النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٢٩)
هذا اللفظ لأن الأول: ظهور غير واضح لبقاء بعض الحجب مثلاً، والثاني: ظهور واضح في
الغاية، أبهم أولاً ثم فسره ثانياً بزيادة بيان قولهم، وذكر المكان ودعوتهم إلى دار السلام.
وقال الكرماني: أو يراد من الأول إتيان الملك ففيه إضمار. وقال: فإن قلت: الملك معصوم،
فكيف يقول: أنا ربكم، وهو كذب؟ قلت: قيل: لا نسلم عصمته من مثل هذه الصغيرة،
ولئن سلمنا ذلك فجاز لامتحان المؤمنين. وقال: فإن قلت: المنافقون لا يرون الله، فما توجيه
الحديث؟ قلت: ليس فيه التصريح برؤيتهم، وإنما فيه أن الأمة تراه، وهذا لا يقتضي أن يراه
جميعها، كما يقال: قتله بنو تميم، والقاتل واحد منهم، ثم لو ثبت التصريح به عموماً فهو
مخصص بالإجماع، وسائر الأدلة، أو خصوصاً فهو معارض بمثلها، وهذا من المتشابهات في
أمثالها. والأمة طائفتان: مفوضة يفوضون الأمر فيها إلى الله تعالى جازمين بأنه منزه عن
النقائص، ومأولة يأولونها على ما يليق به. قوله: ((فيدعوهم)) أي: فيدعوهم الله تعالى. قوله:
((فيضرب الصراط))، ويروى: ((ويضرب الصراط)) بالواو، وفي بعض النسخ: ((ثم يضرب
الصراط))، والصراط: جسر ممدود على متن جهنم أدق من الشعر وأحدٌ من السيف، عليه
ملائكة يحبسون العباد في سبع مواطن ويسألونهم عن سبع خصال: في الأول عن الإيمان،
وفي الثاني عن الصلاة، وفي الثالث عن الزكاة، وفي الرابع عن شهر رمضان، وفي الخامس
عن الحج والعمرة، وفي السادس عن الوضوء، وفي السابع عن الغسل من الجنابة. قوله: ((بين
ظهراني جهنم))، كذا في رواية العذري، وفي رواية غيره: ((بين ظهري جهنم)). وقال ابن
الجوزي: أي على وسطها، يقال: نزلت بين ظهريهم وظهرانيهم، بفتح النون أي: في وسطهم
متمسكاً بينهم لا في أطرافهم، والألف والنون زيدتا للمبالغة. وقيل: لفظ الظهر مقحم ومعناه:
يمد الصراط عليها.
قوله: ((فأكون أول من يجيز من الرسل بأمته))، بضم الياء وكسر الجيم، ثم زاي
بمعنى: أول من يمضي عليه ويقطعه، يقال: أجزت الوادي وجزته: لغتان بمعنى، وقال الأصمعي:
أجزته قطعته، وجزته مشيت عليه. وقال القرطبي: إذا كان رباعياً معناه: لا يجوز أحد على
الصراط حتى يجوز عَّ له، وأمته، فكأنه يجيز الناس. وفي (المحكم): جاز الموضع جوزاً
وجوزاً وجوازاً ومجازاً، وجاوزه وأجاز جوازاً وأجازه وأجاز غيره، وقيل: جازه سار فيه، وأجازه
خلفه وقطعه، وأجازه: أنفذه. قوله: ((ولا يتكلم يومئذ أحد)) أي: لشدة الأهوال، والمراد: لا
يتكلم في حال الإجازة وإلّ ففي يوم القيامة مواطن يتكلم الناس فيها. وتجادل كل نفس عن
نفسها. قوله: ((سلم سلم))، هذا من الرسل لكمال شفقتهم ورحمتهم للخلق. قوله:
((كلاليب))، جمع كلوب، بفتح الكاف وضم اللام المشددة. وفي (المحكم): الكلاب
والكلوب: السفود، لأنه يعلق الشواء، ويتحلله هذه عن اللحياني، والكلاب والكلوب: حديدة
مقطوفة كالخطاف. وفي (المنتهى) لأبي المعالي: الكلوب: المنشال. والخطاف، وكذلك
الكلاب. قوله: ((مثل شوك السعدان))، قال أبو حنيفة في (كتاب النبات): واحده سعدانة،
وقال أبو زياد في (الأحرار): السعدان ضرب المثل به: مرعى ولا كالسعدان. وهي غبراء اللون

١٢٢
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٢٩)
حلوة يأكلها كل شيء، وليست كبيرة، ولها إذا يبست شوكة مفلطحة كأنها درهم، وهي
شوكة ضعيفة. ومنابت السعدان السهول، وقيل: للسعدان شوك كحسك القطب مفلطح
كالفلكة، وقال المبرد: هو نبت كثير الحسك، وقال الأخفش: لا ساق له. وفي (الجامع)
للقزاز: شوك وحسك عريض. وقال الكرماني: هو نبت له شوك عظيم من كل الجوانب مثل
الحسك، وهو أفضل مراعي الإبل ويقال: مرعى ولا كالسعدان.
قوله: ((لا يعلم قدر عظمها إلاّ الله)) وفي بعض النسخ: ((لا يعلم ما قدر عظمها إلاّ
الله)). وتوجيهه على هذا ما قال القرطبي،. وهو: أن يكون لفظ: قدر، مرفوعاً على أنه مبتدأ،
ولفظ: ما، استفهاماً مقدماً خبره: قال: ويجوز أن تكون: ما، زائدة ويكون: قدر، منصوباً على
أنه مفعول: لا يعلم. قوله: ((تخطف الناس))، قال ثعلب في (الفصيح): خطف بكسر العين
في الماضي، وفتحها في المستقبل وحكى غلامه والقزاز عنه: خطف، بكسر العين في
الماضي وكسرها في المستقبل، وحكاها الجوهري عن الأخفش. وقال: هي قليلة رديئة لا
تكاد تعرف. قال: وقد قرأ بهما يونس في قوله تعالى: ﴿يخطف أبصاركم﴾ [البقرة: ٢٠].
وفي (الواعي): الخطف الأخذ بسرعة على قدر ذنوبهم. قوله: ((من يوبق))، قال ابن قرقول:
بياء موحدة عند العذري، ومعناه: يهلك، وهو على صيغة المجهول من: وبق الرجل إذا هلك،
وأوبقه الله إذا أهلكه، وفي رواية الطبري: بثاء مثلثة من الوثاق، قوله: ((من يخردل)) أي: يقطع،
يقال: خردلت اللحم بالدال والذال: أي قطعته قطعاً صغاراً. وقال ابن قرقول: يخردل، كذا هو
لكافة الرواة، وهو الصواب إلاّ الأصيلي فإنه ذكره بالجيم، ومعناه: الإشراف على السقوط
والهلكة. وفي (المحكم): خردل اللحم قطع أعضاءه وأفراه. وقيل: خردل اللحم وقطعه
وفرقه، والذال فيه لغة، ولحم خراديل، والمخردل المصروع. وفي (الصحاح): خردل اللحم
أي: قطعه صغاراً، وعند أبي عبيد الهروي: المخردل المرمى المصروع، والمعنى أنه تقطعه
كلاليب الصراط حتى يهوي إلى النار. وقال الليث وأبو عبيد: خردلت اللحم إذا فصلت
أعضاءه، وزاد أبو عبيد: وخردلته بالدال والذال: قطعته وفرقته.
قوله: ((مَن أراد)) كلمة: من، موصولة: أي: إذا أراد الله تعالى رحمة الذي أرادهم من
أهل النار وهم المؤمنون الخلص، إذ الكافر لا ينجو أبداً من النار ويبقى خالداً فيها. قوله:
((بآثار السجود))، اختلف في المراد بها، فقيل: هي الأعضاء السبعة، وهذا هو الظاهر، وقال
عياض: المراد الجبهة خاصة، ويؤيد هذا ما في رواية مسلم: أن قوماً يخرجون من النار
يحترقون فيها إلاّ دارات وجوههم. قوله: ((فكل ابن آدم)) أي: فكل أعضاء ابن آدم. قوله: ((إلاّ
أثر السجود)) أي: مواضع أثره. قوله: ((قد امتحشوا))، بتاء مثناة من فوق مفتوحة وحاء مهملة
وشين معجمة، ومعناه: احترقوا ويروى بضم التاء وكسر الحاء، وفي بعض الروايات صاروا
حمماً. وفي (المحكم): المحش: تناول من لهب يحرق الجلد ويبدي العظم. وفي
(الجامع): محشته النار تمحشه محشاً: إذا أحرقته. وحكى: أمحشته. وقال الداودي:
امتحشوا: انقبضوا واسودوا. قوله: ((ماء الحياة)) هو الذي من شربه أو صب عليه لم يمت

