النص المفهرس

صفحات 1-20

بُعْدَةُ الْقَراي
شَرْح
صَحِيح البُخَاري
تأليف
الأَمَامِ الْعَلَّمَةَ بَدُرِ الدِّيْنِ أَبَ محمّدَ مَحُدِ بْن أَحْدَ الْعَيني
المتوفى سنة ٨٥٥هـ
ضبطه وصحّه
عبد الله محمود محمّد عمَرَ
طبعة جديدة مرقمة الكتب والأبواب والأحاديث
حسب ترقيم المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي الشريف
الجُزء السَّادس
٠
يحتوي على الكتب التالية:
تتمة الأذان " الجمعة- صلاة الخوف- صلاة العيدين
من الحديث (٧٥٣) ~ إلى الحديث (٩٨٩)
منشورات
محمد عَلى بيضون
لِشركْتبِ الْسُنَقِوَ اجِمَاعَةِ
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
١

دار الكتب
جميع الحقوق محفوظة
Copyright @
All rights reserved
Tous droits réservés
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة
لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان
ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة
تنضيد الكتاب كاملاً أو مجزاً أو تسجيله على
أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو
برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة
الناشر خطياً.
Exclusive Rights by
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beirut - Lebanon
No part of this publication may be
translated, reproduced, distributed in any
form or by any means, or stored in a data
base or retrieval system, without the
prior written permission of the publisher.
Droits Exclusifs à
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beyrouth - Liban
Il est interdit à toute personne individuelle
ou morale d'éditer, de traduire, de
photocopier, d'enregistrer sur cassette,
disquette, C.D, ordinateur toute
production écrite, entière ou partielle,
sans l'autorisation signée de l'éditeur.
الطّبعَة الأوْلى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت
هاتف وفاكس : ٣٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ - ٣٧٨٥٤٢ (٩٦١١)
صندوق بريد : ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Beirut - Lebanon
Ramel Al-Zarif, Bohtory St., Melkart Bldg., Ist Floor
Tel. & Fax : 00 (961 1) 37.85.42 - 36.61.35 - 36.43.98
P.O.Box : 11 - 9424 Beirut - Lebanon
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Beyrouth - Liban
Ramel Al-Zarif, Rue Bohtory, Imm. Melkart, Iére Etage
Tel. & Fax : 00 (961 1) 37.85.42 - 36.61.35 - 36.43.98
B.P. : 11 - 9424 Beyrouth - Liban
ISBN 2-7451-2269-X
90000>
9 782745 122698
http://www.al-ilmiyah.com/
e-mail: sales@al-ilmiyah.com
info@al-ilmiyah.com
baydoun@al-ilmiyah.com

بسم الله الرحمن الرحيم
٩٤ - بابٌ هَلْ يَلْتَقِتُ لأُمْرٍ يَنْزِلُ بِهِ أَوْ يَرَى شَيْئاً أوْ بُصَاقاً في القِبْلَةِ
أي: هذا باب ترجمته: هل يلتفت ... إلى آخره، أي: هل يلتفت المصلي في صلاته
لأمر ينزل به مثل ما إذا خاف من سقوط جدار أو قصد حية أو سبع له؟ قوله: ((أو يرى شيئاً))
قدامه أو من جهة يمينه أو من جهة يساره، وليس هو بمقيد أن يكون من جهة القبلة فقط، لأنه
لا يلزم تقييد المعطوف عليه بما هو قيد في المعطوف. قوله: ((أو بصاقاً) عطف على: شيئاً،
تقديره: أو رأى بصاقاً في جهة القبلة فالتفت إليه، وجواب: هل، محذوف تقديره: يلتفت،
لدلالة ما في الباب عليه.
وقال سَهْلٌ التَفَتَّ أَبُو بَكْرٍ رضي الله تعالى عنهُ فَرَأى النبيَّ عَلِ
مطابقته لقوله في الترجمة: ((أو يرى شيئاً)) فإن أبا بكر التفت لما رأى النبي عَّهِ،
وسهل هو: ابن سعد بن مالك الأنصاري الخزرجي، هو وأبوه صحابيان. وهذا أخرجه
البخاري في: باب من دخّل ليؤم الناس، من رواية أبي حازم عنه في إمامة أبي بكر، رضي
الله تعالى عنه.
٧٥٣/١٤١ - حدَّثْنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قال حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ نَافِع عن ابن عُمَرَ أَنَّهُ قال رَأى
النبيُّ عَ لِّ نُخَامَةٌ فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدٍ وَهْوَ يُصَلِّي بَيْنَ يَدَيِّ النَّاسِ فُّحَتَّهَا ثُمَّ قال حِينَ انْصَرَفَ
إِنَّ أحَدُكُمْ إِذَا كانَ في الصَّلاَةِ فإنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ فَلاَ يَتَتَخَّمَنَّ أَحَدٌ قِبَلَ وَجْهِهِ فِي الصَّلاَةِ
[انظر الحديث ٤٠٦ وطرفيه].
مطابقته للترجمة في الجزء الثالث منها، وهو قوله: ((أو بصاقاً). فإن قلت: المذكور في
الترجمة البصاق، وفي الحديث النخامة، وأين التطابق؟ قلت: المقصود مطابقة أصل
الحديث، فإنه أخرج حديث نافع عن ابن عمر هذا أيضاً في: باب حك البزاق باليد من
المسجد، ولفظه: عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر: ((أن رسول
الله عَّله رأى بصاقاً في جدار القبلة فحكه)). الحديث، ولأن حكم البصاق والنخامة واحد
من حيثية تعين إزالتهما على أن الصحيح أن النخامة هي الفضلة الخارجة من الصدر، وقد
استوفينا الكلام في الأبواب التي فيها حك البزاق باليد، وحك النخامة بالحصى، فقوله:
((وهو يصلي)) جملة حالية. قوله: ((بين يدي الناس))، قال بعضهم: هذا يحتمل أن يكون
متعلقاً بقوله: ((وهو يصلي)) أو بقوله: ((رأى نخامة)). قلت: ظاهر التركيب يقتضي تعلقه
بقوله: ((وهو يصلي)) لأن العامل في الظرف هو قوله: ((يصلي)) قوله: ((فحتها)) بالتاء المثناة من
فوق أي: حكها وأزالها. قوله: ((ثم قال حين انصرف)) ظاهر التركيب يقتضي أن يكون الحت
وقع منه عَّ ◌ُلِ داخل الصلاة، وفي رواية مالك عن نافع عن ابن عمر المذكور آنفاً غير مقيد
٣

٤
١٠ - كتاب الأذان / باب (٩٤)
بحال الصلاة، وكذلك هو أخرج هناك أحاديث عن أبي هريرة وأبي سعيد وأنس، رضي الله
تعالى عنهم، وليس في واحد منها قيد بحال الصلاة. فإن قلت: ما وجه هذه الرواية المقيدة
بحال الصلاة؟ أوَليس هذا عمل يفسد الصلاة؟ قلت: العمل اليسير لا يفسد الصلاة، وهو
كبصاقه في ثوبه في الصلاة، ورد بعضه على بعض، ونظيره ما رواه الترمذي من حديث
عائشة، رضي الله تعالى عنها، قالت: ((جئت ورسول الله عَ لّهم يصلي في البيت والباب عليه
مغلق، فمشى حتى فتح لي ثم رجع إلى مكانه))، وقال: هذا حديث حسن غريب، وهو
محمول على أنه مشى أقل من ثلاث خطوات لقربه من الباب، وفتحه الباب أيضاً محمول
على أنه فتحه بيده الواحدة، وذلك لأن الفتح باليدين عمل كثير فتفسد به الصلاة، وعن هذا
قال أصحابنا: لو غلق المصلي الباب لا تفسد صلاته، ولو فتحها فسدت، لأن الفتح يحتاج
غالباً إلى المعالجة باليدين، وهو عمل كثير، بخلاف الغلق، حتى لو فتحها بيده الواحدة لا
تفسد. قوله: ((قبل وجهه))، بكسر القاف وفتح الباء الموحدة، وهو على سبيل التشبيه أي:
كأنه قبل وجهه، فيكون التنخم قبل الوجه سوء أدب. قوله: ((فلا يتنخمن))، بالنون المؤكدة
الثقيلة، أي: فلا يرمين النخامة قبل وجهه وهو في الصلاة.
ورَوَاهُ مُوسَى بِنُ عُقْبَةَ وَابْنُ أَبِي رَوَّادٍ عنْ نَافِعٍ
أي: روى الحديث المذكور موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي المديني، ووصله
مسلم عن هارون بن عبد الله: حدثنا حجاج قال: قال ابن جريج: عن موسى بن عقبة وابن
أبي رواد عن نافع. قوله: ((وابن أبي رواد)) أي: رواه أيضاً ابن أبي رواد، واسمه: عبد العزيز،
واسم أبي رواد، بفتح الراء وتشديد الواو وفي آخره دال مهملة: ميمون مولى آل المهلب بن
أبي صفرة العتكي، ووصله أحمد في (مسنده): عن عبد الرزاق عن عبد العزيز بن أبي رواد
المذكور عن نافع أيضاً.
٧٥٤/١٤٢ - حدّثنا يَحْتِى بِنُ بُكَيْرٍ قال حدَّثنا اللَّيْثُ بنُ سَغدٍ عنْ عُقَيْلِ عنِ ابنِ شِهَابٍ
قال أخبرني أنَسُ بنُ مالِكِ قال بَيْنَمَا المُسْلِمُونَ فِي صَلاَةِ الفَجْرِ لَمْ يَفْجَأْهُمْ إِلَّ رَسولُ اللهِ
عَِّ كَشَفَ سِتْرَ حُجْرَةٍ عَائِشَةَ فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ صُفُوفٌ فَتَبَسَّمَ يَضْحَكُ ونَكَصَ أَبُو بَكْرٍ
رضي الله تعالى عنه علَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ لَهُ الصَّفَّ فِظَنَّ أَنَّهُ يُرِيدُ الخُرُوجَ وهَمَّ الْمُسْلِمُونَ أَنْ
يَفْتَِنُوا فِي صَلاَتِهِمْ فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أُّوا صَلاَتَكُمْ فَأْخَى السَّتْرَ وَتُؤُفِّيَ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ اليَوْمِ. [انظر
الحديث ٦٨٠ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إن الصحابة لما كشف عليه عَ لِّ الستر التفتوا إليه، وذلك
لأن الحجرة كانت عن يسار القبلة، فالناظر إلى إشارة من هو فيها يحتاج إلى أن يلتفت،
ولولا التفاتهم ما رأوا إشارته، فصدق عليه الجزء الثاني من الترجمة.
ورجاله قد ذكروا غير مرة، ويحيى بن بكير، بضم الباء الموحدة: هو يحيى بن عبد الله
ابن بكير المخزومي المصري، والليث هو ابن سعد المصري، وعقيل، بضم العين: هو ابن

