النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٨٩)
والأصيلي، وفي رواية الباقين، بفتح اللام. قيل: هي بالكسر: الصخرات، وبالفتح: الشجرات.
وقال أبو زياد. من العضاة السلم، وهو سليب العيدان طولاً يشبه القضبان ليس له خشب وإن
عظم، وله شوك دقاق طوال حار، إذا أصاب رجل الإنسان وكل شيء من السلمة مر يدبغ به،
قاله أبو حنيفة. وقال غيره من الرواة: السلمة أطيب الغضاه ريحاً، وبرمتها أطيب البرم ريحاً،
وهي صفراء تؤكل، وقيل: ليس شجرة أردى من سلمة، ولم يوجد في ذرى سلمة صرد قط،
ويجمع على: أسلام، وأرض مسلوم: إذا كانت كثيرة السلم. وفي (الجامع): يجمع أيضاً
على: سلامى. قوله: ((بين أولئك السلمات))، وفي بعض النسخ من أولئك السلمات، وهي
في النسخة الأولى ظاهر التعلق بما قبله، وفي الثانية بما بعده. قوله: ((بالهاجرة)) وهي: نصف
النهار عند اشتداد الحر.
قوله: ((في مسيل))، بفتح الميم: وهو المكان المنحدر. قوله: ((دون هرشى))، بفتح
الهاء وسكون الراء وفتح الشين المعجمة مقصور، على وزن: فعلى. قال أبو عبيد: هو جبل
من بلاد تهامة، وهو على ملتقى طريق الشام والمدينة في أرض مستوية هضبة ململمة لا
تنبت شيئاً، وهي قرية بين المدينة والشام قريبة من الجحفة. يرى منها البحر ويقرب منها
طفيل، بفتح الطاء وكسر الفاء وهو جبل أسود، على الطريق من ثنية هرشى ثلاث أودية غزال
وذو ذوران وكلية، وكلها لخزاعة، وبأعلى كلية ثلاثة أجبل صغار يقال لها: سنابك، وغدير
خم واد يصب في البحر، وفي (الموعب) لابن التياني: هرشى ثنية قرية من الجحفة وفي
(أسماء الجبال) للزمخشري: هرشى هضبة دون المدينة. وقال الشريف: على هرشى نقب في
حرة بين الأخصيمي وبين السقيا على طريق المدينة، ويليه جبال يقال لها: طوال هرشى.
وفي (المغيث) للمديني: قيل سميت هرشى لمهارشة كانت بينهم، والتهريش الإفساد بين
الناس. قوله: ((من غلوة))، بفتح الغين المعجمة. قال الجوهري: الغلوة الغاية مقدار رمية. وفي
(المغيث) لا تكون الغلوة إلا مع تصعيد السهم. وقال ابن سيده: غلا بالسهم غلواً وغلواً وغالا
به غلاءً ورفع به يده يريد أقصى الغاية، وهو من التجاوز. ورجل غلاء: بعيد الغلو بالسهم،
وغلا السهم نفسه: ارتفع في ذهابه، وجاوز المدى، وكذلك الحجر، وكل مرماة: غلوة.
والجمع غلواة وغلاء، وقد تستعمل الغلوة في سباق الخيل. قالت الفقهاء: الغلوة أربعمائة
ذراع.
قوله: ((مر الظهران)) زعم البكري أنه بفتح أوله وتشديد ثانيه، مضاف إلى: الظهران،
بظاء معجمة مفتوحة: بين مر والبيت ستة عشر ميلاً. قلت: هو الوادي الذي تسميه العامة
بطن مر، وبسكون الراء بعدها واو، وقال كثير عزة سميت مراً لمرارة مائها. وقال أبو غسان:
سميت بذلك لأن في بطن الوادي بئرا ونخلة كبابة بعرق من الأرض أبيض هجامر، إلاَّ أن
الميم موصولة بالراء، وببطن مر تخزعت خزاعة من أخواتها فبقيت بمكة شرفها الله تعالى،
وسارت أخواتها إلى الشام أيام سيل العرم. وقال الزمخشري: مر الظهران بتهامة قريب من
عرفة. وعن صاحب (العين): الظهران من قولك: مر ظهرهم، وقال الفراء: لم أسمع إلا بتثنيته
عمدة القاري /ج٤ /م٢٦

٤٠٢
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٨٩)
لم يجمع ولم يوحد. قوله: ((قبل المدينة))، بكسر القاف وفتح الباء الموحدة أي: مقابلها
وجهتها. قوله: ((من الصفراوات))، بفتح الصاد المهملة وسكون الفاء جمع صفراء، وهي
الأودية أو الجبال بعد مر الظهران.
قوله: ((تنزل)) بلفظ الخطاب ليوافق أنت. قوله: ((بذي طوی))، بضم الطاء في رواية
الأكثرين وفي رواية الحموي والمستملي: بذي الطوى، بزيادة الألف واللام. وقيده الأصيلي
بالكسر، وحكى عياض وغيره الفتح أيضاً. وقال النووي: ذو طوى، بالفتح على الأفصح،
ويجوز ضمها وكسرها، وبفتح الواو المخففة. وفيه لغتلن: الصرف وعدمه، عند باب مكة
بأسفلها. وقال الجوهري: ذو طوى، بالضم موضع بمكة وأما طوى، فهو اسم موضع بالشام
تكسر طاؤه وتضم. قوله: ((ولكن أسفل)) بالرفع، خبر مبتدأ محذوف، وبالنصب أي: في
أسفل.
قوله: ((فرضتي الجبل))، ويقال أيضاً لمدخل النهر وفرضة البئر ثلمته التي تسقى منها
وفي (المحكم) فرضة النهر مشرب الماء منه والجمع: فرض وفراض. قوله: ((نحو الكعبة))،
أي: ناحيتها، وهو متعلق بالطويل أو ظرف للجبل أو بدل من الفرضة. قوله: ((فجعل)) الظاهر
أنه من كلام نافع، وفاعله: عبد الله، ويسار مفعول ثان. قوله: ((بطرف الأكمة)) صفة للمسجد
الثاني.
ذكر باقي المتعلقات والكلام فيه على وجوه. الأول: في ذكر المساجد التي
بالمدينة، وفي المواضع التي صلى فيها النبي عَّله. وأخرج أبو داود في (كتاب المراسيل) من
حديث ابن لهيعة: عم بكير بن عبد الله الأشج قال: كان بالمدينة تسعة مساجد مع مسجد
النبي عَّه يسمع أهله تأذين بلال، رضي الله تعالى عنه، فيصلون في مساجدهم أقربها مسجد
بني عمرو بن مبذول، ومسجد بني ساعدة، ومسجد بني عبيد، ومسجد بني سلمة، ومسجد
بني رايح بن عبد الأشهل، ومسجد بني زريق، ومسجد غفار، ومسجد أسلم، ومسجد
جهينة، وشك في التاسع. وفي كتاب (أخبار المدينة) لأبي زيد عمرو بن شبة النميري
النحوي الأخباري، بسند له في ذكر المساجد التي بالمدينة: عن رافع بن خديج: صلى النبي
عَّلّهِ، في المسجد الصغير الذي بأحد في شعب الجرار على يمينك اللازق بالجبل: وعن
أسيد بن أبي أسيد عن أشياخه أن النبي، عَّةٍ، دعا على الجبل الذي عليه مسجد الفتح.
وصلى في المسجد الصغير الذي بأصل الجبل حين تصعد الجبل: وعن عمارة ابن أبي
اليسر: صلى النبي عَّ في المسجد الأسفل. وعن جابر: دعا النبي عليه الصلاة والسلام.
في المسجد المرتفع ورفع يديه مداً، وعن عمرو بن شرحبيل أن النبي صَّهِ صلى في مسجد
بني خدارة، وعن عمرو بن قتادة أن النبي عليه الصلاة والسلام، صلى لهم في مسجد في
بني أمية من الأنصار، وكان في موضع الخربتين اللتين عند مال نهيك. وعن الأعرج أن النبي
عليه الصلاة والسلام، صلى على ذباب وهو: جبل بالمدينة، بضم الذال المعجمة وبالبائين
الموحدتين، وفي لفظٍ كان ضرب قبته يوم الخندق عليه، وعن جابر بن أسامة قال: خط

