النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٦٢)
يجرد عنه الخوص وإن لم يجرد يسمى سعفاً.
وَأَمَرَ عُمَرُ بِيِناءِ المَسْجِدِ وقالَ أَكِنَّ النَّاسَ مِنَ المَطَرِ وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ فَتَفْتِنَ
النَّاسَ.
مطابقته للترجمة ظاهرة جداً، والمراد من المسجد: مسجد رسول الله عَّه، ويأتي في
هذا الباب أنه روي من حديث نافع أن عبد الله أخبره أن المسجد كان على عهد رسول الله
عَ ل مبيناً باللبن وسقفه الجريد وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئاً، وزاد فيه
عمر وبناه على بنيانه في عهد رسول الله عَّ ◌ُلِّ باللبن والجريد، وأعاد عمده خشباً. ورواه أبو
داود أيضاً. قوله: (باللبن))، بفتح اللام وكسر الباء الموحدة، ويقال: اللبنة، بكسر اللام
وسكون الباء الموحدة: وهي الطوب النيء. قوله: ((وعمده))، بضم العين والميم وبفتحهما،
جمع الكثرة لعمود البيت، وجمع القلة: أعمدة. قوله: ((أكن) فيه أوجه. الأول: أكن، بفتح
الهمزة وكسر الكاف وفتح النون، على صورة الأمر من الإكنان، وهي رواية الأصيلي، وهي
الأظهر، ويدل عليه قوله قبله: ((أمر عمر)) وقوله بعده: ((وإياك)) وذلك لأنه أولاً أمر بالبناء
وخاطب أحداً بذلك ثم حذره من التحمير والتصفير بقوله: ((وإياك أن تحمر أو تصفر))،
والإكنان من أكننت الشيء أي: صنته وسترته. وحكى أبو زيد والكسائي: كننته، من الثلاثي
بمعنى: أكننته. وقال ثعلب في (الفصيح): أكننت الشيء أي: أخفيته، وكنيته إذا سترته بشيء.
ويقال: أكننت الشيء سترته وصنته من الشمس، وأكننته في نفسي أسررته. وفي (كتاب فعل
وافعل) لأبي عبيدة معمر بن المثنى: قالت تميم: كننت الجارية أكنها كناً، بكسرا لكاف،
وأكننت العلم والسر. وقالت قيس: كننت العلم والسر بغير ألف، وأكننت الجارية بالألف.
وقال ابن الأعرابي، في (نوادره): أكنننت السر، وكننت وجهي من الحر، وكننت سيفي،
قال: وقد يكون هذا بالألف أيضاً. الوجه الثاني: أكن الناس، بضم الهمزة وكسر الكاف
وتشديد النون المضمومة: بلفظ المتكلم من الفعل المضارع، وقال ابن التين: هكذا رويناه،
وفي هذا الوجه التفات وهو أن عمر أخبر عن نفسه ثم التفت إلى الصانع فقال: وإياك، ويجوز
أن يكون تجريداً، فكأن عمر بعد أن أخبر عن نفسه جرد عنها شخصاً ثم خاطبه بذلك.
الوجه الثالث: قال عياض: كن الناس، بحذف الهمزة وكسر الكاف وتشديد النون: من كن
يكن، وهو صيغة أمر، وأصله أكن بالهمزة حذفت تخفيفاً على غير قياس. الوجه الرابع: كن،
بضم الكاف، من: كن فهو مكنون، وهذا له وجه، ولكن الرواية لا تساعده. قوله: ((وإياك))،
كلمة تحذير أي: احذر من أن تحمر. وكلمة: أن، مصدرية، ومفعول: تحمر، محذوف
تقديره: إياك تحمير المسجد أو تصفيره، ومراده الزخرفة. وقد روى ابن ماجه من طريق عمرو
ابن ميمون عن عمر رضي الله تعالى عنه، مرفوعاً: ((ما ساء عمل قوم قط إلاَّ زخرفوا
مساجدهم)). قوله: ((فتفتن الناس))، بفتح التاء المثناة من فوق وسكون الفاء: من فتن يفتن، من
باب ضرب يضرب، فتناً وفتوناً إذا امتحنته، وضبطه ابن التين بضم تاء الخطاب من أفتن،
والأصمعي أنكر هذا، وأبو عبيد أجازه، وقال: فتن وافتن بمعنى، وهو قليل، والفتنة اسم وهو

٣٠٢
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٦٢)
في الأصل الامتحان والاختبار، ثم كثر استعمالها بمعنى الإثم والكفر والقتال والإحراق والإزالة
والصرف عن الشيء. وقال الكرماني: ويفتن من الفتنة، وفي بعضها من التفتين. قلت: إذا كن
من التفتين يكون من باب التفعيل، وماضيه: فتن، بتشديد التاء، وعلى ضبط ابن التين يكون
من باب الإفعال وهو الإفتان بكسر الهمزة، وعلى كل حال هو بفتح النون لأنه معطوف على
المنصوب بكلمة. أن.
وقال أنَسْ يَتَبَاهَوْنَ بِهَا ثُمَّ لاَ يَعْمُرُونَها إِلاَّ قَلِيلاً.
هذا التعليق مرفوع في (صحيح ابن خزيمة): عن محمد بن عمرو بن العباس حدّثنا
سعيد بن عامر عن أبي عامر الخراز قال: قال أبو قلابة: انطلقنا مع أنس نريد الزاوية، نعني
قصر أنس، فمررنا بمسجد فحضرت صلاة الصبح فقال أنس: لو صلينا في هذا المسجد،
فقال بعض القوم: نأتي المسجد الآخر، فقال أنسٍ: إن رسول الله عَ ليه قال: ((يأتي على
الناس زمان يتباهون بالمساجد ثم لا يعمرونها إلاَّ قليلاً، أو قال: يعمرونها قليلاً)). ورواه
أبو يعلى الموصلي أيضاً في (مسنده)، وروى أبو داود في (سننه): حدّثنا محمد بن عبد الله
الخزاعي حدّثنا حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة وقتادة عن أنس: ((إن النبي عَلَّه قال:
لا تقوم الساعة حتى يتباهي الناس في المساجد)). وأخرجه النسائي وابن ماجة أيضاً،
وروى أبو نعيم في (كتاب المساجد) من حديث محمد بن مصعب القرقساني: عن حماد
((يتباهى الناس ببناء المساجد))، ومن حديث علي بن حرب: عن سعيد بن عامر عن الخراز:
((يتباهون بكثرة المساجد)). قوله: ((يتباهون))، بفتح الهاء من المباهاة وهي المفاخرة، والمعنى
أنهم يزخرفون المساجد ويزينونها ثم يقعودن فيها ويتمارون ويتباهون ولا يشتغلون بالذكر
وقراءة القرآن والصلاة. قوله: ((بها))، أي: بالمساجد، والسياق يدل عليه. قوله: ((إلاَّ قليلاً))،
بالنصب، ويجوز الرفع من جهة النحو، فإنه بدل من ضمير الفاعل.
وقال ابنُ عَبَّاسٍ لَتُرَخْرِ فُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ اليَهُودُ والنَّصَارَى.
هذا التعليق رواه أبو داود موصولاً عن ابن عباس هكذا موقوفاً، وروي عنه مرفوعاً،
قال: حدّثنا محمد بن الصباح عن سفيان أخبرنا سفيان بن عيينة عن سفيان الثوري عن أبي
فزارة عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس، قال: قال رسول الله عَّله: ((ما أمرت بتشييد
المساجد)). قال ابن عباس: لتزخرفتها كما زخرفت اليهود والنصارى، وأبو فزارة اسمه راشد
ابن كيسان، وإنما اقتصر البخاري على الموقوف منه ولم يذكر المرفوع منه للاختلاف على
يزيد بن الأصم في وصله وإرساله، ويزيد هذا روى له مسلم والأربعة. قوله: ((لتزخرفتها)) أي:
لتزخرفن المساجد، بضم الفاء ونون التأكيد، والضيمر فيه للمذكرين. وأما اللام فيه فقد ذكر
الطيبي فيه وجهين. الأول: أن تكون مكسورة، وهي لام التعليل للنفي قبله، والمعنى: ما
أمرت بتشييد المساجد لأجل زخرفتها، والتشييد من شيد يشيد: رفع البناء والإحكام، ومنه
قوله تعالى: ﴿ولو كنتم في بروج مشيدة﴾ [النساء: ٧٨]. الوجه الثاني: فتح اللام على أنها
جواب القسم، وقال بعضهم: هذا هو المعتمد، والأول لم تثبت به الرواية أصلاً. قلت: الذي

