النص المفهرس

صفحات 321-340

:
٣٢١
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٥٢)
قلت: أما إنكاره النسخ فليس له وجه على ما بيناه، وأما قوله: أفتى به من الصحابة
جابر وغيره، فقد قال الشافعي: إنهم لم يبلغهم النسخ، وعلم الخاصة يوجد عند بعض ويعزب
عن بعض. انتهى. وكذا من أفتى به من التابعين لم يبلغهم خبر النسخ، وأفتى بظاهر الخبر
المنسوخ، وأما قوله: والإجماع إجماع الصحابة، فغير مسلم، فإن الأدلة غير فارقة بين أهل
عصر بل تتناول لأهل كل عصر كتناولها لأهل عصر الصحابة إذ لو كان خطاباً للموجودين
وقت النزول فقط يلزم أن لا ينعقد إجماع الصحابة بعد موت من كان موجوداً وقت النزول،
لأنه حينئذ لا يكون إجماعهم إجماع جميع المخاطبين وقت النزول، ويلزم أن لا يعتد
بخلاف من أسلم أو ولد من الصحابة بعد النزول لكونهم خارجين عن الخطاب، وقد اتفقتم
معنا على إجماع هؤلاء فلا يختص بالمخاطبين، والخطاب لا يختص بالموجودين كالخطاب
بسائر التكاليف، وهذا الذي قاله ابن حبان هو من مذهب داود وأتباعه، وأما قوله: والمرسل
عندنا وما لم يرو سيان ... إلى آخره، فغير مسلم أيضاً لأن إرسال العدل من الأئمة تعديل له
إذ لو كان غير عدل لوجب عليه التنبيه على جرحه والإخبار عن حاله، فالسكوت بعد الرواية
عنه يكون تلبيساً أو تحميلاً للناس على العمل بما ليس بحجة، والعدل لا يتهم بمثل ذلك،
فيكون إرساله توثيقاً له لأنه يحتمل أنه كان مشهوراً عنده فروى عنه بناء على ظاهر حاله،
وفوض تعريف حاله إلى السامع حيث ذكر اسمه.
وقد استدل بعض أصحابنا لقبول المرسل باتفاق الصحابة فإنهم اتفقوا على قبول
روايات ابن عباس مع أنه لم يسمع من النبي عَّله، إلاّ أربع أحاديث لصغر سنه كما ذكره
الغزالي، أو بضع عشر حديثاً كما ذكره شمس الأئمة السرخسي. وقال ابن سيرين: ما كنا
نسند الحديث إلى أن وقعت الفتنة، وقال بعضهم: رد المراسيل بدعة حادثة بعد المائتين،
والشعبي والنخعي من أهل الكوفة، وأبو العالية والحسن من أهل البصرة، ومكحول من أهل
الشام كانوا يرسلون، ولا يظن بهم إلاّ الصدق، فدل على كون المرسل حجة نعم، وقع
الاختلاف في مراسيل من دون القرن الثاني والثالث، فعند أبي الحسن الكوفي: يقبل إرسال
كل عدل في كل عصر، فإن العلة الموجبة لقبول المراسيل في القرون الثلاثة وهي: العدالة
والضبط، تشمل سائر القرون، فبهذا التقدير انتقض قوله، وفي هذا نقض للشريعة. وأما قوله:
والعجب من أبي حنيفة ... إلى آخره، كلام فيه إساءة أدب وتشنيع بدون دليل جلي: فإن أبا
حنيفة من أين يحتج بحديث جابر الجعفي في كونه ناسخاً؟ ومن نقل هذا من الثقات عن
أبي حنيفة حتى يكون متناقضاً في قوله وفعله؟ بل احتج أبو حنيفة في نسخ هذا الباب مثل
ما احتج به غيره كالثوري والشافعي وأبي ثور وجمهور السلف، كما مر مستوفىٍ.
٥٢ _ بابُ مَتَى يَسْجُدُ مَنْ خَلْفَ الإِمَام
أي: هذا باب ترجمته: متى يسجد من خلف الإمام، يعني إذا اعتدل أو جلس بين
السجدتين. قوله: (من)) فاعل قوله: ((يسجد)).
عمدة القاري / ج٥ / ٢١٢

٣٢٢
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٥٢)
قال أنَس فإِذَا سَجَدَ فاسْجُدُوا
مطابقته للترجمة من حيث إنه يبين معنى متى يسجد من خلف الإمام، وهو أنه يسجد
إذا سجد الإمام، بناء على تقدم الشرط على الجزاء، وهذا التعليق أخرجه موصولاً في: باب
إيجاب التكبير، فإن فيه: وإذا سجد فاسجدوا. وقال بعضهم: هو طرف من حديثه الماضي
في الباب الذي قبله، قلت: ليست هذه اللفظة في الحديث الماضي، وإنما هي في: باب
إيجاب التكبير، كما ذكرنا وقال صاحب (التلويح): وفي بعض النسخ، قال أنس: إذا سجد
فاسجدوا، يعني: من غير ذكره: عن النبي ◌َِّ.
٦٩٠/٨١ - حدثنا مُسَدَّدٌ قال حدّثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عن سُفْيَانَ قال حدَّثني أبو إِسْحَاقَ
قال حدَّثني عَبْدُ الله بنُ يَزِيدَ قال حدَّثني البَرَاءُ وَهْوَ غَيْرُ كَذُوبٍ قال كانَ رسولُ الله عَ لِّ
إِذَا قال سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ لَمْ يَحْنِ أُحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ النبيُّ عَُّلّهِ ساجداً ثُمَّ نَقَعُ
سُجُوداً بَعْدَهُ. [الحديث ٦٩٠ - طرفاه في: ٧٤٧، ٨١١].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ثم نقع سجوداً بعده))، فإنه يقتضي أن يكون سجود من
خلف الإمام إذا شرع الإمام في السجدة.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: مسدد بن مسرهد، وقد تكرر ذكره. الثاني: يحيى بن
القطان. الثالث: سفيان الثوري. الرابع: أبو إسحاق، واسمه: عمرو بن عبد الله السبيعي، بفتح
السين المهملة وكسر الباء الموحدة: نسبة إلى سبيع بطن من همدان. الخامس: عبد الله بن
يزيد - من الزيادة - الخطمي كذا وقع منسوباً عند الإسماعيلي في رواية شعبة عن أبي
إسحاق، وهو منسوب إلى خطمي، بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء: بطن من الأوس.
وقال الذهبي: عبد الله بن يزيد بن زيد بن حصين بن عمرو الأوسي الخطمي أبو موسى، شهد
الحديبية ومات قبل ابن الزبير. السادس: البراء بن عازب، رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في
ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: القول في أربعة مواضع. وفيه: عبد الله بن
يزيد الصحابي من أفراد البخاري. وفيه: رواية الصحابي ابن الصحابي عن الصحابي ابن
الصحابي. وذكر الذهبي في (تجريد الصحابة) والد عبد الله ووالد البراء كليهما من
الصحابة، فقال: يزيد بن زيد بن حصين الأنصاري الخطمي، وجد عدي بن ثابت لأمه. وقال
أيضاً: عازب بن الحارث والد البراء، قال البراءوفيه: اشترى أبو بكر من عازب رجلاً. وفيه:
أن أبا إسحاق كان معروفاً بالرواية عن البراء بن عازب لكنه روى الحديث المذكور ههنا
بواسطة. وهو: عبد الله بن يزيد. وفيه: أن أحد الرواة كان أميراً وهو: عبد الله بن يزيد، وكان
أميراً على الكوفة في زمن عبد الله بن الزبير، وفي رواية البخاري في: باب رفع البصر في
الصلاة: أن أبا إسحاق قال: سمعت عبد الله بن يزيد يخطب. وفيه: قوله: ((غير كذوب)) وهو
على وزن: فعول، وهو صيغة مبالغة: كصبور وشكور، واختلفوا في هذا قيل: في حق من؟

..
٣٢٣
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٥٢)
فقال يحيى بن معين والحميدي وابن الجوزي: إن الإشارة في قول أبي إسحاق: غير كذوب،
إلى عبد الله بن يزيد، لا إلى البراء، لأن الصحابة عدول فلا يحتاج أحد منهم إلى تزكية
وتعديل. وقال الخطيب: إن كان هذا القول من أبي إسحاق فهو في عبد الله بن يزيد، وإن
كان من عبد الله فهو في البراء. وقال الخطابي: هذا القول لا يوجب تهمة في الراوي؛ وإنما
يوجب حقيقة الصدق له لأن هذه عادتهم إذا أرادوا تأكيد العلم بالراوي والعمل بما روى،
وكان أبو هريرة يقول: سمعت خليلي الصادق المصدوق، وقال ابن مسعود: حدثني الصادق
المصدوق، وسلك عياض أيضاً هذا المسلك وقال: لم يرد به التعديل وإنما أراد به تقوية
الحديث إذ حدث به البراء، وهو غير متهم: ومثل هذا قول أبي مسلم الخولاني: حدثني
الحبيب الأمين. وقال النووي: معنى الكلام: حدثني البراء وهو غير متهم، كما علمتم فثقوا بما
أخبر کم به عنه.
قلت: قد ظهر من كلام الخطابي وعياض والنووي أن هذا القول في البراء، ويترجح
هذا بوجهين:
الأول: أنه روي عن أبي إسحاق في بعض طرقه: سمعت عبد الله بن يزيد وهو
:
يخطب يقول: حدّثنا البراء، وكان غير كذوب. قال ابن دقيق العيد: استدل به بعضهم على
أنه كلام عبد الله بن يزيد. قلت: إذا كان هذا كلام عبد الله فيكون ذلك في البراء، وأوضح
من هذا وأبين ما رواه ابن خزيمة في (صحيحه) من طريق محارب بن دثار، قال: سمعت عبد
الله بن يزيد على المنبر يقول: حدثني البراء وكان غير كذوب.
الثاني: أن الضمير - أعني قوله: وهو - يرجع إلى أقرب المذكورين وهو البراء، فإن
قلت: كيف نزه يحيى بن معين البراء عن التعديل لأجل صحبته ولم ينزه عبد الله بن يزيد وهو
أيضاً صحابي؟ قلت: يحيى بن معين لا تثبت صحبته فلذلك تنسب هذه اللفظة إليه، ووافقه
على ذلك مصعب الزبيري، وتوقف في صحبته أحمد وأبو حاتم وأبو داود، وأثبتها ابن البرقي
والدارقطني وآخرون. فإن قلت: نفي الكذوبية لا يستلزم نفي الكاذبية، مع أنه يجب نفي
مطلق الكذب عنهما، قلت: معناه غير ذي كذب، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وما ربك بظلام
للعبيد﴾ [فصلت: ٤٦]. أي: وما ربك بذي ظلم. فإن قلت: ما سبب رواية عبد الله بن يزيد
هذا الحديث؟ قلت: روى الطبراني من طريقه أنه كان يصلي بالناس بالكوفة، فكان الناس
يضعون رؤوسهم قبل أن يضع رأسه، ويرفعون قبل أن يرفع رأسه، فذكر الحديث في إنكاره
علیهم.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً عن أبي نعيم وعن حجاج
عن شعبة وعن آدم عن إسرائيل. وأخرجه مسلم فيه عن أحمد بن يونس ويحيى بن يحيى
كلاهما عن زهير وعن أبي بكر بن خلاد. وأخرجه أبو داود فيه عن حفص بن عمر عن شعبة
به. وأخرجه الترمذي فيه عن بندار عن ابن مهدي عن سفيان به. وأخرجه النسائي عن يعقوب
ابن إبراهيم عن إسماعيل بن علية وعن علي بن الحسين الدرهمي عن أمية بن خالد، كلاهما