٥
١٠ - كتاب الأذان / باب (٩٥)
خالد الأيلي، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري.
والحديث أخرجه البخاري في المغازي أيضاً: عن سعيد بن عفير عن الليث به، وقد
مر الكلام مستوفىّ في هذا الحديث في: باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة.
قوله: ((لم يفجأهم)) هو عامل في قوله: ((بينما)). قوله: ((كشف)) حال بتقدير: قد،
وكذا قوله: ((نظر إليهم)). قوله: ((وهم صفوف))، جملة اسمية حالية. قوله: ((يضحك)) حال
مؤكدة أي غير منتقلة، ومثلها لا يلزم أن تكون مقررة لمضمون جملة، ويجوز أن تكون حالاً
مقدرة. قوله: ((ونكص)) أي: ورجع. قوله: ((ليصل له))، من الوصول لا من الوصل، و:
الصف، منصوب بنزع الخافض أي: إلى الصف. قوله: ((فظن))، بالفاء السببية أي: نكص
بسبب ظنه أن رسول الله عَّه يريد الخروج إلى المسجد. قوله: ((وهم المسلمون)) أي:
قصدوا إن يفتتنوا أي: يقعوا في الفتنة، أي: في فساد صلاتهم وذهابها فرحاً بصحة رسول
الله عَُّلَّه وسروراً برؤيته. قوله: ((وتوفي من آخر ذلك اليوم))، ويروى: فتوفي، بالفاء، وفي
رواية هناك: ((وتوفي من يومه)). وقال ابن سعد: توفي حين زاغت الشمس. فإن قلت: كيف
يلتئم هذا؟ قلت: قال الداودي: معناه من بعد أن رأوه، لأنه توفي قبل انتصاف النهار.
٩٥ - بابُ وُجُوبُ القرَاءَةِ لِلإِمامِ والْمَأْمُومِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا في الحَضَرِ
والسَّفَرِ وماَ يُجْهَرُ فِيهاَ وما يُخَافَتُ
أي: هذا باب في وجوب القراءة في الصلوات كلها في الحضر والسفر، وإنما ذكر
السفر لئلا يظن أن المسافر يترخص له ترك القراءة كما يرخص له في تشطير الرباعية. قوله:
((وما يجهر فيها)) على صيغة المجهول عطف على قوله: ((في الصلاة))، والتقدير: ووجوب
القراءة أيضاً فيما يجهر فيها. وقوله: ((وما يخافت)) على صيغة المجهول أيضاً عطف على ما
يجهر، والتقدير: ووجوب القراءة أيضاً فيما يخافت أي يستر.
وحاصل الكلام أن القراءة واجبة في الصلوات كلها سواء كان المصلي في الحضر أو
في السفر، وسواء كانت الصلاة فيما يجهر بالقراءة فيها أو يسر، وسواء كان المصلي إماماً أو
مأموماً. وقيد المأموم على مذهبه لأن عند الحنفية لا تجب القراءة على المأموم، لأن قراءة
الإمام قراءة له، وإنما لم يذكر المنفرد لأن حكمه حكم الإمام.
٧٥٥/١٤٣ - حدَّثنا مُوسَى قال حدَّثنا أَبُو عَوَانَةَ قال حدَّثْنا عَبْدُ المَلِكِ بنُ عُمَيْرٍ عنْ
جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ قال شَكا أهْلُ الكُوفَةِ سَعْداً إِلَى عُمَرَ رضي الله تعالى عنه فَعَزَلَهُ واسْتَعْمَلَ
عَلَيْهِمْ عَمَّاراً فَشَكَوْا حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّهُ لاَ يُحسِنُ يُصَلِّي فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فقال يا أبا إِسْحَاقَ إنَّ
هَؤُلاَءِ يَرْعَمُونَ أَنَّكَ لاَ تُحْسِنُ تُصَلِّي قال أبُو إِسْحَاقَ أمَّا أنا واللهِ فإِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ
صَلاَةَ رسولِ اللهِ عَّله ما أَخْرِمُ عَنْهَا أُصَلِّي صَلاَةَ العِشَاءِ فَأَرْكُدُ فِي الأَولَيَيْنِ وَأَخِفُّ فِي
الأُخْرَ بَيْنِ قال ذَاكَ الظّنُّ بِكَ يا أبَا إِسْحَاقَ فَأرْسَلَ مَعَهُ رَجُلاً أَوْ رِجَالاً إِلَى الكُوفَةِ فَسَألَ عَنْهُ
أَهْلَ الكُوفَةِ ولَمْ يَدَعْ مَسْجِداً إلاَّ سَأَلَ عَنْهُ وَيَثْنُونَ عَلَيْهِ مَغْرُوفاً حَتَّى دَخَلَ مَسْجِداً لِبَنِي

٦
١٠ - كتاب الأذان / باب (٩٥)
عَبْسٍ فَقَامَ رَمُجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أُسَامَةُ بنُ قَتَادَةً يُكْنَى أبا سَعْدَةَ قال أمَّا إِذْ نَشَدْتَنَا فَإِنَّ سَعْداً
كانَّ لاَ يَسِيرُ بالسَّرِيَّةِ وَلا يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ ولاَ يَعْدِلُ فِي القَضِيَّةِ قال سَعْدٌ أَمَا واللهِ لأَدْعُوَنَّ
بِثَلاَثِ اللَّهُمَّ إِنْ كانَ عَبْدُكَ هَذِا كَاذِباً قامَ رِياءً وسُمْعَةً فَأَطِلْ عُمْرَهُ وَأَطِلْ فَقْرَهُ وَعَرِّضْهُ لِلِفِتَنِ
قال وكان بَعْدُ إذَا سُئِلَ يَقُولُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ. قالَ عَبْدُ المَلِكِ فَأْنَا.
رَأَيْتُهُ بَعْدُ قَدْ سَقَطَ حاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِن الكِبَرِ وإِنَّهُ لَيَتَعَرَّضُ لِلْجَوَارِي فِي الطُّرُقِ يَغْمِزُهُنَّ.
[الحديث ٧٥٥ - طرفاه في: ٧٥٨، ٧٧٠].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله عَلَّهُ)) ولا نزاع
في قراءة النبي عَ لّه في صلاته دائماً، وهو يدل على وجوب القراءة، لكن التطابق إنما يكون
في الجزء الأول من الترجمة وهو قوله: ((وجوب القراءة للإمام)). وقوله: ((ما أخرم عنها)) أي:
عن صلاة النبي عَّه، يدل على الجزء الخامس والسادس من الترجمة، وهو: الجهر فيما
يجهر والمخافتة فيما يخافت، ولا نزاع أنه عَ ◌ّه كان يجهر في محل الجهر ويخفي في
محل الإخفاء، وهذا القول يدل أيضاً على الجزء الثالث والرابع، لأنه يدل على أنه عَ لَّه ما
كان يترك القراءة في الصلاة في الحضر ولا في السفر، لأنه لم ينقل تركه أصلاً، ولم يبق
من الترجمة إلّ الجزء الثاني، وهو: قراءة المأموم، فلا دلالة في الحديث عليه، وبهذا التقدير
يندفع اعتراض الإسماعيلي وغيره، حيث قالوا: لا دلالة في حديث سعد على وجوب القراءة،
وإنما فيه تخفيفها في الأخريين عن الأوليين، وقال ابن بطال: وجه دخول حديث سعد في
هذا الباب أنه لما قال: أركد وأخف، علم أنه لا يترك القراءة في شيء من صلاته، وقد قال:
إنها مثل صلاته عَّ لّهِ، قلت: هذا قريب مما ذكرنا، ولكن لا يدل على وجوب القراءة على
المأموم. وقال الكرماني فإن قلت: ما وجه تعلقه بالترجمة؟ قلت: وجهه أن ركود الإمام يدل
على قراءته عادة، فهو دال على بعض الترجمة انتهى. قلت: ليس الأمر كذلك، بل يدل على
كل الترجمة ما خلا قوله: المأموم، فمن أمعن النظر فيما قالوا وفيما قلت عرف أن الوجه هو
الذي ذكرته على ما لا يخفى.
ذكر الرجال المذكورين فيه: الأول: موسى بن إسماعيل المنقري التبوذكي. الثاني
أبو عوانة، بفتح العين المهملة: واسمه الوضاح، بفتح الواو وتشديد الضاد المعجمة وبعد
الألف حاء مهملة: ابن عبد الله اليشكري، مات سنة ست وسبعين ومائة في ربيع الأول.
الثالث: عبد الملك بن عمير - مصغر عمرو - بن سويد الكوفي، وكان قد أدرك النبي عَ لَه
وروى عن جماعة من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، مات سنة ست وثلاثين ومائة في ذي
الحجة، وكان على قضاء الكوفة. الرابع: جابر بن سمرة بن جنادة العامري السوائي، يكنى أبا
خالد، وقيل: أبو عبد الله، له ولأبيه صحبة، روي له عن رسول الله عَ لّه مائة حديث وستة
وأربعون حديثاً، اتفقا على حديثين، وانفرد مسلم بستة وعشرين، وهو ابن أخت سعد بن أبي
وقاص، سكن الكوفة وابتنى بها داراً، وتوفي في أيام بشر بن مروان على الكوفة بها، وقيل:
توفي سنة ست وستين أيام المختار. الخامس: سعد بن أبي وقاص، واسم أبي وقاص: مالك

