النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ ١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٣) البخاري، روى في (الجامع) عن محمد بن سلام ومحمد بن بشار ومحمد بن المثنى ومحمد بن عبد الله بن حوشب عن عبد الوهاب الثقفي. الثاني: عبد الوهاب الثقفي. الثالث: خالد بن مهران الحذاء. الرابع: أبو قلابة عبد الله بن زيد. الخامس: أنس بن مالك. ذكر لطائف إسناده فيه: حدثني محمد، وفي بعض النسخ: حدّثنا محمد، وفيه: حدثني عبد الوهاب، وهي في رواية كريمة: أخبرنا، وفي رواية الأصيلي: حدّثنا. وفيه: الثقفي وليس في رواية كريمة: الثقفي، وفيه: حدّثنا خالد الحذاء، وهي رواية أبي ذر والأصيلي، ولغيرهما: أخبرنا. ذكر معناه: قوله: ((لما كثر الناس)) جواب: لما، قوله: ((ذكروا)) ولفظ: قال، ثانياً مقحم تأكيداً: لقال، أولاً. قوله: ((أن يعلموا)) بضم الياء، معناه: يجعلون له علامة يعرف بها. قوله: ((أن يورو)) أي: يوقدوا ويشعلوا، يقال: أوريت النار أي: أشعلتها، وروى الزند: إذا خرجت نارها وأوريته إذا أخرجتها، ووقع في رواية مسلم: ((أن ينوروا ناراً) أي: يظهروا نورها، وقد مر تفسير الناقوس. قوله: ((فأمر)) على صيغة المجهول. قوله: ((وأن يوتر الإقامة)) أي: ألفاظ الإقامة التي يدخل بها في الصلاة. ٣ - بابٌّ الإِقامَةُ واحِدَةٌ إِلاَّ قَوْلَهُ قَدْ قَامَتِ الصَّلاَةُ أي: هذا باب يذكر فيه الإقامة أي: الإقامة التي تقام بها الصلاة، ثم استثنى منها: قد قامت الصلاة، يعني: قد قامت الصلاة، مرتين، وهذا لفظ معمر عن أيوب كما ذكرنا من مسند السراج عن قريب. ٦٠٧/٥ - حدثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قال حدّثِنا إسماعِيلُ بنُ إبرَاهِيمَ قال حدّثنا خالِدٌ عنْ أبِي قِلاَبَةَ عنْ أَنَسٍ قال أَمِرَ بِلاَلٌ أنْ يشْفَعَ الأَذانَ وأَن يُوتِرَ الإِقامَةَ. [انظر الحديث ٦٠٣ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((وأن يوتر الإقامة)) أي: يوحد ألفاظها، وقال ابن المنير: خالف البخاري لفظ الحديث في الترجمة، فعدل عنه إلى قوله: واحدة، لأن لفظ الوتر غير منحصرة في المرة، فعدل عن لفظ فيه الاشتراك إلى ما لا اشتراك فيه، وقال بعضهم: إنما قال واحدة مراعاة للفظ الخبر الوارد في ذلك، وهو عند ابن حبان من حديث ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، ولفظه: ((الأذان مثنى والإقامة واحدة)). قلت: الذي قاله ابن المنير هو الأوجه من وضع ترجمة لحديث لم يورده، وعلي بن عبد الله هو المديني، وإسماعيل بن إبراهيم هو ابن علية. قال إسمَاعِيلُ فَذَكَرْتُهُ لأيوبَ فقال: إلا الإقامةَ إسماعيل هذا هو المذكور في أول الإِسناد. قوله: ((فذكرته)) أي: الحديث هكذا بالضمير في رواية الأصيلي والكشميهني، وفي رواية الأكثرين: ((فذكرت))، بحذف الضمير عمدة القاري / ج٥ / ١١٣ ١٦٢ ١٠ - كِتَابُ الأذانِ / باب (٤) الذي هو المفعول، وأيوب هو السختياني أراد أنه: زاد في آخر الحديث هذا الاستثناء وأراد به قوله: ((قد قامت الصلاة مرتين))، وقال الكرماني: قال المالكية: عمل أهل المدينة خلفاً عن سلف على إفراد الإقامة، ولو صحب زيادة أيوب وما رواه الكوفيون من تثنية الإقامة جاز أن يكون ذلك في وقت ما، ثم ترك لعمل أهل المدينة على الآخر الذي استقر الأمر عليه، والجواب: أن زيادة الثقة مقبولة وحجة بلا خلاف، وأما عمل أهل المدينة فليس بحجة، مع أنه معارض بعمل أهل مكة وهي مجمع المسلمين في المواسم وغيرها، وقال بعضهم: وهذا الحديث حجة على من زعم أن الإقامة مثنى مثنى، مثل الأذان، وأجاب بعض الحنفية بدعوى النسخ، وأن إفراد الإقامة كان أولاً ثم نسخ بحديث أبي محذورة، يعني: الذي رواه أصحاب السنن، وفيه تثنية الإقامة، وهو متأخر عن حديث أنس، وعورض بأن في بعض طرق حديث أبي محذورة المحسنة التربيع والترجيع، فكان يلزمهم القول به، وقد أنكر أحمد على من ادعى النسخ بحديث أبي محذورة، واحتج بأن النبي عَ لّهِ رجع بعد الفتح إلى المدينة، وأقر بلالاً على إفراد الإقامة، وعلمه سعد القرظ فأذن به بعده، كما رواه الدارقطني والحاكم، قلت: الذي رواه الترمذي من حديث عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله ابن زيد، قال: ((كان أذان رسول الله عَ ل شفعاً شفعاً في الأذان والإقامة)) حجة على هذا القائل بقوله: وهذا الحديث حجة على من زعم أن الإقامة مثنى مثنى مثل الأذان، وكذلك ما رواه ابن خزيمة في (صحيحه) ولفظه: فعلمه الأذان والإقامة مثنى مثنى، وكذلك رواه ابن حبان في (صحيحه): كل هذه حجة عليه وعلى إمامه، وأما الجواب عن وجه ترك الترجيع ووجه النسخ فقد ذكرناه. ٤ - بابُ فَضْلِ التَّأَذِينِ أي: هذا باب في بيان فضل التأذين، وهو مصدر: أذن، بالتشديد وهو مخصوص في الاستعمال بإعلام وقت الصلاة، ومنه أخذ أذان الصلاة، وقال الجوهري: والأذين مثله، وقد أذن أذاناً، وأما الإيذان فهو من آذن على وزن: أفعل ومعناه: الإعلام مطلقاً، وإنما قال البخاري: باب فضل التأذين، ولم يقل: باب فضل الأذان، مراعاة للفظ الحديث الوارد في الباب، وقال ابن المنير: وحقيقة الأذان جميع ما يصدر عن المؤذن من قول وفعل وهيئة. قلت: لا نسلم هذا الكلام، لأن التأذين مصدر، فلا يدل إلا على حدوث فعل فقط. ٦ /٦٠٨ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عن أبي الزِّنَادِ عنْ الأَعْرَجِ عِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أن رسولَ الله عَ ظله قال إذا نُودِي لِلصلاَةِ أُدْبَرَ الشَّيْطانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حتى لاَ يَسْمَعَ التَّذِينَ فِإِذا قَضَى النَّدَاءَ أقْبَلَ حَتَّى إذا تُوَّبَ بِالصَّلاَةِ أَذْبَرَ حَتَّى إذا قَضَى التَّقْوِيبَ أقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ المَرْءِ ونَفْسِهِ يَقُولُ اذْكُوْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا لما لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لا يَدْرِي کمْ صَلَّى. [الحديث ٦٠٨ - أطرافه في: ١٢٢٢، ١٢٣١، ١٢٣٢، ٣٢٨٥]. مطابقته للترجمة من حيث هروب الشيطان عن الأذان، فإن الأذان لو لم يكن له فضل ١٦٣ ١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٤) عظيم يتأذى منه الشيطان لم يهرب منه، فمن حصول هذا الفضل للتأذين يحصل أيضاً للمؤذن، فإنه لا يقوم إلاَّ به. ذكر رجاله: وهم خمسة قد ذكروا غير مرة، وأبو الزناد بالزاي والنون المخففة، واسمه: عبد الله بن ذكوان، والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز. وأخرجه أبو داود في الصلاة عن القعنبي عن مالك. وأخرجه النسائي أيضاً فيه عن قتيبة عن مالك. ذكر معناه: قوله: (إذا نودي للصلاة)) أي: إذا أذن لأجل الصلاة، وفي رواية أبي داود والنسائي: ((إذا نودي بالصلاة))، وقال بعضهم: ويمكن حملها على معنى واحد، وسكت على هذا ولم يبين وجه الحمل ما هو؟ قلت: تكون الباء للسببية كما في قوله تعالى: ﴿فكلاً أخذنا بذنبه﴾ [العنكبوت: ٤٠]. أي: بسبب ذنبه، وكذلك المعنى ههنا: بسبب الصلاة، ومعنى التعليل قريب من معنى السببية. قوله: ((أدبر الشيطان)) الإدبار: نقيض الإقبال، يقال دبر وأدبر إذا ولى، والألف واللام في: الشيطان، للعهد، والمراد: الشيطان المعهود. قوله: («له ضراط)) جملة إسمية وقعت حالاً، والأصل فيها أن تكون بالواو، وقد تقع بلا: واو، نحو: كلمته فوه إلى في، ووقع في رواية الأصيلي: بالواو، على الأصل، وكذا وقع للبخاري في بدء الخلق. وقال عياض: يمكن حمله على ظاهره لأنه جسم منفذ يصح منه خروج الريح. قلت: هذا تمثيل لحال الشيطان عند هروبه من سماع الأذان بحال من خرقه أمر عظيم، واعتراه خطب جسيم، حتى لم يزل يحصل له الضراط من شدة ما هو فيه، لأن الواقع في شدة عظيمة من خوف وغيره تسترخي مفاصله ولا يقدر على أن يملك نفسه، فينفتح منه مخرج البول والغائط. ولما كان الشيطان - لعنه الله - يعتريه شدة عظيمة وداهية جسيمة عند النداء إلى الصلاة فيهرب حتى لا يسمع الأذان، شبه حاله بحال ذلك الرجل، وأثبت له على وجه الادعاء الضراط الذي ينشأ من كمال الخوف الشديد. وفي الحقيقة ما ثم ضراط، ولكن يجوز أن يكون له ريح، لأنه روح، ولكن لم تعرف كيفيته. وقال الطيبي: شبه شغل الشيطان نفسه عند سماع الأذان بالصوت الذي يملأ السمع ويمنعه عن سماع غيره، ثم سماه: ضراطاً تقبيحاً له. فإن قلت: كيف يهرب من الأذان ولا يهرب من قراءة القرآن، وهي أفضل من الأذان؟ قلت: إنما يهرب من الأذان حتى لا يشهد بما سمعه إذا استشهد يوم القيامة، لأنه جاء في الحديث: ((لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة)). والشيطان أيضاً شيء أو هو داخل في الجن، لأنه من الجن. فإن قلت: إنه يدبر لعظم أمر الأذان لما اشتمل عليه من قواعد الدين وإظهار شعائر الإسلام وإعلانه. وقيل: ليأسه من وسوسة الإنسان عند الإعلان بالتوحيد. فإن قلت: كيف يهرب من الأذان ويدنو من الصلاة وفيها القرآن ومناجاة الحق؟ قلت: هروبه من الآذان ليأسه من الوسوسة، كما ذكرناه، وفي الصلاة، يفتح له أبواب الوساوس. قوله: ((حتى لا يسمع التأذين))، الظاهر أن هذه الغاية ١٦٤ ١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٤) لأجل إدباره، وقال بعضهم: ظاهره أنه يتعمد إخراج ذلك إما ليشتغل بسماع الصوت الذي يخرجه عن سماع المؤذن، وإما أنه يصنع ذلك استخفافاً كما يفعله السفهاء، قلت: الظاهر كما ذكرنا، لأنه وقع بيان الغاية في رواية لمسلم من حديث جابر، فقال: حتى يكون مكان الروحاء، وحكى الأعمش عن أبي سفيان رواية عن جابر أن بين المدينة والروحاء ستة وثلاثون ميلاً، قوله: ((فإذا قضي النداء))، بضم القاف على صيغة المجهول، أسند الى فاعله وهو النداء القائم مقام المفعول، وروي على صيغة المعلوم ويكون الفاعل هو الضمير فيه، وهو المؤذن، والنداء منصوب على المفعولية، والقضاء يأتي لمعان كثيرة، وههنا بمعنى: الفراغ. تقول: قضيت حاجتي أي: فرغت منها أو بمعنى الانتهاء. قوله: ((أقبل)) زاد مسلم في رواية أبي صالح عن أبي هريرة: ((فوسوس)) قوله: ((حتى إذا ثوب بالصلاة))، بضم الثاء المثلثة وتشديد الواو المكسورة، أي: حتى إذا أقيم للصلاة، والتثويب ههنا الإقامة، والعامة لا تعرف التثويب إلا قول المؤذن في صلاة الفجر: الصلاة خير من النوم، حسب، ومعنى التثويب في الأصل الإعلام بالشيء والإنذار بوقوعه، وأصله أن يلوح الرجل لصاحبه بثوبه فيديره عند أمر يرهقه من خوف أو عدو، ثم كثر استعماله في كل إعلام يجهر به صوت، وإنما سميت الإقامة: تثويباً، لأنه عود إلى النداء، من: ثاب إلى كذا إذا عاد إليه، وقال القرطبي: ثؤَّب بالصلاة أي: أقام لها، وأصله أنه رجع إلى ما يشبه الأذان، وكل مردد صوتاً فهو مثوب، ويدل عليه رواية مسلم في رواية أبي صالح عن أبي هريرة: ((فإذا سمع الإقامة ذهب)). قوله: ((حتى يخطر))، بضم الطاء وكسرها، وقال عياض: ضبطناه من المتقنين بالكسر، وسمعناه من أكثر الرواة بالضم، قال: والكسر هو الوجه، ومعناه: يوسوس، من قولهم: خطر الفحل بذنبه إذا حركه يضرب به فخذيه، وأما الضم، قال: يدنو منه فيما بينه وبين قلبه فيشغله عما هو فيه، وبهذا فسره السراج، وبالأول فسره الخليل، وقال الباجي: فيحول بين المرء وما يريد يحاول من نفسه من إقباله على صلاته وإخلاصه. قال الهجري في (نوادره): يخطر، بالكسر، في كل شيء، وبالضم ضعيف. قوله: ((بين المرء ونفسه)) أي: قلبه، وكذا وقع للبخاري من وجه آخر في بدء الخلق: وبهذا التفسير يحصل الجواب عما قيل: كيف يتصور خطورة بين المرء ونفسه، وهما عبارتان عن شيء واحد؟ وقد يجاب بأن يكون تمثيلاً لغاية القرب منه. قوله: ((أذكر كذا وأذكر كذا))، و: كذا، في رواية مسلم وللبخاري أيضاً في صلاة السهو، وزاد مسلم في رواية عبد ربه عن الأعرج، ((فهناه ومناه وذكره من حاجته ما لم يكن يذكر)). قوله: ((لما لم يذكر)) أي: لشيء لم يكن على ذكره قبل دخوله في الصلاة، وفي رواية لمسلم: ((لما لم يذكر من قبل)). قوله: ((حتى يظل الرجل))، بفتح الظاء أي: حتى يصير الرجل ما يدري كم صلى من الركعات، ورواية الجمهور بالظاء المشالة المفتوحة ومعناه في الأصل اتصاف المخبر عنه بالخبر نهاراً لكنها ههنا بمعنى يصير كما في قوله تعالى: ﴿ظل وجهه﴾ وقيل معناه يبقى ويدوم ووقع عند الأصيلي ((يضل)) بالضاد المكسورة أي ينسى ويذهب وهمه. ويسهو، قال الله تعالى: ﴿أن ١٦٥ ١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٤) تضل أحدهما﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقال ابن قرقول: وحكى الداودي أنه روي: يضل ويضل، من الضلال وهو الحيرة. قال: والكسر في المستقبل أشهر، وقال القشيري: ولو روى هذا الرجل حتى يضل الرجل لكان وجهاً صحيحاً، يريد: حتى يضل الشيطان الرجل عن درايته كم صلى؟ قال: لا أعلم أحداً رواه، لكنه لو روي لكان وجهاً صحيحاً في المعنى، غير خارج عن مراد النبي عَّه، وفي رواية للبخاري في صلاة السهو: ((أن يدري كم صلى))، وكذا في رواية أبي داود. وكلمة: إن، بالكسر، نافية بمعنى: ما يدري، قال القاضي عياض: وروي بفتحها، قال: وهي رواية ابن عبد البر، وادعى أنها رواية أكثرهم، وكذا ضبطه الأصيلي في (كتاب البخاري)، والصحيح الكسر، قلت: الفتح إنما يتوجه على رواية: يضل، بالضاد فيكون: أن، مع الفعل بعدها بتأويل المصدر، أي: يجهل درايته وينسى عدد ركعاته. فإن قلت: ثبت له الضراط في إدباره الأول ولم يثبت في الثاني؟ قلت: لأن الشدة في الأول تلحقه على سبيل الغفلة فيكون أعظم، أو يكون اكتفى بذكره في الأول عن ذكره في الثاني. ذكر ما يستفاد منه فيه: أن الأذان له فضل عظيم حتى يلحق الشيطان منه أمر عظيم، كما ذكرناه، وكذلك المؤذن، له أجر عظيم، إذ كان أذانه احتساباً لله تعالى، وفي (صحيح)، ابن خزيمة وابن حبان: ((المؤذن يغفر له مد صوته، ويستغفر له كل رطب ويابس، وشاهد الصلاة يكتب له خمس وعشرون حسنة ويكفر عنه ما بينهما)) وعند أحمد: ((ويصدقه كل رطب ويابس سمعه))، وعند أبي شيخ: ((كل مدرة وصخرة سمعت صوته)). وفي كتاب (الفضائل) الحميد بن زنجويه، من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((يكتب للمؤذن عند أذانه أربعون ومائة حسنة، وعند الإقامة عشرون ومائة حسنة))، وفي كتاب أبي القاسم الجوزي عن أبي سعيد، وغيره: ((ثلاثة يوم القيامة على كثب من مسك أسود لا يهولهم فزع ولا ينالهم حساب)). الحديث، وفيه: ((رجل أذن ودعا إلى الله عز وجل ابتغاء وجه الله تعالى)) وعند السراج عن أبي هريرة بسند جيد: ((المؤذنون أطول أعناقاً، لقولهم: لا إله إلا الله)). وفي لفظ: ((يعرفون بطول أعناقهم يوم القيامة))، أخرجه أيضاً ابن حبان في (صحيحه). وعند أبي الشيخ ((من أذن خمس صلوات إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه))، وفي (كتاب الصحابة) لأبي موسى من حديث كثير بن مرة الحضرمي مرفوعاً: ((أول من يكسى من حلل الجنة بعد النبيين، عليهم الصلاة والسلام، والشهداء: بلال وصالح المؤذنين)). وفي كتاب (شعب الإيمان) للبيهقي، من حديث أبي معاوية: عن أبي يعيش السكوني عن عبادة بن نسي يرفعه: ((من حافظ على النداء بالأذان سنة أوجب الجنة))، وعند أبي أحمد بن عدي، من حديث عمر بن حفص العبدي، وهو متروك، عن ثابت عن أنس: ((يد الله تعالى على رأس المؤذن حتى يفرغ من أذانه، أو أنه ليغفر له مد صوته وأين بلغ)). زاد أبو الشيخ من حديث النعمان: ((فإذا فرغ قال الرب تعالى: صدقت عبدي وشهدت شهادة الحق فأبشر)). وعند أبي الشيخ من حديث أبي موسى: ((يبعث يوم الجمعة زاهراً منيراً وأهل الجنة محفوفون به كالعروس تهدى إلى بيت زوجها، لا يخالطهم إلاّ المؤذنون المحتسبون)). وحديث جابر، رضي الله تعالى عنه: ١٦٦ ١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٥) ((قيل: يا رسول الله! مَن أول الناس دخولاً الجنة؟ قال: الأنبياء، ثم الشهداء، ثم مؤذنوا الكعبة، ثم مؤذنوا بيت المقدس، ثم مؤذنوا مسجدي هذا، ثم سائر المؤذنين))، سندهما صالح، وحديث أبي بن كعب، رضي الله تعالى عنه: ((دخلت الجنة فرأيت فيها جنابذ اللؤلؤ، فقلت: لمن هذا يا جبريل؟ فقال: للمؤذنين والأئمة من أمتك))، وقال أبو حاتم الرازي: هذا حديث منكر، وعند عبد الرزاق: من حديث عبد الرحمن بن سعيد بن عمار بن سعد المؤذن عن صفوان بن سليم عن أنس رفعه: ((إذا أذن في قرية أمنها الله تعالى من عذابه ذلك اليوم)). وعند السراج بسند صحيح: ((الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن اللهم ارشد الأئمة واغفر للمؤذنين)). ومن هذا أخذ الشافعي أن الأذان أفضل من الإمامة، وعندنا الإمامة أفضل لأنها عَـ وظيفة النبي ومما يستفاد منه: أن السهو الذي يحصل للمصلي في صلاته من وسوسة الشيطان. ٥ - بابُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالنِّدَاءِ أي: هذا باب في بيان رفع الصوت بالنداء، أي: رفع المؤذن صوته بالأذانه، قال ابن المنير: لم ينص على حكم رفع الصوت لأنه من صفة الأذان، وهو لم ينص في أصل الأذان على حكم، قلت: هو في الحقيقة صفة المؤذن لا صفة الأذان، ولا يحتاج إلى نص الحكم ظاهراً، لأن حديث الباب يدل على أن المراد ثواب رفع المؤذن صوته، فيكون تقدير كلامه: باب في بيان ثواب رفع المؤذن صوته عند الأذان، كما ترجم النسائي: باب الثواب على رفع الصوت بالأذان. وقال عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ أَذِّنْ أذاناً سمْحاً وإلاّ فاعْتَزِلْنَا مطابقة هذا الأثر للترجمة، ما قاله الداودي: لعل هذا المؤذن لم يكن يحسن مد الصوت إذا رفع بالأذان فعلمه، وليس أنه نهاه عن رفع الصوت، قلت: كأنه كان يطرب في صوته ويتنغم، ولا ينظر إلى مد الصوت مجرداً عن ذلك، فأمره عمر بن عبد العزيز بالسماحة. وهي: السهولة، وهو أن يسمح بترك التطريب ويمد صوته، ويدل على ذلك ما رواه الدارقطني بإسناد فيه لين من حديث ابن عباس: ((أنه عَُّلِّ كان له مؤذن يطرب، فقال له عَّه: المؤذن سهل سمح، فإن كان أذانك سهلاً سمحاً وإلاَّ فلا تؤذن))، ويحتمل أن هذا المؤذن لم يكن يفصح في كلامه، ويغمغم فأمره عبد العزيز بالسماحة في أذانه، وهي: ترك الغمغمة بإظهار الفصاحة، وهذا لا يكون إلا بمد الصوت بحدة. وروى مجاشع عن هارون بن محمد عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله عَّهِ: ((لا يؤذن لكم إلاَّ فصيح))، وقال ابن عدي: هارون هذا لا يعرف، وأما التعليق المذكور فرواه ابن أبي شيبة عن وكيع عن سفيان عن عمر بن سعد عن أبي الحسن: أن مؤذناً أذن فطرب له في أذانه، فقال له عمر بن عبد العزيز: أذن أُذاناً سمحاً وإلاَّ فاعتزلنا. قوله: ((أذن)) بلفظ الأمر من الفعل، وهو خطاب لمؤذنه. قوله: ((سمحاً)) أي: سهلاً بلا نغمات وتطريب. قوله: ((فاعتزلنا)) أي: فاترك منصب الأذان. ١٦٧ ١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٥) ٦٠٩/٧ - حدثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ عَبْدِ الرَّحْمَن بنِ عَبْدِ الله ابنِ عبدِ الرَّحْمَنِ بنِ أبي صَعْصَعْة الأنْصَارِيِّ ثُمَّ المَازِنِيّ عنْ أَبِيهِ أنَّهُ أَخْبَرَهُ أنَّ أبا سعِيدٍ الخُدْرِيَّ قال لَهُ إِنِّي أراكَ تُحِبُّ الغَنَمَ والبَادِيَةَ فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بالصَّلاَةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ فَإِنَّهُ لاَ يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤذِّنِ جِنَّ ولاَ إنْسٌ ولاَ شَيْءٍ إلا شَهِدَ له يَوْمَ القِيَامَةِ قال أبُو سَعِيدٍ سَمِعْتُهُ منْ رَسُولِ اللهِ عَ لِ. [الحديث: ٦٠٩ - طرفاه في: ٣٢٩٦، ٧٥٤٨]. مطابقته للترجمة في قوله: ((فارفع صوتك بالنداء)). ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: عبد الله بن يوسف التنيسي. الثاني: الإمام مالك بن أنس. الثالث: عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة، بالمهملات المفتوحات إلا العين الأولى، فإنها ساكنة، الأنصاري المازني: بالزاي والنون، مات في خلافة أبي جعفر، ومنهم من ينسبه إلى جده، واسم أبي صعصعة: عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم ابن مازن بن النجار، مات أبو صعصعة في الجاهلية وابنه عبد الرحمن صحابي. الرابع: أبوه عبد الله بن عبد الرحمن. الخامس: أبو سعيد الخدري. ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار كذلك في موضع واحد، وبصيغة الإِفراد في موضع واحد. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: أن عبد الرحمن بن عبد الله من أفراد البخاري. وفيه: أن رواته مدنيون ما خلا شيخ البخاري. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في ذكر الجن عن قتيبة، وفي التوحيد عن اسماعيل وعن أبي نعيم عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه. ذكره خلف وحده، وقال أبو القاسم، لم أجده ولا ذكره أبو مسعود، وأخرجه النسائي في الصلاة عن محمد بن سلمة عن ابن القاسم عن مالك به. وأخرجه ابن ماجه فيه عن محمد بن الصباح عن سفيان بن عيينة عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد به، كذا يقول سفيان. ذكر معناه: قوله: ((قال له))، أي: قال أبو سعيد لعبد الله بن عبد الرحمن. قوله: ((والبادية))، أي: وتحب البادية أيضاً لأجل الغنم، لأن محب الغنم يحتاج إلى إصلاحها بالمرعى، وهو في الغالب يكون في البادية، وهي الصحراء التي لا عمارة فيها. قوله: ((فإذا كنت في غنمك))، أي: بين غنمك، وكلمة: في، تأتي بمعنى بين، كما في قوله تعالى: ﴿فادخلي في عبادي﴾ [الفجر: ٢٩]. وفي (المخصص): الغنم جمع لا واحد له من لفظه. وقال أبو حاتم: وهي انثى. وعن صاحب (العين): الجمع أغنام وأغانم وغنوم. وفي (المحكم): ثنوه فقالوا: غنمان. وفي (الجامع): هو اسم لجمع الضان والمعز. وفي (الصحاح): موضوع للجنس يقع على الذكور والإناث وعليهما جميعاً. قوله: ((أو باديتك)) كلمة: أو، هنا يحتمل أن تكون للشك من الراوي، أو تكون للتنويع، لأنه قد يكون في غنم بلا بادية، وقد يكون في ١٦٨ ١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٥) بادية بلا غنم، وقد يكون فيهما معاً. وقد لا يكون فيهما معاً، وعلى كل حال لا يترك الأذان. قوله: ((فأذنت للصلاة)) أي: لأجل الصلاة، وفي رواية للبخاري في بدء الخلق: ((بالصلاة))، والباء للسببية ومعناهما قريب. قوله: ((بالنداء)) أي: الأذان. قوله: ((مدى صوت))، أي: لا يسمع غاية صوت المؤذن. قال التوربشتي: إنما ورد البيان على الغاية مع حصول الكفاية بقوله: ((لا يسمع صوت المؤذن))، تنبيهاً على أن آخر ما ينتهي إليه صوته يشهد له كما يشهد له الأولون. وقال القاضي البيضاوي: غاية الصوت تكون أخفى لا محالة. فإذا شهد له من بعد عنه ووصل إليه همس صوته فلأنه يشهد له من هو أدنى منه وسمع مبادي صوته أولى. قوله: ((لا شيء)) هذا من عطف العام على الخاص، لأن الجن والإنس يدخلان في: شيء، وهو يشمل الحيوانات والجمادات. قيل: إنه مخصوص بمن تصح منه الشهادة ممن يسمع: كالملائكة، نقله الكرماني. وقيل: المراد به كل ما يسمع المؤذن من الحيوان حتى ما لا يعقل دون الجمادات. وقيل: عام حتى في الجمادات أيضاً، والله تعالى يخلق لها إدراكاً وعقلاً، وهو غير ممتنع عقلاً ولا شرعاً. وقال ابن بزيزة: تقرر في العادة أن السماع والشهادة والتسبيح لا يكون إلا من حي، فهل ذلك إلاَّ حكاية على لسان الحال؟ لأن الموجودات ناطقة بلسان حالها بجلال باريها. قوله: ((إلاّ شهد له)). وفي رواية الكشميهني: ((إلاّ يشهد له)). والمراد من الشهادة ﴿وكفى بالله شهيداً﴾ [النساء: ٧٩ و١٦٦، الفتح: ٢٨]. اشتهاره يوم القيامة فيما بينهم بالفضل وعلو الدرجة، وكما أن الله يفضح قوماً بشهادة الشاهدين، كذلك يكرم قوماً بها، تجميلاً لهم وتكميلاً لسرورهم وتطميناً لقلوبهم. قوله: ((سمعته من رسول الله، عَّ)) قال الكرماني: أي: سمعت هذا الكلام الأخير، وهو قوله: ((فإنه لا يسمع ... )) إلى آخره. قلت: أشار بذلك إلى أن من قوله: ((إني أراك))، إلى قوله: ((فإنه لا يسمع))، موقوف، ويؤيد ذلك ما رواه ابن خزيمة من رواية ابن عيينة ولفظه: ((قال أبو سعيد: إذا كنت في البوادي فارفع صوتك بالنداء فإني سمعت رسول الله عَ لّه. يقول: لا يسمع مدى صوت المؤذن ... )) فذكره، ورواه يحيى القطان أيضاً عن مالك بلفظ: ((أن النبي، عَّه، قال: إذا أذنت فارفع صوتك فإنه لا يسمع ... )) فذكره، وقد أورد الغزالي والرافعي والقاضي حسين هذا الحديث وجعلوه كله مرفوعاً، ولفظه: ((أن النبي، عَ لّهِ، قال لأبي سعيد: إنك رجل تحب الغنم ... )). وساقوه إلى آخره، ورده النووي، وتصدى ابن الرفعة للجواب عنهم بأنهم فهموا أن قول أبي سعيد: سمعته من رسول الله عَُّلّه، يرجع إلى كل ما ذكر، والصواب مع النووي لما ذكرناه. ذكر ما يستفاد منه فيه: استحباب رفع الصوت بالأذان ليكثر من يشهد له ولو أذن على مكان مرتفع ليكون أبعد لذهاب الصوت، وكان بلال، رضي الله تعالى عنه، يؤذن على بيت امرأة من بني النجار، بيتها أطول بيت حول المسجد. وفيه: العزلة عن الناس خصوصاً في أيام الفتن. وفيه: اتخاذ الغنم والمقام بالبادية، وهو من فعل السلف. وفيه: أن أذان المنفرد ١٦٩ ١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٦) مندوب، ولو كان في برية، لأنه إن لم يحضر من يصلي معه يحصل له شهادة من سمعه من الحيوانات والجمادات. وللشافعي في أذان المنفرد ثلاثة أقوال: أصحها: نعم، لحديث أبي سعيد الخدري هذا، والثاني: وهو القديم: لا يندب له لأن المقصود من الأذان والإبلاغ والإعلام، وهذا لا ينتظم في المنفرد. والثالث: إن رجى حضور جماعة أذن لإعلامهم، وإلاّ فلا، وحمل حديث أبي سعيد على أنه كان يرجو حضور غلمانه. وفيه: أن الجن يسمعون أصوات بني آدم. وفيه: أن بعض الخلق يشهد لبعض. ٦ - بابُ ما يُحْقَنُ بِالأُذَانِ مِنَ الدِّمَاءِ أي: هذا باب في بيان ما يمنع من الدماء بسبب الأذان، يقال: حقنت له دمه أي: منعت من قتله وإراقته، أي: جمعته له وحبسته عليه، وأصل الحقن الحبس، ومنه الحاقن لأنه يحبس بوله أو غائطه في بطنه، ومنه: حقن اللبن، إذا حبسه في السقاء، والدماء جمع: دم. ٢٧/ ٦١٠ - حدّثنا قُتَئِبَةُ بنُ سَعِيدٍ قال حدّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أنَّس -ابنَ مَالِكِ أنَّ النَّبِيَّ عَّ ◌َلَِّ كانَ إذا غَزَا بِنَا قَوْماً لَمْ يَكُنْ يَغْزُو بِنَا حَتَّى يُصْبِحَ ويَنْظُرَ فَإِنْ سَمِعَ أَذَاناً كَفَّ عَنْهُمْ وإنْ لَمْ يَشْمَعْ أذَاناً أَغَارَ عَلَيْهِمْ قال فَخَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ لَيْلاً فَلَمَّا أَصْبَحَ ولَمْ يَسْمَعْ أَذَاناً رَكِبَ وَرَكِبْتُ خَلْفَ أبي طلْحَةً وإِنَّ قَدَمي لَتَمَسُ قَدَمَ النَِّيّ عَّ له قال فَخَرَجُوا إِلَيْنَا بِكَاتِلِهِمْ وَمَسَاحِيهِمْ فَلَمَّا رَأْوا النبيَّ عَ لَِّ قالوا مُحَمَّدٌ واللَّهِ مُحَمَّدٌ والخَمِيسُ قال فَلَمَّا رَآهُمْ رسولُ اللهِ عََّلِ قَالَ الله أكبرُ الله أكبرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ إِنَّا نَزَلْنا بِسَاحَةٍ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ. [انظر الحديث ٣٧١ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة. ذكر رجاله: وهم أربعة: وهذا الإسناد بعينه قد سبق في: باب خوف المؤمن أن يحبط عمله، وإسماعيل بن جعفر أبو إبراهيم الأنصاري، وحميد الطويل. وأخرجه البخاري أيضاً عن قتيبة في الجهاد، وروى مسلم طرفه المتعلق بالأذان من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس، قالٍ: ((كان رسول الله عَّلم يغير إذا طلع الفجر وكان يستمع الأذان، فإن سمع الأذان أمسك وإلاَّ أغار)). ذكر معناه: قوله: ((إذا غزا بنا)) أي: مصاحباً، فالباء للمصاحبة. قوله: ((لم يغزو بنا)) قال الكرماني: فيه خمس نسخ. قلت: الأولى: لم يغز، من: غزا يغزو غزوا، والاسم: الغزاة، وكان الأصل فيه إسقاط: الواو علامة، للجزم، ولكنه على بعض اللغات، وهو عدم إسقاط الواو، وإخراجه عن الأصل. ثم قيل: هذه لغة، وقيل: ضرورة، ولا ضرورة إلاّ في الشعر كما قال الشاعر: لـ تـجــو ولم تدع ووروده هكذا يدل على أنها لغة، وهي، رواية كريمة. والثانية: لم يغز، مجزوماً على ١٧٠ ١٠ - كِتَابُ الأذانِ / باب (٦) أنه بدل من لفظ: لم يكن. وهي رواية المستملي. الثالثة: لم يغير، من الإغارات بإثبات الياء بعد الغين، وهي رواية الأصيلي، وهو على غير الأصل. الرابعة: لم يغر من الإغارة أيضاً لكنه على الأصل. الخامسة: لم يغدو، بإسكان الغين وبالدال المهملة من: الغدو، ونقيض الرواح وهي رواية الكشميهني. قوله: ((وينظر))، أي: ينتظر. قوله: ((فخرجنا إلى خيبر))، وخيبر بلغة اليهود: حصن، وقد ذكرنا تحقيق هذا في: باب ما يذكر من الفخذ، فإن البخاري ذكر بعض هذا الحديث هناك عن أنس رضي الله تعالى عنه: ((أن رسول الله عَّ غزا خيبر فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس، فركب رسول الله عَّه وركب أبو طلحة وأنا رديف أبي طلحة، فأجرى نبي الله عَّمِ في زقاق خيبر، وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله عَّه، ثم حسر الإزار عن فخذه حتى كأني أنظر إلى بياض فخذ نبي الله عَّه، فلما دخل القرية قال: الله أكبر، خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين، قالها ثلاثاً ... )) الحديث. وأبو طلحة وهو الصحابي المشهور، واسمه: زيد بن سهل، وهو زوج أم أنس. وقال عَ لّهِ: ((لصوت أبي طلحة في الجيش خير من فئة))، وروي: ((من مائة رجل)) قوله: ((بمكاتلهم)، هو جمع: المكتل، بكسر الميم وهو: القفة، أي: الزنبيل، والمساحي، جمع: مسحاة وهي: المجرفة إلا أنها من الحديد. قوله: ((والجيش)) أي: جاء محمد والجيش، وروي بالنصب على أنه مفعول معه، ويروى ((والخميس))، بفتح الخاء المعجمة وكسر الميم وهو بمعنى: الجيش، سمي به لأنه خمسة أقسام: قلب وميمنة وميسرة ومقدمة وساقة. قوله: ((خربت خيبر))، إنما قال بخرابها لما رأى في أيديهم من آلات الخراب من المساحي وغيرها، وقيل: أخذه من اسمها، والأصح أنه أعلمه الله تعالى بذلك. قوله: ((بساحة)) الساحة: الفناء، وأصلها: الفضاء بين المنازل. قوله: ((فساء)) كلمة: ساء، مثل: بئس، من أفعال الذم و: ((صباح)) مرفوع لأنه فاعل: ساء و: ((المنذرين))، بفتح الذال المعجمة. ذكر ما يستفاد منه: قال الخطابي: فيه: بيان أن الأذان شعار لدين الإسلام، وأنه أمر واجب لا يجوز تركه، ولو أن أهل بلد اجتمعوا على تركه وامتنعوا كان للسلطان قتالهم عليه، وقال التيمي: وإنما يحقن الدم بالأذان لأن فيه الشهادة بالتوحيد والإقرار بالنبي عَّ له، قال: وهذا لمن قد بلغته الدعوة، وكان يمسك عن هؤلاء حتى يسمع الأذان ليعلم أكان الناس مجيبين للدعوة أم لا، لأن الله وعده إظهار دينه على الدين كله، وكان يطمع في إسلامهم، ولا يلزم اليوم الأئمة أن يكفوا عمن بلغته الدعوة لكي يسمعوا أذاناً، لأنه قد علم غائلتهم للمسلمين، فينبغي أن تنتهز الفرصة فيهم. وفيه: جواز الإرداف على الدابة إذا كانت مطيقة. وفيه: استحباب التكبير عند لقاء العدو. وفيه: جواز الاستشهاد بالقرآن في الأمور المحققة، ويكره ما كان على ضرب الأمثال في المحاورات ولغو الحديث، تعظيماً لكتاب الله تعالى. وفيه: أن الإغارة على العدو يستحب كونها في أول النهار، لأنه وقت غفلتهم، بخلاف ملاقاة الجيوش. وفيه: أن النطق بالشهادتين يكون إسلاماً، قاله الكرماني، وفيه خلاف مشهور. ١٧١ ١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٧) ٧ - بابُ ما يَقُولُ إِذَا سَمِعَ المُنَادِي أي: هذا باب في بيان ما يقول الرجل إذا سمع المؤذن يؤذن، إنما لم يوضح ما يقول السامع لأجل الخلاف فيه، ولكنه ذكر حديثين: أحدهما: عن أبي سعيد الخدري، والآخر: عن معاوية، فالأول عام، والثاني يخصصه، فكأنه أشار بهذا إلى أن المرجح عنده ما ذهب إليه الجمهور، وهو أن يقول مثل ما يقوله المؤذن إلاَّ في الحيعلتين، على ما نبينه عن قريب إن شاء الله تعالى. ٦١١/٨ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنِ عَطَاءِ بنِ يزِيدَ اللَّيْثِي عِنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ أنَّ رسولَ الله عَِّ قال إذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ المُؤَذِّنُ. مطابقته للترجمة في قوله: ((مثل ما يقول المؤذن))، فهذا يوضح الإبهام الذي في قوله: ((ما يقول إذا سمع المنادي))، وقد تكرر ذكر رجاله، وابن شهاب هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وعطاء بن يزيد - من الزيادة - الليثي، وفي رواية ابن وهب عن مالك ويونس عن الزهري أن عطاء بن يزيد أخبره، أخرجه أبو عوانه، واختلف على الزهري في إسناد هذا الحديث، وعلى مالك أيضاً، لكنه اختلاف لا يقدح في صحته، فرواه عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة، أخرجه النسائي وابن ماجه، وقال أحمد بن صالح وأبو حاتم وأبو داود والترمذي: حديث مالك ومن تابعه أصح، ورواه أيضاً يحيى القطان عن مالك عن الزهري عن السائب بن يزيد. أخرجه مسدد في (مسنده) عنه: وقال الدارقطني: إنه خطأ، والصواب الرواية الأولى. ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم أيضاً في الصلاة عن يحيى بن يحيى، وأبو داود عن القعنبي والترمذي عن قتيبة وعن إسحاق بن موسى عن معن، والنسائي عن قتيبة، وفي اليوم والليلة عن عمرو بن علي عن يحيى بن سعيد. وأخرجه ابن ماجه عن أبي بكر وأبي كريب، كلاهما عن زيد بن الحباب، كلهم عن مالك. وقال الترمذي: حسن صحيح. ذكر معناه: قوله: ((النداء)) أي: الأذان. قوله: ((فقولوا مثل ما يقول المؤذن)) مثل منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف، أي: قولوا قولاً مثل ما يقول المؤذن، وكلمة: ما، مصدرية أي: مثل قول المؤذن، والمثل هو النظير، يقال: مثل ومثل ومثيل مثل: شبه وشبه وشبيه، والمماثلة بين الشيئين اتحادهما في النوع: كزيد وعمرو في الإنسانية. وقال ابن وضاح: قوله المؤذن، مدرج والحديث: ((فقولوا مثل ما يقول))، وليس فيه المؤذن، وفيه نظر لأن الإدراج لا يثبت بمجرد الدعوى، والروايات في الصحيحين: ((مثل ما يقول المؤذن))، وحذف صاحب (العمدة) لفظ: المؤذن، ليس بشيء، وإنما قال: مثل ما يقول المؤذن، بلفظ المضارع، ولم يقل: مثل ما قال المؤذن، بلفظ الماضي، ليكون قول السامع بعد كل كلمة مثل كلمتها، والصريح في ذلك ما رواه النسائي من حديث أم حبيبة: ((أن النبي عٍَّ إذا كان ١٧٢ ١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٧) عندها فسمع المؤذن قال مثل ما يقول حين يسكت))، وأخرجه ابن خزيمة في (صحيحه) وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. قلت: قوله: على شرط الشيخين، غير جيد، لأن في سنده من ليس عندهما، ولا عند أحدهما، وهو: عبد الله بن عتبة بن أبي سفيان، ورواه أبو عمر بن عبد البر من حديث أبي عوانة عن أبي بشر عنها، وكذا أبو الشيخ الأصبهاني. ذكر ما يستفاد منه: احتج بقوله: ((فقولوا)) أصحابنا أن إجابة المؤذن واجبة على السامعين لدلالة الأمر على الوجوب، وبه قال ابن وهب من أصحاب مالك، والظاهرية، ألا ترى أنه يجب عليهم قطع القراءة وترك الكلام والسلام ورده وكل عمل غير الإجابة؟ فهذا كله أمارة الوجوب. وقال مالك والشافعي وأحمد وجمهور الفقهاء: الأمر في هذا الباب على الاستحباب دون الوجوب، وهو اختيار الطحاوي أيضاً. وقال النووي: تستحب إجابة المؤذن بالقول، مثل قوله لكل من سمعه من متطهر ومحدث وجنب وحائض وغيرهم ممن لا مانع له من الإجابة. فمن أسباب المنع: أن يكون في الخلاء، أو جماع أهله أو نحوها. ومنها: أن يكون في صلاة، فمن كان في صلاة فريضة أو نافلة وسمع المؤذن لم يوافقه في الصلاة، فإذا سلم أتى بمثله، فلو فعله في الصلاة هل يكره؟ فيه قولان للشافعي، ففي أظهرهما يكره، لكن لا تبطل صلاته، فلو قال: حي على الصلاة، والصلاة خير من النوم، بطلت صلاته إن كان عالماً بتحريمه، لأنه كلام آدمي، ولو سمع الأذان وهو في قراءة وتسبيح ونحوهما قطع ما هو فيه وأتى بمتابعة المؤذن، ويتابعه في الإقامة كالأذان إلاّ أنه يقول في لفظ الإقامة: أقامها الله وأدامها، وإذا ثوب المؤذن في صلاة الصبح فقال: الصلاة خير من النوم، قال سامعه: صدقت وبررت. انتھی. وقال أصحابنا: يجب على السامع أن يقول مثل ما قال المؤذن، إلاَّ قوله: حي على الصلاة، فإنه يقول مكان قوله: حي على الصلاة: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ومكان قوله: حي على الفلاح: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، لأن إعادة ذلك تشبه المحاكاة والاستهزاء، وكذا إذا قال المؤذن: الصلاة خير من النوم، ولا يقول السامع مثله، ولكن يقول: صدقت وبررت، وينبغي أن لا يتكلم السامع في خلال الأذان والإقامة، ولا يقرأ القرآن، ولا يسلم ولا يرد السلام، ولا يشتغل بشيء من الأعمال سوى الإجابة، ولو كان في قراءة القرآن يقطع ويسمع الأذان ويجيب، وفي (فوائد) الرستغفني: لو سمع وهو في المسجد يمضي في قراءته، وإن كان في بيته فكذلك، إن لم يكن أذان مسجده، وعن الحلواني: لو أجاب اللسان ولم يمش إلى المسجد لا يكون مجيباً. ولو كان في المسجد ولم يجب لا يكون آئماً، ولا تجب الإجابة على من لا تجب عليه الصلاة، ولأجيب إيضاً وهو في الصلاة سواء كانت فرضاً أو نفلاً. وقال عياض: اختلف أصحابنا: هل يحكي المصلي لفظ المؤذن في حالة الفريضة أو النافلة أم لا يحكيه فيهما، أم يحكي في النافلة دون الفريضة؟ على ثلاثة أقوال. انتهى. ثم ١٧٣ ١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٧) اختلف أصحابنا: هل يقول عند سماع كل مؤذن أم الأول فقط؟ وسئل ظهير الدين عن هذه المسألة فقال: يجب عليه إجابة مؤذن مسجده بالفعل. فإن قلت: روى مسلم من حديث أنس، رضي الله تعالى عنه، قال: ((كان رسول الله عَّله يغير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان، فإن سمع الأذان أمسك وإلاَّ أغار. قال: فسمع رجلاً يقول: الله أكبر الله أكبر، فقال رسول الله عَّل على الفطرة، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله. فقال رسول الله عَلَله: خرجت من النار، فنظروا فإذا هو راعي معزى)). وأخرجه الطحاوي من حديث عبد الله قال: ((كنا مع النبي عَّه في بعض أسفاره فسمع منادياً وهو يقول: الله أكبر الله أكبر، فقال النبي عَّله. على الفطرة، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله. فقال رسول الله عَ لّه خرجت من النار، فابتدرناه فإذا هو صاحب ماشية أدركته الصلاة فأذن لها)). قال الطحاوي: فهذا رسول الله عَ لَه قد سمع المنادي ينادي وقال غير ما قال، فدل ذلك على أن قوله: ((إذا سمعتم المنادي فقولوا مثل الذي يقول))، إن ذلك ليس على الإيجاب، وأنه على الاستحباب والندبة إلى الخير وإصابة الفضل، كما قد علم الناس من الدعاء الذي أمرهم أن يقولوا في دبر الصلوات وما أشبه ذلك. قلت: الأمر المطلق المجرد عن القرائن يدل على الوجوب، ولا سيما قد تأيد ذلك بما روي من الأخبار والآثار في الحث على الإجابة، وقد روى ابن أبي شيبة في (مصنفه): عن وكيع عن سفيان عن عاصم عن المسيب بن رافع عن عبد الله قال: من الجفاء أن تسمع المؤذن ثم لا تقول مثل ما يقول. انتهى. ولا يكون من الجفاء إلا ترك الواجب، وترك المستحب ليس من الجفاء، ولا تاركه جاف، والجواب عن الحديثين: أنهما لا ينافي إجابة الرسول لذلك المنادي بمثل ما قال، ويكون الراوي ترك ذكره أو يكون الأمر بالإجابة بعد هذه القضية. قوله: على الفطرة، أي: على الإسلام، إذا كان الأذان شعارهم، ولهذا كان عَ ◌ّه إذا سمع أذاناً أمسك، وإن لم يسمع أغار، لأنه كان فرق ما بين بلد الكفر وبلد الإسلام. فإن قلت: كيف يكون مجرد القبول بلا إله إلا الله إيماناً؟ قلت: هو إيمان بالله في حق المشرك، وحق من لم يكن بين المسلمين. أما الكتابي والذي يخالط المسلمين لا يصير مؤمناً إلا بالتلفظ بكلمتي الشهادة، بل شرط بعضهم التبري مما كان عليه من الدين الذي يعتقده. وأما الدليل على ما ذهب إليه أصحابنا في الحيعلتين والصلاة خير من النوم، فسنذكره في الحديث الآتي إن شاء الله تعالى. ٩ /٦١٢ - حدّثنا مُعَاذُ بنُ فَضَالةَ قال حدّثنا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عنْ مُحَمَّدِ بنِ إِبْراهِيمَ ابنِ الحَارِثِ قال حدَّثني عِيسَى بِنُ طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةً يَوْماً فَقال مِثْلَهُ إِلَى قَوْلِهِ وَأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً رسولُ الله. [الحديث ٦١٢ - طرفاه في: ٦١٣، ٩١٤]. مطابقته للترجمة من حيث إنه يوضح الإبهام. في قوله: ((ما يقول إذا سمع المؤذن))، وقد قلنا: إنه أبهم الترجمة لاحتمالها الوجهين، فحديث أبي سعيد أوضح الوجه الأول، وحديث معاوية هذا أوضح الوجه الثاني. ١٧٤ ١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٧) ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: معاذ بن فضالة، بضم الميم وفتح الفاء، تقدم ذكره. الثاني: هشام الدستوائي. الثالث: يحيى بن أبي كثير، الرابع: محمد بن إبراهيم بن الحارث المدني، مضى ذكره في: باب الصلاة الخمس كفارة. الخامس: عيسى بن طلحة بن عبيد الله التيمي القرشي من أفاضل أهل المدينة، مات في زمن عمر بن عبد العزيز. السادس: معاوية بن أبى سفيان. ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: السماع. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن رواته ما بين بصري وأهوازي ويماني ومدني. وأخرجه النسائي في اليوم والليلة عن محمود بن خالد عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير به، ولم يذكر الزيادة. ذكر معناه: قوله: ((فقال مثله))، أي: مثل ما يقول المؤذن، ويروى: بمثله، وههنا سأل الكرماني سؤالين: الأول: إن السماع لا يقع إلا على الذوات إلا إذا وصف بالقول، ونحوه، كقوله تعالى: ﴿سمعنا منادياً ينادي للإيمان﴾ [آل عمران: ١٩٣]. وأجاب بأن القول مقدر، أي: سمع معاوية قال يوماً، ولفظ: فقال، مفسر: لقال المقدر، ومثل هذه: الفاء، تسمى بالفاء التفسيرية. والثاني: كلمة: إلى، للغاية، وحكم ما بعدها خلاف ما قبلها، ويلزم أن لا يقول في أشهد أن محمداً رسول الله مثله، وأجاب بأن: إلى، ههنا بمعنى: المعية كقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾ [النساء: ٢]. سلمنا أنها بمعنى الانتهاء، لكن حكمها متفاوت، فقد لا تدخل الغاية تحت المغيا؟ قال صاحب (الحاوي): الإقرار بقوله من واحد إلى عشرة إقرار بتسعة، وقد تدخل: قال الرافعي: هو إقرار بالعشرة، وعليه الجمهور، سلمنا وجوب المخالفة بين ما بعدها وما قبلها. لكن لا نسلم وجوبها بين نفس الغاية وما قبلها، كما يقال: ما بعد المرفق حكم مخالف لحكم ما قبله، لا نفس المرفق. ففي مسألتنا: تجب مخالفة حكم الحيعلة لما قبلها، لا حكم الشهادة بالرسالة. قلت: الأصل في المسألة المذكورة عند أبي حنيفة أنه لا يدخل الابتداء ولا يدخل الانتهاء، وعند أبي يوسف ومحمد: يدخلان جميعاً. وعند زفر: لا يدخلان جميعاً، فالذي يلزمه عند أبي حنيفة تسعة، وعندهما عشرة، وعند زفر ثمانية. ذكر ما يستفاد منه المستفاد من حديث معاوية في هذا الباب: أن يقول السامع من المؤذن مثل ما يقول المؤذن إلاَّ في الحيعلتين، واختصر البخاري حديث معاوية ههنا، وقد روى حديثه بألفاظ مختلفة، ولهذا قال أبو عمر: حديث معاوية في هذا الباب مضطرب الألفاظ، بيان ذلك أنه روى مثل ما يقول طائفة، وهو أن يقول مثل ما يقول المؤذن من أول الأذان إلى آخره، روي هذا عن الطحاوي: حدّثنا محمد بن خزيمة، قال: حدّثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال: حدّثنا محمد بن عمرو الليثي عن أبيه عن جده، قال: ((كنا عند معاوية فأذن المؤذن، فقال معاوية: سمعت النبي عَّه يقول: إذا سمعتم المؤذن يؤذن فقولوا ١٧٥ ١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٧) مثل مقالته)). أو كما قال، وروى عنه: ((مثل ما يقول))، طائفة أخرى، وهو أن يقول مثل ما يقول المؤذن في كل شيء إلا قوله: حي على الصلاة حي على الفلاح، فإنه يقول فيهما: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم يتم الأذان، وهو رواية الطبراني في (الكبير): حدّثنا معاذ بن المثنى، قال: حدّثنا مسدد حدّثنا يحيى عن محمد بن عمرو عن أبيه عن جده، قال: ((أذن المؤذن عند معاوية فقال: الله أكبر الله أكبر، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله. فقال: أشهد أن محمداً رسول الله. قال: أشهد أن محمداً رسول الله. فقال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. فقال: الله أكبر الله أكبر، قال معاوية: الله أكبر الله أكبر. ثم قال: هكذا سمعت رسول الله عَّ له). وروي عنه: مثل ما يقول، طائفة أخرى، وهو أن يقول مثل ما يقول المؤذن في التشهيد والتكبير دون سائر الألفاظ، وهو رواية عبد الرزاق في (مصنفه): عن ابن عيينة عن مجمع الأنصاري أنه سمع أبا أمامة بن سهل بن حنيف حين سمع المؤذن كبر وتشهد بما تشهد به، ثم قال: هكذا حدّثنا معاوية أنه سمع رسول الله عَ لّه يقول كما يقول المؤذن، فإذا قال: أشهد أن محمداً رسول الله، فقال: وأنا أشهد، ثم سكت. وروى عنه: مثل ما يقول طائفة أخرى، وهو أن يقول مثل ما يقول المؤذن حتى يبلغ: حي على الصلاة حي على الفلاح، فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، بدل كل منهما مرتين، على حسب ما يقول المؤذن، ثم لا يزيد على ذلك، وليس عليه أن يختم الأذان، وهو رواية البخاري عن معاذ بن فضالة المذكور في هذا الباب الخ. ثم مذاهب العلماء في ذلك، فقال النخعي والشافعي وأحمد في رواية ومالك في رواية: ينبغي لمن سمع الأذان أن يقول كما يقول المؤذن حتى يفرغ من أذانه، وهو مذهب أهل الظاهر أيضاً. وقال الثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وأحمد في الأصح، ومالك في رواية: يقول سامع الأذان مثل ما يقول المؤذن إلا في الحيعلتين فإنه يقول فيهما: لا حول ولا قوة إلا بالله. واحتجوا بما رواه مسلم: حدثني إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن جهضم الثقفي، قال: حدّثنا إسماعيل بن جعفر عن عمارة بن غزية عن حبيب بن عبد الله بن أساف عن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن أبيه عن جده عمر بن الخطاب، قال: ((قال رسول الله عَّ له: إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمداً رسول الله، فقال: أشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر. فقال: الله أكبر الله أكبر. ثم قال: لا إله إلا الله، فقال: لا إله إلاَّ اللَّهُ، من قلبه دخل الجنة)) ورواه أبو داود والنسائي والطحاوي. قوله: ((من قلبه)) أي: قال ذلك خالصاً من قلبه، لأن الأصل في القول والفعل الإخلاص. ٦١٣/١٠ - حدّثنا إسْحَاقُ بنُ رَاهَوَيْهِ قال حدّثنا وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ قال حدّثنا هشامٌ ١٧٦ ١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٧) عنْ يَحْيَى نحوَهُ. قال يحيى وحدَّثني بَعْضُ إِخوانِنا أنَّهُ قال لمَّا قال حَيَّ عَلى الصَّلاَةِ قال لاَ حَوْلَ ولاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ وقال هَكَذَا سَمِعْنَا نَبِيِّكُمْ عَ لَِّ يَقُولُ. [انظر الحديث ٦١٢ وأطرافه]. مطابقته للترجمة مثل مطابقة الحديث السابق. ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: إسحاق: هو ابن راهويه. قال الغساني: قال ابن السكن: کل ما روی البخاري عن إسحاق غير منسوب فهو ابن راهويه، و کذلك صرح به أبو نعيم في (مستخرجه) وأخرجه من طريق عبد الله بن شيرويه عنه. الثاني: وهب بن جرير، بفتح الجيم: وقد مر غير مرة. الثالث: هشام الدستوائي. الرابع: يحيى بن أبي كثير. وفيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في موضع. وفيه: القول في خمسة مواضع. وفيه: السماع بصيغة الجمع. ذكر معناه: قوله: ((نحوه)) أي: نحو التحديث المذكور بالإسناد المتقدم. قوله: ((قال يحيى، وحدثني بعض إخواننا)) هذا من باب الرواية عن المجهول. قال الكرماني: قيل المراد به الأوزاعي، وقال بعضهم: وفيه نظر، لأن الظاهر أن قائل ذلك ليحيى حدثه به عن معاوية، وأين عصر الأوزاعي من عصر معاوية؟ انتهى. قلت: أخرج الطحاوي حديث معاوية هذا من أربع طرق: الأول: من حديث محمد ابن عمرو الليثي عن أبيه عن جده، قال: كنا عند معاوية ... الحديث، وجده علقمة بن وقاص المدني، روى له الجماعة. والثاني: كذلك، ولفظه: أن معاوية قال مثل ذلك، ثم قال: هكذا قال رسول الله عَِّ. والثالث: عن عمرو بن يحيى عن عبد الله بن علقمة، قال: كنت جالساً إلى جنب معاوية، فذكر مثله، ثم قال معاوية: هكذا سمعت رسول الله عَ ليه يقول. والرابع: عن عمرو بن يحيى أن عيسى بن عمرو أخبره عن عبد الله بن علقمة بن وقاص، فذكر نحوه. وأخرجه الدارمي في (سننه): حدّثنا سعيد بن عامر حدّثنا محمد بن عمرو عن أبيه عن جده: أن معاوية سمع المؤذن قال: الله أكبر الله أكبر فقال معاوية: الله أكبر الله أكبر ... )) الحديث. وأخرجه الطبراني في (الكبير) من حديث داود بن عبد الرحمن العطار: حدثني عمرو بن يحيى عن عبد الله بن علقمة بن وقاص عن أبيه قال: كنت جالساً مع معاوية ... الحديث. وأخرجه البيهقي في (المعرفة) من حديث ابن جريج، قال: أخبرنا عمرو بن يحيى المازني عن عيسى بن عمرو أخبره عن عبد الله بن علقمة بن وقاص، قال: ((إني لعند معاوية ... )) الحديث. وأخرجه النسائي أيضاً من حديث عبد الله بن علقمة عن أبيه علقمة بن وقاص عن معاوية. وكذلك أخرجه ابن خزيمة، وأخرج أيضاً من طريق يحيى القطان عن محمد بن عمرو - ابن علقمة عن أبيه عن جده، قال: كنت عند معاوية ... الحديث. وفي هذه الطرق كلها الراوي عن معاوية هو علقمة بن وقاص، وعن علقمة ابنه عبد الله، وابنه عمرو، ويحيى بن أبي كثير إن كان أدرك علقمة فالمراد من قوله: بعض إخواننا هو: علقمة، وإن لم يدرك فالمراد غالباً أحد ابني علقمة، وهما: عبد الله وعمرو، والله أعلم. وقد روى عن معاوية أيضاً نهشل : ١٧٧ ١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٧) التميمي، أخرجه الطبراني بإسنادٍ واهٍ. ثم اعلم أن قوله: ((قال يحيى وحدثني ... )) إلى آخره، صورته صورة التعليق، وليس بتعليق كما زعمه بعضهم، بل هو داخل في إسناد إسحاق، ولهذا قال الشيخ الحافظ قطب الدين في (شرحه): أن يحيى رواه بالإسنادين، والبخاري أحال الإسناد الأول بقوله: نحوه، على الذي قبله، والذي قبله ليس بتمام، وقد ذكرنا تمامه فيما مضى. قوله: ((ولما قال)) أي: المؤذن لما قال الحيلة يعني: حي على الصلاة، قال: أي معاوية، الحوقلة وهي: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإنما لم يذكر حكم حي على الفلاح اكتفاء بذكر إحدى الحيعلتين عن الأخرى لظهوره. قوله: «لا حول ولا قوة إلا بالله)) يجوز فيه خمسة أوجه. الأول: فتحهما بلا تنوین. والثاني: فتح الأول ونصب الثاني منوناً. الثالث: رفعهما منونين. والرابع: فتح الأول ورفع الثاني منوناً. والخامس: عكسه. والحول: الحركة أي: لا حركة ولا استطاعة إلا بمشيئة الله تعالى، قاله ثعلب وغيره. وقال بعضهم: لا حول في دفع شر، ولا قوة في تحصيل خير، إلا بالله. وقيل: لا حول عن معصية الله إلا بعصمته، ولا قوة على طاعته إلا بمعونته. وحكي هذا عن ابن مسعود، وحكى الجوهري لغة غريبة ضعيفة أنه يقال: لا حيل ولا قوة إلا بالله، بالياء، قال: والحيل والحول بمعنى. قلت: لا ينسب إليه الضعف في ذلك، وقد ذكر في (الجامع) و(المنتهى) و(الموعب) و(المخصص) و(المحكم): الحول والحيل والحول والحيلة والحويل والمحالة والاحتيال والتحول والتحيل، كل ذلك: جودة النظر والقدر على التصرف، فلا ينفرد إذاً بهذه اللفظة. وقال الأزهري: يقال في التعبير عن قولهم: لا حول ولا قوة إلا بالله: الحوقلة، وقال الجوهري: الحوقلة، فعلى الأول - وهو المشهور - الحاء والواو من الحول، والقاف من القوة، واللام من اسم الله. وعلى الثاني: الحاء واللام من الحول، والقاف من القوة، ومثلها: الحيعلة والبسملة والحمدلة والهيللة والسبحلة، في حي على الصلاة وحي على الفلاح، وبسم الله، والحمد لله ولا إله إلا الله، وسبحان الله. وقال المطرزي: في (كتاب اليواقيت) وفي غيره: إن الأفعال التي أخذت من أسمائها سبعة وهي: بسمل الرجل، إذا قال: بسم الله، وسبحل، إذا قال: سبحان الله، وحوقل، إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وحيعل، إذا قال: حي على الفلاح. ويجيء على القياس: حيصل، إذا قال: حي على الصلاة، ولم يذكر: وحمدل، إذا قال: الحمد لله. و: هيلل، إذا قال: لا إله إلا الله، و: جعفل، إذا قال: جعلت فداءك. زاد الثعالبي: الطيقلة، إذا قال: أطال الله بقاءك، و: الدمعزة، إذا قال: أدام الله عزك. وقال عياض: قوله: الحيصلة على قياس الحيعلة غير صحيح، بل الحيعلة تطلق على حي على الصلاة وحي على الفلاح، كلها حيعلة، ولو كان على قياسه في الحيصلة لكان الذي يقال في: حي على الفلاح، الحيفلة بالفاء، وهذا لم يقل، وإنما الحيعلة من قولهم: حي على كذا، فكيف وهو باب مسموع لا يقاس عليه؟ وانظر قوله: جعفل، في: جعلت فداءك، لو كان على قياس الحيلة لقال جعلف، إذ اللام مقدمة على الفاء، كذلك: والطيقلة، تكون اللام على القياس قبل القاف، والله تعالى أعلم. عمدة القاري / ج٥ / م١٢ ١٧٨ ١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٨) ٨ - بابُ الدُّعاءِ عِنْدَ النِّدَاءِ أي: هذا باب في بيان الدعاء عند تمام النداء، وهو الأذان. وقال بعضهم: إنما لم يقيده بذلك اتباعاً لإطلاق الحديث. قلت: ليس في لفظ الحديث هذه اللفظة، وفي لفظ الحديث أيضاً مقدر، وإلاَّ يلزم أن يدعو وهو يسمع، وحالة السماع وقت الإجابة، والدعاء بعد تمام السماع. ٦١٤/١١ - حدّثنا عَلِيُّ بِنُ عَيَّاشِ قال حدّثنا شُعَيبُ بنُ أبي حَمْزَةَ عنْ مُحَمَّدٍ بنٍ المُنكدِرِ عنْ جابِرِ بنِ عبدِ الله أنَّ رسولَ الله عَ لِ قال: مَنْ قال حِينَ يَسْمَعُ النّدَاءَ اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّغْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلاَةِ القَائِمَةِ آتٍ مُحَمَّداً الوَسِيلَةَ والفَضِيلَة وابْعَثْهُ مَقَاماً مَحْمُوداً الَّذِي وعَدْتَهُ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ. [الحديث ٦١٤ - طرفه في: ٤٧١٩]. مطابقته للترجمة ظاهرة. ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: علي بن عياش، بفتح العين المهملة وتشديد الياء آخر الحروف وبعد الألف شين معجمة: الألهاني، بفتح الهمز وسكون اللام وبالنون بعد الألف: الحمصي، مات سنة تسع عشرة ومائتين، وهو من كبار شيوخ البخاري. الثاني: شعيب بن أبي حمزة، بالحاء المهملة والزاي: الحمصي، وقد تقدم. الثالث: محمد بن المنكدر، بوزن اسم الفاعل من الانكدار، وقد تقدم. الرابع: جابر بن عبد الله. ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: أن شيخه من أفراده ولم يرو عنه أحد من السنة غيره، وقد حدث عنه القدماء بهذا الحديث، أخرجه أحمد في (مسنده) عنه، ورواه علي بن المديني شيخ البخاري مع تقدمه عن أحمد عنه، أخرجه الإسماعيلي من طريقه، وذكر الترمذي أن شعیباً تفرد به عن ابن المنكدر، فهو غريب مع صحته، وقد توبع ابن المنكدر عليه عن جابر. أخرجه الطبراني في (الأوسط) من طريق أبي الزبير عن جابر نحوه، ووقع في رواية الإسماعيلي: أخبرني ابن المنكدر. وفيه: أن رواته ما بين حمصيين ومدنيين. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن علي بن عياش، وأخرجه أبو داود في الصلاة أيضاً عن أحمد بن حنبل. وأخرجه الترمذي فيه عن محمد بن سهل بن عسكر، وإبراهيم بن يعقوب. وأخرجه النسائي فيه وفي اليوم والليلة عن عمرو بن منصور. وأخرجه ابن ماجة فيه عن محمد بن يحيى والعباس بن الوليد ومحمد بن أبي الحسين، سبعتهم عن علي بن عياش. ذكر معناه: قوله: ((من قال حين يسمع النداء))، أي: الأذان، وظاهر الكلام كان يقتضي أن يقال: حين سمع، بلفظ الماضي، لأن الدعاء مسنون بعد الفراغ من الأذان، لكن معناه: حين يفرغ من السماع أو المراد من النداء تمامه، إذ المطلق محمول على الكامل، ويسمع، حال لا استقبال، ويؤيده حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، أخرجه مسلم بلفظ: ١٧٩ ١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٨) ((قولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي ثم سلوا الله لي الوسيلة)). ففي هذا: إن ذلك إنما يقال عند فراغ الأذان. قوله: ((اللهم)، يعني: يا ألله، والميم عوض عن الياء، فلذلك لا يجتمعان. قوله: ((ب))، منصوب على النداء، ويجوز رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف أي: أنت رب هذه الدعوة، والرب: المربي المصلح للشأن. وقال الزمخشري: ربه يربه فهو رب، ويجوز أن يكون وصفاً بالمصدر للمبالغة، كما في الوصف بالعدل، ولم يطلقوا الرب إلاَّ في: الله، وحده وفي غيره على التقييد بالإضافة، كقولهم: رب الدار، ونحوه. قوله: ((الدعوة))، بفتح الدال وفي (المحكم): الدعوة والدعوة بالفتح والكسر، والمدعاة: ما دعوت إليه، وخص اللحياني بالمفتوحة: الدعاء إلى الوليمة. قلت: قالوا: الدعوة، بالفتح في الطعام، والدعوة بالكسر في النسب، والدعوة بالضم في الحرب، والمراد: بالدعوة، ههنا ألفاظ الأذان التي يدعى بها الشخص إلى عبادة الله تعالى. وفي رواية البيهقي: من طريق محمد بن عوف عن علي بن عياش: اللهم إني أسألك بحق هذه الدعوة، والمراد بها: دعوة التوحيد، كقوله تعالى: ﴿له دعوة الحق﴾ [الرعد: ١٤]. قوله: ((التامة)) صفة للدعوة، وصفت بالتمام لأن الشركة نقص، وقيل: معناها التي لا يدخلها تغيير ولا تبديل، بل هي باقية إلى يوم القيامة. وقيل: وصفت بالتمام لأنها هي التي تستحق صفة التمام، وما سواها معرض الفساد. وقال ابن التين: وصفت بالتامة لأن فيها أتم القول، وهو: لا إله إلا الله. وقيّل: التامة الكاملة، وكمالها أن لا يدخلها نقص ولا عيب كما يدخل في كلام الناس. وقيل: معنى التمام كونها محمية عن النسخ باقية إلى يوم القيامة. وقال الطيبي: من أوله إلى قوله: محمد رسول الله، هي الدعوة التامة. قوله: ((والصلاة القائمة)) أي: الدائمة التي لا يغيرها ملة ولا ينسخها شريعة، وأنها قائمة ما دامت السموات والأرض. قوله: ((آت)) أي: اعط وهو أمر من الإيتاء، وهو الإعطاء. قوله: ((الوسيلة)) وهي في اللغة: ما يتقرب به إلى الغير والمنزلة عند الملك، يقال: وسل فلان إلى ربه وسيلة، وتوسل إليه بوسيلة: إذا تقرب بعمل، وهي على وزن فعيلة، وتجمع على: وسائل ووسل، وفسرها في حديث مسلم بأنها: منزلة في الجنة، حدّثنا محمد بن مسلمة المرادي حدّثنا عبد الله بن وهب عن حيوة وسعيد بن أبي أيوب وغيرهما عن كعب بن علقمة عن عبد الرحمن بن جبير: ((عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله عَّةٍ يقول: إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله تعالى عليه بها عشراً. ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي لأحد إلاَّ لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة)). وأخرجه أبو داود والنسائي أيضاً وأخرجه الطحاوي ولفظه: ((فإنها منزلة في الجنة))، فالمنزل والمنزلة واحد، وهي المنهل والدار. قوله: ((والفضيلة)) أي: المرتبة الزائدة على سائر الخلائق، ويحتمل أن تكون الفضيلة منزلة أخرى. وقال بعضهم: أو تكون تفسيراً للوسيلة. قلت: لا إبهام في الوسيلة مع أنها بينت في الحديث الذي روي عن عبد الله بن عمرو. قوله: ((مقاماً محموداً)) انتصاب مقاماً على ١٨٠ ١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٨) أن يلاحظ معنى الإعطاء في البعث، فحينئذٍ يكون مفعولاً ثانياً له، وذكر الكرماني فيه وجوهاً أخرى ما تمشي إلا بالتعسف، وقد استبعد بعضهم بأن قال: نصب على الظرفية، وهو مكان غير مبهم، فلا يجوز أن يقدر فيه كلمة: في. فإن قلت: ما وجه التنكير فيه؟ قلت: ليكون حكاية عن لفظ القرآن. وقال الطيبي: إنما نكر لأنه أفخم وأجزل، كأنه قيل: مقاماً، أي: مقاماً محموداً بكل لسان. وقال النووي: ثبتت الرواية بالتنكير. قلت: وقع في رواية النسائي وابن خزيمة وغيرهما: المقام المحمود، بالألف واللام. وقال ابن الجوزي: الأكثر على أن المراد يالمقام المحمود: الشفاعة. وقيل: إجلاسه على العرش. وقيل: على الكرسي وقيل: معناه: الذي يحمده القائم فيه وكل من رآه وعرفه، وهو مطلق في كل ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات. وعن ابن عباس: مقام يحمدك فيه الأولون والآخرون، وتشرف فيه على جميع الخلائق، تُسأل فتعطى، ليس أحداً إلاَّ تحت لوائك. وعن أبي هريرة عن النبي عَظُلم: هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي. فإن قلت: قد وعده الله بالمقام المحمود، وهو لا يخلف الميعاد، فما الفائدة في دعاء الأمة بذلك؟ قلت: إما لطلب الدوام والثبات، وإما للإشارة إلى جواز دعاء الشخص لغيره، والاستعانة بدعائه في حوائجه، ولا سيما من الصالحين. قوله: ((الذي وعدته)) بدل من قوله: مقاماً، أو مرفوع بتقدير: هو، أو منصوب على المدح. فإن قلت: هل يجوز أن يكون صفة للمقام؟ قلت: إن قلنا: المقام المحمود، صار علماً لذلك المقام يجوز أن يكون صفة، وإلاَّ لا يجوز لأنه نكرة. وأما على رواية النسائي: المقام المحمود، فيجوز بلا نزاع، والمراد بالوعد، ما قاله تعالى: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً﴾ [الإسراء: ٧٩]. وأطلق عليه: الوعد، لأن عسى من الله واقع، وليس على بابه في حق الله تعالى، وفي رواية البيهقي: ((الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد)). قوله: ((حلت شفاعتي))، جواب: من. ومعنى: حلت أي: استحقت، ويكون من الحلال لأنه من كان الشيء حلاله كان مستحقاً لذلك، وبالعكس، ويجوز أن يكون من الحلول بمعنى النزول، وتكون اللام بمعنى: على، ويؤيده رواية مسلم: ((حلت عليه))، وفي رواية الطحاوي من حديث ابن مسعود: ((وجبت له))، ولا يجوز أن يكون من الحل خلاف الحرمة، لأنها لم تكن قبل ذلك محرمة. فإن قيل: كيف جعل ذلك ثواباً بالقائل ذلك مع أنه ثبت أن الشفاعة للمذنبين؟ وأجيب: بأن للنبي عَّلَِّ شفاعات متعددة: كإدخال الجنة بغير حساب، ورفع الدرجات، فيشفع لكل أحد بما يناسب حاله. ونقل القاضي عياض عن بعض شيوخه: أنه كان يرى تخصيص ذلك بمن قال مخلصاً مستحضراً لجلال الله تعالى، لا بمن قصد بذلك مجرد الثواب ونحو ذلك، وهذا مجرد تحكم، فليس بمناسب. وقال بعضهم: ولو كان أخرج من ذلك الغافل اللاهي لكان أشبه، وفيه نظر أيضاً على ما لا يخفى. ذكر ما يستفاد منه فيه: الحض على الدعاء في أوقات الصلاة حين تفتح أبواب السماء للرحمة، وقد جاء: ((ساعتان لا يرد فيهما الدعاء: حضرة النداء بالصلاة، وحضرة الصف في سبيل الله)). فدلهم عَّم على أوقات الإجابة. فإن قلت: هل الإتيان بهذه الألفاظ