النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ ٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (٤٠) الكلام الأول، فإنه ظاهر أنه عن النبي عَ لّهِ. ٦٠١/٧٧ - حدّثنا أبو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عن الزَّهْرِيِّ قال حدَّثَنِي سالِمُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ وأَبُو بَكْرِ بنُ أبي حَثْمَةَ أنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ عُمَرَ قالٍ صَلَّى النبيُّ عَ لَّه صَلاَةَ العِشَاءِ في آخِرِ حَيَاتِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ قامَ النَّبِيُّ عَ لِ فقال أَرَأيْتُكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ فَإِنَّ رَأْسَ مائَة لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأرْضِ أحَدٌ فَوَهَلَ النَّاسُ في مَقَالَةِ رسولِ اللهِ عَ لَّهِ إِلَى مَا يَتَحَدَّثُونَ منَ هَذِهِ الأَحَادِيثِ عنْ مائَةٍ سَنَةٍ وإنّما قال النبيُّ عَ لَِّ لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ◌َهْرِ الأرْضِ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهَا تَخْرِمُ ذَلِكَ القَرْنَ. [انظر الحديث ١١٦ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((فلما سلم قام النبي عَّله)) إلى قوله: ((فوهل الناس)). ذكر رجاله: وهم ستة: أبو اليمان الحكم بن نافع وشعيب بن أبي حمزة الحمصي، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأبو بكر بن 1 سليمان بن أبي حثمة، بفتح الحاء المهملة وسكون الثاء المثلثة: وهو ينسب إلى جده، وقد تقدموا في: باب السمر بالعلم، لأنه روى هذا الحديث في: باب السمر بالعلم، في كتاب العلم: عن سعيد بن عفير عن الليث بن سعد عن محمد بن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر عن ابن شهاب عن سالم وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة أن عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهما، قال: ((صلى لنا رسول الله عَّ لِ العشاء في آخر حياته))، إلى قوله: ((أحد)) ومن قوله: ((فوهل الناس)) إلى آخره، وزاده ههنا في هذه الرواية. بيان معناه: قوله: ((رأيتكم)) معناه: أعلموني، والكاف للخطاب لا محل لها من الإعراب، والميم لا يدل على الجماعة، وهذه موضعه نصب، والجواب محذوف، والتقدير: أرأيتكم ليلتكم هذه فاحفظوها واحفظوا تاريخها. قوله: ((فوهل))، بفتح الهاء وكسرها، أي: قال ابن عمر: فوهل الناس. قال الجوهري: وهل من الشيء وعن الشيء: إذا غلط فيه، ووهل إليه، بالفتح، إذا ذهب وهمه إليه، وهو يريد غيره، مثل: وهم. وقال الخطابي: أي توهموا وغلطوا في التأويل. وقال النووي: يقال: وهل، بالفتح يهل وهلاً، كضرب يضرب ضرباً أي: غلط وذهب همه إلى خلاف الصواب، وهل، بالكسر، يوهل وهلاً، كحذر يحذر حذراً: أي فزع. قوله ((في مقالة النبي عَّلَّه) وفي رواية المستملي والكشميهني: ((من مقالة النبي عَ ◌ّه)) أي: من حديثه. قوله: ((إلى ما يتحدثون من هذه الأحاديث)) أي: حيث تؤولونها بهذه التأويلات التي كانت مشهورة بينهم مشاراً إليها عندهم في المعنى المراد عن مائة سنة. مثل: إن المراد بها انقراض العالم بالكلية ونحوه، لأن بعضهم كان يقول: إن الساعة تقوم عند انقضاء مائة سنة، كما روى ذلك الطبراني وغيره من حديث أبي مسعود البدري، ورد عليه علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، وغرض ابن عمر: أن الناس ما فهموا ما أراد رسول الله عَِّ من هذه المقالة، وحملوها على محامل كلها باطلة، وبيَّن أن رسول الله عَ له أراد بذلك انخرام القرن عند انقضاء مائة سنة من مقالته تلك، وهو القرن الذي كان هو فيه، بأن ١٤٢ ٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (٤١) تنقضي أهاليه ولا يبقى منهم أحد بعد مائة سنة، وليس مراده أن ينقرض العالم بالكلية، وكذلك وقع بالاستقراء، فكان آخر من ضبط عمره ممن كان موجوداً حينئذ أبو الطفيل عامر ابناواثلة، وقد أجمع أهل الحديث على أنه كان آخر الصحابة موتاً، وغاية ما قيل فيه: إنه بقي إلى سنة عشر ومائة، وهي رأس مائة سنة من مقالة النبي عَّه، وهذا إعلام من رسول الله عَّله بأن أعمار أمته ليست تطول كأعمار من تقدم من الأمم السالفة ليجتهدوا في العمل. قوله: ((يريد)) أي: يريد النبي عٍَّ بذلك أي: بقوله هذا: أنها، أي: مائة سنة، يعني: مضيها. قوله: ((تخرم))، من الإخرام، بالخاء المعجمة. قوله: ((ذلك القرن)) أي: القرن الذي هو فيه، والقرن، بفتح القاف: كل طبقة مقترنين في وقت، ومنه قيل لأهل كل مدة أو طبقة بعث فيها نبي: قرن، قلّت السنون أو كثرت. ومما يستنبط من هذا الحديث والذي قبله: أن السمر المنهي عنه بعد العشاء إنما هو فيما لا ينبغي، وكان ابن سيرين والقاسم وأصحابه يتحدثون بعد العشاء، يعني في الخير، وقال مجاهد: يكره السمر بعد العشاء إلاَّ لمصل أو لمسافر أو دارس علم. ٤١ - بابُ السَّمَرِ معَ الصَّيْفِ والأَهْلِ أي: هذا باب في بيان السمر مع الأهل، وأهل الرجل خاصته وعياله وحاشيته. فإن قلت: ما وجه إفراد هذا الباب من الباب السابق مع اشتماله عليه ودخوله فيه؟ قلت: الانحطاط رتبته عن الباب السابق، لأنه متمحض للطاعة لا يقع على غيرها، وهذا الباب قد يكون بالسمر الجائز أو المتردد بين الإباحة والندب، فلذلك أفردها بالذكر. ٦٠٢/٧٨ - حدّثنا أَبُو النعْمَانِ قال حدّثنا مُعْتَمِرُ بنُ سُلَيْمَانَ قال حدّثنا أبُو عُثْمانَ عنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أبي بَكْرٍ أَنَّ أَصْحَابَ الصَّفَّةِ كانُوا أناساً فُقَرَاءَ وَأَنَّ النَّبِيَّ عَِّ قال مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثِ وإِنْ أَرْبَعٌ فَخَامِسٌ أَوْ سَادِسٌ وأَنَّ أبا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلاثَةٍ فانْطَلَقَ النبيُّ عَّهِ بِعَشْرَةٍ قال فَهُوَ أنا وأبي وأُمّي فلاَ أَدْرِي قال وامْرَأَتِي وخادِمٌ بَيْنَنا وبَيْنَ بَيْتِ أبِي بَكْرٍ وأنَّ أبا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النبيِّ عَّهِ ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صُلِّيَتِ العِشَاءُ ثُمَّ رَجَعَ فَلَبِثَ حَتَّى تَعشَى النَّبِيُّ عَِّ فَجَاءَ بَعْدَ ما مَضَى مِنَ اللَّيْلِ ما شَاءَ الله قالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ وما حَبَسَكَ عِنْ أَضْيَافِكَ أَوْ قَالَتْ ضَيْفِكَ قال أوَ مَا عَشَّيْتِهِمْ قَالَتْ أَبَوْا حَتَّى تَجِيءَ قَدْ عُرِضُوا فَأَبُوْا قال فَذَهَبْتُ أنا فَاحْتَبَأْتُ فقال يا غُنْثَرُ فَجَدَّع وسبَّ وقال كُلُوا لا هَنِيئاً فقال واللهِ لاَ أَطْعَمَهُ أبداً وَائِمُ اللهِ ما كُنَّا ناخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلاَّ رَبَا مِنْ أسْفَلِهَا أْثَرُ مِنْهَا قَالَ يَغْنِي حتَّى شَبِعُوا وصارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ فَتَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ فإِذَا هِي كَمَا هِيَ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا فقال الإِرَتِهِ يا أُخْتَ بَنِي فِراسٍ ما هَذَا قَالَتْ لاَ وَقُرَّةِ عَيْنِي لَهِيَ الآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلاَثِ مَرَّاتٍ فاكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ وقال إَّما كانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ يَعْنِي يَمِينَهُ ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً ثُمَّ حَمَّلَهَا إِلى النَّبِي عَ لَّهِ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ وِكانَ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ فَمَضَى الأَجَلُ فَفَرَّقَنَا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلاً مَعَ كُلِّ رَجُل مِنْهُمْ أُنَاسّ الله أعْلَمُ كَمْ مَعَ كلِّ رَجلٍ فَأَكَلُوا مِنهَا أَجْمَعُونَ أوْ ١٤٣ ٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (٤١) كما قال. [الحديث ٦٠٢ - أطرافه في: ٣٥٨١، ٦١٤٠، ٦١٤١]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قول أبي بكر، رضي الله تعالى عنه لزوجته: ((أَوَمَا عَشَّيْتِهِمْ؟))