النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٠٠)
سَجَدْتُ خَلْفَ أبِي القاسم عَّ ◌ُلَّلِ فَلا أزالُ أَسْجُدُ بِها حَتَّى أَلْقَاهُ. [الحديث ٧٦٦ - أطرافه
في: ٧٦٨، ١٠٧٤، ١٠٧٨].
مطابقته للترجمة تفهم من قوله: ((سجدت خلف أبي القاسم))، ولو لم يجهر النبي
عَ له بقراءته في هذه الصلاة لما سجد أبو هريرة خلفه عَ ◌ّه.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: أبو النعمان محمد بن الفضل. الثاني: معتمر، بلفظ
اسم الفاعل من الاعتمار، ابن سليمان. الثالث: أبوه سليمان بن طرخان. الرابع: بكر بن عبد
الله المزني. الخامس: أبو رافع، بالفاء وبالعين المهملة: واسمه نفيع الصائغ. السادس: أبو
هريرة.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه : العنعنة في
ثلاثة مواضع. وفيه : القول في موضعين. وفيه : أربعة من الرجال بصريون وأبو رافع مدني.
وفيه : ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض وهم: سليمان بن معتمر سمع أنس بن مالك
وبكر بن عبد الله روى عن أنس، وابن عباس وابن عمر والمغيرة بن شعبة، رضي الله تعالی
عنهم، ونفيع أدرك الجاهلية ولم ير النبي، عَُّلّه، وروى عن جماعة من الصحابة، وهو من
كبار التابعين، وبكر من أوساطهم، وسليمان من صغارهم. قال صاحب (التلويح): اعترض
بعض شراح البخاري على البخاري بأن هذا الحديث ليس مرفوعاً، وهو غير وارد، لأن رفعه
ظاهر من متن الحديث، وإنكار رفعه مكابرة.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في سجود القرآن عن
مسدد. وأخرجه مسلم في الصلاة عن عبيد الله بن معاذ ومحمد بن عبد الأعلى وعن أبي
كامل الجحدري وعن عمرو الناقد. وعن أحمد بن عبدة. وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد عن
معتمر به. وأخرجه النسائي فيه عن حميد بن مسعدة عن سليم بن أحضر به.
ذكر معناه: قوله: ((العتمة)) أي: العشاء. قوله: ((فقلت له)) أي: في شأن السجدة أي:
سألته عن حكمها. قوله: ((أبي القاسم)) هو النبي عَّ. قوله: ((بها)) أي: بالسجدة، يدل
عليها. قوله: ((فسجد))، كما في قوله تعالى: ﴿اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ [المائدة: ٨]. أي:
العدل أقرب للتقوى، ويجوز أن تكون: الباء، بمعنى: في، أي أسجد فيها، أي: في السورة،
وهي: ﴿إِذا السماء انشقت﴾ [الانشقاق: ١]. أي: حتى ألقى أبا القاسم، أي حتى أموت.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: ثبوت سجدة التلاوة في سورة ﴿إذا السماء انشقت﴾
[الانشقاق: ١]. وهو حجة على مالك في قوله: لا سجدة فيها. وقال ابن المنير: لا حجة
فيه على مالك حيث كره السجدة في الفريضة، يعني في المشهور عنه، لأنه ليس مرفوعاً،
ورد عليه بأنه مرفوع، كما ذكرنا، ويدل عليه أيضاً رواية أبي الأشعث عن معتمر بهذا الإسناد
بلفظ: ((صليت خلف أبي القاسم فسجد بها))، أخرجه ابن خزيمة، وكذلك أخرجه الجوزقي
من طريق يزيد بن هارون عن سليمان التيمي بلفظ: ((صليت مع أبي القاسم فسجد فيها)).
. --...
١

٤٢
١٠ - كتاب الاذان / باب (١٠٠)
قلت: هذا حجة على مالك مطلقاً، سواء قرئت هذه في الفرض أو في النفل، وسواء كان
في الصلاة أو خارجها. ثم اختلفوا: هل هي سنة أو واجبة على ما يأتي؟ واختلفوا أيضاً في
موضع السجدة فقيل: ﴿وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون﴾ [الانشقاق: ٢١]. وقيل آخر
السورة. وفيه : جواز إطلاق لفظ العتمة على العشاء. وفيه : ثبوت الجهر بالقراءة في صلاة
العشاء، وعليه تبويب البخاري. وفيه: ذكر جواز ذكر النبي عَ ◌ّه بأبي القاسم، وفي جواز
تكني غيره بأبي القاسم خلاف.
٧٦٧/١٥٥ - حدَّثنا أَبُو الوَلِيدِ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَدِيّ قال سَمِعْتُ البَراءَ أَنَّ النبيَّ
عَُّلّهِ كانَ فِي سَفَرٍ فَقَرأَ في العِشَاءِ في إحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ. [الحديث ٧٦٧ -
أطرافه في: ٧٦٩، ٤٩٥٢، ٧٥٤٦].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وأبو الوليد: هو هشام بن عبد الملك الطيالسي، وشعبة هو ابن
الحجاج، وعدي، بفتح العين وكسر الدال المهملتين وتشديد الياء: هو ابن ثابت الأنصاري،
كلهم قد مروا. وفيه : التحديث بصيغة الجمع في موضعين والعنعنة في موضع والقول في
موضعين وفيه السماع.
وأخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن حجاج بن منهال وعن خالد بن يحيى، وفي
التوحيد عن أبي نعيم .. وأخرجه مسلم في الصلاة عن عبيد الله بن معاذ وعن قتيبة وعن
محمد بن عبد الله بن نمير. وأخرجه أبو داود فيه عن حفص بن عمر عن شعبه به. وأخرجه
الترمذي فيه عن هناد. وأخرجه النسائي فيه عن إسماعيل بن مسعود وعن قتيبة عن مالك،
وفي التفسير عن قتيبة عن ليث ومالك به. وأخرجه ابن ماجه في الصلاة عن محمد بن
الصباح وعن عبد الله بن عامر.
قوله: ((كان في سفر))، وفي رواية الإسماعيلي ((كان في سفر فصلى العشاء ركعتين)).
قوله: ((في إحدى الركعتين)) وفي رواية النسائي: ((في الركعة الأولى)). قوله: ((بالتين)) أي:
بسورة التين، وفي الرواية التي تأتي: والتين، على الحكاية.
وفيه : ثبوت بالجهر بالقراءة في صلاة العشاء، وعليه التبويب. وفيه : التخفيف في
القراءة في السفر لأنه مظنة المشقة، وحديث أبي هريرة الماضي محمول على الحضر،
فلذلك قرأ فيها من أوساط المفصل. وقال السفاقسي وغيره: هذه الأحاديث تدل على أنه لا
توقيت في القراءة فيها، بل بحسب الحال. وعن مالك، يقرأ فيها - أي في العشاء -
((بالحاقة)) ونحوها. وقال أشهب: بوسط المفصل، وقرأ فيها عثمان، رضي الله تعالى عنه،
((بالنجم)، وابن عمر، رضي الله تعالى عنهما: ((بالذين كفروا)). وأبو هريرة ((بالعاديات)). وقال
أصحابنا: يقرأ في الفجر أربعين آية سوى الفاتحة، وفي رواية: خمسين آية، وفي أخرى ستين
إلى مائة. قال المشايح: وهي أبين الروايات. قالوا: في الشتاء يقرأ مائة، وفي الصيف أربعين
وفي الخريف خمسين أو ستين. وفي رواية الأصيلي: ينبغي أن يكون في الظهر دون الفجر

٤٣
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٠١ و١٠٢)
والعصر قدر عشرين آية سوى الفاتحة.
١٠١ - بابُ القِراءَةِ في العِشاءِ بالسَّجدَةِ
أي: هذا باب في بيان حكم القراءة في صلاة العشاء بالسجدة أي: بالسورة التي فيها
سجدة التلاوة.
٧٦٨/١٥٦ - حدّثنا مُسَدّدٌ قال حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعِ قال حدَّثني التيْمِيُّ عنْ بَكْرٍ عنْ أبِي
رَافِعِ قالَ صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ العَتَمَةَ فَقَرَأَ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] فَسَجَدَ
فَقُلْتُ ما هَذِهِ قال سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أَبِي القَاسِمِ فَلاَ أَزَالُ أسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ. [انظر
الحديث ٧٦٦ وطرفيه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، لأن قوله: ((فسجد)) يعني: سجدة التلاوة، والحديث مر في
الباب الذي قبله، غير أن هناك: عن أبي النعمان عن معتمر عن أبيه سليمان عن بكر، وهنا:
عن مسدد عن يزيد - من الزياد - ابن زريع - تصغير زرع - عن التيمي، وهو سليمان بن
طرخان عن بكر بن عبد الله المزني عن أبي رافع الصائغ نفيع، وإنما كرر هذا الحديث
لأمرين: أحدهما: للترجمة التي تتضمن القراءة بالسجدة، والآخر: لاختلاف بعض الرواة.
قوله: ((سجدت بها)) ويروى: ((فيها)). قوله: ((أسجد فيها))، وفي رواية الكشميهني ((أسجد
بها)).
١٠٢ - بابُ القِراءَةِ في العِشاءِ
أي: هذا باب في بيان حكم القراءة في صلاة العشاء.
٧٦٩/١٥٧ - حدَّثنا خلاَّدُ بنُ يَخْتَى قال حدَّثنا مِسْعَرٌ قال حدَّثنا عَدِيُّ بنُ ثَابِتٍ أَنَّهُ سَمِعَ
البَرَاءَ رضي الله تعالى عنهُ قال سَمِعْتُ النبيَّ عَّلَهِ يَقرأ ﴿والتِّينِ وَالزَّئْتُونِ﴾ [التين: ١] فِي
العِشاءِ وما سَمِعْتُ أحداً أحْسَنَ صَوْتاً مِنْهُ إوْ قِرَاءَةً. [انظر الحديث ٧٦٧ وطرفيه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وإنما كرر هذا الحديث لثلاثة أوجه: أحدها: لأجل الترجمة
التي تتضمن القراءة في العشاء. والثاني: لاختلاف بعض الرواة فيه، لأنه أخرجه فيما مضى:
عن أبي الوليد عن شعبة عن عدي عن البراء، وهنا أخرجه: عن خلاد بن يحيى بن صفوان
أبي محمد السلمي الكوفي. وهو من أفراد البخاري، مات بمكة قريباً من سنة ثلاث عشرة
ومائتين، عن مسعر، بكسر الميم وسكون السين المهملة: ابن كدام الكوفي عن علي بن
ثابت، بالثاء المثلثة، عن البراء والرجال كلهم كوفيون. والثالث: لأجل الزيادة التي فيه، وهي
قوله: ((ما سمعت أحداً أحسن صوتاً منه). قوله: ((أو قراءة))، شك من الراوي: أي: أحسن
قراءة منه، عَِّ. وفيه وجه آخر: وهو أنه ذكر هناك عدياً غير منسوب، وههنا ذكره باسم
أبيه. وهناك بالعنعنة، وههنا بالتحديث. قوله: ((والتين))، على سبيل الحكاية.

