النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٥٨)
وانتصابه على الحال. قوله: ((إذا كانا)) أي: الإمام والمأموم، وقيد به لأنه إذا كان مأمومان مع
إمام فالحكم أن يتقدم الإمام عليهما، وهكذا نسخ البخاري باب يقوم. وقال ابن المنير:
النسخة باب من يقوم بإضافة الباب إلى: من، ثم تردد بين كون: من، موصولة أو استفهامية
لكون المسألة مختلفاً فيها. وقال بعضهم: الواقع أن: من، محذوفة، والسياق ظاهر في أن
المصنف جازم بحكم المسألة لا متردد. انتهى. قلت: لا نسلم أن الواقع أن: من، محذوفة،
فكيف يجوز حذف: من، سواء كانت استفهامية أو موصولة؟ والنسخة المشهورة صحيحة فلا
تحتاج إلى تقدير وارتكاب تعسف، بل الصواب ما قلنا، وهو: أن لفظة: باب، مرفوع على أنه
خبر مبتدأ محذوف أي: هذا باب، وقوله: يقوم، جملة في محل الرفع على أنها خبر مبتدأ
محذوف، والتقدير: ترجمته يقوم المأموم ... إلى آخره، كما ذكرنا.
٨٧/ ٦٩٧ - حدّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قال حدّثنا شُعْبَةُ عنِ الحَكَمِ قالِ سَمِعْتُ سَعِيدَ بنَ
جُبَيْرٍ عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا قال بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةً فَصَلَّى رسولُ الله عَلَّعِ
العِشَاءَ ثُم جَاءَ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ نَامَ ثُمَّ قَامَ فَجِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ
فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُم نامَ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ أَوْ قال خَطِيطَهُ ثُمَّ خرَّجَ
إلَى الصَّلاَةِ. [أنظر الحديث ١١٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فجعلني عن يمينه))، وهذا الحديث قد ذكره في: باب
السمر بالعلم، بأطول منه عن آدم عن شعبة عن الحكم بن عتيبة عن سعيد بن جبير عن ابن
عباس، رضي الله تعالى عنه، وقد تكلمنا هناك ما يتعلق به من الأمور مستوفىّ. قوله: ((جاء))
أي: من المسجد إلى منزله. قوله: ((فجئت)) الفاء،، فيه فصيحة أي: قام من النوم فتوضأ
فأحرم بالصلاة فجئت، ويحتمل أن لا تكون فصيحة بأن يكون المراد: ثم قام إلى الصلاة،
والقيام على الوجه الأول، بمعنى النهوض. وعلى الثاني بمعنى المنهوض والمراد من الصلاة:
صلاة الصبح.
٥٨ - بابٌ إِذَا قامَ الرَّجُلُ عنْ يَسارِ الإِمَامِ فَحَوَّلَهُ الإِمَامُ إِلَى ◌ِهِ لَمْ تَفْسُدْ صَلاَتُهُمَا
أي: هذا باب ترجمته: إذا قام ... إلى آخره. قوله: ((الرجل))، وفي بعض النسخ: ((إذا
قام رجل)) قوله: ((لم تفسد صلاتهما))، جواب: إذا، أي: صلاة الرجل والإمام، وفي بعض
النسخ: لم تفسد صلاته، أي: صلاة الرجل.
٦٩٨/٨٨ - حدّثنا أحْمَدُ قال حدّثنا ابنُ وَهَبٍ قال حدّثنا عَمْرٌو عنْ عَبْدِ رَبّهِ بنِ سَعِيدٍ
عنْ مَخْرَمَةَ بنَ سُلَيْمَانَ عنْ كُرَيْبٍ مَوْلى ابنِ عَبَّاسٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضيَ الله عنهما قال ◌ِمْتُ
عِنْدَ مَيْمُونَةَ والنبيُّ عَّلِ عِنْدَها تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَتَوَضَّأْ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي فَقُمْتُ عَلَى يَسَارِهِ فَأَخَذَنِي
فَجَعَلَنِي عن يَمِينِهِ فَصَلَّى ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ نامَ حَتَّى نَفَخَ وكَانَ إذَا نَامَ نَفَخَ ثُمَّ أَتَاهُ
المُؤَذِّنُ فَخَرَجَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأ. قال عَمْرُو فَحَدَّثْتُ بِهِ بُكَيْراً فقال حدَّثني كُرَيْبٌ بِذَلِكَ
[أنظر الحديث ١١٧ وأطرافه].
أ

٣٤٢
١٠ - كِتَابُ الأذانِ / باب (٥٩)
مطابقته للترجمة في قوله: ((فأخذني فجعلني عن يمينه)).
ذكر رجاله: وهم سبعة: الأول: أحمد، ذكر كذا غير منسوب في النسخ المتداولة،
وقال ابن السكن في نسخته، وابن منده وأبو نعيم في (المستخرج): هو أحمد بن صالح.
وقال بعضهم: هو أحمد بن عيسى، وقيل: ابن أخي ابن وهب، وقال ابن مندة: لم يخرج
البخاري عن أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي ابن وهب في (الصحيح) شيئاً، وإذا حدث عن
أحمد بن عيسى نسبه. الثاني: عبد الله بن وهب. الثالث: عمرو بن الحارث المصري.
الرابع: عبد ربه، بفتح الراء وتشديد الباء الموحدة، وهو أخو يحيى بن سعيد الأنصاري.
الخامس: مخرمة، بفتح الميمين وسكون الخاء المعجمة ابن سليمان قد مر في: باب قراءة
القرآن بعد الحدث. السادس: کریب، بضم الكاف: مولى ابن عباس، السابع: عبد الله بن
عباس.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في
أربعة مواضع. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: أن رواته ما بين بصريين وثلاثة مدنيين.
وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن التابعي عن الصحابي.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: قد ذكرنا في كتاب الطهارة في: بعد الحدث،
أن البخاري أخرج هذا الحديث عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك عن مخرمة في ستة
مواضع، وههنا عن عبد ربه عن مخرمة، وذكرنا هناك أيضاً من أخرجه غيره وما يتعلق به من
الأشياء مستوفیّ.
قوله: ((ت))، وفي رواية الكشميهني: ((بت))، من البيتوتة. قوله: ((قال عمرو)) أي: ابن
الحارث المذكور. وقال الكرماني: قوله: ((قال عمرو))، والظاهر أنه مقول ابن وهب، ويحتمل
التعليق. وقال بعضهم: ووهم من زعم أنه من تعليق البخاري، فقد ساقه أبو نعيم مثل
سياقه قلت: أراد بقوله: وهم من زعم أنه تعليق، الكرماني، والكرماني لم يهم في ذلك،
وإنما قال: يحتمل التعليق، وبين الوهم والاحتمال فرق كبير، لأن الوهم غلط، ومدعي
الاحتمال ليس بغالط، وكون سياق أبي نعيم نحو سياق عمرو لا يستلزم نفي احتمال
التعليق في سياق البخاري، رضي الله تعالى عنه، مع أن الكرماني قال أولاً: الظاهر أنه
مقول ابن وهب أي: عبد الله بن وهب المذكور في إسناد الحديث. قوله: ((فحدثت به
بكيراً)، هو بكير بن عبد الله بن الأشج، ونبه عمرو بذلك على أن سند روايته عن بكير أعلى
من روايته المذكورة أولاً.
٥٩ - بابٌ إِذَا لَمْ يَتْوِ الإِمَامُ أَن يَؤُمَّ ثُمَّ جَاءَ قَوْمٌ فَأَمَّهُمْ
أي: هذا باب ترجمته: إذا لم ينو الإمام أن يؤم، فأن: مصدرية: أي: الإمامة، ولم
يذكر جواب: إذا، لأن في هذه المسألة اختلافاً في أنه: هل يشترط للإمام أن ينوي الإمامة أم
لا؟ وحديث الباب لا يدل على النفي، ولا على الإثبات، ولا على أنه نوى في ابتداء صلاته،

٣٤٣
١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٥٩)
ولا بعد أن أقام ابن عباس فصلى معه؟ ولكن في إيقاف النبي عَّ ◌ُلِّ ابن عباس منه موقف
المأموم ما يشعر بالثاني، والمذهب عندنا في هذه المسألة نية الإمام الإمامة في حق الرجال
ليست بشرط، لأنه لا يلزمه باقتداء المأموم حكم، وفي حق النساء شرط عندنا لاحتمال فساد
صلاته بمحاذاتها إياه، وقال زفر والشافعي ومالك: ليست بشرط، كما في الرجال. وقال
السفاقسي وقال الثوري، ورواية عن أحمد وإسحاق: على المأموم الإعادة إذا لم ينو الإمام
الإمامة، وعن ابن القاسم مثل مذهب أبي حنيفة، وعن أحمد: أنه شرط أن ينوي في الفريضة
دون النافلة.
٦٩٩/٨٩ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ إبرَاهِيمَ عنْ أَيُّوبَ عنْ عَبْدِ الله بنِ سَعِيدٍ
ابنِ مُبَيْرٍ عِنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قال بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ فقَامَ النبيُّ عَلَّهِ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ
فَقُمَتُ أُصَلِّي مَعَهُ عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَ بِرَأْسِي فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ. [أنظر الحديث ١٧ ١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إن الحديث يتضمن أن ابن عباس اقتدى بالنبي عَّهِ صلى
معه وأقره على ذلك كما في حديث أخرجه مسلم عن أنس |(أن النبي عَ ل صلى في رمضان،
قال: فجئت فقمت إلى جنبه وجاء آخر فقام إلى جنبي حتى كنا رهطاً، فلما أحس بنا النبي
عَّلم تجوز في صلاته)). وهذا ظاهر في أنه لم ينو الإمامة ابتداء، وهم ائتموا به وأقرهم عليه.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: مسدد بن مسرهد. الثاني: إسماعيل بن إبراهيم بن
مقسم الأسدي البصري، وأمه علية مولاة لبني أسد. الثالث: أيوب السختياني. الرابع: عبد
الله بن سعيد بن جبير. الخامس: أبوه سعيد بن جبير. السادس: عبد الله بن عباس.
ذكر لطائف أسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في
أربعة مواضع. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: أن عبد الله بن سعيد من أقران أيوب
الراوي عنه. وفيه: أن رواته كلهم بصريون.
وأخرجه النسائي أيضاً في الصلاة عن يعقوب بن إبراهيم عن إسماعيل بن علية به.
قوله: ((بت)) من البيوتة. قوله: ((فقمت عن يساره)) وهو عطف على: قمت، الأول
وليس بعطف الشيء على نفسه، لأن القيام الأول بمعنى النهوض، والثاني بمعنى الوقوف، أو
أن: قمت، الأول بمعنى أردت. قوله: ((أصلي)) جملة وقعت حالاً.
ومما يستفاد منه: أن موقف المأموم إذا كان بحذاء الإمام على يمينه مساوياً له، وهو
قول عمر وابنه وأنس وابن عباس والثوري وإبراهيم ومكحول والشعبي وعروة وأبي حنيفة
ومالك والأوزاعي وإسحاق، وعن محمد بن الحسن: يضع أصابع رجليه عند عقب الإمام،
وقال الشافعي: يستحب أن يتأخر عن مساواة الإمام قليلاً. وعن النخعي: يقف خلفه إلى أن
يركع فإذا جاء أحد وإلاَّ قام عن يمينه. وقال أحمد: إن وقف عن يساره تبطل صلاته. وفيه: أن
العمل القليل، وهي إدارته إلى يمينه من شماله، لا يبطل الصلاة.

