النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٤٤)
المسجد))، حال من النبي عَِّ وقوله: ((ومعه ناس))، جملة إسمية وقعت حالاً. قوله:
((أرسلك))، ويروي: ((آأرسلك)) بهمزة الاستفهام. قوله: ((أبو طلحة))، هو: زيد بن سهل
الأنصاري أحد نقباء العقبة، شهد المشاهد كلها، روي له اثنان وتسعون حديثاً، منها للبخاري
ثلاثة، وهو زوج أم أنس، مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين على الأصح. قوله: ((قال لطعام))،
ويروى: ((للطعام)). قوله: ((قال لمن حوله)) منصوب بالظرفية أي: لمن كان حوله. قوله:
((فانطلق) أي: إلى بيت أبي طلحة، وفي بعض النسخ: ((فانطلقوا)) أي: انطلق النبي، صلى الله
تعالى عليه وآله وسلم، ومن كان معه.
ذكر ما يستنبط منه: فيه: جواز الحجابة، وهو أن يتقدم بعض الخدام بين يدي الإمام
ونحوه. وفيه: الدعاء إلى الطعام وإن لم يكن وليمة. وفيه: أن الدعاء إلى ذلك من المسجد
وغيره سواء، لأن ذلك من أعمال البر، وليس ثواب الجلوس في المسجد بأقل من ثواب
الإطعام. وفيه: دعاء السلطان إلى الطعام القليل. وفيه: أن الرجل الكبير إذا دعي إلى طعام،
وعلم أن صاحبه لا يكره أن يجلب معه غيره وأن الطعام يكفيهم أنه لا بأس بأن يحمل معه من
حضره وإنما حملهم النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، إلى طعام، أبي طلحة، وهو قليل، لعلمه
أنه يكتفي جميعهم ببركته وما خصه الله تعالى به من الكرامة والفضيلة، وهو من علامات النبوة.
٤٤ _ بابُ القَضاء واللَّعَانِ فِي المَسْجِدِ بَيْنَ الرِّجال والنّساء
أي: هذا باب في بيان القضاء، وهو: الحكم وحكم اللعان في المسجد، وعطف
اللعان على القضاء من عطف الخاص على العام، لأن القضاء أعم من أن يكون في اللعان أو
غيره، واللعان مصدر: لاعن من: اللعن، وهو الطرد والإبعاد، وسمي به لما فيه من لعن نفسه
في الخامسة، وهي من تسمية الكل باسم البعض، كالصلاة تسمى ركوعاً وسجوداً. واللعان،
عندنا: شهادات مؤكدات بالأيمان مقرونة باللعن قائمة مقام القذف في حقه، ومقام حد الزنا
في حقها، وعند الشافعي ومالك وأحمد: هو أيمان مؤكدات بلفظ الشهادة بشرط أهليه
اليمين، وصفة اللعان ما نطق به نص القرآن في سورة النور، وهو أن يبتدىء القاضي بالزوج
فيشهد أربع شهادات يقول في كل مرة أشهد بالله أني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا،
يشير إليها في كل مرة، ويقول في الخامسة: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، فيما رماها
به من الزنا، ثم تشهد المرأة أربع شهادات تقول في كل مرة أشهد بالله أنه لمن الكاذبين فيما
رماني به من الزنا، وتقول في الخامسة: غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماني
به من الزنا. قوله: ((بين الرجال والنساء)»، حشو، ولهذا لم يثبت إلاَّ في رواية المستملي.
:
٤٢٣/٨٤ - حدّثنا يَحْيَى قال أخبرنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قال أخبرنا ابنُ مجرَيْجِ قال أخبرني
ابنُ شِهابٍ عَنْ سَهْلٍ بنِ سَعْدِ أَنَ رَجُلاً قال يا رسولَ الله أَرَأْيَتَ رَجُلاً وجَدَ مَعَ امْرَأْتِهِ رَجُلاً
أيقْتُلُهُ فَتَلاَعَنَا في المَسْجِدِ وأنا شاهِدٌ. [الحديث ٤٢٣ - أطرافه في: ٤٧٤٥، ٤٧٤٦،
٥٢٥٩، ٥٣٠٨، ٥٣٠٩، ٦٨٥٤، ٧١٦٥، ٧١٦٦، ٧٣٠٤].
عمدة القاري /ج ٤ /م١٦

٢٤٢
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٤٤)
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((أيقتله))، لأنه لو لم ير مباشرة تامة لما سأل
رسول الله عَّ الله عن جواز قتل الرجل، وإلا فمجرد وجدان الرجل مع امرأته من غير مباشرة لا
يقتضي سؤال القتل فيه، ففي الجملة ليس فيه إشعار بالزنا، ولا يقتضيه إلاّ ما يفهم من قوله:
أیقتله؟.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: يحيى بن موسى أبو زكريا، يعرف بالخت، بفتح
الخاء المعجمة وتشديد التاء المثناة من فوق. الثاني: عبد الرزاق بن همام الصنعاني. الثالث:
عبد الملك بن جريج. الرابع: محمد بن مسلم ابن شهاب الزهري. الخامس: سهل بن سعد
ابن مالك بن خالد الخزرجي الساعدي، أبو العباس، وقيل: أبو يحيى.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين والإخبار بصيغة
الجمع في موضع، وبصيغة الإفراد. وفيه: العنعنة في موضع. وفيه: حدّثنا يحيى مجرداً في
رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: يحيى بن موسى. وقال ابن السكن: هو يحيى بن
موسى، وقيل: هو يحيى بن جعفر البيكندي. وقال الكرماني: ويحتمل أن يراد به: يحيى بن
معين، لأنه سمع من عبد الرزاق قلت: الأصح ما قاله ابن السكن. وفيه: أن رواته ما بين
بلخي وصنعاني ومكي ومدني.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الطلاق عن إسماعيل
ابن عبد اللَّه، وفي التفسير عن عبد اللَّه بن يوسف، كلاهما عن مالك، وفي الاعتصام عن آدم
عن ابن أبي ذئب، وفي الأحكام، وفي المحاربين عن علي بن عبد اللَّه عن سفيان، وفي
التفسير عن أبي الربيع الزهراني عن فليح، وعن إسحاق عن الفريابي عن الأوزاعي، وفي
الطلاق أيضاً عن يحيى عن عبد الرزاق. وأخرجه مسلم في اللعان عن يحيى بن يحيى عن
مالك، وعن حرملة عن ابن وهب، وعن محمد بن رافع عن عبد الرزاق. وأخرجه أبو داود في
الطلاق عن القعنبي عن مالك مطولاً، وعن أبي الربيع الزهراني ببعضه، وعن مسدد ووهب بن
بيان وأحمد بن عمرو بن السرح وعمرو بن عثمان، وعن محمود بن خالد، وعن أحمد بن
صالح، وعن محمد بن جعفر الوركاني، وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن سلمة عن ابن
القاسم عن مالك به، وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي مروان محمد بن عثمان.