١٢٣
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٢٩)
أبداً. قوله: ((كما تنبت الحبة))، بكسر الحاء هو: بزور الصحراء مما ليس بقوت، ووجه الشبه
في سرعة النبات، ويقال: شبه نباته بنبات الحبة لبياضها ولسرعة نباتها لأنها تنبت في يوم
وليلة، لأنها رويت من المياه وترددت في غثاء السيل. قوله: ((في حميل السيل))، بفتح الحاء
المهملة وكسر الميم، وهو ما جاء به السيل من طين ونحوه.
قوله: ((ثم يفرغ الله من القضاء))، إسناد الفراغ إلى الله ليس على سبيل الحقيقة، إذ
الفراغ هو الخلاص عن المهام، والله تعالى لا يشغله شأن عن شأن، والمراد منه إتمام الحكم
بين العباد بالثواب والعقاب. وقال القرطبي: معناه كمل خروج الموحدين من النار. قوله:
((دخولاً)) نصب على التمييز، ويجوز أن يكون حالاً، على أن يكون: دخولاً، بمعنى: داخلاً.
قوله: ((الجنة))، بالنصب على أنه مفعول: دخولاً. قوله: ((مقبلاً)) نصب على أنه حال من
الأحوال المترادفة أو المتداخلة، ويروى: ((مقبل))، بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو
مقبل بوجهه إلى جهة النار. قوله: ((قد قشبني))، بفتح القاف والشين المعجمة المخففة
المفتوحة وبالباء الموحدة، وقال السفاقسي: كذا هو عند المحدثين، وكذا ضبطه بعضهم،
والذي في اللغة الشين ومعناه سمني، وقال الفارابي في باب: فعل، بفتح العين من الماضي
وكسرها من المستقبل، قشبه، أي: سقاه السم، وقشب طعامه أي: سمه. وفي (المنتهى)
لأبي المعالي: القشب أخلاطٍ تخلط للنسر فيأكلها فيموت، فيؤخذ ريشه. يقال له: ريش
قشيب ومقشوب، وكل مسموم قشيب، وقال أبو عمر: القشب هو السم، وقشبه سقاه السم،
وفي (النوادر) للهجري: ومعنى القشب هو السم لغير الناس، يقشب به السباع والطير فيقتلها.
وفي (المحكم): القشب والقشيب: السم، والجمع أقشاب، وقشب له: سقاه السم، وقشب
الطعام يقشبه قشباً: إذا لطخ بالسم. وفي (كتاب ابن طريف): أقشب الشيء إذا خالطه بما
يفسده من سم أو غيره، وعند أبي حنيفة القشب: نبات يقتل الطير. وقال الخطابي: يقال
قشبه الدخان إذا ملأ خياشيمه، وأخذ بكظمه وهو انقطاع نفسه، وأصله: خلط السم. يقال:
قشبه إذا سمه، ومنه حديث عمر، رضي الله تعالى عنه، ((أنه كان بمكة فوجد ريح طيب،
فقال: من قشبنا؟ فقال معاوية: يا أمير المؤمنين دخلت على أم حبيبة فطيبتني)).
قوله: ((وأحرقني ذكاؤها)) قال النووي: كذا وقع في جميع الروايات في هذا
الحديث: ((ذكاؤها)) بالمد وبفتح الذال المعجمة ومعناه: لهبها واشتعالها وشدة وهجها،
والأشهر في اللغة: ذكاها، مقصوراً، وذكر جماعات أن المد والقصر لغتان. انتهى. قال
صاحب (التلويح): وفيه نظر. قلت: ذكر وجه النظر وهو أنه عد كتباً عديدة في اللغة وشروح
دواوين الشعراء، ثم قال: وكلهم نصوا على قصره لا يذكرون المد في ورد ولا صدر، حاشا
ما وقع في (كتاب النبات) لأبي حنيفة الدينوري، فإنه قال في موضع السعار: حر النار
وذكاؤها، وفي آخر: ولهبها ذكاء لهبها، وفي موضع آخر: مع ذكاء وقودها، وفي آخر: وقد
ضربت العرب المثل بجمر الغضا لذكائه، ورد عليه أبو القاسم علي بن حمزة الأصبهاني
فقال: كل هذا غلط، لأن ذكاء النار مقصور يكتب بالألف. لأنه من الواوي من قولهم: ذكت

١٢٤
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٢٩)
النار تذكو وذكو النار وذكاها بمعنى، وهو التهابها. ويقال أيضاً: ذكت النار تذكر ذكراً
وذكواً، فأما ذكاء بالمد فلم يأت عنهم بالمد في النار، وإنما جاء في الفهم.
قوله: ((هل عسيت))، بفتح السين ذكره صاحب (الفصيح)، وفي (الموعب): لم يعرف
الأصمعي: عسيت، بالكسر، قال: وقد ذكره بعض القراء وهو خطأ، وعن الفراء: لعلها لغة
نادرة. وفي (شرح المطرزي) عن الفراء: كلام العرب العالي: عسيت، بفتح السين، ومنهم من
يقول: عسيت، وقال ابن درستويه في كتابه: (تصحيح الفصيل): العامة تقول: عسيت، بكسر
السين وهي لغة شاذة، وقال ابن السكيت في كتابه: (فعلت وأفعلت): عسيت، بالكسر لغة
رديئة. وقال ابن قتيبة: ويقولون: ما عسيت، والأجود الفتح، كذا قاله ثابت (فيما يلحن
فيه). وقال أبو عبيد بن سلام في كتابه (في القراءات): كان نافع يقرأ عسيتم، بالكسر،
والقراءة عندنا بالفتح، لأنها أعرب اللغتين، ولو كانت: عسيتم، بالكسر لقرىء: عسى ربنا،
أيضاً، وهذا الحرف لا نعلمهم اختلفوا في فتحه، وكذلك سائر القرآن، ثم اعلم أن: عسى،
من الآدميين يكون للترجي والشك، ومن الله للإيجاب واليقين. قوله: ((ذلك)) إشارة إلى
الصرف الذي يدل عليه. قوله: ((إصرف وجهي عن النار)). قوله: ((فيعطي الله)) مفعوله
محذوف أي: فيعطي الرجل المذكور. قوله: ((ما شاء)) ويروى ((ما يشاء))، بياء المضارعة.
قوله: ((العهد والميثاق))، العهد: يأتي لمعان، بمعنى: الحفاظ، ورعاية الحرمة والذمة والأمان
واليمين والوصية، والميثاق، العهد أيضاً، وهو على وزن مفعال، من الوثاق، وهو في الأصل
حبل أو قيد يشد به الأسير أو الدابة. قوله: ((بهجتها)) أي: حسنها ونضارتها. قوله: ((لا أكون
أشقى خلقك)) قال السفاقسي: كذا هنا ... (لأكون)) وفي رواية أبي الحسن: ((لاأكونن))،
والمعنى: إن أنتِ أبقيتني على هذه الحالة ولا تدخلني الجنة لأكونن أشقى خلقك الذين
دخلوها، والألف زائدة يعني في قوله: ((لا أكون أشقى خلقك)) وقال الكرماني: قوله: ((لا
أكون أشقى خلقك)) أي: كافراً، ثم قال: فإن قلت: كيف طابق هذا الجواب لفظ: ((أليس
قد أعطيت العهود))؟ قلت: كأنه قال: يا رب أعطيت، لكن كرمك يطمعني إذ لا ييأس من
روح الله إلّ القوم الكافرون.
قوله: ((فما عسيت إن أعطيت ذلك)) كلمة: ما استفهامية، واسم: عسى، هو الضمير،
وخبره هو قوله: ((أن تسأل)) وقوله: ((إن أعطيت)) جملة معترضة، وهو على صيغة المجهول،
وقوله: ((ذلك)) مفعول ثان: لأعطيت، أي: إن أعطيت التقديم إلى باب الجنة. وقوله: ((غيره))
مفعول ((أن تسأل)) أي: غير التقديم إلى باب الجنة. وكلمة: ((إن)) في: ((إن أعطيت))
مكسورة، وهي شرطية والتي في: ((أن تسأل)) مفتوحة مصدرية ويروى: ((أن لا تسأل))، بزيادة
لفظة: لا، ووجهها، إما أن تكون زائدة كما في قوله تعالى: ﴿لئلا يعلم أهل الكتاب﴾
[الحديد: ٢٩]. وإما أن تكون على أصلها، وتكون كلمة: ((ما)) في قوله: ((فما عسيت)) نافية،
ونفي النفي إثبات. وقال الكرماني هنا فإن قلت: كيف يصح هذا من الله تعالى وهو عالم بما
كان وما يكون؟ قلت: معناه أنكم يا بني آدم لما عهد عنكم نقض العهد أحقاء بأن يقال
:

١٢٥
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٢٩)
لكم ذلك، وحاصله أن معنى: عسى، راجع إلى المخاطب لا إلى الله تعالى. قوله: ((فيقول:
لا)) أي: فيقول الرجل: لا يا رب لا أسأل غيره وحق عزتك. قوله: ((فيعطي ربه)) أي: فيعطي
الرجل ربه ما شاء من العهد والميثاق.
قوله: ((فإذا بلغ بابها)) أي: باب الجنة. قوله: ((فرأى زهرتها)) عطف على: بلغ،
وجواب: إذا محذوف تقديره: فإذا بلغ إلى آخره سكت، ثم بين سكوته بقوله: ((فیسکت)»،
بالفاء التفسيرية، ثم إن سكوته بمقدار مشيئة الله تعالى إياه، وهو معنى قوله: ((فيسكت ما شاء
الله أن يسكت)) وكلمة: أن، هذه مصدرية أي: ما شاء الله سكوته. وقال الكلاباذي: إمساك
العبد عن السؤال حياء من ربه، عز وجل، والله تعالى يحب سؤاله لأنه يحب صوته، فيباسطه
بقوله: لعلك إن أعطيت هذا تسأل غيره؟ وهذه حال المقصر، فكيف حال المطيع، وليس
نقض هذا العبد عهده وتركه أقسامه جهلاً منه، ولا قلة مبالاة، بل علماً منه بأن نقض هذا
العهد أولى من الوفاء، لأن سؤاله ربه أولى من إبرار قسمه، لأنه علم قول نبيه معَ له: ((من
حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير)). قوله: ((ويحك))
كلمة رحمة، كما أن: ويلك كلمة عذاب، وقيل: هما بمعنى واحد. قوله: ((ابن آدم)) أي: يا
ابن آدم. قوله: ((ما أغدرك))، فعل التعجب، والغدر ترك الوفاء. قوله: ((أليس قد أعطيت)) على
صيغة المعلوم. قوله: ((غير الذي أعطيت)) على صيغة المجهول. قوله: ((فيضحك الله منه))،
أي: من فعل هذا الرجل، والمراد من الضحك لازمه، وهو الرضى منه وإرادة الخير له، لأن
إطلاق حقيقة الضحك على الله تعالى لا يتصور، وأمثال هذه الأطلاقات كلها يراد بها
لوازمها. قوله: ((تمن)) أمر من التمني، ويروى: ((تمن كذا وكذا)). قوله: ((حتى إذا انقطع))
ويروى: ((إذا انقطعت))، وقد علم أن إسناد الفعل إلى مثل هذا الفاعل يجوز فيه التذكير
والتأنيث. قوله: ((زد من كذا وكذا)) أي: من أمانيك التي كانت لك قبل أن أذكرك بها.
قوله: ((أقبل))، فعل ماض من الإقبال، والضمير فيه يرجع إلى الله تعالى، وكذا الضمير المرفوع
في قوله: ((يذكره))، وقد تنازع هذان الفعلان في قوله: ((ربه)).
فإن قلت: ما موقع هاتين الجملتين؟ أعني: ((أقبل يذكره؟)) قلت: بدل من قوله: قال
الله عز وجل: زد. قوله: ((الأماني)) جمع أمنية. قوله: ((لك ذلك)) أي: ما سألته من الأماني.
قوله: ((ومثله معه)) جملة من المبتدأ والخبر وقعت حالاً. قوله: ((لك ذلك وعشرة أمثاله))،
أي: وعشرة أمثال ما سألته، وهذا في خبر أبي سعيد الخدري، ووجه الجمع بين خبره وخبر
أبي هريرة لأن في خبر أبي هريرة: ومثله، وفي خبر أبي سعيد: وعشرة أمثاله، هو أنه عَ لّهِ،
أخبر أولاً بالمثل، ثم اطلع على الزيادة تكرماً، ولا يحتمل العكس، لأن الفضائل لا تنسخ.
وقال الكرماني: أعلم أولاً بما في حديث أبي هريرة، ثم تكرم الله فزادها فأخبر به عَ له ولم
يسمعه أبو هريرة.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: إثبات الرؤية للرب عز وجل نصاً من كلام الشارع، وهو
تفسير قوله جل جلاله: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]. يعني:

١٢٦
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٣٠)
مبصرة، ولو لم يكن هذا القول من الشارع بالرؤية نصاً لكان ما في الآية كفاية لمن أنصف،
وذلك أن النظر إذا قرن بذكر الوجه لم يكن إلّ نظر البصر، وإذا قرن بذكر القلوب كان بمعنى
اليقين، فلا يجوز أن ينقل حكم الوجوه إلى حكم القلوب.
واعلم أن أهل السنة اتفقوا على أن الله تعالى يصح أن يُرى بمعنى: أنه ينكشف لعباده
ويظهر لهم بحيث تكون نسبة ذلك الانكشاف إلى ذاته المخصوصة كنسبة الإبصار إلى هذه
المبصرات المادية، لكنه يكون مجرداً عن ارتسام صورة المرئي، وعن اتصال الشعاع
بالمرئي، وعن المحاذاة والجهة والمكان، خلافاً للمعتزلة في الرؤية مطلقاً، وللمشبهة
والكرامية في خلوها عن المواجهة والمكان.
احتجت المعتزلة فيما ذهبوا إليه بوجوه: الأول: بقوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار
وهو يدرك الأبصار﴾ [الأنعام: ١٠٣]. والجواب عنه: إن معنى الإدراك ههنا الإحاطة، ونحن
نقول أيضاً: إن الإحاطة ممتنعة. وقال ابن بطال: الآية مخصوصة بالسنة. قلت: فيه نظر،
والأولى ما قلنا. الثاني: بقوله تعالى: ﴿لن تراني﴾ [الأعراف: ١٤٣]. فإن: لن، نفي للتأييد
بدليل قوله: ﴿قل لن تتبعونا﴾ [الفتح: ١٥]. فإذا ثبت عدم الرؤية في حق موسى، عليه
الصلاة والسلام، ثبت في حق غيره أيضاً لانعقاد الإجماع على عدم الفرق، والجواب عنه: إنا
لا نسلم أن: لن، تدل على التأييد بدليل قوله: ﴿لن يتمنوه أبداً﴾ [البقرة: ٩٥]. مع أنهم
يتمنونه في الآخرة. الثالث: بقوله تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلاّ وحياً أو من وراء
حجاب أو يرسل رسولاً﴾ [الشورى: ٥١]. الآية، فإن الآية دلت على أن كل من يتكلم الله
تعالى معه، فإنه لا يراه، فإذن ثبت عدم الرؤية في غير وقت الكلام ضرورة أنه لا قائل
بالفصل، والجواب: أن الوحي كلام يسمع بالسرعة وليس فيه دلالة تدل على كون المتكلم
محجوباً عن نظر السامع.
وفيه: أن الصلاة أفضل الأعمال لما فيها من السجود، وقد قال عَ لَّهِ: ((أقرب ما يكون
العبد من ربه إذا سجد))، وفيه : فضيلة السجود، والباب مترجم بذلك. وفيه : بيان كرم أكرم
الأكرمين ولطفه وفضله الواسع. وفيه : أن الصراط حق، والجنة حق، والنار حق، والحشر
حق، والنشر حق، والسؤال حق.
١٣٠ - بابٌ يُبْدِي ضَبْعَيْهِ وَيُجَافِي فِي السُّجُودِ
أي: هذا باب ترجمته: يبدي المصلي، بضم الياء آخر الحروف وسكون الباء
الموحدة: من الإبداء، وهو الإظهار، وفي المغرب: إبداء الضبعين: تفريجهما. وقال صاحب
(الهداية): ويبدي ضبعيه لقوله عَّ له: ((وأبدٍ ضبعيك)) ويروى: ((ابدد)) من الإبداد وهو: المد
قلت: هذا الحديث لم يرو هكذا مرفوعاً، وقد بيناه في (شرحنا للهداية) قوله: ويروى
((وأبدد))، ليس له أصل ولا وجود في كتب الحديث. قوله: ((ضبعيه))، بفتح الضاد المعجمة
وسكون الباء الموحدة تثنية: ضبع، وقيل: يجوز في الباء الضم أيضاً، والضبع العضد، وقيل:

١٢٧
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٣١ و ١٣٢)
ضبع الرجل وسطه وبطنه، وقيل: وسط العضد من داخل، وقيل: هي لحمة تحت الإبط.
قوله: ((ويجافي))، مفعوله محذوف أي: يجافي بطنه، أي: يباعده، وثلاثيه: جفى، يقال:
جفى السرج عن ظهر الفرس، وأجفيته أنا إذا رفعته، ويجافي جنبه عن الفراش أي: يباعد. قال
تعالى: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ [السجدة: ١٦]. أي: تتباعد.
واعلم أن هذا الباب، والباب الذي بعده، قد ذكر هنا في كثير من النسخ، وسقطا في
بعضها. وقال الكرماني وغيره: لأنهما ذكرا مرة قبل: باب استقبال القبلة، قلت: لم يذكر
هناك إلّ قوله: باب يبدي ضبعيه ويجافي جنبيه في السجود، وأما الباب الثاني، فلم يذكر
هناك بترجمة، فلذلك قيل: والصواب إثباتها ههنا.
٨٠٧/١٩٤ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قال حدَّثني بَكْرُ بنُ مُضَرَ عنْ جَعْفَرٍ عَنِ ابنِ هُرْمِزَ
عن عبْدِ الله بنِ مالِكِ ابنِ بُحَيْنَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُو
بَيَاضُ إِبْطَيْهِ. [انظر الحديث ٣٩٠ وطرفه].
مطابقته للترجمة من حيث إن تفريج المصلي بين يديه إلى أن يبدو بياض إبطيه لا
يكون إلّ بإبداء ضبعيه والحديث أخرجه البخاري هناك بهذا الإسناد بعينه، وبهذا المتن بعينه،
غير أن هناك نسب شيخه إلى جده حيث قال: حدثنا يحيى بن بكير إلى آخره، وابن هرمز هو
عبد الرحمن الأعرج، وقد ذكرنا هناك جميع ما يتعلق به من الأشياء. وقوله: ((ابن بحينة)) ليس
صفة لمالك بل صفة لعبد الله، لأن بحينة اسم أمه، وقد ذكرناه هناك مستوفىٍ.
وقال اللَّيْثُ حدَّثني جَعْفَرُ بنُ رَبِيعَةَ نَحْوَهُ
هذا التعليق وصله مسلم من طريقه بلفظ: ((كان إذا سجد فرج يديه عن إبطيه حتى
إني لأرى بياض إبطيه)).
١٣١ - بابٌ يَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ بِأَطْرَافِ رِجْلَيْهِ
أي: هذا باب ترجمته: يستقبل المصلي القبلة بأطراف رجليه.
قالَهُ أَبُو حُمَيْدِ السَّاعِدِي عنِ النَّبِيِّ عَلَّه
أي: قال: استقبال القبلة بأطراف رجليه، ذكره أبو حميد في حديثه على ما يأتي
موصولاً في: باب سنة الجلوس في التشهد، قريباً. وأبو حميد عبد الرحمن بن عمرو بن
سعد، رضي الله تعالى عنه.
١٣٢ - بابٌ إِذَا لَمْ يُتِمَّ السُّجُودَ
أي: هذا باب ترجمته: إذا لم يتم المصلي السجود.
٨٠٨/١٩٥ - حدَّثنا الصلْتُ بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنا مَهْدِيٌّ عنْ وَاصِلٍ عنْ أَبِي وائِلٍ عنْ
حُذَيْفَةَ أَنَّهُ رَأَى رَجُلاً لاَ يُتِمُ رُكُوعَهُ ولاَ سُجُودَهُ فلمَّا قَضَى صَلاَتَهُ قَال لَّهُ حُذَيْفَةُ مَا صَلَّيْتَ