--
٣٤٤
١٠ - كِتَابُ الأذان / باب (٦٠)
٦٠ - بابٌ إِذَا طَوَّلَ الإِمامُ وكَانَ لِلرَّجُلِ حَاجَةٌ فَخَرَجَ فَصَلَّى
أي: هذا باب ترجمته: إذا طول الإمام ... إلى آخره. قوله: ((طول الإمام))، يعني:
صلاته. قوله: ((وكان الرجل)) أراد به المأموم. قوله: ((فخرج)) يحتمل الخروج من اقتدائه أو
من صلاته بالكلية أو الخروج من المسجد، لكن في رواية النسائي ما ينفي خروجه من
المسجد، وذلك حيث قال: ((فانصرف الرجل فصلى في ناحية المسجد)). وفي رواية مسلم
ما يدل على أنه خرج من الاقتداء، أو من الصلاة أيضاً بالكلية حيث قال: ((فانحرف رجل
فسلم ثم صلى وحده))، وبهذا يرد على ابن رشيد قوله: الظاهر أنه خرج إلى منزله فصلى فيه،
وهو ظاهر قوله في الحديث: ((فانصرف الرجل وصلى))، وفي رواية الكشميهني ((فصلى))،
بالفاء، وجواب، إذا محذوف تقديره: وصلى صحت صلاته، والحاصل أن للمأموم أن يقطع
الاقتداء ويتم صلاته منفرداً، وهذا مذهب الشافعى، ومال إليه البخاري، ونذكره عن قريب
مفصلاً.
٧٠٠/٩٠ - حدّثنا مُسْلِمٌ قال حدّثنا شُعْبَةُ عنْ عَمْرٍو عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله أنَّ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ
كانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ عَ لَّهِ ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ. [الحديث ٧٠٠ - أطرافه في: ٧٠١، ٧٠٥،
٧١١، ٦١٠٦].
مطابقته للترجمة من حيث إن هذا بعض الحديث الذي يأتي عقيبه، والكل حديث
واحد. وفيه: ((فانصرف الرجل))، على ما يأتي. وفيه المطابقة. فإن قلت: فإذا كان كذلك،
فِلِمَ قطعه؟ قلت: للتنبيه على فائدتين: الأولى: أنه أشار بالطريق الأولى إلى علو الإسناد.
الثانية: أنه أشار بالثانية إلى التصريح بسماع عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله.
ذكر رجاله: وهم أربعة: مسلم بن إبراهيم، وشعبة بن الحجاج، وعمرو بن دينار،
وجابر بن عبد الله الأنصاري. والحديث أخرجه البخاري أيضاً عن بندار عن غندر على ما
يأتي الآن، ونذكر عن قريب متعلقات الحديث، إن شاء الله تعالى.
٠٠٠ /٧٠١ - قال وحدَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قال حدّثنا غُنْدَرٌ قال حدّثنا شُعْبَةُ عنْ عَمْرٍو قال
سَمِعْتُ جابِرَ بنَ عَبْدِ اللهِ قال كانَ مُعَاذُ بِنُ جَبَلٍ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ عَ لَّهِ ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ
فَصَلَّى العِشَاءَ فقَرَأَ بِالبَقَرَةِ فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ فَكَأنَّ مُعَاذَاً تَنَاوَلَ مِنْهُ فَبَلَغَ النبيَّ عَُّلَّهِ فَقال فَتَّانٌ
فَتَّانٌ فَتَّنٌ ثَلاثَ مِرَارٍ أَوْ قالَ فاتِناً فاتِناً فاتِناً وأمَرَهُ بِسُورَتَيْنِ مِنْ أَوْسَطِ المُفَصَّلِ قال عَمْرٌّو لاً
أَحْفَظُهُمَا. [أنظر الحديث ٧٠٠ وأطرافه].
هذه الطريقة التي رواها عن بندار عن غندر وهو محمد بن جعفر عن شعبة ... إلى
آخره، تتمة الحديث الذي أخرجه قبله عن مسلم بن إبراهيم عن شعبة، وقد ذكرنا وجه
تقطيعه إياه ووجه مطابقته للترجمة.
ذكر الطرق المختلفة في هذا الحديث إلى جابر بن عبد الله وغيره: وروى

٣٤٥
١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٦٠)
البخاري أيضاً لحديث جابر هذا في: باب، من شكا إمامه إذا طول، من حديث محارب ابن
دثار عن جابر: ((أقبل رجلين بناضحين وقد جنح الليل فوافق معاذاً يصلي ... )) الحديث،
وسيأتي، إن شاء الله تعالى، في بابه. وأخرجه مسلم من حديث أبي الزبير: عن جابر عن
قتيبة عن الليث عن أبي الزبير عنه، وعن محمد بن رمح عن الليث بلفظ: ((قرأ معاذ في
العشاء بالبقرة)). وأخرجه مسلم ولفظه: ((فافتتح سورة البقرة)). وفي رواية: ((بسورة البقرة أو
النساء)) على الشك، وأخرجه النسائي في الصلاة وفي التفسير عن قتيبة به. وأخرجه ابن ماجه
فيه عن محمد بن رمح. وأخرجه السراج عن محارب بلفظ: ((فقرأ بالبقرة والنساء)). بالواو،
بلا شك. ((فقال عَّ له: أما يكفيك أن تقرأ: والسماء والطارق، والشمس وضحاها، ونحو
هذا؟)) وأخرجه عبد الله بن وهب في مسنده: أخبرنا ابن لهيعة والليث عن أبي الزبير، فذكره
وفيه: ((طوَّل على أصحابه فأخبر النبي عَّ له فقال: أفتَّان أنت؟ خفف على الناس واقراً: سبح
اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، ونحو ذلك ولا تشق على الناس)). وعند أحمد في
(مسنده) من حديث بريدة بإسناد قوي: ((فقرأ: اقتربت الساعة))، وفي (صحيح ابن حبان) من
حديث سفيان: عن عمرو عن جابر: ((أخر النبي عَّ لِ العشاء ذات ليلة فصلى معه معاذ ثم
رجع إلينا فتقدم ليؤمنا فافتتح بسورة البقرة، فلما رأى ذلك رجل من القوم تنحى فصلى
وحده))، وفيه: ((فأمر بسور قصار لا أحفظها، فقلنا لعمرو: إن أبا الزبير قال لهم: إن النبي عَ ◌ّ.
قال له: إقرأ بالسماء والطارق، والسماء ذات البروج، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى)).
قال عمرو بنحو هذا.
وفي (صحيح ابن خزيمة): عن بندار عن يحيى بن سعيد عن محمد بن عجلان عن
أبي الزبير عن جابر بلفظ: ((فقال معاذ: إن هذا - يعني: الفتى - يتناولني ولأخبرن النبي صَّةِ،
فلما أخبره قال الفتى: يا رسول الله نطيل المكث عندك ثم نرجع فيطول علينا. فقال أفتان
أنت يا معاذ؟ كيف تصنع يابن أخي إذا صليت؟ قال: أقرأ الفاتحة وأسأل الله الجنة وأعوذ به
من النار، أي: لا أدري ما دندنتك ودندنة معاذ. فقال النبي عَّ: أنا ومعاذ حولها ندندن ... ))
الحديث. وفي (مسند أحمد) من حديث معاذ بن رفاعة: ((عن رجل من بني سلمة يقال له
سليم أنه أتى النبي عَّهِ فقال له: يا نبي الله إنا نظل في أعمالنا فنأتي حين نمسي فتصلي،
فيأتي معاذ بن جبل فينادي بالصلاة فنأتيه فيطول علينا، فقال النبي عَ له: يا معاذ لا تكن
فاتناً)) ورواه الطحاوي والطبراني من هذا الوجه: عن معاذ بن رفاعة ((أن رجلاً من بني
سلمة ... ))، فذكره مرسلاً. ورواه البزار من وجه آخر: عن جابر وسماه سليماً أيضاً، ووقع عند
ابن حزم من هذا الوجه: أن اسمه: سلم، بفتح أوله وسكون اللام، فكأنه تصحيف. والله
أعلم.
ذكر معناه: قوله: ((يصلي مع النبي، عَُّ)) وفي رواية مسلم من رواية منصور عن
عمرو: ((عشاء الآخرة))، فكأن معاذاً كان يواظب فيها على الصلاة مرتين. قوله: ((ثم يرجع
فيؤم قومه)) وفي رواية منصور: ((فيصلي بهم تلك الصلاة)). قال بعضهم: وفي هذا رد على