٣٢٤
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٥٣)
عن شعبة به.
ذكر معناه: قوله: ((إذا قال: سمع الله لمن حمده)) وفي رواية شعبة: ((إذا رفع رأسه
من الركوع)). وفي رواية لمسلم: ((فإذا رفع رأسه من الركوع فقال: سمع الله لمن حمده لم
نزل قياماً). قوله: ((لم يحن))، بفتح الياء آخر الحروف وسكون الحاء المهملة، من: حنيت
العود عطفته وحنوت لغة، قاله الجوهري، وفي رواية مسلم: ((لا يحنو أحد، ولا يحني»،
روايتان أي: لا يقوس ظهره. قوله: ((حتى يقع ساجداً)) أي: حال كونه ساجداً، وفي رواية
الإسرائيلي عن أبي إسحاق: ((حتى يضع جبهته على الأرض))، ونحوه وفي رواية مسلم من
رواية زهير عن أبي إسحاق، وفي رواية أحمد عن غندر عن شعبة: ((حتى يسجد ثم
يسجدون)). قوله: ((ثم نقع)) بنون المتكلم مع الغير. قوله: ((سجوداً) حال، وهو جمع:
ساجد، ونقع، مرفوع لا غير، و: يقع، الأول الذي هو منصوب فاعله النبي عَ ◌ّه، يجوز فيه
الأمران: الرفع والنصب.
ذكر ما يستنبط منه فيه: وجوب متابعة الإمام في أفعاله، واستدل به ابن الجوزي على
أن المأموم لا يشرع في الركن حتى يتمه الإمام، وفيه نظر، لأن الإمام إذا أتم الركن ثم شرع
المأموم فيه لا يكون متابعاً للإمام ولا يعتد بما فعله، ومعنى الحديث أن المأموم يشرع بعد
شروع الإمام في الركن وقبل فراغه منه حتى توجد المتابعة، ووقع في حديث عمرو بن سليم
أخرجه مسلم: ((فكان لا يحني أحد منا ظهره حتى يستقيم ساجداً)). وروى أبو يعلى من
حديث أنس: ((حتى يتمكن النبي عَّ من السجود))، ومعنى هذا كله ظاهر في أن المأموم
يشرع في الركن بعد شروع الإمام فيه، وقبل فراغه منه. واستدل به قوم على طول الطمأنينة،
وفيه نظر، لأن الحديث لا يدل على هذا. وفيه: جواز النظر إلى الأمام لأجل اتباعه في
انتقالاته في الأركان.
حدّثنا أبو نُعَيْمِ عنْ سُفْيَانَ عنْ أبي إسْحَاقَ نَحْوَهُ بِهَذَا
أبو نعيم هو الفضل بن دكين، وسفيان هو الثوري وأبو إسحاق هو السبيعي المذكور،
وهذا السند وقع في البخاري في رواية المستملي وكريمة، وليس بموجود في رواية الباقين.
وقال صاحب (التلويح): هذا السند مذكور في نسخة سماعنا، وفي بعض النسخ عليه ضرب،
ولم يذكره أصحاب الأطراف: أبو العباس الطرقي وخلف وأبو مسعود فمن بعدهم، ولم
يذكره أيضاً أبو نعيم في (المستخرج) قلت: أخرجه أبو عوانة عن الصاغاني وغيره عن أبي
نعيم، ولفظه: ((كنا إذا صلينا خلف النبي ◌َّم لم يحن أحد منا ظهره حتى يضع النبي ◌َّ
جبهته)).
٥٣ - بابُ إِثْمِ مَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ
أي: هذا باب في بيان إثم من رفع رأسه في الصلاة قبل رفع الإمام رأسه. قال
بعضهم: أي: من السجود. قلت: ومن الركوع أيضاً، فلا وجه لتخصيص السجود لأن

٣٢٥
١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٥٣)
الحديث أيضاً يشمل الإثنين بحسب الظاهر كما يجيء. فإن قلت: لهذا القائل أن يقول: إنما
قلت: أي من السجود، لأنه في رواية أبي داود عن حفص بن عمرو عن شعبة عن محمد بن
زياد قال: قال رسول الله عَّله: ((أما يخشى - أو ألاَ يخشى ــ أحدكم إذا رفع رأسه
والإمام ساجد ... )) الحديث فتبين أن المراد الرفع من السجود. قلت: رواية البخاري تتناول
المنع من تقدم المأموم على الإمام في الرفع من الركوع والسجود معاً، ولا يجوز أن تخصص
رواية البخاري برواية أبي داود، لأن الحكم فيهما سواء، ولو كان الحكم مقصوراً على الرفع
من السجود لكان لدعوى التخصيص وجه، ومع هذا فالقائل المذكور ذكر الحديث عن البراء
من رواية مليح بن عبد الله السعدي عن أبي هريرة مرفوعاً: ((الذي يخفض ويرفع قبل الإمام
إنما ناصيته بيد الشيطان)). وهذا ينقض عليه ما قاله، ويرده عليه. وأعجب من هذا أنه رد على
ابن دقيق العيد حيث قال: إن الحديث نص في المنع من تقدم المأموم على الإمام في الرفع
من الركوع والسجود معاً، فهذا دقيق الكلام الذي قاله ابن الدقيق، ومستنده في الرد عليه هو
قوله: وإنما هو نص في السجود، ويلتحق به الركوع لأنه في معناه، وهذا كلام ساقط جداً،
لأن الكلام ههنا في رواية البخاري وليس فيها نص في السجود، بل هو نص عام في السجود
والركوع. ودعوى التخصيص لا تصح كما ذكرنا، نعم لو ذكر النكتة في رواية أبي داود في
تخصيص السجدة بالذكر لكان له وجه، وهي أن رواية أبي داود من باب الاكتفاء، فاكتفى
بذكر حكم السجدة عن ذكر حكم الركوع لكون العلة واحدة وهي السبق على الإمام كما
في قوله تعالى: ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ [النحل: ٨١]. أي: والبرد أيضاً، وإنما لم يعكس
الأمر لأن السجدة أعظم من الركوع في إظهار التواضع والتذلل، والعبد أقرب ما يكون إلى
الرب وهو ساجد.
٦٩١/٨٢ - حدّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهَالٍ قال حدّثنا شُعْبَةُ عنْ مُحَمَّدِ بنِ زِيادٍ سَمِعْتُ
أبا هُرَيْرَةَ عنِ النَّبِيِّ عَ لَّه قال أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ أَوْ أَلاَ يَخْشَى أَحَدُكُمْ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ
الإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ الله رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ أَوْ يَجْعَلَ الله صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ.
مطابقته للترجمة من حيث إن فيه وعيداً شديداً وتهديداً، ومرتكب الشيء الذي فيه
الوعيد آثم بلا نزاع.
ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: حجاج بن منهال السلمي الأنماطي البصري أبو محمد،
وقد مر ذكره في: باب ما جاء إن الأعمال بالنية، في آخر كتاب الإيمان. الثاني: شعبة بن
الحجاج. الثالث: محمد بن زياد، بكسر الزاي وتخفيف الياء آخر الحروف: الجمحي
المدني سكن البصرة. الرابع: أبو هريرة، رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في
موضعين. وفيه: السماع. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: أن رواته ما بين بصري وواسطي
ومدني. وفيه: أنه من رباعيات البخاري.