١٢٨
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٣٣)
قال وأحْسبُهُ قال ولَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غيْرِ سُنَّةِ مُحَمَّدٍ عَظ ◌َلّهِ. [انظر الحديث ٣٨٩ وطرفه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وقد ذكر البخاري هذا الحديث في: باب إذا لم يتم الركوع
قبل هذا الباب بإثني عشر باباً. وأخرجه عن حفص بن عمر عن شعبة عن سليمان، قال:
سمعت زيد بن وهب، قال: رأى حذيفة رجلاً لا يتم الركوع والسجود، فقال: ما صليت ولو
مت مت على غير الفطرة التي فطر الله محمداً، عَ لّه، وقد ذكرنا هناك ما يتعلق به. وأبو وائل
هو: شقيق . .
١٣٣ - بابُ السجُودِ عَلَى سَبْعَةِ أعْظُمِ
أي: هذا باب في بيان أن السجود في الصلاة على سبعة أعظم، والمراد من الأعظم
هي الأعضاء المذكورة في حديث الباب، وفي حديث الباب الذي يليه.
٨٠٩/١٩٦ - حدَّثنا قَبِيصَةُ قال حدَّثنا سفْيَانُ عنْ عَمْرِو بنِ دينارٍ عنْ طَاؤُسٍ عنِ ابنِ
عَبَّاسٍ أُمِرَ النبيُّ عَ لَّهِ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ أَعْضَاءٍ ولاَ يَكُفَّ شَعَراً ولاَ ثَوْباً الجَبْهَةِ واليَدَيْنِ
والرّكْبَتَيْنِ وَالرّجْلَيْنِ. [الحديث ٨٠٩ - أطرافه في: ٨١٠، ٨١٢، ٨١٥، ٨١٦].
مطابقته للترجمة من حيث المعنى، لأن المراد من الأعظم الأعضاء كما ذكرنا، على
أن المذكور في أحد طريقي حديث ابن عباس لفظ الأعضاء مصرح على ما يجيء، إن شاء
الله تعالى.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: قبيصة، بفتح القاف وكسر الباء الموحدة: ابن عقبة
ابن عامر الكوفي. الثاني: سفيان الثوري. الثالث: عمرو بن دينار. الرابع: طاوس بن كيسان.
الخامس: عبد الله بن عباس، رضي الله تعالى عنهما.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه : العنعنة في
ثلاثة مواضع. وفيه : القول في موضع واحد. وفيه : أن رواته ما بين كوفي ومكي ويماني.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً عن مسلم بن إبراهيم عن
شعبة، وعن موسى بن إسماعيل عن أبي عوانة وعن أبي النعمان عن حماد بن زيد، كلهم عن
عمرو بن دينار به. وأخرجه مسلم في الصلاة أيضاً عن يحيى بن يحيى وعن محمد بن بشار،
وأخرجه أبو داود عن مسدد. وأخرجه الترمذي والنسائي كلاهما عن قتيبة. وأخرجه النسائي
أيضاً عن حميد بن مسعدة. وأخرجه ابن ماجه عن بشر بن معاذ.
ذكر معناه: قوله: ((أمر النبي، عَّله))، على صيغة المجهول، في جميع الروايات،
والمعنى: أمر الله تعالى النبي عَّه، وقال البيضاويّ: عرف ذلك بالعرف وذلك يقتضي
الوجوب. قيل: فيه نظر، لأنه ليس فيه صيغة الأمر. قلت: في رواية أبي داود عن ابن عباس
عن النبي عَّ له قال: ((أمرت))، قال حماد: أمر نبيكم أن يسجد على سبعة ولا يكف شعراً ولا
ثوباً. انتهى. فهذا قوله عَّ له: ((أمرت) يدل على أن الله تعالى أمره، والأمر من الله تعالى يدل

١٢٩
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٣٣)
على الوجوب. وفي رواية مسلم: ((أمرت أن أسجد على سبعة: الجبهة والأنف واليدين
والركبتين والقدمين)). فإن قلت: رواية البخاري هذه تحتمل الخصوصية؟ قلت: روايته
الأخرى التي ذكرها عقيب هذا الحديث، وهي قوله: ((أمرنا)) تدل على أنه لعموم الأمة،
واختلف الناس فيما فرض على النبي عَّ ◌ُلّ: هل تدخل معه الأمة؟ فقيل: نعم، والأصح: لا إلاّ
بدليل، وقيل: إذا خوطب بأمر أو نهي فالمراد به الأمة معه، وهذا لا يثبت إلاّ بدليل، ورواية:
((أمرنا))، تدل على أن ابن عباس تلقاه عن النبي عَّ له، إما سماعاً منه، وإما بلاغاً عنه، وبهذا
يرد كلام الكرماني حيث قال: ظاهره الإرسال، أي: ظاهر هذا الحديث، ثم قال الكرماني:
فإن قلت: بم عرف ابن عباس أنه أمر بذلك.
قلت: إما إخباره عَّ ◌ُلّه له أو لغيره، أو باجتهاده، لأنه معَّه ما ينطق عن الهوى. انتهى.
قلت: على تقدير إخباره عَّ لِّ لابن عباس، كيف يكون الحديث مرسلاً؟. وقد قال: ظاهره
الإرسال؟ قوله: ((ولا يكف شعراً)) عطف على قوله: ((أن يسجد))، وفي رواية: ((لا يكفت
الثياب ولا الشعر))، والكفت والكف بمعنى واحد، وهو: الجمع والضم، ومنه قوله تعالى:
﴿ألم نجعل الأرض كفاتاً﴾ أي: نجمع الناس في حياتهم وموتهم، والكفات بمعنى الكف.
قوله: ((ولا ثوباً) أي: ولا يكف ثوباً. قوله: «الجبهة))، بالجر عطف بيان لقوله: «على سبعة
أعضاء))، وما بعدها عطف عليها. قوله: ((واليدين))، يريد: الكفين، خلافاً لمن زعم أنه يحمل
على ظاهره، لأنه لو حمل على ذلك لدخل تحت المنهي عنه الافتراض كافتراش السبع
والكلب. قوله: ((والرجلين))، يريد أطراف القدمين، وبين ذلك رواية ابن طاوس عنه، كذلك.
قوله: ((ولا يكف شعراً ولا ثوباً))، جملتان معترضتا بين قوله: ((على سبعة أعضاء)) وبين قوله:
«الجبهة)).
ذكر ما يستفاد منه: احتج به أحمد وإسحاق على أنه لا يجزيه من ترك السجود على
شيء من الأعضاء السبعة، وهو الأصح من قولي الشافعي فيما رجحه المتأخرون، خلاف ما
رجحه الرافعي، وهو مذهب أبن حبيب، وكأن البخاري مال إلى هذا القول، ولم يذكر الأنف
في هذا الحديث، وذكر الأنف في حديث آخر لابن عباس على ما يأتي عن قريب. واختلفوا
في السجود على الأنف: هل هو فرض مثل غيرها؟ فقالت طائفة: إذا سجد على جبهته دون
أنفه أجزأه، روي ذلك عن ابن عمر وعطاء وطاوس والحسن وابن سيرين والقاسم وسالم
الشعبي والزهري والشافعي في أظهر قوليه. ومالك وأبي يوسف وأبي ثور، والمستحب أن
يسجد على أنفه مع الجبهة. وقالت طائفة: يجزيه أن يسجد على أنفه دون جبهته، وهو قول
أبي حنيفة، وهو الصحيح من مذهبه، وروى أسد بن عمرو عنه: لا يجوز الاقتصار على
الأنف إلاّ من عذر. وقال ابن بطال: اختلف العلماء فيما يجزىء السجود عليه من الآراب
السبعة، بعد إجماعهم على أن السجود على الأرض فريضة. وقال النووي: أعضاء السجود
سبعة، وينبغي للساجد أن يسجد عليها كلها، وأن يسجد على الجبهة والأنف جميعاً. وأما
الجبهة فيجب وضعها مكشوفة على الأرض، ويكفي بعضها، والأنف مستحب، فلو تركه
عمدة القاري / ج ٦ / م٩

١٣٠
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٣٣)
جاز ولو اقتصر عليه وترك الجبهة لم يجزه، هذا مذهب الشافعي ومالك والأكثرين.
وقال أبو حنيفة وابن القاسم من أصحاب مالك: له أن يقتصر على أيهما شاء. وقال
أحمد وابن حبيب، من أصحاب مالك: يجب أن يسجد على الجبهة والأنف جميعاً، لظاهر
الحديث. وقال الأكثرون: بل ظاهر الحديث أنهما في حكم عضو واحد، لأنه قال في
الحديث: سبعة، فإن جعلا عضوين صارت: ثمانية، وذكر الأنف استحباباً، وذكر أصحاب
التشريح إن عظمي الأنف يبتدئان من قرنة الحاجب وينتهيان إلى الموضع الذي فوق الثنايا،
والرباعيات، فعلى هذا يكون الأنف والجبهة التي هي أعلى الخد واحداً، وقال ابن بطال: إن
في بعض طرق حديث ابن عباس: ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم منها الوجه)). قلت:
يؤيده قوله عَّ ◌ُلّم وهو ساجد فيما رواه مسلم: ((سجد وجهي للذي خلقه)). الحديث، وأما
اليدان والركبتان والقدمان فهل يجب السجود عليها؟ فقال النووي: فيه قولان للشافعي:
أحدهما: لا يجب لكن يستحب استحباباً متأكداً. والثاني: يجب، وهو الأصح، وهو الذي
رجحه الشافعي، فلو أخل بعضو منها لم تصح صلاته، وإذا أوجبنا لم يجب كشف القدمين
والركبتين، وفي الكفين قولان للشافعي: أحدهما: يجب كشفه كالجبهة، والأصح: لا يجب.
وفي (شرح الهداية): السجود على اليدين والركبتين والقدمين غير واجب، وفي (الواقعات):
لو لم يضع ركبتيه على الأرض عند السجود لا يجزيه. وقال أبو الطيب: مذهب الشافعي أنه
لا يجب وضع هذه الأعضاء، وهو قول عامة الفقهاء، وعند زفر وأحمد بن حنبل: يجب،
وعن أحمد في الأنف روايتان، وقال ابن القصار: الإجماع حجة، ووجدنا التابعين على قولين،
فمنهم من أوجب السجود على الجبهة والأنف. ومنهم من جوز الاقتصار على الأنف خرج
عن إجماعهم. قلت: يشير بذلك إلى قول أبي حنيفة، وما قاله غير موجه، لأن المأمور به
في السجدة وضع بعض الوجه على الأرض، لأنه لا يمكن بكله فيكون بالبعض مأموراً،
والأنف بعضه، فكما أن الاقتصار على الجبهة يجوز بلا خلاف لكونها بعض الوجه ومسجداً،
فكذا الاقتصار على الأنف، لأنها بعض الوجه ومسجداً إلاّ أنه يكره لمخالفته السنة.
وذكر الطبري في (تهذيب الآثار) إن حكم الجبهة والأنف سواء. وقال أيوب: نبئت
عن طاوس أنه سئل عن السجود على الأنف، فقال: أليس أكرم الوجه؟ وقال أبو هلال: سئل
ابن سيرين عن الرجل يسجد على أنفه، فقال: أوَ مَا نقرأ: ﴿يخرون للأذقان سجداً﴾ [الإسراء:
١٠٧]. فالله مدحهم بخرورهم على الأذقان في السجود، فإذا سقط السجود على الذقن
بالإجماع يصرف الجواز إلى الأنف لأنه أقرب إلى الحقيقة لعدم الفصل بينهما، بخلاف
الجبهة. إذ الأنف فاصل بينهما فكان من الجبهة، فإن قلت: روى الدارقطني من حديث
سفيان الثوري: عن عاصم الأحول عن عكرمة عن ابن عباس، قال: قال رسول الله عَ له: ((لا
صلاة لمن لا يصيب أنفه من الأرض ما يصيب الجبين)). قلت: قالوا: الصحيح أنه مرسل.
فإن قلت: أخرج ابن عدي في (الكامل) عن الضحاك بن حمزة عن منصور بن زادان
عن عاصم البجلي عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي عَّ: ((من لم يلصق أنفه مع جبهته

