النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ ٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (٥) وتقرير لما تقدم، إذ لا ريب أن اللفظ صريح في ذلك، وهو أرفع درجات التحمل. قوله: ((ولو استزدته)) أي: ولو طلبت منه الزيادة في السؤال لزادني رسول الله عَ ليه في الجواب، ثم طلبه الزيادة يحتمل أن يكون أرادها من هذا النوع، وهي مراتب أفضل الأعمال، ويحتمل أن يكون أرادها من مطلق المسائل المحتاج إليها. وفي رواية الترمذي: من طريق المسعودي عن الوليد: ((فسكت عني رسول الله عَّم ولو استزدته لزادني))، فكأنه فهم منه السآمة، فلذلك قال ما قاله، ويؤيده ما في رواية مسلم: ((فما تركت أن أستزيده إلاَّ إرعاء عليه))، أي: شفقة عليه لئلا يسأم. ذكر ما يستفاد منه فيه: أن أعمال البر تفضل بعضها على بعض عند الله تعالى. فإن قلت: ورد أن إطعام الطعام خير أعمال الإسلام، وورد: ((إن أحب الأعمال إلى الله أدومه))، وغير ذلك، فما وجه التوفيق بينهما؟ قلت: أجاب النبي عَّ لكل من سأل بما يوافق غرضه، أو بما يليق به، أو بحسب الوقت، فإن الجهاد كان في ابتداء الإسلام أفضل الأعمال، لأنه كان كالوسيلة إلى القيام بها. والتمكن من أدائها، أو بحسب الحال، فإن النصوص تعاضدت على فضل الصلاة على الصدقة، وربما تجدد حال يقتضي مواساة مضطر فتكون الصدقة حينئذ أفضل، ويقال: إن أفعل، في: أفضل الأعمال، ليس على بابه، بل المراد به الفضل المطلق. ويقال: التقدير أن من أفضل الأعمال، فحذفت كلمة: من، وهي مرادة قلت: وفيه نظر. وفيه: ما قال ابن بطال: إن البدار إلى الصلاة في أول وقتها أفضل من التراخي فيها، لأنه إنما شرط فيها أن تكون أحب من الأعمال إذا أقيمت لوقتها المستحب. قلت: لفظ الحديث لا يدل على ما ذكره على ما لا يخفى، وقال ابن دقيق العيد: ليس في هذا اللفظ ما يقتضي أولاً ولا آخراً، فكان المقصود به الاحتراز عما إذا وقعت قضاء. وقال بعضهم: وتعقب بأن إخراجها عن وقتها محرم، ولفظ: أحب، يقتضي المشاركة في الاستحباب، فيكون المراد الاحتراز عن إيقاعها آخر الوقت. قلت: الذي يدل ظاهر اللفظ أن الصلاة مشاركة لغيرها من الأعمال في المحبة، فإذا وقعت الصلاة في وقتها كانت أحب إلى الله تعالى من غيرها، فيكون الاحتراز عن وقوعها خارج الوقت. فإن قلت: روى الترمذي من حديث ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله عَّ له: ((الوقت الأول من الصلاة رضوان الله، والوقت الآخر عفو الله)). والعفو لا يكون إلاَّ عند التقصير .. قلت: قال ابن حبان، لما رواه في (كتاب الضعفاء): وتفرد به يعقوب بن الوليد، وكان يضع الحديث. وقال أبو حاتم الرازي: هو موضوع. وقال الميموني: سمعت أبا عبد الله يقول: لا أعرف شيئاً يثبت في أوقات الصلاة أولها كذا وآخرها كذا، يعني: مغفرة ورضواناً. وفيه: تعظيم الوالدين وبيان فضله ويجب الإحسان إليهما ولو كانا كافرين. وفيه: السؤال عن مسائل شتى في وقت واحد، وجواز تكرير السؤال. وفيه: الرفق بالعالم والتوقف عن الإكثار عليه خشية ملاله. وفيه: أن الإشارة تنزل منزلة التصريح إذا كانت معينة للمشار إليه، مميزة عن غيره. ألا ترى أن ٢٢ ٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (٦) الأخرس إذا طلق امرأته بالإشارة المفهمة، يقع طلاقه بحسب الإشارة، وكذا سائر تصرفاته. ٦ - بابٌ الصَلَوَاتُ الخَمْسُ كَفَّارَةٌ باب منون، تقديره: هذا باب يذكر فيه الصلوات الخمس كفارة، وهكذا وقع في أكثر الروايات. وفي بعض الروايات الترجمة سقطت، وعليه مشى ابن بطال ومن تبعه. وفي رواية الكشميهني: ((باب الصلوات الخمس كفارة للخطايا إذا صلاهن لوقتهن في الجماعة وغيرها)). وقوله: الصلوات مبتدأ، و: الخمس، صفته، و: كفارة، خبره. وقد مر تفسير الكفارة. : والخطايا جمع خطيئة، وهي الإثم. يقال: خطأ يخطأ خطأ وخطأة، على وزن: فعلة بكسر الفاء، والخطيئة على وزن فعيلة: الإثم. ولك أن تشدد الياء لأن كل ياء ساكنة قبلها كسرة أو: واو، ساكنة قبلها ضمة وهما زائدتان للمد لا للإلحاق، ولا هما من نفس الكلمة، فإنك تقلب الهمزة بعد الواو واواً، وبعد الياء ياءً، وتدغم. وتقول في مقروء: مقروٍّ وفي خطيئة: خطية، وأصل الخطايا: خطائي، على وزن فعائل، فلما اجتمعت الهمزتان قلبت الثانية: ياء، لأن قبلها كسرة، ثم استثقلت، والجمع، ثقيل، وهو معتل مع ذلك، فقلبت الياء ألفاً، ثم قلبت الهمزة الأولى ياءً لخفائها بين الألفين. ٧/ ٥٢٨ _ حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بنُ حَمْزَةَ قال حدَّثني ابنُ أبي حازِمٍ وَالدَّرَاوَزْدِيُّ عَنْ يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدٍ بِنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَّةَ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً أَنَّهُ سَمِعَ رسولَ الله عَلِّ يَقُولُ أَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْراً بِبابِ أحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْساً ما تَقُولُ ذَلِكَ يُثْقِي مِنْ دَرَنِهِ قالُوا لاَ يُثْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئاً قال فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللّه بِهِ الخَطَايَا. مطابقته للترجمة ظاهرة، والباب الذي قبل الباب الذي قبله أعم من هذه الترجمة لأنه يتناول الصلوات الخمس وغيرها من أنواع الصلاة. ذكر رجاله وهم سبعة: الأول: إبراهيم بن حمزة، بالحاء المهملة، وقد مر في كتاب الإيمان. الثاني: عبد العزيز بن أبي حازم، بالحاء المهملة، وقد مر في باب نوم الرجال. الثالث: عبد العزيز بن محمد الدراوردي، نسبة إلى دراورد، بفتح الدال والراء المهملتين ثم ألف ثم واو مفتوحة ثم راء ساكنة ثم دال مهملة: وهي قرية بخراسان. وقال أكثرهم منسوب إلى دار بجرد، مدينة بفارس وهي من شواذ النسب. الرابع: يزيد، من الزيادة: ابن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي الأعرج، مات سنة تسع وثلاثين ومائة. الخامس: محمد بن إبراهيم التيمي، مات سنة عشرين ومائة. السادس: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف. السابع: أبو هريرة، سماه البخاري: عبد الله، وقال عمرو بن علي: لا يعرف له اسم. ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الإفراد فى موضع واحد، وبصيغة الجمع في موضع. وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: اثنان اسم كل منهما: عبد العزيز، وفيه: ثلاثة تابعيون وهم: يزيد وهو تابعي صغير، ومحمد، وأبو سلمة. وفيه: أن رواته كلهم مدنيون. وفيه: أن شيخ البخاري من أفراده. ٢٣ ٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (٦) ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الصلاة: عن قتيبة عن ليث وبكر بن مضر عن ابن الهاد. وأخرجه الترمذي في الأمثال عن قتيبة به. وأخرجه النسائي، في الصلاة عن قتيبة عن الليث وحده به .. ذكر معناه قوله: ((أرأيتم)) الهمزة للاستفهام على سبيل التقرير، والتاء للخطاب،، ومعناه: أخبروني، ويروى: ((أرأيتكم))، بالكاف والميم، لا محل لها من الإعراب. قوله: ((لو أن نهراً) قال الطيبي: لفظ: لو، يقتضي أن يدخل على الفعل وأن يجاب، لكنه وضع الاستفهام موضعه تأكيداً أو تقريراً، والتقدير، لو ثبت نهر صفته كذا لما بقي كذا، والنهر، بفتح الهاء وسكونها: ما بين جنبيّ الوادي، سمي بذلك لسعته، وكذلك سمي النهار لسعة ضوئه. قوله: ((ما تقول)) أي: أيها السامع، وفي رواية مسلم: ((ما تقولون)). قوله: ((ذلك))، إشارة إلى الاغتسال، وقال ابن مالك: فيه شاهد على إجراء فعل القول مجرى فعل الظن، والشرط فيه أن يكون فعلاً مضارعاً مسنداً إلى المخاطب متصلاً بالاستفهام، كما في هذا الحديث. ولغة سليم إجراء فعل القول مجرى الظن بلا شرط، فيجوز على لغتهم أن يقال: قلت زيداً منطلقاً، ونحوه. قوله: ((ما تقول؟))