٣٢٦
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٥٣)
ذكر من أخرجه غيره: هذا الحديث أخرجه الأئمة الستة ولكن بهذا الإسناد أخرجه
مسلم عن عبد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة. وأخرجه أبو داود عن حفص بن عمرو عن
شعبة، وأخرجه الترمذي عن قتيبة عن حماد بن زيد عن محمد بن زياد عن أبي هريرة، رضي
الله تعالى عنه. وأخرجه النسائي عن قتيبة عن حماد بن زيد عن محمد بن زياد. وأخرجه ابن
ماجة عن حميد بن مسعدة وسوید بن سعید عن حماد بن زيد عن محمد بن زیاد، وروى
الطبراني في (معجمه الكبير) من حديث موسى بن عبد الله بن يزيد عن أبيه: ((أنه كان يصلي
بالناس ههنا وكان الناس يضعون رؤوسهم قبل أن يضع رأسه ويرفعون رؤوسهم قبل أن يرفع
رأسه، فلما انصرف التفت إليهم فقال: يا أيها الناس لِمَ تأثمون وتؤثمون، صليت بكم صلاة
رسول الله، عَّه، لا أخرم عنها)). وروى أيضاً من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه،
قال: ((ما يأمن الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يعود رأسه رأس كلب، ولينتهين أقوام يرفعون
أبصارهم إلى السماء، أو لتخطفن أبصارهم)). وروى أيضاً في (الأوسط) من حديث أبي سعيد
الخدري، رضي الله تعالى عنه. قال: ((صلى رجل خلف النبي، عَّه، فجعل يركع قبل أن
يركع، ويرفع قبل أن يرفع، فلما قضى النبي عَّ له، صلاته قال: من الفاعل هذا؟ قال: أنا يا
رسول الله. قال: اتقوا خداج الصلاة، إذا ركع الإمام فاركعوا وإذا رفع فارفعوا.
ذكر معناه: قوله: ((أما يخشى أحدكم))، وفي رواية الكشميهني: ((أَوَ لاَ يخشى)).
قلت: اختلفت ألفاظ هذا الحديث، فرواية مسلم والترمذي وابن ماجه: ((أما يخشى الذي يرفع
رأسه))، وفي رواية النسائي: ((ألا يخشى)، وفي رواية البخاري وأبي داود من رواية شعبة: ((أمَّا
يخشى - أو ألا يخشى -)) بالشك، قال الكرماني: الشك من أبي هريرة، وكلمة: أما،
بتخفيف الميم: حرف استفتاح مثل أَلاً. وأصلها: ما، النافية دخلت عليها همزة الاستفهام،
وهو ههنا استفهام توبيخ وإنكار. قوله: ((إذا رفع رأسه قبل الإمام))، زاد ابن خزيمة من رواية
حماد بن زيد عن محمد بن زياد: ((في صلاته))، وفي رواية أبي داود عن حفص بن عمر:
((الذي يرفع رأسه والإمام ساجد)). قوله: ((أن يجعل الله رأسه رأس حمار؟)) وههنا أيضاً
اختلفت ألفاظ الحديث، ففي رواية يونس بن عبيد عند مسلم: ((ما يأمن الذي يرفع رأسه في
صلاته أن يحول الله صورته في صورة حمار؟)). وفي رواية الربيع بن مسلم عند مسلم: ((أن
يجعل الله وجهه وجه حمار؟)) وفي رواية لابن حبان، من رواية محمد بن ميسرة عن محمد
ابن زياد: ((أن يحول الله رأسه رأس كلب)) وفي رواية الطبراني في (الأوسط) من رواية محمد
ابن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً: ((ما يؤمن من يرفع رأسه قبل الإمام ويضعه))
وفي رواية الدارقطني من رواية مليح السعدي عن أبي هريرة قال: ((الذي يرفع رأسه قبل الإمام
ويخفضه قبل الإمام فإنما ناصيته بيد شيطان)). ورواه البزار أيضاً، كما ذكرنا وذكرنا الآن أيضاً
عن ابن مسعود: ((أن يعود رأسه رأس كلب؟)) وهو موقوف، ولكنه لا يدرك بالرأي، فحكمه
حكم المرفوع. قوله: ((أو يجعل صورته صورة حمار؟)) قال الكرماني أيضاً: الشك فيه من
أبي هريرة. وقال بعضهم: الشك من شعبة ثم أكد هذا بقوله، فقد رواه الطيالسي عن حماد

٣٢٧
١٠ - كِتَابُ الأذَانِ / باب (٥٣)
ابن سلمة وابن خزيمة من رواية حماد بن زيد ومسلم من رواية يونس بن عبيد والربيع بن
مسلم، کلهم عن محمد بن زياد بغیر تردد.
قلت: لا يلزم من إخراجهم بغير تردد أن لا يخرج غيرهم بغير تردد، وإذا كان الأمر
كذلك يحتمل أن يكون التردد من شعبة أو من محمد بن زياد أو من أبي هريرة، فمن ادعى
تعيين واحد منهم فعليه البيان، وأما اختلافهم في الرأس أو الصورة ففي رواية حماد بن زيد
وحماد بن سلمة: رأس، وفي رواية يونس: صورة وفي رواية الربيع، وجه. وقال بعضهم:
الظاهر أنه من تصرف الرواة. قلت: كيف يكون من تصرفهم ولكل واحد من هذه الألفاظ
معنى في اللغة يغاير معنى الآخر؟ أما الرأس فإنه اسم لعضو يشتمل على الناصية والقفا
والفودين. والصورة: الهيئة، ويقال: صورته حسنة أي: هيئته وشكله، ويطلق على الصفة أيضاً
يقال: صورة الأمر كذا وكذا أي: صفته، ويطلق على الوجه أيضاً يقال: صورته حسنة أي:
وجهه، ويطلق على شكل الشيء وعلى الخلقة. والوجه اسم لما يواجهه الإنسان، وهو من
منبت الناصية إلى أسفل الذقن طولاً ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأذن عرضاً. والظاهر أن
هذا الاختلاف من اختلاف تعدد القضية، ورواة الرأس أكثر، وعليه العمدة. وقال عياض: هذه
الروايات متفقة لأن الوجه في الرأس، ومعظم الصورة فيه، وفيه نظر، لأن الوجه خلاف الرأس
لغة وشرعاً.
ثم العلماء تكلموا في معنى: ((أن يجعل رأسه رأس حمار أو صورته صورة حمار؟))
قال الكرماني: قيل هذا مجاز عن البلادة، لأن المسخ لا يجوز في هذه الأمة. وقال القاضي
أبو بكر بن العربي: ليس قوله: ((أن يحول الله رأسه رأس حمار)) في هذه الأمة بموجود، فإن
المسخ فيها مأمون، وإنما المراد به معنى الحمار من قلة البصيرة وكثرة العناد، فإن من شأنه إذا
قيد حزن وإذا حبس طفر لا يطيع قائداً ولا يعين حابساً. قلت: في كلامهما: إن المسخ لا
يجوز في هذه الأمة، وإن المسخ فيها مأمون، نظر، وقد روي وقوع ذلك في آخر الزمان عن
جماعة من الصحابة، فرواه الترمذي من حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، قالت: قال
رسول الله عَّةٍ: ((يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذف .. )) الحديث، وروي أيضاً
عن علي وأبي هريرة وعمران بن حصين، وروى ابن ماجة من حديث ابن مسعود وابن عمر
وعبد الله بن عمرو وسهل بن سعد، وروى أحمد والطبراني من حديث أبي أمامة وروى عبد
الله بن أحمد في (زوائد المسند) من حديث عبادة بن الصامت وابن عباس، وروى أبو يعلى
والبزار من حديث أنس، وروى الطبراني أيضاً من حديث عبد الله بن بشر وسعيد بن أبي
راشد وروى الطبراني أيضاً في (الصغير) من حديث أبي سعيد الخدري وابن عباس أيضاً،
ولكن أسانيدها لا تخلو من مقال. وقال الشيخ تقي الدين: إن الحديث يقتضي تغيير الصورة
الظاهرة، ويحتمل أن يرجع إلى أمر معنوي مجازاً، فإن الحمار موصوف بالبلادة. قال:
ويستعار هذا المعنى للجاهل بما يجب عليه من فروض الصلاة ومتابعة الإمام، وربما يرجح هذا
المجاز بأن التحويل في الصورة الظاهرة لم يقع من كثرة رفع المأمومين قبل الإمام، وقد بينا
:

٣٢٨
١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٥٤)
أن الحديث لا يدل على وقوع ذلك، وإنما يدل على كون فاعله متعرضاً لذلك بكون فعله
صالحاً لأن يقع ذلك الوعيد، ولا يلزم من التعرض للشيء وقوع ذلك الشيء. قلت: وإن
سلمنا ذلك فلِمَ لا يجوز أن يؤخر العقاب إلى وقت يريده الله تعالى؟ كما وقفنا في بعض
الكتب وسمعنا من الثقات أن جماعة من الشيعة الذين يسبون الصحابة قد تحولت صورتهم
إلى صورة حمار وخنزير عند موتهم، وكذلك جرى على من عق والديه، وخاطبهما باسم
الحمار أو الخنزير أو الكلب؟
ذكر ما يستفاد منه: فيه: كمال شفقته عَُّلَّه بأمته وبيانه لهم الأحكام وما يترتب عليها
من الثواب والعقاب. وفيه: الوعيد المذكور لمن رفع رأسه قبل الإمام، ونظر ابن مسعود إلى
من سبق إمامه فقال: لا وحدك صليت ولا بإمامك اقتديت. وعن ابن عمر نحوه، وأمره
بالإعادة. والجمهور على عدم الإعادة. وقال القرطبي: من خالف الإمام فقد خالف سنة
المأموم وأجزأته صلاته عند جميع العلماء. وفي (المغني) لابن قدامة: وإن سبق إمامه فعليه
أن يرفع ليأتي بذلك مؤتماً بالإمام فإن لم يفعل حتى لحقه الإمام سهواً أو جهلاً فلا شيء
عليه، فإن سبقه عالماً بتحريمه. فقال أحمد في رسالته: ليس لمن سبق الإمام صلاة، لقوله:
((أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام ... ؟)) الحديث، ولو كان له صلاة لرجى له الثواب،
ولم يخش عليه العقاب، وقال ابن بزيزة: استدل بظاهره قوم لا يعقلون على جواز التناسخ.
قلت: هذا مذهب مردود، وقد بنوه على دعاوى باطلة بغير دليل وبرهان.
٥٤ - بابُ إمامَةِ العَبْدِ والمَوْلَى
أي: هذا باب في بيان حكم إمامة العبد والمولى، وأراد به المولى الأسفل، وهو
المعتوق، وللفظ المولى معانٍ متعددة، والمراد به هنا: المعتوق، قيل: لم يفصح بالجواز،
لكن لوح به لإيراده أدلته.
وكانَتْ عَائِشَةُ يَؤُمُّها عَبْدُهَا ذَكْوَانُ مِنَ المُصْحَفِ
إيراد هذا الأثر يدل على أن مراده من الترجمة الجواز، وإن كانت الترجمة مطلقة،
ووصل هذا ابن أبي شيبة عن وكيع عن هشام بن عروة عن أبي بكر بن أبي مليكة: أن
عائشة، رضي الله تعالى عنها، أعتقت غلاماً عن دبر، فكان يؤمها في رمضان في المصحف.
وروى أيضاً عن ابن علية: عن أيوب سمعت القاسم يقول: كان يؤم عائشة عبد يقرأ في
المصحف، ورواه الشافعي عن عبد المجيد بن عبد العزيز عن ابن جريج: أخبرني عبد الله بن
عبيد الله بن أبي مليكة أنهم كانوا يأتون عائشة بأعلى الوادي هو وعبيد بن عمير والمسور بن
مخرمة وناس كثير، فيؤمهم أبو عمر ومولى عائشة، وهو يومئذ غلام لم يعتق. وكان إمام بني
محمد بن أبي بكر وعروة. وعند البيهقي من حديث أبي عتبة أحمد بن الفرج الحمصي:
حدّثنا محمد بن حمير حدّثنا شعيب بن أبي حمزة عن هشام عن أبيه أن أبا عمرو ذكوان
کان عبداً لعائشة، فأعتقه و کان یقوم بها شهر رمضان يؤمها، وهو عبد. وروى ابن أبي داود