١٣١
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٣٣)
بالأرض إذا سجد لم تجز صلاته. قلت: أعله بالضحاك بن حمزة، وأسند إلى النسائي ليس
بثقة وقال ابن معين. ليس بشيء فإن قلت: أخرج الدارقطني عن ناشب بن عمرو الشيباني:
حدثنا مقاتل بن حيان عن عروة ((عن عائشة، رضي الله تعالى عنها. قالت: أبصر رسول الله
امرأة من أهله تصلي ولا تضع أنفها بالأرض، فقال: يا هذه! ضعي أنفك بالأرض فإنه لا
صلاة لمن لم يضع أنفه بالأرض مع جبهته في الصلاة)). قلت: قال الدارقطني: ناشب
ضعيف ولا يصح: مقاتل عن عروة.
وفيه : كراهة كف الثوب والشعر، وظاهر الحديث النهي عنه في حال الصلاة، وإليه
مال الداودي، ورده عياض بأنه خلاف ما عليه الجمهور، فإنهم كرهوا ذلك للمصلي سواء
فعله في الصلاة أو قبل أن يدخل فيها. واتفقوا أنه لا يفسد الصلاة إلّ ما حكي عن الحسن
البصري وجوب الإعادة فيه. وفي (التلويح): اتفق العلماء على النهي عن الصلاة وثوبه مشمر
أو كمه أو رأسه معقوص أو مردود شعره تحت عمامته أو نحو ذلك، وهو كراهة تنزيه، فلو
صلى كذلك فقد أساء وصحت صلاته، واحتج الطبري في ذلك بالإجماع. وقال ابن التين:
هذا مبني على الاستحباب، فأما إذا فعله فحضرت الصلاة فلا بأس أن يصلي كذلك، وعند
أبي داود بسند جيد: رأى أبو رافع الحسن بن علي، رضي الله تعالى عنهما، يصلي وقد غرز
ضغيرته في قفاه، فحلها وقال: سمعت النبي عٍَّ يقول: ذلك كفل الشيطان، أو قال: مقعد
الشيطان، يعني مغرز ضفيرته. وفي (المعرفة): روينا في الحديث الثابت: ((عن ابن عباس أنه:
رأى عبد الله بن الحارث يصلي ورأسه معقوص من ورائه، فقام وراءه فجعل يحله، وقال:
سمعت النبي عَّ: إنما مثل هذا كمثل الذي يصلي وهو مكتوف)). فدل الحديث على
كراهة الصلاة وهو معقوص الشعر، ولو عقصه وهو في الصلاة فسدت صلاته، والعقص أن
يجمع شعره على وسط رأسه ويشده بخيط أو يصمغ ليتلبد، واتفق الجمهور من العلماء أن
النهي لكل من يصلي كذلك، سواء تعمده للصلاة أو كان كذلك قبلها لمعنى آخر. وقال
مالك: النهي لمن فعل ذلك للصلاة، والصحيح الأول لإطلاق الأحاديث، قيل : الحكمة في
هذا النهي عنه أن الشعر يسجد معه، ولهذا مثله بالذي يصلي وهو مكتوف. وقال ابن عمر،
رضي الله تعالى عنهما لرجل رآه يسجد وهو معقوص الشعر: أرسله يسجد معك.
وفيه: من جملة أعضاء السجود: اليدان، فإن صلى وهما في الثياب، فذكر ابن بطال
الإجماع على جوازه، وكرهه بعضهم لأن حكمهما حكم الوجه لا حكم الركبتين. وللشافعي
قولان في وجوب كشفهما.
٨١٠/١٩٧ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إِبْرَاهِيمَ قالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَمْرٍو عنْ طَاؤُسٍ عِنِ ابنِ
عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما عن النبيِّ عَّهِ قال أُمِزْنَا أنْ نَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ وَلاَ
نَكُفَّ ثَوْباً وَلاَ شَعَراً. [انظر الحديث ٨٠٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، لأنها على سبعة أعظم، ولفظ الحديث كذلك، وهذا طريق

١٣٢
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٣٤)
آخر لحديث ابن عباس، والمراد بالأعظم هي الأعضاء المذكورة في الحديث السابق، وسمي
كل عضو عظماً وإن كان فيه عظام كثيرة، ويجوز أن يكون من باب تسمية الجملة باسم
بعضها.
٨١١/١٩٨ - حدّثنا آدَمُ قال حدَّثنا إسْرَائِيلُ عنْ أبي إسحاقَ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ يَزِيدَ
الخَطْمِيِّ قالَ حدَّثنا الْبَرَاءُ بنُ عَازِبٍ وَهْوَ غَيْرُ كِذُوبٍ قال كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النبيِّ عَ لَّه فَإِذَا
قال سَمِعَ اللّه لِمَنْ حَمِدَهُ لَم يَحْن أحدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَضَعَ النبيُّ عَ لَّهِ جَبْهَتَهُ عَلَى
الأرضِ. [انظر الحديث ٦٩٠ وطرفه].
قال الكرماني فإن قلت: كيف دلالته على الترجمة؟ قلت: العادة على أن وضع
الجبهة، إنما هو باستعانة السبعة الباقية غالباً. قلت: هذا لا يخلو عن تعسف، والوجه فيه أنه
إنما أورد هذا الحديث في هذا الباب للإشارة إلى أن السجدة بالجبهة أدخل في الوجوب من
بقية الأعضاء، ولهذا لم يختلف في وجوبها بالجبهة، واختلف في غيرها من بقية السبعة كما
ذ کرنا.
ذكر رجاله: وهم خمسة قد ذكروا غير مرة، وآدم ابن أبي إياس، وإسرائيل بن يونس
وأبو إسحاق، عمرو بن عبد الله الكوفي.
وهذا الحديث أخرجه البخاري فى: باب متى يسجد من خلف الإمام، عن مسدد عن
يحيى بن سعيد عن سفيان حدثني أبو إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن يزيد، قال: حدثني
البراء .. إلى آخره. وقد ذكرنا هناك جميع ما يتعلق به من الأشياء.
قوله: ((لم يحن))، بفتح الياء وكسر النون وضمها أي: لم يقوس ظهره. قوله: ((أحدٌ
منَّا)) ويروى: ((أحدنا)).
١٣٤ - بابُ السُّجُودِ عَلَى الأَنْفِ
أي: هذا باب في بيان حكم السجود على الأنف.
٨١٢/١٩٩ - حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أَسَدٍ قال حدَّثنا وُهيْبٌ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ طاؤُسَ عنْ أَبِيهِ
عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال قال النبيُّ عَ لَّهُ أُمِرْتُ أنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُم
عَلَى الجَبْهَةِ وأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ واليَدَيْنِ والرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ القَدَمَيْنِ ولاَ نَكْفِتَ الِّيَابٌ
والشِّعْرَ [انظر الحديث ٨٠٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وهذا طريق آخر في حديث ابن عباس، وقد أخرجه البخاري
من ثلاثة أوجه، وهذا هو الثالث: عن معلى بن أسد العمي أبو الهيثم البصري، عن وهيب،
بضم الواو وفتح الهاء وسكون الياء: ابن خالد الباهلي البصري عن عبد الله بن طاوس عن
أبيه طاوس عن عبد الله بن عباس، وقد مر البحث فيه، ونذكر ما يحتاج إليه هنا.
. فقوله: ((على سبعة أعظم)) قد تكررت هنا كلمة: على، ولا يجوز جعلها صلة لفعل