٣٠٣
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٦٢)
قاله الطيبي هو الذي يقتضيه الكلام، ولا وجه لمنعه، ودعوى عدم ثبوت الرواية يحتاج إلى
برهان. ومعنى الزخرفة: التزيين، يقال: زخرف الرجل كلامه إذا موهه وزينه بالباطل،
والزخرف: الذهب، والمعنى ههنا: تمويه المساجد بالذهب ونحوه كما زخرفت اليهود
كنائسهم والنصارى بيعهم. قال الخطابي: وإنما زخرفت اليهود والنصارى كنائسها وبيعها
حين حرفت الكتب وبدلتها فضيعوا الدين وعرجوا على الزخاريف والتزيين. وقال محيي
السنة: إنهم زخرفوا المساجد عند ما بدلوا دينهم وأنتم تصيرون إلى مثل حالهم وسيصير
أمركم إلى المرآة بالمساجد والمباهاة بتزيينها، وبهذا استدل أصحابنا على أن نقش المسجد
وتزيينه مكروه، وقول بعض أصحابنا: ولا بأس بنقش المسجد، معناه تركه أولى ولا يجوز من
مال الوقف، ويغرم الذي يخرجه سواء كان ناظراً أو غيره.
فإن قلت: ما وجه الكراهة إذا كان من ماله دون مال الوقف؟ قلت: إما اشتغال
المصلي به، وإما إخراج المال في غير وجهه.
٤٤٦/١٠٦ - حدّثنا عَلَيُّ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قال حدّثنا يَعْقُوبُ بنُ إِبْرَاهِيمَ بنِ سَعْدٍ قال
حدّثني أبي عِنْ صَالِحِ بنِ كَيْسَانَ قال حدّثنا نافِعٌ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ أَخْبَرَهُ أنَّ المَسْجِدَ كانَ عَلى
عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ مَّ ◌ُلِّ مِيًِّا بِاللَّبِنِ وَسَقْفُهُ الجَرِيدُ وَعَمَدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ
شَيْئاً وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ وَ بَناهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسولِ اللَّهِ عَ لّهِ بِاللَِّنِ والجَرِيدِ وَأَعادَ عُمُدَهُ
حَشَباً ثُمَّ غَيِّرَهُ عُثْمَانُ فَزَادَ فِيهِ زِيادَةً كَثِيرَةً وَبَنْىَ جِدَارَهُ بِالحِجَارَةِ المَنْقُوشَةِ والقَصَةِ وَجَعَلَ
عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ وَسقَّفَهُ بِالسَّاجِ.
مطابقة هذا الحديث للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله وهم ستة: الأول: علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح أبو الحسن، يقال
له ابن المديني البصري. الثاني: يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن
عوف الزهري، أصله مدني كان بالعراق. الثالث: أبوه إبراهيم بن سعد. الرابع: صالح بن
كيسان أبو محمد مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز. الخامس: نافع مولى ابن عمر. السادس:
عبد الله بن عمر بن الخطاب.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع. وفيه: العنعنة في
موضع واحد. وفيه: الإخبار بصيغة الإفراد. وفيه: أن رواته ما بين بصري ومدني. وفيه: رواية
الأقران وهي رواية صالح عن نافع لأنهما من طبقة واحدة. وفيه: رواية التابعي عن التابعي لأن
صالحاً ونافعاً كلاهما تابعيان. وفيه: زاد الأصيلي لفظة: ابن سعد، بعد قوله: حدّثنا يعقوب
ابن إبراهيم.
ذكر من أخرجه غيره أخرجه أبو داود في الصلاة عن محمد بن يحيى بن فارس
ومجاهد بن موسى وهو أتم، قالا: حدّثنا يعقوب بن إبراهيم إلى آخره.
ذكر معناه قوله: ((كان على عهد رسول الله عَّالِ)) أي: في زمانه وأيامه. قوله:

٣٠٤
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٦٣)
((باللبن))، بفتح اللام وكسر الباء الموحدة، وقد مر تفسيره عن قريب، وكذلك معنى الجريد
مر عن قريب. و: ((العمد))، بضمتين وفتحتين أيضاً، وقد ذكرناه. قوله: ((فلم يزد فيه أبو
بكر رضي الله تعالى عنه))، يعني: لم يغير فيه شيئاً بالزيادة والنقصان. قوله: ((وزاد فيه عمر
رضي الله تعالى عنه))، يعني: في الطول والعرض ولم يغير في بنائه بل بناه على بينان النبي
عليه الصلاة والسلام. قوله: ((في عهد رسول الله عَّ له)، إما صفة للبنيان أو حال، وإنما غير
عمده لأنها تلفت. قال السهيلي: نخرت عمده في خلافة عمر فجددها، وهو معنى قوله:
((وأعاد عمده خشباً)). قوله: ((ثم غير عثمان))، يعني من جهة التوسيع وتغيير الآلات. قوله:
((بحجارة منقوشة)» هكذا في رواية الحموي والمستملي، وفي رواية غيرهما ((بالحجارة
المنقوشة))، يعني: بدل اللبن. قوله: ((والقصة)) أي: وبالقصة، بفتح القاف وتشديد الصاد
المهملة، وهي الجص بلغة أهل الحجاز. قلت: الجص: لغة فارسية معربة وأصلها: كج، وفيه
لغتان: فتح الجيم وكسرها، وهو الذي يسميه أهل مصر جيراً، وأهل البلاد الشامية يسمونه:
كلساً. قوله: ((وجعل عمده)) عطف على قوله: ((وبنى جداره)). قوله: ((وسقفه)) بلفظ الماضي
من التسقيف من باب التفعيل عطفاً على جعل، ويروى بلفظ الاسم عطفاً على عمده. قوله:
((بالساج))، بالسين المهملة وبالجيم: وهو ضرب من الخشب معروف يؤتى به من الهند وله
قيمة.
ذكر ما يستنبط منه قال ابن بطال: ما ذكره البخاري في هذا الباب يدل على أن السنة في
بنيان المساجد القصد وترك الغلو فى تشييدها خشية الفتنة والمباهاة ببنيانها، وكان عمر رضى الله
تعالى عنه، مع الفتوح التي كانت في أيامه وتمكنه من المال لم يغير المسجد عن بنيانه الذي كان
عليه في عهد النبي عَّه، ثم جاء الأمر إلى عثمان والمال في زمانه أكثر ولم يزد على أن يجعل
مكان اللبن حجارة وقصة وسقفه بالساج مكان الجريد، فلم يقصر هو وعمر رضي الله عنهما، عن
البلوغ في تشييده إلى أبلغ الغايات، إلاّ عن علمهما بكراهة النبي عَّ له ذلك، وليقتدي بهما في
الأخذ من الدنيا بالقصد والزهد والكفاية في معالي أمورها وإيثار البلغة منها.
قلت: أول من زخرف المساجد الوليد بن عبد الملك بن مروان، وذلك في أواخر
عصر الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وسكت كثير من أهل العلم عن إنكار ذلك خوفاً من
الفتنة. وقال ابن المنير: لما شيد الناس بيوتهم وزخرفوها فانتدب أن يصنع ذلك بالمساجد
صوناً لها عن الاستهانة. وقال بعضهم: ورخص في ذلك بعضهم، وهو قول أبي حنيفة إذا
وقع ذلك على سبيل التعظيم للمساجد، ولم يقع الصرف على ذلك من بيت المال. قلت:
مذهب أصحابنا أن ذلك مكروه، وقول بعض أصحابنا: ولا بأس بنقش المسجد، معناه: تركه
أولی، وقد مر الكلام فيه عن قريب.
٦٣ _ بابُ التَّعَاوُنِ في بِنَاءِ المَسْجِدِ
أي: هذا باب في بيان تعاون الناس بعضهم بعضاً في بناء المسجد، وأشار بهذا إلى

٣٠٥
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٦٣)
أن في ذلك أجراً، ومن زاد في عمله في ذلك زاد في أجره، وفي بعض النسخ: في باء
المساجد، بلفظ الجمع.
وَقَوْلُ اللَّهِ ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ
أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمَالُهُمْ وفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ. إَِّا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ
وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَى إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ [التوبة:
١٧ - ١٨].
كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذر: ((﴿ما كان للمشركين إن يعمروا مساجد
الله﴾)) إلى قوله: ﴿المهتدين﴾ [التوبة: ١٧ - ١٨] ولم يقع في روايته لفظ: وقول الله عز وجل.
وسبب نزول هذه الآية أنه لما أسر العباس، رضي الله تعالى عنه، يوم بدر، أقبل عليه
المسلمون فعيروه بالكفر وأغلظ له علي رضي الله تعالى عنه، فقال العباس: ما لكم تذكرون
مساوينا دون محاسننا؟ فقال له لي ألكم محاسن؟ قال؛ نعم! إنا لنعمر المسجد الحرام
ونحجب الكعبة ونسقي الحاج ونفك العاني، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال بعضهم في
توجيه ذكر البخاري هذه الآية ههنا وذكره هذه الآية مصير منه إلى ترجيح أحد الاحتمالين
من أحد الاحتمالين، وذلك أن قوله تعالى: ﴿مساجد الله﴾ [التوبة: ١٧ - ١٨] يحتمل أن
يراد بها مواضع السجود، ويحتمل أن يراد بها الأماكن المتخذة لإقامة الصلاة، وعلى الثاني
يحتمل أن يراد بعمارتها بنيانها، ويحتمل أن يراد الإقامة فيها لذكر الله تعالى قلت: هذا الذي
قاله هذا القائل لا يناسب معنى هذه الآية أصلاً، وإنما يناسب معنى قوله تعالى: ﴿إنما يعمر
مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ... ﴾ [التوبة: ١٨] الآية، على أن أحداً من المفسرين
لم يذكر هذا الوجه الذي ذكره هذا القائل، وإنما هذا تصرف منه بالرأي في القرآن فلا يجوز
ذلك، ويجب الإعراض عن هذا. قال المفسرون: معنى هذه الآية: ما ينبغي للمشركين بالله أن
يعمروا مساجد الله التي بنيت على اسمه وحده لا شريك له، ومن قرأ مسجد الله أراد به
المسجد الحرام، أشرف المساجد في الأرض التي بنى من أول يوم على عبادة الله تعالى
وحده لا شريك له، وأسسه خليل الرحمن عليه الصلاة والسلام، هذا وهم شاهدون على
أنفسهم بالكفر. وقال الزمخشري: أما القراءة بالجمع ففيها وجهان: أحدهما: أن يراد به
المسجد الحرام؟ وإنما قيل: مساجد الله لأنه قبلة المساجد كلها، وإمامها، فعامره كعامر
جميع المساجد، ولأن كل بقعة منه مسجد.
والثاني: أن يراد به جنس المساجد، فإذا لم يصلحوا أن يعمروا جنسها دخل تحت
ذلك أن لا يعمروا المسجد الحرام الذي هو صدر الجنس - ومقدمته، وهو آكد، لأن طريقه
طريق الكناية، كما لو قلت: فلان لا يقرأ كتب الله، كنت أنفى لقراءة القرآن من تصريحك
بذلك، ثم إن البخاري ذكر هذه الآية من جملة الترجمة وحديث الباب لا يطابقها، ولو ذكر
قوله تعالى: ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله ... ﴾ [التوبة: ١٨] الآية لكان أجدر وأقرب
للمطابقة ولكن يمكن أن يوجه ذلك وإن كان فيه بعض تعسف، وهو أن يقال: إنه أشار به إلى
عمدة القاري /٦ ٤ /٢٠٥

