النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
١٠ - أبواب صفة الصلاة / باب (٨٤)
عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار كذلك في
موضع وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في أربعة مواضع.
وفيه: عن أبيه هكذا هو في رواية أبي ذر، وفي رواية الباقين: عن عبد الله بن عمر. وفيه:
تصريح الزهري بإخبار سالم له به. وفيه: أن شيخ البخاري من أفراده. وفيه: من الرواة اثنان
مروزیان واثنان مدنيان وواحد أُيلي.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الصلاة أيضاً عن محمد بن عبد الله بن قهزاد
عن سلمة بن سليمان، وأخرجه النسائي فيه عن سويد بن نصر، وروى هذا الحديث أيضاً
نافع عن ابن عمر، وزاد في رواية كما ستعلمه في: باب رفع اليدين إذا قام من الركعتين رفع
يديه، ورواه عن الزهري عشرة: مالك. ويونس. وشعيب. وابن أبي حمزة. وابن جريج. وابن
عيينة. وعقيل. والزبيدي. ومعمر. وعبد الله بن عمر. ورواه عن مالك جماعة منهم: القعنبي
ويحيى بن يحيى الأندلسي فلم يذكر فيه الرفع عند الانحطاط إلى الركوع، وتابعه على ذلك
جماعات، ورواه عشرون نفساً بإثباته، كما ذكره الدارقطني في (جمعه لغرائب مالك التي
ليست في الموطأ). وقال جماعة: إن الإسقاط إنما أتى من مالك، وهو الذي كان أوهم فيه،
ونقله ابن عبد البر، قال: وهذا الحديث أحد الأحاديث الأربعة التي رفعها سالم بن عبد الله
إلى ابن عمر وفعله، ومنها ما جعله عن ابن عمر عن عمر، والقول فيها قول سالم، ولم يلتفت
الناس فيها إلى نافع، فهذا أحدها.
ذكر معناه: قوله: ((إذا قام في الصلاة)) أي: إذا شرع فيها، وهو غير قائم إليها وقائم
لها، ولا يخفى الفرق بين الثلاث. قوله: «حین یکبر للرکوع» أي: عند ابتداء الركوع، وهو
حاصل رواية مالك بن الحويرث المذكورة في الباب حيث قال: ((وإذا أراد أن يركع رفع
يديه)). وسيأتي في: باب التكبير إذا قام من السجود، من حديث أبي هريرة: ((ثم يكبر حين
يركع)). قوله: ((ويفعل ذلك إذا رفع رأسه من الركوع)) يعني: إذا أراد أن يرفع. قوله: ((ولا
يفعل ذلك في السجود))، يعني لا في الهوي إليه. ولا في الرفع، وفيه: اقتصر على التسميع
ولم يذكر التحميد، والظاهر أن السقط من الراوي.
٧٣٧/١٢٥ - حدثنا إِسْحَاقُ الوَاسِطِيُّ قال حدّثنا خالِدُ بنُ عَبْدِ الله عنْ خَالِدٍ عنْ أَبِي قِلاَبَةً
أَنَّهُ رَأْى مالِكَ بنَ الحُوَيْرِثِ إِذَا صَلَّى كَبَرَ ورَفَعَ يَدَيْهِ وَإِذَا أُرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ وَإِذَا رَفَعَ
رَأْسَهُ مِنَ الُّكُوعِ رَفَعَ يَدَيْهِ وَحَدَّثَ أنَّ رسولَ الله عَلِ صَنَعَ هَكَذَا.
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: إسحاق بن شاهين أبو بشر الواسطي. الثاني: خالد
ابن عبد الله بن عبد الرحمن الطحان. الثالث: خالد الحذاء، وقد تكرر ذكره. الرابع: أبو
قلابة، بكسر القاف: عبد الله بن زيد الجرمي. الخامس: مالك بن الحويرث بن أشيم الليثي،
عمدة القاري / ج٥ / م٢٦

٤٠٢
١٠ - أبواب صفة الصلاة / باب (٨٥)
وقد اختلف في نسبه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وبصيغة الإفراد
من الماضي في موضع واحد. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: القول في موضعين.
وفيه: إثنان من الرواة متفقان في الاسم. وفيه: أن شيخ البخاري من أفراده، وممن ذكره بلا
نسبة. وفيه: حدّثنا خالد هو رواية المستملي والسرخسي، وفي رواية غيرهما: حدّثنا خالد عن
خالد.
ذكر معناه: قوله: ((رأى)) الضمير فيه يرجع إلى أبي قلابة، وهو فاعله، وقوله: مالك بن
الحويرث، أحد مفعولي رأى، والآخر التي بعده. قوله: ((كبر)) جواب: إذا. قوله: ((وإذا أراد))
إنما قال ههنا: أراد، وفي غيره قال: إذا صلى وإذا رفع، بدون لفظ: أراد، لأن رفع اليدين ليس
عند الركوع، بل عند إرادة الركوع، بخلاف رفعهما في رفع الرأس منه فإنه عند الرفع لا عند
إرادة الرفع. قوله: ((وحدث))، جملة حالية وليست عطفاً على قوله: ((رأى))، لأن الضمير فيه
يرجع إلى مالك بن الحويرث وهو فاعله، والرائي هو أبو قلابة، فإذا عطفت: حدث، على:
رأى، يصير الحديث مرسلاً، وليس الأمر كذلك. قوله: ((هكذا))، إشارة إلى ما صنعه مالك
ابن الحويرث.
وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى عن خالد بن عبد الله عن خالد الحذاء عن أبي
قلابة عن مالك بن الحويرث فذكره.
٨٥ _ بابُ إلَى أَیْنَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ
أي: هذا باب ترجمته إلى أين يرفع المصلي يديه عند افتتاح الصلاة وغيره، وإنما لم
يصرح بحده لكون الخلاف فيه، لكن الظاهر الذي يذهب إليه ما هو مصرح في حديث
الباب، كما هو مذهب الشافعية، وأما الحنفية فإنهم أخذوا بحديث مالك بن الحويرث الذي
رواه مسلم ولفظه: ((كان النبي عَّه إذا كبر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه)). وعن أنس
مثله بسند صحيح من عند الدارقطني، وعن البراء من عند الطحاوي: ((يرفع يديه حتى يكون
إبهاماه قريباً من شحمتي أذنيه)). وعن وائل بن حجر: ((حتى حاذتا أذنيه))، عند أبي داود.
وقال بعضهم: ورجح الأول يعني: ما ذهب إليه الشافعي لكون إسناده أصح، قلت: هذا
تحكم لكون الإسنادين في الأصحية سواء، فمن أين الترجيح؟
وقال أبُو حُمَّيْدٍ فِي أَصْحَابِهِ رَفَعَ النبيُّ عَلَّهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ
أبو حميد، بضم الحاء واسمه: عبد الرحمن بن سعد الساعدي الأنصاري، مر في:
باب فضل استقبال القبلة، هذا التعليق طرف من حديثه الذي أخرجه في: باب سنة الجلوس
في التشهد. قوله: ((في أصحابه)) جملة وقعت حالاً. وكلمة: في، بمعنى: بين، أي: حال
كونه بين أصحابه من الصحابة. قال الكرماني: يحتمل أن يراد به أنه قال: في حضور

:
٤٠٣
١٠ - أبواب صفة الصلاة / باب (٨٦)
أصحابه. أو أنه قال: في جملة من قاله من أصحابه. قلت: المعنى بحسب الظاهر على الوجه
الأول.
٧٣٨/١٢٦ - حدّثنا أبُو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال أخبرنا سالِمُ بنُ عَبْدِ اللهِ
أَنَّ عَبْدَ اللهِ بن عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما قال رَأيْتُ النبيَّ عَظُلِّ افْتَتَحَ التَّكْبِيرَ في الصَّلاَةِ
فَرَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ يُكَبِّرُ حَتَّى يَجْعَلَهُمَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَإِذَا كَبََّ لِلرُّكُوعِ فَعَلَ مِثْلَهُ وإِذَا قَالِ سَمِعَ
الله لِمَنْ حَمِدَهُ فَعَلَ مِثْلَهُ وقال رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ ولاَ يَفْعَلُ ذَلِكَ حِينَ يَسْجُدُ وَلاَ حِينَ يَرْفَعُ
رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ. [انظر الحديث ٧٣٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((حتى يجعلهما حذو منكبيه))، وهذا اللفظ أيضاً يفسر
قوله: ((إلى أن يرفع يديه)) الذي هو الترجمة، وهذا الإسناد بعينه مذكور في أول: باب إيجاب
التكبير، لكن هناك: عن الزهري عن أنس، وههنا: عن الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه
عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنهما.
وأبو اليمان: الحكم بن نافع، وشعيب ابن أبي حمزة والزهري محمد بن مسلم.
والحديث أخرجه النسائي في الصلاة عن عمرو بن منصور عن علي بن عياش وعن
أحمد بن محمد بن المغيرةٍ عن عثمان بن سعيد كلاهما عن شعيب.
قوله: ((حذو)) بفتح الحاء المهملة بمعنى: إزاء منكبيه، والمنكب، بفتح الميم وكسر
الكاف: مجمع عظم العضد والكتف. قوله: «مثله) أي: مثل المذ کور من رفع الیدین حذو
المنكبين، وكذلك معنى: مثله، الثاني. قوله: ((ولا يفعل ذلك))، أي: رفع اليدين في
الحالتين، في حالة السجدة وفي حالة رفع رأسه من السجدة. فإن قلت: جاء في حديث
عمير بن حبيب الليثي: ((كان رسول الله عَ ليه يرفع يديه مع كل تكبيرة في الصلاة
المكتوبة))، رواه ابن ماجه: حدّثنا هشام بن عمار حدّثنا رفدة بن قضاعة الغساني عن عبد الله
ابن عبيد بن عمير عن أبيه عن جده عمير بن حبيب، قال: ((كان رسول الله عَد ... )) فذكره.
قلت: قال ابن حبان: هذا خبر مقلوب إسناده، ومتنه منكر، ما رفع النبي معَّ ﴾ يديه في كل
خفض ورفع قط، وإخبار الزهري عن سالم عن أبيه مصرح بضده، وأنه لم يكن يفعل ذلك
بين السجدتین. وقال ابن عدي: حديث الرفع یعرف برفدة، وقد روي عن أحمد بن أبي روح
البغدادي عن محمد بن مصعب عن الأوزاعي، وقال مهنا: سألت أحمد ويحيى عن هذا
الحديث فقالا: ليس بصحيح، ولا يعرف عبيد بن عمير بحديث عن أبيه شيئاً، ولا عن جده،
وبقية مباحث الحديث قد مضت مستوفاة فيما مضى.
٨٦ - بابُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ إِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ
أي: هذا باب في بيان رفع المصلي يديه إذا قام من الركعتين، يعني: بعد التشهد.
٧٣٩/١٢٧ - حدثنا عَيَّاشٌ قال حدّثنا عَبْدُ الأَعْلَى قال حدّثنا عُبَيْدُ اللهِ عنْ نَافِعٍ أنَّ ابنَ