١٣٣
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٣٥)
مكرر، إلاّ أن يقال: على الثانية بدل عن الأولى التي في حكم الطرح، أو تكون الأولى متعلقة
بمحذوف، والتقدير: أسجد على الجبهة حال كون السجود على سبعة أعضاء. قوله: ((وأشار
بيده على أنفه))، جملة معترضة بين المعطوف عليه وهو: الجبهة، والمعطوف، وهو:
اليدين، والغرض منها بيان أنهما عضو واحد، فدل على أنه عَ لَّه سوى بين الجبهة والأنف،
لأن عظمي الأنف يبتدئان من قرنة الحاجب وينتهيان عند الموضع الذي فيه الثنايا
والرباعيات، وسقط بما ذكرنا سؤال من قال؛ المذكور في الحديث ثمانية أعظم لا سبعة.
قوله: ((واليدين)) عطف على قوله: ((على الجبهة))، وقد ذكرنا أن المراد بهما: الكفان.
١٣٥ - بابُ السُّجُودِ عَلَى الأَنْفِ في الطِّينِ
أي: هذا باب في بيان السجود على الأنف حال كونه في الطين، فكأنه أشار بهذه
الترجمة إلى تأكد أمر السجود على الأنف، وذلك لأنه لم يترك مع وجود الطين، ففي غيره
أحرى أن لا يترك. قوله: ((السجود على الأنف في الطين)) كذا هو في رواية الأكثرين، وفي
رواية المستملي: باب السجود على الأنف، والسجود على الطين، والأول أوجه دفعاً للتكرار.
٨١٣/٢٠٠ - حدّثنا مُوسَى قال حدَّثنا هَمَّامٌ عنْ يَحيى عنْ أبي سَلَمَةَ قال انْطَلَقْتُ إلى
أبي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ فَقُلْتُ أَلاَ تَخْرُجَ بِنَا إِلَى النَّخْلِ نتَحَدَّثُ فخرَجَ فقالَ قُلْتُ حدِّثْني ما
سَمِعْتَ مِنَ النبيِّ عَ لِ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ قال اعْتَكَفَ رسولُ الله عَ لَّه عَشْرَ الأُوَلِ مِنْ رَمَضَانَ
واْتَكفْنَا مَعهُ فَأَتَاهُ جِبِرِيلُ فقال إنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أمامَكَ فَاعْتَكَفَ العَشْرَ الأَوْسَطَ فَاعْتَكَفْنَا معَهُ
فأتاهُ جِبِرِيلُ فقالَ إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أمامَكَ فقامَ النبيُّ عَ لَّهِ خَطِيباً صَبِيحَةَ عِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ
فقال منْ كَانَ اعْتَكَفَ معَ النبيِّ عَّهِ فَلْيَرْجِغْ فَإِنِّي رأيْتُ لَيلَةَ القَدْرِ وإِنِّي نُسّيتُهَا وإنَّهَا
فِي العَشْرِ الأواخِرِ في وَثْرِ وإِنِّي رأيتُ كأنِّي أَسْجُدُ فِي طِينٍ وماءٍ وكانَ سَقْفُ المَسْجِدِ
جَرِيدَ النَّحْلِ وما نَرَى في السَّماءِ شَيئاً فَجَاءتْ قَزَعَةٌ فَأَمْطِرْنَا فصَلَّى بِنَا النبيُّ عَ لَّهِ حَتَّى
رَأيْتُ أَثْرَ الطِّينِ والمَاءِ علَى جَبْهةِ رَسُولِ اللهِ عَ لَّهِ وَأَرْنَبَتِهِ تَصْدِيقُ رُؤيَاهُ. [انظر الحديث
٦٦٩ وأطرافه].
--
مطابقته للترجمة في قوله: ((حتى رأيت أثر الماء)) إلى آخره.
ورجاله قد ذكروا غير مرة، وموسى بن إسماعيل المنقري التبوذكي، وهمام بن يحيى،
ويحيى بن أبي كثير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وأبو سعيد الخدري سعد بن
مالك، رضي الله تعالى عنه.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري في مواضع، في الصلاة في
موضعين عن مسلم بن إبراهيم وههنا عن موسى بن إسماعيل وفي الصوم عن معاذ بن فضالة
وفي الاعتكاف عن عبد الله بن منير وإسماعيل بن أبي أويس وعن إبراهيم بن حمزة وعن عبد
الرحمن بن بشر. وأخرجه مسلم في الصوم عن قتيبة وعن ابن أبي عمر وعن محمد بن عبد
الأعلى وعن عبد بن حميد وعن محمد بن المثنى وعن محمد بن يحيى وعن مؤمل بن

١٣٤
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٣٥)
الفضل. وأخرجه النسائي في الاعتكاف عن قتيبة به وعن محمد بن عبد الأعلى مرتين وعن
محمد بن مسلمة والحارث بن مسكين وعن محمد بن بشار، وأخرجه ابن ماجه في الصوم
عن محمد بن عبد الأعلى وعن أبي بكر بن أبي شيبة.
ذكر معناه: قوله: ((نتحدث)) في محل النصب على أنه من الأحوال المقدرة. وقال
الكرماني: بالرفع والجزم، قوله: ((عشر الأول)) بإضافة العشر إلى الأول، ويروى: العشر الأول.
قوله: ((أمامك))، بفتح الميم الثانية، في محل الرفع على الخبرية، تقديره أن الذي تطلبه هو
قدامك. قوله: ((فقام))، ويروى: ((ثم قام). قوله: ((خطيباً))، نصب على الحال، و: ((صبيحة))
نصب على الظرفية و: ((رمضان)) لا ينصرف. قوله: ((مع النبي عَّلّ)) أي: معي، وهو التفات
على الصحيح، لأن المقام يقتضي التكلم. قوله: ((فليرجع)) أي: إلى الاعتكاف. قوله: ((فإني
رأيت)) مشتق إما من الرؤية، وإما من الرؤيا بخلاف: رأيت، الذي بعده. فإنه من الرؤيا قطعاً.
ویروی: «فإني رئیت)).
قوله: ((نسيتها))، من النسيان. ويروى: ((أنسيتها)) من: الإنساء، على صيغة المجهول،
ويروى: ((نسيتها))، بضم النون وتشديد السين. قوله: ((في وتر))، بكسر الواو، وهو الفرد
وبالفتح: الدخل، ولغة أهل الحجاز بالضد، وتميم تكسر الواو فيهما. وقال الطيبي. فإن قلت:
لِمَ خُولِفَ بين الأوصاف فوصف العشر الأول والأوسط بالمفرد والأخير بالجمع؟ قلت:
تصور في كل ليلة من ليالي العشر الأخير ليلة القدر، فجمع، ولا كذلك في العشرين. قوله:
((شيئاً) أي: من السحاب. قوله: ((قزعة)) بفتح القاف والزاي المعجمة والعين المهملة: وهي
واحدة القزع. وهي قطع من السحاب رقيقة. وقيل: هي السحاب المتفرق. ((وأرنبته))، بفتح
الهمزة وسكون الراء وفتح النون والباء الموحدة بعدها التاء المثناة من فوق: وهي طرف
الأنف، وتجمع على: أرانب، والألف فيه زائدة، ولهذا ذكره الجوهري في باب: رنب، قوله:
(تصديق رؤياه))، بإضافة التصديق إلى الرؤيا، وارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: أثر
الطين والماء على جبهته هو تصديق رؤياه وتأويله.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: مشروعية الاعتكاف، وسيجيء الكلام فيه في: باب
الاعتكاف. وفيه : أن ليلة القدر في أوتار العشر الأخير، وسيجيء الكلام فيه أيضاً. وفيه:
جواز السجدة في الطين، ولكن الحديث محمول على أنه كان شيئاً يسيراً لا يمنع مباشرة
بشرة الجبهة الأرض، ولو كان كثيراً لم تصح صلاته، وهذا هو قول الجمهور، واختلف قول
مالك فيه، فروى أشهب عنه أنه: لا يجوز إلّ السجود على الأرض، على حسب ما يمكنه.
وقال ابن حبيب: مذهب مالك أن يومىء إلاّ عبد الله بن عبد الحكم فإنه كان يقول: يسجد
عليه ويسجد فيه إذا كان لا يعم وجهه ولا يمنعه من ذلك. وقال ابن حبيب: وبالأول أقول:
وإنما يومىء إذا كان لا يجد موضعاً نقياً من الأرض، فإن طمع أن يدرك موضعاً نقياً قبل
خروج الوقت لم يجزه الإيماء في الطين. وقال الخطابي: ((حتى رأيت أثر الطين)) فيه دليل
على وجوب السجدة على الجبهة، ولولا وجوبه لصانها عن لثق الطين. وفيه : استحباب أن

١٣٥
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٣٦ و ١٣٧)
لا يمسح إلى بعض ما يصيب جبهة الساجد من أثر الأرض وغبارها. وفيه : أن رؤيا الأنبياء،
عليهم الصلاة والسلام، صادقة. وفيه : طلب الخلوة عند إرادة المحادثة لتكون أجمع
للضبط. وفيه : الاستحداث عن الشيخ والالتماس منه. وفيه : موافقة القوم لرئيسهم في
الطاعة المندوبة. والله تعالى أعلم.
١٣٦ - بابُ عَقْدِ الثِّيَابِ وشَدِّهَا وَمَنْ ضَمَّ إلَيْهِ ثَوْبَهُ إذَا خافَ أنْ تَنْكَشِفَ عَوْرَتُهُ
أي: هذا باب في بيان عقد المصلي ثوبه وشدها. وفي بيان من ضم إليه ثوبه من
المصلين إذا خاف أن تنكشف عورته، فكلمة: أن، مصدرية، والتقدير: خوف انكشاف
عورته، وهو في الصلاة، فكأن البخاري أشار بهذا إلى أن النهي الوارد عن كف الثياب في
الصلاة محمول على حالة غير الاضطرار. فإن قيل: ما وجه إدخال هذا الباب بين أبواب
أحكام السجود؟ أجيب : من حيث إن الهوي إلى السجود والرفع منه يسهلان مع عقد الثياب
وضمها، بخلاف إرسالها وسدلها. قلت: أشار به إلى أن في ضم الثوب أمنا من كشف
العورة.
٨١٤/٢٠١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ قال أخبرنا سُفْيَانُ عنْ أبي حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ
قالَ كَانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ معَ النبيِّ عَّ ◌َّهِ وَهُمْ عَاقِدُو أُزُرِهِمْ مِنَ الصَّغَرِ عَلى رِقَابِهِمْ فَقِيلَ لِلنَّسَاءِ
لاَ تَرْفَعْنَ رُؤُسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرِّجَالُ جُلُوساً. [انظر الحديث ٣٦٢ وطرفه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وأخرج هذا الحديث في: باب إذا كان الثوب ضيقاً: عن
مسدد عن يحيى عن سفيان، قال: حدثنا أبو حازم عن سهل ... الحديث. وأخرج ههنا: عن
محمد بن كثير - ضد القليل - عن سفيان الثوري عن أبي حازم، بالحاء المهملة، سلمة بن
دينار عن سهل بن سعد الساعدي، رضي الله تعالى عنه. وقد ذكرنا هناك جميع ما يتعلق به
من الأشياء.
قوله: ((وهم عاقدو أزرهم)) أصله: عاقدون، فلما أضيف سقطت النون للإضافة،
ويروى: ((عاقدي أزرهم))، ووجهها أن يكون خبر: كان، محذوفاً، أي: هم كانوا عاقدي
أزرهم. ويجوز أن يكون منصوباً على الحال. أي: هم مؤتزرون حال كونهم عاقدي أزرهم،
والأزر، بضم الهمز والزاي: جمع إزار. قوله: ((من الصغر)) أي: من أجل صغر أزرهم. قوله:
((جلوساً)) أي: جالسين. كانت النساء متأخرات عن صف الرجال، فنهين عن رفع رؤوسهن
حتى يستوي الرجال جالسين حتى لا يقع بصرهن على عوراتهم.
وفيه : الاحتياط في ستر العورة، والتوثق بحفظ السترة.
١٣٧ - بابٌ لاَ يَكُفُّ شَعَرَاً
أي: هذا باب ترجمته: لا يكف المصلي شعراً. والمراد به شعر الرأس، وقد مر أن
معنى الكف: الضم فإن قلت: قد أخرج حديث هذا الباب من وجه آخر عن ابن عباس، رضي