، ومراجعته لخبر الأضياف. وقوله: لأضيافه: ((كلوا))، وكل ذلك في معنى السمر المباح. ذكر ورجاله: وهم خمسة: الأول: أبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي. الثاني: معتمر بن سليمان السدوسي. الثالث: أبوه سليمان بن طرخان. الرابع: أبو عثمان عبد الرحمن ابن مل بن عمرو النهدي، مات سنة خمس وتسعين وهو ابن ثلاثين ومائة سنة، وكان قد أدرك الجاهلية، تقدم في باب الصلاة كفارة. الخامس: عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنهما. ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: راوٍ من المخضرمين وهو: أبو عثمان. وفيه: رواية الصحابي عن الصحابي ابن الصحابي: وهو عبد الرحمن. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في علامات النبوة عن موسى بن إسماعيل، وفي الأدب عن أبي موسى محمد بن المثنى. وأخرجه مسلم في الأطعمة عن عبيد الله بن معاذ وحامد بن عمر ومحمد بن عبد الأعلى، وعن محمد بن المثنى، وأخرجه أبو داود في الأيمان والنذور عن محمد بن المثنى وعن مؤمل بن هشام. ذكر معناه: قوله: ((إن أصحاب الصفة))، قال النووي: هم زهاد من الصحابة فقراء غرباء، كانوا يأوون إلى مسجد النبي عَّه، وكانت لهم في آخره صفة، وهي مكان مقتطع من المسجد مظلل عليه يبيتون فيه، وكانوا يقلون ويكثرون، وفي وقت كانوا سبعين، وفي وقت غير ذلك، فيزيدون بمن يقدم عليهم وينقصون بمن يموت أو يسافر أو يتزوج. وفي (التلويح): الصفة، هو موضع مظلل في المسجد كان للمساكين والغرباء، وهم الأوفاض، أي: الفرق والأخلاط من الناس يأوون إليه، وعدَّ منهم أبو نعيم في (الحلية) مائة ونيفاً. قوله: ((كانوا أناساً)) وفي رواية الكشميهني: ((كانوا ناساً))، بلا ألف، والناس والأناس بمعنى واحد. قوله: ((فليذهب بثالث))، أي: من أصحاب الصفة، هذا هو الصواب، وهو الأصح من رواية مسلم: ((فليذهب بثلاثة))، لأن ظاهرها صيرورتهم خمسة، وحينئذ لا يمسك رمق أحد بخلاف الواحد مع الإثنين. وقال القرطبي: لو حملت رواية مسلم على ظاهرها فسد المعنى، وذلك أن الذي عنده طعام إثنين إذا أكله في خمسة لم يكف أحداً منهم، ولا يمسك رمقه، بخلاف الواحد مع الاثنين. وقال النووي: والذي في مسلم أيضاً له وجه تقديره: فليذهب بمن يتم بثلاثة، أو بتمام ثلاثة، كما قال تعالى: ﴿وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام﴾ [فصلت: ١٠]. أي: في تمام أربعة أيام. وقال ابن العربي: لم يقل عَّم أن طعام الإثنين يشبع الثلاثة. إنما قال: يكفي، وهو غير ١٤٤ ٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (٤١) الشبع، وكانت المواساة إذ ذاك واجبة لشدة الحال. قوله: ((وإن أربع فخامس أو سادس)) أي: وإن كان عنده طعام أربع فليذهب بخامس أو بسادس، هذا وجه الجر في: خامسٍ وسادسٍ، ويروى برفعهما، فوجهه كذلك لكن بإعطاء المضاف إليه وهو: طعام، وبإضمار مبتدأ للفظ: خامس. وفي رواية مسلم: ((من كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس بسادس)). وقال الكرماني: فإن قلت: كيف يتصور السادس إذا كان عنده طعام أربع؟ قلت: معناه: فليذهب بخامس أو بسادس مع الخامس، والعقل يدل عليه، إذ السادس يستلزم خامساً، فكأنه قال فليذهب بواحد أو باثنين، والحاصل أن: أو: لا تدل على منع الجمع بينهما، ويحتمل أن يكون معنى: أو سادس، وإن كان عنده طعام خمس فليذهب بسادس، فيكون من باب عطف الجملة على الجملة. وقال ابن مالك: هذا الحديث مما حذف فيه بعد: أن والغاء، فعلان وحرفا جرٍ باقٍ عملهما، وتقديره: وإن قام بأربعة فليذهب بخامس أو بسادس، وفي (التوضيح): كلمة: أو، للتنويع وقيل: للإباحة. قوله: ((وانطلق النبي عَ لّ) قال هنا: انطلق، وعن أبي بكر قال: جاء لأن المجيء هو المشي المقرب إلى المتكلم. والانطلاق المشي المبعد عنه. قوله: ((قال)) أي: قال عبد الرحمن ((فهو أنا وأبي وأمي)) هذه رواية الكشميهني، وفي رواية المستملي: ((فهو أنا وأمي)). وقوله: ((وخادم))، بالرفع عطف على: امرأتي، على تقدير: أن يكون لفظ: امرأتي، على تقدير: أن يكون لفظ: امرأتي موجوداً فيه، وإلاَّ فهو عطف على: أمي، قوله: ((بين بيتنا وبيت أبي بكر)» هكذا هو في رواية أبي ذر، والرواية المشهورة: ((بيننا وبين أبي بكر)) يعني: مشترك خدمتها بيننا وبين أبي بكر. وقوله: بين، ظرف لخادم. قوله: ((تعشى)) أي: أكل العشاء، وهو بفتح العين: الطعام الذي يؤكل آخر النهار. قوله: ((ثم لبث)) أي: في داره. قوله: ((حتى صليت))، بلفظ المجهول، وهذه رواية الكشميهني، يعني لفظ: حتى، وفي رواية غيره: ((حيث صليت))، قوله: ((العشاء)) أي: صلاة العشاء. قوله: ((ثم رجع)) أي: إلى رسول الله عَ له. وفي (صحيح) الإسماعيلي، ((ثم ركع))، بالكاف أي: صلى النافلة بعد العشاء، فدل هذا على أن قول البخاري: ثم رجع، ليس مما اتفق عليه الرواة. قوله: ((حتى تعشى النبي عَ لَّه)، وعند مسلم: ((حتى نعس النبي عَّ له))، قوله: ((قالت له)) أي لأبي بكر ((امرأته)) وهي: أم رومان، بضم الراء وفتحها. وقال السهيلي: اسمها: دعد، وقال غيره: زينب، وهي من بني فراس بن غنم بن مالك بن كنانة. قوله: ((أو ضيفك)) شك من الراوي، وقال الكرماني: قوله: «ضيفك)). فإن قلت: هم كانوا ثلاثة، فلم أفرد؟ قلت: هو لفظ الجنس يطلق على القليل والكثير، ٠٠ أو مصدر يتناول المثنى والجمع. انتهى. قلت: هذا السؤال على أن نسخته كانت: ضيفك، بدون قوله: ((أضيافك))، ولكن قوله: أو مصدر، غير صحيح لفساد المعنى. قوله: ((أَوَمَا عَشَّيْتِهِم)) الهمزة للاستفهام، والواو للعطف على مقدر بعد الهمزة. ويروى: عشيتهيم، بالياء الحاصلة من إشباع الكسرة. قوله: ((أبوا)) أي: امتنعوا، وامتناعهم من الأكل رفقاً به لظنهم أنه ١٤٥ ٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (٤١) لا يجد عشاءً، فصبروا حتى يأكل معهم. قوله: ((قد عرضوا)) بفتح العين أي: الأهل من: الابن والمرأة والخادم. وفي رواية ((فعرضنا عليهم))، ويروى: ((قد عرضوا)) على صيغة المجهول، ويروى: ((قد عرصوا))، بالصاد المهملة. وقال ابن التنين: لا أعلم وجهاً، ويحتمل أن يكون من: عرص إذا نشط، فكأن أهل البيت نشطوا في العزيمة عليهم، وقال الكرماني: وفي بعض النسخ بضم العين أي: عرض الطعام على الأضياف، فحذف الجار وأوصل الفعل، أو هو من باب القلب، نحو: عرضت الحوض على الناقة. قوله: ((قال فذهبت))، أي: قال عبد الرحمن. قوله: ((فاختبأت)) أي: اختفيت، وكان اختفاؤه خوفاً من خصام أبيه لأنه لم يكن في المنزل من الرجال غيره، أو لأنه أوصاه بهم. قوله: ((فقال)) أي: أبو بكر: ((يا غنثر)) بضم الغين المعجمة وسكون النون وفتح الثاء المثلثة وضمها أيضاً، قال ابن قرقول: معناه: يا لئيم يا دنيء. وقيل: الثقيل الوخم. وقيل: الجاهل، من الغثارة وهي الجهل، والنون زائدة. وقيل: مأخوذ من الغثر وهو السقوط. وقال عياض: وعن بعض الشيوخ: يا عنتر، بفتح العين المهملة وسكون النون وفتح التاء المثناة من فوق، وهو: الذباب الأزرق، شبهه به تحقيراً له، والأول هو الرواية المشهورة، قاله النووي. قوله: ((فجدع))، بفتح