ذكر معناه وما يستنبط منه: قوله: ((أن رجلا)) اختلفوا فيه، فقيل: إنه هلال بن أمية
وقيل: عاصم بن عدي، وقيل: عويمر العجلاني. قلت: روى الطحاوي من حديث الزهري:
((عن سهل بن سعد الساعدي أن عويمراً جاء إلى عاصم ابن عدي فقال: أرأيت رجلاً وجد مع
امرأته رجلاً فقتله أتقتلونه؟ سل يا عاصم رسول الله عَّه) ... الحديث، وفي حديث أنس،
رضي الله تعالى عنه، هلال بن أمية، روى الطحاوي عن حديث ابن سيرين: ((عن أنس بن
مالك أن هلال بن أمية قذف شريك ابن سمحاء بامرأته، فرفع ذلك إلى رسول الله عَ له فقال:
(ائت بأربعة شهداء، وإلاَّ فحد في ظهرك)) ... الحديث. وفيه: ((فنزلت آية اللعان))، وأخرجه
مسلم والنسائي أيضاً، وفي حديث ابن عباس: عويمر العجلاني: ((أن رسول الله عَ لّه لا عن

٢٤٣
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٤٤)
بين العجلاني وامرأته)) ... الحديث، وراه الطحاوي وأحمد في (مسنده) والبيهقي في (سننه)
ووقع في حديث عبد الله بن مسعود: وكان رجلاً من الأنصار جاء إلى رسول الله عَّ فلاعن
امرأته. وقال المهلب: الصحيح أن القاذف: عويمر، والذي ذكر في حديث ابن عباس من قوله
العجلاني هو عويمر، وكذا في قول عبد الله بن مسعود، وكان رجلاً، وهلال بن أمية خطأ،
وأظنه غلطاً من هشام بن حسان، وذلك لأنها قصة واحدة، والدليل على ذلك توقفه عَ لَّه فيها
حتى نزلت الآية الكريمة، ولو أنهما قضيتان لم يتوقف على الحكم في الثانية بما نزل عليه في
الأولى. قلت: كأنه تبع في هذا الكلام محمد بن جرير، فإنه قال في (التهذيب): يستنكر قوله
في الحديث: هلال بن أمية، وإنما القاذف عويمر بن الحارث بن زيد بن الجد بن عجلان. وفيما
قالاه نظر لأن قضية هلال وقذفه زوجته بشريك ثابتة في صحيح البخاري في موضعين:
الشهادات والتفسير وفي صحيح مسلم من حديث أنس. وقال ابن التين: الصحيح أن هلالاً
لاعن قبل عويمر، وقال الماوردي في الحاوي. الأكثرون على أن قصة هلال أسبق من قصة
عويمر، وفي (الشامل) لابن الصباغ قصة هلال، تبين أن الآية الكريمة نزلت فيه أولاً.
قوله: ((أرأيت رجلا؟)) الهمزة فيه للاستفهام، أي: أخبرني بحكمه في أنه هل يجوز
قتله أو لا؟ قوله: ((فتلاعنا))، فيه حذف كثير وقد بين ذلك في غيره من الأحاديث التي
أخرجها البخاري مكررة، كما ذكرنا، والمحذوف بعد قوله: ((أيقتله)) أم كيف يفعل؟ فأنزل
الله في شأنه ما ذكر في القرآن من أمر المتلاعنين، فقال النبي معَّم: قد قضي فيك وفي
امرأتك، قال: فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد، فلما فرغا قال: كذبت عليها يا رسول الله إن
أمسكتها، فطلقها ثلاثاً قبل أن بإمره رسول الله عَ ليه حين فرغا من التلاعن، ففارقها عند النبي
عَّلِ فقال: ((ذاك تفريق بين كلا متلاعنين)) ... الحديث وسيأتي أحكام اللعان مستقصاة في
كتاب اللعان، وإنما ذكر البخاري هذا الحديث مختصراً لأجل جواز القضاة في المسجد،
وهو جائز عند عامة العلماء، وقال مالك: جلوس القاضي في المسجد للقضاء من الأمر القديم
المعمول به، وقال ابن حبيب: وكان من مضى من القضاء لا يجلسون إلاّ في رحاب
المساجد خارجاً. وقال أشهب: لا بأس أن يقضي في بيته أو حيث أحب، واستحب بعضهم
الرحاب، وفي (اللعونة): الأولى أن يقضي في المسجد، وكان شريح وابن أبي ليلى يقضيان
فيه، وروي عن سعيد بن المسيب كراهية ذلك، قال: لو كان لي من الأمر شيء ما تركت
اثنين يختصمان في المسجد. وعن الشافعي كراهيته في المسجد إذا أعده لذلك دون ما إذا
اتفقت له حكومة فيه، إذ فيه حديث: ((جنبوا مساجدكم رفع أصواتكم وخصوماتكم))، ولا
يعترض على هذا باللعان لأنها أيمان ويراد بها الترهيب ليرجع المبطل.
