر رهط الإنسان وعشيرته.
قوله: ((من أصحاب رسول الله)) كلمة: من، في محل الحال من: أي: حال كونهم من
أصحاب رسول الله، عَّلَّه، ولفظ: النفر، يدل على أنهم كانوا عشرة، يدل عليه أيضاً رواية
أبي داود وغيره: عن محمد بن عمرو بن عطاء، قال: سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة
من أصحاب النبي، عَّه. فإن قلت: أبو حميد من العشرة أو خارج منهم؟ قلت: يحتمل
الوجهين بالنظر إلى رواية: في عشرة، وإلى رواية: مع عشرة، وكان من جملة العشرة: أبو
قتادة الحارث بن ربعي في رواية أبي داود والترمذي، وسهل بن سعد وأبو أسيد الساعدي
محمد بن سلمة في رواية أحمد وغيره، وأبو هريرة في رواية أبي داود. قوله: ((أنا كنت
أحفظكم لصلاة رسول الله عَ لَّه))، وفي رواية أبي داود: «قالوا: فَلِمَ؟ فوالله ما كنت بأكثرنا له
تبعة ولا أقدمنا له صحبة)). وفي رواية الترمذي: ((إتياناً، ولا أقدمنا له صحبة)). وفي رواية
الطحاوي من حديث العباس بن سهل: ((عن أبي حميد الساعدي أنه كان يقول لأصحاب
رسول الله عَّله: أنا أعلمكم بصلاة النبي عَّهِ. قالوا: من أين؟ قال: رقبت ذلك منه حتى
حفظت صلاته)). وفي رواية أخرى له: ((أنا أعلمكم بصلاة رسول الله عَ ليه، فقالوا: وكيف؟
فقال: اتبعت ذلك من رسول الله عَ لّهِ، قالوا: أرنا. قال: فقام يصلي وهم ينظرون)). وزاد عبد
الحميد بن جعفر في روايته: ((قالوا: فأعرض))، وفي روايته عند ابن حبان: ((استقبل القبلة ثم
قال: الله أكبر)). وزاد فليح بن سليمان في روايته عند ابن خزيمة فيه ذكر الوضوء. قوله:
((فجعل يديه حذو منكبيه)) زاد ابن إسحاق: ((ثم قرأ بعض القرآن)).
قوله: ((ثم هصر ظهره))، بفتح الهاء والصاد المهملة أي: أماله في استواء من غير
تقويس، وأصل الهصر: أن تأخذ رأس العود فتثنيه إليك وتعطفه. وفي (الصحاح): الهصر
الكسر، وقد هصره وأهصره واهتصره بمعنى، وهصرت الغصن وبالغصن إذا أخذت برأسه

١٤٩
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٤٥)
وأملته، والأسد هيصر وهيصار، وفي رواية أبي داود: «ثم هصره غير مقنع رأسه ولا صافح
بخده)). قوله: ((غير مقنع)) من الإقناع يعني: لا يرفع رأسه حتى يكون أعلى من ظهره، وقال
ابن عرفة: يقال: أقنع رأسه إذا نصبه لا يلتفت يميناً ولا شمالاً، وجعل طرفه موازياً لما بين
يديه. قوله: ((ولا صافح بخده)) أي: غير مبرز بصفحة خده ولا مائل في أحد الشقين. قوله:
((فإذا رفع رأسه استوى)) زاد عيسى عند أبي داود ((فقال: سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك
الحمد، ورفع يديه)). ونحوه لعبد الحميد وزاد: ((حتى يحاذي بهما منكبيه معتدلاً». قوله:
((حتى يعود كل فقار)) بفتح الفاء والقاف وبعد الألف راء جمع: فقارة، وهي عظام الظهر.
وقال ابن قرقول: جاء عند الأصيلي هنا: ((فقار))، بفتح الفاء وكسرها، ولا أعلم لذلك معنىٌ،
وعند ابن السكن: فقار، بكسر الفاء، ولغيره: فقار، وهو الصواب. وقال ابن التين: هو
الصحيح، وهو الذي رويناه، وروينا في رواية أبي صالح عن الليث: ((قفار))، بتقديم القاف
وكسرها، وليس ببين، لأنه جمع: قفر، وهي: المفازة. وفي (الجامع) للقزاز: الفقرة، بكسر
الفاء، والفقارة بفتحها: إحدى فقار الظهر، وهي العظام المنتظمة التي يقال لها: خرز الظهر،
فجمع الفقارة فقار، وجمع الفقرة: فقر، وقالوا: أفقرة، يريدون جمع: فقار، كما تقول: قذال
وأقذلة. وفي (المحكم): الفقر والفقرة: ما انتضد من عظام الصلب من لدن الكاهل إلى
العجب، والجمع: فقر وفقار. وقال ابن الاعرابي: أقل فقر البعير ثمان عشرة وأكثرها إحدى
وعشرون، وفقار الإنسان سبع. وفي (نوادر) ابن الأعرابي رواية عن ثعلب: فقار الإنسان سبع
عشرة وأكثر فقر البعير ثلاث وعشرون. وفى (المخصص) الفقر ما بين كل مفصلين، وقيل:
الفقار أطراف رؤوس الفقر، وكل فقرة خرزة وفي (أمالي أبي إسحاق الزجاجي): هن سبع
أمهات غير الصغار التوابع. وفي (كتاب الفصوص) لصاعد: هن أربع وعشرون، سبع منها في
العنق وخمس منها في الصلب، واثنتي عشرة وهي الأضلاع. وقال الأصمعي: هن خمس
وعشرون فقرة.
قوله: ((غير مفترش))، أي: غير مفترش يديه، وفي رواية ابن حبان من رواية عتبة بن أبي
الحكم عن عباس بن سهل: ((غير مفترش ذراعيه))، وفي رواية الطحاوي: ((وإذا سجد فرج بين
فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه، ولا مفترش ذراعيه)). قوله: ((ولا قابضهما)) أي:
ولا قابض يديه، وهو أن يضمهما إليه، وفي رواية فليح بن سليمان: ((ونحى يديه عن جنبيه
ووضع يديه حذو منكبيه)). وفي رواية ابن إسحاق: ((فاعلولى على جنبيه وراحتيه وركبتيه
وصدور قدميه حتى رأيت بياض إبطيه، وما تحت منكبيه، ثم ثبت حتى اطمأن كل عظم
منه، ثم رفع رأسه فاعتدل)). قوله: ((فإذا جلس في الركعتين)) أي: الركعتين الأوليين ليتشهد،
وفي رواية الطحاوي: «ثم جلس فافترش رجله اليسرى، وأقبل بصدر اليمنى على قبلته ووضع
كفه اليمنى على ركبته اليمنى، وكفه اليسرى على ركبته اليسرى، وأشار بأصبعه)). وفي رواية
عيسى بن عبد الله: ((ثم جلس بعد الركعتين حتى إذا هو أراد أن ينتهض إلى القيام قام
بتكبيرة)).