٤٠٣
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٨٩)
النبي، عليه الصلاة والسلام، مسجد جهينة ليلاً، وفي لفظٍ ((وصلى فيه))، وعن سعد بن
إسحاق: ((إن النبي عَ لّه صلى في مسجد بني ساعدة الخارج من بيوت المدينة، وفي مسجد
بني بياضة وفي مسجد بني الحبلى ومسجد بني عصية)). وعن العباس بن سهل أن النبي
عَّهِ صلى في مسجد بني ساعدة، وعن يحيى بن سعد: ((كان النبي عَّه يختلف إلى
مسجد أبي فيصلي فيه غير مرة أو مرتين، وقال: لولا أن يميل الناس إليه لأكثرت الصلاة
فيه)). وعن يحيى بن النضرة: ((أن النبي عَّه صلى في مسجد أبي بن كعب في بني جديلة
ومسجد بني عمر بن مبذول ومسجد بني دينار ومسجد النابغة ومسجد ابن عدي، وجلس
في كهف سلع: وعن هشام بن عروة: ((أن النبي عَّهِ، صلى في مسجد بلحارث بن الخزرج
ومسجد السخ ومسجد بني خطمة ومسجد الفضيح وفي صدقة الزبير وفي بني محمم وفي
بيت صرمة في بني عدي)).
وعن الحارث بن سعيد: ((أن النبي عَّه صلى في مسجد بني حارثة وبني ظفر وبني
عبد الأشهل)). وعن اسماعيل بن حبيبة ((إن النبي نَ ◌ّه صلى في مسجد واقم)). وعن ابن
عمر: ((أن النبي عَّه صلى في مسجد بني معاوية)). وعن كعب بن عجرة: ((أن النبي عَّ.
صلى في مسجد عاتكة في بني سالم)). وعن جابر: ((أن النبي عَّه صلى في مسجد الخربة،
ومسجد القبلتين ومسجد بني حزام الذي بالقاع)). وعن محمد بن عتبة بن أبي مالك: ((أن
النبي عَّله، صلى في صدقته)). وعن يحيى بن إبراهيم: ((أن النبي عَّ له، في مسجد رايح)).
وعن زيد بن سعد: ((أن النبي عَّه صلى في حائط أبي الهيثم)). وعن جابر: ((أن النبي عَّله
صلى الظهر يوم أحد على عينين)). وعن علي بن رافع: ((أن النبي عَُّله، صلى في بيت امرأة
من الخضر، فأدخل ذلك في البيت في مسجد بني قريظة)). وعن سلمة الخطمي: ((أن النبي
عَّلَّةٍ، صلى في بيت المقعدة عند مسجد وائل في مسجد العجوزة)). وعن أبي هريرة: ((أن
النبي عَّله، عرض المسلمين بالسقيا التي بالحرة متوجهاً إلى بدر وصلى بها)).
وعن المطلب: ((أن النبي ◌َّ صلى في بني ساعدة، وصلى في المسجد الذي عند
السخين وبات فيه وهو الذي عند (البائع)). وعن هشام: ((أن النبي ◌َّه صلى في مسجد الشجرة
بالمعرس)). وعن أبي هريرة: ((أن النبي عَّله، صلى في مسجد الشجرة)). وعن ربيعة بن عثمان:
((أن النبي عَّ له صلى في بيت إلى جنب مسجد بني خدرة)). قال أبو غسان: قال لي غير واحد من
أهل العلم: إن كل مسجد من مساجد المدينة ونواحيها مبني بالحجارة المنقوشة المطابقة فقد
صلى فيه النبي عَّ ◌ُلّه، وذكر أن عمر بن عبد العزيز حين بنى مسجد النبي عَ له سئل، والناس يومئذ
متوافرون، عن المساجد التي صلى فيها النبي عَّه في دار الشفا عن يمين من دخل الدار، وصلى
في دار بسرة بنت صفوان، وفي دار عمرو بن أمية الضمرى. قلت: قد اندرس أكثر هذه المساجد
وبقي من المشهور الآن مسجد قباء، ومسجد بني قريظة، ومشربة أم إبراهيم وهي شمالي مسجد
قريظة، ومسجد بني ظفر، شرقي البقيع ويعرف: بمسجد البغلة، ومسجد بني معاوية ويعرف
بمسجد الإجابة، ومسجد الفتح قريب من جبل سلع، ومسجد القبلتين في بني سلمة.

٤٠٤
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٩٠)
الوجه الثاني في بيان وجه تتبع عبد الله بن عمر المواضع التي صلى فيها رسول الله
عَّ اله، وهو أنه يستحب التتبع لآثار النبي عَ ◌ّه والتبرك بها، ولم يزل الناس يتبركون بمواضع
الصالحين. وقد روى شعبة عن سليمان التيمي عن المعرور بن سويد، قال: كان عمر بن
الخطاب، رضي الله عنه، في سفر فصلى الغداة ثم أتى على مكان فجعل الناس يأتونه
ويقولون: صلى فيه النبي عَّهِ. فقال عمر: إنما هلك أهل الكتاب، إنهم كانوا اتبعوا آثار
أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعاً، فمن عرضت له الصلاة فليصل، وإلا فليمض. قالوا: أما ما
روي عن عمر، رضي الله تعالى عنه، أنه ذكر ذلك فلأنه خشي أن يلتزم الناس الصلاة في
تلك المواضع، فيشكل ذلك على من يأتي بعدهم، ويرى ذلك واجباً. وكذا ينبغي للعالم إذا
رأى الناس يلتزمون النوافل التزاماً شديداً أن يترخص فيها في بعض المرات ويتركها ليعلم
بفعله، ذلك أنها غير واجبة، كما فعل ابن عباس في ترك الأضحية.
الوجه الثالث: فيما نقل عن الفقهاء في ذلك، روى أشهب عن مالك أنه سئل عن الصلاة
في المواضع التي صلى فيها الشارع؟ فقال: ما يعجبني ذلك إلا في مسجد قبا لأنه، عَ لَّهِ، كان
يأتيه راكباً وماشياً ولم يفعل ذلك في تلك الأمكنة. وقال البغوي: إن المساجد التي ثبت أن رسول
الله عَِّ صلى فيها لو نذر أحد الصلاة في شيء منها تعين كما تعين المساجد الثلاثة.
أَبْوَابُ سُترَةِ المُصَلِّي
٩٠ - بابٌ سُتْرَةُ الإِمامِ سُتْرَةُ مَنْ خَلْفَهُ
أي: هذا باب في بيان كون سترة الإمام الذي يصلي وليس بين يديه جدار ونحوه
سترة لمن كان يصلي خلفه من المصلين. والسترة، بضم السين: ما يستر به، والمراد ههنا
عكازة أو عصا أو عنزة، ونحو ذلك. وفي بعض النسخ قبل قوله باب سترة الإمام، أبواب سترة
المصلي. أي: هذه أبواب في بيان أحكام سترة المصلي.
وجه المناسبة بين هذه الأبواب والأبواب التي قبلها من حيث أن الأبواب السابقة في
أحكام المساجد بوجوهها، وهذه الأبواب في بيان أحكام المصلين في غيرها. وهي خمسة
أبواب متناسقة.
١٤٢/ ٤٩٣ - حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قالَ أخبرنا مالِكٌ عن ابنِ شَهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بنِ
عَبْد اللهِ بنِ عُثْبَةَ عنْ عِبْدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ أَنهُ قالَ أَقبلتُ رَاكِباً علىَ حِمَارٍ أَتَانٍ وأنا يَوْمَئِذٍ قَدْ ناهَزْتُ
الاخْتِلاَمَ وَرِسِولُ اللهِ عَّهُ يُصَلّي بالناسِ بِمِنِىّ الَى غَيْرِ جِدَارٍ فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصفِّ فَتَزَلْتُ
وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ فَلَمْ يُنْكِرْ ذلِكَ عليَّ أَحَدٌ. [انظر الحديث ٧٦ وأطرافه].
مطابقة هذا الحديث للترجمة ظاهرة تستنبط من قوله: ((إلى غير جدار)) لأن هذا
اللفظ مشعر بأن ثمة سترة، لأن لفظ: غير، يقع دائماً صفة، وتقديره: إلى شيء غير جدار،
وهو أعم من أن يكون عصاً أو عنزة ونحو ذلك. وقال بعضهم: في الاستدلال لهذا الحديث
نظر، لأنه ليس فيه أنه عَّ له صلى إلى سترة، وقد بوب عليه البيهقي: باب من صلى إلى غير

٤٠٥
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٩٠)
سترة. قلت: دليله لا يساعد نظره لأنه لم يقف على دقة الكلام، والبيهقي على دقة الكلام،
والبيهقي أيضاً لم يقف على هذه النكتة، والبخاري دقق نظره فأورد هذا الحديث في هذا
الباب للوجه الذي ذكرناه، على أن ذلك معلوم من حال النبي عَّه، وهذا الحديث بعينه بهذا
الإسناد قد تقدم في كتاب العلم في باب: متى يصح سماع الصغير، غير أن هناك شيخه
إسماعيل عن مالك، وههنا عبد الله بن يوسف عنه، وهناك: حدثني مالك، وههنا: أخبرنا
مالك. وهناك: فلم ينكر ذلك، على صيغة المجهول مع طي ذكر الفاعل، وههنا على صيغة
المعلوم، والفاعل هو قوله: أحد، وقد ذكرنا مباحث هذا الحديث هناك مستوفاة.
١٤٣/ ٤٩٤ - حدّثنا إِسْحاقُ قال حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ ثُمَيِّرٍ قال حدّثنا عُبَيْدُ اللهِ بنُّ عُمَرَ
عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ أَنَّ رسولَ اللهِ عَّلَهِ كانَ إِذَا خَرَجَ يَوْمَ العَيدِ أمَرَ بِالحَرْبَةِ فَتوضَعُ بَيْنَ
يَدَيْهِ فَيُصَلِّي إِليْهَا والنَّاسُ وَرَاءَهُ وكانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ فَمِنْ ثَمَّ اتَّخَذها الأَمَرَاءُ. [الحديث
٤٩٤ - أطرافه فى: ٤٩٨، ٩٧٢، ٩٧٣].
مطابقته للترجمة ظاهرة. فإن قلت: كيف الظهور والترجمة في أن سترة الإمام سترة
لمن خلفه وليس في الحديث ما يدل على ذلك؟ قلت: يدل على ذلك من وجوه ثلاثة:
الأول: أنه لم ينقل وجود سترة لأحد المأمومين، ولو كان ذلك النقل لتوفر الدواعي على نقل
الأحكام الشرعية، فيدل ذلك على أن سترته عَّ له كانت سترة لمن خلفه. الثاني: أن قوله:
((فيصلى إليها والناس وراءه))، يدل على دخول الناس في السترة لأنهم تابعون للإمام في
جميع ما يفعله. الثالث: أن قوله: وراءه، يدل على أنهم كانوا وراء السترة أيضاً، إذ لو
كانت لهم سترة لم يكونوا وراءه، بل كانوا وراءها. وقد نقل القاضي عياض الاتفاق على أن
المأمومين يصلون إلى سترة الإمام. وقال: ولكن اختلفوا: أهل سترتهم سترة الإمام أو سترة
الإمام نفسه؟ وقال بعضهم: فيه نظر لما رواه عبد الرزاق: عن الحكم بن عمرو الغفاري
الصحابي أنه صلى بأصحابه في سفر وبين يديه سترة، فمرت حمير بين يدي أصحابه فأعاد
بهم الصلاة. وفي رواية أنه قال لهم: ((إنها لم تقطع صلاتي ولكن قطعت صلاتكم)). قلت: لا
يرد على ما نقله عياض من الاتفاق لاحتمال أنه لم يقف على قوله، عَّ له، سترة الإمام سترة
لمن خلفه. أخرجه الطبراني من حديث أنس، رضي الله تعالى عنه، وكذا روي عن ابن عمر،
أخرجه عبد الرزاق موقوفاً عليه، على أن الرواية عن الحكم مختلفة، ومع هذا لا يقاوم ما
روي عن ابن عمر، ثم قال هذا القائل: ويظهر أثر هذا الخلاف الذي نقله عياض فيما لو م.
بين يدي الإمام أحد، فعلى قول من يقول: إن الإمام نفسه سترة لمن خلفه، تضر صلاته
وصلاتهم، وعلى قول من يقول: سترة الإمام سترة من خلفه، تضر صلاته ولا تضر صلاتهم.
قلت: سترة الإمام سترة مطلقاً بالحديث المذكور، فإذا وجدت سترة لا تضر صلاة الإمام ولا
صلاة المأموم.
بيان رجاله وهم خمسة: الأول: إسحاق. قال أبو علي الجياني: لم أجد إسحاق هذا
منسوباً من الرواة، وقال الكرماني: وفي بعض النسخ إسحاق بن منصور. قلت: كذا جزم به