قلت: قال أصحابنا جميعاً: والمستحب أن يجلس في مجلس الحكم في الجامع،
فإن كان مسجداً بجنب داره فله ذلك، وإن قضى في داره جاز، والجامع أرفق المواضع
بالناس وأجدر أن لا يخفى على أحد جلوسه ولا يوم حكمه، وقد كان الشعبي يقضي في
الجامع، وشريح يقضي في المسجد ويخطب بالسواد، وقد قضى النبي عَ ◌ّه في مسجده بين

٢٤٤
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٤٥)
الأنصار في مواريث تقادمت، وكانت الأئمة يقضون في المساجد، وعثمان، رضي الله تعالى
عنه في الحر يقيم في المسجد وقضى بين سقا وخصم له في المسجد، وإن حضر في
المسجد لغير الحكم فحضر خصمان لم يكره له أن يحكم بينهما، وعن عمر بن عبد العزيز:
لا يقعد القاضي في المسجد يدخل فيه المشركون، فإنهم نجس، وتلا الآية. وكان يحيى بن
يعمر في الطريق، وقصده رجل إلى منزله فقال: القاضي لا يؤتى في منزله.
٤٥ _ بابٌ إذَا دَخَلَ بَيْتاً يُصَلِّى حَيْثُ شاءَ أوْ حَيْثُ أمِرَ ولاَ يَتَجَسَّسُ
أي: هذا باب يذكر فيه إذا دخل رجل بيت أحد يصلي فيه حيث شاء؟ وهمزة
الاستفهام مقدرة فيه تقديره أيصلي حيث شاء؟ أو حيث أمر؟ أو يصلي حيث أمره
صاحب البيت. وفي بعض النسخ هكذا بهمزة الاستفهام، والمعنى. على هذا وإلاَّ لا
يطابق الحديث الترجمة جميعاً، ولا يطابق إلاَّ الشق الثاني، وهو قوله، صلى الله تعالى
عليه وسلم: ((أين تحب أن أصلي لك من بيتك؟)) وعن هذا قال ابن بطال: لا يقتضي لفظ
الحديث أن يصلي حيث شاء، وإنما يقتضي أن يصلي حيث أمر، لقوله: أين تحب أن
أصلي لك؟ فكأنه قال: باب دخل بيتاً هل يصلي حيث شاء أو حيث أمر، لأنه عدّ
استأذنه في موضع الصلاة ولم يصل حيث شاء، فيبطل حكم: حيث شاء، ويؤيد هذا قوله:
ولا يتجسس، أي: ولا يتفحص موضعاً يصلي فيه، وهو بالجيم، وقيل: بالحاء، والمعنى
متقارب، والأول أظهر وأكثر.
٤٢٤/٨٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْلَمَةَ قال حدّثنا إِبْراهِيمُ بنُ سَعْدِ عنِ ابنِ شِهَابٍ
عَنْ مَحُمُودِ ابنِ الرَّبِيعِ عَنْ عِثْبَانَ بنِ مالِكِ أنَّ النبيَّ عَ لَّهِ أَتَاهُ فِي مَنْزِلِه فقال أيْنَ تُحِبُّ أنْ
أُصلِّيَ لَكَ مِنَ بَيْتِكَ قال فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى مكانٍ فَكَبَّرَ النَّبِيُّ عَُّلِّ فَصَفَفْنَا خَلْفِهُ فَصَلَّى
رَكْعَتَيْنِ. [الحديث ٤٢٤ - أطرافه في: ٤٢٥، ٦٦٧، ٦٨٦، ٨٣٨، ٨٤٠، ١١٨٦، ٤٠٠٩،
٤٠١٠، ٥٤٠١، ٦٤٢٣، ٦٩٣٨].
وجه مطابقة الحديث للترجمة قد ذكرناه.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: عبد اللَّه بن مسلمة القعنبي. الثاني: إبراهيم بن
سعيد سبط عبد الرحمن بن عوف. الثالث: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. الرابع:
محمود بن الربيع، بفتح الراء: الخزرجي الأنصاري الصحابي. الخامس: عتبان، بكسر العين
المهملة وضمها وسكون التاء المثناة من فوق بعدها الباء الموحدة: الأنصاري السالمي
المدني الأعمى، وكان إمام قومه على عهد رسول الله عٍَّ، روي له عشرة أحاديث،
للبخاري منها واحد، قاله في (الكمال) مات بالمدينة زمن معاوية.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين وفيه: العنعنة في ثلاثة
مواضع، وصرح أبو داود الطيالسي في مسنده بسماع إبراهيم بن سعد من ابن شهاب وفيه: أن
رواته كلهم مدنيون. وفيه: رواية الصحابي عن الصحابي.

٢٤٥
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٤٦)
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: هذا الحديث أخرجه البخاري مطولاً ومختصراً
في أكثر من عشرة مواضع، ففي الصلاة عن هناد عن عبد الله بن مسلمة عن حبان بن
موسى، وعن معاذ بن أسد، وعن إسماعيل عن مالك، وعن إسحاق عن يعقوب، وعن سعيد
ابن عفير، وفي الرقاق عن معاذ بن أسد، وفي استتابة المرتدين عن عبدان، وفي المغازي عن
القعنبي، وعن سعيد بن عفير، وعن يحيى بن كثير، وعن أحمد بن صالح، وفي الأطعمة عن
يحيى بن كثير. وأخرجه مسلم أيضاً في عدة مواضع. ففي الصلاة عن حرملة، وعن محمد
ابن رافع وعبد بن حميد، وعن إسحاق بن إبراهيم، وفي الأيمان عن شيبان بن فروخ عن
سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس، وعن أبي بكر بن نافع. وأخرجه النسائي أيضاً في
مواضع: ففي الصلاة عن هارون بن عبد اللَّه، وعن الحارث بن مسكين، وعن نصر بن علي،
وفي اليوم والليلة عن أبي بكر بن نافع، وعن محمد بن سلمة، وعن عمرو بن علي، وعن
محمد بن علي بن ميمون. وأخرجه ابن ماجه في الصلاة عن أبي مروان محمد بن عثمان
عن إبراهيم بن سعد بطوله.