١٥٠
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٤٥)
قلت: هذا يخالف في الظاهر رواية عبد الحميد حيث قال: ((ثم إذا قام من الركعتين
كبر ورفع يديه كما كبر عند افتتاح الصلاة)). قلت: التوفيق بينهما بأن يقول معنى قوله: ((إذا
قام أي: إذا أراد القيام أو شرع فيه)). قوله: ((فإذا جلس في الركعة الآخرة .. )) إلى آخره، في
رواية عبد الحميد: ((حتى إذا كانت السجدة التي يكون فيها التسليم))، وفي رواية عند ابن
حبان: ((التي تكون عند خاتمة الصلاة، أخر رجله اليسرى وقعد متوركاً على شقه الأيسر)). زاد
ابن إسحاق في روايته: ((ثم سلم)). وفي رواية عيسى عند الطحاوي: ((فلما سلم سلم عن
يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن شماله أيضاً: السلام عليكم ورحمة الله)) وفي رواية أبي
عاصم عن عبد الحميد عند أبي داود وغيره ((قالوا)) أي: الصحابة المذكورون: ((صدقت،
هكذا كان يصلي)).
ذكر ما يستفاد منه: احتج الشافعي، رضي الله تعالى عنه، ومن قال بقوله أن هيئة
الجلوس في التشهد الأول مغايرة لهيئة الجلوس في التشهد الأخير، وقد ذكرنا عن قريب
اختلاف العلماء فيه. وقال الطحاوي: القعود في الصلاة كلها سواء، وهو أن ينصب رجله
اليمنى ويفترش رجله اليسرى فيقعد عليها، ثم ذكر الاحتجاج في هذا بحديث وائل بن حجر
الحضرمي، قال: ((صليت خلف النبي، عَّه، فقلت: لأحفظن صلاة رسول الله عَ لّهِ، قال:
فلما قعد للتشهد فرش رجله اليسرى ثم قعد عليها ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى
ووضع مرفعه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم عقد أصابعه وجعل حلقة بالإبهام والوسطى، ثم
جعل يدعو بالأخرى)). وأخرجه الطبراني أيضاً.
قلت: هذا الذي ذكره هو مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وبه قال الثوري
وعبد الله بن المبارك وأحمد في رواية. فإن قلت: لا يتم الاستدلال للحنفية بالحديث
المذكور، لأنه لم يذكر فيه إلاّ أنه فرش رجله اليسرى فقط. قلت: كثر الخلاف فيه
فاكتفى بهذا المقدار، وأما نصب رجله اليمنى فقد ذكرهه ابن أبي شيبة في (مصنفه): حدثنا
ابن إدريس عن عاصم بن كليب عن أبيه ((عن وائل بن حجر أن النبي ◌َّ جلس فثنى
اليسرى ونصب اليمنى))، يعني في الصلاة. وحديث عائشة أيضاً، وقد تقدم عن قريب. فإن
قلت: من أين علم أن المراد من قوله: ((فلما قعد للتشهد افترش رجله اليسرى ثم قعد عليها))
وهي القعدة الأخيرة؟ قلت: علم من قوله: ((ثم جعل يدعو))، أن الدعاء في التشهد لا يكون
إلّ في آخر الصلاة، ثم أجاب الطحاوي عن حديث أبي حميد الذي احتج به الشافعي وغيره
بما ملخصه: أن محمد بن عمرو بن عطاء لم يسمع هذا الحديث من أبي حميد، ولا من
أحد ذكر مع أبي حميد، وبينهما رجل مجهول، ومحمد بن عمرو ذكر في الحديث أنه
حضر أبو قتادة وسنه لا يحتمل ذلك، فإن أبا قتادة قتل قبل ذلك بدهر طويل، لأنه قتل مع
علي، رضي الله تعالى عنه، وصلى عليه علي، وقد رواه عطاف بن خالد عن محمد بن
عمرو، فجعل بينهما رجلاً. ثم أخرجه عن يحيى بن سعيد بن أبي مريم: حدثنا عطاف بن
خالد حدثني محمد بن عمرو بن عطاء ((حدثني رجل أنه: وجد عشرة من أصحاب رسول

١٥١
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٤٥)
الله عَّ جلوساً .. )) فذكر نحو حديث أبي عاصم سواء، فإن ذكروا تضعيف عطاف قيل لهم:
وأنتم تضعفون عبد الحميد بن جعفر أكثر من تضعيفكم لعطاف، مع أنكم لا تطرحون
حديث عطاف كله، إنما تصححون قديمه وتتركون حديثه، هكذا ذكره ابن معين في كتابه،
وابن أبي مريم سماعه من عطاف قديم جداً، وليس أحد يجعل هذا الحديث سماعاً لمحمد
ابن عمرو من أبي حميد إلاّ عبد الحميد، وهو عندكم أضعف، وقد اعترض بعضهم بأنه لا
يضر الثقة المصرح بسماعه أن يدخل بينه وبين شيخه واسطة، إما لزيادة في الحديث وإما
لتثبيت فيه، وقد صرح محمد بن عمرو بسماعه، وأن أبا قتادة اختلف في وقت موته، فقيل:
مات سنة أربع وخمسين، وعلى هذا فلقاء محمد له ممكن. انتهى.
قلت: هذا القائل أخذ كلامه هذا من كلام البيهقي، فإنه ذكره في (كتاب المعرفة)
والجواب عن هذا: أن إدخال الواسطة إنما يصح إذا وجد السماع، وقد نفى الشعبي سماعه،
وهو إمام في هذا الفن، فنفيه نفي وإثباته إثبات، ومبنى نفيه من جهة تاريخ وفاته أنه قال: قتل
مع علي، رضي الله تعالى عنه، كما ذكرناه، وكذا قال الهيثم بن عدي، وقال ابن عبد البر:
هو الصحيح.
وفيه : رفع اليدين إلى المنكبين، وإليه ذهب الشافعي وأحمد، وقد قلنا إنه كان للعذر.