، كلمة: ما، الاستفهامية في موضع نصب بلفظ: يبقى، وقدم لأن الاستفهام له صدر الكلام، والتقدير: أي: شيء تظن ذلك الاغتسال مبقياً من درنه؟ و: تقول، يقتضي مفعولين: أحدهما هو قوله: ذلك، والآخر وهو المفعول الثاني قوله: (يبقى))، وهو بضم الياء من الإبقاء. قوله: ((من درنه)) بفتح الدال والراء وهو: الوسخ. قوله: ((شيئاً)) منصوب لأنه مفعول: لا يبقى، بضم الياء أيضاً وكسر القاف، وفي رواية مسلم: ((لا يبقى من درنه شيء))، فشيء، مرفوع لأنه فاعل قوله: لا يبقي، بفتح الياء والقاف. قوله: ((فكذلك)): الفاء، فيه جواب شرط محذوف أي: إذا أقررتم ذلك وصح عندكم فهو مثل الصلوات. وفائدة التمثيل التقييد وجعل المعقول كالمحسوس. وقال ابن العربي: وجه التمثيل أن المرء كما يتدنس بالأقذار المحسوسة في بدنه وثيابه ويطهره الماء الكثير، فكذلك الصلوات تطهر العبد من أقذار الذنوب حتى لا تبقي له ذنباً إلا أسقطته وكفرته. فإن قلت: ظاهر الحديث يتناول الصغائر والكبائر لأن لفظ الخطايا يطلق عليها. قلت: روى مسلم من حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً: ((الصلوات الخمس كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر)). قال ابن بطال: يؤخذ من الحديث أن المراد الصغائر خاصة لأنه شبه الخطايا بالدرن والدرن صغير بالنسبة إلى ما هو أكبر منه من القروح والجراحات. فإن قلت: لِمَ لا يجوز أن يكون المراد بالدون الحب؟ قلت: لا بل المراد به: الوسخ، لأنه هو الذي يناسبه التنظيف والتطهير، ويؤيد ذلك ما رواه أبو سعيد الخدري، رضي الله تعالى عنه، أنه سمع رسول الله عَ لَه يقول: ((أرأيت لو أن رجلاً كان له معتمل، وبين منزله ومعتمله خمسة أنهار، فإذا انطلق إلى معتمله عمل ما شاء الله فأصابه وسخ أو عرق فكلما مر بنهر اغتسل منه ... )) الحديث رواه البزار والطبراني بإسناد لا بأس به من طريق عطاء بن يسار عنه. فإن قلت: الصغائر مكفرة بنص القرآن باجتناب الكبائر، فما الذي تكفره الصلوات ٢٤ ٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (٧) الخمس؟ قلت: لا يتم اجتناب الكبائر إلا بفعل الصلوات الخمس، فإذا لم يفعلها لم يكن مجتنباً للكبائر لأن تركها من الكبائر فيتوقف التكفير على فعلها. قوله: ((بها)): أي: بالصلوات، ويروى به بتذكير الضمير أي: بأداء الصلوات. ٧ - بابُ تَضْبِيعِ الصَّلاةِ عَنْ وَقْتِهَا أي: هذا باب في بيان تضييع الصلوات عن وقتها، وتضييعها: تأخيرها إلى أن يخرج وقتها، وقيل: تأخيرها عن وقتها المستحب، والأول أظهر لأن التضييع إنما يظهر فيه، وهذه الترجمة إنما تثبت في رواية الحموي والكشميهني، وليست بثابتة في رواية الباقين. ٥٢٩/٨ - حدّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قال حدّثنا مَهْدِيُّ عَنْ غيْلاَنَ عنْ أَنَسٍ قال ما أَعْرِفُ شَيْئاً ممَّ كانَ عَلى عَهْدِ النبيِّ عَّهِ قِيلَ الصَّلاَةُ قَالَ أَلَيْسَ ضَيَّعْتُمْ ما ضَيَّعْتُمْ فِيها. وجه مطابقته للترجمة في قوله: ((أليس ضيعتم ما ضيعتم فيها؟)) يعني: من التضييع. ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: موسى بن إسماعيل المنقري التبوذكي، وقد تكرر ذكره. الثاني: مهدي بن ميمون أبو يحيى، مات بالمدينة سنة اثنتين وسبعين ومائة. الثالث: غيلان، بفتح الغين المعجمة ابن جرير. الرابع: أنس بن مالك. ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الإفراد في موضع، وبصيغة الجمع في موضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: أن إسناده كلهم بصريون. وهذا الحديث من أفراد البخاري. ذكر معناه: قوله: ((قيل: الصلاة))، أي: قيل له: الصلاة هي شيء مما كان على عهد رسول الله عٍَّ وهي باقية، فكيف تصدق القضية السالبة عامة؟ فأجاب بقوله: ((أليس ضيعتم ما ضيعتم فيها؟)) يعني من تضييعها وهو: خروجها عن وقتها. وقال المهلب: المراد بتضييعها تأخيرها عن وقتها المستحب لا أنهم أخرجوها عن وقتها، وتبعه على هذا جماعة. قلت: الأصح ما ذكرناه لأن أنساً، رضي الله تعالى عنه، إنما قال ذلك حين علم أن الحجاج والوليد ابن عبد الملك وغيرهما كانوا يؤخرون الصلاة عن وقتها، والآثار في ذلك مشهورة. منها: ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال: أخر الوليد الجمعة حتى أمسى فجئت فصليت الظهر قبل أن أجلس، ثم صليت العصر وأنا جالس إيماء وهو يخطب، وإنما فعل ذلك عطاء خوفاً على نفسه. ومنها: ما رواه أبو نعيم شيخ البخاري في كتاب الصلاة من طريق أبي بكر ابن عتبة، قال: صليت إلى جنب أبي جحيفة، قتمشى) الحجاج للصلاة فقام أبو جحيفة فصلى. ومن طريق ابن عمر: أنه كان يصلي مع الحجاج، فلما أخر الصلاة ترك أن يشهدها معه. ومن طريق محمد بن إسماعيل قال: كنت - بمعنى، وصحف ـ تقرأ للوليد، فأخروا الصلاة فنظرت إلى سعيد بن جبير وعطاء يوميان إيماءً وهما قاعدان. مما يؤيد ما ذكرناه قوله تعالى: ﴿فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة﴾ [مريم: ٥٩]. أخروها عن مواقيتها ٢٥ ٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (٧) وصلوها لغير وقتها. قوله: ((أليس؟)) اسمه ضمير الشان. قوله: ((صنعتم ما صنعتم فيها؟)) بصادين مهملتين، والنون في رواية الأكثرين، وفي رواية النسفي بالمعجمتين وتشديد الياء آخر الحروف. قال ابن قرقول: رواية العدوي: صنعتم، بالصاد المهملة. ورواية النسفي بالمعجمة وبالياء المثناة من تحت. قال: والأول أشبه، يريد: ما أحدثوا من تأخيرها، إلاَّ أنه جاء في نفس الحديث ما يبين أنه بالضاد المعجمة. وهو قوله: ((ضيعت)) في الحديث الآتي. قلت: ويؤيد الأول ما رواه الترمذي من طريق أبي عمران الجوني عن أنس، فذكر نحو هذا الحديث، وقال في آخره: ((أو لم تصنعوا في الصلاة ما قد علمتم؟)). ٥٣٠/٩ _ حدّثنا عَمْرُو بِنُ زُرَارَةَ قال أخبرنا عَبْدُ الوَاحِدِ بنُ وَاصِلِ أَبُو عُبَيْدَة الحَدَّادُ عنْ عُثْمَانَ بنِ أبي رَوَّادٍ أَخِي عَبْد العَزِيزِ قال سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ دَخَلْتُ عَلىِ أَنَسٍ ابنِ مَالِكِ بِدِمَشْقَ وَهْوَ يَبْكِي فَقُلْتُ ما يُبْكِيكَ فقالَ لا أعْرِفُ شَيْئاً مِمَّا أدْرَكْتُ إلَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ وَهَذِهِ الصَّلاةُ قَدْ ضُيِّعَتْ. مطابقته للترجمة في قوله: ((ضيعت))، وهذه المطابقة أظهر من مطابقة الحديث السابق إلاّ في الرواية بالضاد المعجمة. ذكر رجاله وهم خمسة: الأول: عمرو بن زرارة، مر في باب قدركم ينبغي أن يكون بين المصلى ... الثاني: عبد الواحد السدوسي البصري، مات سنة تسع ومائة. الثالث: عثمان ابن أبي رواد، بفتح الراء وتشديد الواو وبالدال المهملة: واسمه ميمون. الرابع: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. الخامس: أنس بن مالك. ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع. وفيه: الإخبار بصيغة الجمع في موضع. وفيه: العنعنة في موضع. وفيه: القول في خمسة مواضع. وفيه: أن رواته ما بين نيسابوري وخراساني وبصري ومدني. وفيه: أخو عبد العزيز في رواية الأكثرين أي هو أخو عبد العزيز. وفي رواية الكشميهني: أخي عبد العزيز، بدل من: عثمان. ذكر معناه قوله: ((بدمشق))، بكسر الدال المهملة وفتح الميم بعدها شين معجمة ساكنة. وزعم الكلبي في (كتاب أسماء البلدان) تأليفه: إنما سميت بذلك لأنه بناها دماشق بن قاني بن مالك بن أرفخشد بن سام بن نوح، عليه الصلاة والسلام. وقال أهل الأثر: سميت بدماشق بن نمرود بن كنعان، وهو الذي بناها، وكان مع إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، كان دفعه نمرود إليه بعد أن نجاه الله تعالى من النار. وعن إسحاق بن أيوب: الشيطان الذي بناها كان اسمه جيرون، وكان من بناء سليمان، عليه السلام. وقال ابن عساكر: قيل: إن نوحاً، عليه الصلاة والسلام، اختطها. وقيل: بناها العازر، واسمه دمشق غلام ابن إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، وكان حبشياً وهبه له نمرود. وقيل: إن الذي بناها بيوراسف. وعن البكري عن الحسن بن أحمد الهمداني: نزل جيرون بن سعد بن عاد دمشق وبنى مدينتها فسميت باسمه جيرون. وقال: وهي ((إرم ذات العماد))، ويقال: إن بها أربعمائة ألف عمود من حجارة، ٢٦ ٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (٨) وقال أهل اللغة اشتقاق دمشق من قولهم: ناقة دمشق اللحم، إذا كانت خفيفة اللحم، والدمشقة: الخفة. قوله: ((وهو يبكي)) جملة إسمية وقعت حالاً من أنس، وكان قدوم أنس دمشق في إمارة الحجاج على العراق، قدمها شاكياً من الحجاج للخليفة، وكان الخليفة إذ ذاك الوليد بن عبد الملك بن مروان. قوله: ((مما أدركت؟)) أي: في عهد رسول الله عَ لَّه. قوله: ((إلا هذه الصلاة))، بالنصب لا غير، سواء جعلته استثناء أو بدلاً من قوله: شيئاً. قوله: ((وهذه الصلاة قد ضيعت)). جملة إسمية وقعت حالاً من الصلاة. وقال بَكْرٌ حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَكْرِ البُرْسَالنِيُّ قال أخْبَرَنا عُثْمَانُ بنُ أبي رَوَّادٍ نَحْوَهُ. بكر بن خلف، بالخاء المعجمة واللام المفتوحتين. قال الغساني: بكر بن خلف البرساني أبو بشر، ذكره البخاري مستشهداً به في كتاب الصلاة بعد حديث ذكره عن أبي عبيدة الحداد، وهو ختن عبد الله بن يزيد المقري، مات سنة أربع ومائتين ومحمد بن بكر البرساني، بضم الباء الموحدة وسكون الراء وبالسين المهملة وبالنون: البصري منسوب إلى ((برسان)) بطن من أزد، مات سنة ثلاث ومائتين؛ وهذا التعليق وصله الإسماعيلي، قال: حدّثنا محمود بن محمد الواسطي حدّثنا أبو بشر بن بكر بن خلف حدّثنا محمد بن بكر؛ ورواه أيضاً أبو نعيم عن أبي بكر بن خلاد حدّثنا أحمد بن علي الخراز حدّثنا بكر بن خلف أنبأنا محمد ختن المقرىء أخبرنا محمد بن بكر فذكره. قوله: ((نحوه)) أي: نحو سوق عمرو بن زرارة عن عبد الواحد عن عثمان بن أبي رواد. إلى آخره، والذي ذكره الإسماعيلي موافق للذي قبله، وفيه زيادة وهي: لا أعرف شيئاً مما كنا عليه في عهد رسول الله عَّهِ، والباقي سواء. ٨ - بابٌ المصَلَي يُنَاجِي رَبَّهُ عَزَّ وَجَلّ أي: هذا باب يذكر فيه المصلي يناجي ربه، من ناجاه يناجيه مناجاة فهو مناج، وهو المخاطب لغيره والمحدث له، وثلاثيه من نجا ينجو نجاة: إذا أسرع، ونجا من الأمر، إذا خلص، وأنجاه غيره. ومناسبة هذا الباب بالأبواب التي قبله التي تضمنها كتاب مواقيت الصلاة من حيث إن فيه بيان أن أوقات أداء الصلاة أوقات مناجاة الله تعالى، ومناجاة الله تعالى لا تحصل للعبد إلاَّ فيها خاصة، والأحاديث السابقة دلت على مدح من صلى في وقتها وذم من أخرها عن وقتها. وأورد البخاري أحاديث هذا الباب ترغيباً للمصلي في تحصيل هذه الفضيلة على الوجه المذكور في أحاديث هذا الباب لئلا يحرم عن هذه المنزلة السنية التي يخشى فواتها على المقصر في ذلك. ٥٣١/١٠ - حدّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قال حدّثنا هِشَامٌ عنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قال قال النَّبيُّ عَ لَّهِ إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى يُنَاجِي رَبَّهُ فَلاَ يَتْفِلَنَّ عنْ يَمِنِهِ وَلَكِنْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى. [انظر الحديث ٤١ وأطرافه] ٢٧ ٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (٨) مطابقته للترجمة ظاهرة، وهذا الإسناد بعينه قد مر في الحديث الأول في باب زيادة الإيمان ونقصانه، حيث قال: حدّثنا مسلم بن إبراهيم أخبرنا هشام أخبرنا قتادة عن أنس قال ((يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله ... )) الحديث، ومسلم بن إبراهيم أبو عمرو البصري، وهشام بن أبي عبد الله الدستوائي، بفتح الدال. وقتادة ابن دعامة، وهذا الحديث قد مضى في باب حك البزاق باليد من المسجد بأطول منه، رواه عن قتيبة إسماعيل بن جعفر عن حميد عن أنس ((أن النبي عَّ ◌َلَّ رأى نخامة ... )) الحديث. وأخرجه أيضاً في باب لا يبصق عن يمينه في الصلاة عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري، رضي الله تعالى عنهما، وأخرجه أيضاً عن أنس من حديث شعبة عن قتادة عنه من طرق مختلفة، وأخرجه أيضاً عن أبي هريرة، وقد مر الكلام فيه مستوفىّ. وقالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ لاَ يَتْفِلْ قُدَّامَهُ أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَكِنْ عِنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ. سعيد هو ابن أبي عروبة أي: قال سعيد عن قتادة بالإسناد المذكور، وطريقه موصولة عند الإمام أحمد وابن حبان. قوله: ((أو بين يديه))، شك من الراوي ومعناه: قدامه. وقالَ شُعْبَةُ لاَ يَتْزُقْ بِيْنَ يَدَيْهِ وَلاَ عَنْ يَمِهِ وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ أي: قال شعبة بن الحجاج عن قتادة بالإسناد أيضاً، وقد أوصله البخاري أيضاً فيما تقدم عن آدم عنه. وقال محُمَيْدٌ عَنْ أنَسٍ عَنِ النبيِّ عَ لَّهِ لا يَبْزُقْ فِي الْقِبْلَةِ وَلاَ عَنْ يَمِينِهِ ولَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَخْتَ قَدَمِهِ. أوصله البخاري أيضاً فيما تقدم، ولكن ليس في تلك الطريقة. قوله: ((ولا عن يمينه)). وقال الكرماني: هذه تعليقات لكنها ليست موقوفة على شعبة ولا على قتادة، ويحتمل الدخول تحت الإسناد السابق بأن يكون معناه مثلا: حدّثنا مسلم حدّثنا شعبة عن قتادة عن أنس عن النبي، عَّ له. قلت: كلها موصولة على الوجه الذي ذكرناه، فلا يحتاج إلى ذكر الاحتمال. ٥٣٢/١١ - حدّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قالَ حدّثنا يَزِيدُ بنُ إبْرَاهِيمَ قال حدّثنا قَتَادَةُ عنْ أَنَسٍ عنِ النَّبِيِّ عَّ قال اغتَدِلُوا فِي السُّجُودِ ولاَ يَبْسُطْ ذِرَاعَيْهِ كالْكَلْبِ وإِذَا بَزَقَ فَلاَ يَبْزُقُّنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلاَ عَنْ يَِينِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ. [انظر الحديث ٢٤١ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة ورجاله تقدموا. وفي إسناده: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في موضعين. وفيه: القول. ٢٨ ٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (٩) قوله: ((اعتدلوا في السجود))، المقصود من الاعتدال فيه أن يضع كفه على الأرض ويرفع مرفقيه عنها، وعن جنبيه ويرفع البطن عن الفخذ، والحكمة فيه أنه أشبه بالتواضع وأبلغ في تمكين الجبهة من الأرض وأبعد من هيئات الكسالى، فإن المنبسط يشبه الكلب ويشعر حاله بالتهاون بالصلوات وقلة الاعتناء بها والإقبال عليها، والاعتدال من: عدلته فعدل، أي: قومته فاستقام. قاله الجوهري. قوله: ((ولا يبسط ذراعيه))، بسكون الطاء، وفاعله مضمر أي المصلي، وفي بعض النسخ: ((لا يبسط أحدكم) بإظهار الفاعل، والذراع: الساعد. قوله: ((فإنما يناجي ربه)) وفي رواية الكشميهني: ((فإنه يناجي ربه))، وسأل الكرماني ههنا ما ملخصه: إن فيما مضى جعل المناجاة علة لنهي البزاق في القدام فقط لا في اليمين حيث قال: ((فلا يبصق أمامه فإنه يناجي ربه))، وقال: ((ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكاً))، وأجاب بأنه لا محذور بأن يعلل الشيء الواحد بعلتين منفردتين أو مجتمعتين، لأن العلة الشرعية معرفة، وجاز تعدد المعرفات فعلل نهي البزاق عن اليمين بالمناجاة، وبأن ثم ملكاً، وقال أيضاً عادة المناجي أن يكون في القدام، وأجاب بأن المناجي الشريف قد يكون قداماً وقد يكون يميناً. ٩ - بابُ الإِرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ أي: هذا باب في بيان فضل الإبراد بصلاة الظهر عند شدة الحر، وسنفسر الإبراد في الحديث، وإنما قدم الإبراد بالظهر على باب وقت الظهر للاهتمام به. ٥٣٣/١٢ - ٥٣٤ - حدّثنا أَيُّوبُ بنُ سُلَيْمَانَ قال حدّثنا أَبُو