٤٠٦
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٩٠)
أبو نعيم وخلف. الثاني: عبد الله بن نمير، بضم النون، وقد تكرر ذكره. الثالث: عبيد الله بن
عاصم بن عمر بن الخطاب أبو عثمان القرشي العدوي المدني، توفي سنة تسع وأربعين ومائة.
الرابع: نافع، مولى ابن عمر. الخامس: عبد الله بن عمر بن الخطاب.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: أن رواته ما
بين كوفيين ومدنيين. وفيه: أن شيخه الراوي عن ابن نمير غير منسوب.
ذكر من أخرجه غيره أخرجه مسلم أيضاً في الصلاة عن محمد بن عبد الله بن نمير،
وعن محمد بن المثنى. وأخرجه أبو داود فيه عن الحسن بن علي الخلال عن عبد الله بن
نمير.
ذكر معناه) قوله: ((أمر بالحرية)) أي: خادمة الحربة. وللبخاري في العيدين، ومن
طريق الأوزاعي عن نافع: ((كان يغدو إلى الصلاة والعنزة تحمل وتنصب بين يديه فيصلي
إليها)). وزاد ابن ماجة وابن خزيمة والإسماعيلي: ((وذلك أن المصلى كان فضاء ليس فيه
شيء)). قوله: ((والناس)) بالرفع عطف على فاعل: يصلي، ((ووراءه)) منصوب على الظرفية.
قوله: ((ذلك))، أي: الأمر بالحربة، والوضع بين يديه والصلاة إليها لم يكن مختصاً بيوم العيد.
قوله: ((فمن ثم))، بفتح الثاء المثلثة أي: فمن أجل ذلك اتخذ الحربة الأمراء، وهو الرمح
العريض النصل يخرج بها بين أيديهم في العيد ونحوه، وهذه الجملة أعني قوله: ((فمن ثم
اتخذها الأمراء)» من كلام نافع، كما أخرجه ابن ماجة بدون هذه الجملة، فقال: حدّثنا
محمد بن الصباح أخبرنا عبد الله بن رجاء المكي عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال:
(( كان النبي عَ لَّه يخرج له حربة في السفر فينصبها فيصلي إليها.
ذكر ما يستفاد منه فيه: الاحتياط وأخذ آلة دفع الأعداء سيما في السفر. وفيه: جواز
الاستخدام وأمر الخادم. وفيه: أن سترة الإمام سترةلمن خلفه، وادعى بعضهم فيه الإجماع،
نقله ابن بطال، قال: السترة عند العلماء سنة مندوب إليها. وقال الأبهري سترة المأموم سترة
إمامة فلا يضر المرور بين يديه، لأن المأموم تعلقت صلاته بصلاة إمامه. قال: ولا خلاف أن
السترة مشروعة إذا كان في موضع لا يأمن المرور بين يديه، وفي الأمن قولان عند مالك،
وعند الشافعي: مشروعة مطلقاً لعموم الأحاديث، ولأنها تصون البصر. قال: فإن كان في
الفضاء فهل يصلي إلى غير سترة؟ أجازه ابن القاسم لحديث ابن عباس المذكور، وقال
المطرف وابن الماجشون: لا بد من سترة. وذكر عن عروة وعطاء وسالم والقاسم والشعبي
والحسن أنهم كانوا يصلون في الفضاء إلى غير سترة. قلت: قال محمد: يستحب لمن
يصلي في الصحراء أن يكون بين يديه شيء مثل عصا ونحوها، فإن لم يجد يستتر بشجرة
ونحوها. فإن قلت: الحربة المذكورة هل لها حد في الطول؟ وما المعتبر في طول السترة؟
قلت: قال أصحابنا: مقدارها ذراع فصاعداً، وأخذوا ذلك بحديث طلحة بن عبيد الله قال:
قال رسول الله عَّ له: ((إذا جعلت بين يديك مثل مؤخرة الرحل فلا يضرك من يمر بين يديك)).
رواه مسلم، وذكر شيخ الإسلام في (مبسوطه): من حديث أبي جحيفة الآتي ذكره أن مقدار

٤٠٧
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٩٠)
العنزة طول ذراع في غلظ إصبع، ويؤيد هذا قول ابن مسعود: يجزىء من السترة السهم، وفي
(الذخيرة): طول السهم ذراع وعرضه قدر إصبع. واختلف مشايخنا فيما إذا كانت السترة أقل
من ذراع، وقال شيخ الإسلام: لو وضع قناة أو جعبة بين يديه وارتفع قدر ذراع كانت سترة
بلا خلاف، وإن كانت دونه ففيه خلاف، وفي (غريب الرواية): النهر الكبير ليس بسترة
كالطريق، وكذا الحوض الكبير. وقالت المالكية: تجوز القلنسوة العالية، والوسادة بخلاف
السوط، وجوز في (العتبية): السترة بالحيوان الظاهر، بخلاف الخيل والبغال والحمير، وجوز
بظهر الرجل، ومنع بوجهه، وتردد في جنبه، ومنع بالمرأة واختلفوا في المحارم، ولا يستتر
بنائم ولا مجنون ومابون في دبره ولا کافر. انتھی.
١٤٤/ ٤٩٥ - حدّثنا أبُو الوَلِيدِ قال حدّثنا شُعْبَةُ عِنْ عَوْنِ بنِ أبي جُحَيْفَةَ قال سَمِعْتُ
أبي أَنَّ النبيَّ عَّهِ صَلَى بِهِمْ بِالبَطْحَاءِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنْزَةٌ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ والعَصْرَ رَكْعَتَّيْنِ ثُمُ بَيْنَ
يَدَيْهِ المَرْأَةُ وَالحِمَارُ. [انظر الحديث ١٨٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من الوجه الذي ذكرناه في الحديث السابق.
ذكر رجاله وهم أربعة: الأول: أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي البصري.
الثاني: شعبة بن حجاج. الثالث: عون بفتح العين المهملة وسكون الواو وبالنون. الرابع: أبوه
أبو حنيفة، بضم الجيم وفتح الحاء، مر في كتاب العلم واسمه: وهب بن عبد الله السوائي،
بضم السين المهملة.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في
موضع واحد. وفيه: السماع. وفيه: التحديث بصيغة المضارع المفرد. وفيه: أن رواته ما بين
بصري وكوفي.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضاً في الصلاة عن آدم.
وأخرجه مطولاً ومختصراً في باب استعمال وضوء الناس، وفي ستر العورة، وفي الأذان، وفي
صفة النبي ◌َّه في موضعين، وفي اللباس في موضعين، وأخرجه أيضاً بعد بابين في باب
الصلاة إلى العنزة، وفي باب السترة بمكة وغيرها. وأخرجه مسلم في الصلاة. وكذلك أبو
داود والترمزي وابن ماجة، وقد ذكرناه في باب الصلاة في الثوب الأحمر.
ذكر معناه: قوله: ((بالبطحاء)) أي: بطحاء مكة، ويقال لها: الأبطح أيضاً. قوله: ((وبين
يديه عنزة))، جملة وقعت حالاً. قوله: ((الظهر)) منصوب لأنه مفعول: صلى. قوله: ((ركعتين))
نصب إما على أنه حال، وإما على أنه بدل من الظهر، وكذلك الكلام في قوله: ((والعصر
ركعتين)). قوله: ((تمر بين يديه المرأة والحمار))، جملة وقعت حالاً، والجملة الفعلية إذا
وقعت حالاً وكان فعلها مضارعاً يجوز فيها الواو وتركها.
ذكر ما يستفاد منه فيه: جعل السترة بين يديه إذا كان في الصحراء. وفيه: أن مرور
المرأة والحمار لا يقطع الصلاة، وهو قول عامة العلماء، وروي عن أنس ومكحول وأبي