٣٤٦
١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٦٠)
من زعم أن المراد: إن الصلاة التي كان يصليها مع النبي، عَّه، غير الصلاة التي كان
يصليها بقومه، قلت: الجواب عنه من وجوه: الأول: أن الاحتجاج به من باب ترك الإنكار
من النبي عَّه، وشرط ذلك علمه بالواقعة، وجاز أن لا يكون علم بها. الثاني: أن النية أمر
مبطن لا يطلع عليه إلاَّ بإخبار الناوي، ومن الجائز أن يكون معاذ كان يجعل صلاته معه،
عَّ ◌ُله، بنية النفل ليتعلم سنة القراءة منه، وأفعال الصلاة، ثم يأتي قومه فيصلي بهم صلاة
الفرض. فإن قلت: يستبعد من معاذ أن يترك فضيلة الفرض خلف النبي، عَ لّه، ويأتي به معٍ
قومه، وكيف يظن بمعاذ بعد سماعه قول النبي، عَّ: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلاّ
المكتوبة)). ولعل صلاة واحدة مع النبي، عَّه، خير له من كل صلاة صلاها في عمره، ولا
سيما في مسجده التي هي خير من ألف صلاة فيما سواه، قلت: أليس تفوت الفضيلة معه،
عَّ له، في سائر أئمة مساجد المدينة، وفضيلة النافلة خلفه من أداء الفرض مع قومه يقوم مقام
أداء الفريضة خلفه، وامتثال أمر النبي، عَّ له، في إمامة قومه زيادة طاعة. الثالث: قال المهلب:
يحتمل أن يكون حديث معاذ كان أول الإسلام وقت عدم القراء، أو وقت لا عوض للقوم من
معاذ، فكانت حالة ضرورة فلا تجعل أصلاً يقاس عليه. قلت: هذا كان قبل أحد، فلا حاجة
إلى ذكر الاحتمال. الرابع: أنه يحتمل أن يكون كان معاذ يصلي مع النبي، عَ لَّهِ، صلاة
النهار، ومع قومه صلاة الليل، لأنهم كانوا أهل خدمة لا يحضرون صلاة النهار في منازلهم،
فأخبر الراوي عن حال معاذ في وقتين لا في وقت واحد. الخامس: أنه حديث منسوخ على
ما نذكره، إن شاء الله تعالى.
قوله: ((فصلى العشاء))، كذا في معظم الروايات، ووقع في رواية لأبي عوانة والطحاوي من
طريق محارب: ((صلى بأصحابه المغرب)) وكذا في رواية عبد الرزاق من رواية أبي الزبير.
وقال بعضهم: فإن حمل على تعدد القضية أو على أن المغرب أريد به العشاء مجازاً وإلاّ فما
في الصحيح أصح؟ قلت: رجال الطحاوي في روايته رجال الصحيح، فمن أين يأتي الأصحية
في رواية العشاء؟ قوله: ((فقرأ بالبقرة))، وفي رواية مسلم عن ابن عيينة: ((فقرأ بسورة البقرة)).
وكذا في رواية الإسماعيلي، وقال بعضهم: فالظاهر أن ذلك من تصرف الرواة. قلت: ليس
ذلك من تصرف الرواة، بل من تعدد القضية.
قوله: ((فانصرف الرجل))، إما أن يراد به الجنس، والمعرف تعريف الجنس كالنكرة في مؤداه،
فكأنه قال: رجل أو يراد المعهود من رجل معين، ووقع في رواية الإسماعيلي: ((فقام رجل
وانصرف))، وفي رواية سليم بن حبان: ((فتحول رجل فصلى صلاة خفيفة))، وفي رواية مسلم
عن ابن عيينة: ((فانحرف رجل فسلم ثم صلى وحده))، قال بعضهم: هو ظاهر في أنه قطع
الصلاة. ونقل عن النووي أنه قال: قوله: ((فسلم))، دليل على أنه قطع الصلاة من أصلها ثم
استأنفها، فيدل على جواز قطع الصلاة وإبطالها لعذر، قلت: ذكر البيهقي أن محمد بن عباد
شيخ مسلم تفرد به بقوله: ((ثم سلم)) وأن الحفاظ من أصحاب ابن عيينة ومن أصحاب شيخه
عمرو بن دينار وأصحاب جابر لم يذكروا السلام، وكأنه فهم أن هذه اللفظة تدل على أن

٣٤٧
١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٦٠)
الرجل قطع الصلاة لأن السلام يتحلل به من الصلاة، وسائر الروايات تدل على أنه قطع
الصلاة فقط ولم يخرج من الصلاة، بل استمر فيها منفرداً. وقال بعضهم: واستدل بهذا
الحديث على صحة اقتداء المفترض بالمتنفل، وذلك لأن ابن جريج روی عن عمرو بن دينار
عن جابر في حديث الباب: ((هي له تطوع ولهم فريضة)). قلت: هذه زيادة، وقد تكلموا فيها،
فزعم أبو البركات ابن تيمية: أن الإمام أحمد ضعف هذه الزيادة، وقال: أخشى أن لا تكون
محفوظة، لأن ابن عيينة يزيد فيها كلاماً لا يقوله أحد، وقال ابن قدامة في (المغني): وروى
الحديث منصور بن زاذان وشعبة فلم يقولا ما قال سفيان بن عيينة، وقال ابن الجوزي: هذه
الزيادة لا تصح، ولو صحت لكانت ظناً من جابر، وبنحوه ذكره ابن العربي في (العارضة).
وقال الطحاوي: أخبرنا ابن عيينة روى عن عمرو حديث جابر أتم من سياق ابن جريج، ولم
يذكر هذه الزيادة. وقال بعضهم: وتعليل الطحاوي بهذا ليس بقادح في صحته، لأن ابن
جريج أسن وأجل من ابن عيينة وأقدم أخذاً عن عمرو بن دينار منه، ولو لم يكن كذلك فهي
زيادة ثقة حافظ ليست منافية لرواية من هو أحفظ منه، قلت: هذه مكابرة لتمشية كلامه في
حق الطحاوي، فهل ذكر هذا عند قول أحمد، وهو أجل من ابن جريج وابن عيينة: هذه الزياة
ضعيفة، أو عند كلام ابن الجوزي: إن هذه الزيادة لا تصح، أو عند كلام ابن العربي على ما
ذكرنا؟ وهذا الرافعي الذي هو من أكابر أئمتهم، وممن يعتمد عليهم ويؤخذ عليهم، قال في
شرح هذا الحديث: هذا غير، محمول على ما قالوا، لأن الفرض لا يقطع بعد الشروع فيه،
وكون ابن جريج أسن من ابن عيينة وأقدم أخذاً عن عمرو بن دينار منه بعد التسليم لا يستلزم
نفي ما قاله الطحاوي، وقد قال الطحاوي: يحتمل أن تكون هذه الزيادة مدرجة، ورده بعضهم
بأن الأصل عدم الإدراج حتى يثبت التفصيل، فمهما كان مضموماً إلى الحديث فهو منه
قلت: لا دليل على كونها مدرجة لجواز أن تكون من ابن جريج، وجواز أن تكون من عمرو
ابن دينار، ويجوز أن تكون من قول جابر، فمن أين هؤلاء الثلاثة كان هذا القول؟ فليس فيه
دليل على حقيقة ما كان يفعل معاذ، ولو ثبت أنه عن معاذ لم يكن فيه دليل أنه كان بأمر
رسول الله علَيهِ.
وقوله: فمهما كان مضموماً إلى الحديث فهو منه، غير صحيح، لأنه يلزم منه أن لا
يوجد مدرج أصلاً، وسنذكر مزيد الكلام فيه في ذكر ما يستفاد منه، إن شاء الله تعالى فإن
قلت: هل علم اسم هذا الرجل؟ قلت: هنا لم يسم، ولكن روى أبو داود الطيالسي في
(مسنده) والبراء من طريقه: عن طالب بن حبيب عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه قال: ((مر
حزم بن أبي كعب بمعاذ بن جبل وهو يصلي بقومه صلاة العتمة، فافتتح بسورة طويلة ومع
حزم ناضح له ... )) الحديث. قال البزار: لا نعلم أحداً سماه عن جابر إلّ ابن جابر. قال
الذهبي في (تجريد الصحابة): حزم ابن أبي كعب، قيل: هو الذي طول عليه معاذ في العشاء
ففارقه منها، وروى أبو داود في (سننه): حدّثنا موسى بن إسماعيل حدّثنا طالب بن حبيب،
قال: سمعت عبد الرحمن بن جابر يحدث عن حزم بن أبي كعب أنه أتى معاذاً وهو يصلي