٣٠٦
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٦٣)
أن التعاون في بناء المساجد المعتبر الذي فيه الأجر إنما كان للمؤمنين، ولم يكن ذلك
للكافرين، وإن كانوا بنوا مساجد ليتعبدوا فيها بعبدتهم الباطلة، ألا ترى أن العباس رضي الله
تعالى عنه، لما أسر يوم بدر وعير بكفره وأغلظ له علي رضي الله تعالى عنه، ادعى أنهم كانوا
يعمرون المسجد الحرام، فبين الله لهم ذلك أنه غير مقبول منهم لكفرهم حيث أنزل على نبيه
الكريم: ﴿ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله﴾ [التوبة: ١٧] كما ذكرناه الآن، ثم أنزل
في حق المسلمين الذين يتعاونون في بناء المساجد قوله: ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن
بالله ... ﴾ [التوبة: ١٨] الآية، والمعنى: إنما العمارة المعتد بها عمارة من آمن بالله، فجعل
عمارة غيرهم كلا عمارة حيث ذكرها بكلمة الحصر، وروى عبد بن حميد في مسنده:
حدّثنا يونس بن محمد حدّثنا صالح المزي عن ثابت البناني وميمون بن سياه وجعفر بن زيد
عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله عَّه: ((إن عمار المسجد هم أهل الله))، ورواه
الحافظ أبو بكر البزار أيضاً، ولا شك أن أهل الله هم المؤمنون.
١٠٧/ ٤٤٧ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدّثنا عَبْدُ العَزيزِ بنُ مُخْتَارٍ قال حدّثنا خالِدٌ الحَذَّاءُ
عِنْ عِكْرِمَةَ قال لِيَ ابنُ عَبَّاس وَلَائِهِ عَلِيّ إِنْطَلِقَا إِلى أبي سَعِيدٍ فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ فَانْطَلَقْنَا فَإِذَا
هُوَ في حَائِطٍ يُصْلِحُهُ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فاحْتَبَي ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا حَتَّى أتَى على ذِكْرِ بِنَاءِ المسْجِدِ
فقال كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً وَعَمَّارٌ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ فَرَآهُ النّبِي عَ لَّهِ فَنَفَضَ التَرَابَ عَنْهُ وقالَ وَيْحَ
عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الفِئَةُ الْبَاغِيَةُ يَدْعُوهُمْ إِلَى الجَنَّةِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ قال يَقُولُ عَمَّارٌ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ
الفِتَنِ. [الحديث ٤٤٧ - طرفه في: ٢٨١٢].
مطابقته للترجمة الأولى ظاهرة، وقد مر الكلام فيه مستوفىّ.
ذكر رجاله وهم ستة. الأول: مسدد بن مسرهد، وقد تكرر ذكره. الثاني: عبد العزيز
ابن مختار أبو إسحاق الدباغ البصري الأنصاري. الثالث: خالد بن مهران الحذاء، بفتح الحاء
المهملة وتشديد الذال المعجمة، وقد تقدم. الرابع: عكرمة مولى ابن عباس. الخامس: علي
ابن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي أبو الحسن، ويقال: أبو محمد، كان
مولده ليلة قتل علي بن أبي طالب فسمى باسمه وكنى بكنيته، وكان غاية في العبادة والزهد
والعلم والعمل وحسن الشكل والفقه، وكان يصلي كل يوم ألف ركعة، هو جد السفاح
والمنصور الخليفتين، وكان يدعى: السجاد، لذلك. وكان له خمسمائة أصل زيتون يصلي
كل يوم عند أصل كل شجرة ركعتين، مات بعد العشرين ومائة، إما سنة أربع عشرة أو
سبع عشرة أو عشر، عن ثمان أو تسع وسبعين سنة. السادس: أبو سعيد الخدري رضي الله
عنه.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في
موضع واحد. وفيه: القول. وفيه: أن إسناده كله بصري لأن ابن عباس أقام أميراً على البصرة
مدة، وعكرمة مولاه معه.

٣٠٧
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٦٣)
ذكر تعدد موضعه: أخرجه البخاري أيضاً في الجهاد عن إبراهيم بن موسى.
ذكر معناه وإعرابه قوله: ((ولابنه))، الضمير فيه يرجع إلى ابن عباس. قوله: «فإذا
هو))، كلمة: إذا، ههنا للمفاجأة، أي: فإذا أبو سعيد الخدري في حائط، أي: بستان. وسمي
به لأنه لا سقف له. قوله: ((يصلحه)) جملة في محل الرفع لأنها خبر لقوله: هو، ولفظ
البخاري في باب الجهاد: ((فأتيناه وهو وأخوه في حائط لهما يسقيانه)) قيل: أخوه هذا لأمه،
وهو قتادة بن النعمان، ورد بأن هذا لا يصح، لأن علي بن عبد الله بن عباس ولد في آخر
خلافة علي بن أبي طالب، ومات قتادة بن النعمان قبل ذلك في أواخر خلافة عمر بن
الخطاب رضي الله تعالى عنه، وليس لأبي سعيد أخ شقيق ولا أخ من أبيه ولا من أمه إلاّ
قتادة، فيحتمل أن يكون المذكور أخاه من الرضاعة، والله تعالى أعلم. قوله: ((فاحتبى))،
بالحاء المهملة وبالباء الموحدة بعد التاء المثناة من فوق، يقال؛ احتبى الرجل إذا جمع ظهره
وساقيه بعمامته، وقد يحتبي بيديه. قوله: ((أنشأ)) بمعنى: طفق، وهما من أفعال المقاربة وضعا
للدلالة على الشروط في الخبر، ويعملان عمل: كان إلاَّ أن خبرهما يجب أن يكون جملة،
ويشاركهما في هذا الذي ذكرناه: جعل وعلق وأخذ.
قوله: ((يحدّثنا)) في محل النصب لأنه خبر: أنشأ. قوله: ((حتى أتى)) وفي رواية
كريمة: ((حتى إذا أتى)). قوله: ((بناء المسجد))، أي: المسجد النبوي، فالألف واللام فيه
للعهد. قوله: ((قال)): أي أبو سعيد الخدري. قوله: ((لبنة))، بفتح اللام وكسر الباء الموحدة
بعدها النون: وهي الطوب النيء، وانتصابها على أنها مفعول: نحمل، وانتصاب الثانية بأنه
تأكيد لها. قوله: ((وعمار)) أي: يحمل عمار بن ياسر لبنتين لبنتين. زاد معمر في روايته: (لبنة
عنه ولبنة عن رسول الله عَّه)). وفيه زيادة أيضاً لم يذكرها البخاري، ووقعت عند
الإسماعيلي وأبي نعيم في (المستخرج) من طريق خالد الواسطي: عن خالد الحذاء، وهي:
((فقال النبي عَّ: يا عمار أَلاَّ تحمل كما يحمل أصحابك؟ قال: إني أريد من الله الأجر)).
قوله: ((فرآه النبي عَّ))، الضمير المنصوب فيه يرجع إلى عمار. قوله: ((فنفض
التراب عنه))، ويروى: ((فينفض التراب عنه))، وفيه التعبير بصيغة المضارع في موضع الماضي
لاستحضار ذلك في نفس السامع كأنه شاهده، وفي رواية الكشميهني: ((فجعل ينفض التراب
عنه)). وفي لفظ للبخاري في باب الجهاد: ((عن رأسه))، وكذا في رواية مسلم. قوله: ((ويح
عمار))، كلمة: ويح، كلمة رحمة كما أن كلمة: ويل، كلمة عذاب. تقول: ويح لزيد وويل
له، برفعهما على الابتداء، ولك أن تقول: ويحاً لزيد وويلاً له، فتنصبهما بإضمار فعل، وأن
تقول: ويحك وويح زيد، وويلك وويل زيد، بالإضافة فتنصب أيضاً بإضمار الفعل، وههنا
بنصب الحاء لا غير. قوله: ((الفئة)) هي الجماعة: و: ((الباغية)) هم الذين خالفوا الإمام
وخرجوا عن طاعته بتأويل باطل ظناً بمتبوع مطاع. قوله: ((يدعوهم)) أي: يدعو عمار الفئة
الباغية وهم الذين قتلوه في وقعة صفين، وأعيد الضمير إليهم، وهم غير مذكورين صريحاً.
قوله: ((إلى الجنة)) أي: إلى سببها، وهي الطاعة. كما أن سبب النار هو المعصية. قوله: ((ويدعونه

