النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١١)
في محل الرفع على أنه خبر لقوله: ((أحدنا))، وقوله: رجع، يكون في محل النصب على
الحال و: قد، فيه مقدرة لأن الجملة الفعلية الماضية، إذا وقعت حالاً فلا بد منها من كلمة:
قد إما ظاهرة وإما مقدرة، كما في قوله تعالى: ﴿أوجاؤوكم حصرت صدورهم﴾ [النساء:
٩٠]. أي: قد حصرت، ولكن تكون حالاً منتظرة مقدرة، والتقدير: وأحدنا يذهب إلى أقصى
المدينة حال كونه مقدراً الرجوع إليها والحال أن الشمس حية.
وقال بعضهم: يحتمل أن تكون: الواو، في قوله: وأحدنا، بمعنى ثم. وفيه تقديم وتأخير،
والتقدير: ثم يذهب أحدنا، أي ممن صلى معه، وأما قوله: راجع، فيحتمل أن يكون بمعنى:
يرجع، ويكون بياناً لقوله: يذهب. قلت: هذا فيه ارتكاب المحذور من وجوه. الأول:
كون: الواو، بمعنى: ثم، ولم يقل به أحد. والثاني: إثبات التقديم والتأخير من غير احتياج
إليه. والثالث: قوله: يرجع، بيان لقوله: يذهب، فلا يصح ذلك لأن معنى: يرجع، ليس فيه
غموض حتى يبينه بقوله: يذهب، ومحذور آخر وهو أن يكون المعنى: واحدنا يرجع إلى
أقصى المدينة، وهو مخل بالمقصود. وزعم الكرماني أن فيه وجهاً آخر، وفيه تعسف جداً،
وهو أن: رجع، بمعنى: يرجع، عطف على: يذهب، و: الواو، مقدرة وفيه محذور آخر أقوى
من الأول، وهو أن المراد بالرجوع هو: الرجوع إلى أقصى المدينة لا الرجوع إلى المسجد،
فعلى هذا التقدير يكون الرجوع إلى المسجد، والدليل على أن المراد هو الذهاب إلى أقصى
المدينة والرجوع إليها رواية عوف الأعرابي عن سيار بن سلامة الآتية عن قريب، ثم يرجع
أحدنا إلى رحلة في أقصى المدينة والشمس حية. واقتصر ههنا على ذكر الرجوع لحصول
الاكتفاء به لأن المراد بالرجوع الذهاب إلى المنزل، وإنما سمي رجوعاً لأن ابتداء المجيء
كان من المنزل إلى المسجد، فكان الذهاب منه إلى المنزل رجوعاً.
قوله: ((والشمس حية)) وحياة الشمس عبارة عن بقاء حرها لم يغير، وبقاء لونها لم
يتغير، وإنما يدخلها التغير بدنو المغيب، كأنه جعل مغيبها موتاً لها. قوله: ((ونسيت)) أي: قال
أبو المنهال: نسيت ما قاله أبو برزة في (المغرب). قوله: ((ولا يبالي)) عطف على قوله:
((يصلي)) أي: ولا يبالي النبي عَّه، وهو من المبالاة وهو الاكتراث بالشيء. قوله: ((إلى
شطر الليل)) أي: نصفه، ولا يقال: إن الذي يفهم منه أن وقت العشاء لا يتجاوز النصف،
لأن الأحاديث الآخر تدل على بقاء وقتها إلى الصبح، وإنما المراد بالنصف ههنا هو الوقت
المختار، وقد اختلف فيه، والأصح الثلث. قوله: ((قبلها))، أي: قبل العشاء. قوله: ((قال معاذ))
هو: معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان العنبري التميمي، قاضي البصرة، سمع من شعبة وغيره،
مات سنة ست وتسعين ومائة. قال الكرماني: هذا تعليق قطعاً، لأن البخاري لم يدركه. قلت:
هو مسند في (صحيح مسلم)، قال: حدّثنا عبد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة ... فذكره.
قوله: ((ثم لقيته))، أي: أبا المنهال مرة أخرى بعد ذلك. قوله: ((فقال: أو ثلث الليل)). تردد
بين الشطر والثلث.
ذكر ما يستفاد منه فيه: الحجة للحنفية لأن قوله: ((وأحدنا يعرف جليسه))، يدل على

٤٢
٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١١)
الإسفار، ولفظ النسائي والطحاوي فيه: ((كان رسول الله عَ لّه ينصرف من الصبح فينظر
الرجل إلى الجليس الذي يعرفه فيعرفه)). ولكن قوله: ((ويقرأ)) فيها ما بين الستين إلى المائة
يدل على أنه كان يشرع في الغلس ويمدها بالقراءة إلى وقت الإسفار، وإليه ذهب الطحاوي.
وفيه: أن وقت الظهر من زوال الشمس عن كبد السماء. وفيه: أن الوقت المستحب للعصر
أن يصلي ما دامت الشمس حية، وهذا يدل على أن المستحب تعجيلها، كما ذهب إليه
مالك والشافعي وأحمد، وفي رواية أبي داود: ((كان يصلي العصر والشمس بيضاء مرتفعة
حية، ويذهب الذاهب إلى العوالي والشمس مرتفعة)). والعوالي أماكن بأعلى أراضي المدينة.
قال ابن الأثير: وأدناها من المدينة على أربعة أميال، وأبعدها من جهة نجد ثمانية، ولكن في
رواية الزهري: ((أدناها من المدينة على ميلين))، كما ذكره أبو داود. وقال النووي: وأراد بهذا
الحديث المبادرة بصلاة العصر في أول وقتها، لأنه لا يمكن أن يذهب بعد صلاة العصر ميلين
وثلاثة، والشمس بعد لم تتغير، ثم قال: وفيه دليل لمالك والشافعي وأحمد والجمهور: أن
وقت العصر يدخل إذا صار ظل كل شيء مثله. وقال أبو حنيفة: لا يدخل حتى يصير ظل
كل شيء مثليه، وهذا حجة (للجماعة عليه. قلنا: الجواب من جهة أبي حنيفة أنه عَّ أمر
بإبراد الظهر بقوله: أبردوا بالظهر، يعني: صلوها إذا سكنت شدة الحر، واشتداد الحر في
ديارهم يكون في وقت صيرورة ظل كل شيء مثله، ولا يفتر الحر إلاّ بعد المثلين، فإذا
تعارضت الآثار يبقى ما كان على ما كان، ووقت الظهر ثابت بيقين فلا يزول بالشك، ووقت
العصر ما كان ثابتاً فلا يدخل بالشك. وفيه: أن الوقت المستحب للعشاء تأخيره إلى ثلث
الليل أو إلى شطره وهو حجة على من فضل التقديم.
وقال الطحاوي: تأخير العشاء إلى ثلث الليل مستحب، وبه قال مالك وأحمد وأكثر
الصحابة والتابعين ومن بعدهم قاله الترمذي. وإلى النصف مباح، وما بعده مكروه. وحكى ابن
المنذر: أن المنقول عن ابن مسعود وابن عباس إلى ما قبل ثلث الليل، وهو مذهب إسحاق
والليث أيضاً، وبه قال الشافعي في كتبه الجديدة، وفي الإملاء، والقديم تقديمها. وقال
النووي: وهو الأصح. وفيه: كراهة النوم قبل العشاء لأنه تعرض لفواتها باستغراق النوم. وفيه:
كراهية الحديث بعدها، وذلك لأن السهر في الليل سبب للكسل في النوم عما يتوجه من
حقوق النوم والطاعات ومصالح الدين. قالوا: المكروه منه ما كان في الأمور التي لا مصلحة
فيها، أما ما فيه مصلحة وخير فلا كراهة فيه، وذلك كمدارسة العلم، وحكايات الصالحين،
ومحادثة الضيف والعروس للتأنيس، ومحادثة الرجل أهله وأولاده للملاطفة والحاجة،
ومحادثة المسافرين لحفظ متاعهم أو أنفسهم، والحديث في الإصلاح بين الناس والشفاعة
إليهم في خير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإرشاد إلى مصلحة ونحو ذلك، وكل
ذلك لا كراهة فيه.
٥٤٢/١٩ - حدّثنا مُحَمَّدٌ يَعْنِي ابنَ مُقَاتِلِ قال أخبرنا عبْدُ الله قال أخبرنا خالِدُ بنُ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ قال حدَّثني غالِبُ القَطانُ عنْ بَكْرِ بنِ عَبْدِ اللهِ المُزَنِي عَنْ أنَسِ بنِ مَالِكِ قال