الجيم وتشديد الدال المهملة وفي آخره عين مهملة، أي: دعا بالجدع، وهو قطع الأنف أو الأذن أو الشفة، وهو بالأنف أخص. وقيل: معناه السب. وقال القرطبي: فيه البعد لقوله: فجدع وسب، وقال ابن قرقول: وعند المروزي - بالزاي - قال: وهو وهم. قال القرطبي: وكل ذلك من أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، على ابنه ظناً منه أنه فرط في حق الأضياف، فلما تبين له أن ذلك كان من الأضياف أدَّبهم بقوله: ((كلوا لا هنيئاً)، وحلف أن لا يطعمه. وقيل: إنه ليس بدعاء عليهم إنما هو خبر، أي: لم تتهنوا به في وقته. وقال السفاقسي: إنما خاطب بذلك أهله لا أضيافه. و: هنيئاً، منصوب على أن فعله محذوف واجب حذفه في السماع، والتقدير: هناك الله هنيئاً، وهنيئاً دخل عليه حرف النفي. قوله: ((وأيم الله))، مبتدأ وخبره محذوف أي: ايم الله قسمي، وهمزته همزة وصل لا يجوز فيها القطع عند الأكثرين، والأصل فيه: يمين الله، ثم جمع اليمين على أيمن، ولما كثر استعماله في كلامهم خففوه بحذف النون فقالوا: ايم الله، وفيه لغات قد ذكرناها في: باب الصعيد الطيب وضوء المسلم. قوله: ((إِلاَّ رَبَا)) أي: زاد. قوله: ((وصارت)) أي: الأطعمة. قوله: ((أكثر مما كانت))، بالثاء المثلثة، ويروى بالباء الموحدة: أكبر، قوله: ((فإذا هي كما هي))، أي: فإذا الأطعمة كما هي على حالها لم تنقص شيئاً، والفاء فيه: فاء المفاجأة. قوله: ((فقال لامرأته))، أي: فقال أبو بكر لزوجته. وهي: أم عبد الرحمن وأم رومان. قوله: ((يا أخت بني فراس)) إنما قال كذلك لأنها زينب بنت دهمان، بضم الدال المهملة وسكون الهاء، أحد بني فراس بن غنم بن مالك بن كنانة، كما ذكرناه عن قريب. وقال النووي: معناه يا من هي من بني فراس. قوله: ((ما هذا؟)) استفهام من أبي بكر عن حال الأطعمة. قوله: ((قالت: لا وقرة عيني)، كلمة: لا، زائدة للتأكيد، ونظائره مشهورة، ويحتمل أن تكون: لا، نافية واسمها محذوف عمدة القاري / ج٥ / ١٠٢ ١٤٦ ٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (٤١) أي: لا شيء غير ما أقول، وهو قولها: وقرة عيني، و: الواو، فيه واو القسم، و: قرة العين، بضم القاف وتشديد الراء: يعبر بها عن المسرة، ورؤية ما يحب الإنسان. قيل: إنما قيل ذلك لأن عينه تقر لبلوغ أمنيته، ولا يستشرف لشيء فيكون مشتقاً من القرار. وقيل: مأخوذ من القر، بالضم، وهو: البرد، أي: إن عينه باردة لسرورها وعدم تقلقها. وقال الأصمعي: أقر الله عينه، أي: أبرد دمعه لأن دمعة الفرح باردة ودمعة الحزن حارة. وقال الداودي: أرادت بقرّة عينها النبي، عَّ له، فأقسمت به. وقال ثعلب: تقول قررت به عيناً أقر. وفي (الغريب المصنف) و (الإصلاح): قررت وقررت قرة وقروراً. وفي (كتاب المثنى) لابن عديس: وقرة، وحكاه ابن سيده، وفي (الصحاح): تقر وتقر، وأقر الله عينه: أعطاه حتى تقر، فلا تطمح إلى من هو فوقه. وقال ابن خالويه: أي: ضحكت فخرج من عيني ماء قرور، وهو البارد، وهو ضد: أسخن الله عينه، قال القزاز: وقال أبو العباس: ليس كما ذكر الأصمعي من أن دمعة الفرح باردة والحزن حارة، قال: بل كل دمع حار. قالوا: ومعنى قولهم: هو قرة عيني إنما يريدون هو: رضى نفسي. قال: وقرة العين ناقة تؤخذ من المغنم قبل أن يقسم فيطبخ لحمها ويصنع فيجتمع أهل العسكر عليه فيأكلون منه قبل القسمة، فإن كان من هذا فكأنه دعى له بالفرج والغنيمة. وفي (كتاب الفاخر): قال أبو عمرو: معناه أنام الله عينك، المعنى: صادف سروراً أذهب سهره فنام، وحكى القالي: أقر الله عينك، وأقر الله بعينك. قوله: ((فأكل منها))، أي: من الأطعمة. قوله: ((إنما كان ذلك من الشيطان))، يعني: يمينه وهو قوله: ((والله لا أطعمه أبداً))، قوله: ((ثم أكل منها لقمة))، وتكرار الأكل مع أنه واحد لأجل البيان. لأنه لما وقع الأول أراد الإبهام بأنه أكل لقمة، أما تركه اليمين ومخالفته لأجل إتيانه بالأفضل، للحديث الذي ورد فيه، أو كان مراده لا أطعمه معكم، أو: في هذه الساعة، أو: عند الغضب، وهذا مبني على أنه يقبل التقييد إذا كان اللفظ عاماً، وعلى أن الاعتبار لعموم اللفظ أو لخصوص السبب. قوله: ((إنما كان ذلك من الشيطان)) وفي رواية: الأولى من الشيطان يعني، يمينه، فأخزاه بالحنث الذي هو خير، وفي بعض الروايات: ((لما جاء بالقصعة إلى النبي عَ ل أكل منها)). قوله: ((فأصبحت عنده)) أي: أصبحت الأطعمة عند النبي عَّ له. قوله: ((عقد)) أي: عقد مهادنة، وفي رواية: ((وكانت بيننا))، والتأنيث باعتبار المهادنة. وقوله: ((ففرقنا)) الفاء فيه فاء الفصيحة أي: فجاؤوا إلى المدينة، ففرقنا من التفريق أي: جعل كل رجل مع اثني عشر فرقة. وفي مسلم: ((فعرفنا))، بالعين والراء المشددة: أي: جعلنا عرفاء نقباء على قومهم. وقال الكرماني: وفي بعض الروايات: ((فقرينا))، من: القرى، بمعنى الضيافة. قوله: ((اثنا عشر))، وفي البخاري ومعظم نسخ مسلم ((اثني عشر))، وكلاهما صحيح. الأول: على لغة من جعل المثنى بالألف في الأحوال الثلاثة، وقال السفاقسي: لعل ضبطه: ففرقنا بضم الفاء الثانية وبرفع: اثنا عشر، على أنه مبتدأ وخبره: ((مع كل رجل منهم أناس). قوله: ((الله أعلم)) جملة معترضة، أي: أُناس الله يعلم عددهم. قوله: ((كم مع كل رجل) مميز: كم، محذوف أي: كم رجل مع كل رجل، قوله: ((أو كما قال))، شك من أبي ١٤٧ ٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (٤١) عثمان، وفاعل: قال، عبد الرحمن بن أبي بكر، رضي الله تعالى عنهما. ذكر ما يستفاد منه فيه: أن للسلطان إذا رأى مسغبة أن يفرقهم على السعة بقدر ما لا يجحف بهم. قال التيمي: وقال كثير من العلماء: إن في المال حقوقاً سوى الزكاة، وإنما جعل رسول الله عَّم على الإثنين واحداً، وعلى الأربعة واحداً، وعلى الخمسة واحداً، ولم يجعل على الأربعة والخمسة بإزاء ما يجب للإثنين مع الثالث، لأن صاحب العيال أولى أن يرفق به، والحاصل فيه أن تشريك الزائد على الأربعة لا يضر بالباقين، وكانت المواساة إذ ذاك واجبة لشدة الحال. وزاد عَ لَّه واحداً وواحداً رفقاً لصاحب العيال، وضيق معيشة الواحد والإثنين أرفق بهم من ضيق معيشة الجماعات. وفيه: فضيلة الإيثار والمواساة وأنه عند كثرة الأضياف يوزعهم الإمام على أهل المحلة ويعطي لكل واحد منهم ما يعلم أنه يتحمله، ويأخذ هو ما يمكنه، ومن هذا أخذ عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، فعله في عام الرمادة على أهل كل بيت مثلهم من الفقراء، ويقول لهم: لَمْ يهلك امرؤ عن نصف قوته، وكانت الضرورة ذلك العام، وقد تأول سفيان بن عيينة في المواساة في المسبغة قوله تعالى: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ [التوبة: ١١١]. ومعناه: أن المؤمنين يلزمهم القربة في أموالهم لله تعالى عند توجه الحاجة إليهم، ولهذا قال كثير من العلماء: إن في المال حقاً سوى الزكاة، وورد في الترمذي مرفوعاً. وفيه: بيان ما كان عليه الشارع من الأخذ بأفضل الأمور، والسبق إلى السخاء والجود، فإن عياله، عليه الصلاة والسلام، كانوا قريباً من عدد ضيفانه هذه الليلة، فأتى بنصف طعامه أو نحوه، وأتى أبو بكر، رضي الله تعالى عنه، بثلث طعامه أو أكثر. وفيه: الأكل عند الرئيس، - وإن كان عند ضيف - إذا كان في داره من يقوم بخدمتهم. وفيه: أن الولد والأهل يلزمهم من خدمة الضيف ما يلزم صاحب المنزل. وفيه: أن الأضياف ينبغي لهم أن يتأدبوا وينتظروا صاحب الدار ولا يتهافتوا على الطعام دونه. وفيه: الأكل من طعام ظهرت فيه البركة. وفيه: إهداء ما ترجى بركته لأهل الفضل. وفيه: أن آيات النبي معَّه. قد تظهر على يد غيره. وفيه: ما كان عليه أبو بكر، رضي الله تعالى عنه، من حب النبي عَّهِ والانقطاع إليه