٣٠٨
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٦٣)
إلى النار))، أي: يدعو هؤلاء الفئة الباغية عمارًا إلى النار. فإن قيل: كان قتل عمار بصفين،
وكان مع علي رضي الله تعالى عنه، وكان الذين قتلوه مع معاوية، وكان معه جماعة من
الصحابة فكيف يجوز أن يدعوه إلى النار؟ فأجاب ابن بطال عن ذلك فقال: إنما يصح هذا في
الخوارج الذين بعث إليهم علي عماراً يدعوهم إلى الجماعة، وليس يصح في أحد من
الصحابة لأنه لا يجوز أن يتأول عليهم إلاَّ أفضل التأويل. قلت: تبع ابن بطال في ذلك
المهلب، وتابعه على ذلك جماعة في هذا الجواب، ولكن لا يصح هذا، لأن الخوارج إنما
خرجوا على علي رضي الله تعالى عنه، بعد قتل عمار بلا خلاف بين أهل العلم بذلك، لأن
ابتداء أمرهم كان عقيب التحكيم بين علي ومعاوية، ولم يكن التحيكم إلاّ بعد انتهاء القتال
بصفين، وكان قتل عمار قبل ذلك قطعاً، وأجاب بعضهم بأن المراد بالذين يدعونه إلى النار
كفار قريش، وهذا أيضاً لا يصح، لأنه وقع في رواية ابن السكن وكريمة وغيرهما زيادة
توضيح بأن الضمير يعود على قتلة عمار، وهم أهل الشام. وقال الحميدي: لعل هذه الزيادة
لم تقع للبخاري، أو وقعت فحذفها عمداً ولم يذكرها في الجمع. قال: وقد أخرجها
الإسماعيلي والبرقاني في هذا الحديث، والجواب الصحيح في هذا أنهم كانوا مجتهدين
ظانين أنهم يدعونه إلى الجنة، وإن كان في نفس الأمر خلاف ذلك، فلا لوم عليهم في اتباع
ظنونهم، فإن قلت: المجتهد إذا أصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر، فكيف الأمر ههنا.
قلت: الذي قلنا جواب إقناعي فلا يليق أن يُذكر في حق الصحابة خلاف ذلك، لأن الله
تعالى أثنى عليهم وشهد لهم بالفضل، بقوله: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ [آل عمران:
١١٠]، قال المفسرون: هم أصحاب محمد عَ له.
ذكر ما يستنبط منه من الفوائد فيه: أن التعاون في بنيان المسجد من أفضل الأعمال
لأنه مما يجري للإنسان أجره بعد موته، ومثل ذلك حفر الآبار وكري الأنهار وتحبيس
الأموال التي يعم العامة نفعها. وفيه: الحث على أخذ العلم من كل أحد وإن كان الآخذ
أفضل من المأخوذ منه، ألا ترى أن ابن عباس مع سعة علمه أمر ابنه علياً بالأخذ عن أبي
سعيد الخدري؟ قيل: يحتمل أن يكون إرسال ابن عباس إليه لطلب علو الإسناد، لأن أبا
سعيد أقدم صحبة وأكثر سماعاً من النبي عَّهِ. قلت: مع هذا لا ينافي ذلك ما ذكرناه. وفيه:
أن العالم له أن يتهيأ للحديث ويجلس له جلسة. وفيه: ترك التحديث في حالة المهنة إعظاماً
للحديث وتوقيراً لصحابه. وهكذا كان السلف. وفيه: أن للإنسان أن يأخذ من أفعال البر ما
يشق عليه إن شاء كما أخذ عمار لبنتين. وفيه: إكرام العامل في سبيل الله والإحسان إليه
بالفعل والقول. وفيه: علامة النبوة لأنه معَّلَّمِ أخبر بما يكون فكان كما قال. وفيه: إصلاح
الشخص: بما يتعلق بأمر دنياه كإصلاح بستانه وكرمه بنفسه وكان السلف على ذلك لأن فيه
إظهار التواضع ودفع الكبر وهما من أفضل الأعمال الصالحة. وفيه: فضيلة ظاهرة لعلي
وعمار، ورد على النواصب الزاعمين أن علياً لم يكن مصيباً في حروبه. وفيه: استحباب
الاستعاذة من الفتن لأنه لا يدري أحد في الفتنة أمأجور هو أم مأزور؟ إلاّ بغلبة الظن، ولو كان

٣٠٩
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٦٤)
مأجوراً لما استعاذ عمار من الأجر. وقال ابن بطال. وفيه: رد للحديث الشائع: ((لا تستعيذوا
بالله من الفتن فإن فيها حصار المناقين)) قلت: ويروى: ((لا تكرهوا الفتن))، ولكن لم يصح
هذا، فإن عبد الله بن وهب قد سئل عن ذلك فقال؛ إنه باطل.
٦٤ _ بابُ الاسْتِعَانَةِ بِالنَّجَّارِ والصُّنَّعِ فِي أعْوَادِ المِنْبَرِ وَالمَسْجِدِ
أي: هذا باب في بيان الاستعانة ((بالنجار)) على وزن: فعال، بالتشديد وهو الذي يعمل
صنعة النجارة. قوله: ((والصناع)) أي: والاستعانة بالصناع، بضم الصاد وتشديد النون، جمع:
صانع وهو من قبيل عطف العام على الخاص. وقال بعضهم: فيه لف ونشر، فقوله: ((في
أعواد المنبر)) يتعلق بالنجار، وقوله: ((والمسجد))، يتعلق بالصناع أي: والاستعانة بالصناع في
المسجد، أي في بناء المسجد. قلت: لا يصح ذلك من حيث المعنى لأن النجار داخل في
الصناع، وشرط اللف والنشر أن يكون من متعدد. فافهم.
١٠٨/ ٤٤٨ - حدّثنا قُتَيْبَةُ قال حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ عنْ أبي حازمٍ عنْ سَهْلٍ قَال بَعَثَ
رَسُولُ اللَّهِ عَ لَه إلى امْرَةٍ أنْ مُرِي غُلاَمَكِ النََّجَّارَ يَعْمَلْ لِي أَعْوَاداً أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ. [انظر
الحديث ٣٧٧ وأطرافه].
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله وهم أربعة: الأول: قتيبة بن سعيد. الثاني: عبد العزيز بن أبي حازم،
واسمه سلمة بن دينار، يروي عن أبيه أبي حازم وهو الثالث: الرابع: سهل بن سعد
الساعدي، وقد مر في باب الصلاة في المنبر والسطوح، وكذلك حديثه بأتم منه.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد في
موضع واحد. وفيه: العنعنة في موضع. وفيه: رواية الابن عن الأب. وفيه: أن رواته ما بين
بلخي ومدني.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضاً في الصلاة عن علي بن
عبد الله. وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة، وقد ذكرناه في باب الصلاة في
المنبر.
ذكر معناه وإعرابه. قوله: ((إلى امرأة)): هي أنصارية، وقد بينا الاختلاف في اسمها.
في باب الصلاة في المنبر وكذلك في اسم غلامها. قوله: ((أن مري)) أن: هذه مفسرة بمنزلة:
أي، كما في قوله تعالى: ﴿فأوحينا إليه أن أصنع الفلك﴾ [المؤمنون: ٢٧] ويحتمل أن تكون
مصدرية بأن يقدر قبلها حرف الجر، وعن الكوفيين إنكار بأن، التفسيرية البتة، ويروى: ((مري))
بدون: أن ومري: أمر من أمر يأمر، والياء علامة الخطاب للمؤنث. قوله: ((يعمل))، مجزوم
لأنه جواب الأمر. قوله: ((أعواداً) أي: منبراً مركباً منها. قوله: ((أجلس))، بالرفع أي: أنا أجلس
علیھا.

٣١٠
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٦٤)
وههنا مسألة أصولية وهي أن الأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشيء أم لا؟ وهل الغلام
مأمور من قبل رسول الله عَّلِ أم لا؟ وفيه الخلاف، والأصح عدمه. وساق البخاري هذا
الحديث في البيوع بهذا الإسناد بتمامه، وههنا اختصره.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز الاستعانة بأهل الصنعة فيما يشمل المسلمين نفعه.
وفيه: التقرب إلى أهل الفضل بعمل الخير.
٤٤٩/١٠٩ - حدّثنا خَلاَّدٌ قال حدّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ بنُ أَيْمَنَ عنْ أَبِيهِ عنْ جابرٍ أنَّ امْرَأَةً
قالَتْ يا رسولَ اللَّهِ أَلاَّ أَجْعَلُ لَكَ شَيْئاً تَقْعُدُ عليه فإِنَّ لي غُلاَماً نَبَّجَاراً قال إِنْ شِئْتِ فَعَمِلَتِ
المِنْبَرَ. [الحديث ٤٤٩ - أطرافه في: ٩١٨، ٢٠٩٥، ٣٥٨٤، ٣٥٨٥].
قال الكرماني: الحديث لا يدل على الشق الآخر من الترجمة، وهو؛ ذكر الصناع
والمسجد. ثم قال: قلت: إما أنه اكتفى بالنجار والمنبر لأن الباقي يعلم منه، وإما أنه أراد أن
يلحق إليه ما يتعلق بذلك، ولم يتفق له ولم يثبت عنده بشرطه ما يدل عليه. قلت: الجواب
الأول أوجه من الثاني.
ذكر رجاله: وهم أربعة. الأول: خلاد، بتفح الخاء المعجمة وتشديد اللام: وهو ابن
يحيى، سبق في باب الصلاة إذا قدم من سفره. الثاني: عبد الواحد بن أيمن، بفتح الهمزة
وسكون الياء آخر الحروف وفتح الميم وفي آخره نون: الحبشي المكي القرشي المخزومي،
وعبد الواحد هذا يروي عن أبيه أيمن هذا، وأبوه هو الثالث، وهو يروي عن جابر بن عبد الله
رضي الله تعالى عنهما وهو الرابع.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في
موضعين. وفيه: رواية الإبن عن الأب. وفيه: أن رواته ما بين كوفي ومكي.
ذكر تعدد موضعه أخرجه البخاري في البيوع أيضاً عن خلاد بن يحيى أيضاً، وأخرجه
في علامة النبوة عن أبي نعيم.
ذكر معناه قوله: ((أن امرأة))، هي التي ذكرت في حديث سهل بن سعد المذكور
آنفاً. قوله: ((أَلاَ؟)) هي مخففة مركبة من همزة الاستفهام و: لا، النافية، وليست حرف التنبيه
ولا حرف التحضيض. قوله: ((فإن لي غلاماً نجاراً)، وفي رواية الكشميهني: ((فإن لي غلام
نجار)). قوله: ((إن شئت))، جزاؤه محذوف تقديره: إن شئت عملت، ويروى: ((إن شئت
فعلت))، بلا حذف. قوله: ((فعملت))، أي: المرأة عملت المنبر، وهذا إسناد مجازي، لأن
العامل هو الغلام وهي الآمرة، وهو من قبيل قولهم: كسا الخليفة الكعبة. قيل: هذا الحديث
لا يدل على الاستعانة، لأن هذه المرأة قالت ذلك من تلقاء نفسها، أجيب: بأنها استعانة
بالغلام في نجارة المنبر.
ومن فوائد هذا الحديث: قبول البذل إذا كان بغير سؤال، واستنجاز الوعد ممن تعلم
منه الإجابة، والتقرب إلى أهل الفضل بعمل الخير. وقال ابن بطال. فإن قلت: الحديثان