٤٣
٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١١)
كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَشْولِ اللهِ عَّهِ بِالظَّهَائِرِ فَسَجَدْنَا عَلَى ثِيَابِنَا إِتِّقَاءَ الحَرّ. [انظر الحديث
٣٨٥ وطرقه].
مطابقته للترجمة من حيث إن صلاتهم خلف النبي عَّة بالظهائر، تدل على أنهم
كانوا يصلون الظهر في أول وقته، وهو وقت اشتداد الحر عند زوال الشمس، كما مر في أول
الباب عن جابر، قال: ((كان النبي عَّ يصلي بالهاجرة)). ولا يعارض هذا حديث الأمر
بالإبراد، لأن هذا لبيان الجواز، وحديث الأمر بالإبراد لبيان الفضل.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: محمد بن مقاتل، بضم الميم: أبو الحسن المروزي.
الثاني: عبد الله بن المبارك الحنظلي المروزي. الثالث: خالد بن عبد الرحمن بن بكير
السلمي البصري. الرابع: غالب، بالغين المعجمة: ابن خطاف المشهور بابن أبي غيلان،
بفتح الغين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف: القطان، تقدم في باب السجود على الثوب.
الخامس: بكر بن عبد الله المزني، تقدم في باب عرق الجنب. السادس: أنس بن مالك،
رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، وبصيغة الإفراد
بصيغة الماضي في موضع واحد. وفيه: الإخبار بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في
موضعين. وفيه: محمد بن مقاتل من أفراد البخاري، ووقع للأصيلي وغيره: حدّثنا محمد من
غير نسبة، وفي رواية أبي ذر: حدّثنا محمد بن مقاتل، بنسبته إلى أبيه. وفيه: وقع خالد بن
عبد الرحمن على هذه الصورة وهو السلمي واسم جده بكير، كما ذكرناه. وفي طبقته: خالد
ابن عبد الرحمن الخراساني نزيل دمشق، وخالد بن عبد الرحمن الكوفي العبدي، ولم يخرج
لهما البخاري شيئاً، وأما خالد السلمي المذكور هنا فليس له ذكر في هذا الكتاب إلا في
هذا الموضع، وهو من أفراد البخاري. وفيه: أن راوييه مروزيان والبقية بصريون.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الصلاة عن أبي الوليد
هشام بن عبد الملك ومسدد، فرقهما، كلاهما عن بشر بن المفضل. وأخرجه مسلم فيه عن
يحيى بن يحيى. وأخرجه أبو داود فيه عن أحمد بن حنبل. وأخرجه الترمذي فيه عن أحمد
ابن محمد عن ابن المبارك وأخرجه النسائي فيه عن سويد بن نصر عن ابن المبارك. وأخرجه
ابن ماجة فيه عن إسحاق بن إبراهيم عن بشر بن المفضل.
ذكر معناه: قوله: ((بالظهائر)) جمع: ظهيرة، وهي الهاجرة. وأراد بها: الظهر، وجمعها
نظراً إلى ظهر الأيام. قوله: ((سجدنا على ثيابنا))، كذا في رواية أبي ذر، والأكثرين، وفي
رواية كريمة: ((فسجدنا))، بالفاء العاطفة على مقدر نحو: فرشنا الثياب فسجدنا عليها. قوله:
((اتقاء الحر)) أي: لأجل اتقاء الحر، وانتصابه على التعليل، والاتقاء: مصدر من: اتقى، يتقي،
وأصله: اوتقى، لأنه من: وقى. فنقل إلى باب الافتعال، ثم قلبت: الواو تاءً وأدغمت التاء في
التاء، فصار: اتقى، وأصل الاتقاء: الاوتقاء، ففعل به ما فعل بفعله. وقال الكرماني: والاتقاء

٤٤
٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١٢)
مشتق من الوقاية، أي: وقاية لأنفسنا من الحر، أي: احترازاً منه. قلت: المصدر يشتق منه
الأفعال ولا يقال له: مشتق، لأنه موضع صدور الفعل، كما تقرر في موضعه. وقد ذكرنا ما
يتعلق بالأحكام التي فيه في باب السجود على الثوب في شدة الحر.
١٢ - بابُ تَأْخِيرِ الظُّهْرِ إِلَى العَصَرِ
أي: هذا باب في بيان تأخير صلاة الظهر إلى أول وقت العصر، والمراد أنه لما فرغ
من صلاة الظهر دخل وقت صلاة العصر وليس المراد أنه جمع بينهما في وقت واحد.
٢٠ / ٥٤٣ - حدّثنا أَبُو النُّعْمَانِ قال حدّثنا حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بنِ دِينَارٍ عنْ
جَابِرٍ بِنِ زَيْدٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ أنَّ النبيَّ عَ لَّهِ صلّى بِالمَدِينَةِ سَبْعاً وَثَمَانِياً الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ
والمَغْرِبَ والعِشَاءَ فقال أَيُّوبُ لعَلَّهُ في لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ قال عَسَى. [الحديث ٥٤٣ - طرفاه في:
٥٦٢، ١١٧٤].
مطابقته للترجمة في قوله: ((سبعاً وثمانياً))، لأن المراد من قوله: ((سبعاً)) المغرب
والعشاء، ومن قوله: ((ثمانياً) الظهر والعصر، على ما نذكره، إن شاء الله تعالى، وذلك أنه أخر
المغرب إلى آخر وقته، فحين فرغ منه دخل وقت العشاء، وكذلك أخر الظهر إلى آخر وقته،
فلما صلاها خرج وقته ودخل وقت العصر صلى العصر، فهذا الجمع الذي قاله أصحابنا: إنه
جمع فعلاً لا وقتاً. وقيل: أشار البخاري إلى إثبات القول باشتراك الوقتين. قلت: لا نسلم
ذلك، لأن من تأخير الظهر إلى العصر لا يفهم ذلك ولا يستلزمه.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: أبو النعمان محمد بن الفضل. الثاني: حماد بن
زيد. الثالث: عمرو بن دينار. الرابع: جابر بن زيد أبو الشعثاء، تقدم في باب الغسل بالصاع.
الخامس: أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة
مواضع. وفيه: أن رواته بصريون ما خلا عمرو بن دينار، فإنه مكي.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه أيضاً في صلاة الليل عن علي بن عبد
الله. وأخرجه مسلم فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن سفيان به، وعن أبي الربيع الزهراني
عن حماد. وأخرجه أبو داود فيه عن سليمان بن حرب ومسدد وعمرو بن عون، ثلاثتهم عن
حماد به. وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة عن سفيان به، وعن حماد به، وعن محمد بن عبد
الأعلى عن خالد عن ابن جريج عن عمرو بن دينار نحوه، وعن أبي عاصم.
ذكر معناه: قوله: ((سبعاً)) أي: سبع ركعات، ثلاثاً للمغرب وأربعاً للعشاء، وثمان
ركعات للظهر والعصر، وفي الكلام لف ونشر. قوله: ((الظهر)) وما عطف عليه، منصوبات إما
بدل أو عطف بيان أو على الاختصاص أو على نزع الخافص: أي: للظهر والعصر. قوله:
((أيوب)) هو: أيوب السختياني، والمقول له هو جابر بن زيد. قوله: ((لعله)) أي: لعل هذا

٤٥
٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١٢)
التأخير كان في ليلة مطيرة، بفتح الميم وكسر الطاء، أي: كثيرة المطر. قوله: ((قال: عسى))
أي: قال جابر بن زيد: عسى ذلك كان في الليلة المطيرة، فاسم عسى وخبره محذوفان.
ذكر ما يستفاد منه: تكلمت العلماء في هذا الحديث، فأوله بعضهم على أنه جمع
بعذر المطر، ويؤيد هذا ما رواه أبو داود: حدّثنا القعنبي عن مالك عن أبي الزبير المكي عن
سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس، قال: ((صلى رسول الله عَُّلِّ الظهر والعصر جميعاً
والمغرب والعشاء جميعاً في غير خوف ولا سفر. قال مالك: أرى ذلك كان في مطر)).
وأخرجه مسلم والنسائي، وليس فيه كلام مالك، رحمه الله. وقال الخطابي: وقد اختلف
الناس في جواز الجمع بين الصلاتين للمطر في الحضر فأجازه جماعة من السلف، روي
ذلك عن ابن عمر، وفعله عروة بن الزبير، رضي الله تعالى عنهم، وابن المسيب وعمر بن عبد
العزيز وأبو بكر بن عبد الرحمن وأبو سلمة وعامة فقهاء المدينة، وهو قول مالك والشافعي
وأحمد بن حنبل، غير أن الشافعي اشترط في ذلك أن يكون المطر قائماً في وقت افتتاح
الصلاتين معاً، وكذلك قال أبو ثور ولم يشترط ذلك غيرهما. وكان مالك يرى أن يجمع
الممطور في الطين وفي حالة الظلمة، وهو قول عمر بن عبد العزيز. وقال الأوزاعي وأصحاب
الرأي: يصلي الممطور كل صلاة في وقتها. قلت: هذا التأويل ترده الرواية الأخرى ((من غير
خوف ولا مطر)) وأوله بعضهم على أنه كان في غيم فصلى الظهر، ثم انكشف وبان أن أول
وقت العصر دخل فصلاها، وهذا باطل لأنه وإن كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر فلا
احتمال فيه في المغرب والعشاء، وأوله آخرون على أنه كان بعذر المرض أو نحوه مما هو
في معناه من الأعذار. وقال النووي وهو قول أحمد والقاضي حسين من أصحابنا، واختاره
الخطابي والمتولي والروياني من أصحابنا، وهو المختار لتأويله لظاهر الحديث، ولأن المشقة
فيه أشق من المطر.
قلت: هذا أيضاً ضعيف لأنه مخالف لظاهر الحديث، وتقييده بعذر المطر ترجيح بلا
مرجح وتخصيص بلا مخصص، وهو باطل، وأحسن التأويلات في هذا وأقربها إلى القبول أنه
على تأخير الأولى إلى آخر وقتها فصلاها فيه، فلما فرغ عنها دخلت الثانية فصلاها، ويؤيد
هذا التأويل ويبطل غيره ما رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود، قال: ((ما
رأيت رسول الله عَ لّه صلى صلاة لغير وقتها إلاّ بجمع، فإنه جمع بين المغرب والعشاء
بجمع، وصلى صلاة الصبح من الغد قبل وقتها)). وهذا الحديث يبطل العمل بكل حديث فيه
جواز الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، سواء كان في حضر أو سفر أو غيرهما.
فإن قلت: في حديث ابن عمر: ((إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء بعد أن يغيب
الشفق))، رواه أبو داود وغيره، وهذا صريح في الجمع في وقت إحدى الصلاتين. وقال
النووي: وفيه إبطال تأويل الحنفية في قولهم إن المراد بالجمع تأخير الأولى إلى آخر وقتها،
وتقديم الثانية إلى أول وقتها، ومثله في حديث أنس: إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر
الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، وهو صريح في الجمع بين الصلاتين في وقت