٣٢٩
١٠ - كِتَابُ الأذَانِ / باب (٥٤)
في (كتاب المصاحف) من طريق أيوب عن ابن أبي مليكة: أن عائشة كان يؤمها غلامها
ذكوان في المصحف. وذكوان: بالذال المعجمة، وكنيته أبو عمرو، مات في أيام الحرة أو
قتل بها.
قوله: ((وهو يومئذ غلام))، الغلام هو الذي لم يحتلم، ولكن الظاهر أن المراد منه
المراهق، وهو كالبالغ. قوله: ((من المصحف))، ظاهره يدل على جواز القراءة من المصحف
في الصلاة، وبه قال ابن سيرين والحسن والحكم وعطاء، وكان أنس يصلي وغلام خلفه
يمسك له المصحف، وإذا تعايا في آية فتح له المصحف. وأجازه مالك في قيام رمضان،
وكرهه النخعي وسعيد بن المسيب والشعبي، وهو رواية عن الحسن. وقال: هكذا يفعل
النصارى، وفي مصنف ابن أبي شيبة وسليمان بن حنظلة ومجاهد بن جبير وحماد وقتادة،
وقال ابن حزم: لا تجوز القراءة من المصحف ولا من غيره لمصل إماماً كان أو غيره، فإن
تعمد ذلك بطلت صلاته، وبه قال ابن المسيب والحسن والشعبي وأبو عبد الرحمن السلمي
وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، قال صاحب (التوضيح): وهو غريب لم أره عنه. قلت:
القراءة من مصحف في الصلاة مفسدة عند أبي حنيفة لأنه عمل كثير، وعند أبي يوسف
ومحمد يجوز، لأن النظر في المصحف عبادة، ولكنه يكره لما فيه من التشبه بأهل الكتاب
في هذه الحالة، وبه قال الشافعي وأحمد، وعند مالك وأحمد في رواية. لا تفسد في النفل
فقط.
وأما إمامة العبد، فقد قال أصحابنا: تكره إمامة العبد لاشتغاله بخدمة مولاه، وأجازها أبو
ذر وحذيفة وابن مسعود، ذكره ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، وعن أبي سفيان أنه كان يؤم
بني عبد الأشهل وهو مكاتب وخلفه صحابة محمد بن مسلمة وسلمة بن سلام، وصلى
سالم خلف زياد مولى ابن الحسن وهو عبد، ومن التابعين ابن سيرين والحسن وشريح
والنخعي والشعبي والحكم، ومن الفقهاء الثوري وأبو حنيفة وأحمد والشافعي وإسحاق، وقال
مالك: تصح إمامته في غير الجمعة، وفي رواية: لا يؤم إلاّ إذا كان قارئاً ومن خلفه الأحرار
لا يقرأون، ولا يؤم في جمعة ولا عيد. وعن الأوزاعي: لا يؤم إلا أهله. وممن كره الصلاة
خلفه: أبو مجلز، فيما ذكره ابن أبي شيبة، والضحاك بزيادة: ولا يؤم من لم يحج قوماً فيهم
من قد حج. وفي (المبسوط): إن إمامته جائزة وغيره أحب. قلت: ولا شك أن الحر أولى
منه لأنه منصب جليل، فالحر أليق بها، وقال ابن خيران من أصحاب الشافعية: تكره إمامته
للحر، وخالف سليم الرازي، ولو اجتمع عبد فقيه وحر غير فقيه فثلاثة أوجه: أصحها أنهما
سواء، ويترجح قول من قال: العبد الفقيه أولى لما أن سالماً مولى أبي حذيفة كان يؤم
المهاجرين الأولين في مسجد قباء فيهم عمر وغيره، لأنه كان أكثرهم قرآناً.
وَوَلَدِ الْبَغِيّ
عطف على قوله: والمولى، ولكن فصل بين المعطوف والمعطوف عليه بأثر عائشة،
:

٣٣٠
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٥٤)
و: البغي، بفتح الباء الموحدة وكسر الغين المعجمة وتشديدها: وهي الزانية، ونقل ابن التين
أنه رواه بفتح الباء وسكون الغين، وقال بعضهم: وسكون المعجمة والتخفيف. قلت: قوله:
والتخفيف، غلط لأن السكون يغني عن ذكره، وأما إمامة ولد الزنا فجائزة عند الجمهور،
وأجاز النخعي إمامته، وقال: رب عبدٍ خير من مولاه، والشعبي وعطاء والحسن، وقالت
عائشة: ليس عليه من وزر أبويه شيء، ذكره ابن أبي شيبة، وإليه ذهب الثوري والأوزاعي
وأحمد وإسحاق ومحمد بن عبد الحكم، وكرهها عمر بن عبد العزيز ومجاهد ومالك إذا
كان راتباً. وقال صاحب (التوضيح): ولا تكره إمامته عندنا خلافاً للشيخ أبي حامد والعبدري،
وقال الشافعي: وأكره أن أنصب من لا يعرف أبوه إماماً، وتابعه البندنيجي، وغيره صرح
بعدمها، وقال ابن حزم: الأعمى والخصي والعبد وولد الزنا وأضدادهم، والقرشي سواء، لا
تفاضل بينهم إلاّ بالقراءة، وقال أصحابنا الحنفية: تكره إمامة العبد وولد الزنا لأنه يستخف به،
فإن تقدما جازت الصلاة.
وَالأَغْرَابِيُّ
بالجر عطف على: ولد البغي، وهو بفتح الهمزة، وقد نصب إلى الجمع لأنه صار
علماً لهم، فهو في حكم المفرد، والأعراب: سكان البادية من العرب. وقال صاحب
(المنتهى) خاصة: والجمع أعاريب، وليس الأعراب جمعاً لعرب، كما أن الأنباط جمع
للنبط، وذكر النضر وغيره أن الأعراب جمع عرب، مثل: غنم وأغنام، وإنما سموا أعراباً لأنهم
عرب تجمعت من ههنا وههنا، وأجاز أبو حنيفة إمامته مع الكراهة لغلبة الجهل عليه، وبه قال
الثوري والشافعي وإسحاق، وصلى ابن مسعود خلف أعرابي، ولم ير بها بأساً إبراهيم
والحسن وسالم. وفي الدارقطني من حديث مجاهد عن ابن عباس مرفوعاً: ((لا يتقدم الصف
الأول أعرابي ولا عجمي ولا غلام لم يحتلم)).
والغُلَمِ الَّذِي لَمْ يَحْتَلِمْ
بالجر أيضاً عطف على ما قبله، وظاهره مطلق يتناول المراهق وغيره، ولكن يخرج منه
من كان دون سن التمييز بدليل آخر، ويفهم أن البخاري يجوز إمامته، وهو مذهب الشافعي
أيضاً، ومذهب أبي حنيفة: أن المكتوبة لا تصح خلفه، وبه قال أحمد وإسحاق، وقال داود:
في النفل روايتان عن أبي حنيفة، وبالجواز في النفل قال أحمد وإسحاق، وقال داود: لا تصح
فيما حكاه ابن أبي شيبة عن الشعبي ومجاهد وعمر بن عبد العزيز وعطاء، وأما نقله: ابن
المنذر عن أبي حنيفة وصاحبيه أنها مكروهة فلا يصح هذا النقل، وعند الشافعي في الجمعة
قولان، وفي غيرها يجوز لحديث عمرو بن سلمة الذي فيه: أؤمهم وأنا ابن سبع أو ثمان سنين،
وعن الخطابي أن أحمد كان يضعف هذا الحديث، وعن ابن عباس: لا يؤم الغلام حتى
يحتلم، وذكر الأثرم بسند له عن ابن مسعود أنه قال: لا يؤم الغلام حتى تجب عليه الحدود،
وعن إبراهيم: لا بأس أن يؤم الغلام قبل أن يحتلم في رمضان، وعن الحسن مثله ولم يقيده.