بَكْرٍ عنْ سُلَيْمَانَ قال صَالِحُ بنُ كَيْسَانَ حدّثنا الأعْرَجُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً ونَافِعْ مَوْلَى عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ أنَّهُمَا حدَّثَاهُ عنْ رَسُولِ اللهِ عَ لَّهِ أَنَّهُ قال إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلاةِ فإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَهْحِ جَهَنَّمَ [الحديث ٥٣٣ - طرفه في: ٥٣٦]. ((مطابقته للترجمة من حيث إن المراد بقوله: ((فأبردوا بالصلاة))، هي صلاة الظهر، لأن الإبراد إنما يكون في وقت يشتد الحر فيه، وذلك وقت الظهر، ولهذا صرح بالظهر في حديث أبي سعيد حيث قال: ((أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم))، على ما يأتي في آخر هذا الباب، فالبخاري حمل المطلق على المقيد في هذه الترجمة. ذكر رجاله: وهم ثمانية: الأول: أيوب بن سليمان بن بلال المدني، مات سنة أربع وثلاثين ومائتين. الثاني: أبو بكر، واسمه عبد الحميد بن أبي أويس الأصبحي، توفي سنة ثنتين ومائة. الثالث: سليمان بن بلال والد أيوب المذكور. الرابع: صالح بن كيسان. الخامس: الأعرج وهو: عبد الرحمن بن هرمز. السادس: نافع، مولى ابن عمر. السابع: أبو هريرة. الثامن: عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهما. ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وبصيغة التثنية من الماضي في موضع واحد. وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: أن رواته كلهم مدنيون. وفيه: صحابيان وثلاثة من التابعين وهم صالح بن كيسان فإنه ٢٩ ٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (٩) رأى عبد الله بن عمر، قاله الواقدي، والأعرج ونافع. وفيه: أن أبا بكر من أقران أيوب. قوله: ((وغيره)) أي: وغير الأعرج. الظاهر أنه أبو سلمة بن عبد الرحمن. وروى أبو نعيم هذا الحديث في (المستخرج) من طريق آخر عن أيوب بن سليمان، ولم يقل فيه: وغيره. قوله: ((ونافع)) بالرفع عطف على قوله: الأعرج. ذكر معناه: قوله: ((أنهما حدثاه)) أي: أن أبا هريرة وابن عمر حدثا من (حدَّث) صالح ابن كيسان. ويحتمل أن يعود الضمير في: أنهما، إلى الأعرج ونافع، أي: أن الأعرج ونافعاً حدثاه، أي: صالح بن كيسان عن شيخهما بذلك، ووقع في رواية الإسماعيلي: ((أنهما حدثا))، بغير ضمير، فلا يحتاج إلى التقدير المذكور. قوله: ((إذا اشتد)) من الاشتداد، من باب الافتعال، وأصله: اشتدد، أدغمت الدال الأولى في الثانية. قوله: ((فأبردوا))، بفتح الهمزة من الإبراد. قال الزمخشري في (الفائق): حقيقة الإبراد الدخول في البرد، والباء للتعدية، والمعنى: إدخال الصلاة في البرد، ويقال: معناه افعلوها في وقت البرد، وهو الزمان الذي يتبين فيه شدة انكسار الحر لأن شدته تذهب الخشوع. وقال السفاقسي: أبردوا أي ادخلوا في وقت الإبراد. مثل أظلم دخل في الظلام، وأمسى، دخل في المساء. وقال الخطابي: الإبراد انكسار شدة حر الظهيرة، وذلك أن فتور حرها بالإضافة إلى وهج الهاجرة برد، وليس ذلك بأن يؤخر إلى آخر برد النهار وهو برد العشي، إذ فيه الخروج عن قول الأئمة. قوله: ((بالصلاة))، وفي حديث أبي ذر الذي يأتي بعد هذا الحديث: ((عن الصلاة))، والفرق بينهما أن: الباء، هو الأصل، وأما: عن، ففيه تضمين معنى التأخير، أي: أخروا عنها مبردين. وقيل: هما بمعنى واحد، لأن: عن، تأتي بمعنى: الباء، كما يقال: رميت عن القوس. أي: بالقوس. وقيل: الباء، زائدة، والمعنى: أبردوا بالصلاة. وقوله: ((بالصلاة)) بالباء، وقيل: زائدة، ومعنى: أبردوا أخروا على سبيل التضمين. قلت: قوله: للتعدية، غير صحيح لأنه لا يجمع في تعدية اللازم بين الهمزة والباء، قوله: على سبيل التضمين، أيضاً غير صحيح، لأن معنى التضمين في رواية: الباء، فافهم. وقد ذكرنا أن المراد من الصلاة هي صلاة الظهر. قوله: ((فإن شدة الحر))، الفاء فيه للتعليل، أراد أن علة الأمر بالإبراد هي شدة الحر، واختلف في حكمة هذا التأخير، فقيل: دفع المشقة لكون شدة الحر مما يذهب الخشوع. وقيل: لأنه وقت تسجر فيه جهنم، كما روى مسلم من حديث عمرو بن عبسة، حيث قال له عد له: ((أقصر عن الصلاة عند استواء الشمس فإنها ساعة تسجر فيها جهنم)). انتهى. فهذه الحالة ينتشر فيها العذاب. فإن قلت: الصلاة سبب الرحمة وإقامتها مظنة دفع العذاب، فكيف أمر عَّم بتركها في هذه الحالة؟ قلت: أجيب عنه بجوابين: أحدهما: قاله اليعمري بأن التعليل إذا جاء من جهة الشارع وجب قبوله، وإن لم يفهم معناه. والآخر: من جهة أهل الحكمة، وهو أن هذا الوقت وقت ظهور الغضب فلا ينجع فيه الطلب إلاَّ ممن أذن له، كما في حديث الشفاعة حيث اعتذر الأنبياء كلهم، عليهم السلام، للأمم بذلك سوى النبي عَّه فإنه أذن له في ذلك. ٣٠ ٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (٩) قوله: ((من فيح جهنم))، بفتح الفاء وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره حاء مهملة: وهو سطوع الحر وفورانه. ويقال: بالواو، فوح. وفاحت القدرة تفوح، إذا غلت. وقال ابن سيده: فاح الحر يفيح فيحاً: سطع وهاج. ويقال: هذا خارج مخرج التشبيه والتمثيل أي: كأنه فار جهنم في حرها، ويقال: هو حقيقة، وهو أن نثار وهج الحر في الأرض من فيح جهنم حقيقة، ويقوي هذا حديث: ((اشتكت النار إلى ربها))، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وأما لفظ: جهنم، فقد قال قطرب: زعم يونس أنه اسم أعجمي، وفي (الزاهر) لابن الانباري: قال أكثر النحويين: هي أعجمية لا تجري للتعريف والعجمة. وقال: إنه عربي ولم تجر للتعريف والتأنيث. وفي (المغيث): هي تعريب: كهنام، بالعبرانية. وذكره في (الصحاح) في الرباعي، ثم قال: هو ملحق بالخماسي لتشديد الحرف الثالث. وفي (المحكم): سميت جهنم لبعد قعرها، ولم يقولوا فيها: جهنام، ويقال: بئر جهنام بعيدة القعر، وبه سميت جهنم. وقال أبو عمر: وجهنام اسم وهو: الغليظ البعيد القعر. ذكر ما يستنبط منه: وهو على وجوه: الأول: أن فيه الأمر بالإبراد في صلاة الظهر واختلفوا في كيفية هذا الأمر، فحكى القاضي عياض وغيره: أن بعضهم ذهب إلى أن الأمر فيه للوجوب. وقال الكرماني: فإن قلت: ظاهر الأمر للوجوب فَلِمَ قلت للاستحباب؟ قلت: للإجماع على عدمه. وقال بعضهم: وغفل الكرماني فنقل الإجماع على عدم الوجوب قلت: لا يقال: إنه غفل، بل الذين نقل عنهم فيه الإجماع، كأنهم لم يعتبروا كلام من ادعى الوجوب فصار كالعدم. وأجمعوا على أن الأمر للاستحباب فإن قلت: ما القرينة الصارفة عن الوجوب وظاهر الكلام يقتضيه؟ قلت: لما كانت العلة فيه دفع المشقة عن المصلي لشدة الحر، وكان ذلك للشفقة عليه فصار من باب النفع له، فلو كان للوجوب يصير عليه ويعود الأمر على موضوعه بالنقض، وفي (التوضيح): اختلف الفقهاء في الإبراد بالصلاة، فمنهم من لم يره وتأويل الحديث على إيقاعها في برد الوقت وهو أوله، والجمهور من الصحابة والتابعين وغيرهم على القول به، ثم اختلفوا. فقيل: إنه عزيمة. وقيل: واجب تعويلاً على صيغة الأمر. وقيل: رخصة، ونص عليه في البويطي وصححه الشيخ أبو علي من الشافعية. وأغرب النووي فوصفه في (الروضة): بالشذوذ، لكنه لم يحكه قولاً، وبنوا على ذلك أن من صلى في بيته أو مشى في كن إلى المسجد هل يسن له الإبراد؟ إن قلنا: رخصة، لم يسن له، إذ لا مشقة عليه في التعجيل، وإن قلنا: سنة أبرد وهو الأقرب لورود الأثر به مع ما اقترن به من العلة من أن شدة الحر من فيح جهنم. وقال صاحب (الهداية) من أصحابنا: يستحب الإبراد بالظهر في أيام الصيف، ويستحب تقديمه في أول الشتاء. فإن قلت: يعارض حديث الإبراد حديث إمامة جبريل، عليه الصلاة والسلام، لأن إمامته في العصر في اليوم الأول فيما إذا صار ظل كل شيء مثله، فدل ذلك على خروج وقت الظهر، وحديث الإبراد دل على عدم خروج وقت الظهر، لأن امتداد الحر في ديارهم في ذلك الوقت. قلت: الآثار إذا تعارضت لا ينقضي الوقت الثابت بيقين الشك، وما لم يكن ٣١ ٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (٩) ثابتاً بيقين هو وقت العصر، لا يثبت بالشك. فإن قلت: هل في الإبراد تحديد؟ قلت: روى أبو داود والنسائي والحاكم من حديث ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه: كان قدر صلاة رسول الله عَّ الظهر في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام، وفي الشتاء خمسة أقدام إلى سبعة أقدام، فهذا يدل على التحديد. اعلم أن هذا الأمر مختلف في الأقاليم والبلدان ولا يستوى في جميع المدن والأمصار، وذلك لأن العلة في طول الظل وقصره هو زيادة ارتفاع الشمس في السماء وانحطاطها، فكلما كانت أعلى وإلى محاذاة الرؤوس في مجراها أقرب كان الظل أقصر، وكلما كانت أخفض ومن محاذاة الرؤوس أبعد كان الظل أطول، ولذلك ظلال الشتاء تراها أبداً أطول من ظلال الصيف في كل مكان، وكانت صلاة رسول الله عَ لَّه بمكة والمدينة وهما من الإقليم الثاني ثلاثة أقدام، ويذكرون أن الظل فيهما في أول الصيف في شهر آذار ثلاثة أقدام وشيء، ويشبه أن تكون صلاته إذا اشتد الحر متأخرة عن الوقت المعهود قبله، فيكون الظل عند ذلك خمسة أقدام. وأما الظل في الشتاء فإنهم يذكرون أنه في تشرين الأول خمسة أقدام وشيء، وفي الكانون سبعة أقدام أو سبعة وشيء، فقول ابن مسعود منزل على هذا التقدير في ذلك الإقليم دون سائر الأقاليم والبلدان التي هي خارجة عن الإقليم الثاني. وفي (التوضيح): اختلف في مقدار وقته، فقيل: أن يؤخر الصلاة عن أول الوقت مقدار ما يظهر للحيطان ظل، وظاهر النص أن المعتبر أن ينصرف منها قبل آخر الوقت، ويؤيده حديث أبي ذر: ((حتى رأينا فيء التلول))، وقال مالك: إنه يؤخر الظهر إلى أن يصير الفيء ذراعاً، وسواء في ذلك الصيف والشتاء. وقال أشهب في (مدونته): لا يؤخر الظهر إلى آخر وقتها. وقال ابن بزيزة: ذكر أهل النقل عن مالك أنه كره أن يصلي الظهر في أول الوقت، وكان يقول: هي صلاة الخوارج وأهل الأهواء، وأجاز ابن عبد الحكم التأخير إلى آخر الوقت، وحكى أبو الفرج عن مالك: أول الوقت أفضل في كل صلاة إلّ الظهر في شدة الحر، وعن أبي حنيفة والكوفيين وأحمد وإسحاق يؤخرها حتى يبرد الحر. الوجه الثاني: أن بعض الناس استدلوا بقوله: ((فأبردوا بالصلاة))، على أن الإبراد يشرع في يوم الجمعة أيضاً، لأن لفظ: الصلاة، يطلق على الظهر والجمعة، والتعليل مستمر فيها. وفي (التوضيح) اختلف في الإبراد بالجمعة على وجهين لأصحابنا أصحهما عند جمهورهم: لا يشرع، وهو مشهور مذهب مالك أيضاً، فإن التبكير سنة فيها، انتهى. قلت: مذهبنا أيضاً التبكير يوم الجمعة لما ثبت في (الصحيح) أنهم كانوا يرجعون من صلاة الجمعة وليس للحيطان ظل يستظلون به من شدة التبكير لها أول الوقت، فدل على عدم الإبراد. والمراد بالصلاة في الحديث: الظهر، كما ذكرنا، فعلى هذا لا يبرد بالعصر إذا اشتد الحر فيه. وقال ابن بزيزة: إذا اشتد الحر في العصر هل يبرد بها أم لا؟ المشهور نفي الإبراد بها، وتفرد أشهب بإبراده، وقال أيضاً: وهل يبرد الفذ أم لا؟ والظاهر أن الإبراد مخصوص بالجماعة؛ وهل يبرد في زمن الشتاء أم لا؟ نفيه قولان، والظاهر نفيه. وهل يبرد بالجمعة أم لا؟ المشهور نفيه. ٣٢ ٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (٩) الوجه الثالث: فيه دليل على وجود جهنم الآن. ٥٣٥/١٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قال حدّثنا غُنْدَرٌ قال حدّثنا شُعْبَةُ عَنِ المُهَاجِرِ أبي الحَسَنِ سَمِعَ زَيْدَ بنَ وَهَبٍ عنْ أَبِي ذَرِّ قال أَذِّنَ مُؤَذِّنُ النبيِّ عَ لِّ الظُّهْرَ فقالَ أَبْرِدْ أَبْرِذْ أوْ قال انْتَظِرْ انْتَظِرْ وقال شِدَّة الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فإذَ اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا عنِ الصَّلاَةِ حَتى رَّأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ. [الحديث ٥٣٥ - أطرافه في: ٥٣٩، ٦٢٩، ٣٢٥٨]. مطابقته للترجمة ظاهرة. ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: محمد بن بشار الملقب ببندار، وقد تكرر ذكره. الثاني: غندر، وهو لقب محمد بن جعفر، ابن امرأة شعبة، وقد تقدم. الثالث: شعبة بن الحجاج. الرابع: المهاجر، بلفظ اسم الفاعل من باب المفاعلة، ويكنى بأبي الحسن. الخامس: زيد بن وهب أبو سليمان الهمداني الجهني. قال: رحلت إلى رسول الله عَّ﴾ فقبض وأنا في الطريق، مات زمن الحجاج. السادس: أبو ذر الغفاري الصحابي المشهور، واسمه: جندب بن جنادة على المشهور. ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: السماع. وفيه: أن رواته ما بين بصري وكوفي. وفيه: ذكر أحد الرواة بلقبه والآخر بكنيته وهو المهاجر. فإن كنيته أبو الحسن ذكرت للتمييز، فإن في الرواة المهاجرين مسمار المدني من أفراد مسلم، والألف واللام فيه للمح الصفة، كما في: العباس، فإنه في الأصل صفة ولكنه صار علماً. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الصلاة عن آدم وعن مسلم بن إبراهيم، وفي صفة النار عن أبي الوليد، كلهم عن شعبة عن مهاجر أبي الحسن، وأخرجه مسلم في الصلاة عن أبي موسى عن غندر به. وأخرجه أبو داود فيه عن أبي الوليد به. وأخرجه الترمذي فيه عن محمود بن غيلان عن أبي داود عن شعبة بمعناه. ذكر معناه: قوله: ((أُذن مؤذن النبي عٍَّ)) هو: بلال، رضي الله تعالى عنه، لأنه جاء في بعض طرفه: أذن بلال، أخرجه أبو عوانة. وفي أخرى له: ((فأراد أن يؤذن فقال: مه يا بلال)). قوله: ((الظهر)) بالنصب، أي: وقت الظهر، ولما حذف المضاف المنصوب على الظرفية أقيم المضاف إليه مقامه. قوله: ((فقال: أبرد أبرد)) يعني مرتين، وفي لفظ أبي داود: ((فأراد المؤذن أن يؤذن الظهر، فقال: أبرد ثم أبرد، ثم أراد أن يؤذن فقال: أبرد، مرتين أو ثلاثاً). قوله: ((عن الصلاة))، قد ذكرنا وجه: عن، هنا في الحديث السابق، قوله: ((حتى رأينا فيء التلول))، التلول جمع: تل. قال ابن سيده: من التراب معروف، والتل من الرمل: كومة منه، وكلاهما من التل الذي هو القاذي جثة، والتل الرابية. وفي (الجامع) للقزاز: التل من التراب وهي الرابية منه تكون مكدوساً وليس بحلقة، والفيء فيما ذكره ثعلب في (الفصيح) يكون بالعشي، كما أن الظل يكون بالغداة، وأنشد: ٣٣ ٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (٩) ولا الفيء من برد العشي تذوق فلا الظل من برد الضحى تستطيعه قال: وقال أبو عبيدة: قال رؤبة بن العجاج: كل ما كانت عليه الشمس فزالت فهو فيء وظل، وما لم يكن عليه شمس فهو ظل. وعن ابن الأعرابي: الظل ما نسخته الشمس، والفيء ما نسخ الشمس. وقال القزاز: الفيء رجوع الظل من جانب المشرق إلى جانب المغرب. وفي (المخصص) و: الجمع أفياء وفيوء، وقد فاء الفيء فيئاً: تحول، وهو ما كان شمساً، فنسخه الظل. وقيل: الفيء لا يكون إلاّ بعد الزوال، وأما الظل فيطلق على ما قبل الزوال، وأما بعده، وروى فيه: في، بتشديد الياء. واعلم أن كلمة: حتى، للغاية، ولا بد لها من المغيا وهو متعلق: بقال، أي: كان يقول إلى زمان الرؤية أبرد مرة بعد أخرى، أو هو متعلق بالإبراد، أي: أبرد إلى أن ترى الفيء وانتظر إليه، ويجوز أن يكون متعلقاً بمقدر محذوف تقديره: أخرنا حتى رأينا فيء التلول. ذكر ما يستفاد منه فيه: دلالة على أن الأمر بالإبراد كان بعد التأذين، ولكن في لفظ آخر للبخاري: ((فأراد أن يؤذن للظهر)). وظاهر هذا الأمر بالإبراد وقع قبل الأذان. وقال بعضهم: يجمع بينهما على أنه شرع في الأذان، فقيل له: أبرد، فترك. فمعنى: أذن، شرع في الأذان، ومعنى: أراد أن يؤذن، أي: يتم به الأذان. قلت: هذا غير سديد لأنه لا يؤمر بتركه بعد الشروع، ولكن معناه: أراد أن يشرع في الأذان، فقيل له: أبرد، فترك الشروع. والدليل عليه لفظ أبو عوانة: فأراد أن يؤذن، فقال: مه يا بلال. كما ذكرناه، ومعناه: اسكت لا تشرع في الأذان، والأقرب في هذا أن يحمل اللفظان على حالتين فلا يحتاج إلى ذكر الجمع بينهما. ٥٣٦/١٤ _ حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قال حدّثنا سُفْيَانُ قال حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ بِنِ المُسَيَّبِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عن النبيِّ عَِّ قال إذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلاَةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ [انظر الحديث ٥٣٣]. ٥٣٧ _ واشْتَكَتِ النَّارُ إلَى رَبِّهَا فقالَتْ يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضاً فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ في الشِّتَاءِ ونَفَسٍ فِي الصَّيْفِ فَهْوَ أَشَدُّ ما تَجِدُونَ مِنَ الحَرِّ وأشَدُّ ما تَجِدُونَ مِنَ الزّمْهَرِيرِ. [الحديث ٥٣٧ - طرفه في: ٣٢٦٠]. مطابقته للترجمة ظاهرة. ذكر رجاله: وهم خمسة ذكروا غير مرة، وسفيان هو ابن عيينة، والزهري محمد بن مسلم بن شهاب. ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: القول والحفظ، وفي رواية الإسماعيلي: حدّثنا الزهري، ورواية البخاري أبلغ لأن حفظ الحديث عن شيخ فوق مجرد سماعه منه. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. ذكر من أخرجه غيره: أخرجه النسائي في الصلاة أيضاً عن قتيبة، وعن محمد بن عبد الله، كلاهما عن علي بن المديني. عمدة القاري / ج٥ / م٣ ٣٤ ٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (٩) ذكر معناه وإعرابه: قوله: ((اشتكت النار))، قيل: إنه موقوف، وقيل: إنه معلق، وهو غير صحيح بل هو داخل في الإسناد المذكور، والدليل عليه أن في رواية الإسماعيلي، قال: ((واشتكت النار))، أي: قال النبي عَّ له: اشتكت النار، وشكوى النار إلى ربها يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون بطريق الحقيقة، وإليه ذهب عياض. وقال عياض: وقال القرطبي: لا إحالة في حمل اللفظ على الحقيقة لأن المخبر الصادق بأمر جائز لا يحتاج إلى تأويله فحمله على حقيقته أولى، وقال النووي، نحو ذلك، ثم قال: حمله على حقيقته هو الصواب، وقال نحو ذلك الشيخ التوربشتي. قلت: قدرة الله تعالى أعظم من ذلك، لأنه يخلق فيها آلة الكلام، كما خلق لهدهد سليمان ما خلق من العلم والإدراك، كما أخبر الله تعالى عن ذلك في كتابه الكريم وحكى عن النار حيث تقول: ﴿هل من مزيد﴾ [ق: ٣٠]. وورد أن الجنة إذا سألها عبد أمنت على دعائه، وكذا النار. وقال ابن المنير: حمله على الحقيقة هو المختار الصلاحية القدرة لذلك، ولأن استعارة الكلام للحال، وإن عهدت وسمعت، لكن الشكوى وتفسيرها والتعليل له والإذن والقبول والتنفس وقصره على اثنين فقط بعيد من المجاز، خارج عما ألف من استعماله. وقال الداودي: وهو يدل على أن النار تفهم وتعقل، وقد جاء أنه ليس شيء أسمع من الجنة والنار، وقد ورد أن النار تخاطب سيدنا محمداً رسول الله عطلته، وتخاطب المؤمن بقولها: ((جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي)). والوجه الثاني: أن يكون بلسان الحال، كما قال عنترة: مهلاً رويداً فكلانا مبتلى يشكو إلى جملي طول السرى ورجح البيضاوي حمله على المجاز، فقال: شكوها مجاز عن غليانها، وأكلها بعضها بعضا مجاز عن ازدحام أجزائها، وتنفسها مجاز عن خروج ما يبرز منها. قوله: ((بنفسین)، تثنية: نفس، بفتح الفاء، وهو ما يخرج من الجوف ويدخل فيه من الهواء. قوله: ((نفس)) في الموضعين بالجر على البدل أو البيان، ويجوز فيهما الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: أحدهما نفس في الشتاء والآخر نفس في الصيف، ويجوز فيهما النصب على تقدير: أعني نفساً في الشتاء ونفساً في الصيف. قوله: ((أشد ما تجدون))، بجر أشد على أنه بدل من، نفس، أو بيان، ويروى بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو أشد ما تجدون. وقال البيضاوي: هو خبر مبتدأ محذوف تقديره: فذلك أشد. وقال الطيبي: جعل أشد، مبتدأ محذوف الخبر أولى، والتقدير: أشد ما تجدون من الحر من ذلك النفس. انتهى. ويؤيد الوجه الأول رواية الإسماعيلي من هذا الوجه بلفظ: فهو أشد، ويؤيد الوجه الثاني رواية النسائي من وجه آخر بلفظ: ((فأشد ما تجدون من الحر من حر جهنم))، وفي اللفظ الذي رواه البخاري لف ونشر على غير الترتيب، ولا مانع من حصول الزمهرير من نفس النار، لأن المراد من النار محلها وهو جهنم، وفيها طبقة زمهريرية، ويقال: لا منافاة في الجمع بين الحر والبرد في النار لأن النار عبارة عن جهنم، وقد ورد أن في بعض زواياها ناراً، وفي الأخرى الزمهرير، وليس محلاً واحداً يستحيل أن يجتمعا فيه. قلت: الذي خلق الملك من ثلج ونار ٣٥ ٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (٩) قادر على جمع الضدين في محل واحد، وأيضاً فالنار من أمور الآخرة، وأمور الآخرة لا تقاس على أمور الدنيا. وفي (التوضيح) قال ابن عباس: خلق الله النار على أربعة: فنار تأكل وتشرب، ونار لا تأكل ولا تشرب، ونار تشرب ولا تأكل، وعكسه. فالأولى: التي خلقت منها الملائكة. والثانية: التي في الحجارة، وقيل: التي رؤيت لموسى، عليه السلام، ليلة المناجاة. والثالثة: التي في البحر، وقيل: التي خلقت منها الشمس، والرابعة: نار الدنيا ونار جهنم تأكل لحومهم وعظامهم، ولا تشرب دموعهم ولا دماءهم، بل يسيل ذلك إلى طين الخبال. وأخبر الشارع أن عصارة أهل النار شراب من مات مصراً على شرب الخمر، والذي في الصحيح أن نار الدنيا خلقت من نار جهنم. وقال ابن عباس: ضربت بالماء سبعين مرة، ولولا ذلك ما انتفع بها الخلائق، وإنما خلقها الله تعالى لأنها من تمام الأمور الدنيوية، وفيها تذكرة لنار الآخرة وتخويف من عذابها. ذكر ما يستفاد منه فيه: استحباب الإبراد بالظهر عند اشتداد الحر في الصيف. وفيه: أن جهنم مخلوقة الآن خلافاً لمن يقول من المعتزلة: إنها تخلق يوم القيامة. وفيه: أن الشكوى تتصور من جماد ومن حيوان أيضاً، كما جاء في معجزات النبي عَ ◌ّ شكوى الجذع وشكوى الجمل على ما عرف في موضعه. وفيه: أن المراد من قوله: «فأبردوا بالصلاة)» هو: صلاة الظهر، كما ذكرناه. ٥٣٨/١٥ _ حدّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ قال حدّثنا أبي قال حدّثنا الأعْمَش قال حدّثنا أَبُو صَالِحِ عنْ أَبِي سَعِيدٍ قال قال رسول الله عَّهِ أبْرِدُوا بِالظَّهْرِ فإنَّ شِدَّةَ الحَرِّ منْ فَيْحِ جَهَنَّمَ. [الحديث ٥٣٨ - طرفه في: ٣٢٥٩]. مطابقته للترجمة ظاهرة، ورجاله قد تقدموا غير مرة، والأعمش هو سليمان بن مهران وأبو صالح ذكوان. ومن لطائف إسناده أن فيه: التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع، والعنعنة في موضع. وفيه: القول. وفيه: رواية الابن عن الآب. واختلف العلماء في الجمع بين هذه الأحاديث المذكورة، وبين حديث خباب ((شكونا إلى النبي عَ لّه حر الرمضاء فلم يشكنا))، رواه مسلم؛ فقال بعضهم: الإبراد رخصة والتقديم أفضل، وقال بعضهم: حديث خباب منسوخ بالإبراد، وإلى هذا مال أبو بكر الأثرم في كتاب (الناسخ والمنسوخ) وأبو جعفر الطحاوي، وقال: وجدنا ذلك في حديثين أحدهما حديث المغيرة: ((كنا نصلي بالهاجرة فقال لنا عَّ أبردوا)). فتبين بها أن الإبراد كان بعد التهجير، وحديث أنس، رضي الله تعالى عنه، إذا كان البرد بكروا، وإذا كان الحر أبردوا. وحمل بعضهم حديث خباب على أنهم طلبوا تأخيراً زائداً على قدر الإبراد. وقال أبو عمر في قول خباب: فلم يشكنا، يعني: لم يحوجنا إلى الشكوى، وقيل: لم يزل شكوانا، ويقال: حديث خباب كان بمكة، وحديث الإبراد بالمدينة، فإن فيه من رواية أبي هريرة. وقال ٣٦ ٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١٠) الخلال في (علله) عن أحمد: آخر الأمرين من النبي عَِّ الإبراد. تابَعَهُ سُفْيَانُ وَيَخْتَى وَأَبُو عَوَانَةً عنِ الأَعْمَشِ أي: تابع حفص بن غياث والد عمر المذكور سفيان