٧
١٠ - كتاب الأذان / باب (٩٥)
ابن أهيب، ويقال: وهيب بن عبد مناف أبو إسحاق الزهري، أحد العشرة المشهود لهم
بالجنة، مات في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة، وحمل على رقاب الناس إلى
المدينة ودفن بالبقيع سنة خمس وخمسين، وهو المشهور، وهو آخر العشرة المبشرة وفاة،
واختلف في عمره، فأنهى ما قيل: ثلاث وثمانون سنة. السادس: عمر بن الخطاب. السابع:
عمار بن ياسر العبسي أبو اليقظان، قتل بصفين سنة سبع وثلاثين، وهو ابن ثلاث وتسعين
سنة، وصلى عليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه. الثامن: أسامة بن
قتادة. التاسع: الرجل الذي بعثه سعد في قوله: فأرسل معه رجلاً، وهو: محمد بن مسلمة بن
خالد الحارثي الأنصاري، فيما ذكره الطبري وسيف، وحكى ابن التين أن عمر، رضي الله
تعالى عنه، أرسل في ذلك عبد الله بن أرقم، وروى ابن سعد من طريق مليح بن عوف قال:
بعث عمر محمد بن مسلمة وأمرني بالمسير معه، وكنت دليلاً بالبلاد، فهؤلاء ثلاثة أنفس.
وقوله في الحديث: أو بعث معه رجالاً، وأقل الجمع ثلاثة، فيحتمل أن يكون هؤلاء الرجال
هم هؤلاء الثلاثة.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري في الصلاة أيضاً عن سليمان
ابن حرب عن شعبة عن أبي عون محمد بن عبيد الله الثقفي، وعن موسى بن إسماعيل وأبي
النعمان، فروايتهما كلاهما عن أبي عوانة. وأخرجه مسلم فيه عن محمد بن المثنى عن ابن
مهدي عن شعبة به. وعن أبي كريب عن محمد بن بشر عن مسعر عن عبد الملك بن عمير
وأبي عون الثقفي به، وعن يحيى بن يحيى عن هشيم وعن قتيبة وإسحاق بن إبراهيم، كلاهما
عن جرير عن عبد الملك بن عمير به. وأخرجه أبو داود فيه عن حفص بن عمر عن شعبة به،
وأخرجه النسائي فيه عن عمرو بن علي عن يحيى عن شعبة به، وعن حماد بن إسماعيل بن
إبراهيم عن أبيه عن داود الطائي عن عبد الملك بن عمير في معناه.
ذكر معناه: قوله: ((شكا أهل الكوفة))، أي: بعض أهل الكوفة، لأن كلهم ما شكوه،
وفيه مجاز من إطلاق اسم الكل على البعض، وفي رواية زائدة عن عبد الملك في صحيح
أبي عوانة: ((ناس من أهل الكوفة))، وكذا في مسند إسحاق بن راهويه عن جرير عن عبد
الملك، وسمي الطبري وسيف عنهم جماعة وهم: الجراح بن سنان وقبيصة وأربد الأسديون،
وروى عبد الرزاق عن معمر عن عبد الملك عن جابر بن سمرة قال: «كنت جالساً عند عمر،
رضي الله تعالى عنه، إذ جاء أهل الكوفة يشكون إليه سعد بن أبي وقاص حتى قالوا: إنه لا
يحسن الصلاة)). وأما الكوفة فذكر الكلبي أنها إنما سميت الكوفة بجبل صغير اختطت عليه
مهرة، فهم حوله، وكان مرتفعاً فسهلوه اليوم، وكان يقال له: كوفان، وكان عاشر كسري
يجلس عليه، وفي (الزاهر) لابن الأنباري: سميت كوفة لاستدارتها، أخذاً من قول العرب:
وكوفاناً بضم الكاف وفتحها، للرملة المستديرة، ويقال: سميت كوفة لاجتماع الناس بها، من
قولهم: قد تكوف الرجل يتكوف تكوفاً. إذا ركب بعضه بعضاً. ويقال: الكوفة أخذت من
الكوفان، يقال: هم في كوفان، أي: في بلاء وشر، ويقال: سميت كوفة لأنها قطعة من

٨
١٠ - كتاب الأذان / باب (٩٥)
البلاد، من قول العرب: قد أعطيت فلاناً كيفة، أي: قطعة. يقال: كفت أكيف كيفاً إذا
قطعت، فالكوفة فعلة من هذا، والأصل فيها: كيفة، فلما سكنت الياء وانضم ما قبلها جعلت
واواً. وقال قطرب: يقال: القوم في كوفان أي: محرقون في أمر يجمعهم. وقال أبو القاسم
الزجاجي: سميت كوفة بموضعها من الأرض، وذلك أن كل رملة يخالطها حصباء تسمى
كوفة. وقال آخرون: سميت كوفة لأن جبل سانيد يحيط بها كالكفاف عليها، وقال ابن
حوقل: الكوفة على الفرات وبناؤها كبناء البصرة، مصّرها سعد بن أبي وقاص، وهي خطط
لقبائل العرب وهي خراج بخلاف البصرة، لأن ضياع الكوفة قديمة جاهلية وضياع البصرة
إحياء موات في الإسلام، وفي (معجم ما استعجم): سميت الكوفة لأن سعداً لما افتتح
القادسية نزل المسلمون الإكار، فإذا هم أليق، فخرج فارتاد لهم موضع الكوفة، وقال: تكوفوا
في هذا الموضع أي: اجتمعوا. وقال محمد بن سهل: كانت الكوفة منازل نوح عليه الصلاة
والسلام، وهو الذي بنى مسجدها. وقال اليعقوبي في كتابه: هي مدينة العراق الكبرى
والمصر الأعظم وقبة الإسلام ودار هجرة المسلمين، وهي أول مدينة اختط المسلمون بالعراق
في سنة أربع عشرة، وهي على معظم الفرات ومنه تشرب أهلها، ومن بغداد إليها ثلاثون
فرسخاً. وفي (تاريخ الطبري): لما احتوى المسلمون الأنبار كتب سعد إلى عمر، رضي الله
تعالى عنه، يخبره بذلك، فكتب إليه: انظر فلاة إلى جانب البحر فارتاد المسلمون بها منزلاً،
فبعث سعد رجلاً من الأنصار يقال له: الحارث بن سلمة، ويقال: عثمان بن الحنيف، فارتاد
لهم موضعاً في الكوفة. وفي (الصحاح): الكوفة الرملة الحمراء، وبها سميت الكوفة.
قوله: ((عماراً) هو عمار بن ياسر، وقد ذكرناه. وقال خليفة: استعمل عماراً على
الصلاة وابن مسعود على بيت المال وعثمان بن الحنيف على مساحة الأرض. قوله:
((فشكوا)) قال بعضهم: ليست هذه: الفاء، عاطفة على: فعزله، بل هي تفسيرية، إذ الشكوى
كانت سابقة على العزل. قلت: الفاء، إذا كانت تفسيرية لا تخرج عن كونها عاطفة،
وليست الفاء ههنا عطفاً على: فعزله، وإنما هي عطف على قوله: ((شكا أهل الكوفة))، عطف
تفسير. وقوله: (((فعزله واستعمل عليهم عماراً) جملة معترضة. قوله: ((حتى ذكروا أنه لا
يحسن يصلي))، هذا يدل على أن شكواهم كانت متعددة، منها قصة الصلاة، وصرح في
رواية: ((فقال عمر: لقد شكوك في كل شيء حتى في الصلاة)). ومنها : ما ذكره ابن سعد
وسيف: أنهم زعموا أنه حابى في بيع خمس باعه، وأنه صنع على داره باباً مبوباً من خشب،
وكان السوق مجاوراً له، فكان يتأذى بأصواتهم، فزعموا أنه قال: لينقطع الصويت. ومنها : ما
ذكره سيف: أنهم زعموا أنه كان يلهيه الصيد عن الخروج في السرايا. وقال الزبير بن بكار
في كتاب (النسب): رفع أهل الكوفة عليه أشياء كشفها عمر فوجدها باطلة، ويشهد لذلك
قول عمر في وصيته. فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة، وكان عمر، رضي الله تعالى عنه،
أمر سعد بن أبي وقاص على قتال الفرس في سنة أربع عشرة، ففتح الله تعالى العراق على
يديه ثم اختط الكوفة سنة سبع عشرة، واستمر عليها أميراً، إلى سنة إحدى وعشرين في قول

