النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٠٦)
الركعة الأولى، وقرأ في الركعة الثانية بسورة من المفصل، وهو من سورة القتال أو الفتح أو
الحجرات أو قاف إلى آخر القرآن.
وهذا التعليق وصله عبد الرزاق بلفظه من رواية عبد الرحمن بن يزيد النخعي عنه،
وأخرجه هو وسعيد بن منصور من وجه آخر عن عبد الرحمن بلفظ ((فافتتح الأنفال حتى بلغ)»
﴿ونعم النصير﴾ [الأنفال: ٤٠]. انتهى. وهذا الموضع هو رأس أربعين آية.
٤
وقال قَتَادةُ فِيمَنْ يَقْرَأُ سُورَةً واحِدةً فِي رَكْعَتَيْنِ أوْ يُرَدِّدُ سُورةً واحِدَةً فِي رَكْعَتَيْنِ
كُلِّ كِتَابُ اللهِ
قوله: ((وقال قتادة)). هذا لا يطابق شيئاً من أجزاء الترجمة، فكأن البخاري أورد هذا
تنبيهاً على جواز كل ما ذكر من الأجزاء الأربعة في الترجمة، وغيرها أيضاً لأنه قال: كل،
أي: كل ذلك كتاب الله، عز وجل، فعلى أي وجه يقرأ هو كتاب الله تعالى فلا كراهة فيه،
وذكر فيه صورتين: إحداهما: أن يقرأ سورة واحدة في ركعتين، بأن يفرق السورة فيهما.
والثانية: أن يكرر سورة واحدة في ركعتين بأن يقرأ في الركعة الثانية السورة التي قرأها في
الركعة الأولى. أما الصورة الأولى فلما روى النسائي، من حديث عائشة، رضي الله تعالى
عنها: ((أن النبي عَّلِّ قرأ في المغرب بسورة الأعراف فرقها في ركعتين))، وروى ابن أبي شيبة
أيضاً من حديث أبي أيوب، رضي الله تعالى عنه: ((أن رسول الله عَّ قرأ في المغرب
بالأعراف في ركعتين))، وعن أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، أنه قرأ بالبقرة في الفجر في
الركعتين. وقرأ عمر، رضي الله تعالى عنه، بآل عمران في الركعتين الأوليين من العشاء قطعها
فيهما، ونحوه عن سعيد بن جبير وابن عمر والشعبي وعطاء. وأما الصورة الثانية فلما روى
أبو داود: أخبرنا أحمد بن صالح أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني عمرو بن أبي هلال عن معاذ
ابن عبد الله الجهني: ((أن رجلاً من جهينة أخبره أنه سمع رسول الله عَُّلّه يقرأ في الصبح:
﴿إذا زلزلت﴾ [الزلزلة: ١]، في الركعتين كلتيهما، فلا أدري أنسي رسول الله عَ لّة أم قرأ
ذلك عمداً؟)) وبهذا استدل بعض أصحابنا أنه إذا كرر سورة في الركعتين لا يكره، وقيل:
يكره، وقد ذكر في (المبسوط): أنه لا ينبغي أن يفعل، وإن فعل فلا بأس به، والأفضل أن يقرأ
في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة كاملة في المكتوبة.
... /٧٧٤م - وقالَ عُبَيْدُ اللهِ بنُ عُمر عنْ ثَابِتٍ عنْ أَنَسٍ رضي الله تعالى عنه كانَ رَجُلٌ
مِنَ الأَنصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدٍ قُبَاءٍ وكانَ كُلَّما افْتَتَحَ سُورةً بِقْرَأَ بِها لَهُمْ في الصلاَةِ مِمَّا
يَقرأُ بِهِ افْتَتَحَ بِقُلْ هُوَ الله أحَدٌ حَتَّى يَفْرُعَ مِنْها ثُمَّ يَقرأُ سُورةً أُخْرَى مَعَها وكانَ يَصْنِعُ ذَلِكَ
فِي كُلِّ رَكْعةٍ فَكَلَّمَهُ أَصْحابُهُ فقالُوا إِنَّكَ تَفْتَتِحُ بِهَذِهِ السُّورَةِ ثُمَّ لاَ تَرَى أَنَّهَا تجْزِئُكَ حَتَّى
تَقْرَأَ بِأَخْرَى فإمَّا أنْ تَقْرأ بِهَا وإمَّا أنْ تَدَعَهَا وتَقْرَأَ بِأُخْرَى فقالَ ما أنا بِتَارِكِهَا إِنْ أَخْبَبْتُمْ أَنْ
أوْمَّكُمْ بِذَلِكَ فَعَلْتُ وإِنْ كَرِهْتُمْ تَرَكْتُكُمْ وكَانُوا يَوْنَ أَنَّهُ مِنْ أَفْضَلِهِمْ وكَرِهُوا أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ
فَلَمَّا أَتَاهُمُ النبيُّ عَّ ◌ُلِّّ أَخْبَرُوهُ الخَبرَ فقال يا فُلانُ ما يَمْنَعَكَ أَنْ تَفْعَلَ ما يَأْمُرُكَ بِهِ أَصْحَابُكَ

٦٢
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٠٦)
ومَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فقالَ إِنِّي أُحِبُهَا فقالَ حُبُّكَ إِيَّاهَا
أُدْخَلَكَ الجَنَّةَ.
مطابقته للجزء الأول من الترجمة، وهو الجمع بين السورتين في الركعتين، فإن الإمام في هذا
الحديث كان إذا افتتح الصلاة: بقل هو الله أحد، يقرأ سورة أخرى بعد فراغه من: قل هو الله
أحد، وكان يفعل ذلك في كل ركعة، وهذا هو الجمع بين السورتين في ركعة.
ذكر رجاله: وهم ثلاثة: الأول: عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن
الخطاب، رضي الله تعالى عنهم، وقد تكرر ذكره. الثاني: ثابت البناني. الثالث: أنس بن
مالك. وهذا تعليق بصيغة التصحيح وصله الترمذي في (جامعه) عن محمد بن إسماعيل
البخاري: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثني عبد العزير بن محمد عن عبيد الله بن
عمرو عن ثابت عن أنس، رضي الله تعالى عنه، فذكره بنحوه، وقال: صحيح غريب من
حديث عبيد الله عن ثابت.
ذكر معناه: قوله: ((كان رجل من الأنصار)) هو كلثوم بن هدم، كذا ذكره أبو موسى
في (كتاب الصحابة)، والهدم، بكسر الهاء وسكون الدال: وهو من بني عمرو بن عوف
سكان قباء، وعليه نزل النبي عَّ لما قدم في الهجرة إلى قباء، وقيل: هو قتادة بن النعمان،
وليس بصحيح، فإن في قصة قتادة أنه كان يقرؤها في الليل يرددها، ليس فيه أنه أم بها، لا
في سفر ولا في حضر، ولا أنه سئل عن ذلك ولا بشر. قوله: ((سورة يقرؤها)) سورة، بالنصب
لأنه مفعول: يفتتح، ويقرأ، في محل النصب لأنه صفة لسورة. قوله: (مما يقرأ به)) أي:
كلما افتتح بسورة افتتح بسورة: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١]، لا يقال: إذا افتتح
بالسورة، كيف يكون الافتتاح: بقل هو الله أحد؟ لأن المراد إذا أراد الافتتاح بسورة افتتح أولاً.
بسورة: قل هو الله أحد. قوله: ((معها)) أي: مع ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١]. قوله:
((فكان يصنع ذلك))، أي: الذي ذكره مع أنه، إذا افتتح بسورة افتتح أولاً بقل هو الله أحد.
قوله: ((إنها لا تجزيك)) أي: إن السورة التي تفتتح بها لا تجزيك، بفتح التاء ويروى بضم
التاء، فالأول من: جزى يجزي أي: كفى، والثاني من: الإجزاء. قوله: ((أن تدعها)) أي:
تتركها وتقرأ سورة أخرى غير قل هو الله أحد. قوله: ((أخبروه الخبر))، وهو المعهود من
ملازمته لقراءة سورة قل هو الله أحد. قوله: ((ما يأمرك به أصحابك)) معناه: ما يقول لك
أصحابك، لأنه ليس هنا أمر مصطلح، لأن الأمر هو قول القائل لغيره: إفعل، على سبيل
الاستعلاء. وقول الكرماني: إن الاستعلاء في الأمر لا يشترط غير موجه، وأما صورة الأمر
الذي لا استعلاء فيه لا يسمى أمراً، وإنما يسمى التماساً، وكلمة: ((ما)) في: ((ما يأمرك به))
موصولة. وفي قوله: ((ما يحملك؟)) استفهامية، ومعناه: ما الباعث لك في التزام ما لا يلزم من
قراءة سورة: قل هو الله أحد، في كل ركعة؟ قوله: ((قال إني أحبها)) أي: أحب سورة: قل
هو الله أحد، وهو جواب السؤال رسول الله، عَّ له. فإن قلت: السؤال شيئان، والجواب عن
أيهما؟ فإن قلت: عن الثاني، ولا يكون عن الأول أيضاً لأنهم خيروه بين قراءته لها فقط