٣٣١
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٥٤)
لِقَوْلِ النَّبِيِّ عَّهِ: يَؤُمُّهُمْ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ
هذا تعليل لجمع ما ذكر قبله من: العبد وولد البغي والأعرابي والغلام الذي لم يحتلم،
معنى الحديث: لم يفرق بين المذكورين وغيرهم، ولكن الذي يظهر من هذا أن إمامة أحد
من هؤلاء إنما تجوز إذا كان أقرأ القوم. ألا ترى أن الأشعث بن قيس قدم غلاماً، فعابوا ذلك
عليه، فقال: ما قدمته. ولكن قدمه القرآن العظيم، وقوله عَّةِ: ((يؤم القوم أقرؤهم لكتاب
الله))، تعليق، وهو طرف من حديث أبي مسعود، أخرجه مسلم وأصحاب السنن بلفظ: ((يؤم
القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى))، وروى أبو سعيد عنده أيضاً مرفوعاً: ((أحق بالإمامة أقرؤهم))،
وعند أبي داود من حديث ابن مسعود: ((وليؤمهم أقرؤهم».
وَلاَ يْنَعُ العَبْدُ مِنَ الجَمَاعَةِ بَغَيرٍ عِلَّةِ
هذه الجملة معطوفة على الترجمة، وهي من كلام البخاري وليست من الحديث
المعلق، ووجه عدم منعه من حضور الجماعة لأن حق الله مقدم على حق المولى في باب
العبادة، وقد ورد وعيد شديد في ترك حضور الجماعة بغير ضرورة، أشار إليها بقوله: بغير
علة، أي: بغير ضرورة. وقال بعضهم: بغير ضرورة لسيده. قلت: قيد السيد لا طائل تحته،
لأن عند الضرورة الشرعية ليس عليه الحضور مطلقاً، كما في حق الحر.
٦٩٢/٨٣ - حدّثنا إنْرَاهِيمٌ بنُ المُنْذِرِ قال حدّثنا أنسُ بنُ عِياضٍ عنْ عُبَيْدِ الله عنْ نافِعِ
عنْ ابنِ عُمَرَ قال لَمَّا قَدِمَ المُهَاجِرُونَ الأُوَّلُونَ العُصْبَةَ مَوْضِعٌ بِقُبَاءَ قَبْلَ مَقْدَمِ رسولِ الله
عَّهِ كَانَ يَؤُمُّهُمْ سالِمٌ مَوْلَى أبي حُذَيْفَةَ وكانَ أكْثَرَهُمْ قُرْآنَاً. [الحديث ٦٩٢ - طرفه في:
٧١٧٥].
مطابقته للترجمة من حيث إن فيه دلالة على جواز إمامة المولى.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: إبراهيم بن المنذر أبو إسحاق الحزامي المدني، وقد
مر غير مرة. الثاني: أنس بن عياض، بكسر العين المهملة وتخفيف الياء آخر الحروف، مر
في: باب التبرز في البيوت. الثالث: عبيد الله - بتصغير العبد - العمري، وقد مر غير مرة.
الرابع: نافع مولى ابن عمر. الخامس: عبد الله بن عمر.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة
مواضع. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن شيخ البخاري من أفراده. وفيه: أن رواته كلهم
مدنیون.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه أبو داود في الصلاة أيضاً عن القعنبي عن أنس بن
عياض، ورواه البيهقي وزاد: وفيهم أبو بكر وعمر وأبو سلمة وزيد بن حارثة وعامر بن ربيعة،
وقال الداودي: وإمامته لأبي بكر رضي الله تعالى عنه، يحتمل أن تكون بعد قدومه مع النبي

٣٣٢
١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٥٤)
ذكر معناه: قوله: ((لما قدم المهاجرون)) أي: من مكة إلى المدينة، وصرح به في
رواية الطبراني. قوله: ((الأولون))، أي: الذين قدموا أولاً قبل قدوم النبي عَّهِ. قوله: ((العصبة))،
بالنصب على الظرفية لأنه اسم موضع. قال الزمخشري في كتاب (أسماء البلدان): العصبة
موضع بقباء، قال الشاعر:
أخشى ركيباً أو رجيلاً عاديا
بنيته بعصبة من مـالـيـا
وفي (التوضيح) ضبطه شيخنا علاء الدين في (شرحه): بفتح العين وسكون الصاد
المهملة بعدها باء موحدة، وضبطه الحافظ شرف الدين الدمياطي: بضم العين، وكذا ضبطه
الشيخ قطب الدين الحلبي في (شرحه) وقال أبو عبيد البكري: موضع بقباء. روى البخاري
عن ابن عمر: لما قدم المهاجرون الأولون المعصب كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة
وكان أكثرهم قرآناً، كذا ثبت في متن الكتاب، وكتب عبد الله بن إبراهيم الأصيلي عليه
العصبة مهملاً غير مضبوط. قوله: ((موضعاً)، يجوز فيه النصب، والرفع، أما النصب فعلى أنه
بدل من العصبة، أو بيان له، وأما الرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف أي: هو موضع. قوله:
((بقباء)) في محل النصب على الوصفية أي: موضعاً كائناً بقباء، وقباء يمد ويقصر، ويصرف
ويمنع، ويذكر ويؤنث. قوله: ((سالم))، بالرفع لأنه اسم: كان. ((وكان)) أي: سالم ((أكثرهم))،
أي: أكثر المهاجرين الأولين قرآناً، وهو نصب على التمييز، وكان سالم مولى امرأة من
الأنصار فأعتقته، وإنما قيل له مولى أبي حذيفة لأنه لازم أبي حذيفة بعد أن أعتق فتبناه، فلما
نهوا عن ذلك قيل له: مولاه، واستشهد سالم باليمامة في خلافة أبي بكر، رضي الله تعالى
عنه. ويقال: قتل شهيداً هو وأبو حذيفة فوجد رأس سالم عند رجل أبي حذيفة ورأس حذيفة
عند رجل سالم، وقال الذهبي: سالم مولى أبي حذيفة من كبار البدريين، مشهور كبير القدر،
يقال له: سالم بن معقل، وكان من أهل فارس من اصطخر، وقيل: إنه من العجم من سبي
كرمان، وكان يعد في قريش لتبني أبي حذيفة له، ويعد في العجم لأصله، ويعد في
المهاجرين لهجرته، ويعد في الأنصار لأن معتقته أنصارية، ويعد من القراء، لأنه كان أقرؤهم
أي: أكثرهم قرآناً، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف العبشمي أحد
السابقين. قوله: ((وكان أكثرهم قرآناً))، إشارة إلى سبب تقديمهم له مع كونه أشرف منه وفي
رواية الطبراني: ((لأنه كان أكثرهم قرآنً). وكانت إمامته بهم قبل أن يعتق لأن المبحث فيه.
٨٤/ ٦٩٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بشارٍ قال حدّثنا يحيى قال حدّثنا شُعْبَةُ قال حدَّثني أَبُو
التَّيَّاحِ عنْ أَنَسٍ عنِ النَّبِيِّ عَ ◌ّه قال اسْمَعُوا وأَطِيعُوا وإنِ اسْتُعْمِلَ حَبَشِي كأنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ.
[الحديث ٦٩٣ - طرفاه في: ٦٩٦، ٧١٤٢].
مطابقته للترجمة من حيث إنه عَّر أمر بالسمع والطاعة للعبد إذا استعمل ولو كان
عبداً حبشياً، فأذا أمر بطاعته فقد أمر بالصلاة خلفه، أو إن المستعمل هو الذي فوض إليه
العمل، يعني: جعل أميراً أو والياً، والسنة أن يتقدم في الصلاة الوالى.

٣٣٣
١٠ - كِتَابُ الأذانِ / باب (٥٥)
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: محمد بن بشار، بفتح الباء الموحدة وتشديد الشين
المعجمة، وقد مر غير مرة. الثاني: يحيى بن سعيد القطان. الثالث: شعبة بن الحجاج.
الرابع: أبو التياح، بفتح التاء المثناة من فوق وتشديد الياء آخر الحروف وبعد الألف حاء
مهملة، واسمه يزيد بن حميد الضبعي، مر في: باب رفع العلم فيما مضى. الخامس: ابن
مالك.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع. وفيه: العنعنة في
موضعين. وفيه: القول في أربعة مواضع. وفيه: أن رواته ما بين بصري وواسطي، وهو شعبة.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الصلاة عن محمد بن
أبان عن غندر، وفي الأحكام عن مسدد عن يحيى. وأخرجه ابن ماجة في الجهاد عن بندار
وأبي بكر بن خلف، كلاهما عن یحیی به.
ذكر معناه: قوله: ((اسمعوا وأطيعوا))، يعني: في المعروف لا في المنكر. قوله: ((وإن
استعمل)) أي: وإن جعل عاملاً، وفي رواية البخاري في الأحكام: عن مسدد عن يحيى: ((وإن
استعمل عليكم عبد حبشي)). قوله: ((كأن رأسه زبيبة))، يريد سوادها، وقيل يريد قصر شعرها
واجتماع بعضه وتفرقه حتى يصير كالزبيب. وقال الكرماني: كأن رأسه زبيبة أي: حبة من
العنب يابسة سوداء، وهذا تمثيل في الحقارة وسماجة الصورة وعدم الاعتداد بها، وقيل: معناه
صغيرة، وذلك معروف في الحبشة.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: الدلالة على صحة إمامة العبد لأنه إذا أمر بطاعته فقد أمر
بالصلاة خلفه، كما ذكرناه الآن، وقال ابن الجوزي: هذا في الأمراء والعمال لا الأئمة
والخلفاء، فإن الخلافة في قريش لا مدخل فيها لغيرهم، وقال الكرماني: فإن قلت: كيف
يكون العبد والياً وشرط الولاية الحرية؟ قلت: بأن يوليه بعض الأئمة أو يتغلب على البلاد
بالشوكة. وفيه: النهي عن القيام على السلاطين وإن جاروا، لأن فيه تهييج فتنة تذهب بها
الأنفس والحرم والأموال، وقد مثله بعضهم بالذي يبني قصراً ويهدم مصراً. وفيه: دلالة على
وجوب طاعة الخارجي لأنه قال: حبشي، والخلافة في قريش، فدل على أن الحبشي إنما
يكون متغلباً، والفقهاء على أنه يطاع ما أقام الجمع والجماعات والعيد والجهاد.
٥٥ - بابٌ إِذَا لَمْ يُتِمِ الإِمَامُ وَأَتَ مَنْ خَلْفَهُ
أي: هذا باب ترجمته إذا لم يتم الإمام بأن قصر في الصلاة وأتم من خلفه أي:
المقتدي، وجواب: إذا محذوف تقديره: لا يضر من خلفه، ولكن هذا لا يمشي إلاَّ عند من
زعم أن صلاة الإمام إذا فسدت لا تفسد صلاة المقتدي، وإذا قدرنا الجواب: يضر، لا يمشي
إلاَّ عند من زعم أن صلاة الإمام إذا فسدت تفسد صلاة المقتدي، وهذا مذهب الحنفية، لأن
صلاة الإمام متضمنة صلاة المقتدي صحة وفساداً والأول مذهب الشافعية. لأن الاقتداء
عندهم بالإمام في مجرد المتابعة فقط، وترك البخاري الجواب ليشمل المذهبين إلاَّ أن