وفيه : أن سنة الهيئة في الركوع، أن لا يرفع رأسه إلى فوق ولا ينكسه، ومن هذا قال
صاحب (الهداية): ويبسط ظهره، لأن النبي عَ لّه كان إذا ركع بسط ظهره، ولا يرفع رأسه
ولا ينكسه، لأن النبي عَ لّم كان إذا ركع لا يصوب رأسه ولا يقنعه.
وفيه : أن السنة أن يجافي بطنه عن فخذيه ويديه عن جنبيه.
وفيه : بيان هيئة الجلوس، وقد بيناها مع الخلاف فيها مستوفىّ. وفيه : بيان توجيه
أصابع رجليه نحو القبلة.
وفيه : جواز وصف الرجل نفسه بكونه أعلم من غيره أذا أمن الإعجاب وأراد بيان
ذلك عند غيره ممن سمعه، لما في التعليم والأخذ عن الأعلم.
وفيه : أنه كان يخفى على الكثير من الصحابة بعض الأحكام المتلقاة عن النبي،
عالية، وربما يذكره بعضهم إذا ذكر.
وسَمِعَ اللَّيْثُ يَزِيدَ بنَ أَبِي حَبيبٍ ويَزِيدَ بنَ مُحَمَّدِ بنِ عَمْرِو بِنِ حَلْحَلَةَ وابنُ
حَلْحَلَةَ من ابنِ عطَاءٍ
أشار بهذا إلى أن الليث بن سعد المذكور في سند الحديث المذكور الذي روي
بالعنعنة عن يزيد بن أبي حبيب، ويزيد بن محمد، وقد سمع منهما وأن عنعنته سماع. قال
الكرماني: وسمع الليث، أي: قال يحيى بن بكير شيخ البخاري: سمع الليثث .. إلى آخره،
ورد عليه بعضهم بقوله: وهو كلام المصنف ووهم من جزم بأنه كلام يحيى بن بكير. قلت:
الكرماني لم يجزم بهذا قطعاً. وإنما كلامه يقتضي الاحتمال وفي قوله أيضاً: وهو كلام

١٥٢
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٤٦)
المصنف، احتمال لا يخفى. قوله: ((وابن حلحلة من ابن عطاء» أي: سمع محمد بن عمرو
ابن حلحلة عن محمد بن عمرو بن عطاء.
وقالَ أَبُو صالِحٍ عنِ اللَّيْثِ كُلُّ قَفَارٍ
أبو صالح هذا هو عبد الله بن صالح كاتب الليث بن سعد، وقد وهم الكرماني فيه
حيث قال: أبو صالح هو عبد الغفار البكري، تقدم في كتاب الوحي، وأشار بهذا إلى أن أبا
صالح قال في روايته عن الليث بإسناده الثاني عن اليزيدين المذكورين: كل قفار، بدون
الإضافة إلى الضمير، وبتقديم القاف على الفاء كما في رواية الأصيلي، وقد وصل هذا التعليق
الطبراني عن مطلب بن شعيب وابن عبد البر من طريق القاسم بن أصبغ، كلاهما عن أبي
صالح المذكور.
وقال ابنُ المبارَكِ عنْ يَخْتَى بنِ أيُّوبَ. قال حدَّثني يَزِيدُ بنُ أبي حَبِيبٍ أَنَّ محَمَّدَ
بنَ عَمْرٍو حدَّثَّهُ كُلُّ فَقَارٍ
أي: قال عبد الله بن المبارك .. إلى آخره، ووصل هذا التعليق الجوزقي في (جمعه)
وإبراهيم الحربي في (غريبه) وجعفر الفريابي في (صفة الصلاة) كلهم من طريق ابن المبارك
بهذا الإسناد، ووقع عندهم بلفظ: ((حتى يعود كل فقار منه))، بتقديم الفاء على القاف، وهي
نحو رواية يحيى بن بكير شيخ البخاري بتقديم الفاء، ووقع في رواية الكشميهني وحده: ((كل
فقاره)، وقد بينا وجه الاختلاف فيه في شرح حديث الباب. وقال الكرماني: يعني وافق أبو
صالح يحيى عن الليث في رواية: ((كل فقار)) بدون الضمير، وقال عبد الله بن المبارك، رضي
الله تعالى عنه: ((كل فقاره))، بالإضافة إلى الضمير، أو بتاء التأنيث على اختلاف، والأصوب
الأوجه ما ذكرناه.
١٤٦ _ بابُ مَن لَمْ يَرَ التَّشَهُّدَ الأُولَ وَاجِباً لأن النَّبيَّ عَّ ◌َلَّلِ قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَلَمْ
يَرْجغ
أي: هذا باب في بيان حكم من لم ير التشهد الأول في الجلسة الأولى من الثلاثية
أو الرباعية، والمراد من التشهد تشهد الصلاة، وهو التحيات، سمي تشهداً لأن فيه شهادة أن
لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وهو تفعل من الشهادة. فإن قلت: في التحيات أشياء
غير التشهد، فما وجه التخصيص بلفظ التشهد؟ قلت: لشرفه على غيره من حيث إنه كلام
به يصير الشخص مؤمناً ويرتفع عنه السيف، وينتظم في سلك الموحدين الذي به النجاة في
الدنيا والآخرة، والبخاري ممن يرى عدم وجود التشهد الأول. وفي (التوضيح): أجمع فقهاء
الأمصار، أبو حنيفة ومالك والثوري والشافعي وإسحاق والليث وأبو ثور: على أن التشهد
الأول غير واجب، حاشا أحمد، فإنه أوجبه. كذا نقله ابن القصار، ونقله ابن التين أيضاً عن
الليث وأبي ثور. وفي (شرح الهداية): قراءة التشهد في القعدة الأولى واجبة عند أبي حنيفة،
وهو المختار والصحيح، وقيل: سنة وهو الأقيس، لكنه خلاف ظاهر الرواية، وفي (المغني):

١٥٣
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٤٦)
إن كانت الصلاة مغرباً أو رباعية فهما واجبان فيهما على إحدى الروايتين، وهو مذهب الليث
وإسحاق لأنه عَّ لِّ فعله وداوم عليه وأمر به في حديث ابن عباس بقوله: ((قولوا التحيات لله))
وجبره بالسجود حين نسيه، وقال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) وفي مسلم: عن عائشة،
رضي الله تعالى عنها: ((وكان يقول في كل ركعتين: التحية)) وللنسائي من حديث ابن مسعود
مرفوعاً: ((إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا: التحيات .. )) الحديث، وحديث المسيء وحديث
رفاعة الذي مضى، وروي عن عمر، رضي الله تعالى عنه، أنه كان يقول: من لم يتشهد فلا
صلاة له. وحجة الجمهور هو قوله: لأن النبي عَّهِ قام من الركعتين، يعني قام إلى الثالثة
وترك التشهد ولم يرجع إلى التشهد، ولو كان واجباً لوجب عليه التدارك حين علم تركه ما
أتى به، بل جبره بسجود السهو. وقال التيمي: سجوده ناب عن التشهد والجلوس، ولو كانا
واجبين لم ينب منابهما سجود السهو، كما لا ينوب عن الركوع وسائر الأركان، واحتج
الطبري لوجوبه: بأن الصلاة فرضت أولاً ركعتين، وكان التشهد فيها واجباً، فلما زيدت لم
تكن الزيادة مزيلة لذلك. وأجيب بأن الزيادة لم تتعين في الأخريين بل يحتمل، أن تكونا هما
الفرض الأول والمزيد هما الركعتان الأوليان بتشهدهما، ويؤيده استمرار السلام بعد التشهد
الأخير كما كان، وفيه نظر يخفى.