٩
١٠ - كتاب الأذان / باب (٩٥)
خليفة بن خياط، وعند الطبري: سنة عشرين، فوقع له مع أهل الكوفة ما وقع. قوله: ((فأرسل
إليه فقال: يا أبا إسحاق))، فيه حذف تقديره: فوصل إليه، أي: الرسول، فجاء إلى عمر. وأبو
إسحاق كنية سعد، كني بذلك بأكبر أولاده، وهذا تعظيم من عمر له، وفيه دلالة على أنه لم
تقدح فيه الشكوى عنده. قوله: ((أما أنا والله)) كلمة: أما، بالتشديد وهي للتقسيم، وفيه مقدر
لأنه لا بد لها من قسيم تقديره: أما هم فقالوا ما قالوا، وأما أنا فأقول: إني كنت كذا ..
ولفظة: والله لتأكيد الخبر في نفس السامع، وكان القياس أن يؤخر لفظة: والله، عن الفاء،
ولكن يجوز تقديم بعض ما هو في حيزها عليها، والقسم ليس أجنبياً وجواب القسم
محذوف، وقوله: ((فإني كنت))، يدل عليه، ويروى: إني كنت، بدون الفاء. قوله: ((صلاة
رسول الله عَّ الله)) بالنصب أي: صلاة مثل صلاته عَّهِ. قوله: ((ما أخرك))، بفتح الهمزة وكسر
الراء، أي: لا أنقص وما أقطع، وحكى ابن التين عن بعض الرواة أنه بضم أوله. وقال بعضهم:
جعله من الرباعي. قلت: ليس من الرباعي، بل هو من مزيد الثلاثي، لأن الاصطلاح هكذا
عند أهل الصرف. قوله: ((صلاة العشاء))، كذا هو ههنا بالإفراد، وفي الباب الذي بعده:
صلاتي العشاء، بالتثنية، والعشي، بكسر الشين وتشديد الياء، كذا هو في رواية الأكثرين في
الموضعين، وفي رواية الكشميهني: ((بعد صلاتي العشاء))، والمراد من صلاتي العشاء الظهر
والعصر، ولا يبعد أن يقال: صلاتي العشاء بالمد، ويكون المراد: المغرب والعشاء، ورواه أبو
داود الطيالسي في (مسنده) عن أبي عوانة بلفظ: ((صلاتي العشاء))، ووجه تخصيص صلاة
العشاء بالذكر من بين الصلوات لاحتمال كون شكواهم منه في هذه الصلوات، أو لأنه لما
لم يهمل شيئاً من هذه التي وقتها وقت الاستراحة، ففي غيرها بالطريق الأولى، قاله الكرماني،
ولكن يقال مثله في الظهر لأنه وقت القائلة، والعصر لأنه وقت المعاش، والصبح لأنه وقت
لذة النوم، والأقرب أن يقال: الوجه هو أن شكواهم كانت في صلاتي العشي، فلذلك
خصصهما بالذكر.
قوله: ((فأركد))، بضم الكاف أي: أسكن وأمكث في الأوليين، أي: الركعتين الأوليين،
يقال: ركد يركد ركوداً، إذا ثبت ودام، ومنه الماء الراكد أي: الساكن الدائم، وركدت
السفينة سكنت من الاضطراب، وركد الريح سكن، وفي رواية لمسلم: ((وأمد في الأوليين»
بدل: فأركد، وهو بمعناه أي: أطول وأمد، ثم الظاهر أن مده وتطويله كان بكثرة القراءة، ولا
يقال: كان ذلك بما هو أعم من القراءة كالركوع والسجود، لأن القيام ليس محلاً للدعاء ولا
لمجرد السكوت، وإنما هو محل القراءة. قوله: ((وأخف)) بضم الهمزة وكسر الخاء المعجمة
من باب الإفعال، يقال: أخف الرجل في أمره يخف فهو مخف، وفي الكشميهني: أحذف،
بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وكسر الذال المعجمة: أي أحذف التطويل، وليس المراد
حذف أصل القراءة، وفيه خلاف نذكره إن شاء الله تعالى. وكذا وقع في رواية الدارمي عن
موسى بن إسماعيل شيخ البخاري بلفظ: أحذف، ووقع في رواية الإسماعيلي من رواية محمد
ابن كثير عن شعبة: أحذم، بالميم موضع الفاء، من: حذم يحذم حذماً إذا أسرع. وأصل

١٠
١٠ - كتاب الأذان / باب (٩٥)
الحذم الإسراع في كل شيء، ومنه حديث عمر، رضي الله تعالى عنه: ((إذا أقمت فاحذم))
أي: أسرع. قوله: ((في الأخريين)) أي الركعتين الأخريين. قوله: ((ذاك الظن))، جملة إسمية
من المبتدأ والخبر، ويروى: ذلك الظن، وقوله: ((بك))، يتعلق بالظن، أي: هذا الذي تقوله يا أبا.
إسحاق هو الذي يظن بك، وفي رواية مسعر عن عبد الملك وأبي عون معاً، فقال سعد:
أتعلمني الأعراب الصلاة؟ أخرجه مسلم، وفيه دلالة على أن الذي شكوه كانوا جهالاً، لأن
الجهالة فيهم غالبة، والأعراب، بفتح الهمزة، ساكنو البادية من العرب الذين لا يقيمون في
الأمصار ولا يدخلونها إلّ لحاجة، والعرب اسم لهذا الجيل المعروف من الناس ولا واحد له
من لفظه، وسواء أقام بالبادية أو المدن. قوله: ((فأرسل معه رجلاً) أي: أرسل عمر مع سعد
رجلاً، وقد ذكرنا من هو الرجل. قال الكرماني: إن كان سعد غائباً فكيف خاطبه بقوله: ((ذاك
الظن بك)»؟ وإن كان حاضراً فكيف قال: فأرسل إليه؟ ثم أجاب بقوله. كان غائباً أولاً ثم
حضر. انتهى.
قلت: لفظ الحديث: ((فأرسل معه))، كما ذكرناه، ولا يتأتى ما ذكره إلاّ إذا كان
اللفظ: فأرسل إليه، وليس كذلك. قوله: ((أو رجالاً)) كذا هو بالشك، وفي رواية ابن عيينة:
فبعث عمر رجلين، وقد ذكرناه. قوله: ((يسأل عنه أهل الكوفة))، أي: يسأل عن سعد أهل
الكوفة كيف حاله بينهم؟ ويروى: ((فسأل عنه))، ووجه ذلك أنه معطوف على مقدر تقديره:
فأرسل رجلاً إلى الكوفة فانتهى إليها فسأل عنه، ومثل هذه الفاء تسمى: فاء الفصيحة، وأما
وجهه على قوله: يسأل عنه، بلفظ المضارع الغائب فهو من الأحوال المقدرة المنتظرة، قوله:
((ولم يدع)) أي: لم يترك الرجل المبعوث المرسل مسجداً من مساجد الكوفة إلاّ سأل عنه،
أي: عن سعد. قوله: ((ويثنون معروفاً)) أي: والحال أن أهل الكوفة يثنون عليه معروفاً، وهو
كل أمر خير، وفي رواية ابن عيينة: فكلهم يثني عليه خيراً. قوله: ((لبني عبس))، بفتح العين
المهملة وسكون الباء الموحدة وفي آخره سين مهملة، وهو قبيلة كبيرة من قيس. قوله: ((أما
إذا نشدتنا)) كلمة: أما، بالتشديد للتفصيل والتقسيم، والقسيم محذوف تقديره: أما غيري إذا
أنشدتنا، أي: حين نشدتنا، فأثنوا عليه، وأما نحن إذا سألتنا فنقول كذا وكذا، ومعنى: نشدتنا
أي: سألتنا بالله، يقال: نشدتك الله، سألتك بالله. قوله: ((لا يسير بالسرية))، الباء فيه
للمصاحبة، والسرية، بتخفيف الراء وتشديد الياء آخر الحروف، قطعة من الجيش يبلغ أقصاها
أربعمائة تبعث إلى العدو، وجمعها: السرايا، سموا بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر
وخيارهم، من الشيء السري أي: النفيس. وقيل: سموا ذلك لأنهم ينفذون سراً وخفية، وليس
بالوجه، لأن: لام، السر: راء، وهذه: ياء، وقيل: يحتمل أن تكون صفة المحذوف، أي: لا
يسير بالطريقة السرية أي: العادلة، والأولى أولى وأوجه لقوله بعد ذلك: لا يعدل، والأصل
عدم التكرار، والتأسيس أولى من التأكيد، ويؤيده رواية جرير وسفيان بلفظ: ((ولا ينفر في
السرية)).
قوله: ((في القضية))، أي: الحكومة والقضاء، وفي رواية جرير وسيف: في الرعية.