٤٠٨
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٩٠)
الأحوص والحسن وعكرمة: يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة. وعن ابن عباس: يقطع
الصلاة الكلب الأسود والمرأة الحائض. وعن عكرمة يقطع الصلاة الكلب والحمار والخنزير
والمرأة واليهودي والنصراني والمجوسي. وعن عطاء: لا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود
والمرأة الحائض. وعن أحمد، في المشهور عنه: يقطع الصلاة مرور الكلب الأسود البهيم.
وفي رواية: يقطعها أيضاً الحمار والمرأة والكلب البهيم الذي لا يخالط لونه لون آخر. وفي
(جامع شمس الأئمة): تفسد الصلاة بمرور المرأة بين يديه. وفي (الكافي): عند أهل العراق
تفسد بمرور الكلب والمرأة والحمار والخنزير. والحديث المذكور حجة على ما يقول بقطع
الصلاة بمرور المرأة والحمار، والحجة على من يرى بقطع الصلاة بالأشياء المذكورة من
هؤلاء المذكورين ما رواه أبو داود في سننه: عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله
عَّله: ((لا يقطع الصلاة شيء، وادرؤوا ما استطعتم فإنما هو شيطان)). وفي الباب عن ابن عمر
وأبي أمامة وأنس وجابر، فحديث ابن عمر عند الدارقطني في (سننه) وحديث أبي أمامة
وأنس أيضاً عنده، وحديث جابر عند الطبراني في (الأوسط). قلت: أما حديث الخدري ففيه
مقال، وأما حديث ابن عمر وأبي أمامة وأنس، فقال ابن الجوزي: لا يصح منها شيء. وأما
حديث جابر ففيه عيسى بن ميمون، قال ابن حبان: لا يحل الاحتجاج به، ومستند
المذكورين ما رواه مسلم: عن عبد الله ابن الصامت عن أبي ذر قال: قال رسول الله عَ لّهِ:
((تقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه كأخرة الرحل المرأة والحمار والكلب الأسود. قلت
ما بال الأسود من الأحمر؟ قال: يا أبا أخي، سألت رسول الله عَّله كما سألتني فقال: الكلب
الأسود شيطان)). وحجة العامة ما رواه البخاري ومسلم عن عروة عن عائشة قالت: ((كان
رسول الله عَ ليه يصلي وأنا معترضة بين يديه كاعتراض الجنازة). وقد روي هذا بوجوه
مختلفة، منها ما فيه: وأنا حزاءه، وأنا حائض. وجه الاستدلال به أن اعتراض المرأة خصوصاً
الحائض بين المصلي وبين القبلة لا يقطع الصلاة، فالمارة بطريق الأولى. وبوب عليه أبو
داود في (سننه) باب من قال الحمار لا يقطع الصلاة. وبوب أيضاً باب من قال الكلب لا
يقطع الصلاة، ثم روى عن الفضل بن عباس قال: ((أتانا رسول الله عَّه ونحن في بادية ومعه
عباس، فصلى في صحراء ليس بين يديه سترة وحمارة، لنا وكلبة تعبثان بين يديه، فما بالى
ذلك)). وأخرجه النسائي أيضاً. وقال النووي: وتأول الجمهور القطع المذكور في الأحاديث
المذكورة على قطع الخشوع، جمعاً بين الأحاديث. فإن قلت: قلت: هذا جيد فيما إذا
كانت الأحاديث التي رويت في هذا الباب مستوية الأقدام، وأما إذا قلنا: أحاديث الجمهور
أقوى وأصح من أحاديث من خالفهم فالأخذ بالأقوى أولى وأقوى: فإن قلت: قال ابن
القصار: من قال: إن الحمار يقطع الصلاة؟ قال: إن مرور حمار عبد الله كان خلف الإمام
بين يدي بعض الصف، والإمام سترة لمن خلفه. قلت: رد هذا بما رواه البزار أن المرور كان
بين يديه عَّ: فإن قلت: روى أبو داود من حديث سعيد بن غزوان عن أبيه أنه نزل بتبوك
وهو حاج، فإذا برجل مقعد فسأله عن أمره فقال: سأحدثك بحديث فلا تحدث به ما

٤٠٩
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٩١)
سمعت، أني حي: إن رسول الله عَ ليه نزل بتبوك إلى نخلة فقال: هذه قبلتنا، ثم صلى إليها.
فأقبلت وأنا غلام أسعى حتى مررت بينه وبينها فقال: قطع صلاتنا قطع الله أثره، فما قمت
عليها إلى يومي هذا. قلت: قوله: عليها، أي: على رجلي وليس بإضمار قبل الذكر لوجود
القرينة. قلت: أبو داود سكت عنه. وقال غير حديث واهٍ، ولئن سلمنا صحته فهو منسوخ
بحديث ابن عباس، لأن ذلك كان بتبوك وحديثه كان في حجة الوداع بعدها. والله أعلم.
وفيه: جواز قصر الصلاة الرباعية، بل هو أفضل من الإتمام، وهل هو رخصة أو عزيمة؟ فيه
خلاف بيننا وبين الشافعي على ما يأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.
٩١ - بابُ قَدْرِ كَمْ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بَيْنَ المُصَلِّي وَالسُّتْرَةِ
أي: هذا باب في بيان قدركم ذراع ينبغي أن يكون بين المصلي والسترة؟ وقد علم
أن لفظة: كم، سواء كانت إستفهامية أو خبرية لها صدر الكلام، وإنما قدم لفظ: قدر، عليها
لأن المضاف والمضاف إليه في حكم كلمة واحدة. ومميز: كم، محذوف، لأن الفعل لا
يقع مميزاً، والتقدير: كم ذراع ونحوه، كما ذكرنا: ((والمصلي))، بكسر اللام: اسم فاعل.
قيل: يحتمل أن يكون بفتح اللام، أي: المكان الذي يصلي فيه. قلت: هذا احتمال أخذه
قائلة من كلام الكرماني حيث قال: فإن قلت: الحديث دل على القدر الذي بين المصلي
بفتح اللام والسترة، والترجمة بكسر اللام؟ قلت: معناهما متلازمان. انتهى. قلت: لا يلزم من
تلازمهما عقلاً اعتبار المقدار، لأن اعتبار المقدار بين المصلي وبين السترة لا بينها وبين
المكان الذي يصلي فيه.
٤٩٦/١٤٥ - حدّثنا عَمْرُو بنُ زُرَارةَ قال أخبرنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ أبي حازمٍ عنْ أَبِيهِ عنْ
سَهْلٍ قال كانَ بَيْنَ مُصَلَّى رسولِ اللهِ عَّ ◌ُلَّه وبَيْنَ الجِدَارِ مَمَهُ الشَّاهِ. [الحديث ٤٩٦ - طرفة
في: ٧٣٣٤].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله وهم أربعة: الأول: عمرو بالواو ابن زرارة بضم الزاي ثم الراء قبل الألف
وبعدها: أبو محمد النيسابوري، مات سنة ثلاث وثمانين ومائتين. الثاني: عبد العزيز بن أبي
حازم. الثالث: أبوه حازم، بالحاء المهملة وبالزاي: اسمه سلمة بن دينار، وقد تقدم في باب
غسل المرأة أباها. الرابع: سهل بن سعد الساعدي، وقد تقدم فيه أيضاً.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في
موضعين. وفيه: القول. وفيه: عن أبيه، في رواية أبي داود والإسماعيلي: أخبرني أبي. وفيه:
سهل غير منسوب، وفي رواية الأصيلي: عن سهل بن سعد.
ذكر من أخرجه غيره أخرجه مسلم في الصلاة عن يعقوب الدورقي. وأبو داود فيه
عن النفيلي والقعنبي.
ذكر معناه: قوله: ((بين مصلى))، بفتح اللام، وهو المكان الذي يصلي فيه، والمراد

٤١٠
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٩١)
به: مقامه عَّه، وكذا هو في رواية أبي داود. قال: حدّثنا القعنبي والنفيلي، قال: حدّثنا عبد
العزيز هو ابن حازم قال: أخبرني أبي عن سهل، قال: ((كان بين مقام النبي عَّهِ وبين القبلة
ممر العنز)). وقال الكرماني: المراد بالمصلى موضع القدم. قلت: يتناول ذلك موضع القدم
وموضع السجود أيضاً. قوله: ((ممر الشاة)) وهو موضع مرورها، وهو منصوب لأنه خبر: كان،
والاسم قدر المسافة والممر، والسياق يدل عليه، كذا قاله الكرماني، ثم قال: وفي بعضها
بالرفع. قلت: وجه أن تكون: كان، تامة، ويكون: ممر الشاة، اسمها ولا يحتاج إلى خبر. أو
تكون ناقصة والخبر هو الظرف. وفي رواية أبي داود: ((ممر العنز))، كما ذكرناه، والعنز هو
الماعز.
ذكر ما يستفاد منه قال القرطبي: إن بعض المشايخ حمل حديث ممر الشاة على ما
إذا كان قائماً، وحديث بلال، رضي الله تعالى عنه، أن النبي، عليه الصلاة والسلام، لما صلى
في الكعبة جعل بينه وبين القبلة قريباً من ثلاثة أذرع على ما إذا ركع أو سجد. قال: ولم
يحد مالك في هذا حداً إلا أن ذلك بقدر ما يركع فيه ويسجد، ويتمكن من دفع من يمر بين
يديه، وقيده بعض الناس: بشبر، وآخرون: بثلاثة أذرع، وبه قال الشافعي وأحمد، وهو قول
عطاء. وآخرون بستة أذرع، وذكر السفاقسي: قال أبو اسحاق: رأيت عبد الله بن مغفل يصلي
بينه وبين القبلة ستة أذرع، وفي (مصنف) ابن أبي شيبة بسند صحيح نحوه، وقد استقصيا
الكلام في الباب السابق.
١٤٦/ ٤٩٧ - حدّثنا المَكْيُ قال حدّثنا يَزِيدُ بنُ أبي عُبَيْدٍ عنْ سَلَمَة قال كانَ جِدَارُ
المَسْجِدِ عِنْدَ المِنْبَرِ ما كادَتِ الشَّاةُ تُجُوزُها.
مطابقته للترجمة ظاهرة من حيث إنه، عَّم، كان يقوم بجنب المنبر لأنه لم يكن
لمسجده محراب، فتكون مسافة ما بينه وبين الجدار نظير ما بين المنبر والجدار، فكأنه قال:
الذي ينبغي أن يكون بين المصلي وسترته قدر ما كان بين منبره والجدار القبلي، وقيل غير
ذلك، تر کناه لأنه لا طائل تحته.
ذكر رجاله وهم ثلاثة قد سبقوا بهذا الإسناد في باب اسم من كذب على النبي،
عٍَّ، وسلمة، بفتح اللام: هو ابن الأكوع الصحابي. وهذا من ثلاثيات البخاري رضي الله
عنه.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في
موضع واحد. وفيه: أن اسم شيخ البخاري على صورة النسبة إلى مكة.
والحديث أخرجه مسلم أيضاً وهو موقوف على سلمة، ولكن في الأصل مرفوع، يدل
عليه ما رواه الإسماعيلي من طريق أبي عاصم عن يزيد بن أبي عبيد بلفظ: ((كان المنبر على
عهد رسول الله عٍَّ ليس بينه وبين حائط القبلة إلا قدر ما يمر العنز)).
ذكر معناه قوله: ((المسجد)) أي: مسجد النبي، عليه الصلاة والسلام. قوله: ((عند