٨٢٩/٢١٥ - حدَّثْنَا أَبُو اليَمَانِ قال أخبَرَنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال حدَّثني عَبْدُ الرَّحْمنِ
بِنْ هُزْمُزَ مَوْلَى بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبٍ وقالَ مَرَّةً مَوْلَى بَنِي رَبِيعَةَ بنِ الحَارِثِ أنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ
مالِكِ ابنِ بُحَيْنَةَ وَهْوَ مِنْ أَزْدِ شِئُوءَةً وَهْوَ جَلِيفٌ لِبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وكانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيَّ
عَّهِ صِلَّى بِهِمُ الظهْرَ فقامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ الأولَيَيْنِ لَمْ يَجْلِسْ فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا قَضَى
الصَّلاَةَ وانْتَظَرَ الناسُ تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ وَهْوَ جالِسٌ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ سَلَّمَ.
[الحديث ٨٢٩ - أطرافه في: ٨٣٠، ١٢٢٤، ١٢٢٥، ١٢٣٠، ٦٦٧٠].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وهي أنه عَ لّ لما ترك التشهد الأول من صلاة الظهر الذي
صلى بهم، لم يرجع إليه، فلو كان التشهد الأول واجباً لرجع إليه كما ذكرنا.
ذكر رجاله: وهم خمسة ذكروا: أبو اليمان الحكم بن نافع، وشعيب ابن أبي حمزة
واسم أبي حمزة: دينار، والزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وعبد الرحمن بن
هرمز، بالهاء والميم المضمومتين بينهما راء ساكنة: هو الأعرج، وعبد الله بن مالك ابن
بحينة، بضم الموحدة وفتح الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح النون: وهو اسم
أم عبد الله.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع، وبصيغة الإفراد في
موضع. وفيه : الإخبار بصيغة الجمع في موضع. وفيه : العنعنة في موضع واحد. وفيه : أن
الأولين من الرواة حمصيان والإثنان بعدهما مدنيان. وفيه : ذكر عبد الله بن مالك باسم أبيه
وبنسبته إلى أمه. وفيه : القول في أربعة مواضع. وفيه : شهادة الراوي التابعي أن عبد الله بن

١٥٤
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٤٦)
مالك من الصحابة. وفيه : ذكر الزهري عبد الرحمن بن هرمز أولاً بمولى بني عبد المطلب،
وثانياً بمولى بني ربيعة بن الحارث، ولا منافاة بينهما، لأنه ذكر أولاً بجد مواليه الأعلى،
وثانياً بمولاه الحقيقي، وهو ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وفيه : ذكر عبد الله بن
مالك منسوباً إلى قبيلته وهو أزد شنوءة، وهي قبيلة مشهورة، وأزد، بفتح الهمزة وسكون الزاي
بعدها الدال المهملة، وشنوءة، بفتح الشين المعجمة وضم النون وفتح الهمزة على وزن:
فعولة. وفيه : أنه حليف لبني عبد مناف، وهو صحيح، لأن جده حالف عبد المطلب بن
عبد مناف.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الصلاة عن عبد الله
ابن يوسف وعن قتيبة وفي السهو عن قتيبة وفي النذور عن آدم. وأخرجه مسلم فيه عن يحيى
ابن يحيى وعن قتيبة ومحمد بن رمح وعن أبي الربيع الزهراني، وأخرجه أبو داود فيه عن
القعنبي وعن عمرو بن عثمان. وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة. وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة
وعن أبي الطاهر وعن يحيى بن حبيب وعن سويد بن نصر وعن أبي داود الحراني وعن
إسماعيل بن مسعود وعن سليمان بن مسلم وعن محمود بن غيلان. وأخرجه ابن ماجه فيه
عن عثمان بن أبي شيبة وعبد الله بن نمير.
ذكر معناه: قوله: ((لم يجلس)) جملة حالية أي: لم يجلس للتشهد، ووقع في رواية
مسلم: ((فلم يجلس)) بالفاء، ووقع في رواية ابن عساكر: ((ولم يجلس)) بزيادة: واو. قوله:
((حتى إذا قضى الصلاة)) أي: أداها وتممها، والقضاء يأتي بمعنى الأداء كما في قوله تعالى:
﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض﴾ [الجمعة: ١٠]. أي: فإذا أديت. قوله: ((وهو
جالس)) جملة حالية. قوله: ((سجدتين)) أي: سجدتي السهو ..