٤٠٤
١٠ - أبواب صفة الصلاة / باب (٨٦)
عُمَرَ كانَ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلاَةِ كَبْرَ ورَفَعَ يَدَيْهِ وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ وَإِذَا قال سَمِعَ الله لِمَنْ
جَمِدَهُ رَفَعَ يَدَيْهِ ورَفَعَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى نَبِيِّ اللهِ عَّله. [أنظر الحديث ٧٣٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((وإذا قام من الركعتين رفع يديه)).
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: عياش، بفتح العين المهملة وتشديد الياء آخر
الحروف وفي آخره شين معجمة: ابن الوليد الرقام البصري، مر في: باب الجنب يخرج.
الثاني: عبدالأعلى السامي، بالسين المهملة: البصري. الثالث: عبيد الله بن عمر بن حفص
ابن عاصم بن عمر بن الخطاب أبو عثمان المدني. الرابع: نافع مولى ابن عمر. الخامس:
عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنهما.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في
موضع واحد. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن النصف الأول من الرواة بصري، والنصف
الثاني مدني. وفيه: إن شيخه من أفراده.
ذكر من أخرجه غيره وما قيل فيه: ورواه أبو داود في (سننه) في الصلاة عن نصر بن
علي عنه بأتم من الأول، وعن القعنبي عن مالك عن نافع نحوه ولم يرفعه. وقال أبو
داود: الصحيح قول ابن عمر، وليس بمرفوع، ورواه القعنبي يعني: عبد الوهاب عن عبيد الله
وأوقفه. وكذا رواه الليث عن سعد وابن جريج عن نافع موقوفاً، وحكى الدارقطني في (العلل)
الاختلاف في رفعه ووقفه، وقال: الأشبه بالصواب قول عبد الأعلى، يعني حديث البخاري،
وحكى الإسماعيلي عن بعض مشايخه أنه أومأ إلى أن عبد الأعلى أخطأ في رفعه، وميل
البخاري إلى رفعه، فلذلك أخرج هذا الحديث، وفيه: ورفع ذلك ابن عمر، ويؤيده ما رواه أبو
داود: حدّثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن عبيد المحاربي، قالا: حدّثنا محمد بن فضيل
عن عاصم بن كليب عن محارب بن دثار عن ابن عمر، قال: ((كان النبي ◌َ ◌ّ إذا قام من
الركعتين كبر ورفع يديه))، وصححه البخاري في كتاب رفع اليدين، ويقوي ذلك أيضاً
حديث أبي حميد الساعدي: أخرجه أبو داود مطولاً، وفيه: ((ثم إذا قام من الركعتين كبر
ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، كما كبر عند افتتاح الصلاة)، وكذلك أخرج أبو داود
من حديث علي، رضي الله تعالى عنه، وفيه: ((إذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك و کبر)).
وأخرج الحديثين ابن خزيمة وابن حبان وصححاهما، والمراد من السجدتين: الركعتان، وهو
الموضع الذي اشتبه على الخطابي لأنه قال: أما ما روي في حديث علي، رضي الله تعالى
عنه، أنه كان يرفع يديه عند القيام من السجدتين فلست أعلم أحداً من الفقهاء ذهب إليه،
فإن صح الحديث فالقول به واجب.
قلت: اشتبه عليه ذلك لكونه لم يقف على طرق الحديث. وقال النووي في
(الخلاصة): وقع في لفظ أبي داود: ((السجدتين))، وفي لفظ الترمذي: ((الركعتين))، والمراد
بالسجدتين: الركعتان. كما ذكرنا. وقال البخاري في كتاب رفع اليدين: ما زاده ابن عمر

٤٠٥
١٠ - أبواب صفة الصلاة / باب (٨٦)
وعلي وأبو حميد في عشرة من الصحابة من الرفع عند القيام من الركعتين صحيح، لأنهم لم
يحكوا صلاة واحدة، فاختلفوا فيها، وإنما زاد بعضهم على بعض، والزيادة مقبولة من أهل
العلم. وقال ابن بطال: هذه زيادة يجب قبولها لمن يقول بالرفع، وقال ابن خزيمة: هو سنة
وإن لم يذكره الشافعي، فالإسناد صحيح. وقد قال: قولوا بالسنة ودعوا قولي. وقال ابن دقيق
العيد: قياس نظر الشافعي أن يستحب الرفع فيه لأنه أثبت عند الركوع والرفع منه لكونه زائداً
على من اقتصر عليه عند الافتتاح، والحجة في الموضعين واحدة، وأول راض سيرة من
يسيرها. قال: والصواب إثباته، وأما كونه مذهباً للشافعي لكونه قال: إذا صح الحديث فهو
مذهبي ففيه نظر. انتهى.
وقال بعضهم وجه النظر أن محل العمل بهذه الوصية ما إذا عرف أن الحديث لم
يطلع عليه الشافعي، أما إذا عرف أنه اطلع عليه ورده أو تأوله بوجه من الوجوه، فلا والأمر هنا
محتمل. انتهى. قلت: يحتمل أنه ظهر عنده منسوخ، فالمنسوخ لا يعمل به وإن كان
صحيحاً. وقال الطحاوي: وقد روي عن علي، رضي الله تعالى عنه، خلاف هذا، يعني:
خلاف ما رواه أبو داود وغيره عنه، ثم أخرج عن أبي بكر النهشلي: حدّثنا عاصم بن كليب
عن أبيه أن علياً، رضي الله تعالى عنه، كان يرفع يديه في أول تكبيرة من الصلاة ثم لا يرفع
بعده، قال: فلم يكن علي ليرى النبي عَِّ يرفع ثم يتركه إلّ وقد ثبت عنده نسخه. قال:
ويضعف هذه الرواية أيضاً أنه روي من وجه آخر، وليس فيه الرفع، ثم أخرجه عن عبد العزيز
ابن أبي سلمة عن عبد الله بن الفضل عن الأعرج به، ولم يذكر فيه الرفع، فإن قلت: استنبط
البيهقي من كلام الشافعي أنه يقول به، لقوله في حديث أبي حميد المشتمل على هذه السنة
وغيرها: وبهذا نقول. والنووي أيضاً أطلق في (الروضة) أنه نص عليه، قلت: الذي في (الأم)
خلاف ذلك، فإنه قال في: باب رفع اليدين في التكبير في الصلاة، بعد أن أورد حديث ابن
عمر من طريق سالم وتكلم عليه: ولا نأمره أن يرفع يديه في شيء من الذكر في الصلاة التي
لها ركوع وسجود، إلاّ في هذه المواضع الثلاثة.
فإن قلت: وقع في آخر البويطي: يرفع يديه في كل خفض ورفع قلت: أجيب عن هذا
بأنه يحمل الخفض على الركوع، والرفع على الاعتدال، وإلا فحمله على ظاهره يقتضي
استحبابه في السجود أيضاً وهو خلاف ما عليه الجمهور، قلت: في قوله: والرفع على
الاعتدال، نظر لا يخفى، ومع هذا ذهب إليه جماعة منهم: ابن المنذر وأبو علي الطبري
والبيهقي والبغوي، وهو مذهب البخاري وغيره من المحدثين.
وَرَوَاهُ حَمَّدُ بنُ سَلَمَةَ عنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ عنِ النبيِّ
الله
طعة
وهذا التعليق رواه البيهقي عن أبي عبد الله الحافظ، حدّثنا محمد بن يعقوب، حدّثنا
محمد بن إسحاق الصغاني حدّثنا عفان حدّثنا حماد بن سلمة حدّثنا أيوب عن نافع عن ابن
عمر: ((أن رسول الله عَّةٍ كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا ركع وإذا