٤١١
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٩٢)
المنبر)) من تتمة اسم: كان، أي: الجدار الذي كان عند منبر رسول الله عَّهِ، وخبر: كان،
الجملة. أعنى قوله: ((ما كادت الشاة تجوزها))، ويجوز أن يكون الخبر هو قوله: ((عند
المنبر)) وقوله: ((ما كادت الشاة)) استئنافاً: تقديره: إذا كان الجدار عند المنبر فما مقدار
المسافة بينهما؟ فأجاب: ما كادت الشاة تجوزها. أي: مقدار ما كادت الشاة تجوز المسافة
وليس بإضمار قبل الذكر، لأن سوق الكلام يدل عليه. ثم اعلم أن: كاد، من أفعال المقاربة،
وخبره يكون فعلاً مضارعاً بغير: أن، كما في الرواية، أن تجوزها. قلت: ما وجه دخول: أن:
قلت: قد تدخل: أن، على خبر: كاد، كما تحذف من خبر: عسى، إذ هما أخوان يتعارضان.
فإن قلت: إذا دخل حرف النفي على: كاد، يكون النفي كما في سائر الأفعال، فما حكمه
ههنا. قلت: القواعد النحوية تقتضي النفي، والموافق ههنا الإثبات للحديث الأول، وهذا
الحديث، والذي قبله يدلان على أن القرب من السترة مطلوب. وقال ابن القاسم، عن مالك:
ليس من الصواب أن يصلي وبينه وبين السترة صفان. وروى ابن المنذر عن مالك أنه تباعد
عن سترته، وأن شخصاً قال له: أيها المصلي ألا تدنو من سترتك؟ فمشى الإمام إليها وهو
يقول: ﴿وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً﴾ [النساء: ١١٣].
٩٢ - بابُ الصَّلاَةِ إلَى الحَرْبَةِ
أي: باب في بيان الصلاة إلى جهة الحربة المركوزة بينه وبين القبلة، وقد بينا أن
الحربة وهي: دون الرمح العريض النصل، وقال أهل السير، كانت للنبي عَ لّه حربة دون الرمح
يقال لها العنزة، فكأنها بالغلبة صارت علماً لها.
١٤٧ /٤٩٨ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدّثنا يَحْتَى عنْ عُبَيْدِ الله أخبرني نافِعٌ عَنْ عَبْدِ الله
ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما أنَّ النَّبِيَّ عَّ ◌َلَّهِ كانَ يُرْكَزُ له الحَرْبَةُ فَيُصَلَّي إلَيْها. [انظر الحديث
٤٩٤ وطرفيه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، ساق هذا الحديث في الباب السابق، وذكره مختصراً.
ويحيى القطان، وعبيد الله بن عمر ابن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب.
قوله: ((يركز)) من الركز بالزاي في آخره، وهو: الغرز في الأرض.
٩٣ _ بابُ الصَّلاَةِ إلى العَنَزَةِ
أي: هذا باب في بيان الصلاة إلى جهة العنزة المركوزة بينه وبين القبلة، وقد مر
تفسير العنزة.
٤٩٩/١٤٨ - حدّثنا آدَمُ قال حدّثنا شُغْبَةُ قال حدّثنا عَوْنُ بنُ أبي مجحَيْفَةً قال
سَمِعْتُ أبي قال خرَجَ عَلَيْنَا رسولُ اللهِ عَ لَّهِ بِالهَاجِرَةِ فَأَتَّيَ بِوضُوءٍ فَتَوَضَّأَ فَصَلَّى بِنَا الظُّهْرَ
والعَصْرَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنْزَةٌ وَالمَرْأَةُ والحِمَارُ يَمُّونَ مِنْ وَرَائِها. [انظر الحديث ١٧٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وقد تقدم حديث أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي في

٤١٢
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٩٣)
الباب الذي بينه وبين هذا بابان، وهناك رواه: عن أبي الوليد عن شعبة، وههنا عن آدم بن أبي
إياس عن شعبة.
قوله: ((بالهاجرة)) وهي: اشتداد الحر عند الظهيرة. قوله: ((فأتي)) على صيغة
المجهول. قوله: ((بوضوء)) بفتح الواو وهو: الماء الذي يتوضأ به. قوله: ((وبين يديه عنزة))،
جملة حالية، قيل: فيه تكرار، لأن العنزة هي الخربة، ورد بأن الحربة غير العنزة لأن الحربة
هي الرمح العريض النصل، كما ذكرنا عن قريب، والعنزة مثل نصف الرمح. قوله: ((يمرون))
كان القياس في ذلك أن يقال: يمران، بلفظ التثنية، لأن المذكور تثنية، وهي: المرأة،
والحمار، ووجهوا هذا بوجوه، فقال بعضهم: كأنه أراد الجنس، ويؤيده رواية: ((الناس
والدواب يمرون)). قلت: هذا ليس بشيء لأنه الجنس يراد جنس المرأة وجنس الحمار فيكون
تثنية، فلا يطابق الكلام. فقال هذا القائل أيضاً: والظاهر أن الذي وقع هنا من تصرف الرواة،
وهذا أيضاً ليس بشيء لأن فيه نسبتهم إلى ذكر ما يخالف القواعد. وقال ابن مالك: أرادوا
المرأة والحمار وراكبه فحذف الراكب لدلالة الحمار عليه، ثم غلب عليه تذكير الراكب
المفهوم على تأنيث المرأة، وذو العقل على الحمار، فقال: يمرون. قلت: هذا فيه تعسف
وبعد، وقال ابن التين: فيه إطلاق اسم الجمع على التثنية، وهذا أوجه من غيره لأن مثل هذا
وقع في الكلام الفصيح. قوله: ((من ورائها)). أي: من وراء العنزة.
١٤٩/ ٥٠٠ _ حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ حاتم بنِ بَزيعِ قال حدّثنا شَاذَانُ عنْ شُعْبَةَ عنْ عطاءٍ
ابنٍ أَبِي مَيُمُونَةَ قال سَمِعْتُ أَنَسَ بنَ مالِكِ قال كان النبي عَّهِ إِذَا خَرَجَ لحَاجَيِّهِ تَبِعْتُهُ أنا
وغَلاَمٌ ومَعَنَا عُكّازَةٌ أوْ عَصاً أوْ عَنَزَةٌ وَمَعَنَا إِدَاوَةٌ فَإِذَا فَرَغْ مِنْ حَاجَتِهِ نَاو لْنَاهُ الإِدَاوَةَ. [انظر
الحديث ١٥٠ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة على ما وجد في أكثر النسخ: ((أو عنزة)) بالعين المهملة والنون
والزاي، وفي بعض النسخ: أو غيره، بالغين المعجمة والياء آخر الحروف أي: أو غير كل
واحد من العصا والعكازة. فإن صح هذا فليس فيه ما يطابق الترجمة. فإن قلت: الضمير في:
غيره، يرجع إلى ماذا؟ والمذكور شيئان، وهما العكازة والعصا؟. قلت: تقديره: أو غير كل
واحد منهما، قال بعضهم: الظاهر أنه تصحيف. قلت: كيف يكون تصحيفاً وهي رواية
الستملي والحموي؟ فكأن هذا القائل ارتكب هذا لئلا يقال: إن هذا الحديث لا يطابق
الترجمة، وهذا الحديث قد مر في كتاب الوضوء في باب حمل العنزة مع الماء في
الاستنجناء، ولكن هناك أخرجه عن محمد بن بشار بن جعفر عن شعبة، وههنا عن محمد
ابن حاتم، بالحاء المهملة وبالتاء المثناة من فوق: ابن بزيع، بفتح الباء الموحدة وبكسر الزاي
وسكون الياء آخر الحروف وبالعين المهملة: أبو سعيد، مات وبغداد في سنة تسع وأربعين
ومائتين، وشاذان، بالشين المعجمة: تقدم في باب حمل العنزة في الاستجناء. قوله: («تبعته
أنا))، وإنما أتى بضمير الفصل ليصح العطف، وهذا على مذهب البصريين. والإدارة، بكسر
الهمزة.

٤١٣
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٩٤)
وقال ابن بطال: فيه الاستجناء بالماء. هذا ليس بصريح، فإن قوله: ((فإذا فرغ من
حاجته)) يشمل الاستجناء بالحجر ونحوه، وتكون مناولة الماء لأجل الوضوء. قال. وفيه:
خدمة السلطان والعالم. قلت: حصره للإثنين لا وجه له، والأحسن أن يقال: فيه خدمة
الكبير.
٩٤ - بابُ السُّْرَةِ بِمَكَّةَ وغَيْرِها
أي: هذا باب في بيان استحباب السترة لدرء المار، سواء كان بمكة أو غير مكة، وإنما قيد
بمكة دفعاً لتوهم من توهم أن السترة قبلة، ولا ينبغي أن يكون لمكة قبلة إلاّ الكعبة فلا يحتاج فيها
إلى سترةٍ، وكل من يصلي في مكان واسع فالمستحب له أن يصلي إلى سترة بمكة كان أو
غيرها، إلاَّ أن يصلي بمسجد مكة بقرب الكعبة حيث لا يمكن لأحد المرور بينه وبينها، فلا يحتاج
إلى سترة إذ قبلة مكة سترة له، فإن صلى في مؤخر المسجد بحيث يمكن المرور بين يديه. أو في
سائر بقاع مكة إلى غير جدار أو شجرة أو ما أشبههما، فينبغي أن يجعل أمامه ما يستر من المرور
بين يديه، كما فعل الشارع حين صلى بالبطحاء إلى عنزة والبطحاء خارج مكة.
٥٠١/١٥٠ - حدّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قال حدّثنا شُعْبَةُ عنِ الحكمِ عنْ أبي جُحَيْفَةً
قال خَرَجَ رِسولُ اللهِ عَ لَّهِ بِالهَاجِرَةِ فَصَلَّى بِالْبَطْحَاءِ الظُّهْرَ وَالعَصْرَ رَكْعَتَيْنَ ونَصَبَ بَيْنَ يَدَيْهِ
عَنَزَةً وَتَوَضَّأَ فَجَعَلَ النّاسُ يَتَمَسَحُونَ بِوَضُوئِهِ. [انظر الحديث ١٧٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فصلى بالبطحاء))، لأنها في مكة، ولما كان فضاء نصب
بين يديه عنزة فصلى إليها، والحديث قد مر في الباب الذي قبله، وفي الباب الذي فيه سترة
الإمام سترة لمن خلفه. وفيه: زيادة، وهي قوله: ((فجعل الناس)) إلخ، والحكم، بفتح الحاء
والكاف: ابن عتيبة مصغر العتبة. قوله: ((بالبطحاء)) أي: ببطحاء مكة. قوله: ((ركعتين))، يتعلق
بكل واحد من الظهر والعصر، لا يقال: نصب العنزة والوضوء قبل الصلاة، فكيف عكس هنا؟
لأنا نقول: إن الواو، وإن كانت للعطف، فلا تدل على الترتيب بل لمطلق الجمع، وإن كانت
للحال فلا إيراد. قوله: ((بوضوئه))، بفتح الواو، والمعنى يتمسحون بفضله وضوئه، أي: بالماء
الذي يتقاطر حين التوضيء.
٩٥- بابُ الصَّلاَةِ إلىّ الاسطُوَانَةِ
أي: هذا باب في استحباب الصلاة إلى جهة الإسطوانة إذا كان في موضع فيه
أسطوانة، والأسطوانة، بضم الهمزة معروفة، والنون أصلية وزنها: أفعوالة، مثل: أقحوانة، لأنه
يقال: أساطين مسطنة. وقال الأخفش: وزنها: فعلوانة، وهذا يدل على زيادة الواو والألف
والنون، وقال قوم: وزنها أفعلانة، وهذا ليس بشيء، لأنه لو كان كذلك لما جمع على
أساطين، لأنه ليس في الكلام: أفاعين، وقال بعضهم: الغالب أن الأسطوانة تكون من بناء
بخلاف العمود فإنه من حجر واحد. قلت: قيد الغالب لا طائل تحته، ولا نسلم أن العمود
يكون من حجر واحد لأنه ربما يكون أكثر من واحد، ويكون من خشب أيضاً.