٣٣٤
١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٥٥)
حديث الباب يدل على أن جوابه: لا يضر.
٦٩٤/٨٥ - حدّثنا الفَضْلُ بنُ سَهْلٍ قال حدّثنا الحَسَنُ بنُ مُوسَى الأَشْيَبُ قال حدّثنا عَبْدُ
الرَّحْمنِ بنُ عَبْدِ الله بنِ دِينَارٍ عنْ زَيْدِ بنِ أُسْلَمَ عَنْ عَطَاءٍ بِنِ يَسَارٍ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ أنَّ رسُولَ
الله عَ لَِّ قَالَ يُصَلُّونَ لَكُمْ فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ وإنْ أَخْطَأُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ.
مطابقته للترجمة من حيث إن الإمام إذا لم يتم الصلاة وأتمها المقتدي فليس عليه
شيء، وهو معنى قوله: ((فإن أصابوا)) يعني فإن أتموا، وبه صرح ابن حبان في رواية من وجه
آخر عن أبي هريرة، ولفظه: ((يكون أقوام يصلون الصلاة فإن أتموا فلكم ولهم))، والأحاديث
يفسر بعضها بعضاً.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: الفضل بن سهل بن إبراهيم الأعرج البغدادي، من صغار
شيوخ البخاري، مات قبل البخاري ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين ومائتين، ومات الفضل
ابن إسهل ببغداد يوم الإثنين لثلاث ليال بقين من صفر سنة خمس وخمسين ومائتين. الثاني:
الحسن بن موسى الأشيب أبو علي الكوفي، سكن بغداد وأصله من خِراسان، ولي قضاء
حمص والموصل ثم قضاء طبرستان، ومات بالري سنة تسع ومائتين، والأشيب بفتح الهمزة
وسكون الشين المعجمة وفتح الياء آخر الحروف وفي آخره باء موحدة. الثالث: عبد الرحمن
ابن عبد الله بن دينار، مولى عبد الله بن عمر المدني. الرابع: زيد بن أسلم أبو أسامة، مولى
عمر بن الخطاب. الخامس: عطاء بن يسار، بفتح الياء آخر الحروف وتخفيف السين
المهملة: أبو محمد مولى ميمونة بنت الحارث زوج النبي عَّهِ. السادس: أبو هريرة، رضي
الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في
ثلاثة مواضع. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن رواته ما بين بغدادي وكوفي ومدني. وفيه:
أن عبد الرحمن بن عبد الله من أفراد البخاري. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي.
وهذا الحديث انفرد به البخاري. وأخرجه ابن حبان عن أبي هريرة من وجه آخر، وقد
ذكرناه. وأخرجه الدارقطني عن أبي هريرة: ((سيليكم بعدي ولاة فاسمعوا وأطيعوا فيما وافق
الحق، وصلوا وراءهم فإن أحسنوا فلهم، وإن أساؤوا فعليهم)). وفي (سنن أبي داود) بإسناد
حسن، من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((يكون عليكم أمراء من بعدي يؤخرون الصلاة، فهي
لكم وهي عليهم، فصلوا معهم ما صلوا القبلة)). ورواه أبو ذر وثوبان أيضاً مرفوعاً، وروى
الحاكم مصححاً عن سهل بن سعد: ((الإمام ضامن فإن أحسن فله ولهم، وإن أساء فعليه لا
عليهم)). وأخرجه على شرط مسلم. وأخرج أيضاً على شرط البخاري عن عقبة بن عامر: ((من
أم الناس فأثم))، وفي نسخة: ((فأصاب فالصلاة له ولهم، ومن انتقص من ذلك شيئاً فعليه ولا
عليهم)). وأعله الطحاوي بانقطاع ما بين عبد الرحمن بن حرملة وأبي علي الهمداني الراوي
عن عقبة، وفي مسند عبد الله بن وهب: عن أبي شريح العدوي: ((الإمام جنة فإن أتم فلكم

٣٣٥
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٥٥)
وله، وإن نقص فعليه النقصان ولكم التمام)).
ذكر معناه: قوله: ((يصلون)) أي: الأئمة. قوله: ((لكم)) أي: لأجلكم، فاللام فيه للتعليل.
قوله: ((فإن أصابوا)) يعني: فإن أتموا، يدل عليه حديث عقبة بن عامر المذكور، آنفاً. وقال ابن
بطال: ((إن أصابوا)) يعني: الوقت، فإن بني أمية كانوا يؤخرون الصلاة تأخيراً شديداً. قلت:
يدل عليه ما رواه أبو داود بسند جيد: عن قبيصة بن وقاص، قال رسول الله عَّ له: ((يكون
عليكم أمراء من بعدي يؤخرون الصلاة، فهي لكم وهي عليهم، فصلوا معهم ما صلوا
القبلة))، وما رواه النسائي وابن ماجه عن ابن مسعود، قال عَّله: ((ستدركون أقواماً يصلون
الصلاة لغير وقتها، فإن أدركتموهم فصلوا في بيوتكم للوقت الذي تعرفون، ثم صلوا
معهم واجعلوها سبحة)). وقال الكرماني: فإن أصابوا في الأركان والشرائط والسنن فلكم.
قوله: ((وان أخطأوا)) أي: وإن لم يصيبوا. قوله: ((فلكم)) أي: ثوابها، ((وعليهم)) أي: عقابها،
لأن: على تستعمل في الشر، و: اللام، في الخير. وقال أبو عبد الملك قوله: ((فلكم)) يريد
ثواب الطاعة والسمع، ((وعليهم)) إثم ما صنعوا وأخطأوا، وقيل: إن صليتم أفذاذاً في الوقت
فصلاتكم تامة إن أخطأوا في صلاتهم وائتممتم بهم. وقال الكرماني: الخطأ عقابه مرفوع عن
المكلفين، فكيف يكون عليهم؟ وأجاب بأن الأخطاء ههنا في مقابلة الإصابة لا في مقابلة
العمد، وهذا الذي في مقابلة العمد هو المرفوع لا ذاك، وسأل أيضاً ما معنى كون غير
الصواب لهم إذ لا خير فيه حتى يكون لهم؟ وأجاب بقوله: معناه صلاتكم لكم وكذا ثواب
الجماعة لكم.
ذكر ما يستفاد منه: قال المهلب: وفيه: جواز الصلاة خلف البر والفاجر إذا خيف
منه، يعني إذا كان صاحب شوكة. وفي (شرح السنة) فيه: دليل على أنه إذا صلى بقوم
محدثاً أنه تصح صلاة المأمومين خلفه وعليه الإعادة، قلت: هذا على مذهب الشافعي كما
ذكرنا أن المؤتم عنده تبع للإمام في مجرد الموافقة لا في الصحة والفساد، وبه قال مالك
وأحمد، وعندنا يتبع له مطلقاً، يعني: في الصحة والفساد، وثمرة الخلاف تظهر في مسائل:
منها: أن الإمام إذا ظهر محدثاً أو جنباً لا يعيد المؤتم صلاته عندهم. ومنها: أنه يجوز اقتداء
القائم بالمومى. ومنها: قراءة الإمام لا تنوب عن قراءة المقتدي. ومنها: أنه يجوز اقتداء
المفترض بالمتنفل، وبمن يصلي فرضاً آخر. ومنها: أن المقتدي يقول: سمع الله لمن حمده.
وعندنا: الحكم بالعكس في كلها، ودليلنا ما رواه الحاكم مصححاً عن سهل بن سعد:
((الإمام ضامن))، يعني: صلاتهم في ضمن صلاته صحة وفساداً. وقد استدل به قوم: أن
الائتمام بمن يحل بشيء من الصلاة ركناً كان أو غيره صحيح إذا أتم المأموم، قيل: هذا وجه
عند الشافعية بشرط أن يكون الإمام هو الخليفة أو نائبه.
وقال قوم المراد: بقوله: ((فإن اخطأوا فلكم)) يعني: صلاتكم في بيوتكم في الوقت،
وكذلك كان جماعة من السلف يفعلون، روي عن ابن عمر أن الحجاج لما أخر الصلاة
بعرفة صلى ابن عمر في رحله ووقف فأمر به الحجاج فحبس، وكان الحجاج يؤخر الصلاة