٦٣
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٠٦)
وقراءة غيرها. فلا يصح أن يقول: محبتي لها هو المانع من اختياري قراءتها فقط، وإنما ما
أجاب عن الأول فقط لأنه يعلم منه، فكأنه قال: أقرؤها لمحبتي لها، وأقرأ سورة أخرى إقامة
للسنة كما هو المعهود في الصلاة، فالمانع مركب من المحبة وعهد الصلوات. قوله: ((حبك
إياها)) أي: حبك لسورة قل هو الله أحد، والحب مصدر مضاف إلى فاعله، وارتفاعه بالابتداء
وخبره. قوله: ((أدخلك الجنة)) ومعناه: يدخلك الجنة، لأن الدخول في المستقبل، ولكنه
لما كان محقق الوقوع فكأنه قد وقع فأخبر بلفظ الماضي.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: جواز الجمع بين السورتين في ركعة واحدة، وعليه جزء من
التبويب، وإليه ذهب سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وعلقمة وسويد بن غفلة وإبراهيم
النخعي وسفيان الثوري وأبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في رواية، ويروى ذلك عن
عثمان وحذيفة وابن عمر وتميم الداري، رضي الله تعالى عنهم. وقال قوم، منهم الشعبي وأبو
بكر بن عبد الرحمن بن الحارص وأبو العالية رفيع بن مهران: لا ينبغي للرجل أن يزيد في
كل ركعة من صلاته على سورة مع فاتحة الكتاب، واحتجوا في ذلك بما رواه عبد الرزاق
في (مصنفه): عن هشيم عن يعلى بن عطاء عن ابن لبيبة قال: ((قلت لابن عمر أو قال غيري:
إني قرأت المفصل في ركعة. قال: أفعلتموها؟ إن الله تعالى لو شاء لأنزله جملة واحدة،
فأعطوا كل سورة حظها من الركوع والسجود)). وأخرجه الطحاوي أيضاً من حديث يعلى بن
عطاء، قال: سمعت ابن لبيبة، قال: ((قال رجل لابن عمر: إني قرأت المفصل في ركعة، أو
قال: في ليلة. فقال ابن عمر: إن الله تبارك وتعالى لو شاء لأنزله جملة واحدة، ولكن فصله
ليعطي كل سورة حظها من الركع والسجود)). وأخرجه الطحاوي أيضاً من حديث يعلى بن
عطاء. وابن لبيبة: هو عبد الرحمن بن نافع بن لبيبة الحجازي، وثقه ابن حبان، وأجيب عن
هذا بأن حديث ابن مسعود الآتي ذكره عن قريب وحديث عائشة وحذيفة في هذا الباب
يخالف هذا، فإذا ثبتت المخالفة يصار إلى أحاديث هؤلاء لقوتها واستقامة طرقها.
أما حديث عائشة فرواه الطحاوي من حديث عبد الله بن شعبة، قال: ((قلت لعائشة:
أكان رسول الله عَّله يقرن السورة؟ قالت: المفصل، أي: نعم يقرن المفصل)). وأخرجه ابن
أبي شيبة في مصنفه. وأما حديث حذيفة فأخرجه النسائي من حديث صلة بن زفر عن
حذيفة: ((أن النبي عَّ قرأ البقرة وآل عمران والنساء في ركعة))، الحديث. وأخرجه الطحاوي
أيضاً. وفيه : دليل صريح على عدم اشتراط قراءة الفاتحة في الصلاة، وقال بعضهم: وأجيب
بأن الراوي لم يذكر الفاتحة اعتناء بالعلم، لأنه لا بد منها فيكون معناه: افتتح بسورة بعد
الفاتحة. انتهى. قلت: هذا خلاف معنى التركيب ظاهراً. وأيضاً: إن أهل مسجد قباء أنكروا
على هذا الأنصاري في جمعه بين السورتين في ركعة واحدة، الذي هو لم يكن يضر
صلاتهم، فلو كانت قراءة الفاتحة شرطاً لكانوا أنكروا أكثر من ذلك، بل كانوا أعادوا
صلاتهم. وفيه : جواز تخصيص بعض القرآن للصلاة لميل النفس إليه ولا يعد ذلك هجراناً
لغيره. وفيه : إشعار بأن سورة الإخلاص مكية. وفيه : ما يشعر أن الذي ينبغي أن يكون الإمام

٦٤
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٠٦)
من أفضل القوم. وفيه : أن الصلاة تكره وراء من يكرهه القوم. وفيه : ما يدل على أن تبشيره
عَّه لذلك الرجل بالجنة على أنه رضي بفعله.
٧٧٥/١٦٣ - حدَّثنا آدمُ قالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَمْرِو بنٍ مُرَّةَ قال سَمِعْتُ أبا وَائِلِ قال جاءَ
رَجُلٌ إلى ابنِ مَسْعُودٍ فقال قَرَأْتُ المُفَصَّلَ اللَّيْلَةَ فِي رَكْعَةٍ فقال هذّاً كَهَذِّ الشِّغْرِ لَّقَدْ عَرَفْتُ
التَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ عَّهِ يَقْرِنُ بَيْتَهُنَّ فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةٌ مِنَ المُفَصَّلِ سُورَتَيِْ فِي كُلِّ
ركْعَةٍ [الحديث ٧٧٥ - طرفاة في: ٤٩٩٦، ٥٠٤٣].
مطابقته للجزء الأول من الترجمة، وهو الجمع بين السورتين في ركعة فقوله: ((كان
رسول الله عَّ يقرن))، إلى آخره، يدل على ذلك، وليس في هذا الباب حديث موصول غير
هذا، فلذلك صدرت الترجمة بالجزء الذي دل عليه.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: آدم بن إياس، وشعبة بن الحجاج، وعمرو بن مرة،
بضم الميم وتشديد الراء: ابن عبد الله الكوفي الأعمى، وأبو وائل شقيق بن سلمة.
ذكر لطائف إسناده: وفيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه : السماع.
وفيه : القول في أربعة مواضع. وفيه : أن رواته ما بين عسقلاني وواسطي وكوفي ..
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم أيضاً في الصلاة عن محمد بن المثنى ومحمد
ابن بشار، كلاهما عن غندر، وأخرجه النسائي فيه عن إسماعيل بن مسعود عن خالد بن
الحارث.
ذكر معناه: قوله: ((جاء رجل)) هو نهيك بن سنان البجلي، سماه منصور في روايته عن
أبي وائل عند مسلم، ونهيك، بفتح النون وكسر الهاء، وسنان، بكسر السين المهملة وبنونين
بينهما ألف. قوله: ((المفصل))، قد مر غير مرة أن المفصل من سورة القتال أو الفتح أو
الحجرات أو قاف إلى آخر القرآن. قوله: ((هذا)) بفتح الهاء وتشديد الذال المعجمة من: هذَّ
يهذ هذاً، وفي (التهذيب) للأزهري: الهذ: سرعة القطع وسرعة القراءة. وقال ابن التياني: هذه
القراءة سردها، وانتصابه على المصدرية، والتقدير: أنهذ هذا، وحرف الاستفهام فيه محذوف
تقديره: أهذا؟ والاستفهام على سبيل الإنكار، وهي ثابتة في رواية منصور عند مسلم، وإنما
قال ذلك لأن تلك الصفة كانت عادتهم في إنشاد الشعر. وقال المهلب: إنما أنكر عليه عدم
التدبر وترك الترسل لا جواز الفعل. قوله: ((النظائر))، جمع نظيرة وهي السورة التي يشبه
بعضها بعضاً في الطول والقصر. وقال صاحب (التلويح): النظائر: المتماثلة في العدد، والمراد
هنا المتقاربة، لأن الدخان ستون آية وعم يتساءلون أربعون آية. وقال بعضهم: النظائر السور
المتماثلة في المعاني: كالموعظة أو الحكم أو القصص، لا المتماثلة في عدد الآي. ثم قال
المحب الطبري: كنت أظن أن المراد أنها متساوية في العدد حتى اعتبرتها، فلم أجد فيها
شيئاً متساوياً. قلت: هذا الذي قاله هذا القائل من أن المراد من النظائر السور المتماثلة في
المعاني إلى آخره ليس كذلك، ولا دخل للتماثل في المعاني في هذا الموضع، وإنما المراد

٦٥
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٠٦)
التقارب في المقدار، والذي يدل على هذا ما رواه الطحاوي: حدثنا ابن أبي داود، قال:
حدثنا هشام بن عبد الملك، قال: حدثنا أبو عوانة عن حصين، قال: أخبرني إبراهيم عن نهيك
ابن سنان السلمي أنه أتى عبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنه، فقال: قرأت المفصل
الليلة في ركعة. فقال: أهذًّا مثل هذا الشعر؟ أو نثراً مثل نثر الدقل؟ وإنما فصل لتفصلوه، لقد
علمنا النظائر التي كان رسول الله عَّه يقرن عشرين سورة الرحمن والنجم، على تأليف ابن
مسعود كل سورتين في ركعة، وذكر الدخان وعم يتساءلون في ركعة، فقلت لإبراهيم: أرأيت
ما دون ذلك كيف أصنع؟ قال: ربما قرأت أربعاً في ركعة. انتهى.
وهذا ينادي بأعلى صوته: إن المراد من النظائر السور المتقاربة في المقدار لا في
المعاني، لأن ذكر فيه الرحمن والنجم، وهما متقاربان في المقدار، لأن الرحمن ست
وسبعون آية. والنجم ثنتان وستون آية، وهي قريبة من سورة الرحمن في كونهما من النظائر.
وكذا ذكر فيه الدخان وعم يتساءلون فإنهما أيضاً متقاربان في المقدار، فإن الدخان سبع أو
تسع وخمسون آية، وعم يتساءلون أربعون أو إحدى وأربعون آية. وقوله: ((فقلت لإبراهيم:
أرأيت ما دون ذلك كيف أصنع؟)) معناه: ما دون السور الأربع المذكورة في المقدار، وهو
الطول والقصر، وكيف أصنع؟ قال: ربما قرأت أربعاً، أي: أربع سور من السور التي هي أقصر
في المقدار من السور المذكورة التي هي: الرحمن والنجم والدخان وعم يتساءلون.
قوله: ((على تأليف ابن مسعود))، أراد به أن سورة النجم كان بحذاء سورة الرحمن
في مصحف ابن مسعود، بخلاف مصحف عثمان. قوله: في لفظه أي: البخاري يقرن بينهن
أي: بين النظائر، و: يقرن، بضم الراء وكسرها. قوله: ((فذكر عشرين سورة) أي: فذكر ابن
مسعود عشرين سورة التي هي النظائر، ولكن لم يفسرها ههنا، وقد فسرها في رواية أبي
داود، قال: حدثنا عباد بن موسى حدثنا إسماعيل بن جعفر عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن
علقمة والأسود، قالا: أتى ابن مسعود رجل فقال: إني أقرأ المفصل في ركعة. فقال: أهذّاً
كهذ الشعر ونثراً كنثر الدقل؟ لكن النبي عَّ كان يقرن النظائر: السورتين في ركعة الرحمن
والنجم في ركعة، واقتربت والحاقة في ركعة، والذاريات والطور في ركعة، وهل أتى ولا
أقسم في ركعة، وعم يتساءلون والمرسلات في ركعة. وإذا الشمس كورت والدخان في
ركعة. فإن قلت: الدخان ليست من المفصل، فكيف عدها من المفصل؟ قلت: فيه تجوز،
فلذلك قال في (فضائل القرآن من رواية وأصل): عن أبي وائل ثماني عشرة سورة من
المفصل وسورتين من آل حم، حيث أخرج الدخان من المفصل، والتقدير فيه: وسورتين
إحداهما من آل حم حتى لا يشكل هذا أيضاً.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: النهي عن الهذ. وفيه : الحث على الترسل والتدبر، وبه قال
جمهور العلماء، وقال القاضي: وأباحت طائفة قليلة الهذ. وفيه : جواز تطويل الركعة الأخيرة
على ما قبلها والأولى التساوي فيهما إلاّ في الصبح، فالأفضل فيه تطويل الركعة الأولى على
الثانية، وقد ذكرناه مع الخلاف فيه. وفيه : جواز الجمع بين السور لأنه إذا جاز الجمع بين
عمدة القاري / ج٦ / ٥٢