٤٦
٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١٢)
الثانية، والرواية الأخرى أوضح دلالة وهي قوله: إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخر
الظهر حتى يدخل أول وقت العصر، ثم يجمع بينهما. وفي الرواية الأخرى: ((ويؤخر المغرب
حتى يجمع بينها وبين العشاء حتى يغيب الشفق)).
قلت: الجواب عن الأول: أن الشفق نوعان: أحمر وأبيض، كما اختلف العلماء من
الصحابة وغيرهم فيه، ويحتمل أنه جمع بينهما بعد غياب الأحمر فتكون في المغرب في
وقتها على قول من يقول الشفق هو الأبيض، وكذلك العشاء تكون في وقتها على قول من
يقول الشفق هو الأحمر، ويطلق عليه أنه جمع بينهما بعد غياب الشفق، والحال أنه صلى
كل واحدة منهما في وقتها على اختلاف القولين في تفسير الشفق، وهذا مما فتح لي من
الفيض الإلهي.
وقال الآخر: فيه: إبطال لقول من ادعى بطلان تأويل الحنفية في الحديث المذكور.
والجواب عن الثاني: أن معنى قوله: أخر الظهر إلى وقت العصر أخره إلى وقته الذي يتصل به
وقت العصر فصلى الظهر في آخر وقته، ثم صلى العصر متصلاً به في أول وقت العصر،
فيطلق عليه أنه جمع بينهما، لكنه فعلاً لا وقتاً. والجواب عن الثالث: أن أول وقت العصر
مختلف فيه كما عرف، وهو إما بصيرورة ظل كل شيء مثله أو مثليه، فيحتمل أنه أخر الظهر
إلى أن صار ظل كل شيء مثله ثم صلاها وصلى عقيبها العصر، فيكون قد صلى الظهر في
وقتها على قول من يرى أن آخر وقت الظهر بصيرورة ظل كل شيء مثله، ويكون قد صلى
العصر في وقتها على قول من يرى أن أول وقتها بصيرورة ظل كل شيء مثليه، ويصدق على
من فعل هذا أنه جمع بينهما في أول وقت العصر، والحال أنه قد صلى كل واحدة منهما في
وقتها على اختلاف القولين في أول وقت العصر، ومثل هذا لو فعل المقيم يجوز فضلاً عن
المسافر الذي يحتاج إلى التخفيف. فإن قلت: قد ذكر البيهقي في باب الجمع بين
الصلاتين في السفر: عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر: ((أنه سار حتى غاب
الشفق فنزل فجمع بينهما))، رواه أبو داود وغيره، وفيه: أخر المغرب ((بعد ذهاب الشفق حتى
ذهب هو أي: ساعة من الليل، ثم نزل فصلى المغرب والعشاء)) قلت: لم يذكر سنده حتى
ينظر فيه، وروى النسائي خلاف هذا وفيه: ((كان ◌َّ ◌ُلَّه إذا جد به أمر أو جد به السير جمع
بين المغرب والعشاء)). فإن قلت: قد قال البيهقي: ورواه يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد
الأنصاري عن نافع، فذكر أنه سار قريباً من ربع الليل، ثم نزل فصلى قلت: أسنده في
(الخلافيات) من حديث يزيد بن هارون بسنده المذكور ولفظه: ((فسرنا أميالاً ثم نزل
فصلی)).
قال يحيى: فحدثني نافع هذا الحديث مرة أخرى فقال: ((سرنا حتى إذا كان قريباً من
ربع الليل نزل فصلى)). فلفظه مضطرب كما ترى، قد روي على وجهين فاقتصر البيهقي في
(السنن) على ما يوافق مقصوده، واستدل جماعة من الأئمة إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث
على جواز الجمع في الحضر للحاجة، لكن بشرط أن لا يتخذ عادة، وممن قال به: ابن
٠.٠٠

٤٧
٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١٣)
سيرين وربيعة وأشهب وابن المنذر والقفال الكبير، وحكاه الخطابي عن جماعة من أصحاب
الحديث، واستدل لهم بما وقع عند مسلم في هذا الحديث من طريق سعيد بن جبير، قال:
((فقلت لابن عباسٍ: لِمَ فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يُحرج أحد من أمته)). وللنسائي من طريق
عمرو بن هرم: عن أبي الشعثاء أن ابن عباس صلى بالبصرة الأولى والعصر ليس بينهما شيء،
والمغرب والعشاء ليس بينهما شيء، فعل ذلك من شغل. وروى مسلم من طريق عبد الله بن
شقيق أن شغل ابن عباس المذكور كان بالخطبة، وأنه خطب بعد صلاة العصر إلى أن بدت
النجوم، ثم جمع بين المغرب والعشاء، والذي ذكره ابن عباس من التعليل بنفي الحرج جاء
مثله عن ابن مسعود مرفوعاً، أخرجه الطبراني، ولفظه: ((جمع رسول الله عَّ بين الظهر
والعصر وبين المغرب والعشاء، فقيل له في ذلك، فقال: صنعت هذا لئلا تُحرج أمتي)).
قلت: قال الخطابي في هذا الحديث: رواه مسلم عن ابن عباس، هذا حديث لا يقول به
أكثر الفقهاء. وقال الترمذي: ليس في كتابي حديث أجمعت العلماء على ترك العمل له إلاَّ
حديث ابن عباس في الجمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر، وحديث قتل شارب الخمر
في المرة الرابعة. وأما الذي أخرجه الطبراني فيرده ما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن
مسعود: ((ما رأيت رسول الله عَّله صلى صلاة لغير وقتها ... )) الحديث، وقد ذكرناه عن
قريب.
١٣ - بابُ وَقْتِ العَصْرِ. وَقَالَ أَبُو أُسامَةَ عنْ هِشَامٍ منْ قَعْرِ حُجْرَتِهَا
أي: هذا باب في بيان وقت صلاة العصر.
والمناسبة بين هذه الأبواب ظاهرة، خصوصاً بين هذا الباب والذي قبله.
٢١ / ٥٤٤ _ حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قال حدّثنا أنَسُ بنُ عَيَّاضِ عنْ هِشَامٍ عنْ أَبِيهِ
أنَّ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ كانَ رسُولُ الله عَلَّهِ يُصَلِّي العَصْرَ وَالشَّمْسُ لُمْ تَخْرُجْ
مِنْ حُجْرَتِهَا. [انظر الحديث: ٥٢٢ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وهذا الحديث مضى في باب مواقيت الصلاة في آخر حديث
المغيرة بن شعبة معلقاً حيث قال: قال عروة: ((ولقد حدثتني عائشة، رضي الله تعالى عنها، أن
رسول الله عَّ كان يصلي العصر والشمس في حجرتها قبل أن تظهر))، وقد ذكرنا هناك
معنى الحديث، وهشام فيه هو: هشام بن عروة يروي عن أبيه عروة بن الزبير بن العوام عن
عائشة أم المؤمنين.
قوله: ((والشمس) الواو: فيه للحال. قوله: ((من حجرتها)) أي: من حجرة عائشة، وكان
القياس أن يقال: من حجرتي، وقال بعضهم: فيه نوع التفات. قلت: ليس التفات هنا، ولا
يصدق عليه حد الالتفات، وإنما هو من باب التجريد، فكأنها جردت واحدة من النساء وأثبتت
لها حجرة وأخبرت أن النبي ◌َّ كان يصلي العصر والشمس لم تخرج من حجرتها، وفيه:
المجاز أيضاً، لأن المراد من الشمس ضوؤها، لأن عين الشمس لا تدخل حتى تخرج ..

٤٨
٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١٣)
٢٢ / ٥٤٥ - حدّثنا قُتَيْبَةُ قالَ حدّثنا اللَّيْثُ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عَائِشَةَ أَنَّ
رَسُولَ الله عَِّ صَلَّى العَصْرَ والشَّمْسُ في حُجْرَتِهَا لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ منْ حُجْرَتِهَا. [انظر
الحديث: ٥٢٢ وأطرافه].
قتيبة هو ابن سعيد، والليث بن سعد، وابن شهاب محمد بن مسلم الزهري، وعروة بن
الزبير، كلهم قد ذكروا غير مرة.
وفيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة مواضع، ورواته ما بين
بلخي وبصري ومدني.
قوله: ((والشمس في حجرتها)) أي: باقية، و: الواو، فيه للحال. قوله: ((لم يظهر
الفيء)) أي: الظل، في الموضع الذي كانت الشمس فيه، وقد مر في باب المواقيت
والشمس في حجرتها قبل أن تظهر، ومعنى الظهور هنا الصعود. يقال: ظهرت على الشيء إذا
علوته، وحجرة عائشة، رضي الله تعالى عنها، كانت ضيقة الرقعة، والشمس تقلص عنها
سريعاً، وما كان النبي عَّلّه يصلي العصر قبل أن تصعد الشمس. فإن قلت: ما المراد بظهور
الشمس وبظهور الفيء؟ قلت: المراد بظهور الشمس: خروجها من الحجرة، وبظهور الفيء:
انبساطه في الحجرة، وليس بين الروايتين اختلاف، لأن انبساط الفيء لا يكون، إلاَّ بعد
خروج الشمس، واستدل به الشافعي ومن تبعه على تعجيل صلاة العصر في أول وقتها. وقال
الطحاوي: لا دلالة فيه على التعجيل لاحتمال أن الحجرة كانت قصيرة الجدار، فلم تكن
الشمس تحتجب عنها إلاَّ بقرب غروبها، فيدل على التأخير لا على التعجيل. وقال بعضهم:
وتعقب بأن الذي ذكره من الاحتمال إنما يتصور مع اتساع الحجرة، وقد عرف بالاستفاضة
والمشاهدة أن حجر أزواج النبي عَّ لم تكن متسعة، ولا يكون ضوء الشمس باقياً في قعر
الحجرة الصغيرة إلاّ والشمس قائمة مرتفعة، وإلاَّ متى مالت جداً ارتفع ضوؤها عن قاع
الحجرة، ولو كانت الجدر قصيرة.
قلت: لا وجه للتعقب فيه لأن الشمس لا تحتجب عن الحجرة القصيرة الجدار إلاَّ بقرب
غروبها، وهذا يعلم بالمشاهدة، فلا يحتاج إلى المكابرة، ولا دخل هنا لاتساع الحجرة ولا
لضيقها، وإنما الكلام في قصر جدرها، وبالنظر على هذا فالحديث حجة على من يرى تعجيل
العصر في أول وقتها. فإن قلت: عقد البخاري باباً لوقت العصر وذكر فيه أحاديث لا يدل
واحد منها على أن أول وقته بماذا يكون؟ بصيرورة ظل كل شيء مثله أو مثليه؟ قلت: قال
بعضهم: لم يقع له حديث في شرطه على تعيين ذلك، فذكر الأحاديث المذكورة الدالة على
ذلك بطريق الاستنباط، قلت: لا يلزم من عدم وقوعه له أن لا يقع لغيره في تعيين ذلك.
وقد روى جماعة من الصحابة في هذا الباب، منهم ابن عباس رضي الله تعالى عنهما،
قال: قال رسول الله عَّ له: ((أمني جبريل، عليه الصلاة والسلام، عند البيت مرتين ... ))
الحديث. وفيه: ((صلى بي العصر حين كان ظله مثله)). هذا في المرة الأولى، وقال في الثانية:

٤٩
٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١٣)
((وصلى بي العصر حين كان ظله مثليه)). أخرجه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن.
وأخرجه ابن حبان في (صحيحه) والحاكم في (مستدركه) وقال: صحيح الإسناد ولم
يخرجاه. ورواه ابن خزيمة في صحيحه، وقال ابن عبد البر في (التمهيد): وقد تكلم بعض
الناس في حديث ابن عباس هذا بكلام لا وجه له، ورواته كلهم مشهورون بالعلم. قلت: هذا
الحديث هو العمدة في هذا الباب. وقوله: ((حين كان ظله مثليه))، بالتثنية، وهذا آخر وقت
الظهر عند أبي حنيفة، لأن عنده: إذا صار ظل كل شيء مثليه سوى فيء الزوال يخرج وقت
الظهر، ويدخل وقت العصر، وعند أبي يوسف ومحمد: إذا صار ظل كل شيء مثله يخرج
وقت الظهر ويدخل وقت العصر، وهي رواية الحسن بن زياد عنه، وبه قال مالك والشافعي
وأحمد والثوري وإسحاق، ولكن قال الشافعي: آخر وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثليه
لمن ليس له عذر، وأما أصحاب العذر والضرورات فآخر وقتها لهم غروب الشمس.
وقال القرطبي: خالف الناس كلهم أبا حنيفة فيما قاله حتى أصحابه. قلت: إذا كان
استدلال أبي حنيفة بالحديث فما يضره مخالفة الناس له، ويؤيد ما قاله أبو حنيفة حديث
علي بن شيبان، قال: ((قدمنا على رسول الله عَ ل المدينة فكان يؤخر العصر ما دامت الشمس
بيضاء نقية)). رواه أبو داود وابن ماجة، وهذا يدل على أنه كان يصلي العصر عند صيرورة
ظل كل شيء مثليه، وهو حجة على خصمه. وحديث جابر: ((صلى بنا رسول الله عَلَّه.
العصر حين صار ظل كل شيء مثليه قدر ما يسير الراكب إلى ذي الحليفة العنق))، رواه ابن
أبي شيبة بسند لا بأس به.
وَقَالَ أَبُوِ أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ مِنْ ◌َعْرِ حُجْرَتِهَا
هذا التعليق وقع في رواية أبي ذر والأصيلي وكريمة على رأس الحديث الذي عقيب
الباب، والصواب وقوعه ههنا، وأسنده الإسماعيلي عن ابن ماجة، وغيره عن أبي عبد الرحمن،
قال: حدّثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة. قالت: ((كان رسول الله عَّ يصلي
صلاة العصر والشمس في قعر حجرتي))، وأبو أسامة حماد بن أسامة الليثي، وهشام بن عروة.
٥٤٦/٢٣ - حدّثنا أَبُو نُعَيْمٍ قال أخبرنا ابنُ عُيَيْنَةَ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ عنْ عَائِشَةَ
قالَتْ كانَ النبيُّ عَِّ يُصَلِّي صَلاَةَ العَصْرِ والشَّمْسُ طالِعَةٌ في حُجْرَتِي لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ بَعْدُ.
[انظر الحديث: ٥٢٢ وأطرافه].
أبو نعيم: الفضل بن دكين، وابن عيينة هو: سفيان. وفي (مسند الحميدي) عن ابن
عيينة: حدّثنا الزهري، وفي رواية محمد بن منصور عند الإسماعيلي عن سفيان: ((سمعته
أذناي ووعاه قلبي من الزهري))، والزهري هو: محمد بن مسلم بن شهاب، وعروة بن الزبير
ابن العوام. قوله: ((والشمس طالعة)) أي: ظاهرة، و: الواو، فيه للحال. قوله: ((بعد)) مبني على
الضم لأنه من الغايات المقطوع عنها الإضافة المنوي بها، ولو لم تنو الإضافة لقلت من بعد
التنوين.
عمدة القاري / ج٥ / م٤

٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١٣)
قال أبُو عَبْدِ اللَّهِ وقال مالِكٌ وَيَخْتَى بِنُ سَعِيدٍ وَشُعَيْبٌ
وابنُ أبي حَفْصَةَ وَالشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ
أبو عبد الله هو البخاري نفسه، وأشار بهذا إلى أن هؤلاء الأربعة المذكورين رووا
الحديث المذكور بهذا الإسناد، وعندهم: ((والشمس قبل أن تظهر))، فالظهور في روايتهم
للشمس، وفي رواية سفيان بن عيينة الظهور للفيء، وقد ذكرنا عن قريب طريقة الجمع
بينهما، ويحيى بن سعيد الأنصاري وشعيب بن أبي حمزة بالمهملة، وابن أبي حفصة محمد
ابن إميسرة أبو سلمة البصري. وأما طريق مالك فقد أوصله البخاري في باب المواقيت، وأما
طريق يحيى بن سعيد فعند الذهلي موصولاً، وأما طريق شعيب فعند الطبراني في (مسند
الشاميين)، وأما طريق ابن أبي حفصة فعند إبراهيم بن طهمان من طريق ابن عدي.
٢٤ / ٥٤٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقَاتِلٍ قالَ أخبرنا عَبْدُ الله قال أخبرنا عَوْفٌ عَنْ سَيَّار
· ابن سَلاَمَةَ قالَ دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أبي بَرْزَةَ الأَسْلَمِي فقال لهٍ أبي كَيْفَ كَانَ رسولُ الله
عَلَّهِ يُصَلِّي المَكْثُوبَةَ فقال كانَ يُصَلِّي الهَجِيرَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الأَولى حِين تَدْخَضُ الشَّمْسُ
ويُصَلِّي العَصْرَ ثُمَّ يَرْجِعُ أحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ في أَقْصَى المَدِينَةِ والشَّمْسُ حَيَّةٌ ونَسِيتُ مَا قال
في المَغْرِبِ وكانَ يَسْتَحِبُ أنْ يُؤَخِّرَ العِشَاءَ الَّتِي تَدْعُونَهَا العَتَمَةَ وكانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا
والحَدِيثَ بَعْدَهَا وكانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلاةِ الغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجلُ جَلِيسَهُ وَيَقْرَأَ بِالسِِّّين إلى
المِائَةَ. [انظر الحديث ٥٤١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ويصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى
المدينة)). وأخرج البخاري هذا الحديث أيضاً في باب وقت الظهر عند الزوال: عن حفص
. ابن عمر عن شعبة عن أبي المنهال، وهو سيار بن سلامة، وههنا: عن محمد بن مقاتل عن
عبد الله بن المبارك عن عوف الأعرابي عن سيار بن سلامة عن أبي برزة نضلة بن عبيد، وفيه
تقديم وتأخير وزيادة ونقصان، ويظهر ذلك بالمقابلة. وقد ذكرنا هناك ما فيه الكفاية. ونذكر
ههنا ما لم نذكر هناك.
قوله: ((قال دخلت أنا وأبي)) القائل هو: سيار وأبوه سلامة، وحكى عنه ابنه هنا، ولابنه
عنه رواية في الطبراني (الكبير) في ذكر الحوض، وكان دخولهما على أبي برزة زمن أخرج
ابن زياد من البصرة، قاله الإسماعيلي، وكان ذلك في سنة أربع وستين. وقال الإسماعيلي:
لما كان زمن أخرج ابن زياد، ووثب مروان بالشام، قال أبو المنهال: ((انطلق أبي إلى أبي برزة
وانطلقت معه، فإذا هو قاعد في ظل علو له من قصب في يوم شديد الحر ... فذكر الحديث.
قوله: ((المكتوبة)) أي: الصلوات المفروضة التي كتبها الله تعالى على عباده. وقال بعضهم:
استدل به على أن الوتر ليس من المكتوبة، لكون أبي برزة لم يذكره. قلت: عدم ذكره إياه
لا يستلزم نفي وجوب الوتر، وقد ثبت وجوبه بدلائل أخرى. قوله: ((يصلي الهجير»، وهو
الهاجرة، أي: صلاة الهجير، وهو وقت شدة الحر، وسمي الظهر بذلك لأن وقتها يدخل