٣١١
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٦٥)
متخالفان، ففي حديث سهل: أن النبي عَّ الله سأل المرأة أن تأمر عبدها بعمل المنبر، وفي
حديث جابر: أن المرأة سألت النبي ◌َِّ ذلك. قلت: يحتمل أن تكون المرأة بدأت
بالمسألة، فلما أبطأ الغلام بعمله استنجزها إتمامه، إذ علم طيب نفس المرأة بما بذلته من صنعة
غلامها، ويمكن أن يكون إرساله عَ لّه إلى المرأة ليعرفها صنعة ما يصنع الغلام من الأعواد.
٦٥ _ بابُ مَنْ بَنَى مَسْجِداً
أي: هذا باب في بيان فضل من بنى مسجداً.
١١٠ /٤٥٠ - حدّثنا يَحْتَى بنُ سُلَيْمَن حدّثني ابنُ وَهْبٍ أخبرني عَمْرٌ وأنَّ بُكَيْراً حَدَّثَهُ
أنَّ عاصِمَ بنَ عُمَرَ بنٍ قَتَادَةَ حَدَّثَهُ أنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللَّهِ الخَوْلانِيَّ أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بنَ عَفَّنَ رضي
اللَّهُ عنه يَقُولُ عِنْدَ قَوْلِ الناسِ فِيهِ حِينَ بَنَى مَسْجِدَ الرسولِ عَّهِ إِنَّكُمْ أَكْثَرْتُمْ وَإِنِّي سَمِعْتُ
النبيَّ عَ لَّه يَقُولُ مَنْ بَنَى مَسْجِداً قال بُكَيْرٌ حَسِبْتُ أنَّهُ قال يَتْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ
في الجَنَّةِ.
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، لأن الباب في بيان فضل من بنى المسجد.
ذكر رجاله وهم سبعة: الأول: يحيى بن سليمان الجعفي، مر في باب كتابة العلم.
الثاني: عبد الله بن وهب، وقد مر أيضاً غير مرة. الثالث: عمرو، بفتح العين: ابن الحارث
الملقب بدرة الغواص، مر في باب المسح على الخفين. الرابع: بكير، مصغر مخفف: ابن
عبد الله الأشج المدني، خرج قديماً إلى مصر فنزل بها. الخامس: عاصم بن عمر، بضم
العين: الأوسي الأنصاري، مات بالمدينة سنة عشرين ومائة. السادس: عبيد الله، بتصغير
العبد: ابن الأسود الخولاني، بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو وبالنون: رببيب ميمونة أم
المؤمنين رضي الله تعالى عنها. السابع: عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في
موضعين. وفيه: الإخبار بصيغة الإفراد في موضع. وفيه: السماع في موضعين. وفيه: ثلاثة من
التابعين في نسق واحد وهم: بكير وعاصم وعبد الله. وفيه: ثلاثة من أول الإسناد مصريون،
وثلاثة من آخره مدنيون، وفي وسطه مدني سكن مصر، وهو بكير.
ذكر من أخرجه غيره أخرجه مسلم في آخر الكتاب عن هارون بن سعيد الأيلي
وأحمد بن عيسى عن ابن وهب إلى آخره. وأخرجه أيضاً في الصلاة عن إسحاق بن إبراهيم
عن أبي بكر الحنفي وعبد الملك بن الصباح، وفيه: وفي آخر الكتاب عن زهير بن حرب
ومحمد بن المثنى، كلاهما عن الضحاك بن مخلد، ثلاثتهم عن عبد الحميد بن جعفر عن
أبيه عن محمود بن لبيد عن عثمان بن عفان. وأخرجه الترمذي في الصلاة عن بندار عن أبي
بكر الحنفي عن عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن محمود بن لبيد عن عثمان ... إلى آخره،
وقال: حديث حسن صحيح. وأخرجه ابن ماجه عن بندار عن أبي بكر الحنفي. وقال
الترمذي: وفي الباب عن أبي بكر وعمر وعلي وعبد الله بن عمرو وأنس وابن عباس وعائشة

٣١٢
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٦٥)
وأم حبيبة وأبي ذر وعمرو بن عنبسة، وواثلة بن الأسقع وأبي هريرة وجابر بن عبد الله رضي
الله تعالى عنهم.
قلت: حديث أبي بكر رواه الطبراني في (معجمه الأوسط) من رواية وهب بن حفص
عن حبيب بن نوح عن محمد بن طلحة بن مصرف عن أبيه عن مرة الطيب عن أبي بكر
الصديق فذكره، ووهب بن حفص ضعيف، وفي (علل) أبي حاتم الرازي قال: هو منكر، عن
أبي بكر الصديق: ((من بنى مسجداً لله ولو مثل مفحص قطاة)). وحديث علي رضي الله تعالى
عنه، أخرجه ابن حبان: ((من بنى لله مسجداً يذكر فيه اسم الله بنى الله له بيتاً في الجنة)).
وحديث عمر رضي الله تعالى عنه، عند ابن ماجة، من حديث عروة عن علي، قال: قال
رسول الله عَّلَلِ: ((من بنى مسجداً لله بنى الله له بيتاً في الجنة))، وإسناده ضعيف. وحديث
عبد الله بن عمر وعند أبي نعيم الأصبهاني: من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
نحوه وزاد: ((أوسع منه)). وروى أحمد أيضاً نحوه. وحديث أنس عند الترمذي رواه عن قتيبة
ابن سعيد حدّثنا نوح بن قيس عن عبد الرحمن مولى قيس عن زياد النميري عن أنس قال:
قال رسول الله عَّ: ((من بنى الله مسجداً، صغيراً كان أو كبيراً، بنى الله له بيتاً في
الجنة))، وأخرجه أيضاً أبو نعيم، ولفظه: ((من بنى مسجداً لله في الدنيا يريد به وجه الله،
قالوا؛ إذاً نكثر يا رسول الله !! قال: الله أكثر)) وفي لفظ: ((كل بناء وبال على صاحبه يوم
القيامة إلا مسجداً فإن له به قصراً في الجنة من لؤلؤ)). وحديث: ابن عباس عند أبي مسلم
الكجي مثله، وزاد: ((ولو كمفحص قطاة)). وحديث: عائشة عند مسدد في (مسنده الكبير):
عن أبي داود عن كثير بن عبد الرحمن الطحان عن عطاء عن عائشة أنها قالت: قال رسول
الله عَّله: ((من بنى الله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة قلت: يا رسول الله وهذه المساجد
التي في طريق مكة؟ قال: وتلك)). وحديث: أم حبيبة عند الطبراني في الأوسط. وحديث:
أبي ذر عند البزار. وحديث: عمرو بن عنبسة عند النسائي. وحديث: وائلة بن الأسقع عند
الطبراني في (معجمه الكبير): ((من بنى مسجداً يصلي فيه بنى الله له بيتاً في الجنة أفضل
منه). وحديث: أبي هريرة عند الطبراني في (الأوسط) وعند البيهقي في (شعب الإيمان):
((من بنى بيتاً يعبد الله فيه حلالاً بنى الله له بيتاً في الجنة من الدر والياقوت)). وحديث جابر
عند ابن خزيمة. ((من حفر ماء لم يشرب منه كبد حي من جن ولا أنس ولا طائر إلاَّ آجره الله
يوم القيامة، ومن بنى مسجداً كمفحص قطاة أو أصغر بنى الله له بيتاً في الجنة)).
قلت: وفي الباب عن أبي قرصافة ونبيط بن شريط وعمر بن مالك وأسماء بنت يزيد
ومعاذ وأبي أمامة وعبد الله بن أبي أوفى وأبي موسى وعبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله
تعالى عنهم. فحديث أبي قرصافة، واسمه: جندرة بن خيشنة، عند الطبراني في (الكبير): أنه
سمع النبي عٍَّ يقول: ((ابنوا المساجد وأخرجوا القمامة منها فمن بنى ... )) فذكره، وزاد:
((قال رجل: يا رسول الله وهذه المساجد التي تبنى في الطريق؟ قال: نعم، وإخراج القمامة
منها مهور حور العين)). وفي إسناده جهالة. وحديث نبيط عنده أيضاً في (الصغير). وحديث