٤٠٦
١٠ - أبواب صفة الصلاة / باب (٨٧)
رفع رأسه من الركوع)). وصله البخاري أيضاً في كتاب رفع اليدين: عن موسى بن إسماعيل
عن حماد مرفوعاً، ولفظه: ((كان إذا كبر رفع يديه وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع)).
وَرَوَاهُ ابنُ طَهْمَانَ عَنْ أَيُّوبَ وَمُوسَى بِنِ عُقْبَةَ مُخْتَصَراً
يعني: رواه إبراهيم بن طهمان عن أيوب ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي فقال: حدّثنا
أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي حدّثنا أحمد بن محمد بن الحسن الحافظ حدّثنا
أحمد بن يوسف السلمي حدّثنا عمرو بن عبد الله بن رزين أبو العباس السلمي حدّثنا إبراهيم
ابن طهمان عن أيوب وموسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر: أنه كان يرفع يديه حين يفتتح
الصلاة، وإذا ركع، وإذا استوى قائماً من ركوعه، حذو منكبيه. ويقول: كان رسول الله عَ ليه
يفعل ذلك. وقال الدارقطني: ورواه أبو صخرة عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر
موقوفاً، واعترض الإسماعيلي فقال: ليس في حديث حماد ولا ابن طهمان بأن الرفع من
الركعتين المعقود لأجله الباب، لأن الباب في رفع اليدين إذا قام من الركعتين، وليس هذا في
حديث حماد ولا ابن طهمان، وإنما في حديثهما: حذو منكبيه، قال: فلعل المحدث عن أبي
عبد الله يعني: البخاري، دخل له هذا الحرف في هذه الترجمة، وأجاب بعضهم: بأن
البخاري قصد الرد على من جزم بأن رواية نافع لأصل الحديث موقوفة، وأنه خالف في ذلك
سالماً، كما نقله ابن عبد البر وغيره، وقد بين بهذا التعليق أنه اختلف على نافع في رفعه
ووقفه ليس إلاّ.
٨٧ - بابُ وَضْعِ اليُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي الصَّلاَةِ
أي: هذا باب في بيان وضع المصلي يده اليمنى على اليد اليسرى في حال القيام
في الصلاة.
١٢٨/ ٧٤٠ - حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مَالِكِ عنْ أَبِي حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ قال
كانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ اليَدَ اليُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى في الصَّلاَةِ قال أبُو حازِمٍ
لاَ أَعْلَمُهُ إِلا يَنْمِي ذَلِكَ إِلَى النّبِيِّ عَ لَّهِ.
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم أربعة: عبد الله بن مسلمة القعنبي، ومالك بن أنس، وأبو حازم،
بالحاء المهملة: سلمة بن دينار الأعرج، وسهل بن سعد بن مالك الساعدي الأنصاري.
وفيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع، والعنعنة في ثلاثة مواضع. وهو من أفراد
البخاري.
قوله: ((وكان الناس يؤمرون)) هذا حكمه الرفع لأنه محمول على أن الآمر لهم بذلك
هو النبي عَّله. قوله: ((أن يضع)) أي: بأن يضع، لأن الأمر يستعمل: بالباء، وكان القياس أن
يقال: يضعون، لكن وضع المظهر موضع المضمر. قوله: ((لا أعلمه إلا ينمي ذلك)) أي: لا

٤٠٧
١٠ - أبواب صفة الصلاة / باب (٨٧)
أعلم الأمر إلاّ أن سهلاً ينمي ذلك إلى النبي عَّه. قوله: ((ينمي))، بفتح الياء وسكون النون
وكسر الميم. قال لجوهري: يقال نميت الأمر أو الحديث إلى غيري إذا أسندته ورفعته. وقال
ابن وهب: ينمي: يرفع ومن اصطلاح أهل الحديث: إذا قال الراوي: ينميه، فمراده يرفع ذلك
إلى النبي عَّهِ، ولو لم يقيد. قوله: ((على ذراعه اليسرى)) لم يبين موضعه من الذراع، وفي
حديث وائل عند أبي داود والنسائي: ((ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ من
الساعد)). وصححه ابن خزيمة وغيره، و: الرسغ، بضم الراء وسكون السين المهملة وفي آخره
غين معجمة: هو المفصل بين الساعد والكف.
ثم إعلم أن الكلام في وضع اليد على اليد في الصلاة على وجوه:
الوجه الأول: في أصل الوضع: فعندنا يضع، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وعامة
أهل العلم، وهو قول علي وأبي هريرة والنخعي والثوري، وحكاه ابن المنذر عن مالك. وفي
(التوضيح): وهو قول سعيد بن جبير وأبي مجلز وأبي ثور وأبي عبيد وابن جرير وداود، وهو
قول أبي بكر وعائشة وجمهور العلماء. قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من
الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وحكى ابن المنذر عن عبد الله بن الزبير والحسن البصري
وابن سيرين: أنه يرسلهما، وكذلك عند مالك في المشهور: يرسلهما وإن طال ذلك عليه
وضع اليمنى على اليسرى للاستراحة. قاله الليث بن سعد: وقال الأوزاعي: هو مخير بين
الوضع والإرسال. ومن جملة ما احتججنا به في الوضع حديث رواه ابن ماجه من حديث
الأحوص: عن سماك بن حرب عن قبيصة بن المهلب عن أبيه، قال: ((كان النبي عٍَّ يؤمنا
فيأخذ شماله بيمينه))، وحديث آخر أخرجه مسلم في (صحيحه): عن وائل بن حجر: ((إن
رسول الله عَِّ رفع يديه ... الحديث، وفيه: ثم وضع يده اليمنى على اليسرى)). وحديث
آخر أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه، من حديث الحجاج بن أبي زينب: سمعت أبا
عثمان يحدث عن عبد الله بن مسعود أنه كان يصلي، فوضع يده اليسرى على اليمنى، فرآه
النبي، عَُّلّهِ، فوضع يده اليمنى على اليسرى. وحديث آخر أخرجه الدارقطني من حديث ابن
عباس: عن النبي، عَّ له، قال: ((إنا معشر الأنبياء أمرنا بأن نمسك بأيماننا على شمالنا في
الصلاة)). وفي إسناده طلحة بن عمرو متروك، وعن ابن معين: ليس بشيء وحديث آخر
أخرجه الدارقطني أيضاً من حديث أبي هريرة مرفوعاً، نحو حديث ابن عباس، وفي إسناده
النضر بن إسماعيل. قال ابن معين: ليس بشيء ضعيف.
الوجه الثاني: في صفة الوضع: وهي أن يضع بطن كفه اليمنى على رسغه اليسرى،
فيكون الرسغ وسط الكف. وقال الإسبيجابي: عند أبي يوسف يقبض بيده اليمنى رسغ يده
اليسرى. وقال محمد: يضعها كذلك ويكون الرسغ وسط الكف. وفي (المفيد): ويأخذ
رسغها بالخنصر والإبهام، وهو المختار، وفي (الدراية): يأخذ كوعه الأيسر بكفه الأيمن، وبه
قال الشافعي وأحمد. وقال أبو يوسف ومحمد في رواية: يضع باطن أصابعه على الرسغ
طولاً، ولا يقبض، واستحسن كثير من مشايخنا الجمع بينهما: بأن يضع باطن كفه اليمنى

٤٠٨
١٠ - أبواب صفة الصلاة / باب (٨٧)
على كفه اليسرى ويحلق بالخنصر والإبهام على الرسغ.
الوجه الثالث: في مكان الوضع: فعندنا: تحت السرة، وعند الشافعي: على الصدر،
ذكره في (الحاوي) وفي (الوسيط): تحت صدره، واحتج الشافعي بحديث وائل بن حجر
أخرجه ابن خزيمة في (صحيحه) قال: ((صليت مع رسول الله عَّ ◌ُله فوضع يده اليمنى على يده
اليسرى على صدره))، ولم يذكر النووي غيره في (الخلاصة) وكذلك الشيخ تقي الدين في
(الإمام)، واحتج صاحب (الهداية) لأصحابنا في ذلك بقوله عَّ ◌ُله: إن من السنة وضع اليمنى
على الشمال تحت السرة. قلت: هذا قول علي بن أبي طالب، وإسناده إلى النبي عَّه غير
صحيح، وإنما رواه أحمد في (مسنده) والدارقطني ثم البيهقي من جهته في (سننيهما) من
حديث أبي جحيفة عن علي، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: أن من السنة وضع الكف على
الكف تحت السرة. وقول علي: إن من السنة، هذا اللفظ يدخل في المرفوع عندهم. وقال
أبو عمر في (التفصي): واعلم أن الصحابي إذا أطلق اسم السنة فالمراد به سنة النبي
عليه،
منّالله
وكذلك إذا أطلقها غيره ما لم تضف إلى صاحبها، كقولهم: سنة العمرين، وما أشبه ذلك.
فإن قلت: سلمنا هذا، ولكن الذي روي عن علي فيه مقال، لأن في سنده عبد
الرحمن بن إسحاق الكوفي، قال أحمد: ليس بشيء منكر الحديث، قلت: روى أبو داود
وسكت عليه، ويعضده ما رواه ابن حزم من حديث أنس: من أخلاق النبوة وضع اليمين على
الشمال تحت السرة. وقال الترمذي: العمل عند أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم
وضع اليمين على الشمال في الصلاة، ورأى بعضهم أن يضعها فوق السرة، ورأى بعضهم أن
يضعها تحت السرة، وكل ذلك واسع.
الوجه الرابع: وقت وضع اليدين: والأصل فيه أن كل قيام فيه ذكر مسنون يعتمد فيه،
أعني: اعتماد يده اليمنى على اليسرى، وما لا فلا، فيعتمد في حالة القنوت وصلاة الجنازة،
ولا يعتمد في القومة عن الركوع وبين تكبيرات العيدين الزوائد، وهذا هو الصحيح، وعند أبي
علي النسفي والإمام أبي عبد الله وغيرهما: يعتمد في كل قيام سواء كان فيه ذكر مسنون أو
لا.
الوجه الخامس: في الحكمة في الوضع على الصدر أو السرة: فقيل: الوضع
على الصدر أبلغ في الخشوع، وفيه حفظ نور الإيمان في الصلاة فكان أولى من إشارته إلى
العورة بالوضع تحت السرة، وهذا قول من ذهب إلى أن السنة الوضع على الصدر، ونحن
نقول: الوضع تحت السرة أقرب إلى التعظيم وأبعد من التشبه بأهل الكتاب، وأقرب إلى ستر
العورة وحفظ الإزار عن السقوط، وذلك كما يفعل بين يدي الملوك وفي الوضع على الصدر
تشبه بالنساء فلا يسن.
قال إسماعيلُ يُنْمَى ذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْ يَنْمِي
قال صاحب (التلويح): إسماعيل هذا يشبه أن يكون إسماعيل بن إسحاق الراوي عن
١
٠
:

٤٠٩
١٠ - أبواب صفة الصلاة / باب (٨٨)
القعنبي هذا الحديث في (سنن البيهقي)، وقال بعضهم: إسماعيل هذا هو إسماعيل بن أبي
أويس شيخ البخاري، كما جزم به الحميدي في (الجمع) وأنكر على صاحب (التلويح) فيما
قاله، فقال: ظن أنه المراد، وليس كذلك، لأن رواية إسماعيل بن إسحاق موافقة لرواية
البخاري، ولم يذكر أحد أن البخاري روى عنه، وهو أحدث سناً من البخاري، وأحدث
سماعاً، قلت: لا يتوجه الرد على صاحب (التلويح) لأنه لم يجزم بما قاله، ولا يلزم من كون
إسماعيل بن إسحاق المذكور وأحدث سناً من البخاري وأحدث سماعاً نفي رواية البخاري
عنه. قوله: ((يُنَمى))، بضم الياء وفتح الميم، على صيغة المجهول، ولم يقل: يَنمي، بفتح
الياء، على صيغة المعلوم، فعلى صيغة المجهول يكون الحديث مرسلاً، لأن أبا حازم لم
يعين من أنماه له، وعلى صيغة المعلوم يكون الحديث متصلاً، لأن الضمير فيه يكون لسهل
بن سعد، لأن أبا حازم حينئذ قد يتعين له المسند وهو: سهل بن سعد، وقال بعضهم: فعلى
الأول: الهاء، ضمير الشأن فيكون مرسلاً. قلت: أراد بالأول صيغة المجهول، وأراد بضمير
الشأن الضمير المنصوب في: لا أعلمه، وليس هذا بضمير الشأن، وإنما هو يرجع إلى ما ذكر
من الحدیث.
٨٨ - بابُ الخُشُوعِ فِي الصَّلاَةِ
أي: هذا باب في بيان الخشوع في الصلاة، ولما كان الباب السابق في وضع اليمنى
على اليسرى، وهو صفة السائل الذليل، وأنه أقرب إلى الخشوع وأمنع من العبث الذي
يذهب بالخشوع، وذكر هذا الباب عقيب ذاك حثاً وتحريضاً للمصلي على ملازمة الخشوع
ليدخل في زمرة الذين مدحهم الله تعالى في كتابه بقوله: ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في
صلاتهم خاشعون﴾ [المؤمنون: ١ و٢]. قال ابن عباس: مخبتون أذلاء. وقال الحسن:
خائفون. وقال مقاتل: متواضعون. وقال علي: الخشوع في القلب، وأن تلين للمسلم كتفك
ولا تلتفت. وقال مجاهد: هو غض البصر وخفض الجناح. وقال عمرو بن دينار: ليس
الخشوع الركوع والسجود، ولكنه السكون وحسن الهيئة في الصلاة. وقال ابن سيرين: هو أن
لا ترفع بصرك عن موضع سجودك. وقال قتادة: الخشوع وضع اليمنى على الشمال في
الصلاة. وقيل: هو جمع الهمة لها والإعراض عما سواها. وقال أبو بكر الواسطي: هو الصلاة
لله تعالى على الخلوص من غير عوض. وعن ابن أبي الورد: يحتاج المصلي إلى أربع خلال
حتى يكون خاشعاً: إعظام المقام، وإخلاص المقال، واليقين التمام، وجمع الهم.
وليس في رواية أبي ذر ذكر الباب، وهو في رواية غيره، والأصح الأولى ذكره.
٧٤١/١٢٩ - حدّثنا إِسْمَاعِيلُ قال حدَّثني مالِكٌ عن أبي الزِّنَادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ
أَنَّ رسولَ الله عَ لَّه قال هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَهُنا واللهِ ما يَخْفَى عَلَيَّ رُكُوعَكُمَّ ولاَ خُشُوعَكُمْ
وإِنِّي لأَراكُمْ وَرَاءَ ظَهْرِي. [أنظر الحديث ٤١٨].
هذا الحديث أخرجه في: باب عظة الإمام الناس في إتمام الصلاة، عن عبد الله بن

٤١٠
١٠ - أبواب صفة الصلاة / باب (٨٨)
يوسف عن مالك إلى آخره نحوه، وههنا أخرجه عن إسماعيل بن أبي أويس، ابن عم مالك
ابن أنس عن مالك عن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن
أبي هريرة، وقد تكلمنا هناك بما يتعلق به من سائر الوجوه، وبقي هنا ذكر وجه المطابقة بينه
وبين الترجمة من حيث إن في قوله: ((ولا خشوعكم)) تنبيهاً إياهم على التلبس بالخشوع في
الصلاة، لأنه لم يقل ذلك، إلاّ وقد رأى أن فيهم الالتفات وعدم السكون اللذين ينافيان
الخشوع، والمصلي لا يدخل في قوله تعالى ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم
خاشعون﴾ [المؤمنون: ١ و٢]. إلّ بالخشوع، ولا شك أن ترك الخشوع ينافي كمال الصلاة،
فيكون مستحباً. وحكى النووي: أن الإجماع على أن الخشوع ليس بواجب، وأورد عليه
قول القاضي حسين: إن مدافعة الأخبثين إذا انتهت إلى حد يذهب معه الخشوع أبطلت
الصلاة. وقال أيضاً أبو بكر المروزي، قلت: هذا ليس بوارد لاحتمال كلامهما في مدافعة
شديدة أفضت إلى خروج شيء، فإن قلت: البطلان حينئذ بالخروج لا بالمدافعة، قلت:
المدافعة سبب للخروج، فذكر السبب وأراد المسبب للمبالغة، وأجاب بعضهم بجوابين غير
طائلین:
أحدهما: قوله: لجواز أن يكون بعد الإجماع السابق.
والثاني: قوله: أو المراد بالإجماع أنه لم يصرح أحد بوجوبه. وقال ابن بطال: فإن قال
قائل: فإن الخشوع فرض في الصلاة، قيل له: يحسب الإنسان أن يقبل على صلاته بقلبه
ونيته، ويريد بذلك وجه الله، ولا طاقه له بما اعترضه من الخواطر. قلت: وقد روي عن عمر
ابن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: إني لأجهز جيشي في الصلاة. وعنه: ((إني
لأحسب جزية البحرين وأنا في صلاتي)). قوله: ((هل ترون؟)) الاستفهام بمعنى الإنكار، والمراد
من القبلة إما: المقابلة وهي المواجهة، أي: لا تظنون مواجهتي ههنا فقط، وإما فيه إضمار
أي: لا ترون بصري أو رؤيتي في طرف القبلة فقط، وإما أنه من باب لازم التركيب، لأن
كون قبلته ثمة مستلزم لكون رؤيته أيضاً ثمة، فكأنه قال: هل ترون رؤيتي ههنا فقط؟ والله
لأراكم من غيرها أيضاً. والجمهور على أن المراد من الرؤية الإبصار بالحاسة، وسبق تحقيقه
هناك، وقد يحتج به من يقول: إن الطمأنينة فرض في الركوع والسجود، لأن الشارع توعد
على ذلك، قلت: لا يدل ذلك عليه، لأن الطمأنينة فيها لو كانت فرضاً لأمرهم بالإعادة،
وحيث لم يأمرهم بها دل على عدم الفرضية.
١٣٠ /٧٤٢ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قال حدّثنا عنْدَرٌ قال حدّثنا شُعْبَةُ قال سَمِعْتُ قَتَادَةَ
عنْ أَنَسٍ بنِ مالِكِ عِنِ النبيِّ عَّهِ قال أقِيمُوا الرُّكُوعَ والسُّجُودَ فَوَاللهِ إِنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ
بَعْدِي ورَُّا قال مِنْ بَعْدِ ظَهْرِي إِذَا رَكَعْتُمْ وَسَجَدْتُمْ. [انظر الحديث ٤١٩ وطرفه].
مطابقته للترجمة من حيث إن إقامة الركوع والسجود لا تكون إلاّ بالسكون والطمأنينة،
وهو الخشوع، فإن الذي يستعجل ولا يسكن فيهما تارك الخشوع. ورجاله قد ذكروا غير