٦٦
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٠٧)
السورتين فكذلك يجوز بين السور، والدليل عليه حديث عائشة حين سألها عبد الله بن
شقيق: ((أكان رسول الله عَّم يجمع بين السور؟ قالت: نعم من المفصل)). ولا يخالف هذا
ما جاء في التهجد: أنه جمع بين البقرة وغيرها من الطوال، لأنه كان نادراً. وقال عياض، في
حديث ابن مسعود: هذا يدل على أن هذا القدر كان قدر قراءته غالباً، وأما تطويله فإنما كان
في التدبر والترسل، وأما ما ورد غير ذلك من قراءة البقرة وغيرها في ركعة فكان نادراً. وقال
بعضهم: ليس في حديث ابن مسعود ما يدل على المواظبة، بل فيه أنه كان يقرن بين هذه
السور المعينات إذا قرأ من المفصل. انتهى.
قلت: آخر كلامه ينقض أوله، لأن لفظة: كان، تدل على الاستمرار، وهو يدل على
المواظبة. وقال الكرماني: وفيه: دليل على أن صلاته عَّ له من الليل كانت عشر ركعات،
وكان يوتر بواحدة. قلت: لا نسلم أن ظاهر الحديث يدل على هذا، ولئن سلمنا ما قاله،
ولكن من أين يدل على أن وتره كان ركعة واحدة؟ بل كان ثلاث ركعات، لأنه كان يصلي
ثمان ركعات ركعتين ركعتين ثم يصلي ثلاث ركعات أخرى بتسليمة واحدة في آخرهن،
فهذه هي وتره، عَّه، وسيجيء تحقيق هذا في أبواب الوتر إن شاء الله تعالى.
١٠٧ - بابٌ يَقْرَأُ فِي الأُخْرَیَیْنِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ
أي: هذا باب ترجمته يقرأ المصلي في الركعتين الأخريين من ذوات الأربع بفاتحة
الكتاب ولا يزيد عليها، وقال بعضهم: وسكت عن ثالثة المغرب رعاية للفظ الحديث مع أن
حكمها حكم الأخريين من الرباعية. قلت: لا يفهم من حديث الباب أن حكمها حكم
الأخريين من الرباعية.
٧٧٦/١٦٤ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا هَيَّامٌ عَنْ يَحْيَى عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ أبِي
قَتَادَةً عِنْ أَبِيهِ أنَّ النَّبِيَّ عَِّ كانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ فِي الأَولَيَيْنِ بِأُمّ الكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ وفِي
الرَّكْعَتَيْنِ الأَخْرَيَيْنِ بِأَمّ الكِتَابِ وَيُشْمِعُنَا ويُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأَولى ما لاَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ
الثَّانِيَةِ وهَكَذَا فِي العَصْرِ وهَكَذَا في الصُّبْحِ. [انظر الحديث ٧٥٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب))، والحديث قد
مضى في باب القراءة في الظهر، أخرجه عن أبي نعيم عن شيبان عن يحيى إلى آخره، وهنا
أخرجه عن موسى بن إسماعيل المنقري التبوذكي عن همام بن يحيى عن يحيى بن أبي كثير
إلى آخره، فاعتبر التفاوت بين المتنين، وقد تكلمنا هناك على جميع ما يتعلق به. قوله: ((في
الأوليين))، أي: في الركعتين الأوليين. قوله: ((وسورتين)) أي: وكان يقرأ بسورتين في كل
ركعة بسورة. قوله: ((ويسمعا))، بضم الياء من الإسماع، قوله: ((ويطول)) من التطويل. قوله:
((ما لا يطيل)) من الإطالة، كذا هو في رواية الأكثرين، وفي رواية كريمة: ((ما لا يطول)) من
التطويل، وفي رواية المستملي والحموي: ((ومما لا يطيل))، وكلمة: ما، في: ((ما لا يطيل))،
يحتمل أن تكون نكرة موصوفة أي: تطويلاً لا يطيله في الثانية، وأن تكون مصدرية أي: غير

٦٧
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٠٨ و١٠٩)
إطالته في الثانية، فتكون هي مع ما في حيزها صفة لمصدر محذوف. قوله: ((وهكذا في
الصبح)) التشبيه في تطويل الركعة الأولى فقط، بخلاف التشبيه في العصر، فإنه أعم منه.
وقال الكرماني: فيه حجة على من قال: إن الركعتين الأخريين، إن شاء لم يقرأ الفاتحة
فيهما؟ قلت: قوله: ((وفي الأخريين بأم الكتاب)) لا يدل على الوجوب، والدليل على ذلك
ما رواه ابن المنذر عن علي، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: إقرأ في الأوليين وسبح في
الأخريين، وكفى به قدوة، وروى الطبراني في (معجمه الأوسط): عن جابر، قال: ((سنة
فالقراءة في الصلاة أن يقرأ في الأوليين بأم القرآن وسورة، وفي الأخريين بأم القرآن)). وهذا
حجة على من جعل قراءة الفاتحة من الفروض، والله تعالى أعلم.
١٠٨ - بابُ مَنْ خَافَتَ القِرَاءَةَ فِي الظُّهْرِ والعَصْرِ
أي: هذا باب في بيان حكم من خافتَ أي أسر القراءة في صلاة الظهر وصلاة
العصر، وفي رواية الكشميهني: من خافت بالقراءة.
٧٧٧/١٦٥ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قال حدَّثنا جَرِيرٌ عنِ الأعْمَشِ عنْ عُمَارَةَ بنِ عُمَيْرٍ
عنْ أبِي مَعْمَرٍ قُلْتُ لِخَبَّابٍ أَكَانَ رسولُ اللهِ عَّ ◌َهِ يَقْرَأْ فِي الظُّهْرِ والعَصْرِ قال نَعَمْ قُلْنَا مِنْ
أيْنَ عَلِمْتَ قال بِاضْطِرابٍ لِحْيَتِهِ. [انظر الحديث ٧٤٧ وطرفيه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وهي قراءة النبي عّ لّهم في الظهر والعصر سراً، لأن خباباً أخبر
أنه قرأ فيهما، وأنه علم ذلك باضطراب لحيته المباركة، وقد مضى هذا الحديث في: باب
رفع البصر إلى الإمام في الصلاة. وأخرجه هناك عن موسى بن إسماعيل عن عبد الواحد عن
سليمان الأعمش إلى آخره، وههنا: عن قتيبة عن جرير بن عبد الحميد عن سليمان الأعمش،
وقد مر بيان ما يتعلق به هناك. قوله: ((أكان؟)) الهمزة فيه على سبيل الاستخبار.
١٠٩ - بابٌ إذَا أسْمَعَ الإمامُ الآيَةَ
أي: هذا باب ترجمته: إذا أسمع الإمام القوم الآية من الذي يقرؤه، وفي رواية
الكشميهني: إذا سمع، بتشديد الميم، من التسميع، والأول من الإسماع، وهذا في السرية.
وجواب: إذا، محذوف، يعني: لا يضره ذلك خلافاً لمن قال يسجد للسهو إن كان ساهياً،
وخلافاً لمن قال: يسجد مطلقاً.
٧٧٨/١٦٦ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسفَ قالَ حدَّثنا الأَوْزَاعِي قال حدَّثنِي يَحْيِى بنُ أبي
كَثِيرٍ قال حدَّثني عبْدُ اللهِ بنُ أبِي قَتَادَةً عنْ أَبِيهِ أنَّ النبيَّ عَِّ كانَ يَقْرَأُ بِأَمِّ الكِتَابِ وَسُورَةٍ
مَعَهَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأَولَيَيْنِ مِنْ صَلاَةِ الظُّهُرِ وصَلاَةِ العَصْرِ وَيُسْمِعْنَا الْآيَةَ أَحْيَاناً وكانَ يُطِيلُ
في الرِّكْعَةِ الأَولى. [انظر الحديث ٧٥٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ويسمعنا الآية أحياناً))، وقد مضى هذا الحديث في: باب
القراءة في العصر، خرجه عن مكي بن إبراهيم عن هشام عن يحيى بن أبي كثير. وههنا:

٦٨
١٠ - كتاب الأذان / باب (١١٠ و ١١١)
أخرجه عن محمد بن يوسف الفريابي عن عبد الرحمن بن الأوزاعي عن يحيى إلى آخره، وقد
مر الكلام فيه هناك مستوفىّ.
١١٠ - بابٌ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولى
أي: هذا باب ترجمته يطول المصلي الركعة الأولى بالقراءة في جميع الصلوات وفي
الصبح عند أبي حنيفة خاصة.
٧٧٩/١٦٧ - حدّثنا أبُو نُعَيْم قال حدَّثنا هِشَامٌ عنْ يَحْتَئِ بنِ أبي كَثِيرٍ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ أبي
قَتَادَةَ عنْ أَبِيهِ أنَّ النبيَّ ◌َّلَلِ كَانَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى مِنْ صَلاَةِ الظُّهْرِ وَيُقَصِّرُ فِي
الرَّكْعَةِ الثَّانِيةِ ويَفْعَلُ ذَلِكَ فِي صَلاةِ الصُّبْحِ. [انظر الحديث ٧٥٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وهي في قوله: ((كان يطيل في الركعة الأولى))، وقد مضى
الحديث في: باب يقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب عن قريب، أخرجه هناك: عن موسى بن
إسماعيل عن همام عن يحيى إلى آخره، وههنا: عن أبي نعيم الفضل بن دكين عن هشام
الدستوائي، عن يحيى إلى آخره، وقد تقدم البحث فيه هناك.
١١١ - بابُ جَهْرِ الإمامِ بِالتَّأَمِين
أي: هذا باب في بيان حكم جهر الإمام وجهر الناس بالتأمين، على وزن: التفعيل،
من: أمن يؤمن، إذا قال: آمين، وهو بالمد والتخفيف في جميع الروايات وعند جميع القراء
كذلك. وحكى الواحدي عن حمزة والكسائى: الإمالة فيها، وفيها ثلاث لغات أخر، وهى
شاذة:
الأولى: القصر، حكاه ثعلب وأنكر عليه ابن درستويه.
الثانية: القصر مع التشديد.
والثالثة: المد مع التشديد، وجماعة من أهل اللغة قالوا: إنهما خطأ. وقال عياض:
حكي عن الحسن المد والتشديد، قال: وهي شاذة مردودة، ونص ابن السكيت وغيره من
أهل اللغة: على أن التشديد لحن العوام وهو خطأ في المذاهب الأربعة، واختلف الشافعية في
بطلان الصلاة بذلك، وفي (التجنيس): ولو قال: آمين، بتشديد الميم، في صلاته تفسد، وإليه
أشار صاحب (الهداية) بقوله: والتشديد خطأ فاحش، ولكنه لم يذكر هنا فساد الصلاة به،
لأن فيه خلافاً، وهو: أن الفساد قول أبي حنيفة، وعندهما: لا تفسد، لأنه يوجد في القرآن
مثله، وهو قوله تعالى: ﴿ولا آمين البيت الحرام﴾ [المائدة: ٢]. وعلى قولهما الفتوى، وأما
وزن: آمين، فليس من أوزان كلام العرب، وهو مثل: هابيل وقابيل. وقيل: هو تعريب همين.
وقيل: أصله: يا الله استجب دعاءنا، وهو اسم من أسماء الله تعالى، إلاّ أنه أسقط اسم النداء،
فأقيم المد مقامه، فلذلك أنكر جماعة القصر فيه، وقالوا: المعروف فيه المد. وروى عبد
الرزاق عن أبي هريرة بإسناد ضعيف أنه اسم من أسماء الله تعالى. وعن هلال بن يساف

٦٩
١٠ - كتاب الأذان / باب (١١١)
التابعي مثله، وهو اسم فعل مثل: صه، بمعنى: أسكت. ويوقف عليه بالسكون، فإن وصل بغيره
حرك لالتقاء الساكنين، ويفتح طلباً للخفة لأجل البناء: كأين وكيف. وأما معناه، فقيل: ليكن
كذلك، وقيل: أقبل. وقيل: لا تخيب رجاءنا. وقيل: لا يقدر على هذا غيرك، وقيل: طابع
الله على عباده يدفع به عنهم الآفات، وقيل: هو كنز من كنوز العرش لا يعلم تأويله الا الله.
وقيل: من شدد ومد، فمعناه: قاصدين إليك. ونقل ذلك عن جعفر الصادق. وقيل: من قصر
وشدد فهي كلمة عبرانية أو سريانية، وعن أبي زهير النميري، قال: ((وقف رسول الله عَ ليه
على رجل ألح في الدعاء فقال عَّ له: وجب إن ختم، فقال رجل من القوم: بأي شيء يختم؟
قال: بآمين، فإنه إن ختم بآمين فقد وجب)). رواه أبو داود. قلت: أبو زهير صحابي، وهو
بضم الزاي وفتح الهاء. وفي (المجتبي): لا خلاف أن: آمين، ليس من القرآن حتى قالوا
بارتداد من قال: إنه منه، وإنه مسنون في حق المنفرد والإمام والمأموم والقارىء خارج
الصلاة، واختلف القراء في التأمين بعد الفاتحة إذا أراد ضم سورة إليها، والأصح أنه يأتي بها.
وقالَ عَطَاءٌ آمِينَ دُعَاءٌ أَمَّنَ بنُ الزُّبَيْرِ ومَنْ وَرَاءَهُ حَتَّى إِنَّ لِلْمَسْجِدِ لَلَجَّةٌ
مطابقة هذا الأثر للترجمة من حيث إن عطاء لما قال: آمين، دعاه والدعاء يشترك فيه
الإمام والمأموم، ثم أكد ذلك بما رواه عن ابن الزبير، رضي الله تعالى عنهما، وعطاء بن أبي
رباح، وابن الزبير: هو عبد الله بن الزبير بن العوام، وهذا تعليق وصله عبد الرزاق عن ابن
جريج: ((عن عطاء قلت له: أكان ابن الزبير يؤمن على إثر أم القرآن؟ قال: نعم، ويؤمن من
وراءه حتى إن للمسجد للجة، ثم قال: إنما آمين دعاء)». ورواه الشافعي عن مسلم بن خالد
عن ابن جريج: ((عن عطاء، قال: كنت أسمع الأئمة - ابن الزبير ومن بعده - يقولون: آمين،
ويقول من خلفه: آمين، حتى إن للمسجد للجة)). وفي (المصنف): حدثنا ابن عيينة قال:
لعله عن ابن جريج عن عطاء: ((عن ابن الزبير، قال: كان للمسجد رجة، أو قال: لجة، إذ قال
الإمام ﴿ولا الضالين﴾ [الفاتحة: ٧])). وروى البيهقي عن خالد بن أبي أيوب ((عن عطاء قال:
أدركت مائتين من أصحاب النبي عَّه في هذا المسجد إذا قال الإمام ﴿غير المغضوب
عليهم ولا الضالين﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧] سمعت لهم رجة: بآمين)) قوله: ((حتى إن للمسجد
للجة)) كلمة: إن، بالكسر، وللمسجد أي: ولأهل المسجد، للجة: اللام الأولى للتأكيد،
والثانية من نفس الكلمة، وبتشديد الجيم: وهي الصوت المرتفع، وكذلك اللجلجة، ويروى:
(الجلبة))، بفتح الجيم واللام والباء الموحدة، وهي الأصوات المختلطة. وفي رواية البيهقي:
لرجة، بالراء موضع اللام. قوله: ((آمين دعاء)) مبتدأ وخبر مقول القول. قوله: ((أمن ابن الزبير))
ابتداء كلام من إخبار عطاء.
وكانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُنَادِي الإِمامَ لا تَفُتْنِي بِآمِينَ
مطابقة هذا للترجمة من حيث إنه يقتضي أن يقول الإمام والمأموم كلاهما: آمين، ولا
يختص به أحدهما. قوله: ((لا تفتني))، بفتح التاء المثناة من فوق، هي تاء الخطاب، وضم

٧٠
١٠ - كتاب الأذان / باب (١١١)
الفاء وسكون التاء: ومعناه: لا تدعني أن يفوت مني القول بآمين. ويروى: لا يسبقني، من
السبق، وهكذا وصل ابن أبي شيبة هذا التعليق فقال: حدثنا وكيع حدثنا كثير بن زيد عن
الوليد بن رباح ((عن أبي هريرة أنه كان يؤذن بالبحرين فقال للإمام: لا تسبقني بآمين)). وأخبرنا
أبو أسامة عن هشام عن محمد عنه مثله. انتهى. وكان الإمام بالبحرين العلاء بن الحضرمي،
وروى صاحب (المحلى): عن عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة
عن أبي هريرة أنه كان مؤذناً للعلاء بن الحضرمي بالبحرين، فاشترط عليه أن لا يسبقه بآمين.
وروى البيهقي من حديث أبي رافع أن أبا هريرة، كان يؤذن لمروان بن الحكم فاشترط أن لا
يسبقه بالضالين، حتى يعلم أنه قد دخل الصف، فكان إذا قال مروان: ﴿ولا الضالين﴾
[الفاتحة: ٧] قال أبو هريرة: آمين، يمد بها صوته. وقال: إذا وافق تأمين أهل الأرض تأمين أهل
السماء غفر لهم. وروي عن بلال نحو قول أبي هريرة أخرجه أبو داود: حدثنا إسحاق بن
إبراهيم بن راهويه أخبرنا وكيع عن سفيان عن عاصم عن أبي عثمان ((عن بلال أنه قال: يا
رسول الله لا تسبقني بآمين)). وقد أول العلماء قوله: لا تسبقني على وجهين:
الأول: أن بلالاً كان يقرأ الفاتحة في السكتة الأولى من سكتتي الإمام، فربما يبقى
عليه شيء منها، ورسول الله عَّ سليم قد فرغ منها فاستمهله بلال في التأمين بقدر ما يتم فيه
قراءة بقية السورة، حتى ينال بركة موافقته في التأمين.
الثاني: أن بلالاً كان يقيم في الموضع الذي يؤذن فيه من وراء الصفوف، فإذا قال:
قد قامت الصلاة، كبر النبي عَّ، فربما سبقه ببعض ما يقرؤه، فاستمهله بلال قدر ما يلحق
القراءة والتأمين. قلت: هذا الحديث مرسل، وقال الحاكم في (الأحكام): قيل إن أبا عثمان
لم يدرك بلالاً، وقال أبو حاتم الرازي: رفعه خطأ، ورواه الثقات عن عاصم عن أبي عثمان
مرسلاً، وقال البيهقي: وقيل عن أبي عثمان عن سلمان، قال: قال بلال، وهو ضعيف ليس
بشيء. قلت: عاصم هو الأحول، وأبو عثمان هو عبد الرحمن ابن مل النهدي.
:
وقال نافِعْ كانَ ابنُ عُمَرَ لاَ يَدَعُهُ ويَحْضُّهُمْ وَسَمِعْتُ مِنْهُ فِي ذَلِكَ خَيْراً
مطابقته للترجمة من حيث إنه كان لا يترك التأمين، وهذا يتناول أن يكون إماماً أو
مأموماً، وكان في الصلاة أو خارج الصلاة، وهذا التعليق وصله عبد الرزاق عن ابن جريج:
أخبرني نافع أن ابن عمر كان إذا ختم أم القرآن قال: آمين، لا يدع أن يؤمن إذا ختمها،
ويحضهم على قولها. قوله: ((لا يدعه)) أي: لا يتركه. قوله: ((ويحضهم))، بالضاد المعجمة
أي: يحثهم على القول بآمين، وأن لا يتركوا. قوله: ((وسمعت منه)) أي: من ابن عمر ((في
ذلك))، أي: في القول بآمين ((خيراً))، بالياء آخر الحروف، وهي رواية الكشميهني، أي: فضلا
وثواباً. وقال السفاقسي: أي خيراً موعوداً لمن فعله. وفي رواية غيره: خبراً، بفتح الباء
الموحدة، حديثاً مرفوعاً. ويستأنس في ذلك بما أخرجه البيهقي: كان ابن عمر إذا أمن الناس
أمن معهم، ويروى: ذلك من السنة.
-