٣١٣
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٦٥)
عمر بن مالك عند أبي موسى المديني في (كتاب الصحابة) ولفظه: ((من بنى لله مسجداً بنى
الله له بيتاً في الجنة)). وحديث أسماء بنت يزيد عند الطبراني نحوه، ورواه أبو نعيم ولفظه:
((من بنى مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة أوسع منه)). وحديث معاذ عند أبي الفرج في
(كتاب العلل): ((من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة))، ومن علق فيه قنديلاً صلى
عليه سبعون ألف ملك حتى يطفىء ذلك القنديل، ومن بسط فيه حصيراً صلى عليه سبعون
ألف ملك حتى يتقطع ذلك الحصير ومن أخرج منه قذاة كان له كفلان من الأجر))، وفيه
كلام كثير. وحديث أبي أمامة عند أبي نعيم: ((لا يبنى أحد مسجداً لله إلاَّ بنى الله له بيتاً في
الجنة أوسع منه)). وحديث عبد الله بن أبي أوفى أخرجه الحافظ عبد المؤمن بن خلف
الدمياطي في جزء جمعه. وحديث أبي موسى كذلك. وحديث عبد الله بن عمر عند البزار،
والطبراني في (الأوسط) من رواية الحكم بن ظهير وهو متروك عن ابن أبي ليلى عن نافع عن
ابن عمر، فذكره وزاد فيه الطبراني: ((ولو كمفحص قطاة)) فهؤلاء ثلاثة وعشرون صحابياً.
ذكر معناه وإعرابه: قوله: ((يقول)). جملة وقعت حالاً عن عمثان. قوله: ((عند قول
الناس فيه))، أي: في عثمان، وذلك أن بعضهم أنكر عليه عند تغييره بناء المسجد وجعله
بالحجارة المنقوشة، والقصة، ووقع بيان ذلك عند مسلم حيث أخرجه من طريق محمود بن
لبيد الأنصاري وهو من صغار الصحابة قال: ((لما أراد عثمان رضي الله تعالى عنه، بناء
المسجد كره الناس ذلك وأحبوا أن يدعوه على هيئته)). أي: في عهد النبي عَّ له. قوله: ((حين
بنى)) أي: حين أراد عثمان أن يبنى ولم يبن عثمان إنشاءً وإنما وسعه وشيده، وقد ذكرناه في
باب بنيان المسجد، وقال بعضهم: فيؤخذ منه إطلاق البناء في حق من جدد كما يطلق في
حق من أنشأ، أو المراد بالمسجد ههنا بعض المسجد من إطلاق الكل على البعض.
قلت: ذكر هذا القائل شيئين: الأول: مستغنىّ عنه فلا حاجة إلى ذكره. والثاني: لا
يصح لأنه ذكر في باب بنيان المسجد حديث عبد الله بن عمر، وفيه: «ثم غيره عثمان فزاد
فيه زيادة كثيرة وبنى جداره بحجارة منقوشة والقصة وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه
بالساج)). انتهى. فبهذا يدل على أنه غير الكل وزاد فيه يعني: في الطول والعرض، وكان
المسجد مبنياً باللبن وسقفه بالجريد وعمده خشب النخل، وبناه عثمان بالحجارة وجعل
عمده بالحجارة وسقفه بالساج فكيف يقول هذا القائل: أو المراد بالمسجد هنا بعض
المسجد؟ فهذا كلام من لم يتأمل ويتصرف من غير وجه. قوله: ((مسجد الرسول)) كذا في
رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني والحموي: ((مسجد رسول الله عَّ)). قوله: ((إنكم
أكثرتم)) مقول لقوله: يقول، ومفعوله محذوف للعلم به، والتقدير: إنكم أكثرتم الكلام في
الإنكار على فعلي. قوله: ((من بنى مسجداً)) التنوين فيه للشيوع، فيتناول من بنى مسجداً
كبيراً أو صغيراً يدل عليه حديث أنس الذي أخرجه الترمذي بهذا اللفظ على ما ذكرناه،
وروى ابن أبي شيبة حديث الباب عن عثمان من وجه آخر، وزاد فيه: ((ولو كمفحص قطاة)).
وفي حديث جابر: (( كمفحص قطاة أو أصغر))، وللعلماء في توجيه هذا قولان: فقال أكثرهم:

٣١٤
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٦٥)
هذا محمول على المبالغة لأن المكان الذي تفحص القطاة عنه لتضع فيه بيضها وترقد عليه
لا يكفي مقداره للصلاة فيه، ويؤيده حديث جابر الذي ذكرناه. وقال آخرون: هو على
ظاهره، فالمعنى على هذا أن يزيد في مسجد قدراً يحتاج إليه تكون تلك الزيادة على هذا
القدر، أو يشترك جماعة في بناء مسجد، فتقع حصة كل واحد منهم ذلك القدر، قيل: هذا
كله بناء على أن المراد من المسجد ما يتبادر إليه الذهن، وهو المكان الذي يتخذ للصلاة
فيه، فإن كان المراد بالمسجد موضع السجود، وهو ما يسع الجبهة، فلا يحتاج إلى شيء
مما ذكر. قلت: قوله: ((من بنى) يقتضي وجود بناء على الحقيقة. فيحمل على المسجد
المعهود بين الناس، ويؤيد ذلك حديث أم حبيبة. ((من بنى لله بيتاً))، وقد ذكرناه عن قريب،
وحديث عمر رضي الله تعالى عنه، أيضاً: ((من بنى مسجداً يذكر فيه اسم الله))، وكل ذلك
يدل على أن المراد بالمسجد هو المكان المتخذ لا موضع السجود فقط، وهو الذي ذهب
إليه الفرقة الأولى، ولكن لا يمنع إرادة موضع السجود مجازاً، فيدخل فيه المواضع المحوطة
إلى جهة القبلة، وفيها هيئة المحراب في طرقات المسافرين، والحال أنها ليست كالمساجد
المبنية بالجدران والسقوف، وربما يجعل منها موضع في غاية الصغر يدل عليه حديث أبي
قرصافة الذي ذكرناه، قوله: ((قال بكير: حسبت أنه)) أي: أن عاصم بن عمر بن قتادة، وهو
شيخه الذي روى عنه هذا الحديث، قال في روايته: ((يبتغي به وجه الله))، وهذه الجملة
مدرجة معترضة وقعت في البين، ولم يجزم بها بكير، فلذلك ذكرها بالحسبان، وليست هذه
الجملة في رواية جميع من روى هذا الحديث، فإن لفظهم فيه: ((من بنى لله مسجداً بنى الله
له مثله في الجنة))، فكأن بكيراً نسى لفظة: الله، فذكرها بالمعنى، فإن معنى قوله: (الله)) يبتغي
به وجه الله، لاشتراكهما في المعنى المقصود، وهو الإخلاص. ثم إن لفظة. يبتغي به، على
تقدير ثبوتها في كلام الرسول تكون حالاً من فاعل بنى، والمراد: بوجه الله، ذات الله، وابتغاء
وجه الله في العمل: هو الإخلاص، وهو أن تكون نيته في ذلك طلب مرضاة الله تعالى من
دون رياء وسمعة: حتى قال ابن الجوزي: من كتب اسمه على المسجد الذي يبنيه كان
بعيداً من الإخلاص. فإن قلت: فعلى هذا لا يحصل الوعد المخصوص لمن يبنيه بالأجرة
لعدم الإخلاص. قلت: الظاهر هذا، ولكنه يؤجر في الجملة، يدل عليه ما رواه أصحاب السنن
وابن خزيمة والحاكم، من حديث عقبة بن عامر مرفوعاً: ((إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة:
الجنة: صانعه المحتسب في صنعته، والرامي به، والممد به)) فقوله: ((المحتسب في صنعته))
هو من يقصد بذلك إعانة المجاهد، وهو أعم من أن يكون متطوعاً بذلك، أو بأجرة، لكن
الإخلاص لا يكون إلاَّ من المتطوع فإن قلت: قوله: ((من بنى))، حقيقته أن يباشر البناء بنفسه
ليحصل له الوعد المخصوص، فلا يدخل فيه الأمر بذلك قلت: يتناول الآمر أيضاً بنيته:
((والأعمال بالنيات)). فإن قلت: يلزم من ذلك الجمع بين الحقيقة والمجاز، وهو ممتنع قلت:
لا امتناع فيه عند الشافعي، وأما عند غيره فبعموم المجاز، وهو أن يحمل الكلام على معنى
مجازي يتناول الحقيقة، وهذا يسمى: عموم المجاز، ولا نزاع في جواز استعمال اللفظ في

٣١٥
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٦٥)
معنى مجازي يكون المعنى الحقيقي من إفراده كاستعمال الدابة عرفاً فيما يدل على الأرض،
ومثال ذلك فيمن أوصى لأبناء زيد مثلاً، وله أبناء وأبناء أبناء، يستحق الجميع عند أبي
يوسف ومحمد عملاً بعموم المجاز، حيث يطلق الأبناء على الفريقين. قوله: ((بنى الله له))
إسناد البناء إلى الله مجاز، اتفاقاً قطعاً. فإن قلت: إظهار الفاعل فيه لماذا؟ قلت: لأن في
تكرار اسمه تعظيماً له وتلذذاً للذاكر. قال الشاعر:
أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره
هو المسك ما كررته يتضوع
وقال بعضهم: لئلا تتنافر الضمائر أو يتوهم عوده على باني المسجد. قلت: كلا
الوجهين غير صحيح، أما الأول: فلأن التنافر إنما يكون إذا كانت الضمائر كثيرة. وأما الثاني:
فممنوع قطعاً للقرينة الحالية والمقالية. قوله: ((مثله))، منصوب على أنه صفة لمصدر
محذوف. أي بناء مثله، والمثل في اللغة: الشبه، يقال: هذا الشيء مثل هذا، أي: شبهه. قال
الجوهري: مثل، كلمة تسوية يقال: هذا مثله ومثله، كما تقول: شبهه وشبهه، وعند أهل
المعقول المماثلة بين الشيئين هو الاتحاد في النوع كاتحاد زيد وعمرو في الإنسانية، وإذا
كان في الجنس يسمى مجانسة كاتحاد الإنسان مع الفرس في الحيوانية، وقد اختلفوا في
المراد بالمثلية ههنا، فقال قوم، منهم ابن العربي: يعني مثله في المقدار والمساحة.
قلت: يرد هذا حديث عبد الله بن عمرو: ((بيتاً أوسع منه))، وكذلك في حديث أسماء
وأبي أمامة على ما ذكرناه. وقال قوم: مثله في الجودة والحصانة وطول البقاء. قلت: هذا ليس
بشيء على ما لا يخفى، مع أنه ورد في حديث واثلة عند أحمد والطبراني: ((بنى الله له بيتاً في
الجنة أفضل منه)). وقال صاحب (المفهم): هذه المثلية، ليست على ظاهرها، وإنما يعني أنه يبني
له بثوابه بيتاً أشرف وأعظم وأرفع. وقال النووي: يحتمل قوله: ((مثله)) أمرين: أحدهما: أن يكون
معناه: بنى الله له مثله في مسمى البيت، وأما صفته في السعة وغيرها فمعلوم فضلها، فإنها ما لا
عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. والثاني: أن معناه: إن فضله على بيوت
الجنة كفضل المسجد على بيوت الدنيا. قلت: الوجه الثاني: لا يخلو عن بعد، وقال بعض
شراح الترمذي: ويحتمل أنه أراد أن ينبه بقوله: ((مثله)) على الحض على المبالغة في إرادة الانتفاع
به في الدنيا في كونه ينفع المصلين ويكنهم عن الحر والبرد، ويكون في مكان يحتاج إليه
ويكثر الانتفاع به ليقابل الانتفاع به في الدنيا انتفاعه هو بما يبنى له في الجنة.
وقال صاحب (المفهم): وهذا البيت - والله أعلم - مثل بيت خديجة الذي بشرت به:
ببيت في الجنة من قصب، يريد: من قصب الزمرد والياقوت، قلت: قد ذكرنا حديث أبي
هريرة من عند الطبراني في (الأوسط) والبيهقي في (شعب الإيمان): ((بنى الله له بيتاً في
الجنة من در وياقوت)). فإن قلت: قال الله تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾
[الأنعام: ١٦٠] فما معنى التقييد بمثله؟ قلت: أجابوا عن هذا بأجوبة. الأول: ما قاله بعضهم:
أنه عَّلّه، قاله قبل نزول هذه الآية. قلت: هذا بعيد، ولا يعلم ذلك إلا بالتاريخ. الثاني: أن
المثلية إنما هي بحسب الكمية، والزيادة بحسب الكيفية. قلت: المثلية بحسب الكمية تسمى