٤٤
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٠٣ و١٠٤)
١٠٣ - بابٌ يُطَوِّلُ في الأُولَيَيْنِ ويخذِفُ فِي الأُخْرَبَيْنِ
أي: هذا باب ترجمته: يطول المصلي في الركعتين الأوليين من العشاء، ويحذف أي:
يترك القراءة في الركعتين الأخريين.
٧٧٠/١٥٧ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أبي عَوْنٍ قال سَمِعْتُ جابِرَ
بِنَّ سَمُرَةَ قال قال عُمَرُ لِسَغدٍ لَقدْ شَكَوْكَ فِي كُلِّ شَيءٍ حَتَّى الصَّلاَةُ قال أمَّا أنا فأَمُدُّ فِي
الأَولَتَيْنِ وَأَخذِفُ في الأَخْرَيَيْنِ ولَا أَلُو ما اقْتَدَيْتُ بِهِ مِن صَلاةِ رسولِ اللهِ عَ لِه قال صَدَقْتَ
ذاكَ الظَُّّ بِكَ أَوْ ظَنِّي بِكَ. [انظر الحديث ٧٥٥ وطرفه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وقد تقدم هذا الحديث في: باب وجوب القراءة للإِمام
والمأموم مطولاً، وإنما ذكر بعضه ههنا بالإعادة لأربعة أوجه: الأول: لاختلاف الإسناد، لأنه
أخرجه هناك: عن موسى عن أبي عوانة عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة، وههنا
أخرجه: عن سليمان بن حرب عن شعبة عن أبي عون محمد بن عبد الله الثقفي الكوفي
الأعور. الثاني: أن هناك بالعنعنة عن جابر، وههنا بالسماع عنه. الثالث: لأجل اختلاف
الترجمة وهو ظاهر. الرابع: لبعض الاختلاف في المتن بالزيادة والنقصان، فاعتبر ذلك
بالمراجعة إلى الموضعين. قوله: ((حتى الصلاة))، برفع الصلاة، لأن: حتى، ههنا غاية لما
قبلها، بزيادة، كما في قولهم: مات الناس حتى الأنبياء، والمعنى: حتى الصلاة شكوك فيها
فيكون، ارتفاعه على الابتداء، وخبره محذوف، وهو ما قدرناه. قوله: ((ولا آلوا))، بمد الهمزة
وضم اللام أي: لا أقصر، وأصله من ألا يألو. يقال: ما ألوت حقه أي: ما قصرت. قوله: ((أو
ظني بك)) شك من الراوي.
١٠٤ - بابُ القِرَاءَةِ فِي الفَجْرِ
أي: هذا باب في بيان حكم القراءة في صلاة الفجر.
وقالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ قَرَّأَ النِيُّ عَلِ بِالطُّورِ
هذا التعليق أسنده البخاري في كتاب الحج بلفظ: ((طفت وراء الناس والنبي عَ ◌ّ.
يصلي ويقرأ بالطور))، وليس فيه بيان أن الصلاة حينئذ كانت الصبح، لكن تبين ذلك من
رواية أخرى من طريق يحيى بن زكريا الغساني عن هشام بن عروة عن أبيه، ولفظه: ((إذا
أقيمت الصلاة للصبح فطوفي))، وهكذا أخرجه الإسماعيلي من رواية حسان بن إبراهيم عن
هشام، فإن قلت: أخرج ابن خزيمة من طريق وهب عن مالك، وابن لهيعة جميعاً عن أبي
الأسود هذا الحديث، قال فيه: قالت: وهو يقرأ، يعني العشاء الآخرة. قلت: هذه رواية شاذة،
ويمكن أن يكون سياقه من ابن لهيعة، لأن ابن وهب رواه في (الموطأ) عن مالك فلم يعين
الصلاة، وبهذا سقط الاعتراض الذي حكاه ابن التين عن بعض المالكية حيث أنكر أن تكون
الصلاة المفروضة صلاة الصبح، فقال: ليس في الحديث بيانها، والأولى أن تحمل على
النافلة، لأن الطواف يمتنع إذا كان الإمام في صلاة الفريضة. انتهى. وأجيب : بأن هذا رد

٤٥
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٠٤)
للحديث الصحيح بغير حجة، بل يستفاد من هذا الحديث جواز ما منعه.
٧٧١/١٥٩ - حدّثنا آدَمُ قال حدَّثنا شُعْبَةُ قال حدَّثنا سَيَّارُ بنُ سَلاَمَ قال دَخَلْتُ أنا وأبي
عَلَى أَبِي بَرَزَةَ الأَسْلَمِي فَسَألْنَاهُ عنْ وَقْتِ الصَّلَوَاتِ فقال كانَ النَِّيُّ عَّهِ يُصَلِّي الظُّهْرَ حِينَ
تَزُولُ الشَّمْسُ والعَصْرُ ويَرْجِعُ الرجلُ إلَى أَقْصَى المَدِينَةِ والشَّمْسُ حَيَّةٌ وَنَسِيتُ ما قالَ في
المَغْرِبِ ولا يُبَالِي بِتَأْخِيرِ العِشَاءِ إلى ثُلُثِ اللَّيْلِ وَلاَ يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَلاَ الحَدِيثَ بَعْدَهَا
ويُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ فَيَعْرِفُ جَلِيسَهُ وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ أَوْ إِحْدَاهُمَا ما بَيْنَ
السِّينَ إلى المِائَةِ. [انظر الحديث ٥٤١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((وكان يقرأ .. )) إلى آخره، وفيه إثبات القراءة في الفجر،
ولأجل ذلك بوب البخاري هذا التبويب، مع أنه ذكر هذا الحديث في: باب وقت الظهر عند
الزوال، وأخرجه هناك: عن حفص بن عمر عن شعبة عن أبي المنهال عن أبي برزة، بفتح الباء
الموحدة: واسمه نضلة بن عبيد، وأخرج ههنا: عن آدم بن أبي إياس إلى آخره، وقد ذكرنا
هناك جميع ما يتعلق به.
قوله: ((عن وقت الصلوات))، وفي رواية أبي ذر: ((الصلاة))، بالإفراد، والمراد:
المكتوبات. قوله: ((وكان يقرأ ... )) إلى آخره، معناه: من الآيات ما بين الستين إلى المائة،
وهذه الزيادة تفرد بها شعبة عن أبي المنهال، والشك فيه منه، وروى أبو داود من حديث
عمرو بن حريث قال: ((كأني أسمع صوت النبي عَّ ◌ُلّهِ يقرأ في صلاة الغداة. ﴿فلا أقسم
بالخنس الجوار الكنس﴾ [التكوير: ١٥ - ١٦]. أراد أنه كان يقرأ: ﴿إذا الشمس كورت﴾
[التكوير: ١]، وهي مكية وتسع وعشرون آية، وزاد أبو جعفر: ﴿فأين تذهبون﴾ [التكوير:
٢٦]. ومائة وأربعون كلمة، وخمس مائة وثلاثة وثلاثون حرفاً. والخنس: النجوم التي تخنس
بالنهار فلا ترى، وتكنس بالليل إلى مجاريها، أي: تستتر كما يكنس الظبا في المغار، وهي
الكناس. وقال الفراء: هي النجوم الخمسة: زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد. وروى
مسلم من حديث قطبة بن مالك أنه سمع النبي عَ لّه يقرأ في الصبح: ﴿والنخل باسقات لها
طلع نضيد﴾ [ق: ١٠]. أراد أنه كان يقرأ سورة: ﴿ق والقرآن المجيد﴾، وهي مكية، وهي
خمس وأربعون آية، وثلاثمائة وسبع وخمسون كلمة، وألف وأربعمائة وتسعون حرفاً. ومعنى
قوله: ﴿والنخل باسقات﴾ [ق: ١٠]. يعني طوالاً في السماء. وقيل: بسوقها استقامتها في
الطول. وقيل: مواقير وحوامل وروى مسلم أيضاً من حديث جابر بن سمرة: ((أن النبي عَ ليه
كان يقرأ الفجر بقاف)) وكانت قراءته بعد تخفيف. وعند السراج: بقاف ونحوها. وفي لفظ:
وأشباهها. وروى النسائي عن أم هشام بنت حارثة، قالت: ما أخذت قاف إلاّ من وراء النبي
عَّ ◌ُلِّ، كان يصلي بها الصبح. وروى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن ابن عمر، رضي الله تعالى
عنهما: ((أن كان رسول الله عَ ل ليأمرنا بالتخفيف، وأن كان ليؤمنا بالصافات في الفجر)).
قلت: هي مكية، وهي مائة واثنتان وثلاثون آية، وثمان مائة وستون كلمة، وثلاثة آلاف وثمان
مائة وستة وعشرون حرفاً. وروى أبو داود عن رجل من الصحابة أن النبي عَ لّهِ قرأ في الصبح