ذكر ما يستفاد منه: فيه: أن التشهد الأول غير واجب لقوله: ((لم يجلس))، وقد
ذكرنا الخلاف فيه مستقصى. وفيه : أن الإمام إذا سها واستمر به السهو حتى يستوي قائماً
في موضع قعوده للتشهد الأول تبعه القوم، قال الخطابي: فيه أن موضع سجدتي السهو قبل
السلام، ومن فرق بأن السهو إذا كان من نقصان سجد قبل السلام، وإذا كان من زيادة سجد
بعد السلام، لم يرجع فيما ذهب إليه إلى فرق صحيح. قلت: قوله: موضع سجدتي السهو
قبل السلام، هو مذهب الشافعي وأحمد في رواية، وهو مذهب الزهري ومكحول وربيعة
ويحيى بن سعيد الأنصاري والأوزاعي والليث بن سعد، وقال ابن قدامة في (المغني):
السجود كله عند أحمد قبل السلام إلاّ في الموضعين اللذين ورد النص بسجودهما بعد
السلام، وهما: إذا سلم من نقص في صلاته، أو تحرى الإمام فبنى على غالب ظنه، وما
عداهما يسجد له قبل السلام، نص على هذا في رواية الأثرم. والجماعة المذكورون احتجوا
بحديث الباب، وقول الخطابي: ومن فرق بأن السهو ... إلى آخره، أشار به إلى مذهب مالك،
فإنه فصل، وقال: إن سجود السهو للنقصان قبل السلام وللزيادة بعد السلام، وإليه ذهب أبو
ثور أيضاً ونفر من الحجازيين. وأجاب الكرماني عن قول الخطابي: لم يرجع فيما ذهب إليه

١٥٥
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٤٧)
إلى فرق صحيح، بأن الفرق صحيح، لأنه قال: السجود في النقصان لجبر ما فات له من
الصلاة، فناسب أن يتداركه في نفس الصلاة، وفي الزيادة لترغيم الشيطان، فناسب خارج
الصلاة.
قلت: هذا دليل عقلي، فلِمَ لَمْ يقل في رده على الخطابي: إن مالكاً عمل في
النقصان بحديث ابن بحينة، وهو حديث الباب، وبحديث معاوية أخرجه النسائي: ((أنه صلى
إمامهم فقام في الصلاة وعليه جلوس فسبح الناس فتم على قيامه ثم سجد سجدتين وهو
جالس بعد أن أتم الصلاة، ثم قعد على المنبر فقال: إني سمعت رسول الله عَ لّه يقول من
نسي شيئاً من صلاته فليسجد مثل هاتين السجدتين)). ورواه الطحاوي بأصرح منه، ولفظه:
((أن معاوية صلى بهم فقام وعليه جلوس فلم يجلس، فلما كان في آخر السجدة من صلاته
سجد سجدتين قبل أن يسلم، فقال: هكذا رأيت رسول الله عَ لِّ يصنع)). وعمل في النقصان
بحديث ذي اليدين وغيره، وقال الخطابي: وحديث ذي اليدين محمول على أن تأخيره عَ لَّه
بعد السلام كان عن سهو، وذلك أن الصلاة قد توالى فيها السهو والنسيان مرات في أمور
شتى، فلم ينكر أن يكون هذا منها. انتهى.
قلت: أشار به إلى الجواب عن حديث ذي اليدين الذي احتج به أصحابنا، على أن
سجدتي السهو بعد السلام، وهذا غير سديد لأنه لا ضرورة إلى حمل تأخيره على السهو.
وقال النووي: لأن جميع العلماء قائلون بجواز التقديم والتأخير، ونزاعهم في الأفضل، فتأخيره
محمول على بيان الجواز. قلت: في قوله: ونزاعهم في الأفضل، فيه نظر، لأن القدوري
قال: لو سجد للسهو قبل السلام، روي عن أصحابنا أنه: لا يجوز أنه أداه قبل وقته، ولكن قال
صاحب (الهداية): هذا الخلاف في الأولوية، وكذا قاله الماوردي في (الحاوي) وابن عبد
البر وغيرهم، وأصحابنا احتجوا فيما ذهبوا إليه بحديث المغيرة بن شعبة قال: ((صلى بنا
رسول الله عَّم فسها، فنهض في الركعتين فسبحنا به، فمضى، فلما أتم الصلاة وسلم سجد
سجدتي السهو)). أخرجه الطحاوي والترمذي. وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه أبو
داود أيضاً واحتجوا أيضاً بأحاديث رويت عن جماعة من الصحابة فيها سجود السهو بعد
السلام، وقد بينا ذلك في (شرحنا لمعاني الآثار) للحافظ أبي جعفر الطحاوي، ومثل مذهبنا
مروي عن جماعة من الصحابة وجماعة من التابعين، أما الصحابة فهم: علي بن أبي طالب
وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعمار بن ياسر وعبد الله بن
الزبير وأنس بن مالك، رضي الله تعالى عنهم، وأما التابعون: فإبراهيم النخعي وابن أبي ليلى
والحسن البصري، وهو مذهب سفيان الثوري أيضاً.
١٤٧ - بابُ التَشَهُّدِ فِي الأُولى
أي: هذا باب في بيان التشهد في الجلسة الأولى من الثلاثية أو الرباعية. قال
الكرماني: فإن قلت: ما الفرق بين ترجمة هذا الباب وترجمة الباب السابق؟ قلت: ويمكن أن

١٥٦
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٤٨)
يقال: الفرق بين الترجمتين أن الأولى في عدم وجوب التشهد، والثانية في وجوبه، لأن في
حديث الباب: قام وعليه جلوس، والجلوس إنما هو للتشهد، فأخذت طائفة بالأولى وطائفة
بالثانية، کما بيناه عن قريب
٨٣٠/٢١٦ - حدَّثنا قُتَيبَةُ بنُ سَعِيدٍ قال حدَّثنا بكْرٌ عنْ جَعْفَرِ بنِ أبي رَبِيعَةَ عنِ الأَغْرَجِ
عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مالِكِ ابنِ بُحَيْنَةَ قالَ صلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ عَ لَّمِ الظَهْرَ فَقَامَ وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ فَلَمَّا
كانَ في آخِرِ صَلاَتِهِ سجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهْوَ جَالِسٌ. [انظر الحديث ٨٢٩ وأطرافه].
وجه الترجمة عرف الآن: وهو طريق آخر في حديث ابن بحينة، وبكر: هو ابن مضر،
والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز المذكور في سند حديث الباب الذي قبله، وعبد الله بن
مالك ابن بحينة، وهو المذكور في السند السابق منتسباً إلى أمه، وههنا ذكر منتسباً إلى أبيه،
وينبغي أن تكتب الألف في ابن بحينة إذا ذكر مالك، ويعرب إعراب عبد الله، وإذا لم يذكر
مالك لا تكتب. قوله: ((وعليه جلوس)) أي: جلسة التشهد الأول.
١٤٨ _ بابُ التَّشَهْدِ فِي الآخِرَةِ
أي: هذا باب في بيان التشهد في الجلسة الأخيرة.