٣١٦
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٦٦)
مساواة كاتحاد مقدار مع آخر في القدر، وفي كيفية تسمى مشابهة. الثالث: أن التقييد به لا
ينفي الزيادة، واستبعده بعضهم وليس ببعد. الرابع: أن المقصود منه بيان المماثلة في أن
أجزاء هذه الحسنة من جنس العمل لا من غيره، وعند جواب فتح لي به من الأنوار الإلهية،
وهو؛ أن المجازاة بالمثل عدل منه، والزيادة عليه بحسب الكيفية والكمية فضل منه. قوله:
((في الجنة)) قال بعضهم: هو متعلق: ببنى، أو هو حال من قوله: مثله قلت: ليس كذلك،
وإنما هو متعلق بمحذوف وقع صفة لمثله، والتقدير: بنى الله له مثله كائناً في الجنة، وكيف
يكون حالاً من مثله وشرط الحال أن يكون من معرفة كما عرف في موضعه، ولفظ: مثل، لا
يتعرف وإن أضيف.
٦٦ _ بابٌ يَأْخُذُ بِنُصُولِ النَّبْلِ إِذَا مَرَّ فِي المَسْجِدِ
أي: هذا باب في بيان أن الشخص يأخذ بنصول السهام إذا مر في مسجد من
المساجد، وإنما قدرنا هكذا لئلا يقع لفظ: باب ضائعاً، وأيضاً فيه بيان أن الضمير المرفوع
في: يأخذ، يرجع إلى هذا القدر، لئلا يكون إضماراً قبل الذكر، وليلتئم التركيب، ولم: أر
أحداً من الشراح يذكر شيئاً في مثل هذه المواضع، مع أن فيهم من يدعي دعاوي عريضة في
هذا الباب وليس له حظ من هذه الدقائق. والنصول: جمع نصل. قال الجوهري: النصل نصل
السهم والسيف والرمح، والجمع نصول ونصال. والنبل، بفتح النون وسكون الباء الموحدة
وفي آخره لام: السهام العربية، وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها، وجواب: إذا، هو قوله:
يأخذ مقدماً.
٤٥١/١١١ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قال حدّثنا سُفْيَانُ قال قلْتُ لِعَمْرِو أُسَمِعْتَ جابرَ بنَ
عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ مرَّ رَجُلٌ فِي المَسْجِدِ وَمَعَهُ سِهامٌ فقال لهُ رَسُولُ اللَّهِ عَلَّهِ أَمْسِكْ بنصَالِها.
[الحديث ٤٥١ - طرفاه في: ٧٠٧٣، ٧٠٧٤].
مطابقته للترجمة ظاهرة لأنه عَّله، أمر بإمساك النصال عند المرور في المسجد.
ذكر رجاله وهم أربعة. الأول: قتيبة بن سعيد. الثاني: سفيان بن عيينة. الثالث:
عمرو بن دينار. الرابع: جابر بن عبد الله الأنصاري.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع فى موضعين. وفيه: القول. وفيه:
السؤال عن السماع بطريق الاستفهام، ولم يذكر له جواب، قال ابن بطال. فإن قيل: حديث
جابر لا يظهر فيه الإسناد لأنه لم ينقل أن عمراً قال له: نعم. قلنا: قد ذكر البخاري في غير
كتاب الصلاة أنه قال: نعم، فبان بقوله: نعم، إسناد الحديث. وقال صاحب (التلويح): هذه
مسألة اختلف فيها المحدثون، فمنهم من شرط النطق إذا قال له التلميذ: أخبرك فلان بكذا
وكذا، ومنهم من لم يتشرط، وذكر البخاري في موضع آخر عن علي بن عبد الله عن سفيان،
فقال: نعم. انتهى. قلت: المذهب الراجح الذي عليه أكثر المحققين منهم البخاري أن قول
الشيخ: نعم، لا يشترط، بل يكتفي بسكوت الشيخ إذا كان متيقظاً، فعلى هذا فالإسناد في

٣١٧
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٦٦)
حديث جابر ظاهر، ومع ذلك فقد جاء في رواية الأصيلي أنه قال له: نعم، فانقطع النزاع.
وقال بعضهم: حكي عن رواية الأصيلي أنه ذكره في حديثه، فقال: نعم، ولم أره فيها، قلت:
عدم رؤيته لا يستلزم عدم الرواية عنه. فإن لم يره هو فقد حكى من هو أكبر منه أنه روي عنه
لفظ. نعم.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضاً في الفتن عن علي بن عبد
الله. وأخرجه مسلم في الأدب عن أبي بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم. وأخرجه
النسائي في الصلاة عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن ومحمد بن منصور. وأخرجه ابن
ماجه في الأدب عن هشام بن عمار سبعتهم، عنه به، وأخرجه البخاري أيضاً في الفتن عن
أبي النعمان عن حماد بن زيد عن عمرو عن جابر، وأخرجه مسلم في الأدب عن يحيى بن
يحيى وأبي الربيع عنه به. وأخرجه مسلم في الأدب أيضاً عن قتيبة ومحمد بن رمح، كلاهما
عن ليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر: ((أن النبي عَّ أمر رجلاً كان يتصدق بالنبل في
المسجد أن لا يمر بها إلاَّ وهو آخذ بنصولها)). وأخرجه أبو داود في الجهاد عن قتيبة به،
وأخرجه الطبراني في (معجمه الأوسط) من حديث أبي البلاد عن محمد بن عبد الله، قال:
((كنا عند أبي سعيد الخدري، فقلب رجل نبلاً فقال أبو سعيد: أما كان هذا يعلم أن رسول
الله عَِّ نهى عن تقليب السلاح وسله)) يعني في المسجد.
وروى ابن ماجه من حديث زيد بن جبير، وهو ضعيف، عن داود بن الحصين عن نافع
عن ابن عمر يرفعه: ((خصال لا تنبغي في المسجد: لا يتخذ طريقاً، ولا يشهر فيه سلاح، ولا
ينبض فيه بقوس، ولا ينثر فيه نبل، ولا يمر فيه بلحم نيء، ولا يضرب فيه حد، ولا يقتص
فيه من أحد، ولا يتخذ سوقاً)). وروي أيضاً من حديث الحارث بن نبهان، وهو متروك
الحديث، عن عتبة بن يقظان، وهو غير ثقة، عن أبي سعيد، وهو مجهول الحال والعين، عن
مكحول عن واثلة، وأنكر سماعه عنه ابن مسهر والحاكم. وقال البخاري في (التاريخ
الأوسط) سمع منه أن النبي عَ لّه قال: ((جنبوا مساجدنا صبيانكم ومجانينكم وشراء كم
وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودکم وسل سيوفكم، واتخذوا على
أبوابها المطاهر وجمروها في الجمع)). وعنده أيضاً من حديث ابن عباس: ((نزهوا
المساجد ولا تتخذوها طرقاً، ولا تمر فيه حائض، ولا يقعد فيه جنب إلاَّ عابري سبيل، ولا
ينثر فيه نبل، ولا يسل فيه سيف، ولا يضرب به حد، ولا ينشد فيه شعر. فإن أنشد قيل:
فض الله فاك)).
ذكر ما يستنبط منه فيه: تأكيد حرمة المسلمين، لأن المساجد مورودة بالخق لا سيما
في أوقات الصلاة، وهذا التأكيد من النبي عٍَّ لأنه خشي أن يؤذى بها أحد. وفيه: كريم
خلقه ورأفته بالمؤمنين. وفيه: التعظيم لقليل الدم وكثيره. وفيه: أن المسجد يجوز فيه إدخال
السلاح.