٤٦
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٠٤)
بالروم أي: بسورة الروم، وهي مكية، وهي ستون آية، وثمان مائة وسع عشرة كلمة، وثلاثة
آلاف وخمس مائة وأربعة وثلاثون حرفاً، وروى أبو موسى المديني في (كتاب الصحابة): أن عمر
الجهني قال: ((صليت خلف النبي عَ لَّه الصبح فقرأ فيها بسورة الحج وسجد فيها سجدتين.
قلت: هي مكية إلاّ ست آيات نزلت بالمدينة، وهي قوله تعالى: ﴿هذان خصمان﴾
إلى قوله: ﴿وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط مستقيم﴾ [الحج: ١٩ - ٢٤].
وهي: ثمان وتسعون آية، وألف ومائتان وتسعون كلمة، وخمسة آلاف وخمسة وتسعون حرفاً.
وقال الترمذي، رحمه الله في (جامعه): عن رسول الله عَ له أنه قرأ في الصبح بسورة الواقعة،
وروى عنه أنه كان يقرأ في الفجر من ستين آية إلى مائة. وروى السراج بسند صحيح عن
البراء: ((صلى بنا النبي عدّ له صلاة الصبح فقرأ بأقصر سورتين في القرآن)). فإن قلت: ما وجه
هذه الاختلافات؟ قلت: قد ذكرنا فيما مضى أن هذه بحسب اختلاف الأحوال والزمان ألا
يرى إلى ما روى الطبراني في (الأوسط) بسند صحيح: عن أنس قال: ((صلى بنا رسول الله
عَّ الله الفجر بأقصر سورتين من القرآن، وقال: إنما أسرعت لتفرغ الأم إلى صبيها، وسمع صوت
صبي))؟ وروى أبو داود بسند صحيح: عن معاذ بن عبد الله عن رجل من جهينة: ((سمع النبي
عَّه يقرأ في الصبح ﴿إذا زلزلت﴾ [الزلزلة: ١] في الركعتين كلتيهما)). وجاء مثل هذا
الاختلاف أيضاً من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، وفي سنن البيهقي عن المعرور بن
سويد: ((صلى بنا عمر، رضي الله تعالى عنه، الفجر فقرأ آلمر ولإيلاف قريش)). وفيه: ((وصلى
أبو بكر صلاة الصبح بسورة البقرة في الركعتين كلتيهما)). وقال الفرافصة بن عمير: ما أخذت
سورة يوسف، عليه السلام، إلا من قراءة عثمان، رضي الله تعالى عنه، إياها في الصبح من
كثرة ما يكررها. وفي (الموطأ) قال عامر بن ربيعة: قرأ عمر في الصبح سورة الحج وسورة
يوسف، عليه السلام، قراءة بطيئة. وقال أبو هريرة: لما قدمت المدينة مهاجراً صليت خلف
سباع بن عرفطة الصبح، فقرأ في الأولى سورة مريم، وفي الأخرى سورة: ﴿ويل للمطففين﴾
[المطففين: ١]، ذكره ابن حبان في (صحيحه) ولم يسم سباعاً. وعن عمر بن ميمون: لما
طعن عمر صلى بهم ابن عوف الفجر فقرأ ﴿إذا جاء نصر الله﴾ [الفتح: ١]. والكوثر، وذكر
أن عمر قرأ في الصبح: بيونس وبهود، وقرأ عثمان، رضي الله تعالى عنه، بيوسف والكهف،
وقرأ علي، رضي الله تعالى عنه، بالأنبياء، وقرأ عبد الله بسورتين إحداهما بنو إسرائيل، وقرأ
معاذ بالنساء، وقال أبو داود الأودي: كنت أصلي وراء علي، رضي الله تعالى عنه، الغداة
فكان يقرأ: ﴿إذا الشمس كورت﴾، و﴿إذا السماء انفطرت﴾، ونحو ذلك من السور. وجاء
مثل ذلك أيضاً عن التابعين. وفي كتاب أبي نعيم: عن الحارث بن فضيل قال: أقمت عند
ابن شهاب عشراً، فكان يقرأ في صلاة الفجر: ﴿تبارك﴾، و﴿قل هو الله أحد﴾. وقال ابن
بطال: وقرأ عبيدة بالرحمن، وإبراهيم بيسين، وعمر بن عبد العزيز بسورتين من طوال
المفصل. وقال ابن بطال: وما ذكرنا من الاختلاف من السلف دل أنهم فهموا عن سيدنا
رسول الله عَّ له إباحة التطويل والتقصير، وأنه لا حد له في ذلك.

٤٧
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٠٤)
٧٧٢/١٦٠ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إِبْراهِيمَ قال أخبرنا ابنُّ مُجرَيْج قال
أخبرني عَطَاءٍ أَنَّهُ سَمِعَ أبا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه يَقُولُ فِي كُلِّ صَلاَةٍ يُقْرَأُ فَمَا أَشْمَعَنَا
رسولُ اللهِ عَّ ◌ُلِّ أَسْمَعْنَاكُمْ وَما أَخْفَى عَنَّا أَخْفَيْنَا عَنْكُمْ وَإِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى أُمَّ القُرْآنِ أَجْزَأتْ
وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ.
مطابقته للترجمة تفهم من قوله: ((في كل صلاة يقرأ)) لأن الترجمة في: باب القراءة
في الفجر، وهو داخل في قوله: ((كل صلاة). وقال بعضهم: وكأن المصنف قصد بإيراد
حديثي أم سلمة وأبي برزة في هذا الباب بيان حالتي السفر والحضر، ثم ثلث بحديث أبي
هريرة الدال على عدم اشتراط قدر معين، قلت: ليس في حديث أبي برزة ما يدل على حكم
القراءة في السفر أو الحضر، وإنما هو مطلق، ولم يكن إيراده حديث أبي هريرة، إلّ أن صلاة
الفجر لا بد لها من القراءة لدخولها تحت قوله: ((في كل صلاة يقرأ))، وقد علم أن لفظة:
كل، إذا أضيفت إلى النكرة تقتضي عموم الإفراد.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: مسدد بن مسرهد. الثاني: إسماعيل بن إبراهيم، هو
المعروف بابن علية. الثالث: عبد الملك بن جريج. الرابع: عطاء بن أبي رباح. الخامس:
أبو هريرة.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار كذلك في
موضع وفي موضع بالإفراد. وفيه : السماع. وفيه : القول في ثلاثة مواضع. وفيه : إسماعيل
المذكور وقد تكلم فيه يحيى بن معين في حديثه عن ابن جريج خاصة، لكن تابعه عليه عبد
الرزاق ومحمد بن بكر وغندر عند أحمد، وحبيب بن الشهيد وحبيب المعلم عند مسلم،
وخالد بن الحارث ورقية عند النسائي، وابن وهب عند ابن خزيمة، ثمانيتهم عن ابن جريج
منهم من ذكر الكلام الأخير، ومنهم من لم يذكره. أما متابعة عبد الرزاق فأخرجها أحمد في
(مسنده): عنه عن ابن جريج عن عطاء، قال: ((سمعت أبا هريرة يقول: في كل صلاة قراءة
فما أسمعنا رسول الله عَ لّه أسمعناكم وما أخفى عنا أخفينا عنكم، فسمعته يقول: لا صلاة
إلاّ بقراءة)). وأما متابعة حبيب المعلم فأخرجها مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى قال: أخبرنا يزيد
ابن زريع عن حبيب المعلم «عن عطاء قال: قال أبو هريرة: في كل صلاة قراءة فما أسمعنا
عَ لِ أَسمعناكم وما أخفى أخفيناه منكم، فمن قرأ بأم الكتاب فقد أجزأت منه، ومن زاد فهو
أفضل)). وأخرجه الطحاوي أيضاً، وأخرجه أبو داود أيضاً عن حبيب عن عطاء ((إلى أخفينا
عنكم)). وأما متابعة رقية فأخرجها النسائي قال: حدثنا محمد بن قدامة، قال: حدثنا جرير عن
رقية ((عن عطاء قال: قال أبو هريرة: كل صلاة يقرأ فيها، فما أسمعنا رسول الله عَ له
أسمعناكم وما أخفاها أخفينا منكم)). وأما متابعة ابن وهب فأخرجها الطحاوي: حدثنا يونس
بن عبد الأعلى، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني ابن جريج عن عطاء قال:
((سمعت أبا هريرة يقول: في كل الصلاة قراءة، فما أسمعنا رسول الله عَ ل أسمعناكم، وما
أخفاه علينا أخفيناه عليكم)). وروى الطحاوي أيضاً عن محمد بن النعمان، قال: حدثنا

٤٨
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٠٤)
الحميد، قال: حدثنا سفيان عن ابن جريج عن عطاء نحوه. قيل : هذا الحديث موقوف.
وأجيب: بأن قوله: ((ما أسمعنا))، و((ما أخفى عنا)) يشعر بأن جميع ما ذكره متلقى من النبي
عَ لّه فيكون للجميع حكم الرفع.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الصلاة عن عمرو الناقد وزهير بن حرب
والنسائي عن محمد بن عبد الأعلى، وأخرجه أيضاً عن محمد بن قدامة كما ذكرناه الآن.
ذكرَ معناه: قوله: ((في كل صلاة يقرأ)) على صيغة المجهول، والجار والمجرور
يتعلق بقوله: ((يقرأ)) أي: يجب أن يقرأ القرآن في كل الصلوات لكن بعضها بالجهر وبعضها
بالسر، فما جهر به رسول الله عَ لِّ جهرنا به، وما أسر أسررنا به. ويروى: يقرأ على صيغة
المعلوم، أي: يقرأ رسول الله عَ ليه، كذا قاله الكرماني، وقيل: ويروى: ((نقرأ)) بالنون أي: نحن
نقرأ. قوله: ((فما أسمعنا)) بفتح العين، وهي جملة من الفعل والمفعول، ورسول الله عزّ لهم.
فاعله. قوله: ((أسمعناكم)) بسكون العين، جملة من الفعل والفاعل وهو: النون، والمفعول وهو:
كم. قوله: ((وما أخفى)) كلمة: ما، موصولة وكذلك في: ((فما أسمعنا)). قوله: ((وإن لم
تزد)) بتاء الخطاب، وقد بينه ما في رواية مسلم عن أبي خيثمة وغيره عن إسماعيل، ((فقال له
رجل: إن لم أزد؟)). قوله: ((على أم القرآن))، أي: الفاتحة، وسميت بها لاشتمالها على
المعاني التي في القرآن، ولأنها أول القرآن، كما أن مكة سميت: أم القرى، لأنها أول الأرض
وأصلها. قوله: ((أجزأت)) بلفظ الغيبة أي: أجزأت الصلاة، من الإجزاء، وهو الأداء الكافي
لسقوط التعبد به، وحكى ابن التين لغة أخرى وهي: أجزت، بلا ألف أي: قضت. وقال
الخطابي: جزى وأجزى، مثل: وفى وأوفى، وقال ابن قرقول: أجزت عنك عند القابسي،
وعند غيره أجزأت. قوله: ((فهو خير)) أي: الزائد على أم القرآن خير، وفي رواية حبيب
المعلم: ((فهو أفضل)). كما ذكرنا.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: وجوب القراءة في كل الصلوات. وفيه : رد على من أنكر
وجوبها في الظهر والعصر. وفيه : الجهر فيما يجهر والإخفاء فيما يخفي، وفي رواية
الطحاوي في هذا الحديث، قال أبو هريرة: كان النبي عَ لم يؤمنا فيجهر ويخافت، وكان
جهره في بعض الصلوات كالمغرب والعشاء والصبح والجمعة وصلاة العيدين، وفي بعضها
كان يسر كالظهر والعصر، وفي ثالثة المغرب وآخرتي العشاء، وفي الاستسقاء يجهر عند أبي
يوسف ومحمد والشافعي وأحمد، وفي الخسوف والكسوف لا يجهر عند أبي حنيفة
ومحمد. وقال أبو يوسف: فيهما الجهر، وقال الشافعي: في الكسوف يسر، وفي الخسوف
يجهر. وأما بقية النوافل ففي النهار لا جهر فيها، وفي الليل يتخير. وقال النووي: وفي نوافل
الليل، وقيل: يخير بين الجهر والإسرار. وفيه : ما استدل به الشافعية على استحباب ضم
السورة إلى الفاتحة، وهو ظاهر الحديث، وعند أصحابنا يجب ذلك، وبه قال ابن كنانة من
المالكية وحكي عن أحمد، وعندنا ضم السورة أو ثلاث من آيات من أي سورة شاء من
واجبات الصلاة، وقد ورد فيه أحاديث كثيرة: منها: ما رواه أبو سعيد قال عَ لَّهِ: ((لا صلاة