٣٤٨
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٦٠)
بقوم صلاة المغرب، في هذا الخبر قال: فقال رسول الله عَّله: ((يا معاذ لا تكن فتاناً، فإنه
يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة والمسافر)).
قوله: في هذا الخبر، أشار به إلى ما رواه عمرو عن جابر: ((كان معاذ يصلي مع النبي،
عَ له، ثم يرجع فيؤمنا ... )) الحديث. وقيل: اسم الرجل حرام، روى أحمد في (مسنده) بإسناد
صحيح: عن أنس قال: ((كان معاذ يؤم قومه فدخل حرام وهو يريد أن يسقي نخله ... ))
الحديث، وقال ابن الأثير: حرام ضد الحلال بن ملحان، بكسر الميم: خال أنس بن مالك.
وقال بعضهم: وظن بعضهم أنه حرام بن ملحان، خال أنس بن مالك، لكن لم أره منسوباً في
الرواية، ويحتمل أن يكون مصحفاً من حزم. قلت: عدم رؤيته منسوباً في الرواية لا يدل على
أنه مصحف من حزم. وقال في (التلويح): وهو في (مسند أحمد): بسند صحيح: عن أنس
((كان معاذ يؤم قومه، فدخل حرام - يعني: ابن ملحان - وهو يريد أن يسقي نخله، فلما رأى
معاذاً طول، تحول ولحق بنخله يسقيه)). وقيل: اسمه سليم، رجل من بني سلمة، وروى
أحمد أيضاً في (مسنده) من حديث معاذ بن رفاعة: ((عن سليم رجل من بني سلمة أنه أتى
النبي عَ ◌ِّ فقال: يا رسول الله إن معاذاً ... )) الحديث، وقد ذكرناه مستوفىّ عن قريب.
قوله: ((فكان معاذ ينال منه)) أي: من الرجل المذكور، ومعنى: ينال منه أي: يصيب
منه، أي: يعيبه ويتعرض به بالإيذاء. وقوله: ((كان))، فعل ماض، ومعاذ بالرفع اسمه. وقوله:
((ينال منه)) جملة في محل النصب على أنه خبر: لكان، وفي رواية المستملي: ((يتناول منه))
من باب التفاعل، وفي رواية الكشميهني: ((فكأن معاذاً) بالهمزة والنون المشددة. وقوله:
((معاذاً) بالنصب اسم: كأن، وقد فسر ذلك في رواية سليم بن حبان. ولفظه: ((فبلغ ذلك
معاذاً فقال: إنه منافق))، وكذا في رواية أبي الزبير وابن عيينة: ((فقالوا له: أنافقت يا فلان؟
قال: لا والله، لآتين رسول الله عَ ل فلأخبرنه)). فكأن معاذاً قال ذلك في غيبة الرجل، وبلّغه
إلى الرجل أصحابه. قوله: ((فبلغ النبي عَّ)) أي: فبلغ ذلك الأمر إلى النبي عَّه، وقد بين
ابن عيينة ومحارب بن دثار في روايتهما أنه الذي جاء فاشتكى من معاذ، وفي رواية للنسائي:
((فقال معاذ: لئن أصبحت لأذكرنّ ذلك للنبي، عٍَّ، فذكر ذلك له، فأرسل إليه فقال: ما
حملك على الذي صنعت؟ فقال: يا رسول الله، عملت على ناضح لي بالنهار، فجئت وقد
أقيمت الصلاة فدخلت المسجد، فدخلت معه في الصلاة فقرأ بسورة كذا وكذا، فانصرفت
فصليت في ناحية المسجد. فقال رسول الله عَّ الله: أفتاناً يا معاذ؟ أفتاناً يا معاذ؟ قوله: ((فتان
فتان فتان ثلاث مرار))، ويروى: ((ثلاث مرات)) و: فتان، مرفوع على أنه مبتدأ محذوف، أي:
أنت فتان، والتكرار للتأكيد، وفي رواية ابن عيينة: ((أفتان أنت))؟ بهمزة الاستفهام على سبيل
الإنكار، ومعناه: أنت منفر، لأن التطويل سبب لخروجهم من الصلاة، وللتكره للصلاة في
الجماعة، وقال الداودي: يحتمل أن يريد بقوله: ((فتان)) أي: معذب، لأنه عذبهم بالتطويل
كما في قوله تعالى: ﴿إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات﴾ [البروج: ١٠]. عذبوهم. قوله:
(أو قال: فاتناً فاتناً فاتناً؟» هذا شك من الراوي، ونصبه على أنه خبر: يكون، مقدراً أي:

٣٤٩
١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٦٠)
يكون فاتناً. وفي رواية أبي الزبير: أتريد أن تكون فاتناً؟ وفي رواية أحمد في حديث معاذ بن
رفاعة المتقدم ذكره: ((يا معاذ لا تكن فاتناً)). وزاد في حديث أنس: ((لا تطول بهم)). قوله:
((من أوسط المفصل)) أوسط المفصل من: كورت إلى الضحى، وطوال المفصل من سورة:
الحجرات إلى: والسماء ذات البروج، وقصار المفصل من: الضحى إلى آخر القرآن. وقيل:
أول الطوال من: قاف، وقال الخطابي: روي هذا في حديث مرفوع، وحكى القاضي عياض
أنه من: الجاثية، وسمي المفصل لكثرة الفصول فيه. وقيل: لقلة المنسوخ فيه. قوله: ((قال
عمرو: لا أحفظهما)) أي: قال عمرو بن دينار: لا أحفظ الصورتين المأمور بهما، وكان عمراً
قال ذلك في حال تحديثه لشعبة، وإلاّ ففي رواية سليم بن حبان عن عمرو: إقرأ: والشمس
وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى ونحوها. وذكرنا شيئاً من هذا فيما رواه عبد الله بن وهب
في (مسنده) وابن حبان في (صحيحه).
ذكر ما يستفاد منه: استدل الشافعي بهذا الحديث على صحة اقتداء المفترض
بالمتنفل على أن معاذاً كان ينوي بالأولى الفرض، وبالثانية النفل. وبه قال أحمد في رواية،
واختاره ابن المنذر، وهو قول عطاء وطاوس وسليمان بن حرب وداود، وقال أصحابنا: لا
يصلي المفترض خلف المتنفل، وبه قال مالك في رواية، وأحمد في رواية أبي الحارث عنه،
وقال ابن قدامة: اختار هذه الرواية أكثر أصحابنا، وهو قول الزهري والحسن البصري وسعيد
ابن المسيب والنخعي وأبي قلابة ويحيى بن سعيد الأنصاري، وقال الطحاوي: وبه قال
مجاهد وطاوس، وقال بعضهم: ويدل عليه - أي: على صحة اقتداء المفترض بالمتنفل، - ما
رواه عبد الرزاق والشافعي والطحاوي والدارقطني وغيرهم من طريق ابن جريج: عن عمرو بن
دينار عن جابر في حديث الباب زاد: ((هي له تطوع ولهم فريضة))، وهو حديث صحيح،
ورجاله رجال الصحيح، والجواب عن هذا: أن هذه زيادة قد ذكرنا ما قالوا فيها، ونقول
أيضاً: إن معاذاً كان يصلي مع النبي عَّه صلاة النهار ومع قومه صلاة الليل، فأخبر الراوي
في قوله: ((فهي لهم فريضة وله نافلة)) بحال معاذ في وقتين لا في وقت واحد، أو نقول: هي
حكاية حال لم نعلم كيفيتها فلا نعمل بها، ونستدل بما في (صحيح ابن حبان): ((الإمام
ضامن))، بمعنى: يضمنها صحة وفساداً، والفرض ليس مضموناً في النفل. وقال ابن بطال: ولا
اختلاف أعظم من اختلاف النيات، ولأنه لو جاز بناء المفترض على صلاة المتنفل لما
شرعت صلاة الخوف مع كل طائفة، بعضها، وارتكاب الأعمال التي لا تصح الصلاة معها
في غير الخوف، لأنه كان يمكنه عَّهِ أن يصلي مع كل طائفة جميع صلاته وتكون الثانية له
نافلة والطائفة الثانية فريضة. وقال الطحاوي: لا حجة فيها لأنها لم تكن بأمر النبي عَّه ولا
تقريره، ورده بعضهم بقوله: فجوابه أنهم لا يختلفون في أن رأي الصحابي إذا لم يخالفه غيره
حجة، والواقع هناك كذلك، فإن الذين كان يصلي بهم معاذ كلهم صحابة، وفيهم ثلاثون
عقيباً، وأربعون بدرياً، قاله ابن حزم. قال: ولا يحفظ عن غيرهم من الصحابة امتناع ذلك، بل
قال بعضهم بالجواز عمر وابنه وأبو الدرداء وأنس وغيرهم.

٣٥٠
١٠ - كِتَابُ الأَذَّانِ / باب (٦٠)
قلت: يحتمل أن يكون عدم مخالفة غيره له بناء على ظنهم أن فعله كان بأمر النبي،
عَ لّهِ، ويكون من هذا الوجه أيضاً عدم امتناع غيره من ذلك. وقال الطحاوي أيضاً: لو سلمنا
جميع ذلك لم يكن فيه حجة لاحتمال أن ذلك كان في الوقت الذي كانت الفريضة تصلى
فيه مرتين، فيكون منسوخاً. قال بعضهم: فقد تعقبه ابن دقيق العيد بأنه يتضمن إثبات النسخ
بالاحتمال، وهو لا يسوغ. قلت: يستدل على ذلك بوجه حسن، وذلك إن إسلام معاذ متقدم،
وقد صلى النبي، عَّ له، بعد سنين من الهجرة صلاة الخوف غير مرة من وجه وقع فيه مخالفة
ظاهرة بالأفعال المناقضة للصلاة، فيقال: لو جازت صلاة المفترض خلف المتنفل لأمكن
إيقاع الصلاة مرتين على وجه لا تقع فيها المنافاة، والمفسدات في غير هذه الحالة، وحيث
صليت على هذا الوجه مع إمكان دفع المفسدات على تقدير جواز اقتداء المفترض بالمتنفل
دل على أنه لا يجوز ذلك. وقال ابن دقيق العيد: يلزم الطحاوي إقامة الدليل على ما ادعاه
من إعادة الفريضة. قلت: كأنه لم يقف على كتابه، فإنه قد ساق فيه دليل ذلك، وهو حديث
ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، رفعه: ((لا تصلوا الصلاة في اليوم مرتين)). ومن وجه آخر
مرسل: إن أهل العالية كانوا يصلون في بيوتهم ثم يصلون مع النبي، عَّ، فبلغه ذلك
فنهاهم. وقال بعضهم: وفي الاستدلال بذلك على تقدير صحته نظر، لاحتمال أن يكون
النهي عن أن يصلوها مرتين على أنها فريضة، وبذلك جزم البيهقي جمعاً بين الحديثين.
قلت: إن كان الرد بالاحتمال، ونحن أيضاً نقول: يحتمل أن يكون النهي في ذلك
لأجل أن أحداً يقتدي به في واحدة من الصلاتين اللتين صلاهما على أنهما فرض، وفي نفس
الأمر فرضه إحداهما من غير تعيين، فيكون الاقتداء به في صلاة مجهولة، فلا يصح. وقال
بعضهم: وأما استدلال الطحاوي على أنه عَ لِّ نهى معاذاً عن ذلك بقوله في حديث سليم بن
الحارث: إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف عن قومك. ودعواه أن معناه: إما أن تصلي معي
ولا تصلي بقومك، وإما أن تخفف عن قومك ولا تصلي معي، فيه نظر، لأن للمخالف أن
يقول: بل التقدير إما أن تصلي معي فقط، إذا لم تخفف، وإما أن تخفف بقومك فتصلي
معي، وهو أولى من تقديره لما فيه من مقابلة التخفيف بترك التخفيف، لأنه هو المسؤول
عنه المتنازع فيه. قلت: الذي قدره المخالف باطل، لأن لفظ الحديث: لا تكن فتاناً، إما أن
تصلي معي وإما أن تخفف عن قومك، فهذا يدل على أنه يفعل أحد الأمرين: إما الصلاة معه
أو بقومه ولا يجمعهما، فدل على أن المراد عدم الجمع والمنع، وكل أمرين بينهما منع
الجمع كان بين نقضيهما منع الخلو، كما قد بين هكذا في موضعه.
ومما يستفاد منه: استحباب تخفيف الصلاة مراعاة لحال المأمومين لما روى
البخاري ومسلم من حديث الأعرج: عن أبي هريرة أن النبي عَّ قال: ((إذا صلى أحدكم
للناس فليخفف، فإنما فيهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلى لنفسه فيطول ما شاء)).
فهذا يدل على أن الإمام ينبغي له أن يراعي حال قومه، وهذا لا خلاف فيه لأحد، ومن
ذلك: أن الحاجة من أمور الدنيا عذر في تخفيف الصلاة، وقال بعضهم: وفيه: جواز إعادة