٧١
١٠ - كتاب الأذان / باب (١١١)
٧٨٠/١٦٨ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسفَ قال أخبرنا مالِكٌ عَنِ ابنِ شِهَابٍ عن سَعِيدِ بنِ
المُسَيَّبِ وأَبِي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ عَ لَّه قال إذَا أَمَّنَ
الإمامُ فأمّنُوا فَإِنَّهُ منْ وَفَقَ تأمِينُهُ تَأْمِينَ المَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. وقالَ ابنُ شِهَابٍ
وَكَانَ رسولُ اللهِ عَ لَّهِ يَقُولُ آمِينَ. [الحديث ٧٨٠ - طرفه في: ٦٤٠٢].
مطابقته للترجمة ظاهرة لأنه عَ ◌ّه أمر القوم بالتأمين عند تأمين الإمام.
ورجاله قد ذكروا غير مرة، وابن شهاب هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري.
وفيه : التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار كذلك في موضع واحد
وبصيغة التثنية من الماضي في موضع. وفيه : العنعنة في ثلاثة مواضع.
وأخرجه مسلم في الصلاة أيضاً عن يحيى بن يحيى، وأبو داود فيه عن القعنبي، والترمذي فيه
عن أبي كريب عن زيد بن الحباب، والنسائي فيه وفي الملائكة عن قتيبة، خمستهم عن
مالك عن الزهري.
ذكر معناه: قوله: ((إذا أمن الإمام)) أي: إذا قال الإمام: آمين، بعد قراءة الفاتحة ((فأمنوا))
أي: فقولوا: آمين. قوله: ((فإنه)) أي: فإن الشأن. قوله: ((من وافق تأمينه تأمين الملائكة))، زاد
يونس عن ابن شهاب عند مسلم: ((فإن الملائكة تؤمن)) قبل قوله: ((فمن وافق))، كذا في رواية
ابن عيينة: عن ابن شهاب عند البخاري في الدعوات، وقال ابن حبان في (صحيحه): ((فإن
الملائكة تقول: آمين))، ثم قال: يريد أنه إذا أمن كتأمين الملائكة من غير إعجاب ولا سمعة
ولا رياء خالصاً لله تعالى، فإنه حينئذ يغفر له. قلت: هذا التفسير يندفع بما في (الصحيحين):
عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي عَّه: ((إذا قال أحدكم: آمين،
وقالت الملائكة في السماء، ووافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه)). انتهى. وزاد
فيه مسلم: ((إذا قال أحدكم في الصلاة ... )) ولم يقلها البخاري وغيره، وهي زيادة حسنة نبه
عليها عبد الحق في (الجمع بين الصحيحين)، وفي هذا اللفظ فائدة أخرى. وهي: اندراج
المنفرد فيه، وغير هذا اللفظ إنما هو في الإمام وفي المأموم أو فيهما، والله أعلم.
واختلفوا في هؤلاء الملائكة، فقيل هم الحفظة، وقيل: الملائكة المتعاقبون، وقيل :
غير هؤلاء لما روى البيهقي بلفظ: ((إذا قال القاريء: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾
[الفاتحة: ٦ - ٧]، وقال من خلفه: آمين، ووافق ذلك قول أهل السماء: آمين، غفر له ما تقدم
من ذنبه)). ورواه الدارمي أيضاً في (مسنده) وقيل: هم جميع الملائكة، بدليل عموم اللفظ
لأن الجمع المحلى باللام يفيد الاستغراق بأن يقولها الحاضرون من الحفظة ومن فوقهم
حتى ينتهي إلى الملأ الأعلى، وأهل السموات. قوله: ((غفر له ما تقدم من ذنبه)) ووقع في
رواية بحر بن نصر: عن ابن وهب عن يونس في آخر هذا الحديث: ((وما تأخر)) ذكرها
الجرجاني في (أماليه) قيل: إنها شاذة لأن ابن الجارود روى في (المنتقى): عن بحر بن نصر
بدون هذه الزيادة، وكذا في رواية مسلم عن حرملة، وفي رواية ابن خزيمة عن يونس بن عبد

٧٢
١٠ - كتاب الأذان / باب (١١١)
الأعلى، كلاهما عن ابن وهب بدون هذه الزيادة، والذي وقع في نسخة لابن ماجه: عن
هشام بن عمار وأبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن ابن عيينة بإثبات هذه الزيادة غير صحيح،
لأن ابن أبي شيبة قد روى هذا الحديث في (مسنده) و(مصنفه) بدون هذه الزيادة، وكذلك
الحفاظ من أصحاب ابن عيينة مثل الحميدي وابن المديني وغيرهما رووا بدون هذه الزيادة،
ثم قوله: ((غفر))، ظاهره يعم غفران جميع الذنوب الماضية إلاّ ما يتعلق بحقوق الناس، وذلك
معلوم من الأدلة الخارجية المخصصة لعمومات مثله، وأما الكبائر فإن عموم اللفظ يقتضي
المغفرة، ويستدل بالعام ما لم يظهر المخصص.
قوله: ((وقال ابن شهاب ... )) إلى آخره، صورته صورة إرسال لكن متصل إليه برواية
عنه، وليس بتعليق، ووصله الدارقطني في (الغرائب) من طريق حفص بن عمر العدني عن
مالك، وقال: تفرد به حفص ابن عمر، وهو ضعيف، ويؤيد ما ذكره ابن شهاب في هذا
الحديث من حيث المعنى ما أخرجه النسائي في (سننه) من حديث الزهري عن سعيد بن
المسيب عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله عَّهِ: ((إذا قال الإمام:
﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧] فقولوا: آمين، فإن الملائكة تقول:
آمين، وإن الإمام يقول: آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: أن الإمام يؤمن، خلافاً لمالك، كما قال بعضهم عنه، وفي
(المعارضة) قال مالك: لا يؤمن الإمام في صلاة الجهر، وقال ابن حبيب: يؤمن، وقال ابن
بكير: هو بالخيار، وروى الحسن عن أبي حنيفة أن الإمام لا يأتي به، فإن قلت: ما جوابه
عن الحديث على هذه الرواية؟ قلت: جوابه أنه إنما سمي الإمام مؤمناً باعتبار التسبب،
والمسبب يجوز أن يسمى باسم المباشر، كما يقال: بنى الأمير داره، واستدل بعض المالكية
لمالك أن الإمام لا يقولها بقوله عَّ له: ((إذا قال الإمام: ﴿ولا الضالين﴾ فقولوا: آمين))، لأنه
عَّ لِ قسم ذلك بينه وبين القوم، والقسمة تنافي الشركة، وحملوا قوله عزّلهم: ((إذا أمن الإمام))
على بلوغ موضع التأمين، وقالوا: سنة الدعاء تأمين السامع دون الداعي، وآخر الفاتحة دعاء فلا
يؤمن الإمام، لأنه داع. وقال القاضي أبو الطيب: هذا غلط بل الداعي أولى بالاستيجاب،
واستبعد أبو بكر بن العربي تأويلهم لغة وشرعاً، وقال: الإمام أحد الداعين وأولهم وأولاهم.
وفيه : أن المؤتم يقولها بلا خلاف.
وفيه : رد على الإمامية في قولهم: إن التأمين يبطل الصلاة، لأنه لفظ ليس بقرآن ولا
ذكر. وقال السفاقسي: وزعمت طائفة من المبتدعة أن لا فضيلة فيها، وعن بعضهم: إنها
تفسد الصلاة، وقال ابن حزم: يقولها الإمام سنة والمأموم فرضاً.
وفيه: أنه مما تمسك به الشافعي في الجهر بالتأمين، وذكر المزني في (مختصره): وقال
الشافعي: لا يجهر الإمام في الصلاة التي يجهر فيها بالقراءة، والمأموم يخافت. وفي
(الخلاصة) للغزالي: ومن سنن الصلاة أن يجهر بالتأمين في الجهرية، وفي (التلويح): ويجهر