٤٩
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٠٥)
إلاّ بفاتحة الكتاب وسورة معها))، رواه ابن عدي في (الكامل)؛ وفي لفظ: ((أمرنا رسول الله
عَّلِ أن نقرأ الفاتحة وما تيسر)). وفي لفظ: ((لا تجزىء صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب ومعها
غيرها)). وفي لفظ: وسورة في فريضة أو في غيرها)). ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث
أبي سعيد، قال: قال رسول الله عَ له: ((مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها
التسليم، ولا صلاة لمن لا يقرأ بالحمد وسورة في فريضة أو في غيرها)). وروى أبو داود
من حديث أبي نضرة عنه. قال: ((أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر)). ورواه ابن حبان في
(صحيحه) ولفظه: ((أمرنا رسول الله عَ لَّلِ أن نقرأ الفاتحة وما تيسر)). ورواه أحمد وأبو يعلى
في (مسنديهما) وروى ابن عدي من حديث ابن عمر، قال: قال رسول الله عَّ ◌َله: ((لا تجزىء
المكتوبة إلاّ بفاتحة الكتاب وثلاث آيات فصاعداً).
وروى أبو نعيم في (تاريخ أصبهان) من حديث أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول
الله عَّهِ: ((لا تجزىء صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وشيء معها)). وقد عمل أصحابنا
بكل الحديث حيث أوجبوا قراءة الفاتحة وضم سورة أو ثلاث آيات معها، لأن هذه الأخبار
أخبار آحاد فلا تثبت بها الفرضية، وليس الفرض عندنا إلاّ مطلق القراءة. لقوله تعالى:
﴿فاقرؤوا ما تيسر من القرآن﴾ [المزمل: ٢٠]. فأمر بقراءة ما تيسر من القرآن مطلقاً، وتقييده
بالفاتحة زيادة على مطلق النص، وذا لا يجوز فعملنا بالكل وأوجبنا قراءة الفاتحة وضم سورة
أو ثلاث آيات معها، وقلنا: إن قوله: ((لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب)) مثل معنى قوله: ((لا
صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد))، وصح أيضاً عن جماعة من الصحابة إيجاب ذلك،
وقال بعضهم: وفي الحديث أن من لم يقرأ الفاتحة لم تصح صلاته، قلنا: لا تبطل صلاته،
فإن تركها عامداً فقد أساء، وإن تركها ساهياً فعليه سجدة السهو. فإن قلت: ليس في حديث
الباب حد في الزيادة؟ قلت: قد بينها في حديث ابن عمر المذكور آنفاً.
١٠٥ - بابُ الجَهْرِ بِقِرَاءَةِ صَلاَةِ الصُّنْحِ
أي: هذا باب في بيان الجهر بقراءة صلاة الصبح، وهو رواية أبي ذر، ولغيره: لصلاة
الفجر، وفي بعض النسخ: باب الجهر بقراءة الصبح.
وقَالَتْ أُمُ سَلَمَةَ طُفْتُ وَرَاءَ النَّاسِ والنبيُّ عَلَّهِ يُصَلِّي ويَقْرأُ بِالطُّورِ
قد ذكرنا في أول الباب الذي قبله أن هذا التعليق أسنده البخاري في كتاب الحج،
وسيجيء بيانه إن شاء الله تعالى. قوله: ((والنبي عَّه))، الواو فيه للحال، وكذا في قوله:
((ويقرأ بالطور))، أي: بسورة الطور. وقال ابن الجوزي: يحتمل أن تكون الباء بمعنى: من،
كقوله تعالى: ﴿عيناً يشرب بها عباد الله﴾ [الإنسان: ٦]. أي: يشرب منها. قلت: فعلى هذا
يحتمل أن تكون قراءته من بعض الطور لا الطور كلها، ولكن الذي قصد به البخاري ههنا
إثبات جهر القراءة في صلاة الصبح، لأن أم سلمة سمعت قراءة النبي عَّه وهي وراء الناس،
وأما كون هذه الصلاة صلاة الصبح فقد بينا وجهه في أول الباب الذي قبله.
عمدة القاري / ج٦ / ٤٢

٥٠
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٠٥)
٧٧٣/١٦١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا أبُو عَوانَةَ عنْ أبي بِشْرٍ عنْ سَعيدٍ بنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابنِ
عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال انْطَلَقَ النبيُّ عَ لَّهِ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أصْحابِهِ عامِدِينَ إِلَى سُوقِ
عُكَاظٍ وقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأَرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ
إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا ما لَكُمْ فقالُوا حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وأَرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ قالُوا ما
حالَ بَيْنَكُمْ وبَيْنَ خبرِ السَّماءِ إلاّ شيءٍ حَدَثَ فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأرْضِ ومَغَارِبِهَا فَانْظُرُوا ما
هذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ فَانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةً إِلَى النَّبِيّ
عَّ له وَهْوَ بِنَخْلَةَ عَامِدِينَ ألَى سُوقِ عُكَاظٍ وَهْوَ يُصَلِّي بِأَصْحابِهِ صَلاةَ الفجْرِ فلمَّا سَمِعوا
القُرآنَ اسْتَمِعُوا لَهُ فَقَالُوا هَذَا وَاللهِ الَّذِي حالَ بَيْنكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ فهُنالِكَ حينَ رَجَعُوا
إلى قَوْمِهِمْ وقالُوا يا قَوْمَنا ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمنًا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا
أحداً﴾ [الجن: ١ - ٢﴾ فَأنْزلَ الله تعالى علَ نبِيِّهِ عَّله ﴿قُل أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ [الجن: ١] وإنّا
أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْلُ الجِنِّ. [الحديث ٧٧٣ - طرفه في: ٤٩٢١].
مطابقته للترجمة في قوله: ((وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن
استمعوا له)).
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: مسدد. الثاني: أبو عوانة الوضاح اليشكري.
الثالث: جعفر بن أبي وحشية، وكنيته: أبو بشر، بكسر الباء الموحدة وسكون الشين
المعجمة: واسم أبي وحشية إياس. الرابع: سعيد بن جبير. الخامس: عبد الله بن عباس.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه : العنعنة في
ثلاثة مواضع. وفيه : القول فى موضعين. وفيه : أن رواته ما بين بصري وواسطي وكوفي.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن موسى بن
إسماعيل. وأخرجه مسلم في الصلاة عن شيبان بن فروخ. وأخرجه الترمذي في التفسير عن
عبد الله بن حميد. وأخرجه النسائي فيه عن أبي داود الحراني عن أبي الوليد مقطعاً، وعن
عمرو بن منصور.
ذكر معناه: قوله: ((في طائفة))، ذكره الجوهري في باب: طَوَفَ، وقال: الطائفة من
الشيء قطعة منه، وقوله تعالى: ﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ [النور: ٢]. قال ابن
عباس: الواحد فما فوقه، وقال مجاهد: الطائفة الرجل الواحد إلى الألف. وقال عطاء: أقلها
رجلان. قوله: ((عامدين)) أي: قاصدين، منصوب على الحال، في (الفصيح) في باب: فعلت،
بفتح العين: عمدت للشيء أعمد إذا قصدت إليه. وفي (شرحه) للزاهد: عن ثعلب: أعمد
عمداً: إذا قصدت له خيراً كان أو شراً. ومن العرب من يقول: عمدتَ أعمد عمداً وعماداً
وعمدة، بمعناه وفي (الموعب): لابن التياني: عن الأصمعي لا يقال: عمدت، بكسر الميم.
وفي (شرح الزاهد) وغيره: عمده وعمد إليه وعمد له عموداً، وزعم ابن درستويه أنه لا يتعدى
إلاّ بحرف جر. قوله: ((في سوق عكاظ)) قال ابن السكيت: السوق أنثى، وربما ذكرت،