الثوري، وقد وصله البخاري في صفة الصلاة عن الفريابي عن سفيان بن سعيد. قوله: ((ويحيى))، أي: تابع حفصاً أيضاً يحيى ابن سعيد القطان، وقد وصله أحمد في (مسنده) عنه بلفظ: الصلاة، ورواه الإسماعيلي عن أبي يعلى عن المقدمي عن يحيى بلفظ: بالظهر، وروى الخلال عن الميموني عن أحمد عن يحيى ولفظه: ((فوح جهنم)). وقال أحمد: ما أعرف أن أحداً قال: بالواو، غير الأعمش. قوله: ((وأبو عوانة)) أي: تابع حفصاً أيضاً أبو عوانة الوضاح ابن عبد الله، وأراد بمتابعة سفيان الثوري ويحيى القطان وأبي عوانة لحفص بن غياث في روايتهم عن الأعمش في لفظ: ((أبردوا بالظهر». ١٠ - بابُ الإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي السَفَرِ أي: هذا باب في بيان الإبراد بصلاة الظهر في حالة السفر، وأشار بهذا إلى أن الإبراد بالظهر لا يختص بالحضر. ٥٣٩/١٦ _ حدّثنا آدَمُ بنُ أبي إياسٍ قال حدّثنا شُعْبَةُ قال حدّثنا مُهاجرٌ أَبُو الحَسَنِ مَولى لِبَنِي تَيْمِ الله قال سَمِعْتُ زَيْدَ بنَ وَهَبٍ عنْ أَبِي ذَرّ الغِفَارِيِّ قال كُنَّ مَعَ النبيِّ عَلّه فِي سَفَرٍ فَأرَادَ المُؤْذِّنُ أنْ يُؤَذِّنَ لِلظُّهْرِ فقال النبيُّ عَلَّهِ أَبْرِذْ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فقالَ لَهُ أَبْرِدْ حِثَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ فقال النبيُّ عَ لّ إنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فإذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا بالصَّلاةِ. [انظر الحديث ٥٣٥ وطرفيه]. هذا الحديث مضى في الباب الذي قبله، غير أن هناك أخرجه عن محمد بن بشار عن غندر عن شعبة، وههنا عن آدم بن أبي إياس، وهو من أفراد البخاري عن شعبة بن الحجاج، وفي هذا من الزيادة ما ليست هناك فاعتبرها، وهذا مقيد بالسفر، وذلك مطلق. وأشار بذلك إلى أن المطلق محمول على المقيد لأن المراد من الإبراد التسهيل ودفع المشقة، فلا تفاوت بين السفر والحضر. قوله: ((فأراد المؤذن)) وهو: بلال، وفي رواية أبي بكر بن أبي شيبة عن شبابة، ومسدد عن أمية بن خالد، والترمذي من طريق أبي داود الطيالسي، وأبو عوانة من طريق حفص بن عمر ووهب بن جرير، والطحاوي والجوزقي من طريق وهب أيضاً، كلهم عن شعبة التصريح بأنه بلال. قوله: ((ثم أراد أن يؤذن فقال له: أبرد)) وفي رواية أبي داود عن أبي الوليد عن شعبة، ((مرتين أو ثلاثاً)) وفي رواية البخاري عن مسلم بن إبراهيم في باب الأذان للمسافرين في هذا الحديث: ((فأراد المؤذن أن يؤذن فقال له: أبرد، ثم أراد أن يؤذن فقال له: أبرد، ثم أراد أن يؤذن فقال له: أبرد، حتى ساوى الظل التلول)). وقال الكرماني: فإن قلت: الإبراد إنما هو في الصلاة لا في الأذان؟ قلت: كانت عادتهم ٣٧ ٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١٠) أنهم لا يتخلفون عند سماع الأذان عن الحضور إلى الجماعة، فالإبراد بالأذان إنما هو لغرض الإبراد بالصلاة، أو المراد بالتأذين الإقامة. قلت: يشهد للجواب الثاني رواية الترمذي حيث قال: ((حدّثنا محمود بن غيلان، قال: حدّثنا أبو داود، قال: أنبأنا شعبة عن مهاجر أبي الحسن عن زيد بن وهب عن أبي ذر أن رسول الله عٍَّ كان في سفر، ومعه بلال، فأراد أن يقيم فقال رسول الله عَّلهُ: أبرد، ثم أراد أن يقيم فقال رسول الله عَّهُ: أبرد في الظهر، قال: حتى رأينا فيء التلول، ثم أقام فصلى. فقال رسول الله عَّ له: إن شدة الحر من فيح جهنم فأبردوا عن الصلاة)). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. فإن قلت: في (صحيح أبي عوانة) من طريق حفص بن عمر عن شعبة: ((فأراد بلال أن يؤذن بالظهر))، وفيه بعد. قوله: (فيء التلول ثم أمره فأذن وأقام)). قلت: التوفيق بينهما بأن إقامته ما كانت تتخلف عن الأذان، فرواية الترمذي: ((فأراد أن يقيم))، يعني: بعد الأذان، ورواية أبي عوانة: ((فأراد بلال أن يؤذن))، يعني: أن يؤذن ثم يقيم. وقال الترمذي في (جامعه) وقد اختار قوم من أهل العلم تأخير صلاة الظهر في شدة الحر، وهو قول ابن المبارك وأحمد وإسحاق، وقال الشافعي: إنما الإبراد بصلاة الظهر إذا كان مسجداً ينتاب أهله من البعد، فأما المصلي وحده، والذي يصلي في مسجد قومه، فالذي أحب له أن لا يؤخر الصلاة في شدة الحر. قال أبو عيسى ومعن، من ذهب إلى تأخير الظهر في شدة الحر فهو أولى وأشبه بالاتباع، وأما ما ذهب إليه الشافعي أن الرخصة لمن ينتاب من البعد وللمشقة على الناس فإن في حديث أبي ذر ما يدل على خلاف ما قاله الشافعي. قال أبو ذر: ((كنا مع رسول الله عَ ليه في سفر فأذن بلال بصلاة الظهر، فقال النبي عَّ: يا بلال أبرد ثم أبرد)» فلو كان الأمر على ما ذهب إليه الشافعي لم يكن للإبراد في ذلك الوقت معنى لاجتماعهم في السفر، فكانوا لا يحتاجون أن ينتابوا من البعد، وقال الكرماني: أقول: لا نسلم اجتماعهم لأن العادة في القوافل سيما في العساكر الكثيرة تفرقهم في أطراف المنزل لمصالح مع التخفيف على الأصحاب، وطلب المرعى وغيره، خصوصاً إذا كان فيه سلطان جليل القدر فإنهم يتباعدون عنه احتراماً وتعظيماً له. قلت: هذا ليس برد موجه لكلام الترمذي فإن كلامه على الغالب، والغالب في المسافرين اجتماعهم في موضع واحد لأن السفر مظنة الخوف، سيما إذا كان عسكر خرجوا لأجل الحرب مع الأعداء. وقال بعضهم، عقيب كلام الكرماني: وأيضاً فلم تجر عادتهم باتخاذ خباء كبير يجمعهم، بل كانوا يتفرقون في ظلال الشجر، ليس هناك كن يمشون فيه، فليس في سياق الحديث ما يخالف ما قاله الشافعي، وغايته أنه استنبط من النص العام معنى يخصه. انتهى. قلت: هذا أكثر بعداً من كلام الكرماني لأن فيه إسقاط العمل بعموم النصوص الواردة في الإبراد بالظهر بأشياء ملفقة من الخارج. وقوله: فليس في سياق الحديث ... إلى آخره، غير صحيح، لأن الخلاف لظاهر الحديث صريح لا يخفى، لأن ظاهره عام، والتقييد بالمسجد الذي ينتاب أهله من البعد خلاف ظاهر الحديث، والاستنباط من النص العام معنى يخصصه لا يجوز عند الأكثرين، ولئن سلمنا فلا بد من دليل للتخصيص، ولا دليل لذلك. ههنا. ٣٨ ٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١١) وقال ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما تَتَفَيَأْ تَتَمَيَّلُ : أي: قال ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿يتفيأ ظلاله﴾ [النحل: ٤٨]. أن معناه: يتميل، كأنه أراد أن الفيء سمي به لأنه ظل مال إلى جهة غير الجهة الأولى. وقال الجوهري: تفيأت الظلال، أي: تقلبت، ويتفيأ، بالياء آخر الحروف أي، وفاعله محذوف تقديره: يتفيأ الظل، ويروى تتفيأ: بالتاء، المثناة من فوق أي: الظلال. ومناسبة ذكر هذا عن ابن عباس لأجل ما في حديث الباب: ((حتى رأينا فيء التلول))، وهذا تعليق وقع في رواية المستملي وكريمة، وقد وصله ابن أبي حاتم في تفسيره. ١١ - بابٌ وَقْتُ الظهْرِ عِنْدَ الزَّوَال أي: هذا باب، ويجوز في: باب، التنوين على أنه خبر مبتدأ محذوف، كما قدرناه. ويجوز أن يكون بالإضافة والتقدير: هذا باب يذكر فيه أن وقت الظهر، أي: ابتداؤه عند زوال الشمس عن كبد السماء وميلها إلى جهة المغرب. وقال جابرٌ كانَ النبيُّ عَّهِ يُصَلِّي بِالْهَاجِرَةِ هذا التعليق طرف من حديث جابر ذكره البخاري موصولاً في باب وقت المغرب، رواه عن محمد بن بشار، وفيه: ((فسألنا جابر بن عبد الله فقال: كان رسول الله عَ لّه يصلي الظهر بالهاجرة)) والهاجرة: نصف النهار عند اشتداد الحر، ولا يعارض هذا حديث الإبراد لأنه ثبت بالفعل، وحديث الإبراد بالفعل، والقول، فيرجح على ذلك. وقيل: إنه منسوخ بحديث الإبراد لأنه متأخر عنه. وقال البيضاوي: الإبراد تأخير الظهر أدنى تأخير بحيث يقع الظل، ولا يخرج بذلك عن حد التهجير، فإن الهاجرة تطلق على الوقت إلى أن يقرب العصر. قلت: بأدنى التأخير لا يحصل الإبراد، ولم يقل أحد: إن الهاجرة تمتد إلى قرب العصر. ٥٤٠/١٧ - حدّثنا