٣٥١
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٦١)
الصلاة الواحدة في اليوم مرتين. فإن قلت: ليس هذا بمطلق، لأن إعادته على سبيل أنهما
فرض ممنوعة بالنص، كما ذكرنا عن قريب، وقال بعضهم أيضاً: وفيه: جواز خروج المأموم
من الصلاة لعذر، وأما بغير عذر فاستدل به بعضهم أي: بالحديث المذكور. قلت: في (شرح
المهذب): اختلف العلماء فيمن دخل مع إمام في صلاة فصلى بعضها، هل يجوز له أن
يخرج منها؟ فاستدل أصحابنا بذا الحديث على أن للمأموم أن يقطع القدوة ويتم صلاته
منفرداً، وإن لم يخرج منها. وفي هذه المسألة ثلاثة أوجه: أصحها: أنه يجوز لعذر ولغير
عذر، والثاني: لا يجوز مطلقاً. والثالث: يجوز لعذر ولا يجوز لغيره، وتطويل القراءة عذر
على الأصح. قلت: أصحابنا لا يجوزون شيئاً من ذلك، وهو مشهور مذهب مالك، وعن
أحمد روايتان لأن فيه إبطال العمل، والقرآن قد منع عن ذلك. ومن ذلك: جواز صلاة
المنفرد في المسجد الذي يصلي فيه بالجماعة. وقال بعضهم: إذا كان بعذر قلت: يجوز
مطلقاً. ومن ذلك: جواز القول بالبقرة لأن معناه: السورة التي تذكر فيها البقرة، وورد أيضاً:
بسورة البقرة، كما ذكرنا. ومن ذلك: الإنكار في المكروهات والاكتفاء في التعزير بالكلام.
٦١ - بابُ تَخْفِيفِ الإِمَامِ في القِيامِ وإِنَامِ الزُّكُوعِ وَالسُّجُودِ
أي: هذا باب في بيان حكم تخفيف الإمام في القيام وفي حكم إتمام الركوع
والسجود. وقال الكرماني: الواو، في: وإتمام، بمعنى: مع، كأنه قال: باب التخفيف بحيث لا
يفوته شيء من الواجبات، فهو تفسير لقوله في الحديث: فليتجوز، لأنه لا يأمر بالتجوز
المؤدي إلى فساد الصلاة قلت: لا يحتاج إلى هذا التكلف، لأن المأمور به في نفس الأمر هو
إتمام جميع الأركان، وإنما ذكر التخفيف في القيام لأنه مظنة التطويل.
٩١/ ٧٠٢ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ يُونسَ قال حدّثنا زُهَيْرٌ قال حدّثنا إسْمَاعِيلُ قال سَمِعْتُ قَيْساً
قال أخبرني أبُو مَشْعُودٍ أنَّ رَجُلاً قال والله يا رسولَ الله إنِّي لأُتَأَخَّرُ عنْ صَلاَةِ الغَدَاةِ مِنْ أْلِ
فُلاَنٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فَمَا رَأْيِتُ رسولَ الله عََّلِ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَباً مِنْهُ يَوْمَئِذٍ ثُمَّ قال إنَّ
مِنْكُمْ مُتَفِّرِينَ فَأَيْكُمْ ما صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ فإنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالكَبِيرَ وَذَا الحَاجَةِ.
[أنظر الحديث ٩٠ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إنه عَّ له أمر الأئمة بتخفيف الصلاة على القوم. فإن قلت:
كيف المطابقة والأمر بالتخفيف في الحديث أعم، وفي الترجمة خص التخفيف بالقيام؟
قلت: لما ذكرنا الآن: أن القيام مظنة التطويل في غالب الأحوال، وغير القيام لا يشق إتمامه
على أحد، وإن كان تطويله يشق. وقال صاحب (التلويح): وكأن البخاري ركب من حديث
معاذ وأبي مسعود ترجمته، فإن في حديث معاذ تخفيف القيام خاصة، وبينه بالقراءة هنا في
القيام، وبقي الركوع والسجود على حاله.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: أحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس
الكوفي. الثاني: زهير، بضم الزاي: ابن معاوية الجعفي. الثالث: إسماعيل بن أبي خالد.

٣٥٢
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٦١)
الرابع: قيس بن أبي حازم. الخامس: أبو مسعود البدري الأنصاري، واسمه: عقبة بن عمرو،
ولم يشهد بدراً، وإنما قيل له: البدري، لأنه من ماء بدر سكن الكوفة.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: الإخبار
بصيغة الإفراد. وفيه: السماع. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: شيخ البخاري منسوب إلى
جده. وفيه: أن رواته كلهم كوفيون. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي.
وهذا الحديث قد مر في كتاب العلم في: باب الغضب في الموعظة، أخرجه عن
محمد بن كثير عن سفيان عن ابن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن أبي مسعود، فانظر
إلى التفاوت بينهما في المتن، وقد ذكرنا هناك جميع ما يتعلق به من الأشياء.
قوله: ((إني لأتأخر عن صلاة الغداة)) يعني: لا أحضرها مع الجماعة لأجل التطويل.
قوله: ((مما يطيل بنا))، كلمة: ما، مصدرية أي: من تطويله، وفي رواية عبد الله بن المبارك
في الأحكام: ((والله إني لأتأخر ... )) بزيادة القسم، وفي رواية سفيان الآتية قريباً عن الصلاة
في الفجر، وإنما خصها بالذكر لأنها تطول فيها القراءة غالباً، ولا الانصراف منها وقت التوجه
لمن له حرفة إليها. قوله: ((أشد))، بالنصب على الحال من رسول الله عَ لَّه، ونصب ((غضباً))
على التمييز. وقال بعضهم: أشد، بالنصب نعت لمصدر محذوف، أي: غضباً أشد. قلت:
هذا ليس بشيء لفساد المعنى يذوقه من له يد في العربية. قوله: ((يومئذ)) أي: يوم أخبر
بذلك. قال ابن دقيق العيد: سبب الغضب: إما لمخافة الموعظة أو للتقصير في تعلم ما ينبغي
تعلمه. وقال أبو الفتح اليعمري: فيه نظر، لأنه يتوقف على تقدم الإعلام بذلك. قلت: يحتمل
تقدم الإعلام به بقصة معاذ، ولهذا لم يذكر في حديثه الغضب، وواجهه وحده بالخطاب.
وهنا قال: ((إن منكم منفرين))، بصيغة الجمع، وهو من التنفير، ويقال: نفر ينفر نفوراً ونفاراً إذا
فر وذهب. قال: ويحتمل أن يكون ما ظهر من الغضب لإرادة الاهتمام بما يلقيه لأصحابه
ليكونوا من سماعه على بال. قوله: ((فأيكم)) أي: أي واحد منكم. قوله: «ما صلی بالناس))،
كلمة: ما، زائدة، وزيادتها مع: أي: الشرطية كثيرة، وفائدتها التوكيد وزيادة التعميم. قوله:
((فليتجوز)) جواب الشرط أي: فليخفف. يقال: تجوز في صلاته أي: خفف، وأصل اللام فيه
أن تكون مكسورة، وجاز فيها السكون. وقال ابن بطال: لما أمر الشارع بالتخفيف كان
المطول عاصياً، ومخالفة العاصي جائزة لأنه لا طاعة إلاّ في المعروف. وقيل: إن التطويل
والتخفيف من الأمور الإضافية فقد يكون الشيء خفيفاً بالنسبة إلى عادة قوم طويلاً بالنسبة
إلى عادة آخرين. وقال اليعمري: الأحكام إنما تناط بالغالب لا بالضرورة النادرة، فينبغي للأئمة
التخفيف مطلقاً. قال: وهذا كما شرع القصر في الصلاة في حق المسافر وعلل بالمشقة،
وهي مع ذلك تشرع، ولو لم تشق عملاً بالغالب، لأنه لا يدري ما يطرأ عليه، وهنا كذلك.
قلت: يؤيد كلامه صيغة الأمر بالتخفيف، فإنه أمر بعد الغضب الشديد، وظاهره يقتضي
الوجوب. قوله: ((فإن فيهم الضعيف والكبير)) ووقع في رواية سفيان في كتاب العلم في:
باب الغضب في الموعظة: ((فإن فيهم المريض والضعيف))، والمراد بالضعيف هنا المريض،