٥١
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٠٥)
والتأنيث أغلب لأنهم يحقرونها: سويقة. وفي (المحكم): والجمع أسواق، والسوقة لغة فيه،
وفي (الجامع): اشتقاقها من سوق الناس إليها بضائعهم. وقال السفاقسي: سميت بذلك لقيام
الناس فيها على سوقهم. قوله: ((وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر)).
فإن قلت: هذه القضية كانت قبل الإسراء، وصلاة الفجر فرضت مع بقية الصلوات
ليلة الإسراء؟ قلت: الراجح أن الإسراء كان قبل الهجرة بسنتين أو ثلاث، فتكون القضية بعد
الإسراء. أو نقول: إنه، عَّ له، كان يصلي قبل الإسراء قطعاً، وكذلك أصحابه، ولكن اختلف
هل افترض قبل الصلوات الخمس شيء من الصلوات أم لا؟ فيصح على قول من قال: إن
الغرض أولاً كان قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، فيكون إطلاق صلاة الفجر بهذا الاعتبار،
لا لكونها إحدى الخمس المفروضة ليلة الإسراء. قوله: ((عكاظ)»، بضم العين المهملة
وتخفيف الكاف وفي آخره طاء معجمة. قال الأزهري: هو اسم سوق من أسواق العرب
وموسم من مواسم الجاهلية كانت العرب تجتمع به كل سنة يتفاخرون بها، ويحضرها
الشعراء فيتناشدون ما أحدثوا من الشعر. وعن الليث: سمي عكاظ عكاظاً لأن العرب كانت
تجتمع فيها فيعكظ بعضهم بعضاً بالمفاخرة أي: يدعك.
وقال غيره: عكظ الترجل دابته يعكظها عكظاً إذا حبسها، وتعكظ القوم تعكظاً إذا
تحبسوا ينظرون في أمرهم، وبه سميت عكاظ. وفي (الموعب): كانوا يجتمعون بها في كل
سنة فيقيمون بها الأشهر الحرم، وكان فيها وقائع مرة بعد أخرى. وفي (المحكم): قال
اللحياني: أهل الحجاز يجرونها وتميم لا يجرون بها. وفي (الصحاح): هي ناحية مكة، كانوا
يجتمعون بها في كل سنة فيقيمون شهراً. وقال ابن حبيب: هي صحراء مستوية لا علم فيها
ولا جبل إلا ما كان من النصب التي كانت بها في الجاهلية، وبها من دماء البدن كالأرخام
العظام، وقيل: هي ماء على نجد قريبة من عرفات. وقيل: وراء قرن المنازل بمرحلة من طريق
صنعاء، وهي من عمل الطائف على بريد منها وأرضها لبني نضر، واتخذت سوقاً بعد الفيل
بخمس عشرة سنة، وتركت عام الحرورية بمكة مع المختار بن عوف سنة تسع وعشرين ومائة
إلى هلم جراً. وقال أبو عبيدة: عكاظ فيما بين نخلة والطائف إلى موضع يقال له الفتق، به
أموال ونخيل لثقيف، بينه وبين الطائف عشرة أميال، فكان سوق عكاظ يقوم صبيح هلال
ذي القعدة عشرين يوماً، وسوق مجنة يقوم بعده عشرة أيام. وسوق ذي المجاز يقوم هلال
ذي الحجة. وزعم الرشاطي أنها كانت تقام نصف ذي القعدة إلى آخر الشهر، فإذا أهل ذو
الحجة أتوا ذا المجاز وهي قريب من عكاظ فيقوم سوقها إلى يوم التروية، فيسيرون إلى منى،
وقال ابن الكلبي: لم يكن بعكاظ عشور ولا خفارة. قوله: ((وقد حيل))، بكسر الحاء المهملة
وسكون الياء آخر الحروف. يقال: حال الشيء بيني وبينك .. أي حجز، وأصل مصدره
واوي، يعني من: الحول، وأصل: حيل حول، نقلت كسرة الواو إلى ما قبلها بعد حذف
الضمة منها فصار: حيل.
قوله: ((بين الشياطين)) جمع: شيطان. قال الزمخشري: وقد جعل سيبويه نون:
:

٥٢
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٠٥)
الشيطان، في موضع من كتابه أصلية، وفي آخر زائدة، والدليل على أصالتها قولهم: شيطان،
واشتقاقه من: شطن، إذا بعد لبعده عن الصلاح والخير، أو من: شاط، إذا بطل إذا جعلت نونه
زائدة، ومن أسمائه: الباطل. والشياطين: العصاة من الجن، وهم من ولد إبليس. والمراد
أعتاهم وأغواهم، وهم أعوان إبليس ينفذون بين يديه في الإغواء. وقال الجوهري: كل عات
متمرد من الجن والإنس والدواب شيطان. وقال القاضي أبو يعلى: الشياطين مردة الجن
وأشرارهم، ولذلك يقال للشرير: مارد وشيطان، وقال تعالى: ﴿شيطان مريد﴾ [الصافات: ٧].
وقال أبو عمر بن عبد البر: الجن منزلون على مراتب، فإذا ذكر الجن خالصاً يقال: جني، وإن
أريد به أنه ممن يسكن مع الناس: يقال: عامر، والجمع: عمار، وإن كان مما يعرض للصبيان
يقال: أرواح، فإن خبث فهو شيطان، فإن زاد على ذلك فهو مارد، فإن زاد على ذلك وقوي
أمره فهو عفريت، والجمع: عفاريت. انتهى.
وفي الحديث المذكور ذكر وجود الجن ووجود الشياطين، ولكنهما نوع واحد، غير
أنهما صارا صنفين باعتبار أمر عرض لهما، وهو الكفر والإيمان، فالكافر منهم يسمى بالشيطان،
والمؤمن بالجن. قوله: ((وأرسلت عليهم الشهب))، بضم الهاء: جمع الشهاب، وهو شعلة نار
ساطعة كأنها كوكب منقضٍ، واختلف في الشهب: هل كانت يرمى بها قبل مبعث النبي
عَّه أم لا؟ لقوله تعالى: ﴿وإنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرساً شديداً وشهياً﴾ إلى قوله:
﴿رصداً﴾ [الجن: ٨ - ٩]. فذكر ابن اسحاق أن العرب أنكرت وقوع الشهب، وأشدهم
إنكاراً ثقيف، وأنهم جاؤوا إلى رئيسهم عمرو بن أمية بعدما عمي فسألوه، فقال: انظروا إن
كانت هي التي يهتدى بها في ظلمات البر والبحر فهو خراب الدنيا وزوالها، وإن كان غيرها
فهو لأمر حدث، وإن الشياطين استنكرت ذلك وضربوا في الآفاق لينظروا ما موجبه، ونفس
الآية الكريمة تدل على وجود حراسها بما شاء الله تعالى، إلّ أنه قليل، وإنما كثر عند أبان
مبعث سيدنا رسول الله عَّلَّه إذا قالوا: ملئت حرساً شديداً لأنهم عهدوا حرساً، ولكنه غير
شديد، ولأن جماعة من العلماء، منهم عباس والزهري، قالوا: ما زالت الشهب مذ كانت
الدنيا، يؤيده ما في (صحيح مسلم) من قوله عَ له: ((ورمى بنجم ما كنتم تقولون أن كان مثل
هذا في الجاهلية؟ قالوا: يموت عظيم أو يولد عظيم .. )) الحديث. وذكر بعضهم أن السماء
كانت محروسة قبل النبوة، ولكن إنما كانت تقع الشهب عند حدوث أمر عظيم من عذاب
ينزل أو إرسال رسول إليهم، وعليه تأولوا قوله تعالى: ﴿وإنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض
أم أراد بهم ربهم رشدا﴾ [الجن: ١٠]. وقيل: كانت الشهب مرئية معلومة، لكن رجم
الشياطين وإحراقهم لم يكن إلاّ بعد نبوة سيدنا رسول الله عَّ الله. فإن قيل: كيف تتعرض الجن
لإتلاف نفسها بسبب سماع خبر بعد أن صار ذلك معلوماً لهم؟ أجيب : قد ينسيهم الله
تعالى ذلك لينفذ فيهم قضاؤه، كما قيل في الهدهد: إنه يرى الماء في تخوم الأرض ولا
يرى الفخ على ظهر الأرض، على أن السهيلي وغيره زعموا أن الشهاب تارة يصيبهم
فيحرقهم، وتارة لا يصيبهم، فإن صح هذا فينبغي كأنهم غير متيقنين بالهلاك ولا جازمين به.

٥٣
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٠٥)
وقال ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما: كانت الشياطين لا تحجب عن السموات،
فلما ولد عيسى، عليه الصلاة والسلام، منعت من ثلاث سموات، فلما ولد سيدنا رسول الله
عَِّ منعت منها كلها. وقال ابن الجوزي، رحمه الله، الذي أميل إليه أن الشهب لم تر إلاً
قبل مولد النبي عَ لّه، ثم استمر ذلك وكثر حين بعث، وعن الزهري: كانت الشهب قليلة
فغلظ أمرها وكثرت حين البعثة. وقال أبو الفرج فإن قيل: أيزول الكوكب إذا رجم به؟ قلنا :
قد يحرك الإنسان يده أو حاجبه فتضاف تلك الحركة إلى جميعه، وربما فضل شعاع من
الكوكب فأحرق، ويجوز أن يكون ذلك الكوكب يفنى ويتلاشى. قوله: ((فاضربوا)) أي: سيروا
في الأرض كلها، يقال: فلان ضرب في الأرض إذا سار فيها، وقال الله تعالى: ﴿وإذا ضربتم
في الأرض﴾ [النساء ١٠١]. أي: سرتم. قوله: ((مشارق))، منصوب على الظرفية أي: في
مشارق الأرض وفي مغاربها. قوله: ((فانصرف أولئك))، أي: الشياطين الذين توجهوا ناحية
تهامة، وهي بكسر التاء. وفي (الموعب): تهامة اسم مكة، وطرف تهامة من قبل الحجاز
مدارج العرج، وأولها من بل نجد مدارج عرق، فإذا نسب إليها يقال: تهامي، بفتح التاء، قاله
أبو حاتم. وعن سيبويه، بكسرها. وفي (أمالي الهجري): آخر تهامة أعلام الحرم الشامي. وفي
كتاب الرشاطي: تهامة ما ساير البحر من نجد، ونجد ما بين الحجاز إلى الشام إلى العذيب،
والصحيح أن مكة من تهامة). وقال المدائني: جزيرة العرب (خمسة أقسام: تهامة ونجد
وحجاز وعروض ويمن، أما تهامة فهي الناحية الجنوبية من الحجاز، وأما نجد فهي الناحية
التي من الحجاز والعراق، وأما الحجاز فهو جبل يقبل من اليمن حتى يتصل بالشام، وفيه
المدينة وعمان. وأما العروض فهي اليمامة إلى البحرين. قال: وإنما سمي الحجاز حجازاً لأنه
يحجز بين نجد وتهامة. ومن المدينة إلى طريق مكة إلى أن يبلغ مهبط العرج حجازاً أيضاً،
وما وراء ذلك إلى مكة وجدة فهو تهامة.
وقال الواقدي: الحجاز من المدينة إلى تبوك، ومن المدينة إلى طريق الكوفة. ومن وراء
ذلك إلى أن يشارف أرض البصرة فهو نجد، وما بين العراق وبين وجرة وعمرة الطائف نجد،
وما كان من وراء وجرة إلى البحر فهو تهامة، وما كان بين تهامة ونجد فهو حجاز، وقال
قطرب: تهامة من قولهم: تهم البعير تهماً، دخله حر، وتهم البعير إذا استنكر المرعى ولم
يستمر به، ولحم تهم: خنز. ويقال: تهامة وتهومة. وقيل: سميت تهامة لأنها انخفضت عن
نجد فتهم ريحها أي تغير، وعن ابن دريد: التهم شدة الحر وركود الريح، وسميت بها تهامة.
قوله: ((وهو بنخلة))، بفتح النون وسكون الخاء المعجمة: وهو موضع معروف ثمة، وبطن
نخلة موضع بين مكة والطائف. وقال البكري: نخلة، على لفظ الواحدة من النخل: موضع
على ليلة من مكة، وهي التي نسب إليها بطن نخلة، وهي التي ورد الحديث فيها ليلة
الجن، وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث. قوله: ((عامدين))، حال، وإنما جمع، وإن كان ذو
الحال واحداً، باعتبار أن أصحابه معه، كما يقال: جاء السلطان، والمراد: هو وأتباعه، أو جمع
تعظيماً له. قوله: ((استمعوا له)) أي: أنصتوا، والفرق بين السماع والاستماع أن باب الافتعال