١٣٦
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٣٨ و١٣٩)
الله تعالى عنه، فما وجه إدخاله بين أبواب أحكام السجود؟ قلت: له تعلق بالسجود من حيث
إن الشعر يسجد مع الرأس إذا لم يكف. وأما حكمة النهي عن ذلك فهو ما قد ذكرناه عن
أبي داود، فإنه روي من حديث أبي رافع أنه رأى الحسن بن علي، رضي الله تعالى عنهما،
يصلي وقد غرز ضغيرته في قفاه، فحلها وقال: سمعت رسول الله عَ لّهِ يقول: ذلك مقعد
الشيطان.
٨١٥/٢٠٢ - حدَّثنا أَبُو النُّعْمَانِ قال حدَّثنا حَمَّادٌ وَهْوَ ابنُ زَيْدٍ عنْ عَمْرِو بنِ دِينَارٍ عنْ
طَاؤُسٍ عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال أَمِرَ النبي عَّ ◌ُلِّ أنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ وَلاَ يَكُفَّ ثَوْبَهُ ولاَ
شَعَرَهُ. [انظر الحديث ٨٠٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وما يتعلق به قد ذكرناه في: باب السجود على الأنف.
١٣٨ - بابٌ لا يَكُفُّ ثَوْبَهُ فِي الصَّلاةِ
أي: هذا باب ترجمته لا يكف المصلي ثوبه في الصلاة.
٨١٦/٢٠٣ - حدّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا أبُو عَوانَةَ عنْ عَمْرٍو عن طاؤُسٍ عنِ
ابنِ عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما عن النبيِّ عَ لَّه قال أُمِرْتُ أنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ لاَ أَكْفُّ
شَعَراً وَلاَ ثَوْباً. [انظر الحديث ٨٠٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وحديث ابن عباس هذا كما قد رأيته، قد أخرجه عن خمس
طرق، ووضع لكل طريق ترجمة ففي الطريق الأول والرابع: أمر النبي عَّه، وفي الثاني: أمرنا،
وفي الثالث والخامس: أمرت. وفي الأول: ولا يكف، وكذا في الرابع. وفي الثاني: لا
نكف، بنون الجمع، وفي الثالث: ولا نكفت، وفي الخامس: لا أكف بصيغة المتكلم
وحده، وفي الأول والخامس: الشعر مقدم، وفي البقية: الثوب مقدم، وفي الأول: على سبعة
أعضاء، وفي البقية: على سبعة أعظم.
١٣٩ - بابُ التَّسْبِيحِ وَالدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ
أي: هذا باب في بيان التسبيح والدعاء في حالة السجدة، وقد تقدمت هذه الترجمة
بحديثها فيما تقدم عن قريب، ولكن هناك: باب الدعاء في الركوع، والحديث هناك عن
عائشة أيضاً، كما نذكره الآن.
٨١٧/٢٠٤ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا يَحْيَى عنْ سُفْيَانَ قال حدَّثني مَنْصُورٌ عنْ مُسْلِم
عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عائشةَ رضي الله تعالى عنها أنَّهَا قَالَتْ كانَ النبيُّ عَ لَّهِ يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ في
رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي يَتَأوَّلُ القُرآنَ. [أنظر الحديث
٧٩٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وأخرجه في: باب الدعاء في الركوع، عن حفص بن عمر عن
شعبة عن منصور عن أبي الضحى عن مسروق عن عائشة .. إلى آخره نحوه، غير أن ههنا:

١٣٧
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٤٠)
يكثر أن يقول، وهناك: كان يقول، وههنا زيادة وهي قوله: يتأول القرآن، وههنا ذكر اسم أبي
الضحى، وهو: مسلم بن صبيح، بضم الصاد المهملة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر
الحروف، وفي آخره حاء مهملة. وهناك: اقتصر على ذكر كنيته، وهي أبو الضحى، بضم
الضاد المعجمة وبالقصر، والإسناد ههنا أنزل من الإسناد الذي هناك، لأن بينه وبين عائشة
هناك خمسة، وههنا ستة، لأنه يروي عن مسدد بن مسرهد عن يحيى القطان عن سفيان
الثوري ألى آخره.
وفيه : رواية التابعي عن التابعي عن الصحابية، وقد ذكرنا هناك ما يتعلق به من
الأشياء. قوله: ((يتأول القرآن))، أي: يعمل ما أمر به في قول الله تعالى: ﴿فسبح بحمد ربك
واستغفره﴾ [النصر: ٣] ..
١٤٠ - بابُ المُكْثِ بَيْنَ السَّجْدَتَیْنِ
أي: هذا باب في بيان المكث، وهو اللبث بين السجدتين في الصلاة، وفي رواية
الحموي ((بين السجود).
٨١٨/٢٠٥ - حدَّثنا أبو النُّعْمَانِ قال حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ أَيُّوبَ عنْ أبِي قِلاَبَةَ أَنَّ مالِكَ بنَ
الحُوَيْرِثِ قال لأَصْحَابِهِ ألا أنبِئُكُمْ صَلاَةَ رَسُولِ اللهِ عَ لّه قال وَذَاكَ فِي غَيْرِ حِينٍ صَلاَةٍ فَقَامَ
ثُمَّ رَكَعَ فَكَبِّرَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَامَ هُنَيَّةً ثمَّ سَجَدَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ هُنَيَّةً فَصَلَّى صَلاَةَ عَمْرٍو بنٍ
سَلِمَةَ شَيْخِنَا هَذَا قَالَ أَيُّوبُ كانَ يَفْعَلُ شَيْئاً لَمْ أَرَهُمْ يَفْعَلُونَهُ كانَ يَقْعُدُ في الثَّالِئَةِ وَالرَّابِعَةِ.
[انظر الحديث ٦٧٧ وطرفيه].
... /٨١٩ - قالَ فَأَتَّئِّنَا النبيَّ عَ لِّ فأقَمْنَا عِنْدَهُ فقالَ لَوْ رَجَعْتُمْ إِلَى أَهْلِيكُمْ صَلُوا صَلاَةَ
كَذَا فِي حِينٍ كَذَا صَلُّوا صَلَاَةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَلْيُؤْذِّنْ أحَدُكُمْ
وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ. [انظر الحديث ٦٢٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ثم رفع رأسه هنية))، وهذا الحديث أخرجه البخاري في:
باب من قال ليؤذن في السفر مؤذن واحد: عن معلى بن أسد عن وهيب عن أيوب .. إلى
آخره. وأخرجه أيضاً في: باب إذا استووا في القراءة فليؤمهم أكبرهم، وأخرجه أيضاً في
مواضع قد بيناها في: باب من قال ليؤذن في السفر. وبينا أيضاً من أخرجه غيره، وبينا أيضاً
بقية ما فيه من المباحث والفوائد. وأبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي، وأيوب
السختياني، وأبو قلابة، بكسر القاف: هو عبد الله بن زيد الجرمي.
قوله: ((ألا أنبئكم)) كلمة: ألا، للتنبيه، وأُنبئكم من الإنباء وهو الإخبار. قوله: ((صلاة
رسول الله عَّله))، منصوب لأنه مفعول ثان. قوله: ((قال)): أي: أبو قلابة. قوله: ((هنية))، بفتح
النون وتشديد الياء آخر الحروف، أي: قليلاً. وقد مر تفسيره في الأبواب المذكورة مستوفىّ.
قوله: ((شيخنا)) بالجر لأنه عطف بيان لسلمة بن عمرو المجرور بالإضافة. قوله: ((كان)) أي:
الشيخ المذكور. قوله: ((أو الرابعة)) شك من الراوي، وبهذا يسقط سؤال من قال: لا جلوس

١٣٨
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٤١)
للاستراحة في الركعة الرابعة، لأن بعدها الجلوس للتشهد، والمراد من ذلك جلسة الاستراحة،
وهي تقع بين الثالثة والرابعة كما تقع بين الأولى والثانية، فكأنه قال: يقعد في آخر الثالثة، أو
في أول الرابعة، والمعنى واحد، فشك الراوي: أيهما قال، وقال ابن التين: في رواية أبي ذر
والرابعة، وأراه غير صحيح. قوله: ((فأتينا)) أي: قال مالك: فأتينا النبي عَِّ. فإن قلت: ما هذه
الفاء؟ قلت: للعطف على شيء محذوف تقديره: أسلمنا فأتينا، أو: قومنا أرسلونا فأتينا،
ونحو ذلك. قوله: ((لو رجعتم)) أي: إذا رجعتم، أو: إن رجعتم.
٨٢٠/٢٠٦ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قال حدَّثنا أبُو أحْمَدَ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله
الزُّبَيْرِيُّ قال حدَّثنا مشْعَرٌ عن الحكَمِ عنْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنِ أبِي لَيْلَى عنِ البَرَاءِ قال كانَ
سُجُودُ النبي عَّهِ ورُكُوعِهِ وَقُعُودِهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَرِيباً مِنَ السَّوَاءِ. [انظر الحديث
٧٩٢ وطرفه].
أخرج البخاري هذا الحديث في: باب حد إتمام الركوع والاعتدال، فيه: عن بدل بن
المحبر عن شعبة عن الحكم بن عتيبة إلى آخره، وقد مضى الكلام فيه هناك مستوفىٍ.
٨٢١/٢٠٧ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قال حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ ثَابِتٍ عن أنّس
رضي الله تعالى عنهُ قال إنِّي لا ألُو أنْ أُصَلِّيَ بِكُمْ كَمَا رَأيْتُ النّبيُّ عَلِ يُصَلِّي بِنَا قال
ثَابِتْ كانَ أَنَشْ يَصْنَعُ شَيئاً لَمْ أَرَكُمْ تَصْنَعُونَهُ كانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قامَ حَتَّى يَقُولَ
القائِلُ قَدْ نَسِيَ وبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حَتَّى يَقُولَ القَائِلُ قَدْ نَسِيَ. [انظر الحديث ٨٠٠].
مطابقته للترجمة في قوله: ((وبين السجدتين)) إلى آخره، وبنحوه أخرجه من: باب
الطمأنينة حين يرفع رأسه من الركوع: عن أبي الوليد عن شعبة عن ثابت. قال: ((كان أنس بن
مالك ينعت لنا صلاة النبي عَّهِ ... )) الحديث. قوله: ((لا آلو))، أي: لا أقصر. قوله: ((قد
نسي))، بفتح النون من النسيان وبضمها مع تشديد السين المكسورة، والخبر يدل على
استحباب المكث بين السجدتين. قال ابن قدامة: والمستحب عند أحمد أن يقول بين
السجدتين: رب اغفر لي، رب اغفر لي يكرره مراراً، انتهى، وعندنا: ليس بينهما ذكر مسنون
لأن الاعتدال فيه تبع وليس بمقصود فلا يسن فيه، وما روي في ذلك فمحمول على التهجد،
وعند داود وأهل الظاهر: أنه فرض إن تعمد ترکه بطلت صلاته.
١٤١ - بابٌ لاَ يَفْتَرِشُ ذِرَاعَيْهِ فِي السُّجُودِ
أي: هذا باب ترجمته: لا يفترش المصلي ذراعيه أي: ساعديه، ويجوز في يفترش
الجزم على النهي، والرفع على النفي، وهو أيضاً بمعنى النهي.
وقال أبُو حُمَيْدٍ سَجَدَ النبيِ عَِّ ووضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ ولاَ قابِضِهِمَا
مطابقة هذا التعليق للترجمة ظاهرة، وهو قطعة من حديث مطول أخرجه في: باب سنة
الجلوس في التشهد، يأتي بعد ثلاثة أبواب، وقال الخطابي: وضع اليدين في السجدتين غير