ذكر معناه وما يستنبط منه: قوله: ((أتاه في منزله))، وعند الطبراني: ((أن النبي عَّ
صِّىاللّهِ
أتاه يوم السبت ومعه أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما)). وفي لفظ: ((أن عتبان لقي النبي
عَّفي يوم جمعة فقال: إني أحب أن تأتيني)). وفي بعضها: ((أن عتبان بعث إليه))، ورواه أبو
الشيخ الأصبهاني من حديث النضر بن أنس عن أبيه قال: ((لما أصيب عتبان))، فجعله من
مسند أنس بن مالك، وعند ابن حبان في (صحيحه) عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه ((أن
رجلاً من الأنصار أرسل إلى رسول الله عَ له أن: تعالَ فخُطَّ لي مسجداً في داري أصلي فيه،
وذلك بعدما عمي، فجاء ففعل)). انتهى. هذا كأنه عتبان، والله تعالى أعلم. قوله: ((أن أصلي
لك؟» هكذا في رواية المستملي، وفي رواية الأكثرين: ((أن أصلي من بيتك؟)) وفي رواية
الكشميهني: ((في بيتك)): فإن قلت: الصلاة لله، فكيف قال: لك؟ قلت: نفس الصلاة لله
تعالى والأداء في الموضع المخصوص له. قوله: ((فصففنا))، ويروى: ((وصففنا))، بالواو،
ويروى: ((فصفنا)) بالتشديد، أي: صفنا رسول الله عَّ ◌ُله: أي جعلنا صفاً خلفه.
ومما يستنبط منه: استحباب تعيين مصلى في البيت إذا عجز عن حضور المساجد.
وفيه: جواز الجماعة في البيوت. وفيه: جواز النوافل بالجماعة. وفيه: إتيان الرئيس إلى بيت
المرؤوس. وفيه: تسوية الصف خلف الإمام. وفيه: ما يدل على حسن خلقه وتواضعه مع
جلالة قدره وعظم منزلته معد له.
٤٦ _ بابُ المَسَاجِدِ في البُيُوتِ
أي: هذا باب في بيان جواز اتخاذ المساجد في البيوت، هذا الباب والذي قبله في
الحقيقة باب واحد لأن للبخاري حديثاً واحداً عن عتبان، وإنما أخرجه في عدة مواضع كما
ذكرنا مفرقاً مطولاً ومختصراً لأجل التراجم.

٢٤٦
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٤٦)
وَصَلَّى الْبَرَاءُ بنُ عازِبٍ فِي مَسْجِدِهِ فِي دَارِهِ في جَمَاعَةٍ
هذا تعليق روى معناه ابن أبي شيبة في قصة. قوله: ((في جماعة)) هكذا رواية
الكشميهني، وفي رواية غيره: ((جماعة)) بدون كلمة: في، منصوبة.
٨٦/ ٤٢٥ - حدّثنا سَعِيدُ بنُ عُفِيْرٍ قال حدّثني اللَّيْثُ قال حدّثني عُقَيْلٌ عنِ ابنِ
شِهَابٍ قال أخبرني مَخْمودُ بنُ الربيعِ الأنْصَارِيُّ أنَّ عِثْبَانَ بنَ مالِكِ وَهْوَ مِنْ أَصْحَابٍ رسول
الله عَ لَّهِ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْراً مِنَ الأنْصَارِ أنَّهُ أَتَى رسول الله عَّلِ فقال يا رسولَ الله قَدْ أَنْكَرْتُ
بَصَرِي وَأنا أُصَلِّي لِقَوْمِي فَإِذَا كانَتِ الأُمْطَارُ سَالَ الوَادِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ لَمْ أَسْتَطِعٍْ أنْ آتِيَّ
مَسْجِدَهُمْ فَأُصَلِّيَ بِهِمْ وَوَدِدْتُ يا رَسولَ اللهِ أَنَّكَ تَأْتِينِي فَتُصَلِّيَ فِي بَيْتِي فَأَتَّخِذَهُ مُصَلَّى قَالَّ
فقال لَهُ رسول الله عَّه سأفْعَلُ إنْ شاءَ الله قال عِنْبَانُ فَغدًا رسول الله عَلَّهِ وَأَبُو بَكْرِ حِينَ
ارْتَفَعَ النَّهَارُ فاسْتَأْذَنَ رسول الله عَّ فَأَذِنْتُ لَهُ فَلَمْ يَجْلِسْ حِينَ دَخَلَ البَيْتَ ثُمَّ قال أيْنَ تُحِبُّ
أنْ أَصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ قال فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى نَاحِيةٍ مِنَ البَيْتِ فقامَ رسول الله عَُّلِّ فَكَبَّرَ فَقُمْنَا
فَصَفَّنَا فِصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ قال وحَبَسْنَاهُ عَلَى خَزِيرَةٍ صَنَعْنَاها لَهُ قال فَشَابَ فِي البَيْتِ
رجالٌ منْ أهْلِ الدَّارِ ذَوْو عَدَدٍ فَاجْتَمَعُوا فقالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ أَيْنَ مالِكُ بنُ الدُّخَيْشِنِ أوْ ابنُ الدُّخْشُنِ
فقالَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ مُنافِقٌ لاَ يُحِبُّ الله ورَسُولُه فقال رسول الله عَ لَّهِ لا تَقُلْ ذَلِكَ أَلاَ تَرَاهُ قَذَ
قال لاَ إِلَهَ الله يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ الله قال الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قال فإِنَّا نَرَى وَجَهْهُ وَنَصِيحَتَهُ إِلَى
المُنَافِقِينَ قال رسول الله عَّلِ فإِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مِنْ قال لاَ إِلَه إلاَّ اللهَ يَبْتَغِي بِذَلِكَ
وَجْهَ الله. قال ابنُ شِهَابٍ ثُمَّ سَأَلْتُ الحصَيْنَ بنَ محَمَّدِ الأَنْصَارِيَّ وَهْوَ أَحَدُ بَنِي سَالِمٍ وَهْوَ
مِنْ سَرَاتِهِمْ عِنْ حَدِيثِ مَحمُودٍ بِنِ الرَّبيع فَصَدَّقَهُ بِذَلِكَ. [انظر الحديث ٤٢٤ - وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم ستة: سعيد بن عفير، بضم العين المهملة وفتح الفاء: وهو سعيد بن
كثير بن عفير المصري، والليث بن سعد المصري، وعقيل، بضم العين: بن خالد الأيلي،
ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، وبصيغة الإفراد
في موضعين. وفيه: الإخبار بصيغة الإفراد في موضع واحد. وفيه: العنعنة في موضع واحد.