٥٤
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٠٥)
لا بد فيه من التصرف، فالاستماع تصرف بالقصد والإصغاء إليه، والسماع أعم منه. قوله:
((فهناك))، ظرف مكان، والعامل فيه: قالوا. ويروى: ((فقالوا))، بالفاء فالعامل: رجعوا، مقدراً
يفسره المذكور.
قوله: ((أوحي إلى)) وقرأ حيوة الأسدي: ﴿قل أوحي إلي﴾ [الجن: ١]. وقال الزجاج
في (المعاني): الأكثر أوحيت، ويقال: وحيت، فالأصل: وحى. إلى قوله: ﴿نفر من الجن﴾
[الجن: ١]. قال الزجاج: هؤلاء النفر من الجن كانوا من نصيبين، وقيل: إنهم كانوا من
اليمن، وقيل: إنهم كانوا يهوداً. وقيل: إنهم كانوا مشركين. وذكر ابن دريد أن أسماءهم:
شاصر وماصر والأحقب ومنشىء وناشىء، لم يزد شيئاً. وفي (تفسير الضحاك): كانوا تسعة
من أهل نصيبين، قرية باليمن غير التي بالعراق، وفي رواية عاصم عن زر بن حبيش: أنهم
كانوا سبعة: ثلاثة من أهل حران، وأربعة من نصيبين، ذكره القرطبي في (تفسيره) وعند
الحاكم: عن ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه: هبطوا على النبي، عَ لّه، ببطن نخلة وكانوا
تسعة: أحدهم زوبعة، وقال: صحيح الإسناد. وعند القرطبي: كانوا اثني عشر، وعن عكرمة:
كانوا اثني عشر ألفاً. وفي (تفسير النسفي): وقيل: كانوا من بني الشيبان، وهم أكثر الجن
عدداً، وهم عامة جنود إبليس. قوله: ﴿قرآناً عجبا﴾ [الجن: ١]. أي: بديعاً مبيناً لسائر
الكتب في حسن نظمه وصحة معانيه، قائمة فيه دلائل الإعجاز. وانتصاب: عجباً، على أنه
مصدر وضع موضع التعجب وفيه مبالغة، والعجب ما خرج عن حد إشكاله، ونظائره قوله:
﴿يهدي إلى الرشد﴾ [الجن: ٢]. أي: يدعو إلى الصواب. وقيل: يهدي إلى التوحيد والإيمان.
قوله: ﴿فآمنا به﴾ [الجن: ٢]. أي: بالقرآن. قوله: ﴿ولن نشرك بربنا أحداً﴾ [الجن:
٢]. يعني: لما كان الإيمان بالقرآن إيماناً بالله عز وجل وبوحدانيته وبراءة من الشرك قالوا:
﴿لن نشرك بربنا أحداً﴾ [الجن: ٢]. قوله: ((فأنزل)) الله على نبيه: ﴿قل أوحي إليّ﴾ [الجن:
١]. أي: قل يا محمد، أي: أخبر قومك ما ليس لهم به علم، ثم بين فقال: ﴿أوحي إلي أنه
استمع نفر من الجن﴾ [الجن: ١]. وقال ابن إسحاق: لما أيس رسول الله، عٍَّ، من خبر
ثقيف انصرف عن الطائف راجعاً إلى مكة حتى كان بنخلة، قام من جوف الليل يصلي. فمر
به النفر من الجن الذين ذكرهم الله تعالى، وهم فيما ذكر لي سبعة نفر من أهل جن نصيبين،
فاستمعوا له، فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا،
فقص خبرهم عليه، فقال تعالى: ﴿وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن﴾ إلى قوله: ﴿أليم)
[الأحقاف: ٢٩ - ٣١] ثم قال تعالى: ﴿قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن﴾ [الجن: ١].
إلى آخر القصة من خبرهم في هذه السورة، وإلى هذا المعنى أشار البخاري بقوله: وإنما أوحي
إليه قول الجن، وأراد بقول الجن هم الذين قص خبرهم عليه.
ذکر ما يستفاد منه: وهو على وجوه:
الأول: في وقت صرف الجن إلى النبي، عَّه، وكان ذلك قبل الهجرة بثلاث سنين،
وقبل الإسراء. وذكر الواقدي: أن رسول الله عَ لم خرج إلى الطائف لثلاث بقين من شوال

٥٥
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٠٥)
وأقام خمساً وعشرين ليلة، وقدم مكة لثلاث وعشرين خلت من ذي القعدة يوم الثلاثاء، وأقام
بمكة ثلاثة أشهر، وقدم عليه جن الحجون في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من النبوة.
الثاني: أن الجن كانت متعددة وتعددت وفادتهم على النبي عَّ بمكة والمدينة بعد
الهجرة، وفي كلام البيهقي: أن ليلة الجن واحدة نظر.
الثالث: في الحديث وجود الجن. قال إمام الحرمين في كتابه (الشامل): إن كثيراً من
الفلاسفة وجماهير القدرية وكافة الزنادقة أنكروا الشياطين والجن رأساً، وقال أبو القاسم الصفار
في (شرح الإرشاد): وقد أنكرهم معظم المعتزلة، وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على
إثباتهم. وقال أبو بكر الباقلاني: وكثير من القدرية يثبتون وجود الجن قديماً وينفون وجودهم
الآن، ومنهم من يقر بوجودهم ويزعم أنهم لا يرون لرقة أجسادهم ونفوذ الشعاع. ومنهم من
قال: إنهم لا يرون لأنهم لا ألوان لهم. وقال الشيخ أبو العباس ابن تيمية: لم يخالف أحد من
طوائف المسلمين في وجود الجن وجمهور طوائف الكفار على إثبات الجن، وإن وجد من
ينكر ذلك منهم، كما يوجد في بعض طوائف المسلمين، كالجهمية والمعتزلة، من ينكر
ذلك، وإن كان جمهور الطائفة وأئمتها مقرين بذلك، وهذا لأن وجود الجن تواترت به أخبار
الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، تواتراً معلوماً بالاضطرار.
الرابع: في ابتداء خلق الجن، وفي كتاب (المبتدأ): عن عبد الله بن عمرو بن العاص،
قال: خلق الله الجن قبل آدم بألفي سنة. وعن ابن عباس: كان الجن سكان الأرض
والملائكة سكان السماء. وقال بعضهم: عمروا الأرض ألفي سنة. وقيل: أربعين سنة. وقال
إسحاق بن بشر في (المبتدأ): قال أبو روق: عن عكرمة عن ابن عباس، قال: لما خلق الله
شوما أبا الجن، وهو الذي خلق من مارج من نار، فقال تبارك وتعالى: تمنّ. قال أتمنى أن نرى
ولا نُرى، وأن نغيب في الثرى، وأن يصير كهلنا شاباً، فأعطي ذلك، فهم يرون ولا يرون، وإذا
ماتوا غيبوا في الثرى، ولا يموت كهلهم حتى يعود شاباً، يعني: مثل الصبي ثم يرد إلى أرذل
العمر. قال: وخلق الله آدم، عليه السلام، فقيل له: تمنَّ فتمنى الحيل فأعطي الحيل. وفي
(التلويح): وقد اختلف في أصلهم، فعن الحسن: أن الجن ولد إبليس، ومنهم المؤمن
والكافر، والكافر يسمى شيطاناً. وعن ابن عباس: هم ولد الجان وليسوا شياطين منهم الكافر
والمؤمن، وهم يموتون، والشياطين ولد إبليس لا يموتون إلاّ مع إبليس، واختلفوا في مآل أمرهم
على حسب اختلافهم في أصله. فمن قال: إنهم من ولد الجان، قال: يدخلون الجنة
بإيمانهم. ومن قال: إنهم من ذرية إبليس، فعند الحسن: يدخلونها، وعن مجاهد: لا
يدخلونها. وقال: ليس لمؤمني الجن غير نجاتهم من النار. قال تعالى: ﴿ويجركم من عذاب
أليم﴾ [الأحقاف: ٤٦]. وبه قال أبو حنيفة. ويقال لهم كالبهائم: كونوا تراباً، وفي رواية عن
أبي حنيفة أنه تردد فيهم ولم يجزم. وقال آخرون: يعاقبون في الإساءة ويجازون في الإحسان
كالإنس، وإليه ذهب مالك والشافعي وابن أبي ليلى لقوله تعالى: ﴿ولكل درجات مما
عملوا﴾ [الأنعام: ١٣٢]. بعد قوله: ﴿يا معشر الجن والإنس﴾ [الأنعام: ١٣٠]. الآيات.