٤١٤
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٩٥)
وقال عَمرُ: المُصَلُّونَ أحَقُّ بِالسَّوَارِى من المتَحَدِّثِينَ إِلَيْها
مطابقة هذا الأثر ظاهرة، لأن السواري هي الأساطين، والسواري جمع سارية؛. قال ابن
الأثير: السارية الأسطوانة، وذكر الجوهري في باب سرا، ثم ذكر فيه المادة الواوية والمادة
اليائية، والظاهر أن السارية من ذوات الياء، وهذا الذي علقه البخاري وصله أبو بكر بن أبي
شيبة من طريق همدان يريد عمر، رضي الله تعالى عنه، أي رسوله إلى أهل اليمن عن عمر به،
وهمدان بفتح الهاء وسكون الميم وبالدال المهملة. قوله: ((المصلون أحق))، وجه الأحقية أن
المصلين والمتحدثين مشتركان في الحاجة إلى السارية: المتحدثون إلى الإستناد، والمصلون
لجعلها سترة، لكن المصلين في عبادة فكانوا أحق. قوله: ((من المتحدثين)) أي:
المتكلمين.
وَرَأَى عُمَرُ رَجُلاً يُصَلِّي بَيْنَ أَسْطُوَانَتَيْن فَأَدْنَاهُ إِلَى سَارِيَةٍ فقال صلِّ إِلَيْها.
مطابقته للترجمة في قوله: ((فأدناه إلى سارية))، وابن عمر هو عبد الله، ولذا وقع
بإثبات ابن في رواية أبي ذر والأصيلي وغيرهما، وعند البعض، رأى عمر، بحذف: ابن قال
بعضهم: هو أشبه بالصواب، فقد رواه ابن أبي شيبة في (مصنفه) من طريق معاوية ابن قرة بن
إياس المزني عن أبيه، وله صحبة قال: ((رآني عمر وأنا اصلي. فذكر مثله سواء، ولكن زاد:
فأخذ بقفاي)). انتهى. قلت: رواية الأكثرين أشبه بالصواب مع احتمال أن يكون قضيتان:
إحداهما مع عمر، والأخرىّ مع ابنه، ولا مانع لذلك. وقال هذا القائل أيضاً: وقد عرف بذلك
المبهم المذكور في التعليق. قلت: هذا إنما يكون إذا تحقق اتحاد القضية. قوله: ((فأدناه))
أي: قربه، من: الإدناء، وهو التقريب. وادعى ابن التين أن عمر إنما كره لانقطاع الصفوف.
وقيل: أرادبذلك أن تكون صلاته إلى سترة.
٥٠٢/١٥١ - حدّثنا المَكِّيُّ بنُ إِبْرَاهِيمَ قال حدّثنا يَزِيدُ بنُ أبي عُبَيْدٍ قال كْتُ آتِي مَعَ
سَلَمَةَ ابنِ الأَْوَعِ فَيُصَلِّي عِنْدَ الأَسْطِوَانَةِ الَّتِي عنْدَ المُصْحَفِ فَقُلْتُ يا أبَا مُسْلِمٍ أَرَاكَ تَتَحَرَّى
الصَّلاَةَ عنْدَ هَذِهِ الاسْطُوانَةِ قال فَإِنِّي رَأيْتُ النبيَّ عَّهِ يَتَحَرَّى الصلاَةَ عِنْدَها.
مطابقته للترجمة في قوله: ((فيصلي عند الأسطوانة))، وقوله: ((يتحرى الصلاة
عندها)).
ذكر رجاله وهم ثلاثة: الأول: مكي بن إبراهيم. الثاني: يزيد بن أبي عبيدة، مولى
سلمة بن الأكوع. الثالث: سلمة بن الأكوع.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: القول. وفيه: أنه
من ثلاثيات البخاري.
ذكر من أخرجه غيره أخرجه مسلم في الصلاة أيضاً عن أبي موسى عن مكي به،
وعن اسحاق بن إبراهيم، وعن محمد بن المثنى. وأخرجه ابن ماجه فيه عن يعقوب بن
حمید.

٤١٥
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٩٦)
ذكر معناه قوله: ((التي عند المصحف))، هذا يدل على أنه كان في مسجد رسول
الله عَّلِ موضع خاص للمصحف الذي كان ثمة من عهد عثمان، ووقع عند مسلم بلفظ:
يصلي وراء الصندوق))، وكأنه كان للمصحف صندوق يوضع فيه والأسطوانة المذكورة فيه
معروفة بأسطوانة المهاجرين. قوله: ((يابا مسلم)) أصله: يا أبا مسلم، حذفت الهمزة
للتخفيف، وهو كنيته سلمة بن الأكوع. قوله: ((أراك)) أي: أبصرك. قوله: ((تتحرى))، أي
تجتهد وتختار، وقال ابن بطال: لما كان رسول الله عَّ يستتر في الصحراء كانت
الإسطوانة أولى بذلك، لأنها أشد سترة منها. قوله: ((يتحرى الصلاة عندها))، أي: عند
الأسطوانة أمامة ولا تكون إلى جنبه لئلا يتخلل الصفوف شيء ولا يكون له سترة.
٥٠٣/١٥٢ - حدّثنا قَبِيصَةُ قال حدّثنا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بنِ عامرٍ عن أنَسٍ قَال لقَّدْ
رَأَيْتُ كِبَارَ أَصْحَابِ النبيِّ عَ لِ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِي عِنْدَ المَغْرِبِ. وَزَادَ شُعْبَةُ عنْ عَمْروٍ عنْ أَنْسٍ
حَتَّى يَخْرُجَ النبيُّ عَّهِ. [الحديث ٥٠٣ - طرفه في: ٦٢٥].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله وهم أربعة: الأول: قبيصة بن عقبة الكوفي. الثاني: سفيان الثوري.
الثالث: عمرو، بالواو: وابن عامر الكوفي الأنصاري، وليس هو: عمرو بن عامر البصري، فإنه
سلمي، ولا والد أسد فإنه بجلي. الرابع: أنس بن مالك.
ذكر لطائف اسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في
موضعين. وفيه: أن رواته كوفيون ما خلا أنس.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري هنا عن قبيصة وعن بندار عن
غندر عن شعبة. وأخرجه النسائي فيه عن إسحاق بن إبراهيم عن أبي عامر عن سفيان عنه،
وفي نسخة: عن شعبة، بدل: سفيان.
ذكر معناه قوله: ((لقد أدركت))، هذا رواية المستملي والحموي، وفي رواية غيرهما:
(لقد رأيت)). قوله: ((كبار أصحاب محمد))، الكبار: جمع كبير، والأصحاب: جمع صاحب.
قوله: ((يبتدرون السواري))، يتسارعون إليها. قوله: ((عند المغرب)) أي: عند آذان المغرب،
وصرح بذلك الإسماعيلي من طريق ابن مهدي عن سفيان، ولمسلم من طريق عبد العزيز بن
صهيب عن أنس نحوه. قوله: ((وزاد شعبة عن عمرو) إلى آخره تعليق، وقد وصله البخاري
في كتاب الآذان من طريق غندر عن عمرو بن عامر الأنصاري، وزاد فيه أيضاً. ((يصلون
الركعتين قبل المغرب)). قوله: ((حتى يخرج النبي عَّ)) ويروى: ((حين يخرج)) وسيأتي
الكلام في حكم الصلاة قبل المغرب بعد الغروب في موضعه إن شاء الله تعالى.
٩٦ _ بابُ الصَّلاَةِ بَيْنَ السَّوَارِي فَي غَيْرِ جَمَاعَةٍ
أي: هذا باب في بيان الصلاة بين السواري أي: الأساطين والأعمدة في غير جماعة،
يعني إذا كان منفرداً لا بأس في الصلاة بين الساريتين، إذا لم يكن في جماعة، وقيد بغير