٣٣٦
١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٥٦)
يوم الجمعة، وكان أبو وائل يأمرنا أن نصلي في بيوتنا ثم نأتي الحجاج فنصلي معه، وفعله
مسروق مع زياد، وكان عطاء وسعيد بن جبير في زمن الوليد إذا أخر الصلاة صليا في
محلهما ثم صليا معه، وفعله مكحول مع الوليد أيضاً، وهو مذهب مالك. وفي (التلويح):
وكان جماعة من السلف يصلون في بيوتهم في الوقت ثم يعيدون معهم، وهو مذهب مالك،
وعن بعض السلف: لا يعيدون. وقال النخعي: كان عبد الله يصلي معهم إذا أخروا عن الوقت
قليلاً، وروى ابن أبي شيبة عن وكيع: حدّثنا قسام قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي عن
الصلاة خلف الأمراء قال: صلِّ معهم وقيل لجعفر بن محمد: كان أبوك يصلي إذا رجع إلى
البيت؟ فقال: لا والله ما كان يزيد على صلاة الأئمة، والله أعلم.
٥٦ - بابُ إِمَامَةِ المَفْتُونِ والمُبْتَدِعِ
أي: هذا باب في بيان حكم إمامة المفتون، وهو من فتن الرجل فهو مفتون إذا ذهب
ماله وعقله، والفاتن: المضل عن الحق، والمفتون المضل، بفتح الضاد، هكذا فسره
الكرماني. وقال بعضهم: أي الذي دخل في الفتنة فخرج على الإمام. قلت: هذا التفسير لا
ينطبق إلاّ على الفاتن، لأن الذي يدخل في الفتنة ويخرج على الإمام هو الفاعل، وكان ينبغي
للبخاري أيضاً أن يقول: باب إمامة الفاتن. قوله: ((والمبتدع)) وهو الذي يرتكب البدعة،
والبدعة لغة: كل شيء عمل علي غير مثال سابق، وشرعاً إحداث ما لم يكن له أصل في
عهد رسول الله عَّهِ، وهي على قسمين: بدعة ضلالة، وهي التي ذكرنا، وبدعة حسنة: وهي
ما رآه المؤمنون حسناً ولا يكون مخالفاً للكتاب أو السنة أو الأثر أو الإجماع، والمراد هنا
البدعة: الضلالة.
وقال الحسَنُ صَلِّ وَعَلَيْهِ بِدْعَتُهُ
كان الحسن البصري سئل عن الصلاة خلف المبتدع، فقال: صل وعليه إثم بدعته،
ووصل هذا التعليق سعيد بن منصور عن ابن المبارك عن هشام بن حسان: أن الحسن سئل
عن الصلاة خلف صاحب بدعة فقال: صل خلفه وعليه بدعته.
... /٦٩٥ - قَالَ أَبُو عَبْدِ الله وقال لَنَا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قال حدّثنا الأوْزَاعِيُّ قال حدّثنا
الزُّهْرِيُّ عنْ حُمَيْدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عنْ عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَدِيٍّ بنِ خِيَارٍ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ بنِ
عَفَّانَ رَضِيَ الله عَنْهُ وَهْوَ مَخْصُورٌ فقال إِنَّكَ إِمَامُ عامَّةٍ وَنَزَلَ بِكَ مَا تَرَى وَيُصَلِّي لَنا إِمامُ فِتْنَةٍ
ونَتَحَرَّجُ فقال الصَّلاَةُ أَحْسَنُ ما يَعْمَلُ النَّاسُ فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ فَأُحسِنْ مَعَهُمْ وإِذَا أساؤُوا
فاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُمْ.
مطابقته للترجمة في قوله: ((ويصلي لنا إمام فتنة ... )) إلى آخره.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: محمد بن يوسف الفريابي. الثاني: عبد الرحمن بن
عمرو الأوزاعي. الثالث: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. الرابع: حميد بن عبد الرحمن

٣٣٧
١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٥٦)
ابن عوف، مر في أوائل كتاب الإيمان. الخامس: عبيد الله - بتصغير العبد - ابن عدي، بفتح
العين وكسر الدال المهملة وتشديد الياء آخر الحروف: ابن خيار، بكسر الخاء المعجمة
وخفة الياء آخر الحروف وبالراء: النوفلي المدني التابعي، أدرك زمن النبي عَ ◌ّم ولم تثبت
رؤيته، وكان من فقهاء قريش وثقاتهم، مات زمن الوليد بن عبد الملك.
ذكر لطائف إسناده: فيه: أولاً قال البخاري: قال لنا محمد بن يوسف: قال صاحب
(التلويح): كأنه أخذ هذا الحديث مذاكرة، فلهذا لم يقل فيه: حدّثنا، وقيل: إنه مما تحمله
بالإجازة أو المناولة أو العرض، وقيل: إنه متصل من حيث اللفظ متقطع من حيث المعنى.
وقال بعضهم: هو متصل لكن لا يعبر بهذه الصيغة إلّ إذا كان المتن موقوفاً، أو كان فيه راوٍ
ليس على شرطه، والذي هنا من قبيل الأول. قلت: إذا كان الراوي على غير شرطه كيف
يذكره في كتابه؟ وفيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين.
وفيه: القول في موضعين. وفيه: رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض، وهم: الزهري عن
حميد عن عبيد الله. وفيه: الزهري عن حميد، وفي رواية الإسماعيلي: أخبرني حميد. وفيه:
حدّثنا الأوزاعي، وفي رواية ابن المبارك: عن الأوزاعي. وفيه: عن حميد عن عبيد الله، وفي
رواية أبي نعيم والإسماعيلي: حدثني عبيد الله بن عدي.
ذكر من وصله: وصله الإسماعيلي قال: حدّثنا عبد الله بن يحيى السرخسي حدّثنا
محمد بن يحيى حدّثنا أحمد بن يوسف حدّثنا الأوزاعي حدّثنا الزهري فذكره، وقال أيضاً:
حدّثنا إبراهيم بن هانىء حدّثنا الزيادي حدّثنا أحمد بن صالح حدّثنا عنبسة حدّثنا يونس عن
ابن شهاب عن عروة عن عبيد الله بن عدي به، ومن طريق هقل بن زياد: سمعت الأوزاعي
عن الزهري حدثني حميد، ومن طريق عيسى عن الأوزاعي عن الزهري عن حميد: حدثني
عبيد الله بن عدي، ورواه أبو نعيم الأصبهاني من طريق الحسن بن سفيان عن حبان عن عبد
الله بن المبارك، أخبرنا الأوزاعي ... فذكره.
ذكر معناه: قوله: ((وهو محصور))، جملة إسمية وقعت حالاً على الأصل بالواو أي:
محبوس في الدار ممنوع عن الأمور. قوله: ((إمام عامة))، بالإضافة أي: إمام جماعة، وفي
رواية يونس: ((وأنت الإمام)) أي: الإمام الأعظم. قوله: ((ما نرى)) بنون المتكلم، ويروى: ((ما
ترى)»، بتاء المخاطب أي: ما ترى من الحصار وخروج الخوارج عليك. قوله: ((ويصلي لنا
إمام فتنة)) أي: رئيس فتنة. وقال الداودي: أي في وقت فتنة. وقال ابن وضاح: إمام الفتنة هو
عبد الرحمن بن عديس البلوي، وهو الذي جلب على عثمان، رضي الله تعالى عنه أهل مصر.
وقال ابن الجوزي: وقد صلى كنانة بن بشر أحد رؤوس الخوارج بالناس أيضاً، وكان هؤلاء
لما هجموا على المدينة كان عثمان يخرج فيصلي بالناس شهراً، ثم خرج يوماً فحصبوه حتى
وقع على المنبر ولم يستطع الصلاة يومئذ، فصلى بهم أبو أمامة بن سهل بن حنيف، فمنعوه
فصلى بهم عبد الرحمن بن عديس تارة، وكنانة بن بشر تارة، فبقيا على ذلك عشرة أيام. فإن
قلت: صلى بهم أبو أمامة بن سهل بن حنيف، وعلي بن أبي طالب وسهل بن حنيف، وأبو
عمدة القاري / ج٥ / م٢٢

٣٣٨
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٥٦)
أيوب الأنصاري، وطلحة بن عبيد الله، فكيف يقال في حقهم إمام فتنة؟ قلت: وليس واحد
من هؤلاء مراداً بقوله: ((إمام فتنة)) دل على ذلك تفسير الداودي بقوله: أي وقت فتنة أو يقول:
إنهم استأذنوه في الصلاة فأذن لهم لعلمه أن المصريين لا يصلون إليهم بشر.
فإن قلت: هل ثبت صلاة هؤلاء؟ قلت: أما صلاة أبي أمامة فقد رواه عمر بن شيبة
بإسناد صحيح، ورواه المدايني من طريق أبي هريرة. وأما صلاة علي، رضي الله تعالى عنه،
فرواه الإسماعيلي في (تاريخ بغداد) من رواية ثعلبة بن يزيد الجماني. قال: فلما كان يوم
العيد، عيد الأضحى، جاء علي فصلى بالناس. وقال عبد الله بن المبارك، فيما رواه الحسن
الحلواني: لم يصلُ بهم غير صلاة العيد، وفعل ذلك علي، رضي الله تعالى عنه، لئلا تضاع
السنة. وقال غيره: صلى بهم عدة صلوات. وأما صلاة سهل بن حنيف فرواه عمر بن شيبة
أيضاً بإسناد قوي. قوله: ((ونتحرج))، بالحاء المهملة وبالجيم: من التحرج أي: نخاف الوقوع
في الإثم، وأصل الحرج الضيق، ثم استعمل للإثم لأنه يضيق على صاحبه. وفي رواية ابن
المبارك: ((وإنا لنتخرج من الصلاة معهم)). وهذا القول ينصرف إلى صلاة من صلى من رؤساء
الخوارج في وقت الفتنة، ولا يدخل فيه من ذكرناهم من الصحابة. قوله: ((فقال: الصلاة
أحسن)) أي: قال عثمان، رضي الله تعالى عنه: الصلاة أحسن. فقوله: الصلاة مبتدأ وقوله:
أحسن، مضاف إلى ما بعده خبره، وفي رواية ابن المبارك: ((إن الصلاة أحسن))، وفي رواية
هقل بن زياد عن الأوزاعي عن الإسماعيلي: ((الصلاة أحسن ما يعمل الناس)).
فإن قلت: هذا يدل على أن عثمان لم يذكر الذي أمهم من رؤساء الخوارج بمكروه،
وتفسير الداودي على هذا لا اختصاص له بالخارجي. قلت: لا يلزم من كون الصلاة أحسن
ما يعمل الناس أو من أحسن ما عمل الناس أن لا يستحق فاعلها ذماً عند وجود ما يقتضيه.
قوله: ((فإذا أحسن الناس فأحسن معهم))، ظاهره أن عثمان، رضي الله تعالى عنه، رخص له
في الصلاة معهم، كأنه يقول: لا يضرك كونه مفتوناً إذا أحسن فوافقه على إحسانه واترك ما
افتتن به، وبهذا توجد المطابقة بينه وبين الترجمة. وقال ابن المنير: يحتمل أن يكون رأي أن
الصلاة خلفه لا تصح، فحاد عن الجواب بقوله: ((الصلاة أحسن ما يعمل الناس)) لأن الصلاة
التي هي أحسن هي الصلاة الصحيحة، وصلاة الخارجي غير صحيحة، لأنه إما كافر أو
فاسق. انتهى. ((وأجيب)). بأن هذا الذي قاله إنما هو نصرة لمذهبه في عدم صحة الصلاة
خلف الفاسق، وهذا مردود لما روى سيف بن عمر في (الفتوح) عن سهل بن يوسف
الأنصاري عن أبيه، قال: كره الناس الصلاة خلف الذين حصروا عثمان إلاّ عثمان، فإنه قال:
من دعا إلى الصلاة فأجيبوه.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: تحذير من الفتنة والدخول فيها، ومن جميع ما ينكر من قول
أو فعل أو اعتقاد يدل عليه. قوله: ((وإذا أساؤوا فاجتنب)). وفيه: أن الصلاة خلف من تكره
الصلاة خلفه أولى من تعطيل الجماعة. وقال بعضهم: وفيه: رد على من زعم أن الجمعة لا
تجزىء أن تقام بغير إذن الإمام. قلت: ليس فيه رد، بل دعوى الرد على ذلك مردودة، لأن