٣٥٣
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٦٢)
وهناك من يكون الضعف في خلقته: كالنحيف والمسن، وكل مريض ضعيف من غير
عکس.
٦٢ - بابٌ إِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ ما شاءَ
أي: هذا باب في بيان حكم المصلي إذا صلى، وأشار بهذا إلى أن الأمر بالتخفيف
على الإطلاق إنما هو في حق الأئمة لأن خلفه من لا يطيق التطويل، وأما إذا صلى وحده فلا
حجر عليه إن شاء طول، وإن شاء خفف، ولكن لا ينبغي التطويل إلى أن يخرج الوقت، أو
يدخل في حد الكراهة.
٩٢ / ٧٠٣ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عن أبي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عن أبي
هُرَيْرَةَ أَنَّ رسولَ الله عَ لَِّ قَال إِذَا صَلَّى أحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فإنَّ فِيهُمُ الضَّعِيفَ
والسَّقِيمَ والكَبِيرَ وإِذَا صَلَّى أحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ ما شاءَ.
مطابقته للترجمة ظاهرة وهذا الإسناد بهؤلاء الرجال قد مر غير مرة. وأبو الزناد، بالزاي
والنون: عبد الله بن ذكوان، والأعرج: عبد الرحمن بن هرمز.
والحديث أخرجه أبو داود عن القعنبي عن مالك، وأخرجه ابن ماجه عن قتيبة عن
مالك.
قوله: ((للناس) أي: إذا صلى إماماً للناس، أو لأجل ثواب الناس أو لخيرهم الحاصل
من الجماعة. قوله: ((فإن فيهم)) هكذا رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: (فإن منهم))،
والمراد بالضعيف هنا: ضعيف الخلقة، وبالسقيم: المريض. وزاد مسلم من وجه آخر عن أبي
الزناد: ((والصغير والكبير)). وزاد الطبراني من حديث عثمان بن أبي العاص: ((والحامل
والمرضع))، وله من حديث عدي بن حاتم: ((والعابر السبيل))، وحديث أبي مسعود الذي مضى
عن قريب يشمل الأوصاف المذكورة. قوله: ((فليطول ما شاء))، وفي رواية مسلم: ((فليصل
كيف شاء) أي: مخففاً أو مطولاً. وفي (مسند السراج): حدّثنا الليث بن سعد عن ابن
عجلان عن أبيه عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، فذكر الحديث. وفيه: ((إذا صلى وحده
فليطول إن شاء)). انتهى. وذلك لأنه يعلم من نفسه ما لا يعلم من غيره، وقد ذكر الرب، جل
جلاله، الأعذار التي من أجلها أسقط فرض قيام الليل عن عباده فقال تعالى: ﴿علم أن
سيكون منكم مرضى﴾ [المزمل: ٢٠] الآية، فينبغي للإمام التخفيف مع إكمال الأركان، أَلاَ
ترى أنه، عٍَّ، قال للذي لم يتم ركوعه ولا سجوده: ((إرجع فصل فإنك لم تصل))! وقال،
عَ لَّهِ: ((لا تجزىء صلاة من لا يقيم ظهره في الركوع والسجود))، وممن كان يخفف الصلاة
من السلف أنس بن مالك، قال ثابت: صليت معه العتمة فتجوز ما شاء الله، وكان سعد إذا
صلى في المسجد خفف الركوع والسجود، وتجوز، وإذا صلى في بيته أطال الركوع
والسجود والصلاة، فقيل له: فقال: إنا أئمة يقتدى بنا، وصلى الزبير بن العوام صلاة خفيفة
فقيل له: أنتم أصحاب النبي، عَّ له، أخف الناس صلاة، فقال: إنا نبادر هذا الوسواس، وقال
عمدة القاري / ج٥ / م٢٣

٣٥٤
١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٦٣)
عمار: احذفوا هذه الصلاة قبل وسوسة الشيطان، وكان أبو هريرة، رضي الله تعالى عنه، يتم
الركوع والسجود ويتجوز، فقيل له: هكذا كانت صلاة رسول الله، عَ لِّ؟ قال: نعم وأجوز.
وقال عمرو بن ميمون: لما طعن عمر رضي الله تعالى عنه تقدم عبد الرحمن بن عوف، رضي
الله تعالى عنهما، فقرأ بأخصر سورتين في القرآن: ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ [الكوثر: ١] و﴿إذا
جاء نصر الله والفتح﴾ [النصر: ١] وكان إبراهيم يخفف الصلاة ويتم الركوع والسجود، وقال
أبو مجلز: كانوا يتمون ويتجوزون ويبادرون الوسوسة، ذكر هذه الآثار ابن أبي شيبة في
(مصنفه).
٦٣ _ بابُ منْ شكا إمامَهُ إِذَا طَوَّلَ
أي: هذا باب ترجمته: من شكى إمامه إذا طول عليهم الصلاة.
وقال أبُو أُسَيْدٍ طَوَّلْتَ بِنَا يا بُنَيَّ
1
مطابقة هذا الأثر للترجمة ظاهرة، فإن قول أبي أسيد لابنه: طولت بنا الصلاة،
كالشكاية من تطويله، وأبو أسيد، بضم الهمزة وفتح السين وسكون الياء آخر الحروف وفي
آخره دال مهملة، وفي (التوضيح): وأسيد، بضم الهمزة، كذا بخط الدمياطي. وقال الجياني
في نسخة أبي ذر من رواية المستملي وحده: أبو أسيد، بفتح الهمزة. وقال أبو عبد الله: قال
عبد الرزاق ووكيع: أبو أسيد، وهو الصواب، واسمه: مالك بن ربيعة الأنصاري الساعدي
المدني، شهد المشاهد كلها، وهو مشهور بكنيته، مات سنة ثلاثين، وقيل: سنة ستين، وفيه
اختلاف كثير، وهو آخر من مات من البدريين وهذا التعليق رواه ابن أبي شيبة عن وكيع:
حدّثنا عبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل، قال: حدثني المنذر بن أبي أسيد الأنصاري قال:
كان أبي يصلي خلفي، فربما قال لي: يا بني طولت بنا اليوم بالصافات. انتهى. وعلم من
هذا أن اسم أبي أسيد: المنذر، وقوله: يا بني - بالتصغير - لأجل الشفقة دون التحقير. وفي
(التلويح) قال البخاري: وكره عطاء أن يؤم الرجل أباه، هذا التعليق مذكور في بعض النسخ،
فلئن صح فقد رواه ابن أبي شيبة: عن وكيع حدّثنا إبراهيم بن أبي يزيد المكي عن عطاء قال:
لا يؤم الرجل أباه.
٧٠٤/٩٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قال حدّثنا سُفْيَانُ عن إِسْمَاعِيِلَ بنِ أبِي خالِدٍ عنْ
فَيْسٍ بنِ أبِي حازِمٍ عنْ أبي مسْعُودٍ قال قال رجلٌ يا رسولَ الله إنِّي لأَتأخّرُ عنِ الصَّلاَةِ فِي
الفَجْرِ مِمَّا يُطِيلُ بِنَّا فُلانٌ فِيهَا فَغَضِبَ رسولُ اللهِ عَ لَّه ما رأيتُهُ غَضِبَ فِي مَوْضِع كانَ أَشَدَّ
غَضَباً مِنْهُ يَوْمَئِذٍ ثمّ قالَ يا أيّهَا النّاسُ إِنَّ مِنْكُمْ منَفِّرِينَ فَمَنْ أمَّ النَّاسَ فَلْيَتَجَوَّزْ فَإِنَّ خَلْفَهُ
الضَعِيفَ والكَبِيرَ وَذَا الحَاجَةِ. [أنظر الحديث ٩٠ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، والحديث قد مضى في الباب الذي سبق قبل الباب الذي
قبله، وهناك: عن أحمد بن يونس عن زهير عن إسماعيل، وههنا: عن محمد بن يوسف

:
٣٥٥
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٦٣)
الفريابي عن سفيان الثوري، وقيل: محمد بن يوسف: هو أبو محمد البخاري البيكندي عن
سفيان عن عيينة، والأول أصح، نص عليه أبو نعيم. وأبو مسعود: هو عقبة بن عمرو البدري.
قوله: ((في موعظة))، ويروى: ((في موضع)). قوله: ((منفرين))، ويروى: ((المنفرين))، بلام
التأكيد، وروي في هذا الباب عن أبي واقد الليثي وابن مسعود وابن عمر وعثمان بن أبي
العاص وأنس رضي الله تعالى عنهم.
أما حديث أبي واقد فأخرجه الشافعي في (مسنده) من حديث عبد الله بن عثمان بن
خثيم: عن نافع بن سرجس قال: عدنا أبا واقد الليثي فسمعته يقول: ((كان رسول الله عَ لّم
أخف الناس صلاة على الناس، فأطول الناس صلاة لنفسه)). وأما حديث ابن مسعود فأخرجه
الطبراني في (الأوسط) من حديث إبراهيم التيمي: عن أبيه سمعت ابن مسعود قال: قال
رسول الله عَ ليه ((أيكم أم الناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة)). وأما
حديث ابن عمر فأخرجه النسائي بسند صحيح عنه: ((كان رسول الله عَّ الله يأمرنا بالتخفيف
ويؤمنا))، وأما حديث عثمان فأخرجه مسلم عنه يرفعه: ((من أم الناس فليخفف فإن فيهم
الكبير، وإن فيهم الضعيف، وإن فيهم ذا الحاجة فإذا صلى أحدكم فليصل كيف شاء)». وأما
حديث أنس فأخرجه البخاري في هذا الباب، وسيأتي إن شاء الله تعالى، وقال الكرماني: فإن
قلت: ما الحكمة في أنه عَّهِ في بعض المواضع عمم الخطاب ولم يخاطب معاذاً
بخصوصه، وقال: ((إن منكم))، وفي بعضها خصصه، وقال: ((أفتَّان أنت؟)) قلت: نظراً إلى
المقام، فحيث بلغ النبي عَّ ل أن معاذاً نال منه خاطبه بالصريح، وحيث لم يبلغه عممه
تضعيفاً للتعزير بتضعيف الجريمة.
٧٠٥/٩٤ - حدّثنا آدَمُ بنُ أبي إياس قال حدّثنا شُعْبَةُ قال حدّثنا مُحَارِبُ بنُ دِئَارٍ قال
سَمِعْتُ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله الأنْصَارِيّ قال أقْبَلَ رَجُلٌ بِنَاضِحَيْنِ وَقَدْ جَنَحَ اللَّيْلُ فَوَافَقَ مُعَاذَاً
يُصَلِّي فَتَرَكَ نَاضِحَهُ وَأَقْبَلَ إِلَى مُعَاذٍ فَقَرأْ بِسُورَةِ البَقَرَةِ أو النِّساءِ فانْطَلَقَ الرَّجُلُ وَبَلَغَهُ أنَّ معاذاً
نال منْهُ فَأَتَى النبيَّ عَّهِ فَشَكَا إِلَيْهِ مُعَاذَاً فقال النبيُّ عَ لِّ يا مُعَاذُ أَفَتَّانَّ أَنْتَ أَوْ أَفَاتِنَّ ثَلاَثَ
مِرَارٍ فَلَوْلاَ صَلَّيْتَ بِسَبِّخِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى والشمْسِ وضُحَاهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى فَإِنَّهُ
يُصَلِّي وَرَاءَكَ الكَبِيرُ والضَعِيفُ وَذُو الحَاجَةِ أَحْسِبُ هذَا فِي الحَدِيثِ. [أنظر الحديث
٧٠٠ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، فإن فيه شكوى صاحب الناضح إلى رسول الله عَ ليه من معاذ
حين طول الصلاة وهو إمام.
ذكر رجاله: وهم أربعة، قد ذكروا فيما مضى، ومحارب، بضم الميم وكسر الراء. و:
دثار، بكسر الدال: خلاف الشعار.
وفيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: السماع. وفيه: القول في أربعة
مواضع. وأخرجه النسائي أيضاً.