وفيه: أن رواته ما بين مصري أيلي ومدني. وفيه: رواية الصحابي عن الصحابي. فإن قلت:
من قوله: إن عتبان ابن مالك إلى قوله: قال عتبان، من رواية محمود بن الربيع بغير واسطة،
فيكون هذا القدر مرسلاً، فلا يكون رواية الصحابي عن الصحابي، ومن هذا قال الكرماني:
الظاهر أنه مرسل لأنه لا جزم أن محموداً سمع من عتبان، ولا أنه رأى بعينه ذلك لأنه كان
صغيراً عند وفاة رسول الله عَ ليه. قلت: قد وقع تصريحه بالسماع عند البخاري من طريق
معمر ومن طريق إبراهيم بن سعد كما مر في الباب الماضي، ووقع التصريح بالتحديث أيضاً
بين عتبان، ومحمود من رواية الأوزاعي عن ابن شهاب عند أبي عوانة، فتكون رواية الصحابي

٢٤٧
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٤٦)
عن الصحابي، فيحمل قوله: قال عتبان، على أن محموداً أعاد اسم شيخه اهتماماً بذلك
لطول الحديث، وقد ذكرنا تعدد موضعه ومن أخرجه غيره.
ذكر معناه: قوله: ((إن عتبان بن مالك))، ظاهره الإرسال، وقد حققناه الآن، واختلفوا فيما
إذا قال: حدّثنا فلان أن فلاناً قال كذا، أو فعل كذا، فقال الإمام أحمد وجماعة: يكون منقعطاً
حتى يتبين السماع. وقال الجمهور: هو كعن، محمول على السماع بشرط أن يكون الراوي غير
مدلس، وبشرط ثبوت اللقاء على الأصح. قوله: ((ممن شهد بدراً من الأنصار))، وفائدة ذكر
قوله: ((من أصحاب رسول الله عَّله))، تقوية الرواية وتعظيمه والافتخار، والتلذذ به، وإلاَّ كان هو
مشهوراً بذلك، أو غرضه تعريف الجاهل به. قوله: ((إن عتبان بن مالك)) في محل النصب على
أنه مفعول ثان لقوله: أخبرني. قوله: ((أنه أتى))، بدل من: أن عتبان، وفي رواية ثابت عن أنس
عن عتبان، فإن قلت: جاء في رواية مسلم أنه بعث إلى النبي عَّ يطلب منه ذلك. فما وجه
الروايتين؟ قلت: يحتمل أن يكون جاء إلى النبي عَّه بنفسه مرة، وبعث إليه رسوله مرة أخرى
لأجل التذكير. وقال بعضهم: يحتمل أن يكون نسب إتيان رسول الله عَّةٍ إلى نفسه مجازاً،
قلت: الأصل الحقيقة، والدليل عليه ما رواه الطبراني من طريق أبي أويس عن ابن شهاب بسنده
أنه قال للنبي عَ ◌ّه يوم جمعة: لو أتيتني يا رسول الله، وفيه أنه أتاه يوم السبت.
قوله: ((قد أنكرت بصري)) يحتمل معنيين: العمى أو ضعف الإبصار، وفي رواية
مسلم: ((لما ساء بصري))، وفي رواية الإسماعيلي: ((جعل بصري يكل))، وفي رواية أخرى
لمسلم من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت: أصابني في بصري بعض الشيء، وكل ذلك
يدل على أنه لم يكن بلغ العمى، وفي رواية للبخاري في باب الرخصة في المطر، من طريق
مالك عن ابن شهاب فقال فيه: ((إن عتبان كان يؤم قومه وهو أعمى، وأنه قال لرسول الله
عَّلِ: إنها تكون الظلمة والسيل، وأنا رجل ضرير البصر)). فإن قلت: بين هذه الرواية
والروايات التي تقدمت تعارض ظاهراً، قلت: لا معارضة فيها لأنه أطلق عليه العمى في هذه
الرواية لقربه منه، وكان قد قرب من العمى بالكلية، والشيء إذا قرب من الشيء يأخذ حكمة.
قوله: ((وأنا أصلي لقومي)) أي: لأجلهم، والمعنى أنه كان يؤمهم، وصرح بذلك أبو
داود الطيالسي عن إبراهيم بن سعد. قوله: ((فإذا كانت الأمطار)) أي: فإذا وجدت، و: كانت،
تامة، فلذلك ليس لها خبر. قوله: ((سال الوادي)) من قبيل إطلاق اسم المحل على الحال،
أي سال ماء الوادي. قوله: ((بيني وبينهم))، وفي رواية الإسماعيلي ((يسيل الوادي الذي بيني
وبين مسجد قومي فيحول بيني وبين الصلاة معهم)). قوله: ((فأصلي بهم)) بالنصب، عطف
على قوله: ((أن آتي))، ويروى: لهم بدل: بهم. قوله: ((ووددت)) بكسر الدال، قاله ثعلب،
ومعناه: تمنيت. وفي (الجامع) للقزاز: وحكى الفراء عن الكسائي: وددت، بالفتح، ولم
يحكها غيره، والمصدر: ود، فيهما. ويقال في المصدر: الود، والود والوداد والوداد، والكسر
أكثر والودادة والودادة. قوله: ((وجاء مودة)) حكاه مكي في شرحه، وقال اليزيدي في (نوادره):
ليس في شيء من العربية: وددت، مفتوحة. قوله: ((فتصلي)) بسكون الياء، ويجوز النصب

٢٤٨
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٤٦)
لوقوع الفاء بعد التمني. قوله: ((فأتخذه)) بالرفع وبالنصب أيضاً، لأن الفاء وقعت بعد التمني
المستفاد من الودادة. قوله: ((إن شاء الله))، تعليق بمشيئة الله عملاً بقوله تعالى: ﴿ولا تقولن
لشيء إني فاعل ذلك غداً إلاَّ أن يشاء الله﴾ [الكهف: ٢٣] قال الكرماني: وليس لمجرد
التبرك، إذ محل استعماله إنما هو فيما كان مجزوماً به. قلت: يجوز أن يكون للتبرك لأن
إطلاعه بالوحي على الجزم بأنه سيقع غير مستبعد في حقه. قوله: (فغدا على))، زاد
الإسماعيلي: ((بالغد))، وللطبراني من طريق أبي أويس أن السؤال وقع يوم الجمعة والتوجه إليه
وقع يوم السبت على ما ذكرنا. قوله: ((وأبو بكر))، لم يذكر جمهور الرواة عن ابن شهاب
غيره، حتى إن في رواية الأوزاعي: ((فاستأذنا فأذنت لهما))، لكن في رواية أبي أويس: ومعه
أبو بكر وعمر، رضي الله عنهما، وفي رواية مسلم من طريق أنس عن عتبان: ((فأتاني ومن شاء
الله تعالى من أصحابه))، وفي رواية الطبراني من وجه آخر عن أنس: ((في نفر من أصحابه)).