وإيثاره في ليله ونهاره على الأهل والأضياف. وفيه: كرامة ظاهرة للصديق، رضي الله تعالى عنه. وفيه: إثبات كرامات الأولياء، وهو مذهب أهل السنة. وفيه: جواز تعريف العرفاء للعساكر ونحوهم. وفيه: جواز الاختفاء عن الوالد إذا خاف منه على تقصير واقع منه. وفيه: جواز الدعاء بالجدع والسب على الأولاد عند التقصير. وفيه: ترك الجماعة لعذر. وفيه: جواز انخطاب للزوجة بغير اسمها. وفيه: جواز القسم بغير الله. وفيه: حمل المضيف المشقة على نفسه في إكرام الضيفان، والاجتهاد في رفع الوحشة وتطييب قلوبهم. وفيه: جواز ادخار الطعام للغد. وفيه: مخالفة اليمين إذا رأى غيرها خيراً منها. وفيه: أن الراوي إذا شك يجب أن ينبه عليه، كما قال: لا أدري هل قال: وامرأتي، ومثل لفظة: أو كما قال، ونحوها. وفيه: أن الحاضر يرى ما لا يراه الغائب، فإن امرأة أبي بكر، رضي الله : ١٤٨ ٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (٤١) تعالى عنهما، لما رأت أن الضيفان تأخروا عن الأكل تألمت لذلك، فبادرت حين قدم تسأله عن سبب تأخره مثل ذلك. وفيه: إباحة الأكل للضيف في غيبة صاحب المنزل، وأن لا يمتنعوا إذا كان قد أذن في ذلك، لإنكار الصديق في ذلك. والله تعالى أعلم. -- : بسم الله الرحمن الرحيم ١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ أي: هذا كتاب في بيان أحكام الأذان. وفي بعض النسخ، بعد البسملة: أبواب الأذان. وسقطت البسملة في رواية القابسي وغيره. والأذان في اللغة: الإعلام. قال الله تعالى: ﴿وأذان من الله ورسوله﴾ [التوبة: ٣]. من: أذن يؤذن تأذيناً وأذاناً، مثل: كلم يكلم تكليماً وكلاماً، فالأذان والكلام: اسم المصدر القياسي. وقال الهروي: والأذان والأذين والتأذين بمعنى. وقيل: الأذين: المؤذن، فعيل بمعنى مفعل. وأصله من الأذن كأنه يلقي في آذان الناس بصوته ما يدعوهم إلى الصلاة. وفي الشريعة: الأذان إعلام مخصوص بألفاظ مخصوصة في أوقات مخصوصة، ويقال: الإعلام بوقت الصلاة التي عينها الشارع بألفاظ مثناة. وقال القرطبي وغيره: الأذان على قلة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة، لأنه بدأ بالأكبرية، وهي تتضمن وجود الله تعالى وكماله، ثم ثنى بالتوحيد ونفي الشريك، ثم بإثبات الرسالة، ثم دعا إلى الطاعة المخصوصة عقيب الشهادة بالرسالة لأنها لا تعرف إلاّ من جهة الرسول، ثم دعا إلى الفلاح وهو البقاء الدائم، وفيه الإشارة إلى المعاد، ثم أعاد ما أعاد توكيداً. ويحصل من الأذان الإعلام بدخول الوقت، والدعاء إلى الجماعة، وإظهار شعائر الإسلام، والحكمة في اختيار القول له دون الفعل وسهولة القول وتيسره لكل أحد في كل زمان ومكان، والله أعلم. ١ - بابُ بِدْءِ الأَذَانِ أي: هذا باب في بيان ابتداء الأذان، وليس في رواية أبي ذر لفظ: باب. وقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِذَا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتخذُوهَا هُزُواً وَلَعِبأَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٨]. وقَولِهِ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]. وقول الله مجرور لأنه عطف على لفظ: بدء، وقوله الثاني عطف عليه، وإنما ذكر هاتين الآيتين إما للتبرك أو لإرادة ما بوب له: وهو بدء الأذان. وإن ذلك كان بالمدينة، والآيتان المذكورتان مدنيتان. وعن ابن عباس: إن فرض الأذان نزل مع الصلاة ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ [الجمعة: ٩]. رواه أبو الشيخ، أما الآية الأولى ففي سورة المائدة، وإيراد البخاري هذه الآية ههنا إشارة إلى بدء الأذان بالآية المذكورة، كما ذكرنا. وعن هذا قال الزمخشري في (تفسيره): قيل: فيه دليل على ثبوت الأذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده. قوله: ﴿وإذا ناديتم إلى الصلاة﴾ [المائدة: ٥٨]. يعني: إذا أذن المؤذن للصلاة، وإنما أضاف النداء إلى جميع المسلمين لأن المؤذن يؤذن لهم ويناديهم، فأضاف ١٤٩ ١٥٠ ١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (١) إليهم، فقال: ﴿وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعباً﴾ [المائدة: ٥٨]. يعني } الكفار إذا سمعوا الأذان استهزؤوا بهم، وإذا رأوهم ركوعاً سجوداً ضحكوا عليهم واستهزؤوا بذلك. قوله: ﴿ذلك﴾ [المائدة: ٥٨]. يعني: الاستهزاء ﴿بأنهم قوم لا يعقلون﴾ [المائدة: ٥٨]. يعني: لا يعلمون ثوابهم. وقال أسباط عن السدي، قال: ((كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المنادي ينادي: أشهد أن محمداً رسول الله، قال: حرق الكاذب، فدخلت خادمته ليلة من الليالي بنار وهو نائم وأهله نيام، فسقطت شرارة فأحرقت البيت فاحترق هو وأهله)). رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. وأما الآية الثانية ففي سورة الجمعة، فقوله: ﴿إذا نودي للصلاة﴾ [الجمعة: ٩]. أراد بهذا النداء الأذان عند قعود الإمام على المنبر للخطبة، ذكره النسفي في (تفسيره) واختلفوا في هذا، فمنهم من قال: إن الأذان كان وحياً لا مناماً. وقيل: إنه أخذ من أذان إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، في الحج. ﴿وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر﴾ [الحج: ٢٧]، قال: فأذن رسول الله عَّه. وقيل: نزل به جبريل، عليه الصلاة والسلام، على النبي عَ لّه، والأكثرون على أنه كان برؤيا عبد الله بن زيد وغيره، على ما يجيء إن شاء الله تعالى. واعلم أن النداء عدي في الآية الأولى بكلمة: وإلى، وفي الثانية: باللام، لأن صلاة الأفعال تختلف بحسب مقاصد الكلام، والمقصود في الأولى: معنى الانتهاء، وفي الثانية: معنى الاختصاص. ويحتمل أن يكون: إلى، بمعنى: اللام، وبالعكس، لأن الحروف ينوب بعضها عن بعض. ٦٠٣/١ - حدّثنا عِمْرَانُ بنُ مَيْسَرَةَ قال حدّثنا عَبْدُ الوَارِثِ قال حدّثنا خالِدٌ الحَذَاءُ عنْ أبيِ قِلاَبَةَ عنْ أَنَسٍ قال ذكَروا النَّارَ والنَّاقُوسَ فَذَكَرُوا اليَهُودَ والنَّصَارَى فَأَمَرَ بِلالاً أنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ وأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ. [الحديث ٦٠٣ - أطرافه في: ٦٠٥، ٦٠٦، ٦٠٧، ٣٤٥٧]. مطابقته للترجمة من حيث إن بدء الأذان كان بأمر النبي عَّم بلالاً، لأنهم كانوا يصلون قبل ذلك في أوقات الصلوات بالمناداة في الطرق: الصلاة الصلاة، والدليل عليه حديث أنس أيضاً، رواه أبو الشيخ ابن حبان في (كتاب الأذان) تأليفه، من حديث عطاء بن أبي ميمونة عن خالد عن أبي قلابة: ((عن أنس، رضي الله تعالى عنه، كانت الصلاة إذا حضرت على عهد رسول الله عَّ سعى رجل في الطريق فينادي: الصلاة الصلاة، فاشتد ذلك على الناس، فقالوا: لو اتخذنا ناقوساً! فقال رسول الله عَ لَّه ذاك للنصارى، فقالوا: لو اتخذنا بوقاً! فقال: ذاك لليهود، فقالوا: لو رفعنا ناراً. فقال رسول الله عَّهِ: ذاك للمجوس. فأمر بلال .... )) الحديث، وعند الطبراني من هذا الطريق: ((فأمر بلالاً)). فإن قلت: قد أخرج الترمذي في ترجمة بدء الأذان حديث عبد الله بن يزيد مع حديث عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنه، فَلِمَ اختار البخاري فيه حديث أنس؟ قلت: لأنه لم يكن على شرطه. ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: عمران بن ميسرة - ضد الميمنة - وقد تقدم. ١٥١ ١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (١) الثاني: عبد الوارث بن سعيد التنوري. الثالث: خالد الحذاء. الرابع: أبو قلابة، بكسر القاف: عبد الله بن زيد الجرمي. الخامس: أنس بن مالك. ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن شيخ البخاري من أفراده. وفيه: أن رواته بصريون. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في ذكر بني إسرائيل عن عمران بن ميسرة، وعن محمد بن سلام، وعن علي بن عبد الله، وعن سليمان بن حرب، وأخرجه مسلم في الصلاة عن خلف بن هشام، وعن يحيى بن يحيى وعن إسحاق بن إبراهيم، وعن محمد بن حاتم، وعن عبيد الله بن عمر. وأخرجه أبو داود فيه عن سليمان بن حرب وعبد الرحمن بن المبارك، وعن موسى بن إسماعيل، وعن حميد بن مسعدة، وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة عن عبد الوهاب ويزيد بن زريع. وأخرجه النسائي أيضاً عن قتيبة. وأخرجه ابن ماجة فيه عن عبد الله بن الجراح، وعن نصر بن علي. ذكر معناه: قوله: ((والناقوس))، وهو الذي يضربه النصارى لأوقات الصلاة. وقال ابن سيده: النفس: ضرب من النواقيس، وهو الخشبة الطويلة والوبيلة القصيرة. وقال الجواليقي: ينظر فيه هل هو معرب أو عربي؟ وهو على وزن: فاعول، قال ابن الأعرابي: لم يأت في الكلام: فاعول، لام الكلمة فيه: سين إلاَّ الناقوس. وذكر ألفاظاً أخر على هذا الوزن، ولم يذكر فيها الناقوس، والظاهر أنه معرب. قوله: ((فذكروا اليهود والنصارى))، وعبد الوارث اختصر هذا الحديث، وفي رواية روح ابن عطاء عن خالد عن أبي الشيخ، ولفظه: ((فقالوا: لو اتخذنا ناقوساً، فقال رسول الله، عد له: ذاك للنصارى، فقالوا: لو اتخذنا بوقاً، فقال: ذاك لليهود، فقالوا: لو رفعنا ناراً! فقال: ذاك للمجوس))، فعلى هذا كأنه كان في رواية عبد الوارث: وذكروا النار والناقوس والبوق، فذكروا اليهود والنصارى والمجوس، فهذا لف ونشر غير مرتب، لأن الناقوس للنصارى، والبوق لليهود، والنار للمجوس. قوله: ((فأمر بلال)) أمر بضم الهمزة على صيغة المجهول، وهذه الصيغة يحتمل أن يكون الآمر فيها غير الرسول مَّلَّه، وفيه خلاف عند الأصوليين كما عرف في موضعه. وقال الكرماني: والصواب وعليه الأكثر: أنه مرفوع لأن إطلاق مثله ينصرف عرفاً إلى صاحب الأمر والنهي. وهو: رسول الله عَّ له. قلت: مقصود من هذا الكلام تقوية مذهبه، وقوى بعضهم هذا بقوله: وقد وقع في رواية روح عن عطاء: فأمر بلالاً، بالنصب، وفاعل: أمر، هو النبي عَ ◌ّهِ. قلت: روى البيهقي في (سننه الكبير) من حديث ابن المبارك: عن يونس عن الزهري عن سعيد عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه. وأبو عوانة في (صحيحه) من حديث الشعبي: عنه، ولفظه: ((أذن مثنى وأقام مثنى)). وحديث أبي محذورة عند الترمذي مصححاً: ((علمه الأذان مثنى مثنى، والإقامة مثنى مثنى)). وحديث أبي جحيفة: أن بلالاً، رضي الله تعالى عنه، ((كان يؤذن مثنى مثنى)). وروى الطحاوي من حديث وكيع: .. ١٥٢ ١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (١) عن إبراهيم أن إسماعيل عن مجمع بن حارثة عن عبيد، مولى سلمة بن الأكوع كان («يثني الأذان والإقامة)). حدّثنا محمد بن خزيمة حدّثنا محمد بن سنان حدّثنا حماد بن سلمة عن حماد بن إبراهيم، قال: ((كان ثوبان، رضى الله تعالى عنه، يؤذن مثنى مثنى، ويقيم مثنى مثنى)). حدّثنا يزيد بن سنان حدّثنا يحيى بن سعيد القطان حدّثنا قطر بن خليفة عن مجاهد قال: في الإقامة مرة مرة، إنما هو شيء أحدثه الأمراء، وأن الأصل التثنية. قلت: وقد ظهر لك بهذه الدلائل أن قول النووي في (شرح مسلم): وقال أبو حنيفة: الإقامة سبع عشرة كلمة، وهذا المذهب شاذ، قول واهٍ لا يلتفت إليه، وكيف يكون شاذاً مع وجود هذه الأحاديث والأخبار الصحيحة؟ فإن قالوا: حديث أبي محذورة لا يوازي حديث أنس المذكور من جهة واحدة، فضلاً عن الجهات كلها، مع أن جماعة من الحفاظ ذهبوا إلى أن اللفظة في تثنية الإقامة غير محفوظة، ثم رووا من طريق البخاري: عن عبد الملك بن أبي محذورة: أنه سمع أبا محذورة يقول: ((إن النبي عَّ لِ أمره أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة)). قلنا: قد ذكرنا أن الترمذي صححه، وكذا ابن خزيمة وابن حبان صححا هذه اللفظة، فإن قالوا: سلمنا أن هذه محفوظة، وأن الحديث ثابت، ولكن نقول: إنه منسوخ لأن أذان بلال هو آخر الأذانين؟ قلنا: لا نسلم أنه منسوخ، لأن حديث بلال إنما كان أول ما شرع الأذان، كما دل عليه حديث أنس، وحديث أبي محذورة كان عام حنين، وبينهما مدة مديدة. قوله: ((ويوتر))، بالنصب عطفاً على: يشفع، من: أوتر إيتاراً أي: يأتي بالإقامة فرادى. ذكر ما يستنبط منه فيه: التصريح بأن الأذان مثنى مثنى، والإقامة فرادى، وبه قال الشافعي وأحمد، وحاصل مذهب الشافعي: أن الأذان تسع عشرة كلمة بإثبات الترجيع، والإقامة إحدى عشرة، وأسقط مالك تربيع التكبير في أوله وجعله مثنى، وجعل الإقامة عشرة بإفراد كلمة الإقامة. وقال الخطابي: والذي جرى به العمل في الحرمين والحجاز والشام واليمن ومصر والمغرب إلى أقصى بلاد الإسلام: أن الإقامة فرادى، ومذهب عامة العلماء أن يكون لفظ: قد قامت الصلاة مكرراً، إلا مالكاً، فالمشهور عنه: أنه لا تكرير، وقال: فرق بين الأذان والإقامة في التثنية والإفراد ليعلم أن الأذان إعلام بورود الوقت، والإقامة أمارة لقيام الصلاة، ولو سوى بينهما لاشتبه الأمر في ذلك، وصار سبباً لأن يفوت كثير من الناس صلاة الجماعة إذا سمعوا الإقامة، فظنوا أنها الآذان. انتهى. قلت: العجب من الخطابي كيف يصدر عنه مثل هذا الكلام الذي تمجه الأسماع، ومثل هذا الفرق الذي بين الأذان والإقامة غير صحيح، لأن الأذان إعلام الغائبين، ولهذا لا يكون إلا على المواضع العالية كالمنائر ونحوها، والإقامة إعلام الحاضرين من الجماعة للصلاة، فكيف يقع الاشتباه بينهما؟ فالذي يتأمل الكلام لا يقول هذا، وأبعد من ذلك قوله: إن تثنية الإقامة تكون سبباً لفوات كثير من الناس صلاة الجماعة لظنهم أنها الأذان، وكيف يظنون هذا وهم حاضرون، لأن الإقامة إعلام الحاضرين؟ وبمثل هذا الكلام يحتج أحد لنصرة مذهبه وتمشية قوله، وأعجب من هذا قول الكرماني: قال أبو حنيفة: تثنى الإقامة، والحديث حجة عليه، ١٥٣ ١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (١) وكيف يكون حجة عليه وقد تمسك فيما ذهب إليه بالأحاديث الصحيحة الدالة على تثنية الإقامة على ما ذكرناها عن قريب؟ ونحن أيضاً نقول: هذه الأحاديث حجة على الشافعي، وروي عن علي، رضي الله تعالى عنه، أنه مر بمؤذن أوتر الإقامة فقال له: اشفعها لا أم لك. وروي عن النخعي أنه قال: أول من أفرد الإقامة معاوية، وقال مجاهد: كانت الإقامة في عهد النبي عَّ مثنى مثنى حتى استخفه بعض أمراء الجور لحاجة لهم، وقد ذكرناه عن قريب. وقال الكرماني أيضاً: ظاهر الأمر للوجوب، لكن الأذان سنة؟ قلت: ظاهر صيغة الأمر له لا ظاهر لفظه، يعني: (أمر)، وههنا لم تذكر الصيغة، سلمنا أنه للإيجاب، لكنه لإيجاب الشفع لا لأصل الأذان، ولا شك أن الشفع واجب ليقع الأذان مشروعاً، كما أن الطهارة واجبة لصحة صلاة النفل، ولئن سلمنا أنه لنفس الأذان يقال: إنه فرض كفاية، لأن أهل بلدة لو اتفقوا على تركه قاتلناهم، أو أن الإجماع مانع عن الحمل على ظاهره. قلت: كيف يقول: إن الإجماع مانع عن الحمل على ظاهره، وقد حمله قوم على ظاهره، وقالوا: إنه واجب؟ وقال ابن المنذر: إنه فرض كفاية في حق الجماعة في الحضر والسفر، وقال مالك: يجب في مسجد الجماعة. وقال عطاء ومجاهد: لا تصح الصلاة بغير أذان، وهو قول الأوزاعي، وعنه: يعاد في الوقت. وقال أبو علي والاصطخري: هو فرض في الجمعة. وقال: الظاهرية هما واجبان لكل صلاة، واختلفوا في صحة الصلاة بدونهما. وقال داود: هما فرض الجماعة وليسا بشرط لصحتها. وذكر محمد بن الحسن ما يدل على وجوبه، فإنه قال: لو أن أهل بلدة اجتمعوا على ترك الأذان لقاتلتهم عليه، ولو تركه واحد ضربته وحبسته. وقيل: إنه عند محمد من فروض الكفاية، وفي (المحيط) و(التحفة) و(الهداية): الأذان سنة مؤكدة، وهو مذهب الشافعي وإسحاق. وقال النووي: وهو قول جمهور العلماء. ٦٠٤/٢ - حدّثنا مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ قالَ حدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق قال أخبرنا ابنُ جُرَيْجِ قال أخبرني نافِعٌ أَنَّ ابنَ عُمَرَ كانَ يَقُولُ كانَ المُسْلِمُونَ حَينَ قَدِمُوا المَدِينَةَ يَجْتَمِعُونٌ فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلاةَ لَيْسَ يُنَادَى لَهَا فَتَكَلَّمُوا يَوْماً فِي ذَلِكَ فقال بَعْضُهُمْ اتَّخَذُوا ناقُوساً مِثْلَ ناقُوسِ النَّصَارَى وقال بَعْضُهُمْ بَلْ بُوقاً مِثْلَ قَرْنِ اليَهُودِ فقال عُمَرُ أَوَ لاَ تَبْعَثُونَ رَجُلاً مِنْكُمْ يُنَادِي بِالصَّلاَةِ فقال رسولُ اللهِ عَ لَّهيَا بِلاَلُ قُمْ فَتَادِ بِالصَّلاَةِ .. مطابقته للترجمة في قوله ((يا بلال قم فناد بالصلاة)) .. فإن قلت: كيف يطابق الترجمة والترجمة في بدء الأذان والحديث يدل على أنه عَِّ أمر بلالاً بالنداء بالصلاة، والنداء لا يفهم منه الأذان المعهود بالكلمات المخصوصة؟ قلت: المراد بالنداء الأذان المعهود، ويدل عليه أن الإسماعيلي أخرج هذا الحديث، ولفظه: ((فأذن بالصلاة)). وكذا قال أبو بكر بن العربي: إن المراد الأذان المشروع. فإن قلت: قال القاضي عياض: المراد الإعلام المحض بحضور وقتها، لا خصوص الأذان المشروع. قلت: يحمل أنه استند في ذلك على ظاهر اللفظ، ولئن سلمنا ما قاله فالمطابقة بينهما موجودة باعتبار أن أمره علىاله ١٥٤ ١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (١) كان بدء الأمر في هذا الباب، فإنه لم يسبق أمر بذلك قبله، بل إنما قال ذلك عَ لّه بعد تحينهم للصلاة وتشاورهم فيما بينهم ماذا يفعلون في الإعلام بالصلاة. ذكر رجاله: وهم خمسة قد تكرر ذكرهم. و:غيلان، بالغين المعجمة، وابن جريج هو: عبد الملك. ومن لطائفه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار فى موضعين: أحدهما: بصيغة الجمع، والآخر: بصيغة الإفراد من الماضي. وفيه: القول في أربعة مواضع. بيان من أخرحه غيره: وأخرجه مسلم في الصلاة عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق وعن إسحاق بن إبراهيم، وعن هارون بن عبد الله. وأخرجه الترمذي فيه عن أبي بكر بن أبي النضر. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن إسماعيل وإبراهيم بن الحسن. ذكر معناه: قوله: ((أن ابن عمر كان يقول))، وفي رواية مسلم عن عبد الله بن عمر: أنه قال: قوله: ((حين قدموا المدينة))، أي: من مكة مهاجرين. قوله: ((فيتحينون))، بالحاء. المهملة، أي: يقدرون حينها ليأتوا إليها، وهو من التحين من باب التفعل الذي وضع للتكلف غالباً، والتحين من الحين وهو الوقت والزمن. قوله: ((ليس يُنادَى لها))، أي: للصلاة، وهو على بناء المفعول. وقال ابن مالك: هذا شاهد على جواز استعمال: ليس، حرفاً لا اسم لها ولا خبر لها، أشار إليها سيبويه، ويحتمل أن يكون اسمها ضمير الشأن، والجملة بعدها خبراً. قوله: ((اتخذوا)) على صورة الأمر. قوله: ((بوقاً) أي: قال بعضهم: اتخذوا بوقاً، بضم الباء الموحدة وبعد الواو الساكنة قاف، وهو الذي ينفخ فيه، ووقع في بعض النسخ: ((بل قرناً))، وهي رواية مسلم والنسائي، والبوق والقرن معروفان، وهو من شعار اليهود، ويسمى أيضاً: الشبور، بفتح الشين المعجمة وضم الباء الموحدة المثقلة. قوله: ((فقال عمر أَوَلاَ تبعثون؟)) الهمزة للاستفهام، والواو العطف على مقدر، أي: أتقولون بموافقتهم ولا تبعثون؟ وقال الطيبي: الهمزة إنكار للجملة الأولى، أي: المقدرة، وتقرير للجملة الثانية. قوله: ((رجلاً منكم)) هكذا رواية الكشميهني، وليس لفظة: منكم، في رواية غيره. قوله: ((ينادي)) جملة فعلية مضارعية في محل النصب على الحال من الأحوال المقدرة. وقال القرطبي: يحتمل أن يكون عبد الله ابن زيد لما أخبر برؤياه، وصدقه النبي عَُّلّه بادر عمر، رضي الله تعالى عنه، فقال: ((أولا تبعثون رجلاً ينادي؟)) أي: يؤذن بالرؤيا المذكورة. ((فقال النبي، عَّلّ: قم يا بلال)). فعلى هذا: فالفاء، في قوله: فقال عمر. فاء الفصيحة، والتقدير: فافترقوا، فرأى عبد الله بن زيد، فجاء إلى النبي عَُّلّه، فقص عليه فصدقه، فقال عمر: أولا تبعثون؟ انتهى. قلت: هذا يصرح أن معنى قوله عليه السلام: ((قم يا بلال فناد بالصلاة))، أي: فأذن بالرؤيا المذكورة، وقال بعضهم: وسياق حديث عبد الله بن زيد يخالف ذلك. فإن فيه: لما قص رؤياه على النبي، عَّلّه، قال له: ألقها على بلال فليؤذن بها، قال: فسمع عمر الصوت، فخرج فأتى النبي عَ لّه، فقال: لقد رأيت مثل الذي رأى، فدل على أن ١٥٥ ١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (١) عمر، رضي الله تعالى عنه، لم يكن حاضراً لما قص عبد الله بن زيد رؤياه، والظاهر أن إشارة عمر بإرسال رجل ينادي بالصلاة كانت عقيب المشاورة فيما يفعلونه، وأن رؤيا عبد الله بن زيد كانت بعد ذلك. قلت: أما حديث عبد الله بن زيد فأخرجه أبو داود: حدّثنا محمد بن منصور الطوسي حدّثنا يعقوب حدّثنا أبي عن محمد بن اسحاق حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن محمد بن عبد الله ابن زيد بن عبد ربه، قال: حدّثنا أبي عبد الله بن زيد قال: ((لما أمر رسول الله عَّ له بالناقوس يعمل ليضرب به للناس لجمع الصلاة، طاف بي - وأنا نائم - رجل يحمل ناقوساً في يده، فقلت: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة. فقال: ألا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ قال: فقلت له: بلى. فقال: تقول: الله أكبر، الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. ثم استأخر غير بعيد، ثم قال: ثم تقول إذا أقمت إلى الصلاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، فلما أصبحت أتيت النبي عَُّلِّ فأخبرته بما رأيته، فقال: إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به، فإنه أندى صوتاً منك، فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به، قال: فسمع ذلك عمر بن الخطاب،رضي الله تعالى عنه، وهو في بيته، فخرج يجر رداءه يقول: والذي بعثك بالحق يا رسول الله، لقد رأيت مثل ما رأى، فقال رسول الله عَِّ فلله الحمد))، وأخرجه الترمذي أيضاً. فلم يذكر فيه كلمات الأذان ولا الإقامة. وقال: حديث حسن صحيح ورواه ابن ماجة أيضاً فلم يذكر فيه لفظ الإقامة، وزاد فيه شعراً، فقال عبد الله بن زيد في ذلك: كرام حمداً على الأذان كثيراً أحمد الله ذا الجلال وذا الإ فألم به لدي بشيراً إذ أتاني به البشير من الله ث، كلما جاء زادني توقيراً في ليالٍ وافى بهن ثلا وأخرج ابن حبان أيضاً هذا الحديث في (صحيحه). ورواه أحمد في (مسنده) وقال أبو عمر بن عبد البر: روى عن النبي عَّ في قصة عبد الله بن زيد في بدء الأذان جماعة من الصحابة بألفاظ مختلفة ومعان متقاربة، وكلها تتفق على أمره عند ذلك. والأسانيد في ذلك من وجوه صحاح، وفي موضع آخر: من وجوه حسان، ونحن نذكر أحسنها، فذكر ما رواه أبو داود: حدّثنا عباد بن موسى الختلي وحدّثنا زياد بن أيوب، وحديث عباد أتم، قالا: أخبرنا هشيم عن أبي بشر، قال زياد: أخبرنا أبو بشر عن أبي عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار قال: ((اهتم النبي عَِّ للصلاة كيف يجمع الناس لها، فقيل له: انصب راية عند ١٥٦ ١٠ - كِتَابُ الآذَانِ / باب (١) حضور الصلاة فإذا رأوها آذن بعضهم بعضاً، فلم يعجبه ذلك، قال: فذكر له القنع، يعني: الشبور، وقال زياد: شبور اليهود. فلم يعجبه ذلك، وقال: هو من أمر اليهود، قال فذكر له الناقوس، فقال: هو من أمر النصارى، فانصرف عبد الله بن زيد وهو مهتم لهم النبي، فأري الأذان في منامه، قال: فغدا على رسول الله عَّ ◌ُلِّ فأخبره، فقال: يا رسول الله إني لبين نائم ويقظان إذ أتاني آت فأراني الأذان، قال: وكان عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يوماً، قال: ثم أخبر به النبي عَّلَّه، فقال: ما منعك أن تخبرنا؟ فقال: سبقني عبد الله بن زيد فاستحييت، فقال رسول الله عَ ليه: يا بلال قم فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد فافعله، فأذن بلال)). فأبو داود ترجم لهذا الحديث بقوله: باب بدء الأذان، فهذا الذي هو أحسن أحاديث هذا الباب، كما ذكره أبو عمر يقوي كلام القرطبي الذي ذكرناه آنفاً، لأنه ليس فيه ما يخالف حديث عبد الله بن زيد بهذه الطريقة، لأنه لم يذكر فيها أن عمر سمع الصوت فخرج فأتى النبي عَّةِ، فدل بحسب الظاهر أن عمر، رضي الله تعالى عنه، كان حاضراً فهو يرد كلام بعضهم الذي ذكرناه عنه، وهو قوله: فدل على أن عمر لم يكن حاضراً لما قص عبد الله بن زيد رؤياه إلى آخر ما ذكره. فافهم. ذكر ما يستفاد منه فيه: أن قوله: ((قم يا بلال فناد أو فأذن))، يدل على مشروعية الأذان قائماً، وأنه لا يجوز قاعداً، وهو مذهب العلماء كافة إلا أبا ثور، فإنه جوزه، ووافقه أبو الفرج المالكي، رحمه الله تعالى، واستضعفه النووي لوجهين: أحدهما: المراد بالنداء ههنا الإعلام. الثاني: المراد: قم واذهب إلى موضع بارز فناد فيه بالصلاة، وليس فيه تعرض للقيام في حال الأذان. قال النووي: ومذهبنا المشهور أنه سنة، فلو أذن قاعداً بغير عذر صح أذانه، لكن فاتته الفضيلة ولم يثبت في اشتراط القيام شيء. وفي كتاب أبي الشيخ، بسندٍ لا بأس به عن وائل بن حجر، قال: حق وسنة مسنونة ألاَّ يؤذن إلا وهو طاهر، ولا يؤذن إلاَّ وهو قائم. وفي (المحيط): إن أذن لنفسه فلا بأس أن يؤذن قاعداً من غير عذر، ومراعاة لسنة الأذان وعدم الحاجة إلى إعلام الناس، وإن أذن قاعداً لغير عذر صح، وفاتته الفضيلة، وكذا لو أذن قاعداً مع قدرته على القيام صح أذانه، وفيه: دليل على مشروعية طلب الأحكام من المعاني المستنبطة دون الاقتصار على الظواهر. وفيه: منقبة ظاهرة لعمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه. وفيه: التشاور في الأمور المهمة، وأنه ينبغي للمتشاورين أن يقول كل منهم ما عنده، ثم صاحب الأمر يفعل ما فيه المصلحة. وفيه: التحين لأوقات الصلاة. فوائد: الأولى: الاستشكال في إثبات الأذان برؤيا عبد الله بن زيد، لأن رؤيا غير الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، لا يبنى عليها حكم شرعي، والجواب: مقارنة الوحي لذلك، وفي مسند الحارث بن أبي أسامة: ((أول من أذن بالصلاة جبريل، عليه الصلاة والسلام، في السماء الدنيا، فسمعه عمر وبلال، رضي الله تعالى عنهما، فسبق عمر بلالاً إلى النبي عَ لَ ه وأخبره بها، فقال النبي عَّ ◌ُلِّ لبلال: سبقك بها عمر)). وقال الداودي: ((روي أن النبي عَ ◌ّ أتاه جبريل، عليه الصلاة والسلام، بالأذان قبل أن يخبره عبد الله بن زيد وعمر بثمانية أيام)). ذكره 1 ١٥٧ ١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (١) ابن إسحاق، قال: وهو أحسن ما جاء في الأذان، وقد ذكرنا في أول الباب أن الزمخشري نقل عن بعضهم أن الأذان بالوحي لا بالمنام وحده. وفي كتاب أبي الشيخ: من حديث عبد العزيز بن عمران عن أبي المؤمل عن أبي الرهين عن عبد الله بن الزبير قال: «أخذ الأذان من أذان إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، ﴿وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً ... ﴾ [الحج: ٢٧]. الآية، قال: فأذن رسول الله عَّه)). وقال السهيلي: الحكمة في تخصيص الأذان برؤيا رجل. ولم يكن بوحي، فلأن سيدنا رسول الله عَّ له قد أريه ليلة الإسراء فوق سبع سموات، وهو أقوى من الوحي. فلما تأخر فرض الأذان إلى المدينة، وأراد إعلام الناس بوقت الصلاة، فلبث الوحي حتى رأى عبد الله الرؤيا، فوافقت ما كان رآه في السماء، قال: إنها لرؤيا حق إن شاء الله تعالى)). وعلم حينئذ أن مراد الله بما أراه في السماء أن يكون سنة في الأرض، وقوى ذلك موافقة رؤيا عمر، مع أن السكينة تنطق على لسان عمر، رضي الله تعالى عنه، واقتضت الحكمة الإلهية أن يكون الأذان على غير لسان النبي عَّ له، لما فيه من التنويه بعبده، والرفع لذكره، فلأن يكون ذلك على لسان غيره أنوه وأفخر لشأنه، وهو معنى قوله تعالى: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ [الشرح: ٢]. وروى عبد الرزاق وأبو داود في (المراسيل): من طريق عبيد بن عمير الليثي، أحد كبار التابعين: ((أن عمر، رضي الله تعالى عنه، لما رأى الأذان جاء ليخبر النبي ◌َ ◌ّله فوجد الوحي قد ورد بذلك، فما راعه إلاَّ أذان بلال، فقال له النبي عَ له: سبقك بذلك الوحي)). الثانية: هل أذن رسول الله عَ الل قط بنفسه؟ فروى الترمذي من طريق يدور على عمر ابن الرماح يرفعه إلى أبي هريرة: ((أن النبي عَّ أذن في سفر وصلى بأصحابه، وهم على رواحلهم، السماء من فوقهم، والبلة من أسفلهم)). هكذا قاله السهيلي. وقال صاحب (التلويح): هذا الحديث لم يخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة، كما ذكره السهيلي، وإنما هو عنده من حديث عمر بن الرماح: عن كثير بن زياد عن عمرو بن عثمان بن يعلى بن مرة الثقفي عن أبيه عن جده، وقال أبو عيسى: هذا حديث غريب، تفرد به عمر بن الرماح البلخي، لا يعرف إلاّ من حديثه، ومن هذه الطريقة أخرجه البيهقي وضعفه، وكذا ابن العربي، وسكت عنه الإشبيلي، وعاب ذلك عليه ابن القطان بأن عمراً وأباه عثمان لا يعرف حالهما. ولما ذكره النووي صححه؛ ومن حديث يعلى أخرجه أحمد في (مسنده)، وأحمد بن منيع وابن أمية والطبراني في (الكبير) و(الأوسط) والعدني، وفي (التاريخ) للأثرم، و(تاريخ الخطيب) وغيرهم، وقال الذهبي: يعلى بن مرة بن وهب الثقفي بايع تحت الشجرة وله دار بالبصرة. الثالثة: الترجيع في الأذان، وهو أن يرجع ويرفع صوته بالشهادتين بعدما خفض بهما، وبه قال الشافعي ومالك، إلا أنه لا يؤتى بالتكبير في أوله. إلاَّ مرتين. وقال أحمد: إن رجَّع فلا بأس به، وإن لم يرجع فلا بأس به. وقال أبو إسحاق من أصحاب الشافعي: إن ترك الترجيع يعتد به، وحكى عن بعض أصحابه أنه لا يعتد به كما لو ترك سائر كلماته، كذا في ١٥٨ ١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (١) (الحلية). وفي (شرح الوجيز): والأصح أنه إن ترك الترجيع لم يضره، وحجة الشافعي حديث أبي محذورة: ((أن رسول الله عَ ل علمه الأذان: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله، ثم يعود فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله)). رواه الجماعة إلاّ البخاري من حديث عبد الله بن محيريز عن أبي محذورة، وحجة أصحابنا حديث عبد الله بن زيد من غير ترجيع فيه، وكأن حديث أبي محذورة لأجل التعليم فكرره، فظن أبو محذورة أنه ترجيع، وأنه في أصل الأذان، وروى الطبراني في (معجمه الأوسط) عن أبي محذورة أنه قال: ((ألقى علي رسول الله عَ لَّم الأذان حرفاً حرفاً: الله أكبر الله أكبر ... )) إلى آخره، لم يذكر فيه ترجيعاً. وأذان بلال بحضرة رسول الله عَِّ سفراً وحضراً، وهو مؤذن رسول الله عَّ له بإطباق أهل الإسلام إلى أن توفي رسول الله عَ ليه، ومؤذن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه إلى أن توفي من غير ترجيع. الرابعة: أن التكبير في أول الأذان مربع، على ما في حديث أبي محذورة، رواه مسلم وأبو عوانة والحاكم، وهو المحفوظ عن الشافعي من حديث ابن زيد، رضي الله