٣٥٦
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٦٣)
ذكر معناه: قوله: ((بناضحين)) الناضح، بالنون والضاد المعجمة والحاء المهملة: ما
استعمل من الإبل في سقي النخل والزرع، وهو البعير الذي يستقى عليه. قوله: ((وقد جنح
الليل)) أي: أقبل بظلمته، وهو بفتح النون من باب: فتح يفتح. قوله: ((فقرأ سورة البقرة))،
يقال: قرأها وقرأ بها، لغتان. قوله: ((أو النساء)) الشك من محارب، دلت عليه رواية أبي داود
الطيالسي عن شعبة: شك محارب، وبهذا يرد على من زعم أن الشك فيه من جابر. قوله:
((وبلغه)) أي: بلغ الرجل، وهو صاحب الناضح. قوله: ((إليه)) أي: إلى النبي عَِّ. قوله: ((أفتان
أنت؟)) فتان صفة واقعة بعد ألف الاستفهام رافعة لظاهر، ويجوز أن يكون مبتدأ وأنت، ساداً
مسد الحبر، ويجوز أيضاً أن تكون: أنت مبتدأ و: هو، خبره، و: فتان، صيغة مبالغة. فاتن.
وقوله: ((أو فاتن)) على وزن: فاعل، شك من الراوي. قوله: ((فلولا صليت)) أي: فهلا صليت.
وقال الخطابي: معناه فهلا قرأت. وقد علم أن لولا تأتي على أربعة أوجه: منها: أن تكون
للتخصيص والعرض فتختص بالمضارع أو ما في تأويله. ومنها: أن تكون للتوبيخ والتنديم
فتختص بالماضي. ومنها: لربط امتناع الثانية بوجود الأولى نحو: لولا زيد لأكرمتك. ومنها:
أن تكون للاستفهام نحو: ﴿لولا أخرتني إلى أجل قريب﴾ [المنافقون: ١٠]. وفيه خلاف،
وههنا بمعنى القسم الثالث، وهو الظاهر. قوله: ((بسبح اسم ربك الأعلى ... )) الخ، فيه دليل
على أن أوساط المفصل إلى: والضحى، لأن هذه الصلاة صلاة العشاء، والسنة فيها القراءة
من أوساط المفصل لا من قصاره، ثم ذكر هذه السور الثلاث ليس للتخصيص بعينها، لأن
المراد هذه الثلاث أو نحوها من القصار، كما جاء في بعض الروايات لفظ: ونحوها. قوله:
((أحسب هذا في الحديث)) قائل: أحسب، هو شعبة الراوي عن محارب، ولفظة: هذا،
إشارة إلى الجملة الأخيرة. وهي قوله: ((فإنه يصلي ... )) إلى آخره، والتذكير باعتبار المذكور،
وقال الكرماني: المحسوب هو :: ((فلولا صليت ... )) إلى آخره، لأن الحديث برواية عمرو
فيما تقدم آنفاً انتهى عنده حيث قال: ولا أحفظهما. وقال الكرماني أيضاً: أحسب يحتمل أن
يكون كلام محارب أو من بعده.
قلت: قد بين أبو داود الطيالسي أن قائله شعبة، كما ذكرنا، وقد رواه غير شعبة من
أصحاب محارب عنه بدونها، وكذا أصحاب جابر، رضي الله تعالى عنه، وقال الكرماني
أيضاً: وقيل: أو إنه من كلام البخاري، وأن المراد به لفظ: ذو الحاجة، فقط. قلت: هذا
الذي قاله تخمين وحسبان، فلذلك قال: هو لكن لم يتحقق لي ذلك لا سماعاً ولا استنباطاً
من الكتاب.
قال أبُو عَبْدِ الله وَتَابَعَهُ سَعِيدُ بنُ مَسْرُوقٍ وَمِسْعَرٌ وَالشَّيْيَانِيُّ
أي: تابع شعبة سعيد بن مسروق وهو والد سفيان الثوري، وقد وصل روايته هذه أبو
عوانة من طريق أبي الأحوص عنه. قوله: ((ومسعر))، بالرفع عطف على: سعيد، أي: وتابع
شعبة أيضاً مسعر، بكسر الميم وسكون السين المهملة: ابن كدام الكوفي، وقد وصل روايته

٣٥٧
١٠ - كِتَابُ الأذَانِ / باب (٦٤)
السراج: عن زياد بن أيوب حدّثنا أبو نعيم عنه عن محارب بلفظ: ((فقرأ بالبقرة والنساء، فقال
النبي عَّ لِ: أما يكفيك أن تقرأ بالسماء والطارق، والشمس وضحاها، ونحو هذا؟)) قوله:
((والشيباني))، بالرفع أيضاً عطف على: مسعر، أي: وتابع شعبة أبو إسحاق الشيباني، واسمه:
سليمان بن أبي سليمان، واسمه: فيروز الكوفي، ووصل روايته البزار عن محارب ومتابعة
هؤلاء في أصل الحديث لا في جميع ألفاظه.
قال عَمْرَوِ وَعُبَيْدُ الله بنُ مِقْسَمٍ وَأَبُو الزُّبَيْرِ عنْ جَابِرٍ قَرَأْ مُعَاذٌ في العِشَاءِ بِالبِقَرَةِ
عمرو: هو ابن دينار، وإنما قال: قال عمرو، ولم يقل: وتابعه، مثل ما قال في سابقه
ولاحقه، لأن هؤلاء الثلاثة لم يتابعوا أحداً في ذلك، أما رواية عمرو فقد تقدمت في: باب إذا
طول الإمام، وأما رواية عبيد الله بن مقسم، بكسر الميم وسكون القاف: المدني فوصلها ابن
خزيمة عن بندار عن يحيى بن سعيد عن محمد بن عجلان عنه، وقد ذكرناه فيما مضى عن
قريب، وأما رواية أبي الزبير محمد بن كنانة فوصلها عبد الرزاق عن ابن جريج عنه، وهي
عند مسلم من طريق الليث عنه، لكن لم يتعين أن السورة البقرة.
وتابَعَهُ الأَعْمَشُ عنْ مُحَاربٍ
أي: تابع شعبة سليمان الأعمش عن محارب بن دثار، ووصل روايته النسائي من طريق
محمد بن فضيل عن الأعمش عن محارب وأبي صالح، كلاهما عن جابر بطوله. وقال فيه:
((فطول بهم معاذ ولم يعين السورة))، والفرق بين المتابعتين - أعني السابقة واللاحقة - أن
الأولى ناقصة، إذ لم يذكر المتابع عليه، والأخيرة كاملة إذ ذكره حيث قال: عن محارب،
والله أعلم.
٦٤ - بابُ الإِيجَازِ فِي الصَّلاةِ وَإِكْمَالِهَا
أي: هذا باب في بيان إيجاز الصلاة مع إكمالها، أي: إكمال أركانها، وفي بعض
النسخ: باب الإيجاز، فقط. ومع هذا هذه الترجمة إنما ثبتت عند المستملي وكريمة، وذكرها
الإسماعيلي أيضاً، وليست بموجودة في رواية الباقين.
٩٥ /٧٠٦ - حدّثنا أَبُو مَعْمَرٍ قال حدّثنا عَبْدُ الوارِثِ قال حدّثنا عبْدُ العَزِيزِ عنْ أَنَسٍ قال
كانَ النبيُّ عَلَّهِ يُوجِزُ الصَّلاَةَ وَيُكْمِلُهَا.
مطابقته للترجمة ظاهرة جداً، فإن قلت: فعلى سقوط هذه الترجمة، فما وجه مناسبة
هذا الحديث لترجمة الباب السابق؟ قلت: من حيث إن النبي عَّلِ أمر في حديث ذلك
الباب بالإيجاز، وههنا فعله بنفسه، فأشار بهذا إلى أن الإيجاز مع الإكمال مندوب لأنه ثبت
بقول النبي عَّةٍ وفعله.
ذكر رجاله: وهم أربعة: أبو معمر، بفتح الميمين: عبد الله بن عمرو المقعد، مر مراراً