فإن قلت: ما التوفيق بين هذه الروايات؟ قلت: هو أن أبا بكر كان معه في ابتداء توجهه، ثم
عند الدخول أو قبله بقليل اجتمع عمر وغيره من أصحابه فدخلوا معه. قوله: «فلم يجلس حين
دخل))، وفي رواية الكشميهني: ((حتى دخل))، قال النووي في (شرح مسلم): زعم بعضهم
أن: حتى، غلط وليس بغلط، إذ معناه: لم يجلس في الدار ولا في غيرها حتى دخل البيت
مبادراً إلى قضاء حاجته التي طلبها منه وجاء بسببها، وهي: الصلاة في بيته، وفي رواية
يعقوب عن البخاري وعند الطيالسي أيضاً: ((فلما دخل لم يجلس حتى قال: أين تحب؟))
وكذا الإسماعيلي من وجه آخر قلت: إنما يتعين كون رواية الكشميهني غلطاً إذا لم يكن
لعتبان دار فيها بيوت، وأما إذا كانت له دار فلا يتعين. قوله: ((فقام رسول الله عَّ فكبر))،
هذا يدل على أنه حين دخل البيت جلس ثم قام فكبر للصلاة، وبينه وبين ما قبله تعارض، ودفعه
يمكن بأن يقال: لما دخل قبل أن يجلس قال: أين تحب؟ ويحتمل أنه جلس بعده جلوساً ما، ثم
قام فكبر فإن قلت: حديث مليكة في باب الصلاة على الحصير: ((بدأ بالأكل ثم صلى))،
وههنا: ((صلى ثم أكل))، فما الفرق بينهما؟ قلت: كان دعاء عتبان النبي عَّه للصلاة، ودعاء
مليكة كان للطام، ففي كل واحد من الموضعين بدأ بالأهم، وهو ما دعي إليه.
قوله: ((أن أصلي من بيتك؟)) كذا في رواية الأكثرين، وعند جمهور الرواة: من،
الزهري، وفي رواية الكشميهني وحده: ((أن أصلي من بيتك)). فإن قلت: ما معنى (من
بيتك؟)) وأصل: من، للابتداء؟ قلت: الحروف ينوب بعضها عن بعض: فمن ههنا بمعنى: في،
كما في قوله تعالى: ﴿أروني ماذا خلقوا من الأرض﴾ [فاطر: ٤٠] ﴿إذا نودي للصلاة من
يوم الجمعة﴾ [الأحقاف: ٤]. قوله: ((وحبسناه)) أي: منعناه عن الرجوع. قوله: ((على
خزيرة))، بفتح الخاء المعجمة وكسر الزاي وسكون الياء آخر الحروف وفتح الراء في آخره
هاء، قال ابن سيده: هي اللحم الغاث، بالثاء المثلثة أي: المهزول، يؤخذ فيقطع صغاراً ثم
يطبخ بالماء، فإذا أميت طبخاً ذر عليه الدقيق فعصد به ثم أدم بأي إدام بشيء، ولا تكون
أالخزيرة إلاَّ وفيها لحم. وقيل هي ثلاثة: النخالة تصفى ثم تطبخ، وقيل: الخزيرة والخزير:

٢٤٩
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٤٦)
الحساء من الدسم والدقيق، عن أبي الهيثم: إذا كان من دقيق فهي خزيرة، وإذا كان من
نخالة فهي حريرة بالمهملات. وفي (الجمهرة) لابن دريد: الخزير: دقيق يلبك بشحم،
كانت العرب تعير بأكله، وفي موضع: يعير به بنو مجاشع. قال: والخزيرة السخينة. وقال
الفارسي: أكثر هذا الباب على: فعيلة، لأنه في معنى مفعول، وفي رواية الأوزاعي عند مسلم:
((على جشيشة))، بجيم ومعجمتين. قال أهل اللغة: هي أن تطحن الحنطة قليلاً ثم يلقى فيها
شحم أو غيره. وفي (المطالع): إنها رويت في الصحيحين بخاء ورائين مهملات، وحكى
البخاري في الأطعمة عن النضر: أنها تصنع من اللبن. قوله: ((فتاب في البيت رجال))، بالثاء
المثلثة وبعد الألف باء موحدة: أي اجتمعوا وجاؤا، يقال: ثاب الرجال إذا رجع بعد ذهابه.
وقال ابن سيده: ثاب الشيء ثوباً وثؤباً: رجع، وثاب جسمه ثوباناً: أقبل. وقال الخليل: المثابة
مجتمع الناس بعد افتراقهم، ومنه قيل للبيت: مثابة.
قوله: ((من أهل الدار)) أي: من أهل المحلة، كقوله، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:
((خير دور الأنصار دار بني النجار))، أي: محلتهم، والمراد أهلها. ويقال: الدار القبيلة أيضاً،
وإنما جاؤوا لسماعهم بقدوم النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم. قوله: ((فقال قائل منهم))، لم
يسم هذا القائل. قوله: ((مالك بن الدخيشن))، بضم الدال المهملة وفتح الخاء المعجمة
وسكون الياء آخر الحروف وكسر الشين المعجمة وفي آخره نون. قوله: ((أو ابن الدخشن))،
بضم الدال وسكون الخاء وضم الشين، وحكي كسر أوله، والشك فيه من الراوي: هل هو
مصغر أو مكبر، وعند البخاري في المحاربين من رواية معمر: الدخشن، بالنون مكبراً من غير
شك، وكذا في رواية مسلم من طريق يونس، وعنده من طريق معمر بالشك، ونقل الطبراني
عن أحمد بن صالح أن الصواب الدخشم، بالميم، وهي رواية الطيالسي، وكذا في رواية
لمسلم عن أنس عن عتبان، وكذا للطبراني من طريق النضر بن أنس عن أبيه.