٥١
٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١٣)
حينئذ. قوله: ((التي تدعونها الأولى))، وتأنيث الضمير إما باعتبار الهاجرة وإما باعتبار الصلاة،
ويروى: ((يصلي الهجيرة)). وإنما قيل لها: الأولى، لأنها أول صلاة صليت عند إمامة جبريل
عَ لِ. وقال البيضاوي: لأنها أول صلاة النهار.
قوله: ((حين تدحض)) أي: حين تزول عن وسط السماء إلى جهة المغرب من: الدحض
وهو: الزلق. ومقتضى ذلك أنه كان يصلي الظهر في أول وقتها، ولكن لا يعارض حديث
الأمر بالإبراد لما ذكرنا وجه ذلك مستقصىّ. قوله: ((إلى رحله))، بفتح الراء وسكون الحاء
المهملة: وهو مسكن الرجل وما يستصحبه من الأثاث. قوله: ((في أقصى المدينة)) صفة
الرحل، وليس بظرف للفعل. قوله: ((والشمس حية)) أي: بيضاء نقية، و: الواو، فيه للحال،
وفي (سنن أبي داود) بإسناد صحيح: عن خيثمة التابعي، قال: ((حياتها أن تجد حرها)). قوله:
((ونسيت ما قال)) قائل ذلك هو: سيار، بينه أحمد في روايته عن حجاج عن شعبة به. قوله:
((وكان))، أي: رسول الله عَّ له. قوله: ((أن يؤخر العشاء))، أي: صلاة العشاء. قوله: ((التي
تدعونها العتمة))، بفتح العين المهملة والتاء المثناة من فوق، والعتمة من الليل بعد غيبوبة
الشفق، وقد أعتم الليل أي: أظلم، وفيه إشارة إلى ترك تسميتها بذلك.
قوله: ((والحديث بعدها))، أي: التحدث. قوله: ((وكان ينفتل)) أي: ينصرف من الصلاة،
أو يلتفت إلى المأمومين. قوله: ((صلاة الغداة)) أي: الصبح، وفيه أنه لا كراهة في تسمية
الصبح بذلك. قوله: ((يقرأ)) أي: في الصبح، ((بالستين إلى المائة)) أي: من الآي، وقدرها
الطبراني بسورة الحاقة ونحوها. وقال النووي: هذا الحديث حجة على الحنفية حيث قالوا:
لا يدخل وقت العصر حتى يصير ظل كل شيء مثليه. قلت: لا نسلم أن الحنفية قالوا ذلك،
وإنما هو رواية أسد بن عمرو عن أبي حنيفة وحده، وروى الحسن عنه أن أول وقت العصر إذا
صار ظل كل شيء مثله، وهو قول أبي يوسف ومحمد وزفر، واختاره الطحاوي، وروى
المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: إذا صار الظل أقل من قامتين يخرج وقت الظهر، ولا
يدخل وقت العصر حتى يصير قامتين، وصححه الكرخى، وفى رواية الحسن أيضاً: إذا صار
ظل كل شيء قامة خرج وقت الظهر ولا يدخل وقت العصر حتى يصير قامتين، وبينهما وقت
مهمل، وهو الذي يسميه الناس: بين الصلاتين. وحكى ابن قدامة في (المغني): عن ربيعة أن
وقت الظهر والعصر إذا زالت الشمس، وعن عطاء وطاوس: إذا صار ظل كل شيء مثله، دخل
وقت الظهر، وما بينهما وقت لهما على سبيل الاشتراك حتى تغرب الشمس. وقال ابن راهويه
والمزني وأبو ثور والطبراني: إذا صار ظل كل شيء مثله دخل وقت العصر، ويبقى وقت
الظهر قدر ما يصلي أربع ركعات، ثم يتمحض الوقت للعصر، وبه قال مالك.
٢٥/ ٥٤٨ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مَالِكِ عنْ إسْحاقَ بنِ عَبْدِ الله بنٍ أپِي
طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بنِ مالِكِ قال كُنَّا نُصَلِّي العَصْرَ ثُمَّ يَخْرُجُ الإنْسَانُ إِلَى بِنِي عَمْرِو بِنِ عَوْفٍ
فَتَجِدُهُمْ يُصَلُّونَ العَصْرَ. [الحديث ٥٤٨ - أطرافه في: ٥٥٠، ٥٥١، ٧٣٢٩].

٥٢
٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١٣)
مطابقة هذا الحديث، ومطابقة بقية أحاديث هذا الباب للترجمة من حيث إن دلالتها
على تعجيل العصر، وتعجيله لا يكون إلاَّ في أول وقته، وهو عند صيرورة ظل كل شيء مثله
أو مثليه على الخلاف.
ذكر رجاله: وهم أربعة: عبد الله بن مسلمة القعنبي، ومالك بن أنس وإسحاق بن عبد
الله بن أبي طلحة واسمه: زيد بن سهل الأنصاري ابن أخي أنس بن مالك، يكنى: أبا يحيى،
مات سنة أربع وثلاثين ومائة، قال الواقدي: كان مالك لا يقدم عليه أحداً في الحديث.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والعنعنة في ثلاثة
مواضع. وفيه: القول. فإن قلت: هذا الحديث مسند أو موقوف؟ قلت: قول الصحابي: كنا
نفعل كذا، فيه خلاف، فذهب بعضهم إلى أنه مسند، وهو اختيار الحاكم، وإبراد البخاري
هذا الحديث مشعر بأنه مسند، وإن لم يصرح بإضافته إلى زمن النبي معَّ له. وقال الدارقطني
والخطيب وآخرون: إنه موقوف، والصواب أن يقال: إن مثل هذا موقوف لفظاً، مرفوع حكماً،
لأن الصحابي أورده في مقام الاحتجاج فيحمل على أنه أراد كونه في زمن النبي عَ لِّ، وقد
روى ابن المبارك هذا الحديث عن مالك، فقال فيه: ((كان رسول الله عَّ يصلي العصر))،
الحديث أخرجه النسائي.
ذكر تعدد موضه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً عن عبد الله بن يوسف.
وأخرجه مسلم أيضاً في الصلاة عن يحيى بن يحيى. وأخرجه النسائي فيه عن سويد بن نصر
عن ابن المبارك.
ذكر معناه: قوله: ((بني عمرو بن عوف))، بفتح العين وسكون الواو وبالفاء، وكانت
منازلهم على ميلين من المدينة بقباء. قوله: ((فيجدهم يصلون العصر)) أي: عصر ذلك اليوم،
وهذا يدل على أنهم كانوا يؤخرون عن أول الوقت، لأنهم كانوا عمالاً في أراضيهم
وحروثهم. وقال بعضهم: فدل هذا الحديث على تعجيل النبي عَّ له بصلاة العصر في أول
وقتها، قلت: إنما يدل ذلك على ما ذكره إذا كان الحديث مرفوعاً قطعاً، وقد ذكرنا عن قريب
أن في مثل هذا خلافاً، هل هو موقوف أو في حكم المرفوع؟
٥٤٩/٢٦ - حدّثنا ابنُ مُقَاتِلٍ قال أخبرنا عَبْدُ الله قال أخبرنا أبو بَكْرٍ بنُ عُثْمانَ بنِ
سَهْلٍ بنِ مُنَيْفٍ قال سمِعْتُ أَبا امامَةً يَقُولُ صَلَّيْنَا مَعَ عُمَرَ بنِ عَبْدِ العَزِيزِ الظُّهْرَ ثُمَّ خَرَجْنَا
حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَنَسٍ بنِ مالِكٍ فَوَجَدْنَاهُ يُصَلِّي العَصْرَ فَقُلْتُ يا عَمّ مَا هَذِهِ الصَّلاَةُ الَّتِي
صَلَّيْتَ قال العَصْرُ وهَذِهِ صَلاَّهُ رسولِ الله عَّلِ التِي كُنَّا نُصَلِّي مَعَهُ.
ابن مقاتل هو: محمد بن مقاتل أبو الحسن المروزي، المجاور بمكة. وعبد الله هو:
ابن المبارك، وأبو بكر بن عثمان بن سهل بن حنيف، بضم الحاء المهملة وفتح النون
وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره فاء: الأنصاري الأوسي، سمع عمه أبا أمامة، بضم
الهمزة، واسمه: أسعد بن سهل، المولود في عهد النبي عَّه، وهو صحابي على الأصح.