٥٦
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٠٥)
الخامس: فيه دلالة على أن النبي عَ لّه جهر بالقراءة في صلاة الفجر، وعليه بوب
البخاري.
السادس: فيه دلالة على مشروعية الجماعة في الصلاة في السفر، وأنها شرعت من
أول النبوة.
السابع: أن النبي عّلِّ أرسل إلى الإنس والجن، ولم يخالف أحد من طوائف
المسلمين في أن الله تعالى أرسل محمداً عَ لّه إلى الجن والإنس، لقوله عليه الصلاة
والسلام: ((بعثت إلى الناس عامة)) في حديث جابر في (الصحيحين). قال الجوهري: الناس
قد يكون من الإنس ومن الجن، وقد أخبر الله تعالى في القرآن أن الجن استمعوا القرآن،
وأنهم آمنوا به كما في قوله تعالى: ﴿وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن﴾ [الأحقاف: ٢٩]. إلى
قوله: ﴿أولئك في ضلال مبين﴾ [الأحقاف: ٣٢]. ثم أمره الله أن يخبر الناس بذلك ليعلم
الإِنس بأحوالها وأنه مبعوث إلى الإنس والجن.
٧٧٤/١٦٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قال حدَّثنا أيُّوبُ عَنْ عَكْرِمَةَ عَنِ ابنِ
عَبَّاسٍ قَالَ قرأَ النبيُّ عَ لَّهِ فِيمَا أُمِرَ وسَكتَ فِيمَا أُمِرَ ﴿وما كانَ رِبُّكَ نَسِيًّا﴾ و﴿لَقدْ كانَ
لَكُمْ في رسولِ اللهِ أَسْوَةٌ حَسَنٌ﴾.
مطابقته للترجمة تظهر من قوله: ((قرأ النبي عَّ له فيما أمر))، لأن معناه: جهر بالقراءة
فيما أمر بالقراءة، وإنما صح أن يقال: معنى قرأ: جهر بالقراءة، لأن معنى قسيمه، وهو قوله:
((سكت فيما أمر))، أي: أسر فيما أمر بإسرار القراءة. ولا يقال: معنى سكت: ترك القراءة،
لأنه ◌َِّ كان لا يزال إماماً، فلا بد له من القراءة سراً أو جهراً، وقد تظاهرت الأخبار
وتواترت الآثار أنه كان يجهر في أولى العشاء والمغرب وفي الصبح، فناسب الحديث
الترجمة من حيث إن الفجر داخل في الذي جهر فيه. ومما يؤكد ما قلنا قول ابن عباس في
آخر الحديث: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ ، لأنه قد ثبت بالروايات أنه
عَِّ قرأ في الصبح جهراً، فهو كان مأموراً بالجهر، ونحن مأمورون بالأسوة به، فبين لنا
الجهر، وهو المطلوب. فإن قلت: قال الإسماعيلي: إيراد حديث ابن عباس ههنا يغاير ما تقدم
من إثبات القراءة في الصلاة، لأن مذهب ابن عباس ترك القراءة في السرية، قلت: لا نسلم
المغايرة المذكورة، بل إيراد هذا الحديث يدل على إثبات ذلك، لأنه احتج على ما ذكره في
صدر الحديث بما ذكره في آخره من وجوب الإيتساء بالنبي معَّم فيما ورد عنه، وقد ورد عنه
الجهر والإسرار، على أنه قد روى عنه أبو العالية البراء ثبوت القراءة في الظهر والعصر، على
خلاف ما روي عنه من نفي القراءة فيهما، وقد ذكرناه مستقصى فيما مضى.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: مسدد. الثاني: إسماعيل بن إبراهيم المعروف بابن
علية. الثالث: أيوب السختياني. الرابع: عكرمة، مولى ابن عباس. الخامس: عبد الله بن
عباس.

٥٧
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٠٦)
ذكر لطائف إسناده: وفيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه : العنعنة
في موضعين. وفيه : القول في ثلاثة مواضع. وفيه : أن رواته ما بين بصري وكوفي ومدني ..
وهذا الحديث من أفراد البخاري.
ذكر معناه: قوله: ((فيما أمر))، بضم الهمزة، والآمر هو الله تعالى. قوله: ((نسياً)) بفتح
النون وكسر السين وتشديد الياء، وأصله: نسي، بياءين، على وزن: فعيل:، فأدغمت الياء في
الياء، وفعيل هنا بمعنى: فاعل، أي: وما كان ربك نسياً، أي: تاركاً، لأن النسيان في اللغة
الترك، قاله أبو عبيدة، قال الله تعالى: ﴿نسوا الله فنسيهم﴾ [التوبة: ٦٧]. وقال تعالى: ﴿ولا
تنسوا الفضل بينكم﴾ [البقرة: ٢٣٧]. وقال الكرماني: فإن قلت: هذا الكلام من أي
الأساليب؟ إذ النسيان ممتنع على الله تعالى؟ قلت: هو من أسلوب التجوز، أطلق الملزوم
وأراد اللازم، إذ نسيان الشيء مستلزم لتركه. انتهى. قلت: هذا الذي قاله إنما يمشي إذا كان
من النسيان الذي هو خلاف الذكر على ما لا يخفى. وقال أيضاً: لِمَ ما قلت: إنه كناية؟ ثم
أجاب بأن شرط الكناية إمكان إرادة معناه الأصلي، وهنا ممتنع، وشرطها أيضاً المساواة في
اللزوم، وههنا الترك ليس مستلزماً للنسيان، إذ قد يكون الترك بالعمد. هذا عند أهل المعاني.
وأما عند الأصولي فالكناية أيضاً نوع من المجاز. قلت: على ما ذكره أهل الأصول يجوز
الوجهان، وقال الخطابي: لو شاء اڤ أن يترك بيان أحوال الصلاة وأقوالها حتى يكون قرآناً
متلواً لفعل، ولم يتركه عن نسيان، ولكنه وكل الأمر في ذلك لنبيه عَ لِّ، ثم أمرنا بالاقتداء
به، وهو معنى قوله لنبيه عَّ ◌ُله: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل: ٤٤]. ولم تختلف الأمة
في أن أفعاله التي هي بيان مجمل الكتاب واجبة، كما لم يختلفوا في أن أفعاله التي هي من
نوم وطعام وشبههما غير واجبة، وإنما اختلفوا في أفعاله التي تتصل بأمر الشريعة مما ليس ببيان
مجمل الكتاب، فالذي يختار إنها واجبة. قوله: ((أسوة))، بضم الهمزة وكسرها، قرىء بهما،
ومعناها: القدوة.
١٠٦ - بابُ الجَمْعِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ فِي الرَّكْعَةِ والقِرَاءَةِ بِالخَوَاتِيمِ وبِشُورَةٍ قَبْلَ
سُورَةٍ وَبِأَوَّلٍ سُورَةٍ
أي: هذا باب في بيان حكم الجمع بين السورتين في الركعة الواحدة من الصلاة،
وفي بيان قراءة الخواتيم، أي: خواتيم السور أي: أواخرها، وفي بيان حكم قراءة سورة قبل
سورة، وهو أن يجعل سورة متقدمة على الأخرى في ترتيب المصحف، متأخرة في القراءة.
وهذا أعم من أن تكون في ركعة أو ركعتين. قوله: ((وبأول سورة))، أي: وبالقراءة بأول سورة،
هذه الترجمة تشتمل على أربعة أجزاء، قد ذكر للثلاثة منها ما يطابقها من الحديث والأثر،
ولم يذكر شيئاً للجزء الثاني، وهو قوله: ((والقراءة بالخواتيم))، قال بعضهم: وأما القراءة
بالخواتيم فتؤخذ من إلحاق القراءة بالأوائل، والجامع بينهما أن كلاهما بعض سورة. قلت:
الأولى أن يؤخذ ذلك من قول قتادة: كلِّ كتاب الله، سبحانه وتعالى.