٤١١
١٠ - أبواب صفة الصلاة / باب (٨٩)
مرة، وغندر هو محمد بن جعفر البصري.
وأخرجه مسلم في الصلاة أيضاً عن أبي موسى ويندار كلاهما عن غندر.
قوله: ((عن أنس))، وعند الإسماعيلي من رواية أبي موسى عن غندر: ((سمعت أنس بن مالك)).
قوله: ((أقيموا) أي: أكملوا، وفي رواية معاذ عن شعبة: ((أتموا)) بدل ((أقيموا)). قوله: ((فوالله))
فيه جواز الحلف لتأكيد القضية وتحقيقها. قوله: ((لأراكم)) اللام فيه للتأكيد. قوله: ((من
بعدي)) أي: من خلفي. وقال الداودي يعني: من بعد وفاتي، يعني: إن أعمال الأمة تعرض
عليه، ويرده قوله: ((وربما قال من بعد ظهري)).
ومما يستفاد من الحديث: النهي عن نقصان الركوع والسجود.
٨٩ - بابُ ما يَقُولُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ
أي: هذا باب في بيان ما يقرأ المصلي بعد أن يكبر للشروع. وقوله: ((ما يقرأ)) هو في
رواية المستملي، وفي رواية غيره: باب ما يقول بعد التكبير.
١٣١ /٧٤٣ - حدّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قال حدّثنا شُعْبَةُ عنْ قَتَادةَ عَنْ أَنَسِ أنَّ النبيَّ عَلَّه وَأَا
بَكْرٍ وعُمَر رضي الله تعالى عنهما كانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلاَةَ بالحَمْدُ للهِ ربِّ العَالَمِينَ.
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ورجاله ذكروا غير مرة.
وأخرجه مسلم في الصلاة عن أبي موسى وبندار. وأخرجه النسائي فيه عن أبي سعيد
الأشج وحميد الطويل ومحمد بن نوح.
قوله: ((يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين)) أي: بهذا اللفظ، وهذا ظاهر في
عدم الجهر بالبسملة، وتأويله: على إرادة اسم السورة، يتوقف على أن السورة كانت تسمى
عندهم بهذه الجملة، فلا يعدل عن حقيقة اللفظ وظاهره إلى مجازه إلّ بدليل. وقال بعضهم:
لا يلزم من قوله: ((كانوا يفتتحون)) أنهم لم يقرأوا البسملة سراً. قلت: لا نزاع فيه، وإنما النزاع
في جهر البسملة لعدم كونها آية من الفاتحة. قوله: ((بالحمد لله)) بضم الدال على سبيل
الحكاية. الكلام في هذا الباب على أنواع.
الأول: أن هذا الحديث رواه عن أنس، رضي الله تعالى عنه، جماعة منهم: قتادة
وإسحاق بن عبد الله ومنصور بن زاذان وأيوب على اختلاف فيه وأبو نعامة قيس بن عباية
الحنفي وعائذ بن شريح بخلاف والحسن وثابت البناني وحميد الطويل ومحمد بن نوح. أما
حديث قتادة عن أنس فأخرجه البخاري ومسلم والنسائي، كما ذكرنا الآن. وأما حديث
إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس فأخرجه البخاري ومسلم عن محمد بن مهران
عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن إسحاق بن عبد الله عن أنس: ((صليت خلف النبي
عَّه وأبي بكر وعمر فلم أسمع أحداً منهم يجهر: ببسم الله الرحمن الرحيم)). وأما حديث

٤١٢
١٠ - أبواب صفة الصلاة / باب (٨٩)
منصور فأخرجه النسائي وقال: ((فلم يسمعنا قراءتها)). وأما حديث أيوب فأخرجه الشافعي
والنسائي وابن ماجه، فقال النسائي: أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، قال: حدّثنا
سفيان عن أيوب عن قتادة عن أنس قال ((صليت مع النبي عَّله ومع أبي بكر ومع عمر
فافتتحوا بالحمد)) وقال الدارقطني اختلف فيه عن أيوب، فقيل: عن قتادة عن أنس، وقيل:
عن أبي قلابة عن أنس، وقيل: عن أيوب عن أنس، رضي الله تعالى عنه. وأما حديث: أبي
نعامة فأخرجه البيهقي بلفظ: ((لا يقرأون)) يعني: لا يجهرون بها. وفي لفظ: ((لا يقرأون)) فقط.
وأما حديث عائذ بن شريح فقال الدارقطني: اختلف عنه، فقيل عنه: عن أنس، وقيل عنه: عن
ثمامة عن أنس، رضي الله تعالى عنه. وأما حديث الحسن عن أنس فأخرجه الطبراني بلفظ:
((كان يسر بها)). وأما حديث ثابت فذكره البيهقي والطحاوي من حديث شعبة عن ثابت عن
أنس قال: ((لم يكن رسول الله عَّ له ولا أبو بكر ولا عمر يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم)).
وأما حديث حميد عن أنس فأخرجه الطحاوي أيضاً عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب
عن مالك عن حميد الطويل عن أنس أنه قال: ((قمت وراء أبي بكر وعمر وعثمان فكلهم لا
يقرأون: بسم الله الرحمن الرحيم، إذا افتتح الصلاة)). وقال الطحاوي: حدّثنا فهد، قال: حدّثنا
أبو غسان، قال: حدّثنا زهير عن حميد عن أنس أن أبا بكر وعمر، ويروي حميد أنه قد ذكر
النبي عَّله ثم ذكر نحوه. وأما حديث محمد بن نوح عن أنس فأخرجه الطحاوي أيضاً عن
إبراهيم بن منقذ عن عبد الله بن وهب عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن محمد بن
نوح، أخا بني سعد بن بكر، حدثه عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله عَ لّه وأبا بكر
وعمر يستفتحون القراءة: بالحمد لله رب العالمين.
وروى عن قتادة جماعة: شعبة وهشام وأبو عوانة وأيوب وسعيد بن أبي عروبة
والأوزاعي وشيبان. فرواية شعبة عن قتادة أخرجها البخاري ومسلم. ورواية هشام عنه أخرجها
أبو داود: حدّثنا مسلم بن إبراهيم حدّثنا هشام عن قتادة عن أنس: ((أن النبي عَّهِ، وأبا بكر
وعمر وعثمان كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين)). ورواية أبي عوانة عن قتادة
أخرجها الترمذي والنسائي وابن ماجه، فقال الترمذي: حدّثنا قتيبة، قال: حدّثنا أبو عوانة عن
قتادة عن أنس قال: ((كان رسول الله عَ ليه وأبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم يفتتحون
القراءة بالحمد لله رب العالمين)) وقال حديث حسن صحيح وقال النسائي أخبرنا قتيبة ابن سعيد
قال حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن أنس قال: ((كان رسول الله عَّ له وأبو بكر وعمر يفتتحون
القراءة بالحمد لله رب العالمين)). وقال ابن ماجه: حدثنا جبارة بن المفلس حدّثنا أبو عوانة
عن قتادة عن أنس بن مالك، قال: فذكره نحو رواية النسائي، ورواية أيوب عن قتادة أخرجها
النسائي وابن ماجه. وقد ذكرناها الآن، ورواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أخرجها النسائي
أخبرنا عبد الله بن سعيد الأشج أبو سعيد قال: حدثني عقبة، قال: حدّثنا شعبة وابن أبي عروبة
عن قتادة عن أنس، قال: ((صليت خلف النبي عَّله وأبي بكر وعمر وعثمان، رضي الله تعالى
عنهم، فلم أسمع أحداً منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم))، ورواية الأوزاعي عن قتادة

٤١٣
١٠ - أبواب صفة الصلاة / باب (٨٩)
أخرجها مسلم، ولفظه: ((أن قتادة كتب إليه يخبره عن أنس أنه حدثه قال: صليت خلف
النبي عَّهِ وأبي بكر وعمر وعثمان: فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون
ببسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها)). وليس للأوزاعي عن قتادة عن أنس
في الصحيح غير هذا. ورواية شيبان عن قتادة أخرجها الطحاوي عن ابن أبي عمران وعلي بن
عبد الرحمن. كلاهما عن علي بن الجعد، قال: أخبرنا شيبان عن قتادة، قال: ((سمعت أنساً
يقول: صليت خلف النبي عَّةٍ وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحداً منهم يجهر ببسم
الله الرحمن الرحيم)). وروى هذا الحديث عن شعبة أيضاً جماعة منهم حفص بن عمر كما
سبق عن البخاري ومنهم غندر في مسلم، ولفظه: ((صليت مع أبي بكر وعمر وعثمان فلم
أسمع أحداً منهم يقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم)) ومنهم الأعمش أخرجها الطحاوي حدّثنا أبو
أمية قال حدّثنا الأحوص بن جواب، قال: حدّثنا عمار بن زريق عن الأعمش عن شعبة عن
ثابت عن أنس قال: ((لم يكن رسول الله عَّه ولا أبو بكر ولا عمر يجهرون ببسم الله الرحمن
الرحيم))، ومنهم عبد الرحمن بن زياد أخرجها الطحاوي أيضاً عن سليمان بن شعيب
الكيساني عن عبد الرحمن بن زياد قال: حدّثنا شعبة عن قتادة، قال: سمعت أنس بن مالك،
رضي الله تعالى عنه، يقول: ((صليت خلف النبي عَّه وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع
أحداً منهم يجهر بيسم الله الرحمن الرحيم).
النوع الثاني: في اختلاف ألفاظ هذا الحديث: فلفظ البخاري ما مر، ولفظ مسلم:
((فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في
أول قراءة ولا في آخرها)). ورواه النسائي وأحمد وابن حبان والدارقطني، وقالوا فيه: ((فكانوا لا
يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم)). وزاد ابن حبان: ((ويجهرون بالحمد لله رب العالمين))
وفي لفظ للنسائي وابن حبان أيضاً: ((فلم أسمع أحداً منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم)).
وفي لفظ أبي يعلى في (مسنده): ((فكانوا يفتتحون القراءة فيما يجهر به بالحمد لله رب
العالمين)). وفي لفظ للطبراني في (معجمه) وأبي نعيم في (الحلية) وابن خزيمة في (مختصر
المختصر): ((فكانوا يسرون ببسم الله الرحمن الرحيم))، ورجال هؤلاء الروايات: كلهم ثقات
مخرج لهم في (الصحيح). وروى الترمذي: حدّثنا أحمد بن منيع، قال: حدّثنا سعيد الحريري
عن قيس بن عباية: ((عن عبد الله بن مغفل، قال: سمعني أبي وأنا في الصلاة أقول: بسم الله
الرحمن الرحيم. فقال: أي بني محدث؟ إياك والحدث. قال: ولم أر أحداً من أصحاب
رسول الله عٍَّ كان أبغض إليه الحدث في الإسلام، يعني، منه قال: وقد صليت مع النبي
عَّهِ ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان فلم أسمع أحداً منهم يقولها، فلا تقلها إذا أنت
صليت. فقل: الحمد لله رب العالمين)). وقال الترمذي: حديث حسن والعمل عليه عند أكثر
أهل العلم من أصحاب النبي، عَّ له، منهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، ومن بعدهم
من التابعين، وأخرجه النسائي وابن ماجه أيضاً.
ولحديث أنس طرق أخرى دون ما أخرجه أصحاب الصحاح في الصحة، وكل ألفاظه