١١
١٠ - كتاب الأذان / باب (٩٥)
قوله: ((قال سعد))، وفي رواية جرير: ((فغضب سعد))، وحكى ابن التين أنه قال له: أعلي
تشجع: قوله: ((أما والله))، بتخفيف الميم حرف استفتاح. قوله: ((لأدعون))، اللام فيه للتأكيد،
وكذلك نون التأكيد المثقلة أي: لأدعون عليك بثلاث دعوات. قوله: ((قام)) أي: في هذه
القضية. قوله: ((وسمعة))، بضم السين أي: ليراه الناس ويسمعون ويشهدون ذلك عنه، ليكون
له بذلك ذكر. قوله: «فأطل عمره)» مراده أن يطول في غاية بحيث يرد إلى أسفل السافلين
ويصير إلى أرذل العمر، ويضعف قواه وينتكس في الخلق محنة لا نعمة، أو مراده: طول العمر
مع طول الفقر، وهذا أشد ما يكون في الرجل، ويحصل الجواب بذلك عما قيل: الدعاء
بطول العمر دعاء له لا دعاء عليه. قوله: ((وأطل فقره)) وفي رواية جرير: ((وشد فقره))، وفي
رواية سيف: ((وأكثر عياله)). وهذه الحالة بئست الحالة وفي: طول العمر مع الفقر وكثرة
العيال. قوله: ((وعرضه للفتن)) أي: اجعله عرضة للفتن، أو أدخله في معرضها أي: أظهره بها.
والحكمة في هذه الدعوات الثلاث أن أسامة بن قتادة المذكور نفى عن سعد الفضائل
الثلاث التي هي أصول للفضائل وأمهات الكمالات، وهي: الشجاعة التي هي القوة الغضبية
حيث قال: لا يسير بالسرية، والعفة: التي هي كمال القوة الشهوانية، حيث قال: لا يقسم
بالسرية، والحكمة: التي هي كمال القوة العلية، حيث قال: ولا يعدل في القضية، فالثلاثة
تتعلق بالنفس والمال والدين، فقابل سعد هذه الثلاثة بثلاثة مثلها، فدعا عليه بما يتعلق بالنفس:
وهو طول العمر، وبما يتعلق بالمال: وهو الفقر، وبما يتعلق بالدين: وهو الوقوع في الفتن.
ثم اعلم أنه كان يمكن الاعتذار عن قوله: ((ولا ينفر بالسرية)) بأن يقال: رأى المصلحة
في إقامته ليرتب مصالح من يغزو ومن يقيم، أو كان له عذر مانع من ذلك، كما وقع له في
القادسية، وكذا يمكن الاعتذار عن قوله: ((ولا يقسم بالسوية))، بأن يقال: إن للإمام تفضيل
بعض الناس بشيء يختص به لمصلحة يراها في ذلك، وأما قوله: ((ولا يعدل في القضية)) فلا
خلاص عنه، لأنه سلب عنه العدل بالكلية، وذلك قدح في الدين. قوله: ((فكان بعد))،
ويروى: ((وكان بعد))، بالواو أي: كان أسامة بعد ذلك، قيل: هذا عبد الملك بن عمير، بينه
جرير في روايته. قوله: ((إذا سئل))، على صيغة المجهول أي: إذا سئل أسامة عن حال نفسه،
وفي رواية ابن عيينة إذا قيل له: كيف أنت؟ يقول: أنا شيخ كبير مفتون. فقوله: شيخ كبير
خبر مبتدأ محذوف، وهو: أنا، كما قلنا، و: كبير، صفته، وقوله: مفتون، صفة بعد صفة.
فقوله: شيخ كبير، إشارة إلى الدعوة الأولى، ومفتون، إلى الدعوة الثالثة، وإنما لم يشر إلى
الدعوة الثانية وهي قوله: ((وأطل فقره))، لأنها تدخل في عموم قوله: ((أصابتني دعوة سعد))،
وقد صرح بذلك في رواية الطبراني من طريق أسد بن موسى، وفي رواية أبي يعلى: عن
إبراهيم بن حجاج كلاهما عن أبي عوانة، ولفظه: ((قال عبد الملك: فأنا رأيته يتعرض للإمام
في السكك، فإذا سألوه قال: كبير فقير مفتون)). وفي رواية إسحاق عن جرير: ((فافتقر
وافتتن)). وفي رواية: ((فعمي واجتمع عنده عشر بنات، وكان إذا سمع بحسن المراة تشبث
بها، فإذا أنكر عليه قال: دعوة المبارك سعد)). وفي رواية ابن عيينة: ((ولا تكون فتنة إلاّ وهو

١٢
١٠ - كتاب الأذان / باب (٩٥)
فيها)). وفي رواية محمد بن حجادة: عن مصعب ابن سعد في هذه القصة، قال: وأدرك فتنة
المختار، فقتل فيها. وعند ابن عساكر: وكانت فتنة المختار حين غلب على الكوفة من سنة
خمس وستين إلى أن قتل سنة سبع وسبعين. قوله: ((أصابتني دعوة سعد)) إنما أفرد الدعوة، مع
أنها كانت ثلاث دعوات، لأنه أراد بها الجنس، فكان سعد معروفاً بإجابة الدعوة. روى
الطبراني من طريق الشعبي قال: ((قيل لسعد: متى أصبت الدعوة؟ قال: يوم بدر، قال النبي
عَ لّ: ((اللهم استجب لسعد))، وروى الترمذي وابن حبان والحاكم من طريق قيس بن أبي
حازم عن سعد أن النبي عَّ له قال: ((اللهم استجب لسعد إذا دعاك)). قوله: ((من الكبر))، بكسر
الكاف وفتح الباء الموحدة، قوله: ((وإنه)) أي: إن أسامة المذكور. قوله: ((يغمزهن))، أي:
يعصر أعضاءهن بالأصابع، وفيه أيضاً إشارة إلى الفتنة، وإلى الفقر أيضاً إذ لو كان غنياً لما
احتاج إلى غمز الجواري في الطرق.
ذكر ما يستنبط منه: وهو على وجوه:
الأول: وجوب القراءة في الركعتين الأوليين من الصلوات وعدم وجوبها في الأخريين،
واستدل بعض أصحابنا لأبي حنيفة، ومن قال بقوله في عدم وجوب القراءة في الأخريين
بالحديث المذكور، وعن هذا قال صاحب (الهداية) وغيره: إن شاء قرأ في الأخريين وإن شاء
سبح وإن شاء سكت، وهو المأثور عن علي وابن مسعود وعائشة، إلا أن الأفضل أن يقرأ.
وقال أصحابنا: المصلي مأمور بالقراءة بقوله تعالى: ﴿فاقرأوا ما تيسر منه﴾ [المزمل: ٢٠].
والأمر لا يقتضي التكرار، فتتعين الركعة الأولى منها، وإنما أوجبناها في الثانية استدلالاً
بالأولى، لأنهما تتشاكلان من كل وجه، وقد ذكرنا فيما مضى أن القراءة في الصلاة مستحبة
غير واجبة عند جماعة منهم الأحمر وابن علية والحسن بن صالح والأصم، وروى الشافعي
عن مالك بإسناده عن محمد بن علي بن الحسين: أن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى
عنه، صلى المغرب فلم يقرأ فيها شيئاً، فقيل له، فقال: كيف كان الركوع والسجود؟ قالوا:
حسن. قال: فلا بأس. قلنا هذا منقطع بين محمد بن علي وبين عمر، وفي إسناده أيضاً
مجهول. وفي (شرح مسند الشافعي) لابن الأثير: روى الشعبي عن زياد بن عياض عن أبي
موسى: صلى عمر فلم يقرأ شيئاً فأعاد، قال: ورواه أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن
عمر: أنه صلى المغرب فلم يقرأ فأعاد، وروى الشافعي، فيما بلغه عن زيد بن حبان: عن
سفيان عن أبي إسحاق عن أبي الحارث عن علي، رضي الله تعالى عنه، قال له رجل: إني
صليت فلم أقرأ. قال: أتممت الركوع والسجود؟ قال: نعم. قال: تمت صلاتك. وقال ابن
المنذر: روينا عن علي أنه قال: إقرأ في الأوليين وسبح في الأخريين. وعن مالك رواية شاذة
إن الصلاة صحيحة بدون القراءة، وقال ابن الماجشون: من ترك القراءة في ركعة من الصبح
أو أي صلاة كانت تجزيه سجدتا السهو. وروى البيهقي عن زيد بن ثابت: القراءة في الصلاة
سنة. وعن الشافعي في القديم: إن تركها ناسياً صحت صلاته. وفي (المصنف) من جهة أبي
إسحاق عن علي وعبد الله بن مسعود، أنهما قالا: إقرأ في الأوليين وسبح في الأخريين. وعن
!

١٣
١٠ - كتاب الأذان / باب (٩٥)
منصور، قال: قلت لإبراهيم: ما نفعل في الركعتين الأخريين من الصلاة؟ قال: سبح واحمد
الله وكبر. وعن الأسود وإبراهيم والثوري كذلك.
الوجه الثاني: استدل بقوله: ((أركد في الأوليين)) من يرى تطويل الركعتين الأوليين
على الأخريين في الصلوات كلها، وهو مذهب الشافعي، حكاه في (المهذب). وفي
(الروضة): الأصح التسوية بينهما وبين الثالثة والرابعة، قال: والمختار تطويل أولى الفجر على
الثانية وغيرها، وهو قول محمد بن الحسن والثوري وأحمد بن حنبل، وعند أبي حنيفة وأبي
يوسف: لا يطيل الركعة الأولى على الثانية إلاّ في الفجر خاصة. وفي (شرح المهذب)
لأصحابنا وجهان، أشهرهما: لا يطول، والثاني: يستحب تطويل القراءة في الأولى قصداً،
وهو الصحيح المختار، واتفقوا على كراهة إطالة الثانية على الأولى إلاّ مالكاً، فإنه قال: لا
بأس أن يطيل الثانية على الأولى، مستدلاً بأنه عَ لَّه قرأ في الركعة الأولى: بسورة الأعلى،
وهي تسع عشرة آية، وفي الثانية: بالغاشية وهي ست وعشرون آية. وفي الصلاة لأبي نعيم:
حدثنا شيبان عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه: كان النبي عَِّ يطول في الركعة الأولى من
الظهر والعصر والفجر، ويقصر في الأخرى، فإن جهر فيما يخافت فيه أو خافت فيما يجهر
فيه، فعند أبي حنيفة يسجد للسهو، وعن أبي يوسف: إن جهر بحرف يسجد، وفي رواية
عنه: إن زاد فيما يخافت فيه على ما يسمع أذنيه فتجب سجدتا السهو، والصحيح أنها تجب
إذا جهر مقدار ما تجوز به الصلاة، وفي (المصنف): ممن كان يجهر بالقراءة في الظهر
والعصر خباب بن الأرت وسعيد بن جبير والأسود وعلقمة، وعن جابر قال: سألت الشعبي
وسالماً وقاسماً والحكم ومجاهداً وعطاء عن الرجل يجهر في الظهر والعصر؟ فقالوا: ليس
عليه سهو. وعن قتادة: أن أنساً جهر فيهما فلم يسجد، وكذا فعله سعيد بن العاص إذا كان
أميراً بالمدينة. وفي (التلويح): ويستدل لأبي حنيفة بما رواه أبو هريرة من كتاب ابن شاهين
بسند فيه كلام، قال النبي عَّله :. ((إذا رأيتم من يجهر بالقراءة في صلاة النهار فارجموه
بالبعر)). وفي (المصنف) عن يحيى بن كثير: ((قالوا يا رسول الله: إن هنا قوماً يجهرون
بالقراءة بالنهار! فقال: ارموهم بالبعر)). وعن الحسن وأبي عبيدة: صلاة النهار عجماء. وقال
صاحب (التلويح): وحديث ابن عباس: صلاة النهار عجماء، وإن كان بعض الأئمة قال: هو
حديث لا أصل له باطل، فيشبه أن يكون ليس كذلك لما أسلفناه.
الوجه الثالث: أن الإمام إذا شكا إليه نائبه بعث إليه واستفسره عن ذلك في موضع
عمله عن أهل الفضل فيهم، لأن عمر، رضي الله تعالى عنه، كان يسأل عنه في المسجد أهل
ملازمة الصلاة فيها. وفيه : جواز عزله وإن لم يثبت عليه شيء إذا اقتضت لذلك المصلحة.
قال مالك: قد عزل عمر سعداً وهو أعدل من يأتي بعده إلى يوم القيامة، والذي يظهر أن عمر
عزله حسماً لمادة الفتنة. وفي رواية سيف، قال عمر، رضي الله تعالى عنه: لولا الاحتياط وأن
لا يتقي من أمير مثل سعد لما عزلته. وقيل: عزله إيثاراً لقربه منه لكونه من أهل الشورى،
وقيل: إن مذهب عمر أن لا يستمر بالعامل أكثر من أربع سنين. وقال المازري: اختلفوا هل