قوله: ((فقال بعضهم)) قيل: هو عتبان راوي الحديث، وبعضهم نسب هذا القول: بأنه
عتبان إلى ابن عبد البر، وهو غير ظاهر، لأنه قال: لا يصح عن مالك النفاق، وقد ظهر من
حسن إسلامه ما يمنع من اتهامه. وقال أيضاً: لم يختلف في شهود مالك بدراً وهو الذي أسر
سهيل بن عمرو، ثم ساق بإسناد حسن عن أبي هريرة: ((أن رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم، قال لمن تكلم فيه: أليس قد شهد بدراً؟)) وذكر ابن إسحاق في المغازي: أن النبي،
صلى الله تعالى عليه وسلم، بعث مالكاً هذا ومعن بن عدي فحرقا مسجد الضرار، فدل ذلك
كله أنه بريء مما اتهم به من النفاق. فإن قلت: إذا كان كذلك، فكيف قال هذا القائل: إنا
نرى وجهه ونصيحته للمنافقين؟ قلت: لعل كان له عذر في ذلك، كما كان لحاطب بن أبي
بلتعة، وهو أيضاً ممن شهد بدراً، ولعل الذي قال ذلك بالنظر إلى الظاهر، ألا ترى أن النبي
صلى الله تعالى عليه وسلم، كيف قال، عند قوله هذا: ((فإن الله حرم على النار من قال: لا
إله إلا الله يبتغى بذلك وجه الله)) وهذا إنكار لقوله هذا، ويجوز أن يكون اتهامه إياه بالنفاق
غير نفاق الكفر، كذا قيل. قوله: ((لا تقل ذاك)) أي: القول بأنه منافق. قوله: ((ألا تراه قد قال

٢٥٠
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٤٦)
لا إله إلا الله؟)) وفي رواية الطيالسي: ((أما يقول لا إله إلا الله))؟ وفي رواية مسلم: ((أليس
يشهد أن لا إله إلا الله)). قوله: ((يريد بذلك وجه الله)) أي: ذات الله، وهذا شهادة من رسول
الله عَِّ بإيمانه باطناً وبراءته من النفاق. قوله: ((فإنا نرى وجهه)) أي: توجهه. قوله: ((ونصيحته
للمنافقين))، ويروي: ((إلى المنافقين))، وعلى هذه الرواية قال الكرماني: فإن قلت: يقال:
نصحت له، لا: إليه، ثم أجاب عنه بقوله: قد ضمن معنى الانتهاء، وقال بعضهم: الظاهر أن
قوله: ((إلى المنافقين)) متعلق بقوله: ((وجهه))، فهو الذي يتعدى يإلى، وأما متعلق: ((ونصيحته))
فمحذوف للعلم به، قلت: كل منهما لم يمشٍ على قانون العربية لأن قوله: ((ونصيحته))
عطف على قوله: ((وجهه)) داخل في حكمه لأنه تابع، وكلمة: إلى، تتعلق بقوله: وجهه، ولا
يحتاج إلى دعوى حذف متعلق المعطوف، لأنه يكتفي فيه بمتعلق المعطوف عليه.
قوله: ((يبتغي)) أي: يطلب بذلك وجه الله، فيه رد على المرجئة الغلاة القائلين بأنه:
يكفي في الإيمان النطق فقط من غير اعتقاد. فإن قلت: لا بد من: محمد رسول الله عَ ليه،
قلت: قال الكرماني: هذا إشعار لكلمة الشهادة بتمامها قلت: هذا في حق المشرك، وأما في
حق غيره فلا بد من ذلك. قوله: ((فإن الله تعالى قد حرم على النار)) المراد من التحريم هنا
تحريم التخليد جمعاً بينه وبين ما ورد من دخول أهل المعصية، فيها، وتوفيقاً بين الأدلة.
وعن الزهري: أنه نزلت بعد هذا الحديث فرائض وأمور نرى أن الأمر انتهى إليها. وعند
الطيراني أنه: من كلام عتبان، واعترض ابن الجوزي، وقال: إن الصلوات الخمس فرضت
بمكة قبل هذه القضية بمدة، وظاهر الحديث يقتضي أن مجرد القول يدفع العذاب ولو ترك
الصلاة، وإنما الجواب أن من قالها مخلصاً فإنه لا يترك العمل بالفرائض، إذ إخلاص القول
حامل على أداء اللازم، أو أنه يحرم عليه خلوده فيها. وقال ابن التين: معناه إذا غفر له وتقبل
منه، أو يكون أراد نار الكافرين فإنها محرمة على المؤمنين، فإنها كما قال الداودي: سبعة
أدراك، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار مع إبليس وابن آدم الذي قتل أخاه.
قوله: ((قال ابن شهاب)) وهو محمد بن مسلم الزهري أحد رواة الحديث، وقال
بعضهم: أي قال ابن شهاب بالإسناد، ووهم من قال إنه معلق قلت: ظاهره التعليق، فإنه قال:
قال ابن شهاب، بدون العطف على ما قبله. قوله: ((ثم سألت الحصين بن محمد))، وفي
رواية الكشميهني: ((ثم سألت بعد ذلك الحصين))، بضم الحاء المهملة وبالصاد المهملة
المفتوحة، وهكذا ضبطه عند جميع الرواة إلا القابسي فإنه ضبطه بالضاد المعجمة، وغلطوه
في ذلك، وهو: الحصين بن محمد الأنصاري المدني من ثقات التابعين. وقال الكرماني: فإن
قلت: محمود كان عدلاً، فلِمَ سأل الزهري غيره؟ قلت: إما للتقوية ولاطمئنان القلب، وإما :
لأنه عرف أنه نقله مرسلاً، وإما لأنه تحمله حال الصبا، واختلف في المتحمل زمن الصبا.