٤١٤
١٠ - أبواب صفة الصلاة / باب (٨٩)
ترجع إلى معنى واحد يصدق بعضه بعضاً وهي سبعة ألفاظ.
فالأول: كانوا لا يستفتحون القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم.
والثاني: فلم أسمع أحداً منهم يقول أو يقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم.
والثالث: فلم يكونوا يقرأون بسم الله الرحمن الرحيم.
والرابع: فلم أسمع أحداً منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم.
والخامس: فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم.
والسادس: فكانوا يسرون ببسم الله الرحمن الرحيم.
والسابع: فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، وهذا اللفظ الذي صححه
الخطيب ضعف ما سواه لرواية الحفاظ له عن قتادة، ولمتابعة غير قتادة له عن أنس فيه،
وجعل غيره متشابهاً، وحمل على الافتتاح بالسورة لا بالآية وهو غير مخالف للألفاظ الباقية
بوجه، فكيف يجعل مناقضاً لها؟ فإن حقيقة هذا اللفظ الافتتاح بالآية من غير ذكر التسمية
جهراً أو سراً، فكيف يجوز العدول عنه بغير موجب؟ ويؤيده قوله في رواية مسلم: ((لا
يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها)). فإن قلت: قال النووي في
(الخلاصة): وقد ضعف الحفاظ حديث عبد الله بن مغفل الذي أخرجه الترمذي، وأنكروا
على الترمذي تحسينه، كابن خزيمة وابن عبد البر والخطيب قالوا: ((إن مداره على ابن عبد
الله بن مغفل وهو مجهول)). قلت: ورواه أحمد في (مسنده) من حديث أبي نعامة عن ابن
عبد الله بن مغفل قال ((كان أبونا إذا سمع أحداً منا يقول بسم الله الرحمن الرحيم يقول أي
بني صليت مع النبي عَّه وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله تعالى عنهم فلم أسمع أحداً منهم
يقول بسم الله الرحمن الرحيم)) ورواه الطبراني في معجمه عن عبد الله بن بريدة عن ابن عبد
الله بن مغفل عن أبيه مثله ثم أخرجه عن أبي سفيان طريف بن شهاب عن يزيد بن عبد الله
ابن مغفل عن أبيه قال: ((صليت خلف إمام فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، فلما فرغ من
صلاته قال: ما هذا؟ غيب عنا هذه التي أراك تجهر بها فإني قد صليت مع النبي عَ لّه وأبي
بكر وعمر وعثمان فلم يجهروا بها)» فهؤلاء ثلاثة رووا هذا الحديث عن ابن عبد الله بن مغفل
عن أبيه، وهو: أبو نعامة الحنفي قيس بن عباية، وثقه ابن معين وغيره، وقال ابن عبد البر: هو
ثقة عند جميعهم، وقال الخطيب: لا أعلم أحداً رماه ببدعة في دينه ولا كذب في روايته،
وعبد الله بن بريدة وهو أشهر من أن يثنى عليه، وأبو سفيان السعدي وهو وإن تكلم فيه
ولكنه يعتبر به فيما تابعه عليه غيره من الثقات، وهو الذي سمي ابن عبد الله بن مغفل: يزيد،
كما هو عند الطبراني، فقد ارتفعت الجهالة عن ابن عبد الله بن مغفل برواية هؤلاء الثلاثة
عنه، وقد تقدم في (مسند الإمام أحمد): عن أبي نعامة عن بني عبد الله بن مغفل، وبنوه
الذین یروي عنهم: يزيد وزياد ومحمد. والنسائي وابن حبان وغيرهما يحتجون بمثل هؤلاء،
مع أنهم مشهورون بالرواية، ولم يرو أحد منهم حديثاً منكراً ليس له شاهد ولا متابع حتى

٤١٥
١٠ - أبواب صفة الصلاة / باب (٨٩)
يخرج بسببه، وإنما رووا ما رواه غيرهم من الثقات، فأما يزيد فهو الذي سمي في هذا
الحديث، وأما محمد فروى له الطبراني عنه عن أبيه، قال: سمعت النبي عَ لَّه يقول: ((ما من
إمام يبيت غاشاً لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة)). وزياد أيضاً روى له الطبراني عنه عن أبيه
مرفوعاً: ((لا تخذفوا، فإنه لا يصاد به صيد ولا ينكأ العدو، ولكنه يكسر السن ويفقأ العين)).
وبالجملة فهذا حديث صريح في عدم الجهر بالبسملة وهو، وإن لم يكن من أقسام
الصحيح، فلا ينزل عن درجة الحسن، وقد حسنه الترمذي، والحديث الحسن يحتج به لا
سيما إذا تعددت شواهده وكثرت متابعاته، والذين تكلموا فيه وتركوا الاحتجاج به بجهالة ابن
عبد الله بن مغفل قد احتجوا في هذه المسألة بما هو أضعف منه، بل احتج الخطيب بما يعلم
أنه موضوع، فذلك جرأة عظيمة لأجل تعصبه وحميته بما لا ينفعه في الدنيا ولا في الآخرة،
ولم يحسن البيهقي في تضعيف هذا الحديث إذ قال بعد أن رواه في (كتاب المعرفة): فهذا
حديث تفرد به أبو نعامة قيس بن عباية وابن عبد الله بن مغفل، وأبو نعامة وابن عبد الله بن
مغفل لم يحتج بهما صاحبا (الصحيح): فقوله: تفرد به أبو نعامة، غير صحيح، فقد تابعه عبد
الله بن بريدة وأبو سفيان كما ذكرناه، وقوله: أبو نعامة وابن عبد الله بن مغفل لم يحتج بهما
صاحبا (الصحيح): ليس هذا لازماً في صحة الإسناد، ولئن سلمنا فقد قلنا: إنه حسن،
والحسن يحتج به. وهذا الحديث يدل على أن ترك الجهر عندهم كان ميراثاً عن نبيهم
يتوارثونه خلفهم عن سلفهم، وهذا وحده كاف في المسألة، لأن الصلاة الجهرية دائمة
صباحاً ومساء، فلو كان عليه السلام يجهر بها دائماً لما وقع فيه الاختلاف ولا الاشتباه،
ولكان معلوماً بالاضطرار، ولما قال أنس: لم يجهر بها معَّهِ، ولا خلفاؤه الراشدون، ولما قال
عبد الله بن مغفل ذلك أيضاً، وسماه حدثاً، ولما استمر عمل أهل المدينة في محراب النبي
عَّالله ومقامه على ترك الجهر فيتوارثه آخرهم عن أولهم، ولا يظن عاقل أن أكابر الصحابة
والتابعين وأكثر أهل العلم كانوا يواظبون على خلاف ما كان عَِّ يفعله، وسيأتي الجواب
عن أحاديث الجهر، إن شاء الله تعالى.
النوع الثالث: احتج به مالك وأصحابه على ترك التسمية: في ابتداء الفاتحة، وأنها
ليست منها، وبه قال الأوزاعي والطبري. وقال أصحابنا: البسملة آية من القرآن أنزلت للفصل
بين السور وليست من الفاتحة، ولا من أول كل سورة، ولا يجهر بها بل يقولها: سراً، وبه
قال الثوري وأحمد وإسحاق. وقال أبو عمر: قال مالك: لا تقرأوا البسملة في الفرض سراً
وجهراً، وفي النافلة: إن شاء فعل وإن شاء ترك. وهو قول الطبري. وقال الثوري وأبو حنيفة
وابن أبي ليلى وأحمد: يقرأ مع أم القرآن في كل ركعة إلاّ ابن أبي ليلى فإنه قال إن شاء جهر
بها وإن شاء أخفاها وقال الشافعي هي آية من الفاتحة يخفيها إذا أخفى ويجهر بها إذا جهر
واختلف قوله هل هي آية من كل سورة أم لا على قولين أحدهما نعم وهو قول ابن المبارك
والثاني لا.
النوع الرابع في أنها يجهر بها أم لا؟: قال صاحب (التوضيح): وعندنا يستحب