٨٣١/٢١٧ - حدّثنا أبُو نُعَيْم قال حدَّثنا الأعمَشُ عنْ شَقِيقِ بن سَلَمَةَ قال قال عَبْدُ الله
كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النبيِّ عَ لّ قُلْنَا السَّلاَمُ عَلَى جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ السَّلاَمُ عَلى قُلاَنٍ وَفُلاَنٍ
فالْتَفَتَ إلَيْنَا رسولُ اللهِ عَّهِ فقالَ إِنَّ اللّه هُوَ السَّلاَمُ فَإِذَا صَلَّى أحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ التَّحِيَّاتُ للهِ
والصَّلَوَاتُ والطَّيِّبَاتُ السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النبيُّ ورَحْمَةُ اللهِ وبِرَكَاتُهُ السَّلاَمُ عَلَيْنَا وعلَى
عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ فإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا أَصَابَتْ كُلُّ عَبْدٍ للهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ والأَرْضِ أَشْهَدُ
أَنْ لا إِلَهَ إلاّ الله وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسُولُهُ. [الحديث ٨٣١ - أطرافه في: ٨٣٥،
١٢٠٢، ٦٢٣٠، ٦٢٦٥، ٦٣٢٨، ٧٣٨١].
مطابقته للترجمة لا تتأتى إلاّ باعتبار تمام هذا الحديث، فإنه أخرج تمامه في: باب ما
يتخير من الدعاء بعد التشهد، وهو قوله عَّ له في آخر الحديث: ((ثم ليتخير من الدعاء أعجبه
إليه فيدعو)). ومعلوم أن محل الدعاء في آخر الصلاة، ومعلوم أن الدعاء لا يكون إلاّ بعد
التشهد، ويعلم من ذلك أن المراد من قوله: ((فليقل التحيات لله .. )) إلى آخره هو التشهد في
آخر الصلاة، فحينئذ طابق الحديث الترجمة بهذا الاعتبار، لا باعتبار ما قاله ابن رشيد، فإنه
قال: ليس في حديث الباب تعيين حل القول، لكن يؤخذ ذلك من قوله: ((فإذا صلى أحدكم
فليقل))، فإن ظاهر قوله: ((إذا صلى)) أي: أتم صلاته، لكن تعذر الحمل على الحقيقة لأن
التشهد لا يكون إلاّ بعد السلام، فلما تعين المجاز كان حمله على آخر جزء من الصلاة
أولى، لأنه هو الأقرب إلى الحقيقة. انتهى. قلت: لا نسلم تعذر الحمل على الحقيقة، فإن
حقيقة تمام الصلاة بالجلوس في آخرها لا بالسلام، حتى إذا خرج بعد جلوسه مقدار التشهد
من غير السلام لا تفسد صلاته، لأن السلام محلل، وما دام المصلي في الجلوس في آخر

١٥٧
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٤٨)
الصلاة فهو في حرمة الصلاة، والسلام يخرجه عن هذه الحرمة، فحينئذ يكون معنى قوله
عَّاللّ: ((فإذا صلى أحدكم)) أي: فإذا أتم صلاته بالجلوس في آخر الثنائية. أو في آخر الثلاثية
أو في آخر الرباعية. فليقل: التحيات لله .. إلى آخره، فدل على أن التشهد في آخر الصلاة
واجب لقوله: ((فليقل))، لأن مقتضى الأمر الوجوب.
ذكر رجاله: وهم أربعة قد ذكروا غير مرة، وأبو نعيم هو الفضل بن دكين والأعمش
هو سليمان وعبد الله هو ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه : العنعنة في
موضع. وفيه : القول في ثلاثة مواضع. وفيه : عن شقيق وفي رواية يحيى التي تأتي بعد باب
عن الأعمش: حدثني شقيق، ورجال الإسناد كلهم كوفيون.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الصلاة عن قبيصة عن
سفيان وعن مسدد عن يحيى وعن عمرو بن حفص بن غياث عن أبيه. وأخرجه مسلم فيه
عن يحيى بن يحيى عن أبي معاوية. وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد عن يحيى. وأخرجه
الترمذي عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي. وأخرجه النسائي فيه عن يعقوب بن إبراهيم وعمرو
ابن علي وعن سعيد بن عبد الرحمن وعن بشر بن خالد، وفيه وفي النعوت عن قتيبة وفي
التفسير عن قتيبة أيضاً. وأخرجه ابن ماجه في الصلاة عن أبي بكر بن خلاد وعن محمد بن
عبد الله بن نمير وعن محمد بن يحيى الزهري.
ذكر معناه: قوله: ((كنا إذا صلينا)) وفي رواية يحيى الآتية: ((كنا إذا كنا مع النبي عَّه
في الصلاة))، وفي رواية أبي داود عن مسدد، شيخ البخاري، عن الأعمش عن شقيق عن عبد
الله قال: ((كنا إذا جلسنا مع رسول الله عَ له في الصلاة .. )) الحديث، ومثله للإسماعيلي من
رواية محمد بن خلال عن يحيى. قوله: ((قلنا: السلام على جبريل))، وفي رواية أبي داود:
((قلنا: السلام على الله قبل عباده))، وكذا وقع للبخاري في الاستئذان من طريق حفص بن
غياث عن الأعمش، وفي جبريل سبع لغات. الأولى: على وزن تغشليل. الثانية: جبرئل،
بحذف الياء. الثالثة: جبريل بحذف الهمزة. الرابعة: بوزن قنديل. الخامس: جبرءل بلام
مشددة. السادسة: جبرائيل، بوزن جبراعيل. السابعة: جبرائل، بوزن جبراعل. ومعناه: عبد
الله، ومنع الصرف فيه للتعريف والعجمة. وفي ميكائيل خمس لغات: الأولى: ميكال بوزن
قنطار. الثانية: ميكائيل بوزن ميكاعيل. الثالثة: ميكائل بوزن ميكاعل. الرابعة: ميكئل بوزن
ميكعل. الخامسة: ميكثيل بوزن ميكعيل. قال ابن جني: العرب إذا نطقت بالأعجمي خلطت
فيه. قوله: ((السلام على فلان وفلان)) وفي رواية ابن ماجه عن عبد الله بن نمير عن الأعمش:
((يعنون الملائكة))، وفي رواية الإسماعيلي عن علي بن مسهر: ((فتعد الملائكة))، وفي رواية
السراج عن محمد بن فضيل عن الأعمش: ((فنعد من الملائكة ما شاء الله). قوله: ((فالتفت