٣٣٩
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٥٦)
علياً صلى يوم عيد الأضحى الذي شرطها أن يصلي من يصلي الجمعة، فمن أين ثبت أنه
صلى بغير إذن عثمان؟ وكذلك روي عنه أنه صلى عدة صلوات وفيها الجمعة، فمن ادعى أنه
صلى بغير استئذان فعليه البيان، ولئن سلمنا أنه صلى بغير استئذان، ولكن كان ذلك بسبب
تخلف الإمام عن الحضور، وإذا تعذر حضور الإمام فعلى المسلمين إقامة رجل منهم يقوم
به، وهذا كما فعل المسلمون بموته لما قتل الأمراء اجتمعوا على خالد بن الوليد، رضي الله
تعالى عنه، أو نقول: إن علياً لم يتوصل إليه، فعن هذا قال محمد بن الحسن: لو غلب على
مصر متغلب وصلى بهم الجمعة جاز، ونقل ذلك عن الحسن البصري، وكان علي، رضي
الله تعالى عنه، أولى بذلك، لأن الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، رضوا به وصلوا وراءه،
وسواء کان یإذن أو بلا إذن، فلا نرى جوازها بغير إذن الإمام، و کیف وقد روى ابن ماجه عن
جابر بن عبد الله، قال: ((خطبنا رسول الله عَّ له)) الحديث وفيه: ((فمن تركها))، أي: الجمعة
((في حياتي أو بعدي وله إمام عادل أو جائر استخفافاً بها وجحوداً لها فلا جمع الله شمله،
ولا بارك له في أمره، ألا ولا صلاة له ولا زكاة له ولا حج له ولا صوم له ولا بر له حتى
يتوب)) الحديث؟ ومن هذا أخذ أصحابنا وقالوا: لا تجوز إقامتها إلّ للسلطان وهو الإمام
الأعظم، أو لمن أمره: كالنائب والقاضي والخطيب.
فإن قلت: هذا الحديث ضعيف، وفي سنده عبد الله بن محمد وهو تكلم فيه، قلت:
هذا روي من طرق كثيرة ووجوه مختلفة، فحصل له بذلك قوة، فلا يمنع من الاحتجاج به.
وأما الصلاة خلف الخوارج وأهل البدع فاختلف العلماء فيه، فأجازت طائفة: منهم ابن عمر
إذا صلى خلف الحجاج، وكذلك ابن أبي ليلى وسعيد بن جبير ثم خرجا عليه. وقال
النخعي: كانوا يصلون وراء الأمراء ما كانوا، أو كان أبو وائل يجمع مع المختار بن عبيد،
وسئل ميمون بن مهران عن الصلاة خلف رجل يذكر أنه من الخوارج؟ فقال: أنت لا تصلي
له إنما تصلي لله عز وجل، وقد كنا نصلي خلف الحجاج وكان حرورياً أزرقياً. وروى أشهب
عن مالك: لا أحب الصلاة خلف الإباضية والواصلية، ولا السكنى معهم في بلد، وقال ابن
القاسم: أرى الإعادة في الوقت على من صلى خلف أهل البدع. وقال أصبغ: يعيد أبداً، وقال
الثوري في القدري: لا تقدموه. وقال أحمد بن حنبل: لا يصلى خلف أحد من أهل الأهواء
إذا كان داعياً إلى هواه، ومن صلى خلف الجهمية والرافضية والقدرية يعيد، وقال أصحابنا:
تكره الصلاة خلف صاحب هوى وبدعة، ولا تجوز خلف الرافضي والجهمي والقدري لأنهم
يعتقدون أن الله لا يعلم الشيء قبل حدوثه، وهو كفر، والمشبهة ومن يقول بخلق القرآن،
وكان أبو حنيفة لا يرى الصلاة خلف المبتدع، ومثله عن أبي يوسف. وأما الفاسق بجوارحه:
كالزاني وشارب الخمر، فزعم ابن الحبيب أن من صلى خلف من شرب الخمر يعيد أبداً إلاّ
أن يكون والياً. وقيل في رواية: يصح، وفي (المحيط) لو صلى خلف فاسق أو مبتدع يكون
محرز لثواب الجماعة ولا ينال ثواب من صلى خلف المتقي. وفي (المبسوط): يكره
الاقتداء بصاحب البدعة.

٣٤٠
١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٥٧)
وقال الزُّبَيْدِيُّ قال الزُّهْرِيُّ لاَ نَرى أنْ يُصَلَّى خَلْفَ المُخَنَّثِ إلاّ مِنْ ضَرُورَةٍ لاَ بُدَّ مِنْهَا
الزبيدي، بضم الزاي وفتح الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وبالدال المكسورة:
وهي نسبة إلى زبيدي، وهو بطن في مذحج. وفي الأزد، وفي خولان القضاعية، وهو
صاحب الزهري واسمه: محمد بن الوليد أبو الهذيل الشامي الحمصي. قال ابن سعد: مات
سنة ثمان وأربعين ومائة، وهو ابن سبعين سنة، والزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب. قوله:
((أن يصلّى)) على صيغة المجهول، قوله: ((المخنث)) بكسر النون وفتحها، والكسر أفصح،
والفتح أشهر. وهو الذي خلقه خلق النساء، وهو نوعان: من يكون ذلك خلقة له لا صنع له
فيه، وهذا لا إثم عليه، ولا ذم، ومن تكلف ذلك وليس له خلقياً، وهذا هو المذموم. وقيل:
بكسر النون: من فيه تكسر وتثن وتشبه بالنساء، وبالفتح: من يؤتى في دبره. وقال أبو عبد
الملك: أراد الزهري: الذي يؤتى في دبره، وأما من يتكسر في كلامه ومشيه فلا بأس بالصلاة
خلفه. وقال الداودي: أرادهما لأنهما بدعة وجرحة، وذلك لأن الإمامة موضع كمال، واختيار
أهل الفضل. وكما أن إمام الفتنة والمبتدع كل منهما مفتون في طريقته فلما شملهم معنى الفتنة
ذهبت إمامتهم إلاّ من ضرورة، ولهذا أدخل البخاري هذه المسألة هنا. وقال ابن بطال: ذكر
هذه المسألة هنا لأن المخنث مفتتن في طريقته. قوله: ((إلاّ من ضرورة)) أي: إلّ أن يكون ذا
شوكة فلا تعطل الجماعة بسببه، وقد رواه معمر عن الزهري بغير قيد، أخرجه عبد الرزاق عنه.
ولفظه: ((قلت: فالمخنث؟ قال: ولا كرامة، لا تأتم به))، وهو محمول على حالة الاختيار.
٦٩٦/٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ أبانَ قال حدّثنا غُنْدَرّ عنْ شُعْبَةَ عنْ أبي التََّّاحِ أَنَّهُ سَمِعَ أنَسَ
ابنَ مالِكِ قال النبيُّ عَّهُ لاِي ذَوَ اسْمَعْ وَأَطِعْ ولَوْ لِحَبَشِيٍ كانَّ رَاسَهُ ذَبِيبَةٌ. [أنظر
الحديث ٦٩٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إن هذه الصفات لا توجد غالباً إلاّ فيمن هو غاية الجهل،
ومفتون بنفسه. وقد مر هذا الحديث في: باب إمامة العبد، غير أن هناك: محمد بن بشار
عن يحيى عن شعبة، وههنا: محمد بن أبان البلخي مستملي وكيع، وقيل: هو واسطي، وهو
يحتمل، ولكن ليس للواسطي رواية عن غندر، والبلخي يروي عنه، وغندر، بضم الغين
المعجمة وسكون النون وفتح الدال: وهو لقب محمد بن جعفر ابن امرأة شعبة عن أبي
التياح يزيد بن حميد، وهناك الخطاب للجماعة وهنا الخطاب لأبي ذر، رضي الله تعالى
عنه. قوله: ((ولو لحبشي)) أي: ولو كان الطاعة أو الأمر لحبشي، سواء كان ذلك الحبشي
مفتوناً أو مبتدعاً.
٥٧ - بابٌ يَقُومُ عنْ يَمِينِ الإِمَامِ بِحِذَائِهِ سَوَاءً إِذَا كانَا اثْنَيْنِ
أي: هذا باب ترجمته يقوم إلى آخره، والضمير في: يقوم، يرجع إلى المأموم بقرينة
ذكر الإمام. قوله: ((بحذائه))، الحذاء ممدوداً الإزاء والجنب. قوله: ((سواء)) أي: مساوياً،