٥٣
٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١٣)
مات سنة مائة.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار كذلك
في موضعين. وفيه: القول والسماع وفيه: رواية الصحابي عن الصحابي. وفيه: راويان
مروزيان والبقية مدنيون.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الصلاة عن منصور بن مزاحم. وأخرجه
النسائي فيه عن سويد بن نصر، كلاهما عن عبد الله بن المبارك.
ذكر معناه. قوله: ((دخلنا على أنس بن مالك))، وداره كانت بجنب المسجد. قوله:
(يا عم))، بكسر الميم، وأصله: يا عمي، فحذفت الياء، وهذا من باب التوقير والإكرام لأنس،
لأنه ليس عمه على الحقيقة. قوله: ((ما هذه الصلاة؟)) أي: ما هذه الصلاة في هذا الوقت؟
والإشارة فيه بحسب وقت تلك الصلاة لا بحسب شخصها. وقال النووي: هذا الحديث
صريح في التبكير لصلاة العصر في أول وقتها، فإن وقتها يدخل بمصير ظل كل شيء مثله،
ولهذا كان الآخرون يؤخرون الظهر إلى ذلك الوقت، وإنما أخرها عمر بن عبد العزيز، رضي
الله تعالى عنه، على عادة الأمراء قبل أن تبلغه السنة في تقديمها قبله، ويحتمل أنه أخرها لعذر
عرض له، وهذا كان حين ولي المدينة نيابة، لا في خلافته، لأن أنساً توفي قبل خلافته بنحو
تسع سنين. انتهى. قلت: ليس فيه تصريح في التبكير لصلاة العصر، ومثل عمر بن عبد العزيز
كان يتبع الأمراء ويترك السنة؟
٥٥٠/٢٧ - حدثنا أبو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال حدَّثني أنسُ بنُ
مالِكِ قال كانَ رسولُ الله عَّه يُصَلِّي العَصْرَ والشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ فَيَذْهَبُ الذاهِبُ إلَى
العَوَالِي فَيَأْتِيهِمْ والشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ وَبَعْضُ العَوَالِي مِنَ المَدِينَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ أوْ نَخْوِهِ. [انظر
الحديث: ٥٤٨ وطرفيه].
أبو اليمان الحكم بن نافع البهراني الحمصي، وشعيب بن أبي حمزة، والزهري محمد
ابن مسلم.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، وبصيغة الإفراد من
الماضي في موضع آخر. وفيه: الإخبار بصيغة الجمع في موضع. وفيه: العنعنة في موضع.
وفيه: القول. وفيه: من الرواة حمصيان ومدني.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم عن هارون بن سعيد عن ابن وهب عن عمرو بن
الحارث عن الزهري عن أنس. وأخرجه أيضاً عن قتيبة ومحمد بن رمح. وأخرجه أبو داود
والنسائي عن قتيبة. وأخرجه ابن ماجه عن محمد بن رمح.
ذكر معناه: قوله: ((والشمس مرتفعة))، الواو: فيه للحال، وقد مر تفسير قوله: حية.
قوله: ((العوالي))، جمع: عالية وهي القرى التي حول المدينة من جهة نجد، وأما من جهة
تهامة فيقال لها: السافلة. قوله: ((فيأتيهم والشمس مرتفعة)) أي: دون ذلك الارتفاع. قوله:

٥٤
٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١٣)
((وبعض العوالي ... ))، إلى آخره، قال الكرماني: إما كلام البخاري وإما كلام أنس أو هو
الزهري، كما هو عادته في الإدراجات. قلت: الظاهر أنه من الزهري، يدل عليه ما رواه عبد
الرزاق عن معمر عن الزهري في هذا الحديث، فقال فيه، بعد قوله: ((والشمس حية))، قال
الزهري: والعوالي من المدينة على ميلين أو ثلاثة. وروى البيهقي حديث الباب من طريق أبي
بكر الصنعاني عن أبي اليمان، شيخ البخاري، وقال في آخره: وبعد العوالي، بضم الباء
الموحدة وبالدال المهملة، وكذلك أخرجه البخاري في الاعتصام تعليقاً، ووصله البيهقي من
طريق الليث: عن يونس عن الزهري، لكن قال: أربعة أميال أو ثلاثة. وروى هذا الحديث أبو
عوانة في (صحيحه) وأبو العباس السراج جميعاً عن أحمد بن الفرج أبي عتبة عن محمد بن
حمير عن إبراهيم بن أبي عبلة عن الزهري، ولفظه: ((والعوالي من المدينة على ثلاثة أميال))
وأخرجه الدارقطني عن المحاملي عن أبي عتبة المذكور بسنده المذكور، فوقع عنه: ((على
ستة أميال)). ورواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري فقال فيه: ((على ميلين أو ثلاثة)).
ووقع في (المدونة) عن مالك، رحمه الله تعالى: أبعد العوالي مسافة ثلاثة أميال. قال
عياض: كأنه أراد معظم عمارتها، وإلاَّ فأبعدها ثمانية أميال. قلت: علم من هذه الاختلافات
أن أقرب العوالي من المدينة مسافة ميلين، وأبعدها ثمانية أميال، وأما الثلاثة والأربعة والستة
فباعتبار القرب والبعد من المدينة، فبهذا الوجه يحصل التوفيق بين هذه الروايات، والميل:
ثلث فرسخ، أربعة آلاف ذراع بذراع محمد بن فرج الشاشي، طولها أربعة وعشرون إصبعاً
بعدد حروف: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وعرض الإصبع: ست حبات شعير ملصقة
ظهراً لبطن، وزنة الحبة من الشعير: سبعون حبة خردل. وفسر أبو شجاع الميل: بثلاثة آلاف
ذراع، وخمسمائة ذراع، إلى أربعة آلاف ذراع. وفي (الينابيع) الميل: ثلث الفرسخ، أربعة
آلاف خطوة، كل خطوة ذراع ونصف بذراع العامة، وهو أربعة وعشرون إصبعاً.
٥٥١/٢٨ _ حدّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنِ ابنِ شَهَابٍ عن أنس بنِ
مالِكِ قال كنَّا نُصَلِّي العَصْرَ ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ مِنَّا إِلَى قُبَاءٍ فَيَأْتِيهِمْ والشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ. [انظر
الحديث ٥٤٨ وطرفيه].
قد تكرر ذكر هؤلاء الرواة.
وفيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار كذلك في موضع واحد.
وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول.
قوله: ((كنا نصلي العصر)) أي: مع النبي عَّه، والدليل عليه ما رواه خالد بن مخلد
عن مالك، كذلك مصرحاً به أخرجه الدارقطني في (غرائبه). قوله: ((إلى قباء))، قال أبو عمر:
قول مالك، قباء، وهم لا شك فيه ولم يتابعه أحد فيه عن ابن شهاب، وقال النسائي: لم يتابع
مالك على قوله: ((قباء))، والمعروف: العوالي، وكذا قاله الدارقطني في آخرين: إلى العوالي،
وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث الزهري، وقال التيمي:

٥٥
٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١٤)
الصحيح بدل قباء العوالي، كذلك رواه أصحاب ابن شهاب كلهم غير مالك في (الموطأ)
فإنه تفرد بذكر: قباء، وهو مما يعد على مالك أنه وهم فيه.
قلت: تابع مالكاً ابن أبي ذئب، فإنه روى عن الزهري: إلى قباء، كما قاله مالك، نقله
الباجي عن الدارقطني، فنسبه الوهم إلى مالك غير موجه، ولئن سلمنا أنه وهم، ولكن لا
نسلم أن يكون ذلك من مالك قطعاً، فإنه يحتمل أن يكون من الزهري حين حدث به مالكاً.
وقال ابن بطال: روى خالد بن مخلد عن مالك فقال فيه: إلى العوالي، كما قاله الجماعة،
فهذا يدل على أن الوهم فيه ممن دون مالك. ورد هذا بأن مالكاً أثبته في (الموطأ) باللفظ
الذي رواه عنه كافة أصحابه، فرواية خالد عنه شاذة، ولئن سلمنا الوهم فيه، فهو إما من مالك
كما جزم به البزار والدارقطني ومن تبعهما، أو من الزهري حين حدث به، ومع هذا كله فقباء
من العوالي، فلعل مالكاً رأى في رواية الزهري إجمالاً وفسرها بقباء، فعلى هذا لا يحتاج إلى
نسبة الوهم إلى أحد. فافهم. قوله: ((فيأتيهم)) أي: فيأتي أهل قباء، و: الواو، في:
((والشمس)) للحال.
١٤ - بابُ إِثْمِ مَنْ فَاتَهُ العَصْرُ
أي: هذا باب في بيان إثم من فاتته صلاة العصر، والمراد بفواتها تأخيرها عن وقت
الجواز بغير عذر، لأن ترتب الإثم على ذلك.
٥٥٢/٢٩ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ نَافِعِ عنِ ابنِ عُمَرَ أنَّ
رسولَ الله عَِّ قَال الَّذِي تَقُوتُهُ صَلاَةُ العَصْرِ كَأَنَا وُتِرَ أَهْلَهُ ومالَهُ.
رجال هذا الحديث ولطائف إسناده قد مرت غير مرة.
وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي أيضاً من طريق مالك، وأخرجه الكشي من حديث
حماد بن سلمة عن نافع، وزاد في آخره: ((وهو قاعد))، وكذا رواه النسائي عن نوفل بن معاوية
كرواية ابن عمر، وفي (الأوسط) للطبراني: إن نوفلاً رواه عن أبيه معاوية بلفظ: («لأن يوتر
أحدكم أهله وماله خير له من أن تفوته صلاة العصر)). وقال الذهبي: نوفل بن معاوية الديلي،
شهد الفتح وتوفي بالمدينة سنة يزيد، روى عنه جماعة، وقال في باب الميم: معاوية بن نوفل
الديلي صحابي روى عنه ابنه. قوله: ((صلاة العصر)) في رواية الكشميهني، وفي رواية غيره:
((يفوته العصر)). قوله: ((كأنما))، كذا هو في رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: ((فكأنما)»
بالفاء، والمبتدأ إذا تضمن معنى الشرط جاز في خبره: الفاء، وتركها. قوله: ((وتر أهله وماله))
بنصب اللاَّمين في رواية الأكثرين لأنه مفعول ثان لقوله: ((وتر))، وهو على صيغة المجهول،
والضمير فيه يرجع إلى قوله: ((الذي تفوته صلاة العصر))، وهو المفعول الأول.
فإن قلت: الفعل الذي يقتضي المفعولين يكون من أفعال القلوب، ووتر ليس منها. قلت:
إذا كان أحد المفعولين غير صريح يأتي أيضاً من غير أفعال القلوب، وههنا كذلك، ووتر ههنا
متعد إلى مفعولين بهذا الوجه، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿لن يتركم أعمالكم﴾ [محمد:

٥٦
٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١٤)
٣٥]. أي: لن ينقصكم أعمالكم، فعلى هذا المعنى في: وتر، نقص من: وترته، إذا نقصته
فكأنك جعلته: وتراً بعد أن كان كثيراً. وقيل: معناه ههنا: سلب أهله وماله، فبقي وتراً ليس
له أهل ولا مال. وقال النووي: روي برفع اللامين، قلت: هي رواية المستملي، وجهها أنه لا
يضمر شيء في: وتر، بل يقوم: الأهل، مقام ما لم يسم فاعله، و: ماله، عطف عليه. وقال ابن
الأثير: من رد النقص إلى الرجل نصبهما، ومن رده إلى الأهل والمال رفعهما. وقيل: معناه
وتر في أهله، فلما حذف الخافض انتصب، وقيل: إنه بدل اشتمال أو بدل بعض، ومعناه:
انتزع منه أهله وماله. وقال الجوهري: الموتر: الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه، تقول منه:
وتره يتره وتراً ووتراً وترة. قلت: أصل: ترة وتر، فحذفت منها الواو تبعاً لفعله المضارع، وهو:
يتر، لأن أصله يوتر، فحذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، فلما حذفت الواو في المصدر
عوض عنها: التاء، كما في: عدة.
وتكلموا في معنى هذا الحديث، فقال الخطابي: نقص هو أهله وماله وسلبهم، فبقي
بلا أهل ولا مال، فليحذر من يفوتها كحذره من ذهاب أهله وماله. وقال أبو عمر: معناه
كالذي يصاب بأهله وماله إصابة يطلب بها وتراً، وهي الجناية التي تطلب ثأرها، فيجتمع
عليه غمان: غم المصيبة، وغم مقاساة طلب الثأر. وقال الداودي: يتوجه عليه من الاسترجاع
ما يتوجه على من فقد أهله وماله، فيتوجه عليه الندم والأسف لتفويته الصلاة. وقيل: معناه
فاته من الثواب ما يلحقه من الأسف، كما يلحق من ذهب أهله وماله.
ثم اختلفوا في المراد بفوات العصر في هذا الحديث، فقال ابن وهب وغيره: هو فيمن لم
يصلها في وقتها المختار. وقال الأصيلي وسحنون: هو أن تفوته بغروب الشمس. وقيل: أن
يفوتها إلى أن تصفر الشمس، وقد ورد مفسراً في رواية الأوزاعي في هذا الحديث. قال:
وفواتها أن تدخل الشمس صفرة. وروى سالم عن أبيه أنه قال: هذا فيمن فاتته ناسياً، وقال
الداودي: هذا في العامد، وكأنه أظهر لما في البخاري: ((من ترك صلاة العصر حبط عمله)).
وهذا ظاهر في العمد. وقال المهلب: هو فواتها في الجماعة لما يفوته من شهود الملائكة
الليلية والنهارية، ولو كان فواتها بغيبوبة أو اصفرار لبطل الاختصاص، لأن ذهاب الوقت كله
موجود في كل صلاة، وقال أبو عمر: يحتمل أن يكون تخصيص العصر لكونه جواباً بالسائل
سأل عن صلاة العصر، وعلى هذا يكون حكم من فاته الصبح بطلوع الشمس، والعشاء
بطلوع الفجر، كذلك. وخصت العصر لفضلها ولكونها مشهودة. وقيل: خصت بذلك تأكيداً
وحضاً على المثابرة عليها لأنها تأتي في وقت اشتغال الناس، وقيل: يحتمل أنها خصت
بذلك لأنها على الصحيح أنها الصلاة الوسطى، وبها تختم الصلوات. واعترض النووي لابن
عبد البر في قوله: فعلى هذا يكون حكم من فاته الصبح .. إلى آخره، فإن غير المنصوص إنما
يلحق بالمنصوص إذا عرفت العلة واشتركا فيها. قال: والعلة في هذا الحكم لم تتحقق فلا
يلحق غير العصر بها. انتهى.
قلت: لقائل أن يحتج لابن عبد البر بما رواه ابن أبي شيبة وغيره من طريق أبي قلابة عن

٥٧
٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١٥)
أبي الدرداء مرفوعاً: ((من ترك صلاة مكتوبة حتى تفوته ... )) الحديث، ورد بأن في إسناده
انقطاعاً، لأن أبا قلابة لم يسمع من أبي الدرداء، وقد روى أحمد حديث أبي الدرداء بلفظ:
((من ترك العصر))، فرجع حديث أبي الدرداء إلى تعيين العصر. قلت: روى ابن حبان وغيره
عن نوفل بن معاوية مرفوعاً: ((من فاتته الصلاة فكأنما وتر أهله وماله)). وقد ذكرناه عن قريب،
وهذا يشمل جميع الصلوات المكتوبات، ولكن روى الطبراني هذا الحديث - أعني حديث
الباب - من وجه آخر، وزاد فيه عن الزهري: ((قلت لأبي بكر - يعني ابن عبد الرحمن، وهو
الذي حدثه به - ما هذه الصلاة؟ قال: العصر)). رواه ابن أبي خيثمة من وجه آخر، فصرح
بكونها العصر في نفس الخبر، ورواه الطحاوي والبيهقي من وجه آخر فصرحا بكونها العصر
في نفس الخبر، ورواه الطحاوي من وجه آخر، وفيه: إن التفسير من قول ابن عمر، رضي الله
تعالى عنهما، واعترض ابن المنير على قول المهلب المذكور عن قريب بأن الفجر أيضاً فيها
شهود الملائكة الليلية والنهارية، فلا يختص العصر بذلك. قال: والحق أن الله تعالى يخص ما
شاء من الصلوات بما شاء من الفضيلة. وبوب الترمذي على حديث الباب ما جاء في السهو
عن وقت العصر فحمله على الساهي. قلت: لا تطابق بين ترجمته وبين الحديث، فإن لفظ
الحديث: الذي تفوته، أعم من أن يكون ساهياً أو عامداً، وتخصيصه بالساهي لا وجه له، بل
القرينة دالة على أن المراد بهذا الوعيد في العامد دون الساهي.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ يَتِرُكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَتَزْتُ الرَّجُلَ إِذَا قَتَلْتُ لَهُ قَتِيلاً أَوْ أَخَذْتُ لَهُ مالاً
أبو عبد الله هو البخاري، وأشار بذلك إلى أن لفظة: يتركم في قوله تعالى: ﴿ولن
يتركم﴾ [محمد: ٣٥]. أنه متعد إلى مفعولين، وهذا يؤيد نصب اللأَّمين في الحديث،
وأشار بقوله ((وترت الرجل)) إلى أنه يتعدى إلى مفعول واحد وهو يؤيد رواية المستملي.
١٥ - بابُ إِثْمِ مَنْ تَرَكَ العَصْرَ
أي: هذا باب في بيان إثم من ترك صلاة العصر. قيل: لا فائدة في هذا التبويب لأن
الباب السابق يغني عنه، وكان ينبغي أن يذكر حديث هذا الباب في الباب الذي قبله، لأن
كلاً منهما في الوعيد، قلت: بينهما فرق دقيق، وهو أنهم قد اختلفوا في المراد من معنى
التفويت على ما ذكرنا، والترك لا خلاف فيه أن معناه: إذا كان عامداً.
٣٠/ ٥٥٣ - حدّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قال حدّثنا هِشَامٌ قال حدّثنا يَحْيِى بنُ أبي
كَثِيرٍ عنْ أَبِي قِلاَةَ عنْ أبي المَلِيحِ قَالَ كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي غَزْوَةٍ فِي يَوْمِ ذِي غَيْمِ فقال بِكَرُوا
بِصَلاَةِ العَصْرِ فَإِنَّ النبي عَِّ قَالَ مَنْ تَرَكَ صَلاَةَ العَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ. [الحديث ٥٥٣ -
طرفه في: ٥٩٤].
مطابقته للترجمة ظاهرة، لأن الحديث يتضمن حبط العمل عند الترك، والترجمة في إثم
الترك.

٥٨
٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١٥)
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: مسلم بن ابراهيم الأزدي الفراهيدي البصري القصاب،
يكنى أبا عمرو. الثاني: هشام بن عبد الله الدستوائي. الثالث: يحيى بن أبي كثير. الرابع: أبو
قلابة، بكسر القاف: عبد الله بن زيد الحرمي. الخامس: أبو المليح، بفتح الميم وكسر اللام
وبالحاء المهملة: واسمه عامر بن أسامة الهذلي، مات سنة ثمان وتسعين. السادس: بريدة
بضم الباء الموحدة وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف وبالدال المهملة: ابن الحصيب،
بضم الحاء المهملة وفتح الصاد المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره باء موحدة:
الأسلمي، روى عن رسول الله عَّ الله مائة حديث وأربعة وستون حديثاً، للبخاري منها ثلاث،
مات غازياً بمرو، وهو آخر من مات من الصحابة بخراسان سنة اثنتين وستين.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع باتفاق الرواة عن مسلم بن إبراهيم.
وفيه: التحديث بصيغة الجمع عن هشام عند أبي ذر، وعند غيره. أخبرنا بصيغة الجمع.
وفيه: الإخبار بصيغة الجمع عن يحيى عند أبي ذر، وعند غيره: حدّثنا. وفيه: العنعنة عن أبي
قلابة عن أبي المليح، وعند ابن خزيمة: من طريق أبي داود الطيالسي عن هشام عن يحيى: أن
أبا قلابة حدثه، وعند البخاري في باب التبكير بالصلاة في يوم الغيم: عن معاذ بن فضالة عن
هشام عن يحيى عن أبي قلابة: أن أبا المليح حدثه. وفيه: ثلاثة من التابعين على الولاء.
وفيه: أن الرواة كلهم بصريون. وفيه: القول في ثلاثة مواضع.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً عن معاذ بن فضالة.
وأخرجه النسائي في الصلاة أيضاً عن عبيد الله بن سعيد عن يحيى عن هشام به. ورواه ابن
خزيمة كما رواه البخاري. وأخرجه ابن ماجه وابن حبان من حديث الأوزاعي عن يحيى بن
أبي كثير عن أبي قلابة عن أبي المهاجر عنه، قال ابن حبان: وهم الأوزاعي في تصحيفه عن
يحيى، فقال: عن أبي المهاجر، وإنما هو أبو المهلب عم أبي قلابة عن عمه عنه، على
الصواب. واعترض عليه الضياء المقدسي، فقال: الصواب أبو المليح عن أبي بريدة.
ذكر معناه: قوله: ((ذي غيم))، صفة يوم ومحل: ((في غزوة)) و: ((في يوم)) نصب
على الحال، وإنما خص يوم الغيم لأنه مظنة التأخير، لأنه ربما يشتبه عليه فيخرج الوقت
بغروب الشمس. قوله: ((بكروا)) أي: أسرعوا وعجلوا وبادروا وكل من بادر إلى الشيء فقد
بكر، وأبكر إليه أي وقت كان، يقال: بكروا بصلاة المغرب أي: صلوها عند سقوط القرص.
قوله: ((من ترك)) كلمة من، موصولة تتضمن معنى الشرط في محل الرفع على الابتداء وخبره:
((فقد حبط عمله)). ودخول: الفاء، فيه لأجل تضمن المبندأ معنى الشرط. و: حبط، بكسر
الباء الموحدة أي: بطل، يقال: حبط يحبط من باب: علم يعلم، يقال: حبط عمله وأحبطه
غيره، وهو من قولهم: حبطت الدابة حبطاً - بالتحريك - إذا أصابت مرعى طيباً، فأفرطت في
الأكل حتى تنتفخ فتموت، وزاد معمر في رواية هذا الحديث لفظ: متعمداً، وكذا أخرجه
أحمد من حديث أبي الدرداء. وفي رواية معمر: ((أحبط الله عمله))، وسقط من رواية
المستملي لفظ: فقد.