٤١٦
١٠ - أبواب صفة الصلاة / باب (٨٩)
الجهر بها فيما يجهر فيه، وبه قال أكثر العلماء، والأحاديث الواردة في الجهر كثيرة متعددة
عن جماعة من الصحابة يرتقي عددهم إلى أحد وعشرين صحابياً، رووا ذلك عن النبي عَ له،
منهم من صرح بذلك، ومنهم من فهم من عبارته، والحجة قائمة بالجهر وبالصحة، ثم ذكر
من الصحابة أبا هريرة وأم سلمة وابن عباس وأنساً وعلي بن أبي طالب وسمرة بن جندب
قلت: ومن الذين عدهم: عمار وعبد الله بن عمر والنعمان بن بشير والحكم بن عمير ومعاوية
وبريدة بن الحصيب وجابر وأبو سعيد وطلحة وعبد الله بن أبي أوفى وأبو بكر الصديق
ومجالد بن ثور وبشر بن معاوية والحسين بن عرفطة وأبو موسى الأشعري، فهؤلاء أحد
وعشرون نفساً.
أما حديث أبي هريرة فرواه النسائي في (سننه) من حديث نعيم المجمر قال:
((صليت وراء أبي هريرة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم: ثم قرأ بأم القرآن حتى قال: ﴿غير
المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ [الفاتحة: ٧]قال آمين في آخره، فلما سلم قال: إني لأشبهكم
صلاة برسول الله عٍَّ)، وأخرجه ابن خزيمة وابن حبان في (صحيحيهما) والحاكم في
(مستدركه) وقال: إنه على شرط الشيخين ولم يخرجاه ورواه الدارقطني: في (سننه) وقال:
حديث صحيح ورواته كلهم ثقات، وأخرجه البيهقي في (سننه) وقال: إسناده صحيح وله
شواهد. وقال في (الخلافيات): رواته كلهم ثقات مجمع على عدالتهم محتج بهم في
الصحيح.
والجواب عنه من وجوه: الأول: أنه معلول، فإن ذكر البسملة فيه مما تفرد به نعيم
المجمر من بين أصحاب أبي هريرة وهم ثمان مائة ما بين: صاحب وتابع، ولا يثبت عن ثقة
من أصحاب أبي هريرة أنه حدث عن أبي هريرة أنه عَّ له كان يجهر بالبسملة في الصلاة، ألا
ترى كيف أعرض صاحب (الصحيح) عن ذكر البسملة في حديث أبي هريرة، كان يكبر في
كل صلاة من المكتوبة وغيرها الحديث. فإن قلت: قد رواها نعيم المجمر وهو ثقة، والزيادة
عن الثقة مقبولة قلت: في هذا خلاف مشهور، فمنهم من لا يقبلها. الثاني: أن قوله: فقرأ،
وقال: ليس بصريح أنه سمعها منه، إذ يجوز أن يكون أبو هريرة أخبر نعيماً بأنه قرأها سراً،
ويجوز أن يكون سمعها منه في مخافتته لقربه منه، كما روي عنه من أنواع الاستفتاح وألفاظ
الذكر في قيامه وقعوده وركوعه وسجوده، ولم يكن منه ذلك دليلاً على الجهر. الثالث: أن
التشبيه لا يقتضي أن يكون مثله من كل وجه، بل يكفي في غالب الأفعال، وذلك متحقق
في التكبير وغيره دون البسملة، فإن التكبير وغيره من أفعال الصلاة ثابت صحيح عن أبي
هريرة، وكان مقصوده الرد على من تركه: وأما التسمية ففي صحتها عنه نظر فينصرف إلى
الصحيح الثابت دون غيره، ويلزمهم على القول بالتشبيه من كل وجه أن يقولوا بالجهر
بالتعوذ، فإن الشافعي روى: أخبرنا أبو محمد الأسلمي عن ربيعة بن عثمان عن صالح بن أبي
صالح أنه سمع أبا هريرة وهو يؤم الناس رافعاً صوته في المكتوبة، إذا فرغ من أم القرآن: ربنا
إنا نعوذ بك من الشيطان الرجيم، فهلا أخذوا بهذا كما أخذوا بجهر البسملة مستدلين بما في

٤١٧
١٠ - أبواب صفة الصلاة / باب (٨٩)
الصحيحين عنه؟ فما أسمعنا عَّ لم أسمعناكم، وما أخفانا أخفيناكم. وكيف يظن بأبي هريرة
أنه يريد التشبيه في الجهر بالبسملة وهو الراوي عن النبي عَ لَّه، وقال: ((يقول الله تعالى:
قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا
قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي ... ))، الحديث، أخرجه
مسلم عن سفيان بن عيينة عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة، وهذا ظاهر
في: أن البسملة ليست من الفاتحة وإلاّ لابتدأ بها. وقال أبو عمر: حديث العلاء هذا قاطع
لقلق المنازعين، وهو نص لا يحتمل التأويل، ولا أعلم حديثاً في سقوط البسملة أبين منه.
واعترض بعض المتأخرين على هذا الحديث بأمرين:
أحدهما: لا يعتبر بكون هذا الحديث في مسلم، فإن العلاء بن عبد الرحمن تكلم فيه
ابن معين، فقال: ليس حديثه بحجة، مضطرب الحديث. وقال ابن عدي: وقد انفرد بهذا
الحدیث فلا يحتج به.
الثاني: على تقدير صحته، فقد جاء في بعض الروايات عنه ذكر التسمية، كما أخرجه
الدارقطني عن عبد الله بن زياد بن سمعان عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة:
((سمعت رسول الله عَّم يقول: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي، فنصفها له، يقول عبدي إذا
افتتح الصلاة: بسم الله الرحمن الرحيم، فيذكرني عبدي، ثم يقول: الحمد لله رب العالمين،
فأقول: حمدني عبدي ... )) الحديث. وهذه الرواية، وإن كانت ضعيفة، ولكنها مفسرة بحديث
مسلم أنه أراد السورة لا الآية، قلت: هذا القائل حمله الجهل وفرط التعصب ورداءة الرأي
والفكر على أنه ترك الحديث الصحيح وضعفه لكونه غير موافق لمذهبه، وقال: لا يعتبر بكونه
في مسلم، مع أنه قد رواه عن العلاء الأئمة الثقات الأثبات: كمالك وسفيان بن عيينة وابن
جريج وشعيب وعبد العزيز الدراوردي وإسماعيل بن جعفر ومحمد بن إسحاق والوليد بن
كثير وغيرهم، والعلاء في نفسه ثقة صدوق، وهذه الرواية مما انفرد بها عنه ابن سمعان وقال
عمر بن عبد الواحد سألت مالكاً عنه أي ابن سمعان فقال كان كذاباً وكذا قال يحيى بن
معين وقال يحيى بن بكير قال هشام بن عروة فيه لقد كذب علي وحدث عني بأحاديث لم
أحدثها له وعن أحمد متروك الحديث وكذا قال أبو داود وزاد من الكذابين فإن قلت: أخرج
الخطيب عن أبي أويس واسمه: عبد الله بن أويس، قال: أخبرني العلاء بن عبد الرحمن عن
أبيه عن أبي هريرة: ((أن النبي عَِّ كان إذا أم الناس جهر ببسم الله الرحمن الرحيم))، ورواه
الدارقطني في (سننه) وابن عدي في (الكامل) فقالا فيه: قرأ، عوض: جهر، وكأنه رواه
بالمعنى قلت: أبو أويس ضعفه أحمد وابن معين وأبو حاتم فلا يحتج بما انفرد به، فكيف إذا
انفرد بشيء وقد خالفه فيه من هو أوثق منه؟ فإن قلت: أخرج مسلم لأبي أويس قلت: صاحبا
(الصحيح) إذا أخرجا لمن تكلم فيه إنما يخرجان بعد إنقائهما من حديثه ما توبع عليه،
وظهرت شواهده، وعلم أن له أصلاً، ولا يخرجان ما تفرد به سيما إذا خالف الثقات، وهذه
العلة راجت على كثير ممن استدرك على الصحيحين فتساهلوا في استدراكهم، ومن أكثرهم
عمدة القاري / ج٥ / ٢٧٢

٤١٨
١٠ - أبواب صفة الصلاة / باب (٨٩)
تساهلاً: الحاكم أبو عبد الله في (كتابه المستدرك) فإنه يقول: هذا على شرط الشيخين أو
أحدهما، وفيه هذه العلة، إذ لا يلزم من كون الراوي محتجاً به في الصحيح أنه إذا وجد في
أي حديث كان يكون ذلك الحديث على شرطه، ولهذا قال ابن دحية في (كتاب العلم)
المشهور: ويجب على أهل الحديث أن يتحفظوا من قول الحاكم أبي عبد الله، فإنه كثير
الغلط ظاهر السقط، وقد غفل عن ذلك كثير ممن جاء بعده وقلده في ذلك، فإن قلت: قد
جاء في طريق آخر أخرجه الدارقطني عن خالد بن الياس عن سعيد بن أبي سعيد المقبري
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله عَ لِ: ((علمني جبريل، عليه الصلاة والسلام، الصلاة فقام
فكبر لنا ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم فيما يجهر به في كل ركعة)). قلت: هذا إسناد
ساقط، فإن خالد بن الياس مجمع على ضعفه، وعن البخاري عن أحمد أنه منكر الحديث،
وقال ابن معين: ليس بشيء ولا يكتب حديثه. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال ابن
حبان: يروي الموضوعات عن الثقات. وقال الحاكم: روى عن المقبري ومحمد بن المنكدر
وهشام بن عروة أحاديث موضوعة.
فإن قلت: روى الدارقطني أيضاً عن جعفر بن مكرم: حدّثنا أبو بكر الحنفي حدّثنا عبد
المجيد عن جعفر أخبرني نوح بن أبي بلال عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، قال: قال
رسول الله، عَ له: ((إذا قرأتم الحمد فاقرأوا بسم الله الرحمن الرحيم إنها أم القرآن وأم الكتاب
والسبع المثاني، وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها)). قلت: قال أبو بكر الحنفي: ثم
لقيت نوحاً فحدثني عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مثله ولم يرفعه، فإن قلت: قال عبد
الحق في (أحكامه الكبرى): رفع هذا الحديث عبد الحميد بن جعفر وهو ثقة، وثقه ابن
معين، قلت: كان سفيان الثوري يضعفه ويحمل عليه، ولئن سلمنا رفعه فليس فيه دلالة على
الجهر، ولئن سلم فالصواب فيه الوقف. قال الدارقطني: لأنه رواه المعافي بن عمران عن عبد
الحميد عن نوح عن المقبري عن أبي هريرة مرفوعاً. ورواه أسامة بن زيد وأبو بكر الحنفي
عن نوح عن المقبري عن أبي هريرة موقوفاً. فإن قلت: هذا موقوف في حكم المرفوع، إذ لا
يقول الصحابي: إن البسملة إحدى آيات الفاتحة إلاّ عن توقيف أو دليل قوي ظهر له، فحينئذ
يكون له حكم سائر آيات الفاتحة من الجهر والإسرار، قلت: لعل أبا هريرة سمع النبي عَ ل.
يقرأها فظنها من الفاتحة، فقال: إنها إحدى آياتها، ونحن لا ننكر أنها من القرآن، ولكن النزاع
في موضعين.
أحدهما: أنها آية من الفاتحة.
والثاني: أن لها حكم سائر آيات الفاتحة جهراً وسراً، ونحن نقول: إنها آية مستقلة
قبل السورة وليست منها جمعاً بين الأدلة. وأبو هريرة لم يخبر عن النبي عَّله أنه قال: هي
إحدى آياتها، وقراءتها قبل الفاتحة لا تدل على ذلك، وإذا جاز أن يكون مستند أبي هريرة
قراءة النبي عَّ لها، وقد ظهر أن ذلك ليس بدليل على محل النزاع، فلا تعارض به أدلتنا
الصحيحة الثابتة، وأيضاً، فالمحفوظ الثابت عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة في هذا