إلينا رسول الله عَّله))، ظاهره أنه كلمهم بذلك في أثناء الصلاة، وكذا وقع في رواية حصين
عن أبي وائل وهو شقيق عند البخاري في أواخر الصلاة، بلفظ: ((فسمعه النبي عَّهِ فقال:
:

١٥٨
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٤٨)
قولوا)). ولكن بين حفص بن غياث في روايته المخل الذي خاطبهم بذلك فيه، وأنه بعد
الفراغ من الصلاة، ولفظه: ((فلما انصرف النبي عَّ أقبل علينا بوجهه .. )) وفي رواية عيسى
ابن يونس أيضاً: ((فلما انصرف من الصلاة قال)). قوله: ((إن الله هو السلام)) قال الكرماني:
فإن قلت: هذا إنما يصح رداً عليهم لو قال: السلام على الله؟ قلت: هذا الحديث مختصر
مما سيأتي في: باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد، وقال فيه: ((قلنا: السلام على الله،
فقال: لا تقولوا السلام على الله، فإن الله هو السلام)). وحاصله أن النبي عَ ل أنكر التسليم
على الله وعلمهم أن ما يقولونه عكس ما يجب أن يقال، فإن كل سلامة ورحمة له ومنه وهو
مالكها ومعطيها. وقال الخطابي: المراد أن الله هو ذو السلام، فلا تقولوا: السلام على الله،
فإن السلام منه بدىء وإليه يعود، ومرجع الأمر في إضافة السلام إليه أنه ذو السلام من كل
نقص وآفة وعيب، ويحتمل أن يكون مرجعها إلى حظ العبد فيما يطلبه من السلامة عن
الآفات والمهالك: وقال النووي: معناه أن السلام اسم من أسماء الله تعالى، يعني: السالم من
النقائص. وقيل: المسلم أولياءه، وقيل: المسلم عليهم، وقال ابن الأنباري: أمرهم أن يصرفوه
إلى الخلق لحاجتهم إلى السلامة وغناه سبحانه وتعالى عنها. قوله: ((فإذا صلى أحدكم
فليقل)) بين حفص بن غياث في روايته محل القول، ولفظه: ((فإذا جلس أحدكم في الصلاة))،
وفي رواية حصين عن أبي وائل: (إذا قعد أحدكم في الصلاة)). وفي رواية النسائي من طريق
أبي الأحوص عن عبد الله: ((كنا لا ندري ما نقول في كل ركعتين، وأن محمداً علم فواتح
الخير وخواتمه، فقال: إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا .. )) وللنسائي من طريق الأسود: عن
عبد الله: ((فقولوا في كل جلسة))، وفي رواية ابن خزيمة من وجه آخر عن الأسود عن عبد الله:
((علمني رسول الله عَّ في وسط الصلاة وفي آخرها))، وزاد الطحاوي من هذا الوجه في
أوله: ((أخذت التشهد من في رسول الله عٍَّ ولقننيه كلمة كلمة)). وفي رواية أخرى
للبخاري في الاستئذان، من طريق أبي معمر عن ابن مسعود: ((علمني رسول الله عَّ اللّه التشهد
وكفي بين كفيه، كما يعلمني السورة من القرآن)).
قوله: ((التحيات)) جمع: تحية، ومعناه: السلام. وقيل: البقاء. وقيل: العظمة. وقيل:
السلامة من الآفات والنقص. وقيل: الملك. وقال الخطابي: التحيات كلمات مخصوصة
كانت العرب تحيي بها الملوك نحو قولهم: أبيت اللعن، وقولهم: أنعم الله صباحاً، وقول
العجم: وزي ده هزار، سأل، أي: عش عشرة آلاف سنة. ونحوها من عاداتهم في تحية
الملوك عند الملاقاة، وهذه الألفاظ لا يصلح شيء منها للثناء على الله تعالى، فتركت أعيان
تلك الألفاظ واستعمل منها معنى التعظيم، فقيل: قولوا التحيات لله، أي: أنواع التعظيم الله
كما يستحقه، وروي عن أنس، رضي الله تعالى عنه، في أسماء الله تعالى: السلام المؤمن
المهيمن العزيز الجبار الأحد الصمد، قال: التحيات لله بهذه الأسماء وهي الطيبات لا يحيى
بها غيره، واللام في: لله، لام الملك والتخصيص، وهي للأول أبلغ والثاني أحسن. قوله:
((والصلوات)) هي: الصلوات المعروفة، وهي الخمسة وغيرها. وقال الأزهري: الصلوات

١٥٩
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٤٨)
العبادات، وقال الشيخ تقي الدين: يحتمل أن يراد بها الصلوات المعهودة، ويكون التقدير أنها
واجبة لله تعالى، ولا يجوز أن يقصد بها غيره أو يكون ذلك إخباراً عن قصد إخلاصنا
الصلوات له. أي: صلواتنا مخلصة له لا لغيره. ويجوز أن يراد بالصلوات الرحمة، ويكون
معنى قوله: (الله)) أي: المتفضل بها والمعطي هو الله، لأن الرحمة التامة الله لا لغيره.
قوله: ((والطيبات)) أي: الكلمات الطيبات مما طاب من الكلام وحسن أن يثنى به على
الله تعالى دون ما لا يليق بصفاته، وقال الشيخ تقي الدين: وأما الطيبات فقد فسرت بالأقوال
الطيبات، ولعل تفسيرها بما هو أعم أولى، أعني: الطيبات من الأفعال والأقوال والأوصاف،
وطيب الأوصاف كونها صفة الكمال وخلوصها عن شوب النقص. وقال الشيخ حافظ الدين
النسفي، رحمه الله: التحيات العبادات القولية، والصلوات العبادات الفعلية، والطيبات العبادات
المالية. وقال البيضاوي: والصلوات والطيبات، بحرف العطف يحتمل أن يكونا معطوفين على
التحيات، وأن تكون الصلوات مبتدأ وخبره محذوف يدل عليه: عليك، والطيبات معطوفة
عليها، والواو الأولى لعطف الجملة على الجملة، والثانية لعطف المفرد على المفرد. وفي
حديث ابن عباس لم يذكر العاطف أصلاً. انتهى. قلت: كل واحدة من الصلوات والطيبات
مبتدأ وخبره محذوف تقديره: والصلوات الله. والطيبات لله، فتكون هاتان الجملتان معطوفتين
على الجملة الأولى وهي: التحيات لله. قوله: ((السلام عليك أيها النبي)). قال النووي:
يجوز في السلام في الموضعين حذف اللام وإثباتها، والإثبات أفضل.