٤١٦
٨ - كتاب الصلاة / باب (٩٦)
جماعة لأن ذلك يقطع الصفوف، وتسوية الصفوف في الجماعة مطلوبة.
٥٠٤/١٥٣ - حدّثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ قال حدّثنا جُوَيْرِيَةُ عنْ نافِعِ عنِ ابنِ عُمَرَ قال
دَخَلَ النبيُّ عَِّ الْبَيْتَ وَأُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ وَعُثْمَانُ بنُ طَلْحَةَ وَبِلالٌ فَأَطَالَ ثُمْ خَرَجَ كُنْتُ أَوَّلَ
النَّاسِ دَخَلَ عَلى أَثَرِهِ فَسَألْتُ بِلاَلاً أَيْنَ صَلَّى قال بَيْنَ العَمُودَيْنِ المُقَدَمَيْنِ. [انظر الحديث
٣٩٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فسألت بلالا)): إلى آخره.
ذكر رجاله وهم أربعة: الأول: موسى بن إسماعيل أبو سلمة المنقري البصري الذي
يقال له: التبوذكي. الثاني: جويرية، بضم الجيم مصغر الجارية: ابن أسماء الضبعي. الثالث:
نافع، مولى ابن عمر. الرابع: عبد الله بن عمر بن الخطاب.
ذكر لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين وفيه العنعنة في موضعين
وفيه القول وفيه أن نصف الرواة بصري والنصف الآخر مدني وفيه من الغريبان جويرية أصلها
للمؤنث ثم اشترك فيها الرجال والنساء وكذلك اسم أبيه بهذه الحالة.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره قد ذكرنا في باب الأبواب والغلق للكعبة
والمساجد، وقد ذكرنا أيضاً أكثر ما يتعلق به من المعنى وغيره. قوله: ((وكنت أول الناس))
في رواية أبي ذر وكريمة: ((كنت))، بلا: واو، وفي رواية الأصيلي وابن عساكر بزيادة: واو في
أوله، وهذه الجملة مقول ابن عمر. قوله: ((دخل)) جملة حالية، وكلمة: قد، مقدرة. قوله:
((على أثره)) بفتح الهمزة والثاء المثلثة، ويروى بكسر الهمزة وسكون الثاء. قوله: ((بين
العمودين المقدمين)) وفي رواية الكشميهني: ((المتقدمين)).
٥٠٥/١٥٤ - حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ نَافِعِ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ
عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّلِ دَخَلَ الكَعْبَةَ وأُسامَةُ بنُ زَيْدٍ وبِلاَلٌ وعُثْمَانُ بنُ طَلْحَةَ الْحَجَبِيُّ
فأغْلَقَها عَلَيْهِ ومَكَثَ فِيهَا فَسألْتُ بِلاَلاً حِينَ خَرَجَّ ما صَنَعَ النبيُّ عَّهِ قال جَعَلَ عَمُوداً عِنْ
يَسَارِهِ وَعَمُوداً عِنْ يَمِينِهِ وَثَلاثَةَ أَعْمِدَةٍ ورَاءَهُ وكانَ البَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ ثُمَّ صَلَّى.
وقال لنا إسماعيلُ حدّثني مالك وقال عَمُودَيْنِ عَنْ يَمِنِهِ. [انظر الحديث ٣٩٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فجعل عموداً)) إلى آخره. ورجاله قد تكرروا. قوله:
((وأسامة)) بالنصب عطفاً على: رسول الله عَّةٍ، ويجوز رفعه عطفاً على فاعل دخل. قوله:
((الحجبي)) بفتح الحاء المهملة ثم بالجيم وبالباء الموحدة المكسورة. قوله: ((فأغلقها))، أي:
أغلق عثمان، الكعبة أي: بابها. فإن قلت: في رواية مالك إشكال لأنه عموداً عن يساره
وعموداً عن يمينه، وهذان إثنان، ثم قال: وثلاثة أعمدة وراءه، فتكون الجملة خمسة، ثم قال:
وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة. قلت: أجاب الكرماني عنه بأن لفظ العمود جنس يحتمل
الواحد الإثنتين فهو مجمل بينه مالك في رواية إسماعيل بن أبي أويس عنه، وهي قوله: وقال
لنا إسماعيل: حدثني مالك؟ فقال: عمودين عن يمينه، فحينئذ تكون الأعمدة ستة. وقال

٤١٧
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٩٧)
خلف: لم أجده من حديث إسماعيل. وقد اختلف عن مالك في لفظه فرواه مسلم: ((عمودين
عن يساره وعموداً عن يمينه))، عكس رواية إسماعيل، وفي رواية البخاري ((عموداً عن يمينه
وعموداً عن يساره)). قال البيهقي: وهو الصحيح، وفي رواية: ((جعل عموداً عن يمينه وعمودين
عن يساره))، عكس ما سبق. وقد ذكر الدارقطني الاختلاف على مالك فيه، فوافق الجمهور
عبد الله بن يوسف في قوله: ((عموداً عن يمينه))؛ ووافق إسماعيل في قوله: ((عمودين عن يمينه))؛
ابن القاسم والقعنبي وأبو مصعب ومحمد بن الحسن وأبو حذافة، وكذلك الشافعي وابن
مهدي في إحدى الروايتين عنهم، وأجاب قوم عنه باحتمال تعدد الواقعة، وروى عثمان بن
عمر عن مالك: ((جعل عمودين عن يمينه وعمودين عن يساره))، فعلى هذا تكون الأعمدة
سبعة، ويردها قوله: ((وكأن البيت يومئذ على ستة أعمدة))، بعد قوله: ((وثلاثة أعمدة وراءه))
وعن هذا قال الدارقطني: لم يتابع عثمان بن عمر على ذلك، وأجاب الكرماني بجوابين
آخرين: الأول: هو أن الأعمدة الثلاثة المقدمة ما كانت على سمت واحد، بل عمودان
مسامتان والثالث على غير سمتها؛ ولفظ المقدمين في الحديث السابق يشعر به، فتعرض
للعمودين المسامتين وسكت عن ثالثها. والثاني: أن تكون الثلاثة على سمت واحد، وقام
رسول الله عَّله عند الوسطاني.
قوله: ((وقال لنا إسماعيل)) وهو أبي أويس بن أخت مالك بن أنس، وهذا موصول
بواسطة قوله لنا، وهي رواية كريمة، وفي رواية أبي ذر والأصيلي: وقال إسماعيل، بدون لفظ:
قال لنا، أحط درجة من: حدّثنا. قوله: ((حدثني مالك))، يعني: بهذا الحديث.
٩٧ _ باب
أي: هذا باب، فإذا لم يقدر شيئاً لا يكون معرباً، لأن الإعراب يكون بالعقد والتركيب،
كذا وقع لفظ: باب، بلا ترجمة في رواية الأكثرين، وليس لفظ باب في رواية الأصيلي،
وعلى قول الأكثرين: هو كالفصل من الباب الذي قبله، وإنما فصله لأن فيه زيادة، وهي مقدار
ما كان بينه وبين الجدار من المسافة.
٥٠٦/١٥٥ - حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قال حدّثنا أبو ضَمْرَةَ قال حدّثنا مُوسَى بنُ
عُقْبَةَ عنْ نَافِعِ أنَّ عَبْدَ اللهِ كانَ إِذَا دَخَلَ الكَعْبَةَ مَشَى قِبَلَ وَجْهِهِ حِينَ يَدْخِلُ وجَعَلَ البَابَ قِبَلَ
ظَهْرِهِ فَمَشَىّ حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجِدَارِ الذِي قِبَلَ وَجْهِهِ قَرِيباً مِنْ ثَلاثَةِ أَذْرُعٍ صَلَّى يَتَوَخَّى
المَكَّانَ الَّذِي أُخْبرِهُ بِلالٌ أنَّ النبيَّ عَ لَّهِ صَلَّى فيهِ قال وَلَيْسَ عَلَى أَحَدِنا بَأْسٌ أنْ صلى في
أَيِّ نَوَاحِي الْبَيْتِ شاءَ. [انظر الحديث ٣٩٧ وأطرافه].
مطابقة هذا الحديث للترجمة بطريق الإستلزام، وهو أن الموضع المذكور من كونه
مقابلاً للباب قريباً من الجدار يستلزم كون صلاته بين الساريتين.
ذكر رجاله وهم خمسة: الأول: إبراهيم بن المنذر أبو إسحاق الحزامي المديني.
الثاني: أبو ضمرة، بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم وبالراء: اسمه أنس بن عياض، مر في
القارى ١=٤

٤١٨
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٩٨)
باب التبرز في البيوت. الثالث: موسى بن عقبة بن أبي عياش المديني، مات سنة إحدى
وأربعين ومائة. الرابع: نافع مولى ابن عمر. الخامس: عبد الله بن عمر.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: أن شيخ
البخاري من أفراده.
ذكر معناه: قوله: ((قبل وجهه))، بكسر القاف وفتح الباء الموحدة: أي مقابل وجهه،
وكذلك الكلام في: ((قبل وجهه)) الذي بعده. قوله: ((قريباً)) كذا وقع بالنصب، ويروى بالرفع
وهو الأصل لأنه اسم: يكون، ووجه النصب أن يكون اسمه محذوفاً والتقدير: يكون القدر أو
المكان قريباً من ثلاثة أذرع، ولفظه: ((بثلاثة)) بالتأنيث في رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذر
من: ثلاث أذرع، بلا تاء. فإن قلت: الذراع مذكر فما وجهه ترك التأنيث. قلت: أجاب
بعضهم أن الذراع يذكر ويؤنث، وليس كذلك على الإطلاق بل الذراع الذي يذرع به يذكر،
وذراع اليد يذكر ويؤنث، وههنا شبه بذراع اليد. قوله: ((صلى))، جملة استئنافية. قوله:
((يتوخى)) أي: يتحرى، يقال: توخيت مرضاتك. أي: تحريت وقصدت. قوله: ((قال)) أي: ابن
عمر. قوله: ((إن صلى))، بكسر الهمزة، وصلى بلفظ الماضي، وفي رواية الكشمهني: ((أن
يصلي)) بفتح الهمزة ولفظ المضارع، والتقدير: ولا بأس بأن يصلي، وحذف حرف سائغ.
ذكر ما يستفاد منه فيه جواز الصلاة في نفس البيت. وفيه: الدنو من السترة. وقد أمر
الشارع بالدنو منها لئلا يتخلل الشيطان ذلك. وفيه: السترة بين المصلي والقبلة ثلاثة أذرع،
وادعى ابن بطال أن الذي واظب عليه الشارع في مقدار ذلك ممر الشاة، كما جاء في
الآثار. وفيه: أنه لا يشترط في صحة الصلاة في البيت موافقة المكان الذي صلى فيه النبي
عٍَّ، كما أشار إليه ابن عمر، ولكن الموافقة أولى وإن كان يحصل الغرض بغيره، وقد ذكرنا
أن الحديث لا يدل صريحاً على الصلاة بين الساريتين، وإنما دلالته على ذلك بطريق
الاستلزام، وقد بيناه. وقد اختلف السلف في الصلاة بين السواري، فكرهه أنس بن مالك
لورود النهي بذلك، رواه الحاكم وصححه، وقال ابن مسعود: لا تصفوا بين الأساطين واتموا
الصفوف)). وأجازه الحسن وابن سيرين، وكان سعيد بن جبير وإبراهيم التيمي وسويد بن غفلة
يؤمون قومهم بين الأساطين، وهو قول الكوفيين وقال مالك في (المدونة) لا بأس بالصلاة
بينهما لضيق المسجد. وقال ابن حبيب: ليس النهي عن تقطيع الصفوف إذا ضاق المسجد،
وإنما نهى عنه إذا كان المسجد واسعاً. قال القرطبي: وسبب الكراهة بين الأساطين أنه روي
أنه مصلى الجن المؤمنين.
٩٨ _ بابُ الصَّلاَةِ إلى الرَّاحِلَةِ والبَعَيرِ والشَّجَرِ والرَّحْلِ
أي: هذا باب في بيان حكم الصلاة بالتوجه إلى الراحلة إلى آخره، والراحلة: الناقة
التي يختارها الرجل لمركبه ورحله على النجابة وتمام الخلق وحسن النظر، فإذا كانت في
جماعة الإبل عرفت، و: الهاء، فيه للمبالغة كما يقال: رجل داهية وراوية. وقيل: إنما سميت:

٤١٩
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٩٨)
راحلة، لأنها ترحل. قال الله تعالى. ﴿في عيشة راضية﴾ [الحاقة: ٢١، والقارعة: ٧] أي:
مرضية، والبعير من الإبل بمنزلة الإنسان من الناس. ويقال للجمل: بعير وللناقة: بعير، وبنو تميم
يقولون: بعير وشعير بكسر الباء والشين، والفتح هو الفصيح، وإنما يقال له: بعير إذا أجذع،
والجمع: أبعرة في أدنى العدد، وأباعر في الكثير، وأباعير وبعران، وهذه عن الفراء. ومعنى:
بأجذع، إذا دخل في السنة الخامسة. فإن قلت: إذا أطلق البعير على الناقة، والراحلة هي:
الناقة، فما فائدة ذكر البعير؟ قلت: ذهب بعضهم إلى أن الراحلة لا تقع إلاَّ على الأنثى،
ولأجل ذلك أردفه بالبعير، فإنه يقع عليهما. قوله: ((والشجر)) هو المعروف، وفي حديث
علي، رضي الله عنه، قال: ((لقد رأيتنا يوم بدر وما فينا إنسان إلاَّ نائم إلاَّ رسول الله، عَ له،
فإنه كان يصلي إلى شجرة يدعو حتى أصبح)). رواه النسائي بإسناد حسن. قوله: ((والرحل))
بفتح الراء وسكون الحاء المهملة: وهو للبعير أصغر من القتب، وهو الذي يركب عليه. وهو:
الكور بضم الكاف. فإن قلت: حديث الباب لا يدل إلاَّ على الصلاة إلى البعير والشجر؟
قلت: كأنه وضع الترجمة على أنه يأتي لكل جزء منها بحديث، فلم يجد على شرطه إلّ
حديث الباب، وهو يدل على الصلاة إلى الراحلة والرحل، واكتفى به عن بقية ذلك بالقياس
على الراحلة، وقد روى غيره: في الصلاة إلى البعير والشجر، أما الصلاة إلى البعير فرواه أبو
داود عن عثمان بن أبي شيبة ووهب بن بقية وعبد الله بن سعيد، قال عثمان: أخبرنا أبو
خالد، قال: أخبرنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر: ((أن النبي عَ لَّه كان يصلي إلى بعيره)).
وأما الصلاة إلى الشجر فقد ذكرناه الآن عن النسائي.
٥٠٧/١٥٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ أبي بَكْرِ المُقَدَّمِيُّ الْبَصْرِيُّ قال حدّثنا مُعْتَمِرٌ عِنْ عُبَيْدِ
اللهِ عَنْ نافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ عنِ النبيِّ عَّهِ أَنَّهُ كانَ يُعَرِّضُ رَاحِلَتَهُ فَيُصَلِّي إِلَيْها قُلْتُ أَفَرَأْيِتَ إذا
هَبَّتِ الرَّكابُ قال كان يَأْخُذُ هذَا الرَّحْلَ فَيُعَدِّلُهُ فَيُصَلِّي إلى آخِرَتِهِ أو قال مُؤَخِّرِهِ وكانَ ابنُ
عُمَرَ رضي الله عنه يَفْعَلُهُ. [انظر الحديث ٤٣٠].
مطابقته للترجمة في. قوله: ((يعرض راحلته فيصلي إليها)). وفي قوله: ((كان يأخذ
الرحل)): إلى آخره. وأما ذكر البعير والشجر في الترجمة فقد ذكرنا وجهه آنفاً.
ذكر رجاله وهم أربعة تكرر ذكرهم. وفيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين.
وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع.
وأخرجه مسلم أيضاً في الصلاة عن أحمد بن حنبل، ولفظه: ((آخرة الرحل))، وأخرجه
أيضاً من حديث أبي ذر، وأبي هريرة وأخرج النسائي من حديث عائشة: ((سئل رسول الله
عَّ له في غزوة تبوك عن سترة المصلي؟ فقال: مثل مؤخرة الرحل.
ذكر معناه: قوله: ((يعرض))، بتشديد الراء من التعريض أي: يجعلها عرضاً. قوله:
((أفرأيت؟)) الفاء عاطفة على مقدر بعد الهمزة أي: أرأيت في تلك الحالة، فرأيت في هذه
الحالة الأخرى، والمعنى: أخبرني عن هذه وفي بعض النسخ: ((أرأيت)) بدون: الفاء. فإن

٤٢٠
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٩٩)
قلت: من السائل هنا ومن المسؤول عنه؟ قلت: الذي يدل عليه الظاهر أنه كلام نافع، وهو
السائل. والمسؤول عنه هو ابن عمر، ولكن وقع في رواية الإسماعيلي من طريق عبيدة بن
حميد: عن عبيد الله بن عمر أنه كلام عبيد الله، والمسؤول نافع، فعلى هذا يكون هو
مرسلاً، لأن فاعل: يأخذ، هو النبي عَِّ ولم يدركه نافع. قوله: ((إذا هبت الركاب))، هبت
بمعنى: هاجت وتحركت، يقال: هب الفحل إذا هاج، وهب العير في السير إذا نشط. وقال
ابن بطال: هبت أي زالت عن موضعها وتحركت. يقال: هب النائم من نومه إذا قام، وقيده
الأصيلي بضم الهاء، والفتح أصوب، والركاب، بكسر الراء وتخفيف الكاف: الإبل التي يسار
عليها والواحد الراحلة، ولا واحد لها من لفظها، والجمع الركب مثل الكتب. قوله:
((فيعدله))، من التعديل وهو تقويم الشيء. يقال: عدلته فاعتدل أي: قومته فاستقام، والمعنى
يقيمه تلقاء وجهه، لأن الإبل إذا هاجت شوشت على المصلي لعدم استقرارها، فحينئذ كان
النبي، عَّه، يعدل عنها إلى الراحل فيجعله سترة. وقد ضبط بعضهم: فيعدله، بفتح أوله
وسكون العين وكسر الدال، ثم فسره بقوله: أي يقيمه تلقاء وجهه، والصواب ما ذكرناه لأنه
من باب: فعل، بالتشديد، لكنه يأتي بمعنى: فعل بالتخفيف، كما يقال: زلته وزيلته، وكلاهما
بمعنى: فرقته. قوله: ((إلى آخرته))، بفتح الهمزة والخاء والراء بلا مد أي: فصلى إلى آخرة
الرحل، ويجوز المد في الهمزة، ولكن بكسر الخاء، وهي الخشبة التي يستند إليها الراكب.
قوله: ((أو قال مؤخرته))، في ضبطه وجوه: الأول: بضم الميم وكسر الخاء وهمزة ساكنة،
قاله النووي. والثاني: بفتح الهمزة وفتح الخاء المشددة. والثالث: إسكان الهمزة وتخفيف
الهاء، وقال أبو عبيد: يجوز كسر الخاء وفتحها، وأنكر ابن قتيبة الفتح، وقال ابن مكي: لا
يقال مقدم ومؤخر بالكسر إلاَّ في العير خاصة، وأما في غيرها فلا يقال: إلا بالفتح فقط، وقال
الجوهري: مؤخرة الرحل لغة قليلة في أخرته، وقال ابن التين: رويناه بفتح الهمزة وتشديد
الخاء وفتحها. وقال القرطبي: مؤخرة الرحل العود الذي يكون في آخر الرحل بضم الميم
وكسر الخاء. والرابع روى بعضهم بفتح الهمزة وتشديد الخاء. قوله: ((وكان ابن عمر
يفعله))، مقول: نافع، والضمير المنصوب في: يفعله، يرجع إلى كل واحد من التعريض
والتعديل اللذين يدل عليهما، قوله: يعرض، وقوله: فيعدله، من قبيل قوله تعالى: ﴿أعدلوا هو
أقرب للتقوى﴾ [المائدة: ٨] أي: العدل أقرب للتقوى، فافهم.
ذكر ما يستفاد منه قال الخطابي: فيه: دليل على جواز السترة بما يثبت من الحيوان.
قال ابن بطال: وكذلك تجوز الصلاة إلى كل شيء طاهر. وقال القرطبي: في هذا الحديث
دليل على جواز التستر بالحيوان، ولا يعارضه النهي عن الصلاة في معاطن الإبل لأن المعاطن
مواضع إقامتها عند الماء، وكراهة الصلاة حينئذ عندها إما لشدة نتنها، وإما لأنهم كانوا
يتخلون بها مستترين بها. وقيل: علة النهي في ذلك كون الإبل خلقت من الشياطين، وقد مر
الكلام فيه مستوفى في باب الصلاة في مواضع الإبل.