١٤
١٠ - كتاب الأذان / باب (٩٥)
يعزل القاضي بشكوى الواحد أو الاثنين أو لا يعزل حتى يجتمع الأكثر على الشكوى عنه.
الوجه الرابع: فيه خطاب الرجل بكنيته والاعتذار لمن سمع في حقه كلام يسوؤه.
الوجه الخامس: فيه جواز الدعاء على الظالم المعين بما يستلزم النقص في دينه،
وليس هو من طلب وقوع المعصية، ولكن من حيث إنه يؤدي إلى نكاية الظالم وعقوبته. ألاَ
ترى إلى موسى عليه الصلاة والسلام كيف دعا، وقال: ﴿ربنا اطمس على أموالهم واشدد
على قلوبهم﴾ [يونس: ٨٨].
٧٥٦/١٤٤ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثنا سُفْيَانُ قال حدَّثنا الزُّهْرِيُّ عنْ مَحْمُودٍ
ابنِ الرَّبِيعِ عنْ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ أنَّ رَسُولَ اللهِ عَُّلِّ قال لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةٍ
الکِتاب.
مطابقته للترجمة غير ظاهرة لأن الترجمة أعم من أن تكون القراءة بالفاتحة أو بغيرها،
والحديث يعين الفاتحة. وقال الكرماني: وفي الحديث دليل على أن قراءة الفاتحة واجبة
على الإمام والمنفرد والمأموم في الصلوات كلها، فهو صريح في دلالته على جميع أجزاء
الترجمة. قلت: ليس في الترجمة ذكر الفاتحة حتى يدل على ذلك، وإنما فيها ذكر القراءة،
وهي أعم من الفاتحة وغيرها على ما ذكرنا. فإن قلت: له أن يقول: ذكرت القراءة وأردت بها
الفاتحة من قبيل إطلاق الكل على الجزء. قلت: فحينئذ لا يبقى وجه المطابقة بين الترجمة
وبين حديث سعد المذكور، وأيضاً فيه ارتكاب المجاز من غير ضرورة.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: علي بن عبد الله بن جعفر المديني البصري.
الثاني: سفيان بن عيينة. الثالث: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. الرابع: محمود بن
الربيع، بفتح الراء: ابن سراقة الخزرجي الأنصاري، ختن عبادة بن الصامت، روى عن النبي
عَ ◌ّهِ، عقل عن النبي، عَّ له، مجة مجها في وجهه من دلو في بئر في دارهم وهو ابن خمس
سنين، مر ذكره في: باب متى يصح سماع الصغير من كتاب العلم. الخامس: عبادة بن
الصامت، بضم العين، رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه : العنعنة
في موضعين. وفيه : القول في موضعين. وفيه : أن رواته ما بين بصري ومكي ومدني. وفيه :
عن محمود بن الربيع، وفي رواية الحميدي عن سفيان بن عيينة حدثنا الزهري سمعت
محمود بن الربيع، وفي رواية مسلم: عن صالح عن ابن شهاب أن محمود بن الربيع أخبره
أن عبادة بن الصامت أخبره، وبالتصريح بالإخبار يرد تعليل من أعله بالانقطاع لكون بعض
الرواة أدخل بين محمود وعبادة وهب بن كيسان، فيما رواه الوليد بن مسلم عن سعيد بن
عبد العزيز عن مكحول عن محمود عن وهب، وبين الدارقطني في (سننه): من حديث زيد
ابن واقد عن مكحول: إن دخول وهب فيه لأنه كان مؤذن عبادة، وأن محموداً ووهباً صليا
خلفه يوماً، فذكره. وقال: رجاله كلهم ثقات. ورواه أيضاً من حديث ابن إسحاق عن

١٥
١٠ - كتاب الأذان / باب (٩٥)
مكحول به، وقال: إسناده حسن. وقاله أيضاً البغوي.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الصلاة أيضاً عن أبي بكر بن أبي شيبة
وعمرو الناقد وإسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن سفيان وعن أبي الطاهر وحرملة وعن إسحاق
ابن إبراهيم وعن عبد بن حميد وعن الحسن الحلواني عن الزهري به. وأخرجه أبو داود فيه
عن قتيبة وأبي الطاهر بن السرح، كلاهما عن سفيان به. وأخرجه الترمذي فيه عن ابن أبي
عمر وعلي بن حجر كلاهما عن سفيان به. وأخرجه النسائي في الصلاة عن سويد بن نصر
وفي فضائل القرآن عن محمود بن منصور عن سفيان به. وأخرجه ابن ماجه فيه عن هشام بن
عمار وسهل بن أبي سهل وإسحاق بن إسماعيل، ثلاثتهم عن سفيان به.
ذكر ما يستنبط منه: استدل بهذا الحديث عبد الله بن المبارك والأوزاعي ومالك
والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود على وجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام في جميع
الصلوات، وقال ابن العربي في (أحكام القرآن): ولعلمائنا في ذلك ثلاثة أقوال: الأول: يقرأ
اذا أسر الإمام خاصة، قاله ابن القاسم. الثاني: قال ابن وهب وأشهب في (كتاب محمد): لا
يقرأ. الثالث: قال محمد بن عبد الحكم: يقرؤها خلف الإمام، فإن لم يفعل أجزاه، كأنه رأى
ذلك مستحباً، والأصح عندي وجوب قراءتها فيما أسر، إذا سمع قراءة الإمام، لما فيه من
فرض الإنصات له والاستماع لقراءته، فإن كان منه في مقام بعيد فهو بمنزلة صلاة السر. وقال
أبو عمر في (التمهيد): لم يختلف قول مالك: إنه من نسيها - أي: الفاتحة - في ركعة من
صلاة ذات ركعتين أن صلاته تبطل أصلاً ولا تجزيه. واختلف قوله فيمن تركها ناسياً في
ركعة من الصلاة الرباعية أو الثلاثية، فقال مرة: يعيد الصلاة ولا تجزيه، وهو قول ابن القاسم
وروايته واختياره من قول مالك، وقال مرة أخرى: يسجد سجدتي السهو وتجزيه، وهي رواية
ابن عبد الحكم وغيره عنه. قال: وقد قيل: إنه يعيد تلك الركعة ويسجد للسهو بعد السلام.
قال: قال الشافعي وأحمد: لا تجزيه حتى يقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة. وفي (المغني)
وروي عن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، وعثمان بن أبي العاص وخوات بن جبير
أنهم قالوا: لا صلاة إلاّ بقراءة فاتحة الكتاب. وعن أحمد: إنها لا تتعين، وتجزيه قراءة آية من
القرآن من أي موضع كان. وقال ابن حزم في (المحلى): وقراءة أم القرآن فرض في كل
ركعة من كل صلاة، إماماً كان أو مأموماً، والفرض والتطوع سواء، والرجال والنساء سواء.
وقال الثوري والأوزاعي في رواية، وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وأحمد في رواية، وعبد الله
ابن وهب وأشهب: لا يقرأ المؤتم شيئاً من القرآن ولا بفاتحة الكتاب في شيء من الصلوات،
وهو قول ابن المسيب في جماعة من التابعين، وفقهاء الحجاز والشام على أنه: لا يقرأ معه
فيما يجهر به وإن لم يسمعه ويقرأ فيما يسر فيه الإمام، ثم وجه استدلال الشافعي ومن معه
بهذا الحديث، وهو أنه: نفى جنس الصلاة عن الجواز إلّ بقراءة فاتحة الكتاب.
واستدل أصحابنا بقوله تعالى: ﴿فاقرؤوا ما تيسر من القرآن﴾ [المزمل: ٢٠]. أمر الله
تعالى بقراءة ما تيسر من القرآن مطلقاً، وتقييده بالفاتحة زيادة على مطلق النص، وذا لا يجوز