٧٣
١٠ - كتاب الأذان / باب (١١١)
فيها المأموم عند أحمد وإسحاق وداود، وقال جماعة: يخفيها، وهو قول أبي حنيفة
والكوفيين وأحد قولي مالك والشافعي في الجديد، وفي القديم: يجهر، وعن القاضي حسين
عكسه، قال النووي: وهو غلط، ولعله من الناسخ، واحتج أصحابنا بما رواه أحمد وأبو داود
الطيالسي وأبو يعلى الموصلي في (مسانيدهم) والطبراني في (معجمه) والدارقطني في (سننه)
والحاكم في (مستدركه) من حديث شعبة عن سلمة بن كهيل عن حجر بن العنبس ((عن
علقمة بن وائل عن أبيه أنه: صلى مع النبي معَّ فلما بلغ ﴿غير المغضوب عليهم ولا
الضالين﴾ قال: آمين، وأخفى بها صوته)). ولفظ الحاكم في كتاب (القراءات): ((وخفض بها
صوته)). وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
فإن قلت: روى أبو داود والترمذي عن سفيان عن سلمة بن كهيل عن حجر عن
العنبس عن وائل بن حجر، واللفظ لأبي داود: (( كان رسول الله عَ ليه إذا قرأ: ﴿ولا الضالين﴾
قال: آمين، ورفع بها صوته)) ولفظ الترمذي: ((ومد بها صوته))، وقال: حديث حسن، وروى أبو
داود والترمذي من طريق آخر عن علي بن صالح، ويقال العلاء بن صالح الأسدي، عن سلمة
ابن كهيل عن حجر بن العنبس ((عن وائل بن حجر عن النبي عَّله أنه: صلى فجهر بآمين،
وسلم عن يمينه وشماله وسكتا عنه)). وروى النسائي: أخبرنا قتيبة حدثنا أبو الأحوص عن أبي
إسحاق عن عبد الجبار بن وائل ((عن أبيه، قال: صليت خلف رسول الله عَ لّ فلما افتتح
الصلاة كبر ... )) الحديث، وفيه: ((فلما فرغ من الفاتحة قال: آمين، يرفع بها صوته)). وروى أبو
داود وابن ماجه عن بشر بن رافع عن عبد الله ابن عم أبي هريرة، قال: ((كان رسول الله عَ ليه
إذا تلا ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ قال: آمين، حتى يسمع من الصف الأول))، وزاد
ابن ماجه: ((فيرتج بها المسجد)).
ورواه ابن حبان في (صحيحه) والحاكم في (مستدركه) وقال: على شرط الشيخين،
ورواه الدارقطني في (سننه) وقال: إسناده صحيح. قلت: الذي رواه أبو داود والترمذي عن
سفيان يعارضه ما رواه الترمذي أيضاً عن شعبة عن سلمة بن كهيل عن حجر أبي العنبس عن
علقمة بن وائل عن أبيه، وقال فيه: ((وخفض بها صوته)). فإن قلت: قال الترمذي: سمعت
محمد بن إسماعيل يقول: حديث سفيان أصح من حديث شعبة، وأخطأ شعبة في مواضع،
فقال حجر أبي العنبس: وإنما هو حجر بن العنبس، ويكنى أبا السكن، وزاد فيه علقمة، وإنما
هو حجر عن أبي وائل، وقال: خفض بها صوته، وإنما هو: مد بها صوته، قلت: تخطئه مثل
شعبة خطأ، وكيف وهو أمير المؤمنين في الحديث؟ وقوله: ((هو حجر بن العنبس))، وليس
بأبي العنبس، ليس كما قاله، بل هو أبو العنبس حجر بن العنبس، وجزم به ابن حبان في
(الثقات)، فقال: كنيته كاسم أبيه، وقول محمد: يكنى أبا السكن، لا ينافي أن تكون كنيته
أيضاً أبا العنبس، لأنه لا مانع أن يكون لشخص كنيتان. وقوله: ((وزاد فيه علقمة))، لا يضر،
لأن الزيادة من الثقة مقبولة، ولا سيما من مثل شعبة. وقوله: وقال: وخفض بها صوته وإنما هو
ومد بها صوته، يؤيد ما رواه الدارقطني عن وائل بن حجر قال: ((صليت مع رسول الله عَ لَّه

٧٤
١٠ - كتاب الأذان / باب (١١١)
فسمعته حين قال ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ قال: آمين، فأخفى بها صوته)) فإن
قلت: قال الدارقطني: وهم شعبة فيه لأن سفيان الثوري ومحمد بن سلمة بن كهيل وغيرهما
رووه عن سلمة بن كهيل فقالوا: ورفع بها صوته، وهو الصواب، وطعن صاحب (التنقيح) في
حديث شعبة هذا بأنه: قد روي عنه خلافه، كما أخرجه البيهقي في (سننه) عن أبي الوليد
الطيالسي: حدثنا شعبة عن سلمة بن كهيل سمعت حجراً أبا العنبس يحدث ((عن وائل
الحضرمي أنه: صلى خلف النبي عَ لَّه فلما قال: ﴿ولا الضالين﴾ قال: آمين، رافعاً صوته))،
قال: فهذه الرواية توافق رواية سفيان. وقال البيهقي في (المعرفة) إسناد هذه الرواية صحيح،
وكان شعبة يقول: سفيان أحفظ. وقال يحيى بن معين: إذا خالف شعبة قول سفيان فالقول
قول سفيان: قال: وقد أجمع الحفاظ: البخاري وغيره، أن شعبة أخطأ.
قلت: قول الدارقطني: وهم شعبة، يدل على قلة اعتنائه بكلام هذا القائل وإثبات
الوهم له، لكونه غير معصوم موجود في سفيان، فربما يكون هو وهم، ويمكن أن يكون كلا
الإسنادين صحيحاً. وقد قال بعض العلماء: والصواب أن الخبرين بالجهر بها وبالمخافتة
صحيحان، وعمل بكل منهما جماعة من العلماء. فإن قلت: قال ابن القطان في كتابه هذا
الحديث فيه أربعة أمور: اختلاف سفيان وشعبة في اللفظ وفي الكنية. وحجر لا يعرف حاله.
واختلافهما أيضاً حيث جعل سفيان من رواية حجر عن علقمة بن وائل عن وائل. قلت:
الجواب عن الأول: لا يضر اختلاف سفيان وشعبة، لأن كلا منهما إمام عظيم الشأن، فلا
تسقط رواية أحدهما برواية الآخر، وما يقال من الوهم في أحدهما يصدق في الآخر، فلا
ينتج من ذلك شيء. وعن الثاني: أيضاً، لا يضر الاختلاف المذكور في الاسم والكنية، كما
شرحناه الآن. وعن الثالث: أنه ممنوع، وكيف لا يعرف حاله وقد ذكره البغوي وأبو الفرج
وابن الأثير وغيرهم في جملة الصحابة، ولئن نزلناه من رتبة الصحابة إلى رتبة التابعين فقد
وجدنا جماعة أثنوا عليه ووثقوه، منهم: الخطيب أبو بكر البغدادي. قال: صار مع علي،
رضي الله تعالى عنه، إلى النهروان وورد المدائن في صحبته، وهو ثقة احتج بحديثه غير
واحد من الأئمة، وذكره ابن حبان في (الثقات)، وقال ابن معين: كوفي ثقة مشهور. وعن
الرابع: إن دخول علقمة في الوسط ليس بعيب لأنه سمعه من علقمة أولاً بنزول، ثم رواه عن
وائل بعلوّ، بين ذلك الكجي في (سننه الكبير). وأما حديث أبي هريرة ففي إسناده بشر بن
رافع الحارثي، وقد ضعفه البخاري والترمذي والنسائي وأحمد وابن معين، وقال ابن القطان
في كتابه: بشر بن رافع أبو الأسباط الحارثي ضعيف، وهو يروي هذا الحديث عن عبد الله
ابن عم أبي هريرة، وأبو عبد الله هذا لا يعرف له حال، ولا روى عنه غير بشر، والحديث لا
يصح من أجله، فسقط بذلك قول الحاكم: على شرط الشيخين، وتحسين الدارقطني إياه.
واحتج أصحابنا أيضاً بما رواه محمد بن الحسن في كتاب الآثار: حدثنا أبو حنيفة
حدثنا حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي قال: ((أربع يخفيهم الإمام: التعوذ. وبسم الله
الرحمن الرحيم. وسبحانك اللهم. وآمين)). ورواه عبد الرزاق في (مصنفه): أخبرنا معمر عن

٧٥
١٠ - كتاب الأذان / باب (١١٢)
حماد به فذكره إلاّ أنه قال عوض قوله: ((سبحانك اللهم. اللهم ربنا لك الحمد)). ثم قال:
أخبرنا الثوري عن منصور عن إبراهيم قال: ((خمس يخفيهن الإمام))، فذكرها وزاد: ((سبحانك
اللهم وبحمدك)). وبما رواه الطبراني في (تهذيب الآثار): حدثنا أبو بكر ابن عياش عن أبي
سعيد عن أبي وائل، قال: ((لم يكن عمر وعلي، رضي الله تعالى عنهما، يجهران ببسم الله
الرحمن الرحيم ولا بآمين)»، وقالوا أيضاً: آمين دعاء، والأصل في الدعاء الإخفاء.
وفيه : من الفضائل: تفضيل الإمامة، لأن تأمين الإمام يوافق تأمين الملائكة، ولهذا
شرعت للإمام موافقته.
١١٢ - بابُ فَضْلِ التَّمِينِ
أي: هذا باب في بيان فضل القول بآمين.
٧٨١/١٦٩ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عن أبي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ
أبي هُرِرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه أنَّ رسولَ الله عَ لَّه قال إذَا قال أحدُكُمْ آمِينَ وقَالتِ
المَلائِكَةُ فِي السَّمَاءِ آمِينَ فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُنَّ الأَخْرَى غُفِرَ لَهُ ما تقَدَّمَ منْ ذَنِْهِ.
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ورجاله قد تكرر ذكرُهم، وأبو الزناد: عبد الله بن ذكوان، والأعرج هو: عبد الرحمن
ابن هرمز.
وأخرجه النسائي أيضاً في الصلاة وفي الملائكة عن محمد بن سلمة عن ابن القاسم
عن مالك.
قوله: ((أحدكم)) يتناول لكل من قرأ الفاتحة، سواء كان في الصلاة أو خارج الصلاة،
وسواء كان الذي في الصلاة إماماً أو مأموماً، لأن الكلام مطلق، ولكن جاء في رواية لمسلم
مقيداً بقوله: ((إذا قال أحدكم في صلاته))، قال: بعضهم يحمل المطلق على المقيد. قلت:
لا، بل يجري المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده، وكيف يحمل المطلق على المقيد
وقد جاء في (مسند) أحمد من رواية همام: ((إذا أمن القارىء فأمنوا))، فهذا يدل على أن
التأمين مستحب إذا أمن مطلقاً لكل من سمعه، سواء كان في الصلاة أو خارجها. قوله:
((وقالت الملائكة في السماء))، يدل على أن الملائكة لا تختص بالحفظة. قوله: ((فوافقت
إحداهما الأخرى)) يعني: وافقت كلمة تأمين أحدكم كلمة تأمين الملائكة. قوله: ((من ذنبه))
كلمة: من، فيه بيانية لا للتبعيض.
واستدل به بعض المعتزلة على تفضيل الملائكة على البشر، وسيجيء الجواب عن
ذلك في: باب الملائكة، إن شاء الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال، وإليه المآل.
١١٣ - بابُ جَهْر المَأْمُومِ بِالتَّأْمِينِ
أي: هذا باب في بيان جهر المأموم بلفظ: آمين، وراء الإمام، هكذا هو في رواية