أبُو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قال أخبرني أنَسُ بنُ مَالِكِ أنَّ رسولَ الله عَُّلَّ خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ فَصَلَّى الظُّهْرَ فَقَامَ عَلَى الِمِنْبَرِ فَذَكَرَ السَّاعَةَ فَذَكَرَ أنَّ فِيهَا أُمُوراً عِظَاماً ثُمَّ قال مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَ عنْ شَيْءٍ فَلْيَسْأَلْ فَلاَ تَسْأَلُونِي عنْ شَيْءٍ إِلاَّ أَخْبَرْتُكُمْ ما دُمْتُ فِي مَقَامِي هَذَا فَأَكْثَرَ النَّاسُ فِي البُكَاءِ وَأكْثَرَ أَنْ يَقُولَ سَلُونِي فَقَامَ عَبْدُ اللهِ بنُّ ◌ُذَافَةَ السَّهْمِيُّ فقال مَنْ أبي قال أَبُوكَ حُذافةٌ ثُمَّ أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ سَلُونِي فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكْبَيْهِ فقالَ رَضِينَا بِاللهِ رَبًّ وبِالإِسْلاَمِ دِيناً وبِمُحَمَّدٍ نَبِيّاً فَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ عُرِضَتْ عَلَيَّ الجَنَّةُ والنَّارُ آنِفاً فِي عُرْضِ هَذَا الحَائِطَ فَلَمْ أَرَ كَالْخَيْرِ والشَّرِّ. [انظر الحديث ٩٣ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((خرج حين زاغت الشمس فصلى الظهر))، وهذا الإسناد بعينه مضى في كتاب العلم في باب من برك على ركبتيه عند الإمام أو المحدث، ومتن الحديث أيضاً مختصراً، والزيادة هنا من قوله: ((خرج حين زاغت الشمس)) إلى قوله: ((فقام ٣٩ ٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١١) عبد الله بن حذافة)) وكذا قوله: ((ثم عرضت)) إلى آخره. قوله: ((حين زاغت)) أي: حين مالت، وفي رواية الترمذي بلفظ زالت، وهذا يقتضي أن زوال الشمس أول وقت الظهر، إذا لم ينقل عنه أنه صلى قبله، وهذا هو الذي استقر عليه الإجماع. وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن وقت الظهر زوال الشمس، وذكر ابن بطال عن الكرخي عن أبي حنيفة: أن الصلاة في أول الوقت تقع نفلاً، قال: والفقهاء بأسرهم على خلاف قوله. قلت: ذكر أصحابنا أن هذا قول ضعيف نقل عن بعض أصحابنا، وليس منقولاً عن أبي حنيفة أن الصلاة في أول الوقت تقع نفلاً، والصحيح عندنا أن الصلاة تجب بأول الوقت وجوباً موسعاً. وذكر القاضي عبد الوهاب في الكتاب (الفاخر)، فيما ذكره ابن بطال وغيره عن بعض الناس: يجوز أن يفتح الظهر قبل الزوال، وقال شمس الأئمة في (المبسوط): لا خلاف أن أول وقت الظهر يدخل بزوال الشمس إلاَّ شيء نقل عن بعض الناس أنه يدخل إذا صار الفيء بقدر الشراك، وصلاة النبي عَِّ حين زاغت الشمس دليل على أن ذلك من وقتها. قوله: ((فليسأل)) أي: فليسألني عنه. قوله: ((فلا تسألوني))، بلفظ النفي، وحذف نون الوقاية منه جائز. قوله: ((إلاَّ أخبرتكم)) أي: إلاَّ أخبركم، فاستعمل الماضي موضع المستقبل إشارة إلى تحققه، وأنه كالواقع. وقال المهلب: إنما خطب النبي معَّه، بعد الصلاة، وقال هو: سلوني، لأنه بلغه أن قوماً من المنافقين يسألون منه ويعجزونه عن بعض ما يسألونه، فتغيظ وقال: لا تسألوني عن شيء إلاّ أخبرتكم به. قوله: ((فأكثر الناس في البكاء)) إنما كان بكاؤهم خوفاً من نزول عذاب لغضبه، عَِّ، كما كان ينزل على الأمم عند ردهم على أنبيائهم، عليهم الصلاة والسلام، والبكاء يمد ويقصر، إذا مددت أردت الصوت الذي يكون مع البكاء، وإذا قصرت أردت الدموع وخروجها. قوله: ((وأكثر أن يقول)) كلمة: أن، مصدرية تقديره: وأكثر النبي، عَ له، القول بقوله: سلوني، وأصله: اسألوني، فنقلت حركة الهمزة إلى السين، فحذفت واستغني عن همزة الوصل، فقيل: سلوني، على وزن: فلوني. قوله: ((فقام عبد الله بن حذافة))، قال الواقدي: إن عبد الله بن حذافة كان يطعن في نسبه، فأراد أن يبين له ذلك، فقالت أمه: أما خشيت أن أكون قارفت بعض ما كان يصنع في الجاهلية، أكنت فاضحي عند رسول الله، عَ لَّه؟ فقال: والله لو ألحقني بعبد للحقت به. قوله: ((آنفاً))، أي: في أول وقت يقرب مني، ومعناه هنا: الآن، وانتصابه على الظرفية لأنه يتضمن معنى الظرف. قوله: ((في عرض هذا الحائط))، بضم العين المهملة، يقال: عرض الشيء، بالضم: ناحيته من أي وجه جئته. قوله: ((فلم أر كالخير)) أي: ما أبصرت قط مثل هذا الخير الذي هو الجنة، وهذا الشر الذي هو النار. أو: ما أبصرت شيئاً مثل الطاعة والمعصية في سبب دخول الجنة والنار. ٥٤١/١٨ - حدّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قال حدّثنا شعْبَةُ عنْ أبي المِنْهَالِ عَنْ أبي بَرْزَةً كان النبيُّ عَّهِ يُصَلِّي الصُّبْحَ وَأَحَدُنَا يَعْرِفُ جِلِيسَهُ وَيَقْرَأْ فِيهَا ما بَيْنَ السِِّّينَ إلى المائَةِ وكان يُصَلِّي الظهْرَ إذَا زَالَتِ الشَّمْسُ وَالعَصْرَ وَأَحَدُنا يَذْهَبُ إلَى أَقْصَى المَدِينَةِ رَجَعَ والشَّمْسُ حَيَّةٌ ونَسِيتُ ما قال فِي المَغْرِبِ ولاَ يُبَالِي بِتَأْخِيرِ العِشَاءِ إلَى ثُلِثِ اللَّيْلِ ثُمَّ إِلَى : ٤٠ ٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١١) شَطْرِ الليْلِ. وقال مُعَاذُ قالَ شُعْبَةُ ثُمَّ لَقِيتُهُ مَرَّةً فقال أوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ. [الحديث ٥٤١ - أطرافه في: ٥٤٧، ٥٦٨، ٥٩٩، ٧٧١]. مطابقته للترجمة في قوله: ((ويصلي الظهر إذا زالت الشمس)). ذكر رجاله: وهم أربعة: حفص بن غياث، تكرر ذكره، وكذلك شعبة بن الحجاج، وأبو المنهال، بكسر الميم وسكون النون واسمه سيار بن سلامة الرياحي، بكسر الراء وتخفيف الياء آخر الحروف وبالحاء المهملة: البصري، وأبو برزة بفتح الباء الموحدة وسكونَ الراء ثم بالزاي: الأسلمي، واسمه: نضلة، بفتح النون وسكون الضاد المعجمة بن عبيد مصغراً، أسلم قديماً وشهد فتح مكة، ولم يزل يغزو مع رسول الله، عَ لَّه، حتى قبض فتحول ونزل البصرة، ثم غزا خراسان ومات بمرو أو بالبصرة أو بمفازة سجستان سنة أربع وستين، روى له البخاري أربعة أحاديث. ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في موضعين. وفيه: القول، وفي رواية الكشميهني: حدّثنا أبو المنهال. وفيه: أن رواته ما بين بصري وواسطي، ويجوز أن يقال: كلهم بصريون، لأن شعبة - وإن كان من واسط - فقد سكن البصرة ونسب إليها. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً عن آدم بن أبي إياس عن شعبة، وعن محمد بن مقاتل عن عبد الله، وعن مسدد عن يحيى، كلاهما عن عوف نحوه. وأخرجه مسلم فيه عن يحيى بن حبيب، وعن عبيد الله بن معاذ عن أبيه، كلاهما عن شعبة، وعن أبي كريب عن سويد بن عمرو الكلبي. وأخرجه أبو داود فيه عن حفص بن عمر بتمامه، وفي موضع آخر ببعضه. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن عبد الأعلى، وعن محمد بن بشار، وعن سويد بن نصر. وأخرجه ابن ماجه فيه عن محمد بن بشار عن بندار به. ذكر معناه: قوله: ((واحدنا)) الواو فيه للحال. قوله: ((جليسه))، الجليس على وزن: فعيل، بمعنى: المجالس، وأراد به الذي إلى جنبه، وفي رواية الجوزقي من طريق وهب عن شعبة: ((فينظر الرجل إلى جليسه إلى جنبه)). وفي رواية أحمد: ((فينصرف الرجل فيعرف وجه جليسه)). وفي رواية لمسلم: ((وبعضنا يعرف وجه بعض)). قوله: ((ما بين الستين إلى المائة)) يعني: من آيات القرآن الحكيم. قال الكرماني: فإن قلت لفظ: بين، يقتضي دخوله على متعدد، فكان القياس أن يقال: والمائة، بدون حرف الانتهاء؟ قلت: تقديره ما بين الستين وفوقها إلى المائة، فحذف لفظ: فوقها، لدلالة الكلام عليه. قوله: ((والعصر)) بالنصب أي، ويصلي العصر، و: الواو، في: وأحدنا، للحال. قوله: ((إلى أقصى المدينة)) أي: إلى آخرها. قوله: ((رجع))، كذا وقع بلفظ الماضي بدون: الواو، وفي رواية أبي ذر والأصيلي، وفي رواية غيرهما: ((ويرجع))، بواو العطف وصيغة المضارع، ومحله الرفع على أنه خبر للمبتدأ الذي هو قوله: ((وأحدنا))، فعلى هذا يكون لفظ: يذهب، حالاً بمعنى: ذاهباً، ويجوز أن يكون: يذهب،