١٦
١٠ - كتاب الأذان / باب (٩٥)
لأنه نسخ، فيكون أدنى ما ينطلق عليه القرآن فرضاً لكونه مأموراً به، وأن القراءة خارج الصلاة
ليست بفرض، فتعين أن يكون في الصلاة. فإن قلت: هذه الآية في صلاة الليل، وقد نسخت
فرضيتها، وكيف يصح التمسك بها؟ قلت: ما شرع ركناً لم يصر منسوخاً، وإنما نسخ
وجوب قيام الليل دون فرض الصلاة وشرائطها وسائر أحكامها، ويدل عليه أنه أمر بالقراءة بعد
النسخ بقوله: ﴿فاقرؤوا ما تيسر منه﴾ [المزمل: ٢٠]. والصلاة بعد النسخ بقيت نفلاً، وكل
من شرط الفاتحة في الفرض شرطها في النفل، ومن لا فلا، والآية تنفي اشتراطها في النفل،
فلا تكون ركناً في الفرض لعدم القائل بالفصل. فإن قلت: كلمة: ما، مجملة، والحديث
معين ومبين، فالمعين يقضي على المبهم. قلت: كل من قال بهذا يدل على عدم معرفته
بأصول الفقه، لأن كلمة: ما، من ألفاظ العموم يجب العمل بعمومها من غير توقف، ولو
كانت مجملة لما جاز العمل بها قبل البيان كسائر مجملات القرآن، والحديث معناه أي:
شيء تيسر، ولا يسوغ ذلك فيما ذكروه، فيلزم الترك بالقرآن والحديث، والعام عندنا لا
يحمل على الخاص مع ما في الخاص من الاحتمالات.
فإن قلت: هذا الحديث مشهور فإن العلماء تلقته بالقبول فتجوز الزيادة بمثله. قلت: لا
نسلم أنه مشهور، لأن المشهور ما تلقاه التابعون بالقبول، وقد اختلف التابعون في هذه
المسألة. ولئن سلمنا أنه مشهور فالزيادة بالخبر المشهور إنما تجوز إذا كان محكماً، أما إذا
كان محتملاً فلا، وهذا الحديث محتمل، لأن مثله يستعمل لنفي الجواز، ويستعمل لنفي
الفضيلة لقوله معَ له: ((لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد))، والمراد نفي الفضيلة،
كذا هو، ويؤكد هذا التأويل قوله تعالى: ﴿إنهم لا أيمان لهم﴾ [التوبة: ١٢]. معناه أنه لا أيمان
لهم موثوقاً بها، ولم ينف وجود الأيمان منهم رأساً، لأنه قال: ﴿وإن نكثوا أيمانهم من بعد
عهدهم﴾ [التوبة: ١٢]. وعقب ذلك أيضاً بقوله: ﴿أَلاَ تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم﴾ [التوبة:
١٣]. فثبت أنه لم يرد بقوله: ﴿أنهم لا أيمان لهم﴾ [التوبة: ١٢]. نفى الأيمان أصلاً، وإنما أراد
به ما ذكرناه، وهذا يدل على إطلاق لفظة: لا، والمراد بها نفي الفضيلة دون الأصل، كما
ذكرنا من النظير، وقال بعضهم: ولأن نفي الأجزاء أقرب إلى نفي الحقيقة، ولأنه السابق إلى
الفهم فيكون أولى، ويؤيده رواية الإسماعيلي من طريق العباس بن الوليد القرشي أحد شيوخ
البخاري عن سفيان بلفظ: ((لا تجزىء صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب)).
قلت: لا نسلم قرب نفي الأجزاء إلى نفي الحقيقة، لأنه محتمل لنفي الأجزاء ولنفي
الفضيلة، والحمل على نفي الكمال أولى، بل يتعين لأن نفي الأجزاء يستلزم نفي الكمال
فيكون فيه نفي شيئين، فتكثر المخالفة فيتعين نفي الكمال، ودعواه التأييد بهذا الحديث
الذي أخرجه الإسماعيلي وابن خزيمة لا يفيده، لأن هذا ليس له من القوة ما يعارض ما أخرجه
الأئمة الستة، على أن ابن حبان قد ذكر أنه لم يقل في خبر العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه
عن أبي هريرة إلاّ شعبة، ولا عنه إلاّ وهب بن جرير، وقال هذا القائل أيضاً: وقد أخرج ابن
خزيمة عن محمد بن الوليد القرشي عن سفيان حديث الباب، ولفظه: ((لا صلاة إلاّ بقراءة

١٧
١٠ - كتاب الأذان / باب (٩٥)
فاتحة الكتاب))، فلا يمنع أن يقال: إن قوله: لا صلاة، نفي بمعنى النهي أي: لا تصلوا إلّ
بقراءة فاتحة الكتاب، ونظيره ما رواه مسلم من طريق القاسم عن عائشة، رضي الله تعالى
عنها، مرفوعاً: ((لا صلاة بحضرة الطعام ... )) فإنه في (صحيح ابن حبان) بلفظ: ((لا يصلي
أحدكم بحضرة الطعام)). قلت: تنظيره بحديث مسلم غير صحيح، لأن لفظ حديث ابن
حبان غير نهي بل هو نفي الغائب، وكلامه يدل على أنه لا يعرف الفرق بين النفي والنهي.
وقال أيضاً: استدل من أسقطها - أي: من أسقط قراءة الفاتحة عن المأموم - مطلقاً يعني أسر
الإمام أو جهر كالحنفية بحديث: ((من صلى خلف الإمام فقراءة الإمام قراءة له))، لكنه
حديث ضعيف عند الحفاظ، وقد استوعب طرقه وعلله الدارقطني وغيره. قلت: هذا
الحديث رواه جماعة من الصحابة وهم: جابر بن عبد الله وابن عمر وأبو سعيد الخدري وأبو
هريرة وابن عباس وأنس بن مالك، رضي الله تعالى عنهم. فحديث جابر أخرجه ابن ماجه
عنه قال: قال رسول الله، عَّله: ((من كان له إمام فإن قراءة الإمام قراءة له)). وحديث ابن عمر
أخرجه الدارقطني في سننه عنه عن النبي عَّ ◌ُّه: ((من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة)).
وحديث أبي سعيد أخرجه الطبراني في (الأوسط) عنه قال: قال رسول الله عَّهِ: ((من كان
له إمام فقراءة الإمام له قراءة)). وحديث أبي هريرة أخرجه الدارقطني في (سننه) من حديث
سهل بن صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً نحوه سواء. وحديث ابن عباس أخرجه
الدار قطني أيضاً عنه عن النبي، عَّ، قال: ((يكفيك قراءة الإمام خافت أو جهر)). وحديث
أنس أخرجه ابن حبان في (كتاب الضعفاء): عن غنيم بن سالم عن أنس بن مالك، رضي الله
تعالى عنه، قال: قال رسول الله، عَّ له: ((من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة))،.
فإن قلت: في حديث جابر بن عبد الله جابر الجعفي وهو مجروح، كذبه أبو حنيفة
وغيره، وفي حديث أبي سعيد إسماعيل بن عمر بن نجيح وهو ضعيف، وحديث ابن عمر
موقوف، قال الدارقطني: رفعه وهم؛ وحديث ابن عباس عن أحمد هو حديث منكر: وقال
الدارقطني حديث أبي هريرة لا يصح عن سهيل، وتفرد به محمد بن عباد وهو ضعيف، وفي
حديث أنس غنيم بن سالم قال ابن حبان: هو مخالف الثقات في الروايات فلا تعجبني الرواية
عنه، فكيف الاحتجاج؟ قلت: أما حديث جابر فله طرق أخرى يشد بعضها بعضاً: منها
طريق صحيح، وهو ما رواه محمد بن الحسن في (الموطأ) عن أبي حنيفة، قال: أخبرنا
الإمام أبو حنيفة حدثنا أبو الحسن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر عن
النبي، عَّ له: ((من صلى خلف الإمام فإن قراءة الإمام له قراءة)). فإن قلت: هذا حديث أخرجه
الدارقطني في (سننه) ثم البيهقي عن أبي حنيفة مقروناً بالحسن بن عمارة وحده بالإسناد
المذكور، ثم قال: هذا الحديث لم يسنده عن جابر بن عبد الله غير أبي حنيفة والحسن بن
عمارة وهما ضعيفان، وقد رواه سفيان الثوري وأبو الأحوص وشعبة وإسرائيل وشريك وأبو
خالد الدالاني وسفيان بن عيينة وغيرهم عن أبي الحسن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله
ابن شداد عن النبي، عَّهِ، مرسلاً، وهو الصواب.
عمدة القاري / ج٦ / ٢٢

١٨
١٠ - كتاب الأذان / باب (٩٥)
فلت: لو تأدب الدارقطني واستحيى لما تلفظ بهذه اللفظة في حق أبي حنيفة فإنه
إمام طبق علمه الشرق والغرب، ولما سئل بن معين عنه فقال: ثقة مأمون ما سمعت أحداً
ضعفه، هذا شعبة بن الحجاج يكتب إليه أن يحدث وشعبة شعبة. وقال أيضاً: كان أبو حنيفة
ثقة من أهل الدين والصدق ولم يتهم بالكذب، وكان مأموناً على دين الله تعالى، صدوقاً في
الحديث، وأثنى عليه جماعة من الأئمة الكبار مثل عبد الله بن المبارك، ويعد من أصحابه،
وسفيان بن عيينة وسفيان الثوري وحماد بن زيد وعبد الرزاق ووكيع، وكان يفتي برأيه
والأئمة الثلاثة: مالك والشافع وأحمد وآخرون كثيرون، وقد ظهر لك من هذا تحامل
الدارقطني عليه وتعصبه الفاسد، وليس له مقدار بالنسبة إلى هؤلاء حتى يتكلم في إمام متقدم
على هؤلاء في الدين والتقوى والعلم، وبتضعيفه إياه يستحق هو التضعيف، أفلا يرضى
بسكوت أصحابه عنه وقد روى في (سننه) أحاديث سقيمة ومعلولة ومنكرة وغريبة وموضوعة؟
ولقد روى أحاديث ضعيفة في كتابه (الجهر بالبسملة) واحتج بها مع علمه بذلك، حتى إن
بعضهم استحلفه على ذلك فقال: ليس فيه حديث صحيح. ولقد صدق القائل:
فالقوم أعداء له وخصوم
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه
وأما قوله: وقد رواه سفيان الثوري ... إلى آخره، فلا يضرنا، لأن الزيادة من الثقة
مقبولة، ولئن سلمنا فالمرسل عندنا حجة، وجوابنا عن الأحاديث التي قالوا: في أسانيدها
ضعفاء، إن الضعيف يتقوى بالصحيح ويقوي بعضها بعضاً، وأما قوله في بعضها: فهو
موقوف، فالموقوف عندنا حجة لأن الصحابة عدول، ومع هذا روى منع القراءة خلف الإمام
عن ثمانين من الصحابة الكبار منهم: المرتضى والعبادلة الثلاثة وأساميهم عند أهل الحديث،
فكان اتفاقهم بمنزلة الإجماع، فمن هذا قال صاحب (الهداية) من أصحابنا: وعلى ترك القراءة
خلف الإمام إجماع الصحابة، فسماه إجماعاً باعتبار اتفاق الأكثر، ومثل هذا يسمى إجماعاً
عندنا، وذكر الشيخ الإمام عبد الله بن يعقوب الحارني السيدموني في كتاب (كشف
الأسرار): عن عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه قال: كان عشرة من أصحاب رسول الله،
عَّهِ، ينهون عن القراءة خلف الإمام أشد النهي: أبو بكر الصديق وعمر الفاروق وعثمان بن
عفان وعلي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود
وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس، رضي الله تعالى عنهم.
قلت: روى عبد الرزاق في (مصنفه): أخبرني موسى بن عقبة أن رسول الله عَ لّه، وأبا
بكر وعمر وعثمان كانوا ينهون عن القراءة خلف الإمام، وأخرج عن داود بن قيس عن محمد
ابن بجاد، بكسر الباء الموحدة وتخفيف الجيم، عن موسى بن سعد بن أبي وقاص قال: ذكر
لي أن سعد بن أبي وقاص قال: وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام في فيه حجر، وأخرج
الطحاوي بإسناده عن علي، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: من قرأ خلف الإمام فليس على
الفطرة، أراد أنه ليس على شرائط الإسلام، وقيل: ليس على السنة. وأخرجه ابن أبي شيبة
أيضاً في (مصنفه) عن أبي ليلى عن علي، رضي الله تعالى عنه: من قرأ خلف الإمام فقد