٧٦
١٠ - كتاب الأذان / باب (١١٣)
الأكثرين، ووقع في رواية المستملي والحموي: باب جهر الإمام بآمين، وفي بعض النسخ:
بالتأمين، ورواية الأكثرين أصوب، لأنه عقد باباً لجهر الإمام بالتأمين، وقد مر قبل الباب الذي
قبل هذا الباب، ورواية: باب جهر الإمام، ههنا تقع مكررة.
٧٨٢/١٧٠ - حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مَالِكِ عنْ سُمَيّ مَوْلَى أبِي بَكْرٍ عنْ أبِي
صالِحِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رسولَ اللهِ عَلَّهِ قال إذَا قال الإمامُ ﴿غيرِ المَغْضُوبِ عَلَّيْهِمْ وَلاَ
الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧] فَقُولُوا آمِينَ فَإِنَّهُ مَنْ وافَقَ قَولُهُ قَوْلَ المَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تقَدَّمَ
مِنْ ذَنْبِهِ. [الحديث ٧٨٢ - طرفه في: ٤٤٧٥].
قال ابن المنير: مناسبة الحديث للترجمة من جهة أن في الحديث الأمر بقول: آمين،
والقول إذا وقع به الخطاب مطلقاً حمل على الجهر، ومتى أريد به الإسرار أو حديث النفس
قيد بذلك. قلت: المطلق يتناول الجهر والإخفاء، وتخصيصه بالجهر والحمل عليه تحكم
لا يجوز، وقال ابن رشيد: تؤخذ المناسبة من جهة أنه قال: إذا قال الإمام فقولوا، فقابل القول
بالقول، والإمام إنما قال ذلك جهراً فكان الظاهر الاتفاق في الصفة قلت: هذا أبعد من الأول
وأكثر تعسفاً، لأن ظاهر الكلام أن لا يقولها الإمام كما روي عن مالك، لأنه قسم، والقسمة
تنافي الشركة. وقوله: إنما قال ذلك جهراً، لا يدل عليه معنى الحديث أصلاً، فكيف يقول:
فكان الظاهر الاتفاق في الصفة. والحديث لا يدل على ذات التأمين من الإمام؟ فكيف يطلب
الاتفاق في الصفة وهي مبنية على الذات؟ وقال ابن بطال: قد تقدم أن الإمام يجهر، وتقدم
أن المأموم مأمور بالاقتداء به، فلزم من ذلك جهره بجهرة قلت: هذا أبعد من الكل،
والملازمة ممنوعة، فعلى ما قاله يلزم أن يجهر المأموم بالقراءة، ولم يقل به أحد، والكرماني
أيضاً ذكر هذا الوجه، فكأنه أخذه من بطال فبطل عليه، ويمكن أن يوجه وجه لمناسبة
الحديث للترجمة، وهو أن يقال: أما ظاهر الحديث فإنه يدل على أن المأموم يقولها، وهذا لا
نزاع فيه، وأما أنه يدل على جهره بالتأمين، فلا يدل. ولكن يستأنس له بما ذكره قبل ذلك،
وهو قوله: ((أمن ابن الزبير))، إلى قوله: ((خيراً).
ذكر رجاله: وهم خمسة قد مضى ذكرهم غير مرة، و: سمي، بضم السين المهملة
وفتح الميم وتشديد الياء آخر الحروف: مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، وأبو صالح: ذكوان
الزيات.
ذكر لطائف إسناده: وفيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه : العنعنة
في أربعة مواضع. وفيه : أن رواته كلهم مدنيون.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: قد ذكرنا في: باب جهر الإمام والناس بالتأمين،
أن مسلماً وأبا داود والترمذي والنسائي أخرجوه، وكذلك ذكرنا جميع ما يتعلق به هناك. وقال
الخطابي: هذا لا يخالف ما قال: إذا أمن الإمام فأمنوا، لأنه نص بالتعيين مرة، ودل بالتقدير
أخرى، فكأنه قال: إذا قال الإمام: ﴿ولا الضالين﴾ [الفاتحة: ٧] وأمن، فقولوا: آمين. ويحتمل

٧٧
١٠ - كتاب الأذان / باب (١١٣)
أن يكون الخطاب في حديث أبي صالح يعني حديث هذا الباب لمن تباعد من الإمام،
فكان بحيث لا يسمع التأمين لأن جهر الإمام به أخفض من قراءته على كل حال فقد يسمع
قراءته من لا يسمع تأمينه إذا كثرت الصفوف وتكاثفت الجموع. قلت: ذكر الخطابي
الوجهين المذكورين بالاحتمال الذي لا يدل عليه ظاهر ألفاظ الحديثين، فإن كان يؤخذ هذا
بالإحتمال، فنحن أيضاً نقول: يحتمل أن الجهر فيه لأجل تعليمه الناس بذلك، لأنا لا ننازع
في استحباب التأمين للإمام وللمأموم، وإنما النزاع في الجهر به، فنحن اخترنا الإخفاء لأنه
دعاء، والسنة في الدعاء الإخفاء، والدليل على أنه دعاء قوله تعالى في سورة يونس: ﴿قد
أجيبت دعوتكما﴾ [يونس: ٨٩]. قال أبو العالية وعكرمة ومحمد بن كعب والربيع بن
موسى: كان موسى عَّم يدعو وهارون يؤمن، فسماهما الله تعالى: داعيين، فإذا ثبت أنه دعاء
فإخفاؤه أفضل من الجهر به، لقوله تعالى: ﴿ادعوا ربك تضرعاً وخفية﴾ [الأعراف: ٥٥].
على أنا ذكرنا أخباراً وآثاراً فيما مضى تدل على الإخفاء.
فإن قلت: تظاهرت الأحاديث بالجهر. منها : ما رواه الطبري في (التهذيب) من
حديث علي، رضي الله تعالى عنه: ((أن رسول الله عَّلم كان إذا قال ﴿ولا الضالين﴾ [الفاتحة:
٧] قال آمين، ومد بها صوته))، ومنها : ما رواه البيهقي في (المعرفة): ((عن ابن أم الحصين
عن أمه: أنها صلت خلف النبي عَّ فسمعته يقول: آمين، وهي في صف النساء)). قلت:
كذلك تظاهرت الآثار بالإخفاء، كما ذكرنا، وحديث الطبري فيه ابن أبي ليلى، وهو ممن لا
يحتج به، والمعروف عنه أيضاً بخلافه، وحديث ابن ماجه أيضاً، قال البزار في (سننه): هذا
حديث لم يثبت من جهة النقل، وحديث أم الحصين يعارضه حديث وائل: ((أنه صلى مع
النبي عَّهِ فلما قال: ﴿ولا الضالين﴾ [الفاتحة: ٧] قال: آمين، وخفض بها صوته))، والرجال
أدرى بحال النبي عَّ من النساء، وقال النووي: في هذا الحديث دلالة ظاهرة على أن تأمين
المأموم يكون مع تأمين الإمام لا بعده. قلت: بل الأمر بالعكس، لأن الفاء في الأصل
للتعقيب، وقال أيضاً: وأولوا: إذا أمن، بأن معناه: إذا أراد التأمين، جمعاً بين الحديثين. قلت:
لا خلاف بين الحديثين حتى يحتاج إلى هذا التأويل الذي هو خلاف الظاهر، لأن كلاً منهما
ورد في حالة، لأنه في حالة أمر المأموم بالتأمين وسكت عن تأمين الإمام، وفي حالة بيَّن أن
الإمام أيضاً يؤمن، والمقصود استحباب التأمين للإمام وللمأموم، وثبت ذلك بالحديثين
المذكورين. فافهم.
صِّى اللّهِ
تابَعَهُ مُحَمَّدُ بنُ عَمْرٍو عن أبي سَلَمَةَ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النَّبِيِّ
أي: تابع سمياً محمد بن عمرو بن علقمة الليثي، وأخرج هذه المتابعة البيهقي عن
أبي طاهر الفقيه: أخبرنا أبو بكر القطان حدثنا أحمد بن منصور المروزي حدثنا النضر بن
شميل أخبرنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله عَ لَّهِ: ((إذا
قال الإمام: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧] فقال من خلفه:
آمين، ووافق ذلك قول أهل السماء: آمين، غفر له ما تقدم من ذنبه)). ورواه أبو محمد الدارمي