٥٩
٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١٦)
ذكر ما يستفاد منه: وهو على وجوه: الأول: احتج به أصحابنا على أن المستحب
تعجيل العصر يوم الغيم. الثاني: احتج به الخوارج على تكفير أهل المعاصي، قالوا: وهو
نظير قوله تعالى: ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله﴾ [المائدة: ٥]. ورد عليهم أبو عمر
بأن مفهوم الآية أن من لم يكفر بالإيمان لم يحبط عمله، فيتعارض مفهوم الآية ومنطوق
الحديث، فإذا كان كذلك يتعين تأويل الحديث، لأن الجمع إذا كان ممكناً كان أولى من
الترجيح، ونذكر عن قريب وجه الجمع، إن شاء الله تعالى. الثالث: احتج به بعض الحنابلة:
أن تارك الصلاة يكفر، ورد بأن ظاهره متروك، والمراد به التغليظ والتهديد، والكفر ضد الإيمان
وتارك الصلاة لا ينفي عنه الإيمان، وأيضاً لو كان الأمر كما قالوا لما اختصت العصر بذلك.
وأما وجه اختصاص العصر بذلك فلأنه وقت ارتفاع الأعمال، ووقت اشتغال الناس بالبيع
والشراء في هذا الوقت بأكثر من وقت غيره، ووقت نزول ملائكة الليل.
وأما وجه الجمع فهو أن الجمهور تأولوا الحديث فافترقوا على فرق: فمنهم من أول سبب
الترك فقالوا: المراد من تركها جاحداً لوجوبها، أو معترفاً لكن مستخفاً مستهزئاً بمن أقامها،
وفيه نظر، لأن الذي فهمه الراوي الصحابي إنما هو التفريط، ولهذا أمر بالتبكير والمبادرة إليها
وفهمه أولى من فهم غيره. ومنهم من قال: المراد به من تركها متكاسلاً، لكن خرج الوعيد
مخرج الزجر الشديد، وظاهره غير مراد كقوله عَ ◌ّةٍ: ((لا يزني الزاني وهو مؤمن)). ومنهم من
أول سبب الحبط، فقيل: هو من مجاز التشبيه، كأن المعنى: فقد أشبه من حبط عمله. قيل:
معناه كاد أن يحبط، وقيل: المراد من الحبط نقصان العمل في ذلك الوقت الذي ترفع فيه
الأعمال إلى الله تعالى، وكان المراد بالعمل الصلاة خاصة أي: لا يحصل على أجر من صلى
العصر، ولا يرتفع له عملها حينئذ، وقيل: المراد بالحبط الإبطال، أي: بطل انتفاعه بعمله في
وقت ينتفع به غيره في ذلك الوقت. وفي (شرح الترمذي) ذكر أن الحبط على قسمين: حبط
إسقاط وهو: إحباط الكفر للإيمان وجميع الحسنات، وحبط موازنة وهو: إحباط المعاصي
للانتفاع بالحسنات عند رجحانها عليها إلى أن تحصل النجاة، فيرجع إليه جزاء حسناته.
وقيل: المراد بالعمل في الحديث العمل الذي كان سبباً لترك الصلاة، بمعنى أنه: لا ينتفع به
ولا يتمتع. وأقرب الوجوه في هذا ما قاله ابن بزيزة: إن هذا على وجه التغليظ، وإن ظاهره
غير مراد، والله تعالى أعلم، لأن الأعمال لا يحبطها إلاَّ الشرك.
١٦ - بابُ فَضْلِ صَلاَةِ العَصْرِ
أي: هذا باب في بيان فضل العصر. والمناسبة بين هذه الأبواب ظاهرة.
٥٥٤/٣١ - حدّثنا الحُمَيْدِي قال حدّثنا مَرْوَانُ بنُ مُعَاوِيَةَ قال حدّثنا إسْمَاعِيلُ عنْ
قَيْسٍ عنْ جَرِير قال كُنَّا عِنْدَ النبيِّ عَِّ فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةً يَعْنِي البَدْرَ فقال إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ
رَبَّكُمْ كَما تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ لاَ تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ فإنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لاَ تُغْلَوْا عَلَى صَلاَةٍ قَبْلَ
طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فافْعَلُوا ثمَّ قَرَأَ وَسَبِّح بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ

٦٠
٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١٦)
الغُرُوبِ. قالَ إسْمَاعِيلُ افْعَلوا لاَ تَفُوتَنَّكُمْ. [الحديث ٥٥٤ - أطرافه في: ٥٧٣، ٤٨٥١،
٧٤٣٤، ٧٤٣٥، ٧٤٣٦ ].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((وقبل غروبها))، أي: قبل غروب الشمس، والصلاة
في هذا الوقت هي صلاة العصر، ولو قال: باب فضل صلاة الفجر والعصر لكان أولى، لأن
المذكور في الحديث والآية صلاة الفجر والعصر كلتاهما. وقال بعضهم: باب فضل صلاة
العصر، أي: على جميع الصلوات، إلّ المذكور في الحديث فيه تعسف، ولأن جميع
الصلوات مشتركة في الفضل غاية ما في الباب أن لصلاتي الفجر والعصر مزية على غيرهما،
وإنما خصص العصر بالذكر للاكتفاء، كما في قوله تعالى: ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ [النحل:
٨١]. أي: والبرد أيضاً. وقيل: إنما خص العصر لأن في وقته ترتفع الأعمال وتشهد فيه
ملائكة الليل، ولهذا ذكر في الحديث: ((فإن استطعتم ... )). الحديث. قلت: وفي الفجر أيضاً
تشهد فيه ملائكة النهار، والأوجه في الجواب ما ذكرته الآن. وقال بعضهم: ويحتمل أن
يكون المراد أن العصر ذات فضيلة لا ذات أفضلية. قلت: كل الصلوات ذوات فضيلة،
والترجمة أيضاً تنبىء عن ذلك.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: الحميدي، بضم الحاء المهملة: واسمه عبد الله بن
الزبير بن عيسى بن عبد الله بن الزبير بن عبد الله بن حميد، ونسبته إلى جده: حميد القرشي
المكي، مات سنة تسع عشرة وماتين. الثاني: مروان بن معاوية بن الحارث الفزاري، مات
بدمشق سنة ثلاث وتسعين ومائة، قبل التروية بيوم فجأة. الثالث: إسماعيل بن أبي خالد،
بالخاء المعجمة. الرابع: قيس بن أبي حازم بالحاء المهملة. الخامس: جبير بن عبد الله بن
جابر البجلي، رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في
موضعين. وفيه: القول، ووقع عند أبي مردويه من طريق شعبة عن إسماعيل التصريح بسماع
إسماعيل من قيس، وسماع قيس عن جرير. وفيه: ذكر الحميدي بنسبته إلى أحد أجداده،
وأنه من أفراد البخاري. وفيه: أن رواته ما بين مكي وكوفي. وفيه: رواية التابعي عن التابعي،
وهما: إسماعيل وقيس. وفيه: أن أحد الرواة من المخضرمين، وهو: قيس، فإنه قدم المدينة
بعدما قبض النبي، عَّ له، مات سنة أربع وثمانين، رضي الله تعالى عنه.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً عن مسدد عن يحيى بن
سعيد في الصلاة أيضاً وأخرجه في التفسير عن إسحاق بن إبراهيم عن جرير، وفي التوحيد
عن عمرو بن عون عن خالد وهشيم وعن يوسف بن موسى عن عاصم وعن عبدة بن عبد
الله. وأخرجه مسلم في الصلاة عن زهير بن حرب عن مروان به، وعن أبي بكر ابن أبي شيبة
عن جرير ووكيع وأبي أسامة به. وأخرجه النسائي عن يحيى بن كثير وعن يعقوب بن إبراهيم.
وأخرجه ابن ماجه في السنة عن محمد بن عبد الله بن نمير عن أبيه ووكيع وعن علي بن
محمد عن خالد ويعلى بن عبيد ووكيع وأبي معاوية، أربعتهم عن إسماعيل به.