١٩
١٠ - كتاب الأذان / باب (٩٥)
أخطأ الفطرة. وأخرجه الدارقطني كذلك من طرق، وأخرجه عبد الرزاق في (مصنفه): عن
داود بن قيس عن محمد بن عجلان عنه قال: قال علي: من قرأ مع الإمام فليس على
الفطرة. قال: وقال ابن مسعود: ملىء فوه تراباً. قال: وقال عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى
عنه: وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام في فيه حجر. وفي (التمهيد): ثبت عن علي وسعد
وزيد بن ثابت أنه: لا قراءة مع الإمام لا فيما أسر ولا فيما جهر. وأخرج عبد الرزاق عن
الثوري عن أبي منصور عن أبي وائل قال: جاء رجل إلى عبد الله، فقال: يا أبا عبد الرحمن
أقرأ خلف الإمام؟ قال: أنصت للقرآن فإن في الصلاة شغلاً وسيكفيك ذلك الإمام. وأخرجه
الطبراني عن عبد الرزاق، وأخرجه ابن أبي شيبة في (مصنفه) نحوه عن أبي الأحوص عن
منصور .. إلى آخره. قلت: روى الطحاوي من حديث أبي إبراهيم التيمي قال: سألت عمر
ابن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، عن القراءة خلف الإمام فقال لي: إقرأ. قلت: وإن كنت
خلفك؟ قال: وإن كنت خلفي. قلت: وإن قرأت؟ قال: وإن قرأت. وأخرج أيضاً عن مجاهد،
قال: سمعت عبد الله بن عمر ويقرأ خلف الإمام في صلاة الظهر من سورة مريم، ثم أجاب
بقوله: وقد روى عن غيرهم من أصحاب النبي، عَِّ، خلاف ذلك، ثم روى حديث علي،
رضي الله تعالى عنه، الذي ذكرنا آنفاً.
وأخرج حديث ابن مسعود الذي أخرجه عبد الرزاق الذي ذكرناه آنفاً، ثم أخرج عن
أبي بكرة: حدثنا أبو داود قال: حدثنا خديج بن معاوية عن أبي إسحاق عن علقمة عن ابن
مسعود، قال: ليت الذي يقرأ خلف الإمام ملىء فوه تراباً. وأخرج أيضاً عن يونس بن عبد
الأعلى، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني حيوة بن شريح عن بكر بن عمرو عن
عبيد الله بن مقسم أنه سأل عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وجابر بن عبد الله، فقالوا: لا تقرأ
خلف الإمام في شيء من الصلوات، ثم قال الطحاوي: فهؤلاء جماعة من أصحاب النبي
عَّطله قد أجمعوا على ترك القراءة خلف الإمام، وقد وافقهم على ذلك ما قد روي عن النبي
عَِّ مما قدمنا ذكره، وأشار به إلى أحاديث الصحابة الذين رووا ترك القراءة خلف الإمام.
فإن قلت: أخرج البيهقي من حديث الجريري عن أبي الأزهر قال: سئل ابن عمر عن
القراءة خلف الإمام، فقال: إني لاستحيي من رب هذه البنية أن أصلي صلاة لا أقرأ فيها بأم
القرآن. قلت: هذه معارضة باطلة، فإن إسناد ما ذكره منقطع، والصحيح عن ابن عمر عدم
وجوب القراءة خلف الإمام. فإن قلت: قوله: عَّهِ: ((قراءة الإمام قراءة له))، معارض لقوله
تعالى: ﴿فاقرؤوا﴾ [المزمل: ٢٠]. أفلا يجوز تركه بخبر الواحد.
قلت: جعل المقتدي قارئاً بقراءة الإمام فلا يلزم الترك، أو نقول إنه خص منه المقتدي
الذي أدرك الإمام في الركوع فإنه لا يجب عليه القراءة بالإجماع، فتجوز الزيادة عليه حينئذ
بخبر الواحد. فإن قلت: قد حمل البيهقي في (كتاب المعرفة) حديث: ((من كان له إمام
فقراءة الإمام قراءة له))، على ترك الجهر بالقراءة خلف الإمام، وعلى قراءة الفاتحة دون
السورة، واستدل عليه بحديث عبادة بن الصامت المذكور، قلت: ليس في شيء من

٢٠
١٠ - كتاب الأذان / باب (٩٥)
الأحاديث بيان القراءة خلف الإمام فيما جهر، والفرق بين الإسرار والجهر لا يصح لأن فيه
إسقاط الواجب بمسنون على زعمهم، قاله إبراهيم بن الحارث فإن قلت: أخرجه مسلم وأبو
داود وغيرهما من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله عَ له: ((من صلى صلاة لم يقرأ
فيها بأم القرآن فهي خداج فهي خداج فهي خداج غير تمام))، فهذا يدل على الركنية قلت:
لا نسلم، لأن معناه: ذات خداج، أي: نقصان، بمعنى: صلاته ناقصة، ونحن نقول به، لأن
النقصان في الوصف لا في الذات ولهذا قلنا بوجوب قراءة الفاتحة. فإن قلت: قوله تعالى:
﴿فاقرؤوا ما تيسر﴾ [المزمل: ٢٠]. عام خص منه البعض، وهو ما دون الآية، فإن عند أبي
حنيفة: أدنى ما يجزىء عن القراءة آية تامة، لأن ما دون الآية خارج بالإجماع، فإذا كان
كذلك يجوز تخصيصه بخبر الواحد وبالقياس أيضاً قلت: القرآن يتناول ما هو معجز عرفاً،
فلا يتناول ما دون الآية؟ فإن قلت: روى أبو داود: حدثنا ابن بشار حدثنا يحيى حدثنا جعفر
عن أبي عثمان عن أبي هريرة، قال: ((أمر النبي عَّ أن أنادي أنه: لا صلاة إلاّ بقراءة فاتحة
الكتاب فما زاد)). قلت: هذا الحديث روي بوجوه مختلفة، فرواه البزار ولفظه: ((أمر منادياً
فنادى)). وفي كتاب (الصلاة) لأبي الحسين أحمد بن محمد الخفاف: لا صلاة إلّ بقرآن
ولو بفاتحة الكتاب فما زاد وفي (الصلاة) للفريابي: ((أنادي في المدينة أن: لا صلاة إلاّ
بقراءة أو بفاتحة الكتاب فما زاد)) وفي لفظ: فناديت: ((أن لا صلاة إلّ بقراءة فاتحة الكتاب))
وعند البيهقي: ((إلّ بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد)) وفي (الأوسط): ((في كل صلاة قراءة ولو
بفاتحة الكتاب))، وهذه الأحاديث كلها لا تدل على فرضية قراءة الفاتحة، بل غالبها ينفي
الفرضية، فإن دلت إحدى الروايتين على عدم جواز الصلاة إلاّ بالفاتحة دلت الأخرى على
جوازها بلا فاتحة، فنعمل بالحديثين، ولا نهمل أحدهما بأن نقول بفرضية مطلق القراءة،
وبوجوب قراءة الفاتحة، وهذا هو العدل في باب أعمال الأخبار، وأيضاً في حديث أبي داود
المذكور أمران: أحدهما: أن جعفراً المذكور في سنده هو جعفر بن ميمون فيه كلام حتى
صرح النسائي أنه: ليس بثقة.
والثاني: أنه يقتضي فرضية ما زاد على الفاتحة، لأن معنى قوله: ((فما زاد)»، الذي زاد
على الفاتحة، أو بقراءة الزيادة على الفاتحة، وليس ذلك مذهب الشافعي، وقد روى أبو داود
من حديث عبادة بن الصامت يبلغ به النبي عَّ ◌ُلّم قال: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب
فصاعداً). قال سفيان: لمن يصلي وحده.
قلت: معناه: لا صلاة كاملة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب زائدة على الفاتحة، وقال
سفيان، هو ابن عيينة أحد رواة هذا الحديث، هذا لمن يصلي وحده، يعني في حق من
يصلي وحده، وأما المقتدي فإن قراءة الإمام قراءة له، وكذا قاله الإسماعيلي في روايته: إذا
كان وحده، فعلى هذا يكون الحديث مخصوصاً في حق المنفرد فلم يبق للشافعية بعد هذا
دعوى العموم. وحديث عبادة هذا أخرجه البخاري كما ذكر وليس فيه لفظة: فصاعداً. فإن
قلت: قال البخاري في (كتاب القراءة خلف الإمام): وقال معمر عن الزهري: فصاعداً، وعامة