٧٨
١٠ - كتاب الأذان / باب (١١٤)
في (مسنده): عن يزيد بن هارون عن محمد بن عمرو به، ورواه أيضاً عن يزيد بن هارون
وابن خزيمة والسراج وابن حبان وغيرهم من طريق إسماعيل بن جعفر عن محمد بن عمرو به.
وَنُعَيْمٌ المُجْمِرُ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهِ عنهُ
عطف على: محمد بن عمرو، أي: تابع سميّاً أيضاً، نعيم بن المجمر. وأخرجها
البيهقي أيضاً من طريق عبد الملك بن شعيب عن أبيه عن جده عن خالد بن يزيد عن سعيد
ابن أبي هلال ((عن نعيم المجمر: صلى بنا أبو هريرة، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ
بأم القرآن حتى بلغ ﴿ولا الضالين﴾ قال: آمين. ثم قال: إني لأشبهكم صلاة برسول الله
عَّ له)). وقال: رواته ثقات، ورواه النسائي وابن خزيمة والسراج وابن حبان وغيرهم من طريق
سعيد بن أبي هلال عن نعيم المجمر، قال: ((صليت وراء أبي هريرة فقرأ ببسم الله الرحمن
الرحيم ثم قرأ بأم القرآن حتى بلغ: ﴿ولا الضالين﴾ فقال بآمين. وقال الناس: آمين، ويقول
كلما سجد: الله أكبر، وإذا قام من الجلوس في الاثنتين قال: الله أكبر، ويقول: إذا سلم:
والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله عَ لّ)). قلت: التشبيه لا عموم له، فلا
يلزم أن يكون في جميع أجزاء الصلاة، بل في معظمها.
١١٤ - بابٌ إذَا رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ
أي: هذا باب ترجمته: إذا ركع المصلي قبل وصوله إلى الصف، وقال بعضهم: كان
اللائق إيراد هذه الترجمة في أبواب الإمامة. قلت: لا نسلم ذلك، لأن هذا حكم مصل يركع
قبل وصوله إلى الصف، فعلى قوله: كان يلزم أن يذكر: باب إذا اسمع الإمام الآية، وهو
المذكور قبل هذا الباب بأربعة أبواب، في أبواب الإمامة، فإنه متعلق بالإمامة. ولم يراع
البخاري بين الأبواب من أي كتاب كان المناسبة التامة، ومع هذا فلا يخلو عن بعض مناسبة
بين كل بابين مذكورين معاً، وههنا يمكن أن يقال: المناسبة بين هذا الباب والأبواب التي قبله
من حيث إن الركوع يكون بعد القراءة التي هي قراءة الفاتحة، لأنها هي الأصل عندهم،
ويكون ختم الفاتحة بلفظ: آمين، وليس بين القراءة والركوع شيء آخر. وقال ابن المنير: هذه
الترجمة مما نوزع فيها البخاري حيث لم يأت بجواب إذا، الإشكال الحديث واختلاف
العلماء في المراد بقوله ولا تعد. انتهى. قلت: جواب: إذا، على كل حال محذوف،
فيحتمل أن يقدر الجواب: يجوز، ويحتمل: لا يجوز، ولكن الظاهر: لا يجوز، لأن طريقته في
القراءة خلف الإمام تشير إلى عدم الجواز.
٧٨٣/١٧١ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا هَمَّامٌ عنِ الأَعْلَمِ وَهْوَ زِيادٌ عنٍ
الحَسَنِ عنِ إبي بَكْرَةَ أَنَّهُ انْتَهَى أَلَى النَّبِيِّ عَ لَّهِ وَهْوَ رَاكِعٌ فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ
فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَبِيِّ عَلَّهِ فَقَالَ زَادَكَ اللّه حِرْصاً ولاَ تَعُدْ.
مطابقته للترجمة ظاهرة، وهي في قوله: ((فركع قبل أن يصل إلى الصف)).
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: موسى بن إسماعيل أبو سلمة المنقري التبوذكي،

٧٩
١٠ - كتاب الأذان / باب (١١٤)
الثاني: همام - على وزن فعال بالتشديد - ابن يحيى. الثالث: الأعلم، على وزن أفعل الذي
هو للتفضيل من العلم، بفتحتين، من علم علماً إذا صار أعلم، وهو المشقوق الشفة العليا، لا
من العلم، بكسر العين وسكون اللام. وقد فسر اسمه بقوله: وهو زياد، بكسر الزاي وتخفيف
الياء آخر الحروف: ابن حسان، على وزن فعال بالتشديد. الرابع: الحسن البصري.
الخامس: أبو بكرة، بفتح الباء الموحدة وسكون الكاف، واسمه: نفيع بن الحارث بن كلدة،
من فضلاء الصحابة بالبصرة.
ذكر لطائف إسناده: وفيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه : العنعنة في
ثلاثة مواضع. وفيه : القول في موضع واحد. وفيه : عن الأعلم، وفي رواية عفان عن همام:
حدثنا زياد الأعلم، أخرجه ابن أبي شيبة. وفيه : زياد مذكور بلقبه وهو: الأعلم، لقب به لأنه
كان مشقوق الشفة السفلى، قال بعضهم: هكذا السفلى وليس كذلك، بل الأعلم إنما يقال
للمشقوق الشفة العليا، كما ذكرناه. وفيه : عن الحسن عن أبي بكرة، بفتح الباء الموحدة
وسكون الكاف، أعله بعضهم بأن الحسن عنعنه، وقيل: إنه لم يسمع من أبي بكرة، وإنما
يروي عن الأحنف عنه، ورد هذا الإعلال بما رواه النسائي: أخبرنا حميد بن مسعدة عن يزيد
ابن زريع، قال: حدثنا سعيد عن زياد الأعلم، قال: أخبرنا الحسن أن أبا بكرة حدثه أنه دخل
المسجد والنبي عَّهِ راكع فركع دون الصف. فقال النبي عَّةِ: ((زادك الله حرصاً ولا تعد)).
وفيه : أن رواته كلهم بصريون. وفيه : رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي، لأن زياداً من
صغار التابعين، والحسن من كبارهم، رضي الله تعالى عنهم.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه أبو داود أيضاً في الصلاة عن حميد بن مسعدة عن يزيد
ابن زريع عن سعيد ابن أبي عروبة عن زياد، وعن موسى بن إسماعيل عن حماد عن زياد.
وأخرجه النسائي فيه عن حميد بن مسعدة به.
ذكر معناه: قوله: ((أنه انتهى إلى النبي، عَّ، وهو راكع))، أي: والحال أن النبي
◌َ ◌ّه راكع. وفي رواية النسائي عن زياد: ((أخبرنا الحسن أن أبا بكرة حدثه أنه دخل المسجد
والنبي عَّهِ راكع)). وفي رواية أبي داود عن الحسن: ((أن أبا بكرة جاء ورسول الله عَ ليه
راكع)). وفي رواية الطحاوي: عن الحسن عن أبي بكرة، قال: ((جئت ورسول الله عَ ليه راكع،
وقد حفزني النفس فركعت دون الصف)). قوله: ((فذكر ذلك للنبي عَ لّ)) أي: فذكر ما فعله
أبو بكرة من ركوعه دون الصف، وفي رواية أبي داود: ((فلما قضى النبي عَّمه صلاته، قال:
أيكم الذي ركع دون الصف ثم مشى إلى الصف؟ فقال أبو بكرة: أنا. فقال رسول الله
مَّ الله: زادك الله حرصاً، ولا تعد)). وفي رواية الطبراني من رواية حماد بن سلمة: ((فلما
انصرف رسول الله عَّه قال: أيكم دخل الصف وهو راكع؟)) قوله: ((زادك الله حرصاً)) أي:
على الخير. قوله: ((ولا تعد)) قال السفاقسي عن الشافعي، يعني: لا تركع دون الصف. وقيل:
لا تعد أن تسعى إلى الصلاة سعياً يحفزك في النفس. وقيل: لا تعد إلى الإبطاء. وقال
الطحاوي: قوله: ((لا تعد))، عندنا يحتمل معنين: يحتمل ولا تعد أن تركع دون الصف حتى

٨٠
١٠ - كتاب الأذان / باب (١١٤)
تقوم في الصف، كما قد روي عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله
عَّهِ: ((إذا أتى أحدكم الصلاة فلا يركع دون الصف حتى يأخذ مكانه من الصف)).
ويحتمل أي ولا تعد أن تسعى إلى الصف سعياً يحفزك فيه النفس، كما جاء عن أبي هريرة،
رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله عَّله قال: ((إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون،
وأتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)). وقال القاضي
البيضاوي: يحتمل أن يكون عائداً إلى المشي إلى الصف في الصلاة، فإن الخطوة
والخطوتين، وإن لم تفسد الصلاة، لكن الأولى التحرز عنها. ثم قوله: ((ولا تعد)) في جميع
الروايات، بفتح التاء وضم العين: من العود. وقيل: روي بضم التاء وكسر العين: من الإعادة،
فإن صحت هذه الرواية فمعناه: ولا تعد صلاتك.
ذكر ما يستفاد منه: قال الطحاوي: في هذا الحديث أنه ركع دون الصف فلم يأمره
رسول الله عَّه بإعادة الصلاة. انتهى. وروي عن ابن مسعود وزيد بن ثابت، رضي الله تعالى
عنهما: أنهما فعلا ذلك، ركعا دون الصف ومشيا إلى الصف ركوعاً، وفعله عروة بن الزبير
وسعيد بن جبير وأبو سلمة وعطاء، وقال مالك والليث: لا بأس بذلك إذا كان قريباً قدر ما
يلحق. وحد القرب فيما حكاه القاضى إسماعيل عن مالك: أن يصل إلى الصف قبل سجود
الإمام. وقيل: يدب قدر ما بين الفرجتين. وفي (الغنية): ثلاث صفوف، وفي (الأوسط): من
حديث عطاء أن ابن الزبير قال على المنبر: إذا دخل أحدكم المسجد والناس ركوع فليركع
حين يدخل ثم يدب راكعاً حتى يدخل في الصف، فإن ذلك السنة. قال عطاء: ورأيته يصنع
ذلك، وفي (المصنف) بسند صحيح: عن زيد بن وهب، قال: ((خرجت مع عبد الله من داره
فلما توسطنا المسجد ركع الإمام فكبر عبد الله ثم ركع وركعت معه، ثم مشينا إلى الصف
راكعين حتى رفع القوم رؤوسهم، فلما قضى الإمام الصلاة قمت لأصلي فأخذ بيدي عبد الله
فأجلسني، وقال: إنك قد أدركت)). وروي في (المصنف) أيضاً: أن أبا أمامة فعل ذلك وزيد
ابن ثابت وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير ومجاهد والحسن. وقال أبو حنيفة: يكره ذلك
للواحد ولا يكره للجماعة، ذكره الطحاوي.
وفيه : أن دخول أبا بكرة في الصلاة دون الصف لما كان صحيحاً كانت صلاة
المصلي كلها دون الصف صلاة صحيحة، وهو صلاة المنفرد خلف الصف، وبه قال الثوري
وعبد الله بن المبارك والحسن البصري والأوزاعي وأبو حنيفة والشافعي ومالك وأبو يوسف
ومحمد، ولكن يأثم، أما الجواز فلأنه يتعلق بالأركان، وقد وجدت. وأما الإساءة فلوجود
النهي عن ذلك وهو قوله عَّهِ: ((لا صلاة لفرد خلف الصف))، ومعناه: لا صلاة كاملة، كما
في قوله عَّ: ((لا وضوء لمن لم يسم الله))، وقوله عَّ له: ((لا صلاة لجار المسجد إلاّ
في المسجد))، وقال حماد ابن أبي سليمان وإبرهيم النخعي وابن أبي ليلى ووكيع والحكم
والحسن بن صالح وأحمد وإسحاق وابن المنذر: ((من صلى خلف صف منفرداً فصلاته
باطلة)). واحتجوا بالحديث المذكور، وقد أجبنا عنه. واحتجوا أيضاً بحديث وابصة بن معبد