٣١٨
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٦٧)
٦٧ - بابُ المرُورِ فِي المَسْجِدِ
أي: هذا باب بيان جواز المرور بالنبيل في المسجد إذا أمسك نصاله. وفي هذه
الترجمة نوع قصور على ما لا يخفى.
١١٢/ ٤٥٢ - حدّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ قال حدّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ قال حدّثنا أَبُو بُرْدَةَ بنُ
عَبْدِ اللَّهِ قال سَمِعْتُ أبا بُرْدَةَ عنْ أَبِيهِ عنِ النبيِّ عَّلِ قال مَنْ مَرَّ فِي شَيْءٍ منْ مَسَاجِدِنا أوْ
أُسْواقِنَا بِنَبْلٍ فَلْيَأْخُذْ عَلَى نِصَالِها لاَ يَعْقِرْ بَكَفِّهِ مُسْلِماً. [الحديث ٤٥٢ - طرفه في: ٧٠٧٥].
وجه مطابقة الحديث للترجمة في قوله: (من مر))، فإنه صرح فيه بلفظ المرور، وجعله
شرطاً، ورتب عليه الجزاء، وهو قوله: ((فليأخذ))، فدل هذا على جواز المرور في المسجد
بنبل يأخذ نصاله، وبهذا يحصل الجواب عن سؤال الكرماني، حيث قال: فإن قلت: ما وجه
تخصيص هذا الحديث - يعني حديث أبي موسى الأشعري - بهذا الباب، وهو قوله: باب
المرور في المسجد، وتخصيص الحديث السابق - يعني حديث جابر المذكور بالباب
السابق - وهو قوله: باب يأخذ بنصول النبل إذا مر في المسجد، أن كلاً من الحديثين يدل
على كل من الترجمتين؟ وتقرير الجواب: هو أنه نظر إلى لفظ الرسول حيث لم يكن في
الأول لفظ المرور، في لفظِ الرسول عَ لّه، وفي الثاني ذكره مقصوداً بالوجه الذي ذكرناه.
ذكر رجاله وهم خمسة. الأول: موسى بن إسماعيل التبوذكي، وقد مر في باب كتاب
الوحي. الثاني: عبد الواحد بن زياد، بكسر الزاي المعجمة بعدها الياء آخر الحروف، وقد مر
في باب الجهاد من الإيمان. الثالث: أبو بردة، بضم، الباء الموحدة وسكون الراء، واسمه:
بريد، مصغر برد ضد الحر: ابن عبد الله. الرابع: أبو بردة الثاني، واسمه: عامر، وهو جد أبي
بردة الأول. الخامس: أبو موسى الأشعري واسمه: عبد الله بن قيس.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: السماع في
موضع واحد. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: رواية الراوي عن جده وهو أبو بردة الأول
يروي عن أبي بردة الثاني، وهو جده، كأنه قال: سمعت جدي يروي عن أبيه. وفيه: رواية
الابن عن أبيه الصحابي، وهو رواية أبي بردة. الثاني: عن أبيه أبي موسى الأشعري. وفيه: أن
رواته ما بين بصري وكوفي.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضاً في الفتن عن أبي كريب
عن أبي أسامة وأخرجه مسلم في الأدب عن أبي كريب وأبي عامر عبد الله بن أبي براد
الأشعري. وأخرجه أبو داود عن أبي كريب في الجهاد. وأخرجه ابن ماجه في الأدب عن
محمود بن غيلان عن أبي أسامة به.
ذكر معناه وإعرابه. قوله: ((من مر))، كلمة: من، موصولة تضمنت معنى الشرط في
محل الرفع على الابتداء، وخبره هو. قوله: ((فليأخذ)). قوله: ((أو أسواقنا)) كلمة؛ أو، للتنويع
من الشارع وليست للشك من الراوي. قوله: ((بنبل))، الباء، فيه للمصاحبة معناه: من مر

٣١٩
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٦٨)
مصاحباً للنبل، وليست: الباء، فيه مثل: الباء في قولك: بزيد، فإنها للإلصاق. قوله: ((على
نصالها)) ضمنت كلمة الأخذ هنا معنى الاستعلاء للمبالغة فعديت بعلى، وإلاَّ فالوجه أن يعدى
الأخذ: بالباء. قوله: ((لا يعقر)) أي: لا يجرح، وهو مرفوع، ويجوز الجزم نظراً إلى أنه جواب
الأمر. قوله: ((بكفه)): الباء، فيه تتعلق بقوله: ((فليأخذ)) لا بقوله: ((لا يعقر)) فإن العقر بالكف لا
يتصور، ووقع في رواية الأصيلي: ((فليأخذ على نصالها بكفه لا يعقر مسلماً)). وقال الكرماني:
يحتمل أن يراد منه كف النفس أي: لا يعقر بكفه نفسه عن الأخذ أي: لا يجرح بسبب تركه
أخذ النصال مسلماً. قلت: لا يبعد هذا الاحتمال، ولكن الأول راجح ويؤيده رواية مسلم من
حديث أبي أسامة: ((فليمسك على نصالها بكفه أن يصيب أحداً من المسلمين)). وله من
طريق ثابت عن أبي بردة: ((فليأخذ بنصالها)) ثم ليأخذ بنصالها، ثم ليأخذ بنصالها)).
٦٨ _ بابُ الشِّغْرِ فِي المَسْجِدِ
أي: هذا باب في بيان حكم الشعر في المسجد، وفي بعض النسخ باب إنشاد الشعر
في المسجد.
٤٥٣/١١٣ - حدّثنا أبُو اليَمَانِ الحَكَمُ بنُ نافِعِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عن الزهْرِيِّ قال
أخبرني أَبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوفٍ أَنَّهُ سَمِعَ حَشَانَ بنَ ثابِتِ الأنْصَارِيَّ يَسْتَشْهِدُ أبا
هُرَيْرَةَ أَنْشُدُكَ اللَّهَ هلْ سَمِعْتَ النبيَّ عَّهِ يَقُولُ يا حَسَّانُ أجِبْ عِنْ رَسُولِ اللَّهِ عَ لَّهِ اللَّهُمَّ
أَيِّدْهُ بِرُوحِ القُدُسِ قال أَبُو هُرَيْرَةَ نَعَمْ. [الحديث ٤٥٣ - طرفاه في: ٣٢١٢، ٦١٥٢].
مطابقته للترجمة غير ظاهرة ههنا لأنه ليس فيه صريحاً أنه كان في المسجد، والترجمة
هو الشعر في المسجد، ولكن البخاري روى هذا الحديث في كتاب بدء الخلق وفيه
التصريح أنه كان في المسجد، فقال: حدّثنا علي بن عبد الله حدّثنا سفيان عن الزهري عن
سعيد بن المسيب، قال: ((مر عمر رضي الله تعالى عنه، في المسجد وحسان ينشد، فلحظ
إليه. قال: كنت أنشد فيه وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك بالله
أسمعته عَّ له، يقول: أجب عني، اللهم أيده بروح القدس؟ قال: نعم)). وهما حديث واحد،
ويقال: إن الشعر المشتمل على الحق مقبول بدليل دعاء النبي عَ لّه، لحسان على شعره، فإذا
كان كذلك لا يمنع في المسجد كسائر الكلام المقبول، ومراد البخاري من وضع هذه
الترجمة هو الإشارة إلى جواز الشعر المقبول في المسجد، والحديث يدل على هذا بهذا
الوجه، فيقع التطابق بين الحديث والترجمة لا محالة.
فإن قلت: لم يصح سماع أبي سلمة ولا سماع سعيد من عمر، وهذا إنما كان لما
أنكره عمر على حسان. قلت: الأمر كذلك، لكن يحمل ذلك على أن سعيداً سمع ذلك من
أبي هريرة بعد، أو سمع ذلك من حسان، أو وقع لحسان استشهاد أبي هريرة مرة أخرى،
فحضر ذلك سعيد، ويؤيد هذا سياق حديث الباب، فإن فيه: إن أبا سلمة سمع حساناً
يستشهد أبا هريرة، وأبو سلمة لم يدرك زمن مرور عمر أيضاً فإنه أصغر من سعيد، فدل على

٣٢٠
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٦٨)
تعدد الاستشهاد. غاية ما في الباب هنا أن يكون سعيد أرسل قصة المرور ثم سمع بعد ذلك
استشهاد حسان لأبي هريرة وهو مرفوع موصول بلا تردد.
ذكر رجاله وهم ستة. الأول: أبو اليمان، بفتح الياء آخر الحروف، وقد تكرر ذكره.
الثاني: شعيب بن أبي حمزة واسم أبي حمزة: دينار الحمصي. الثالث: محمد بن مسلم
الزهري. الرابع: أبو سلمة، وهؤلاء تقدموا في باب كتاب الوحي. الخامس: حسان بن ثابت
ابن المنذر بن الحرام، ضد الحلال، الأنصاري المدني، شاعر رسول الله عَّهِ، من فحول
شعراء الإسلام والجاهلية، وعاش كل واحد منهم مائة وعشرين سنة وقال أبو نعيم: لا يعرف
في العرب أربعة تناسلوا من صلب واحد واتفقت مدد أعمارهم هذا القدر غيرهم، وعاش
حسان في الجاهلية ستين سنة وفي الإسلام كذلك، مات سنة خمسين بالمدينة. فإن قلت:
هو منصرف أو غير منصرف قلت: إن كان مشتقاً من: الحسن، فهو منصرف، وإن كان من:
الحس، فغير منصرف. فافهم. السادس: أبو هريرة، وقد تكرر ذكره.
فإن قلت: هذا الحديث يعد من مسند حسان أو من مسند أبي هريرة؟ قلت: لم يذكر
أبو مسعود والحميدي وغيرهما أن لحسان بن ثابت رواية في هذا الحديث، ولا ذكروا له
حديثاً مسنداً، وإنما أوردوا هذا الحديث في مسند أبي هريرة، وخالف خلف فذكره في مسند
حسان، وأنه روى عن النبي عٍَّ، هذا الحديث، وذكر في مسند أبي هريرة أن البخاري
أخرجه في الصلاة عن أبي اليمان، وذكر ابن عساكر لحسان حديثين مسندين: أحدهما هذا،
وذكر أنه في (سنن أبي داود) من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، قال: وليس في
حديثه استشهاد حسان به، وأنه في النسائي مرة بالاستشهاد، ومرة من حديث سعيد عن عمر
بعدمه، ثم أورده في مسند أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، من طريق أبي سلمة عنه. وفي
كتاب (من عاش مائة وعشرين) لابن منده: من حديث عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة،
قال: مر عمر رضي الله تعالى عنه، بحسان .... الحديث، وقال المنذري: وسعيد لم يصح
سماعه من عمر، وإن كان سمع ذلك من حسان فمتصل.
ذكر لطائف إسناده. فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، وكذلك الإخبار
بصيغة الجمع في موضع واحد، وبصيغة الإفراد في موضع واحد. وفيه: العنعنة في موضع
واحد. وفيه: السماع في موضعين. وفيه: أن رواته ما بين حمصي ومدني.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في بدء الخلق عن علي
ابن المديني كما ذكرناه، وفي الأدب أيضاً عن إسماعيل بن أبي أويس عن أخيه أبي بكر،
وفيه أيضاً عن أبي اليمان، كما أخرجه ههنا. وأخرجه مسلم في الفضائل عن إسحاق بن
إبراهيم ومحمد بن يحيى وعمر بن محمد الناقد، ثلاثتهم عن سفيان به، وعن عبد الله بن
عبد الرحمن الدارمي عن أبي اليمان به، وعن إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع وعبد بن
حميد، ثلاثتهم عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد به. وأخرجه أبو داود في
الأدب عن محمد بن أحمد بن أبي خلف، وأحمد بن عبدة، كلاهما عن سفيان به، وعن