:
قلت: لم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود بحذف اللام، فإن كان مراده من
الجواز من جهة العربية فله وجه، وإن كان من جهة مراعاة لفظ النبي فلا وجه له نعم،
اختلف في حديث ابن عباس، وهو من أفراد مسلم، وقال الطيبي: أصل سلام عليك، سلمت
سلاماً عليك، ثم حذف الفعل وأقيم المصدر مقامه، وعدل عن النصب إلى الرفع للابتداء
للدلالة على ثبوت المعنى، واستقراره. وقال التوربشتي: السلام بمعنى السلامة كالمقام
والمقامة، والسلام اسم من أسماء الله تعالى، وضع المصدر موضع الاسم مبالغة، والمعنى أنه:
سلام من كل عيب وآفة ونقص وفساد، ومعنى قولنا: السلام عليك: الدعاء، أي: سلمت من
المكاره. وقيل: معناه اسم السلام عليك، كأنه يتبرك عليه باسم الله عز وجل.
فإن قلت: ما الحكمة في العدول عن الغيبة إلى الخطاب في قوله: ((عليك أيها
النبي))، مع أن لفظ الغيبة هو الذي يقتضيه السياق، كأن يقول: السلام على النبي، فينتقل من
تحية الله إلى تحية النفس ثم إلى تحية الصالحين؟ قلت: أجاب الطيبي: بما محصله: نحن
تتبع لفظ الرسول بعينه الذي علمه للصحابة، ويحتمل أن يقال على طريقة أهل العرفان: إن
المصلين لما استفتحوا باب الملكوت بالتحيات أذن لهم بالدخول في حريم الحي الذي لا
يموت، فقرت أعينهم بالمناجاة فنبهوا على أن ذلك بواسطة نبي الرحمة وبركة متابعته، فإذا
التفتوا فإذا الحبيب في حرم الحبيب حاضر فأقبلوا عليه قائلين: السلام عليك أيها النبي
ورحمة الله وبركاته. فإن قلت: ما الألف واللام في: السلام عليك؟ قلت: قال الطيبي: إما

١٦٠
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٤٨)
للعهد التقديري أي: ذلك السلام الذي وجه إلى الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، المتقدمة
موجه إليك أيها النبي، والسلام الذي وجه إلى الأمم السالفة من الصلحاء علينا وعلى
إخواننا. وإما للجنس أي: حقيقة السلام الذي يعرفه كل أحد أنه ما هو، وعمن يصدر، وعلى
من ينزل عليك وعلينا. وإما للعهد الخارجي إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وسلام على عباده الذين
اصطفى﴾ [النمل: ٥٩]. وقال الشيخ حافظ الدين النسفي: يعني السلام الذي سلم الله
عليك ليلة المعراج. قلت: فعلى هذا تكون الألف واللام فيه للعهد. فإن قلت: الحكمة في
ذلك أن يجمع له الوصفين لكونه وصفه بالرسالة في آخر التشهد، وإن كان الرسول البشري
يستلزمَ النبوة، لكن التصريح بها أبلغ. وقيل: الحكمة في تقديم الوصف بالنبوة أنها كذلك
وجدت في الخارج لنزول قوله تعالى: ﴿إقرأ باسم ربك﴾ [العلق: ١]. قبل قوله: ﴿يا أيها
المدثر قم فأنذر﴾ [المدثر: ١ و٢].
قوله: ((ورحمة الله)) الرحمة عبارة عن إنعامه عليه، وهو المعنى الغائي، لأن معناه
اللغوي: الحنو والعطف، فلا يجوز أن يوصف الله به. قوله: ((وبركاته)) جمع: بركة، وهو
الخير الكثير من كل شيء، واشتقاقه من البرك، وهو صدر البعير، وبرك البعير ألقى بركه،
واعتبر منه معنى اللزوم، وسمي محبس الماء: بركة، للزوم الماء فيها. وقال الطيبي: البركة
ثبوت الخير الإلهي في الشيء، سمي بذلك لثبوت الخير فيه ثبوت الماء في البركة، والمبارك
ما فيه ذلك الخير، وقال تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك﴾ [الأنبياء: ٥٠]. تنبيهاً على ما تفيض
منه الخيرات الإلهية، ولما كان الخير الإلهي يصدر من حيث لا يحس، وعلى وجه لا
يحصى، قيل لكل ما يشاهد فيه زيادة غير محسوسة: هو مبارك، أو فيه بركة. قوله: ((وعلى
عباد الله الصالحين))، الصالح هو القائم بما عليه من حقوق الله تعالى. وحقوق العباد،
والصلاح هو استقامة الشيء على حالة كماله، كما إن الفساد ضده، ولا يحصل الصلاح
الحقيقي إلاّ في الآخرة، لأن الأحوال العاجلة، وإن وصفت بالصلاح في بعض الأوقات، لكن
لا تخلو من شائبة فساد وخلل، ولا يصفو ذلك إلاّ في الآخرة خصوصاً لزمرة الأنبياء، لأن
الاستقامة التامة لا تكون، إلاّ لمن فاز بالقدح المعلى، ونال المقام الأسنى، ومن ثم كانت
هذه المرتبة مطلوبة للأنبياء والمرسلين. قال الله تعالى في حق الخليل: ﴿وإنه في الآخرة
لمن الصالحين﴾ [البقرة: ١٣٠]. وحكى عن يوسف، عليه الصلاة والسلام، أنه دعاه بقوله:
﴿توفني مسلماً وألحقني بالصالحين﴾ [يوسف: ١٠١].
قوله: ((فإنكم إذا قلتموها)) إلى قوله: ((والأرض)) جملة معترضة بين قوله: ((وعلى
عباد الله الصالحين)) وبين قوله: ((أشهد أن لا إله إلّ الله)) والضمير المنصوب في ((قلتموها))
يرجع إلى قوله: ((وعلى عباد الله الصالحين))، وفائدة هذه الجملة المعترضة الاهتمام بها
لكونه أنكر عليهم عد الملائكة واحداً واحداً، ولا يمكن استيعابهم لهم مع ذلك، فعلمهم
لفظاً يشمل الجميع مع غير الملائكة من النبيين والمرسلين والصديقين وغيرهم بغير مشقة،
وهذا من جوامع الكلم التي أوتيها الني عَّهِ، وقد وردت هذه الجملة في بعض الطرق في