٤١٩
١٠ - أبواب صفة الصلاة / باب (٨٩)
الحديث عدم ذكر البسملة، كما رواه البخاري في (صحيحه) من حديث ابن أبي ذئب عن
سعيد المقبري عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله عَّالِ: ((الحمد لله هي أم القرآن، وهي
السبع المثاني والقرآن العظيم)). ورواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، على
أن عبد الحميد بن جعفر ممن تكلم فيه، ولكن وثقه أكثر العلماء واحتج به مسلم
في (صحيحه) وليس تضعيف من ضعفه مما يوجب رد حديثه، ولكن الثقة قد يغلط، والظاهر
أنه قد غلط في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.
وأما حديث أم سلمة فرواه الحاكم في (المستدرك) عن عمر بن هارون عن جريج
عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة، رضي الله تعالى عنها: ((أن رسول الله عَ لٍ قرأ في الصلاة:
بسم الله الرحمن الرحيم، فعدها آية: الحمد لله رب العالمين، آيتين، الرحمن الرحيم، ثلاث
آيات إلى آخره ... )) ورواه الدارقطني والبيهقي، والجواب عنه أن مدار هذه الرواية على عمر
ابن هارون البلخي، وهو مجروح، تكلم فيه غير واحد من الأئمة. فعن أحمد: لا أروي عنه
شيئاً. وعن يحيى: ليس بشيء. وعن ابن المبارك: كذاب. وعن النسائي: متروك الحديث.
وعن ابن الجوزي عن يحيى: كذاب خبيث ليس حديثه بشيء.
فإن قلت: روى أبو داود في (كتاب الحروف): حدّثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال:
حدّثنا أبي، قال: حدّثنا ابن جريج عن عبد الله بن أبي مليكة ((عن أم سلمة، رضي الله تعالى
عنها، ذكرت - أو كلمة غيّها - قراءة رسول الله عَّهِ: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله
رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، يقطع قراءته آية آية)). وأخرجه أحمد: حدّثنا
يحيى بن سعيد الأموي ... إلى آخره نحوه، ولفظه: ((أنها سئلت عن قراءة رسول الله عَ ليه
فقالت: كان يقطع آية آية: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن
الرحيم مالك يوم الدينِ﴾)). قلت: ليس فيه حجة للخصم، لأن فيه ذكرها قراءة النبي
كيف كانت، وبيان ترتيله وليس فيه ذكر الصلاة. فإن قلت: قال البيهقي في (كتاب
المعرفة): قال البويطي في كتابه: أخبرني غير واحد عن حفص بن غياث عن ابن جريج عن
ابن أبي مليكة عن أم سلمة، زوج النبي عَ له: ((أن رسول الله عَ لـ كان إذا قرأ بأم القرآن بدأ:
ببسم الله الرحمن الرحيم، يعدها آية. ثم قرأ: الحمد لله رب العالمين، يعدها ست آيات)»؟
قلت: قال الطحاوي في (كتاب الرد على الكرابيسي): لم يسمع ابن أبي مليكة هذا الحديث
من أم سلمة، والذي يروي عن ابن أبي مليكة عن يعلى بن مالك عن أم سلمة وهو الأصح،
ولهذا أسنده الترمذي من جهة يعلى، وقال: غريب حسن صحيح، لأن فيه ذكر قراءة: بسم
الله الرحمن الرحيم، من أم سلمة، نعت منها لقراءة رسول الله عَّ لسائر القرآن، كيف
كانت، وليس فيه ما يدل على أن رسول الله عَ لغيره كان يقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم.
والعجب من البيهقي أنه ذكر حديث يعلى في: باب ترتيل القراءة، وتركه في: باب الدليل
على أن بسم الله الرحمن الرحيم آية تامة من الفاتحة، لكونه لا يوافق مقصوده، ولأن فيه بيان
علة حديثه. والعجب ثم العجب منه روى هذا الحديث من عمر بن هارون وألان القول فيه،

٤٢٠
١٠ - أبواب صفة الصلاة / باب (٨٩)
وقال: ورواه عمر بن هارون البلخي وليس بالقوي، وذكره في: باب لا شفعة فيما ينقل أنه
ضعيف لا يحتج به، ثم إن كان العد بلسانه في الصلاة فذلك منافٍ للصلاة، وإن كان
بأصابعه فلا يدل على أنها آية من الفاتحة، قاله الذهبي في (مختصر السنن).
وأما حديث ابن عباس فأخرجه البيهقي في (سننه) من حديث ابن المبارك عن ابن
جريج عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في السبع المثاني، قال: فاتحة الكتاب،
قرأها ابن عباس: بسم الله الرحمن الرحيم سبعاً، فقلت لأبي: أخبرك سعيد عن ابن عباس أنه
قال: بسم الله الرحمن الرحيم آية من كتاب الله؟ قال: نعم. ثم قال: قرأها ابن عباس في
الركعتين جميعاً. وأخرجه الطحاوي عن أبي بكرة عن أبي عاصم عن ابن جريج عن أبيه عن
سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس: ﴿ولقد آتيناك سبعاً من المثاني﴾ [الحجر: ٨٧]. قال:
فاتحة الكتاب، ثم قرأ عليه ابن عباس قلت: الجواب:
أولاً: إن في إسناده عبد العزيز بن جريج والد عبد الملك، وقد قال البخاري: حديثه لا
يتابع علیه.
وثانياً: إنه لا يعارضه ما يدل على خلافه، وهو حديث أبي هريرة، قال: ((كان رسول
اللهِ عَّ إذا نهض من الثانية استفتح بالحمد لله رب العالمين)). رواه مسلم والطحاوي، وهذا
دليل صريح على أن البسملة ليست من الفاتحة، إذ لو كانت منها لقرأها في الثانية مع
الفاتحة، فإن قلت: روى الحاكم في (المستدرك) عن عبد الله بن عمرو بن حسان عن
شريك عن سالم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: ((كان رسول الله عَّه يجهر: ببسم
الله الرحمن الرحيم))، قال الحاكم: إسناده صحيح وليس له علة، قلت: هذا غير صريح ولا
صحيح، أما أنه غير صريح فلأنه ليس فيه أنه في الصلاة، وأما أنه غير صحيح فلأن عبد الله
ابن عمرو بن حسان: كان يضع الحديث. قاله إمام الصنعة علي بن المديني، وقال أبو حاتم:
لیس بشيء، کان یکذب.
فإن قلت: رواه الدارقطني عن أبي الصلت الهروي، واسمه: عبد السلام بن صالح:
حدّثنا عباد بن العوام حدّثنا شريك عن سالم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: ((كان
رسول الله عَّلِ يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم)). قلت: هذا أضعف من الأول،
فإن أبا الصلت متروك. وقال أبو حاتم: ليس عندي بصدوق. وقال الدارقطني: رافضي خبيث،
روى البزار في (مسنده) عن المعتمر بن سليمان: حدّثنا إسماعيل عن أبي خالد عن ابن
عباس: ((أن النبي عَّلِ كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة)). وأخرجه أبو داود في
(سننه) والترمذي في (جامعه) بهذا السند، والدارقطني في (سننه) وكلهم قالوا فيه: كان
يفتتح صلاته ببسم الله الرحمن الرحيم قلت: قال البزار: إسماعيل ليس بالقوي في الحديث،
وقال الترمذي: ليس إسناده بذاك. وقال أبو داود: حديث ضعيف. ورواه العقيلي في كتابه
وأعله بإسماعيل هذا، وقال: حديثه غير محفوظ، وأبو خالد مجهول، ولا يصح في الجهر
بالبسملة حديث مسند. ورواه الدارقطني من طريق عمر بن حفص المكي عن ابن جريج عن