٣٥٨
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٦٥)
عديدة، وعبد الوارث بن سعيد وعبد العزيز بن صهيب.
وفي إسناده: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في موضع، والقول
في ثلاثة مواضع.
وأخرجه مسلم أيضاً وابن ماجه ولفظه: ((يوجز الصلاة ويتم الصلاة))، وعند السراج:
((يوجز في الصلاة))، وفي لفظ مسلم: ((كان أتم الناس صلاة في إيجازه)). وفي لفظ: ((أخف
الناس صلاة في تمام))، وفي لفظ: ((من أخف))، وفي لفظ: ((كانت صلاته متقاربة)). وكانت
صلاة أبي بكر متقاربة، فلما كان عمر مد في صلاة الفجر. وفي لفظ: ((ما صليت بعد النبي
عَّهِ صلاة أخف من صلاته في تمام ركوع وسجود))، وفي لفظ: ((كان إذا قال: سمع الله
لمن حمده، قام حتى نقول، قد أوهم، وكان يقعد بين السجدتين حتى نقول قد أوهم)). قوله:
((يوجز الصلاة)) من الإيجاز، وهو ضد الإطناب، والإكمال ضد النقص.
٦٥ - بابُ مِنْ أَخَفَّ الصَّلاَةَ عِنْدَ بُكَاءِ الصّبِيِّ
يجوز أن يضاف: باب، إلى: من، الموصولة، ويجوز أن ينون على أنه خبر مبتدأ
محذوف تقديره: هذا باب. قوله: ((من أخف)) في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف
تقديره: ترجمته من أخف، وقوله: أخف، على وزن أفعل، من الإخفاف، وهو التخفيف.
٩٦ / ٧٠٧ - حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى قال أخبرنا الولِيدُ قال حدّثنا الأوْزَاعِيُّ عنْ يَخْبى بنِ
أبي كَثِيرٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي قَتَادَةَ عنْ أَبِيهِ أَبِي قَتَادَةَ عنِ النبيِّ عَ لَِّ قال إنِّي لأُقُومُ فِي
الصَّلاَةِ أُرِيدُ أنْ أُطَوِّلَ فِيهَا فَأَسْمَعُ بكاءَ الصَّبِي فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاَّتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ
عَلَى أُمِّهِ. [الحديث ٧٠٧ - طرفه في: ٨٦٨].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: إبراهيم بن موسى بن يزيد الفراء أبو إسحاق الرازي
يعرف بالصغير، مر في: باب غسل الحائض رأس زوجها. الثاني: الوليد بن مسلم، مر في:
باب وقت المغرب. الثالث: عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وقد تكرر ذكره. الرابع: يحيى
ابن أبي كثير، وقد مر أيضاً. الخامس: عبد الله بن أبي قتادة أبو يحيى الأنصاري السلمي.
السادس: أبوه الحارث بن ربعي الأنصاري.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في
أربعة مواضع. وفيه: القول في موضعين. وفيه: عن يحيى، وفي رواية بشر الآتية عن يحيى
الأوزاعي حدثني يحيى. وفيه: عن عبد الله بن أبي قتادة في رواية ابن سماع عن الأوزاعي
عند الإسماعيلي: حدثني عبد الله بن أبي قتادة. وفيه: أن رواته ما بين رازي ودمشقي ويماني
ومدني.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً عن محمد بن مسكين

٣٥٩
١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٦٥)
عن بشر بن بكر. وأخرجه أبو داود في الصلاة أيضاً عن دحيم عن عمر بن عبد الواحد وبشر
ابن بكر. وأخرجه النسائي فيه عن سويد بن نصر عن ابن المبارك عن الأوزاعي. وأخرجه ابن
ماجة فيه عن دحيم به.
ذكر معناه: قوله: ((إني لأقوم في الصلاة أريد)) وفي رواية بشر بن بكر: ((لأقوم إلى
الصلاة وأنا أريد))، والواو في: وأنا أريد، للحال. وقوله: أريد، أيضاً في موضع الحال. قوله:
((أن أطول)): أن، مصدرية أي: أريد التطويل في الصلاة. قوله: ((بكاء الصبي)) البكاء إذا
مددت أردت به الصوت الذي يكون معه، وإذا قصرت أردت خروج الدمع، وههنا ممدود لا
محالة بقرينة: ((فأسمع))، إذ السماع لا يكون إلاّ في الصوت. قوله: ((فأتجوز)) أي: فأخفف.
وقال ابن سابط: التجوز هنا: يراد به تقليل القراءة، والدليل عليه ما رواه ابن أبي شيبة: حدّثنا
وكيع عن سفيان عن أبي السوداء النهدي: ((عن ابن سابط: أن رسول الله عَ لّه قرأ في الركعة
الأولى بسورة نحو ستين آية، فسمع بكاء صبي فقرأ في الثانية بثلاث آيات)). قلت: ابن سابط
هو: عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط الجمحي، مات بمكة سنة ثمان عشرة ومائة. قوله:
(كراهية))، بالنصب على التعليل مضاف إلى: أن، المصدرية.
ذكر ما يستفاد منه: استدل به بعضهم على جواز إدخال الصبي في المسجد، وقال
بعضهم: فيه نظر لاحتمال أن يكون الصبي كان مخلفاً في بيت يقرب من المسجد. قلت:
ليس هذا موضع النظر، لأن الظاهر أن الصبي لا يفارق أمه غالباً. وفيه: دلالة على جواز صلاة
النساء مع الرجال. وفيه: دلالة على كمال شفقة النبي، عَُّلّه، على أصحابه، ومراعاة أحوال
الكبير منهم والصغير، وبه استدل بعض الشافعية على أن الإمام إذا كان راكعاً فأحس بداخل
يريد الصلاة معه ينتظره ليدرك معه فضيلة الركعة في جماعة، وذلك أنه إذا كان له أن يحذف
من طول الصلاة لحاجة الإنسان في بعض أمور الدنيا كان له أن يزيد فيها لعبادة الله تعالى،
بل هذا أحق وأولى. وقال القرطبي: ولا دلالة فيه، لأن هذا زيادة عمل في الصلاة بخلاف
الحذف. وقال ابن بطال: وممن أجاز ذلك الشعبي والحسن وعبد الرحمن بن أبي ليلى،
وقال آخرون: ينتظر ما لم يشق على أصحابه، وهو قول أحمد وإسحاق وأبي ثور، وقال
مالك: لا ينتظر لأنه يضر من خلفه، وهو قول الأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي. وقال
السفاقسي عن سحنون: صلاتهم باطلة.
قلت: وفي (الذخيرة) من كتب أصحابنا: سمع الإمام في الركوع خفق النعال، هل
ينتظر؟ قال أبو يوسف: سألت أبا حنيفة وابن أبي ليلى عن ذلك فكرهاه، وقال أبو حنيفة:
أخشى عليه أمراً عظيماً - يعني الشرك - وروى هشام عن محمد أنه كره ذلك، وعن أبي
مطيع: أنه كان لا يرى بأساً. وقال الشعبي: إذا كان ذلك مقدار التسبيحة والتسبيحتين، وقال
بعضهم: يطول التسبيحات ولا يزيد في العدد، وقال أبو القاسم الصفَّار: إن كان الجائبي غنياً
لا يجوز، وإن كان فقيراً يجوز انتظاره. وقال أبو الليث: إن كان الإمام عرف الجائي لا
ينتظره، وإن لم يعرفه فلا بأس به، إذ فيه إعانة على الطاعة. وقيل: إن أطال الركوع لإدراك

٣٦٠
١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٦٥)
الجائي خاصة ولا يريد إطالة الركوع للتقرب إلى الله تعالى، فهذا مكروه، وقيل: إن كان
الجائي شريراً ظالماً لا يكره لدفع شره.
تابَعَهُ بِشْرُ بِنُ بَكْرٍ وابنُ المُبَارَكِ وَبَقِيَّةُ عنِ الأَوزَاعِيّ
أي: تابع الوليد بن مسلم بن بشر بن بكر الشامي، بكسر الباء الموحدة وسكون الشين
المعجمة. وبكر، بفتح الباء الموحدة. وذكر البخاري في: باب خروج النساء إلى المساجد،
حديث بشر مسنداً: حدّثنا محمد بن مسكين، قال: حدّثنا بشر بن بكر، قال: حدّثنا
الأوزاعي، قال: حدّثنا يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري عن أبيه، قال:
قال رسول الله عَلَّه: ((إني لأقوم إلى الصلاة ... )) الحديث. وقال بعض الشراح في هذا
الموضعٍ: هي موصولة عند المؤلف في كتاب الجمعة. قلت: هذا غفلة منه وسهو، وليس
الأمر إلاّ كما ذكرناه. قوله: ((وابن المبارك)) أي: تابع الوليد بن مسلم أيضاً عبد الله بن
المبارك، ومتابعته هذه رواها النسائي عن سويد بن نصر، قال: أخبرنا عبد الله عن الأوزاعي،
قال: حدثني يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن النبي، عَّله، قال: إني
لأقوم ... )) الحديث. قوله: ((وبقية)) أي: وتابع الوليد بن مسلم بقية أيضاً، بفتح الباء الموحدة
وكسر القاف وتشديد الياء آخر الحروف: ابن الوليد الكلاعي، بفتح الكاف وتخفيف اللام:
الحضرمي، سكن حمص، وهو من أفراد مسلم والبخاري استشهد به، مات سنة سبع وتسعين
ومائة، وتابع مسلم بن الوليد أيضاً عمر بن عبد الواحد أخرجه أبو داود: حدّثنا عبد الرحمن
ابن إبراهيم حدّثنا عمر بن عبد الواحد وبشر بن بكر عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن
عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه، قال: قال رسول الله عَّهِ: ((إني لأقوم ... )) الحديث، وتابع
الوليد أيضاً إسماعيل بن عبد الله بن سماعة، أخرجه الإسماعيلي.
٧٠٨/٩٧ - حدّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ قال حدّثنا سُلَيْمَانُ بنُ بِلاَلٍ قال حدّثنا شَرِيكُ بنُ عَبْدِ
الله قال سَمِعْتُ أَنَسَ بنَ مالِكِ يَقُولُ ما صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطُّ أَخَفَّ صَلاَةٌ ولاَ أَمَّ مِنَ النَّبِيِّ
◌َّ لَه وإِنْ كَانَ لَيَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَيُخَفّفُ مَخَافَةَ أَنْ تُفْتَنَ أُمُّهُ.
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: خالد بن مخلد، بفتح الميم: البجلي الكوفي، مر في
أول كتاب العلم. الثاني: سليمان بن بلال أبو أيوب، ويقال: أبو محمد التيمي. الثالث:
شريك بن عبد الله بن أبي نمير، أبو عبد الله القرشي، ويقال: الليثي من أنفسهم، مات عام
أربعين ومائة. الرابع: أنس بن مالك.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد في
موضع. وفيه: السماع. وفيه: القول في أربعة مواضع. وفيه: أن شيخ البخاري كوفي وبقية
الرواة مدنيون، وقال بعضهم: والإسناد كله مدنيون وليس كذلك، فإن خالد بن مخلد
كوفي، كما ذكرنا، ويقال له: القطواني أيضاً، وقطوان محلة على باب الكوفة.