١٣٩
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٤١)
مفترش فهو أن يضع كفيه على الأرض، ويقل ساعديه ولا يضعهما على الأرض. ويريد بقوله:
(ولا قابضهما)) أنه يبسط كفيه مداً ولا يقبضهما بأن يضم أصابعهما، ويحتمل أن يراد بذلك
ضم الساعدين والعضدين فيلصقهما ببطنه، ولكن يجافي مرفقيه عن جنبيه. قوله: ((ولا
قابضهما)) أي: وغير قابض اليدين بأن لا يجافيهما عن جنبيه، بل يضمهما إليهما، وهذا الذي
يسمى بالتخوية عند الفقهاء.
٨٢٢/٢٠٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَارٍ قال حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ قال حدَّثنا شُعْبَةُ قال
سَمِعْتُ قَتَادَةَ عنْ أنسٍ بِنِ مالِكِ عنِ النَّبِي عَ لِّ قال اعْتَدِلُوا في السُّجُودِ ولاَ يَنْتَسِطُ أحَدُكُمْ
ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الكَلْبِ. [انظر الحديث ٢٤١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث المعنى، فإن معنى قوله: ((ولا ينبسط)) ولا يفترش. ورجاله
قد ذكروا غير مرة.
والحديث أخرجه مسلم في الصلاة أيضاً عن بندار، وهو محمد بن جعفر وعن أبي
موسى، كلاهما عن غندر وعن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع وعن يحيى بن حبيب.
وأخرجه أبو داود عن مسلم بن إبراهيم. وأخرجه الترمذي عن محمود عن غيلان. وأخرجه
النسائي عن محمد بن عبد الأعلى وإسماعيل بن مسعود.
ذكر معناه: قوله: ((عن أنس)) في رواية الترمذي التصريح بسماع قتادة له عن أنس.
قوله: ((اعتدلوا)) أي: كونوا متوسطين بين الافتراش والقبض، والحاصل أن اعتدال السجود
استقامته بين افتراش وتقبيض. قوله: ((ولا ينبسط))، كذا هو بالنون الساكنة وفتح الباء الموحدة
في رواية الأكثرين، وفي رواية الحموي: ((ولا يبتسط)) بسكون الباء الموحدة وفتح التاء
المثناة من فوق: من باب الافتعال، وفي رواية ابن عساكر: ((ولا يبسط ذراعيه))، بالباء
الموحدة الساكنة فقط، وهذه هي الأحسن. وفي رواية الأكثرين تأمل، لأن باب الانفعال لازم
لا ينصب شيئاً. والحكمة فيه أنه أشبه للتواضع وأبلغ في تمكين الجبهة من الأرض، وأبعد من
هيئات الكسالى، فإن المنبسط يشبه الكسالى ويشعر حاله بالتهاون وقلة الاعتناء بها والإقبال
عليها، فلو تركه كان مسيئاً مرتكباً لنهي التنزيه وصلاته صحيحة. واعلم أن أبا داود أخرج هذا
الحديث وترجم له بقوله: باب صفة السجود، ثم ذكر هذا الحديث، ثم قال: باب الرخصة
في ذلك، ثم روى حديث أبي هريرة، قال: ((اشتكى أصحاب النبي عَّهِ مشقة السجود
عليهم إذا انفرجوا، فقال استعينوا بالركب))، وقال ابن عجلان، أحد رواة هذا الحديث: وذلك
أن يضع مرفقيه على ركبتيه إذا طال السجود وأعيى. وفي (التلويح): وزعم أبو داود أن هذا
كان رخصة، وأما أبو عيسى فإنه فهم منه غير ما قاله ابن عجلان، فذكره في: باب ما جاء
في الاعتماد إذا قام من السجود، وروى الترمذي من حديث الأعمش عن أبي سفيان عن
جابر، رضي الله تعالى عنه، قال رسول الله عَ ليه: ((إذا سجد أحدكم فليعتدل ولا يفترش
ذراعيه افتراش الكلب)). وروى مسلم من حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها: ((نهى النبي

١٤٠
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٤٢)
عَّ طفل. أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع)). وروى ابن خزيمة من حديث أبي هريرة، رضي
الله تعالى عنه، يرفعه: ((إذا سجد أحدكم فلا يفترش يديه افتراش الكلب وليضم فخذيه)).
وروى مسلم أيضاً من حديث البراء، قال عَّهِ: ((إذا سجدت فضع كفيك وارفع
مرفقيك)). وروى الحاكم من حديث عبد الرحمن بن شبل، قال: ((نهى النبي معَّ ◌َلَّه عن نقرة
الغراب وافتراش السبع وأن يوطن الرجل المكان)).
فإن قلت: الحديث المذكور عن قريب الذي أخرجه أبو داود عن أبي هريرة يعارض
هذه الأحاديث، قال الترمذي: باب الرخصة في الإقعاء، فذكر حديث ابن عباس: ((الإقعاء
على القدمين من سنة نبيكم محمد عَّله))، وحسنه. وفي (المشكل) للطحاوي: عن عطية
العوفي، قال: رأيت العبادلة: ابن عباس وابن عمر وابن الزبير، رضي الله تعالى عنهم، يقعون
في الصلاة، ويراهم الصحابة فلا ينكرونه، وعن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، كان يضع
يديه إلى جنبيه إذا سجد. قلت: قال أبو داود: كان هذا رخصة، وقد ذكرناه، وقال أحمد:
تركه الناس. وقال القرطبي: افتراش السبع لا شك في كراهته واستحباب نقيضها. وقد روى
مسلم: ((عن ميمونة أن النبي عّ لّه كان إذا سجد جافى يديه، فلو أن بهمة أرادت أن تمر
لمرت)). وفي لفظ: ((خوَّى بيديه)، يعني: جنح، ((حتى يرى وضح إبطيه من ورائه)). وفي
(الصحيحين) من حديث ابن بحينة: ((كان إذا صلى فرّج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه)).
وعن ابن أفرم: ((صليت مع النبي ◌َّم فكنت أنظر إلى عفرتي إبطيه كلما سجد)). قال
الترمذي: حديث حسن ولا يعرف لابن أفرم غير هذا الحديث. وقال صاحب (التلويح): ذكر
البغوي له حديثاً آخر في (كتاب الصحابة) في قوله تعالى: ﴿تساقط عليك رطباً جنياً﴾
[مريم: ٢٥]. ولما ذكر أبو علي بن السكن في (كتاب الصحابة) عبد الله بن أفرم، قال: له
رواية ثابتة، ((وعن الحسن: حدثنا أحمر صاحب رسول الله عَّةٍ قال: إن كنا لنأوي للنبي،
عَّ، مما يجافي بيديه عن جنبيه)). وعن أبي هريرة: ((كان النبي عَّ إذا سجد رئي وضح
إبطيه)). وقال الحاكم: صحيح على شرطهما. ((وعن ابن عباس من عنده أيضاً: أتيت النبي،
عَّهِ، من خلفه فرأيت بياض إبطيه وهو ممخ قد فرج يديه)). وأخرج ابن خزيمة في (صحيحه)
من حديث جابر بن عبد الله، رضي الله تعالى عنه: ((كان رسول الله عَلّ إذا سجد جافى
حتى يرى بياض إبطيه))، وصححه أيضاً أبو زرعة.
١٤٢ _ بابُ مَنِ اسْتَوى قاعِداً في وِتْرٍ مِنْ صَلاَتِهِ ثُمَّ نَهَضَ
أي: هذا باب ترجمته: من استوى .. إلى آخره. قوله: ((في وتر)) أي: في الركعة
الأولى والثالثة، لا الثانية والرابعة لأنهما يستعقبان الجلوس للتشهد.
٨٢٣/٢٠٩ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ الصَّبَّح قال أخبرنا هُشَيْمٌ قالَ أخبرنا خالِدٌ الحَذَّاءُ عنْ
أبِي قِلاَبَةً قال أخبرنا مالِكُ بنُ الحُوَيْرِثِ اللَّيِْيُّ أنَّهُ رَأى النبيَّ عَِّ يُصَلِّي فَإذَا كَانَ فِي وِثْرٍ
مِنْ صَلاَتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قاعِداً.