تعالى عنه، وقال أبو عمر: ذهب مالك وأصحابه إلى أن التكبير في أول الأذان مرتين، قال: وقد روي ذلك من وجوه صحاح في أذان أبي محذورة، وأذان ابن زيد، والعمل عندهم بالمدينة على ذلك في آل سعد القرظ إلى زمانهم، قلنا: الذي ذهبنا إليه هو أذان الملك النازل من السماء. الخامسة: في أذان الفجر: الصلاة خير من النوم، مرتين بعد الفلاح لما روى الطبراني في (معجمه الكبير) بإسناده عن بلال أنه أتى النبي عَّم يؤذنه بالصبح، فوجده راقداً، فقال: الصلاة خير من النوم، مرتين فقال النبي عَّ: ((ما أحسن هذا يا بلال إجعله في أذانك)). وأخرجه الحافظ أبو الشيخ في (كتاب الأذان)، له عن ابن عمر قال: ((جاء بلال إلى النبي سٍَّ يؤذنه بالصلاة، فوجده قد أغفى، فقال: الصلاة خير من النوم، فقال له: إجعله في أذانك إذا أذنت للصبح، فجعل بلال يقولها إذا أذن للصبح)). ورواه ابن ماجه من حديث سعيد بن المسيب: ((عن بلال أنه أتى النبي عَ لّ يؤذنه بصلاة الفجر، فقيل: هو نائم، فقال: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم. فأقرت في تأذين الفجر))، وخص الفجر به لأنه وقت نوم وغفلة. السادسة: في معاني كلمات الأذان: ذكر ثعلب أن أهل العربية اختلفوا في معنى: أكبر، فقال أهل اللغة: معناه كبير، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وهو أهون عليه﴾ [الروم: ٢٧]. معناه وهو هين عليه، وكما في قول الشاعر: تمنى رجال أن أموت وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد أي: لست فيها بواحد. وقال الكسائي والفراء وهشام: معناه أكبر من كل شيء، ١٥٩ ١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٢) فحذفت: من، كما في قول الشاعر: إذا ما ستور البيت أرخيت لم يكن سراج لنا إلاَّ ووجهك أنور أي: أنور من غيره، وقال ابن الأنباري: وأجاز أبو العباس: ألله كبر، واحتج بأن الأذان سمع وقفاً لا إعراب فيه. قوله: ((أشهد أن لا إله إلا الله)) معناه: أعلم وأبين، ومن ذلك: شهد الشاهد عند الحاكم، معناه: قد بين له وأعلمه الخبر الذي عنده، وقال أبو عبيدة: معناه أقضي، كما في: ﴿شهد الله﴾ [آل عمران: ١٨]. معناه: قضى الله. وقال الزجاجي: ليس كذلك، وإنما حقيقة الشهادة هو تيقن الشيء وتحققه من شهادة الشيء أي: حضوره. قوله: (رسول الله)) قال ابن الأنباري: الرسول معناه في اللغة: الذي تتابع الأخبار من الذي بعثه من قول العرب، قد جاءت الإبل رسلا أي: جاءت متتابعة. ويقال في تثنيته: رسولان، وفي جمعه: رسل، ومن العرب من يوحده في موضع التثنية والجمع، فيقول: الرجلان رسولك، والرجال رسولك، قال الله تعالى: ﴿إنا رسولا ربك﴾ [طه: ٤٧]. وفي موضع خر: ﴿أنا رسول رب العالمين﴾ [مريم: ١٩٠]، ففي الأول خرج الكلام على ظاهره لأنه إخبار عن موسى وهارون، عليهما الصلاة والسلام، وفي الثاني بمعنى الرسالة، كأنه قال: إنا رسالة رب العالمين، قاله يونس، وقال أبو إسحاق الزجاج: ليس ما ذكره ابن الأنباري في اشتقاق الرسول صحيحاً، وإنما الرسول المرسل المبعد من أرسلت أي أبعدت وبعثت، وإنما توهم في ذلك لأنه رآه على فعول، فتوهمه مما جاء على المبالغة، ولا يكون ذلك إلاَّ لتكرار الفعل فهو ضروب وشبهه، وليس كذلك، وإنما هو اسم لغير تكثير الفعل بمنزلة: عمود وعنود. وقال ابن الأنباري: وفصحاء العرب أهل الحجاز ومن والاهم يقولون: أشهد أن محمداً رسول الله، وجماعة من العرب يبدلون من الألف عيناً فيقولون: أشهد عن. قوله: ((حي على الصلاة)). قال الفراء معناه: هلم، وفتحت الياء من حي لسكون الياء التي قبلها. وقال ابن الانباري: فيه ست لغات، حي هلا، بالتنوين، وفتح اللام بغير تنوين، وتسكين الهاء، وفتح الَّلام، وحي هلن، وحي هلين، قاله الزجاج. الوجه الخامس: بالنون هو الأول، بعينه لأن التنوين والنون سواء، ومعنى الفلاح الفوز، يقال: أفلح الرجل إذا فاز. ٢ - بابٌّ الأَذان مَثْنَى مَثْنَى أي: هذا باب يذكر فيه الأذان مثنى مثنى، ومثنى هكذا مكرراً رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: مثنى مفرداً، ومثنى مثنى، معدول من اثنين اثنين، والعدل على قسمين: عدل تحقيقي وهذا منه، وعدل تقديري كعمرو وزفر، وقد عرف في موضعه، وفائدة التكرار للتوكيد، إن كان التكرار يفهم من صيغة المثنى لأنها معدولة عن: اثنين اثنين، كما ذكرناه. ويقال الأول لإفادة التثنية لكل ألفاظ الأذان، والثاني لكل أفراد الأذان، أي: الأول: لبيان تثنية الأجزاء، والثاني: لبيان تثنية الجزئيات. ١٦٠ ١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٢) ٦٠٥/٣ - حدّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قال حدّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عَنْ سِمَاكِ بنِ عَطِيَّةَ عنْ أَيُّوبَ عنْ أَبِي قِلاَبَةَ عِنْ أَنَسٍ قالَ أُمِرَ بِلاَلٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ وأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ إلّ الإِقَامَةَ. [انظر الحديث ٦٠٣ وأطرافه]. مطابقته للترجمة من حيث الإشارة لا من حيث التصريح، لأن لفظ: يشفع، يدل على التثنية، لكن لا بطريق التصريح. وثبت معنى هذه الترجمة في حديث رواه أبو داود عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنه، قال: ((إنما كان الأذان على عهد رسول الله عَّه مرتين مرتين .. )) الحديث، ورواه النسائي أيضاً، وابن خزيمة وصححه. وقال بعضهم: ثبت لفظ هذه الترجمة في حديث مرفوع أخرجه أبو داود. قلت: ليس لفظ هذه الترجمة لفظ الحديث المذكور، وإنما هي معناه كما ذكرنا، وقد ذكر البخاري هذا الحديث في الباب الذي قبله: عن عمران ابن ميسرة عن عبد الوهاب عن خالد عن أبي قلابة عبد الله بن زيد عن أنس، فاعتبر التفاوت بينهما. وسماك بن عطية، بكسر السين المهملة وتخفيف الميم وبالكاف: بصري ثقة، روى عن أيوب السختياني وهو من أقرانه، ورجال إسناده كلهم بصريون. قوله: ((إلا الإقامة)) أي: لفظ الإقامة، وهي قوله: قد قامت الصلاة، فإنه لا يوترها بل يشفعها والمراد من الإقامة الأولى هو جميع الألفاظ المشروعة عند القيام إلى الصلاة، ومن الثانية هو لفظ: قد قامت الصلاة، وفي (صحيح ابن منده): هذه اللفظة، أعني: قوله: إلا الإقامة، من قول أيوب، هكذا رواه ابن المديني عن أبيه عن ابن علية، فأدرجها سليمان عن حماد، ورواه غير واحد عن حماد ولم يذكروا هذه اللفظة، وكذا قال أبو محمد الأصيلي: إن اللفظة من قول أيوب. قلت: وفي (مسند السراج): عن محمد بن رافع وإسحاق بن إبراهيم والحسن بن أبي الربيع عن عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس، رضي الله تعالى عنه: ((كان بلال، رضي الله تعالى عنه، يثني الأذان ويوتر الإقامة إلا قوله: قد قامت الصلاة)). وهذا جاء بالخبر متصلاً بسنده مفسراً. ٦٠٦/٤ - حدثنا مُحَمَّدٌ قال أخبرنا عَبْدُ الوَهَّابِ قال أخبرنا خالِدٌ الحَذَّاءُ عَنْ أبي قِلاَبَةً عَن أَنَسِ بنِ مالِكِ قال لَما كَثْرَ الناسُ قال ذَكَرُوا أَنْ يُعْلِمُوا وَقْتَ الصَّلاَةِ بِشَيْءٍ يَعْرِفُونَهُ فَذَكَرُوا أنْ يُورُوا ناراً أو يَضْرِبُوا ناقُوساً فَأُمِرَ بِلاَلٌ أَنْ يَشْفَعَ الأُذَانَ وأنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ. [انظر الحديث ٦٠٣ وأطرافه]. مطابقته للترجمة مثل مطابقة الحديث الأول. ذكر رجاله: وهم خمسة الأول: محمد بن سلام، هكذا وقع في رواية أبي ذر، وفي رواية غيره: حدثني محمد غير منسوب، وقال أبو علي الجياني: ذكر البخاري في مواضع: حدّثنا محمد، غير منسوب: منها في الصلاة والجنائز والمناقب والطلاق والتوحيد، وفي بعضها: محمد بن سلام منها ههنا على الاختلاف المذكور، وقال أبو نصر الكلاباذي: إن