٥٨
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٠٦)
وَيُذْكَرُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بن السَّائِبِ قَرَأ النبيُّ عَّلَّهِ المُؤْمِنُونَ فِي الصُّبْحِ حَتَّى إِذَا جَاءَ
ذِكْرُ مُوسَى وَهَارُونَ أُوْ ذِكْرُ عِيسَى أَخَذَتْهُ سَعْلَةٌ فَرَكَعَ
مطابقة هذا التعليق للجزء الرابع للترجمة، لأن الترجمة أربعة أجزاء: فالجزء الرابع هو
قوله: وبأول سورة، والذي رواه عبد الله بن السائب يدل على أنه عَّ له قرأ أول سورة المؤمنين
إلى أن وصل إلى قوله: ﴿ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون﴾ [المؤمنون: ٤٥]. أخذته سعلة
فقطع القراءة ولم يكمل السورة، فدل على أنه لا بأس بقراءة بعض سورة والاقتصار عليه من
غير تكميل السورة، على ما يجيء بيانه الآن، وهذا التعليق ذكره البخاري بلفظ: يذكر، على
صيغة المجهول، وهو صيغة التمريض لأن في إسناده اختلافاً على ابن جريج، فقال عيينة: عنه
عن أبي مليكة عن عبد الله السائب، قال أبو عاصم: عنه عن محمد بن عباد عن أبي سلمة
ابن سفيان أو سفيان ابن أبي سلمة عن عبد الله بن السائب، ووصله مسلم في (صحيحه)
وقال: حدثني هارون بن عبد الله، قال: حدثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج وحدثني
محمد بن رافع، وتقاربا في اللفظ، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج: قال
سمعت محمد بن جعفر بن عباد بن جعفر يقول: أخبرني أبو سلمة ابن سفيان وعبد الله بن
عمرو بن العاص وعبد الله بن المسيب العابدي، عن عبد الله بن السائب قال: ((صلى لنا
رسول الله عَ ل الصبح بمكة فاستفتح سورة المؤمنين حتى جاء ذكر موسى وهارون، أو ذكر
عيسى، عليهم الصلاة والسلام، شك محمد بن عباد أو اختلفو عليه، أخذت النبي، عَ لّهِ،
سعلة فركع وعبد الله بن السائب حاضر ذلك)).
وفي حديث عبد الرزاق فحذف: ((فركع))، وفي حديثه: وعبد الله بن عمرو لم يقل:
ابن العاص، وعبد الله بن السائب ابن أبي السائب، واسمه: صيفي بن عابد، بالباء الموحدة:
ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم القريشي المخزومي القاري يكنى: أبا السائب، وقيل: أبو عبد
الرحمن، سمع رسول الله عَ لّه توفي بمكة قبل ابن الزبير بيسير، روي له عن رسول الله عَ ليه
سبعة أحاديث، وروى له مسلم هذا الحديث فقط، وأخرج الطحاوي هذا الحديث عن عبد
الله بن السائب، ولفظه: ((حضرت رسول الله عَ ليه غداة الفتح صلاة الصبح فاستفتح بسورة
المؤمنين فلما أتى على ذكر موسى وعيسى أو موسى وهارون أخذته سعلة فركع)). انتهى.
وليس في إسناده ذكر عبد الله بن عمرو بن العاص، ولا ذكر عبد الله بن المسيب، بل فيه:
عن أبي سلمة عن سفيان عن عبد الله بن السائب، وقال النووي: ابن العاص غلط عند
الحفاظ، وليس هذا عبد الله بن عمرو بن العاص الصحابي المعروف، بل هو تابعي حجازي.
وفي (مصنف عبد الرزاق): عن عبد الله بن عمرو القاري، وهو الصواب. قوله: ((قرأ النبي
عَّ لِ المؤمنين)) أي: سورة المؤمنين. قوله: ((أو ذكر عيسى))، هو قوله تعالى: ﴿وجعلنا ابن
مريم وأمه آية﴾ [المؤمنون: ٥٠]. وفي رواية الطحاوي على ذكر موسى وعيسى هو قوله:
﴿ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون﴾ [المؤمنون: ٤٩]. ﴿وجعلنا ابن مريم وأمه آية﴾
[المؤمنون: ٥٠]. قوله: ((أخذته سعلة))، بفتح السين وضمها، وعند ابن ماجه: ((فلما بلغ ذكر

٥٩
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٠٦)
عيسى وأمه أخذته سعلة، أو قال: شهقة)). وفي رواية: ((شرقة))، بفتح الشين المعجمة وسكون
الراء وفتح القاف. قوله في مسلم: ((الصبح بمكة))، وفي رواية الطبراني: ((يوم الفتح)).
ذكر ما يستفاد منه: فيه: استحباب القراءة الطويلة في صلاة الصبح، ولكن على قدر
حال الجماعة. وفيه : جواز قطع القراءة، وهذا لا خلاف فيه، ولا كراهة إن كان القطع
لعذر، وإن لم يكن لعذر فلا كراهة أيضاً عند الجمهور، وعن مالك في المشهور كراهته.
وفيه : جواز القراءة ببعض السور، وفي (شرح الهداية): إن قرأ بعض سورة في ركعة وبعضها
في الثانية الصحيح أنه لا يكره، وقيل: يكره، ويجاب عن حديث سعلته معَّلَّم أنه إنما كان
قراءته لبعضها لأجل السعلة، والطحاوي منع هذا الجواب في (معاني الآثار)، فقال عقيب
رواية حديث السعلة: فإن قال قائل: إنما فعل ذلك للسعلة التي عرضت، قيل له: فإنه قد روي
عنه أنه كان يقرأ في ركعتي الفجر بآيتين من القرآن، وقد ذكرنا ذلك في: باب القراءة في
ركعتي الفجر. انتهى. قلت: الذي ذكره في هذا الباب هو ما رواه عن ابن عباس، أنه قال:
((كان رسول الله عَّله يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منهما: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل
إلينا﴾ [البقرة: ١٣٦]. الآية، وفي الثانية: ﴿آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون﴾ [آل عمران:
٥٢].
وقَرَأْ عُمَرُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولى بِائَةٍ وَعِشْرِينَ آيَةً مِنَ البَقَرَةِ وَفِي الثَّانِيَةِ بِشُورَةٍ مِنَ
المَثَانِي
مطابقته لجزء من أجزاء الترجمة غير ظاهرة، ولكنه يدل على تطويل القراءة في الركعة
الأولى على القراءة في الركعة الثانية لأن التيمي فسر المثاني بما لم يبلغ مائة آية، وقيل:
المثاني عشرون سورة، والمئون إحدى عشرة سورة، وقال أهل اللغة: سميت مثاني لأنها ثنت
المئين، أي: أتت بعدها. وفي (المحكم): المثاني من القرآن ما ثنى مرة بعد مرة، وقيل:
فاتحة الكتاب، وقيل: سور أولها البقرة وآخرها براءة. وقيل: القرآن العظيم كله مثاني، لأن
القصص والأمثال ثنيت فيه، وقيل: سميت المثاني لكونها قصرت عن المئين وتزيد على
المفصل، كأن المئين جعلت مبادىء، والتي تليها مثاني، ثم المفصل: وعن ابن مسعود
وطلحة ابن مصرف: المئون إحدى عشرة سورة، والمثاني عشرون سورة، وقال صاحب
(التلويح) ومن تبعه من الشراح: وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة في (مصنفه) عن عبد
الأعلى عن الجريري عن أبي العلاء عن أبي رافع، قال: كان عمر، رضي الله تعالى عنه، يقرأ
في الصبح بمائة من البقرة، ويتبعها بسورة من المثاني، أو: من صدور المفصل، ويقرأ بمائة من
آل عمران ويتبعها بسورة من المثاني، أو من صدور المفصل. قلت: في لفظ ما ذكره
البخاري فصل بقوله: في الركعة الأولى، وفي الثانية وفي رواية ابن أبي شيبة: لم يفصل،
ويحتمل أن تكون قراءته بمائة من البقرة وإتباعها بسورة من المفصل في الركعة الأولى
وحدها، وفي الركعة الثانية كذلك، ويحتمل أن يكون هذا في الركعتين جميعاً، فعلى
الاحتمال الأول تظهر المطابقة بينه وبين الجزء الأول للترجمة. فإن قلت: الجزء الأول

٦٠
١٠ - كتاب الآذان / باب (١٠٦)
للترجمة الجمع بين السورتين، وهذا على ما ذكرت جمع بين سورة وبعض من سورة. قلت:
المقصود من الجمع بين السورتين أعم من أن يكون بين سورتين كاملتين، أو بين سورة كاملة
وبين شيء من سورة أخرى.
وقَرَأَ الأَخْتَفُ بِالكَهْفِ فِي الأولى وفِي الثَّانِيَةِ بِيوسُفَ أُوْ يُونُسَ وَذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّى
مَعَ عُمَرَ رضي الله تعالى عنه الصُّبْحَ بِهِمَا
مطابقته للجزء الثالث للترجمة، وهي: أن يقرأ في الركعة الأولى سورة ثم يقرأ في
الثانية سورة فوق تلك السورة. والأحنف، بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وفتح النون
وفي آخره فاء: ابن قيس بن معدي كرب الكندي الصحابي، وقد مر ذكره في: باب
المعاصي، في كتاب الإيمان. قوله: ((وذكر)) أي: ذكر الأحنف ((أنه صلى مع عمر)) أي: وراء
عمر، ((الصبح)) أي: صلاة الصبح ((بهما))، أي: بالكهف في الأولى وبإحدى السورتين في
الثانية أي: بیوسف أو يونس.
وهذا التعليق وصله أبو نعيم في (المستخرج): حدثنا مخلد بن جعفر حدثنا جعفر
الفريابي حدثنا قتيبة حدثنا حماد بن زيد عن بديل عن عبد الله بن شقيق، قال: ((صلى بنا
الأحنف بن قيس الغداة فقرأ في الركعة الأولى بالكهف، وفي الثانية بيونس، وزعم أنه صلى
خلف عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، فقرأ في الأولى بالكهف والثانية بيونس)).
وقال ابن أبي شيبة: حدثنا معتمر عن الزهري بن الحارث عن عبد الله بن قيس عن الأحنف،
قال: ((صليت خلف عمر الغداة فقرأ بيونس وهود ونحوهما)). وعد أصحابنا هذا الصنيع
مكروهاً، فذكر في (الخلاصة): وإن قرأ في الركعة سورة وفي ركعة أخرى سورة فوق تلك
السورة أو فعل ذلك في ركعة فهو مكروه. قلت: فكأنهم نظروا في هذا إلى أن رعاية
الترتيب العثماني مستحبة، وبعضهم قال: هذا في الفرائض دون النوافل، وقال مالك: لا بأس
أن يقرأ سورة قبل سورة. قال: ولم يزل الأمر على ذلك من عمل الناس. وذكر في (شرح
الهداية) أيضاً: أنه مكروه. قال: وعليه جمهور العلماء، منهم أحمد. وقال عياض: هل ترتيب
السور من ترتيب النبي، عَّه، أو من اجتهاد المسلمين؟ قال ابن الباقلاني: الثاني أصح
القولين مع احتمالهما، وتأولوا النهي عن قراءة القرآن منكوساً على من يقرأ من آخر السورة إلى
أولها، وأما ترتيب الآيات فلا خلاف أنه توقيف من الله تعالى على ما هو عليه الآن في
المصحف.
وقَرَأَ ابنُ مَسْعُودٍ بِأزْبَعِينَ آيَةً مِنَ الأَنْفَالِ وفِي الثَّانِيَةِ بِسُورَةٍ مِنَ المُفَصَّلِ
مطابقته للجزء الرابع من الترجمة. وهو قوله: ((بأول سورة))، فإن قلت: هذا لا يدل
على أنه قرأ أربعين آية من أول الأنفال فإنه يحتمل أن يكون من أوله، ويحتمل أن يكون من
أوسطه. قلت: هذا الأثر رواه سعد بن منصور بلفظ: ((فافتتح الأنفال))، والافتتاح لا يكون إلاّ
من الأول، أي: قرأ عبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنه، بأربعين آية من سورة الأنفال في