قوله: ((وهو من سراتهم))، أي: الحصين بن محمد من سراة بني سالم، والسراة، بفتح السين:
جمع سري: وقال أبو عبيدة: وهو المرتفع القدر. وفي (المحكم): السور المروءة والشرف،
سرو سراوة وسرواً، الأخيرة عن سيبويه واللحياني، وسرى سرواً يسري سراءً، ولم يحك

٢٥١
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٤٦)
اللحياني مصدر سرى إلاَّ ممدوداً، ورجل سري من قوم أسرياء وشرفاء، كلاهما عن اللحياني،
والسراة اسم للجمع وليس بجمع عند سيبويه، ودليل ذلك قولهم: سروات. وفي (الصحاح):
وجمع السري سراة، وهو جمع عزيز أن يجمع: فعيل على فعلة، ولا يعرف غيره. وفي (الجامع):
وقولهم: فلان سري إنما معناه في كلام العرب: الرفيع، وهو سرا الرجل يسرو صار رفيعاً، وأصله
من: السراة، وهو أرفع المواضع من ظهر الدابة. وقيل: بل السراة الرأس وهو أرفع الجسم. قوله:
((عن حديث محمود بن الربيع))، يتعلق بقوله: ((سألت)) قوله: ((فصدقه بذلك)) أي:
بالحديث المذكور، وهذا يحتمل أن يكون الحصين سمعه أيضاً من عتبان، ويحتمل أن يكون
سمعه من صحابي آخر، وليس للحصين ولا لعتبان في الصحيحين سوى هذا الحديث.
ذكر ما يستنبط منه من الأحكام والفوائد: منها: جواز إمامة الأعمى. ومنها: جواز
التخلف عن الجماعة للعذر نحو المطر والظلمة أو الخوف على نفسه. ومنها: أن فيه إخبار
المرء عن نفسه بما فيه من عاهة وليس يكون من الشكوى. ومنها: جواز اتخاذ موضع معين
للصلاة. فإن قلت: روى أبو داود في (سننه) النهي عن إيطان موضع معين من المسجد.
قلت: هو محمول على ما إذا استلزم رياء ونحوه. ومنها: أن فيه تسوية الصفوف، وقال ابن
بطال: فيه رد على من قال إذا زار قوماً فلا يؤمهم، مستدلاً بما روى وكيع عن أبان بن يزيد
عن بديل بن ميسرة عن أبي عطية عن رجل منهم: ((كان مالك بن الحويرث يأتينا في
مصلانا، فحضرت الصلاة فقلنا له: تقدم، فقال: لا، ليتقدم بعضكم فإن النبي، صلى الله
تعالى عليه وسلم، قال: من زار قوماً فلا يؤمهم، وليؤمهم رجل منهم)). وقال ابن بطال: هذا
إسناده ليس بقائم، وأبو عطية مجهول يروي عن مجهول، وصلاة النبي، صلى الله تعالى عليه
وسلم، في بيت عتبان مخالفة له، وكذا ذكره السفاقسي، وفيه نظر في مواضع:
الأول: رواه أبو داود عن مسلم بن إبراهيم، وابن ماجه عن سويد عن عبد اللَّه، وأبو
الحسين المعلم عن محمد بن سليمان الباغندي: حدّثنا محمد بن أبان الواسطي، قال: حدّثنا
أبان. الثاني: قوله: إسناده ليس بقائم، يرده قول الترمذي: هذا حديث حسن. الثالث: الذي في
أبي داود والترمذي والنسائي والمصنف: أن أبا عطية قال: كان مالك بن الحويرث يأتينا ... ،
فذكروه من غير واسطة. وقال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب
النبي عَّه وغيره، قالوا: صاحب المنزل أحق بالإمامة من الزائر. وقال بعض أهل العلم: إذا أذن
له فلا بأس أن يصلي به. وقال إسحاق: لا يصلي أحد بصاحب المنزل وإن أذن له صاحب
المنزل، وكذلك صاحب المنزل لا يصلي بهم في المسجد إذا زارهم، يقول: ليصلي بهم
رجل منهم. وقال مالك: يستحب لصاحب المنزل إذا حضر فيه من هو أفضل منه أن يقدمه
للصلاة، وقد روي عن أبي موسى أنه أمر ابن مسعود وجذبه في داره. وقال أبو البركات ابن
تيمية: أكثر أهل العلم على أنه لا بأس بإمامة الزائر بإذن رب المنزل. وفيه: أن المسجد
المتخذ في البيوت لا يخرج عن ملك صاحبه، بخلاف السمجد المتخذ في المحلة.
وفيه: التبرك بمصلى الصالحين ومساجد الفاضلين. وفيه: أن من دعا من الصلحاء إلى

٢٥٢
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٤٧)
شيء يتبرك به منه فله أن يجيب إليه إذا أمن العجب. وفيه: الوفاء بالعهد. وفيه: صلاة النافلة
في جماعة بالنهار. وفيه: إكرام العلماء إذا دعوا إلى شيء بالطعام وشبهه. وفيه: التنبيه على
أهل الفسق والنفاق عند السلطان. وفيه: أن السلطان يجب عليه أن يستثبت في أمر من يذكر
عنده بفسق ويوجه له أجمل الوجوه. وفيه: أن الجماعة إذا اجتمعوا للصلاة وغاب أحد منهم
أن يسألوا عنه، فإن كان له عذر وإلاّ ظن به الشر، وهو مفسر في قوله: ((لقد هممت أن آمر
بحطب)). وفيه: جواز استدعاء المفضول للفاضل لمصلحة الفرض. وفيه: إمامة الزائر المزور
برضاه. وفيه: أن السنة في نوافل النهار ركعتان، وفيه خلاف على ما سنذكره إن شاء الله
تعالى. وفيه: جواز استتباع الإمام والعالم أصحابه. وفيه: الاستئذان على الرجل في منزله وإن
كان قد تقدم منه استدعاء. وفيه: أنه يستحب لأهل المحلة إذا ورد رجل صالح إلى منزل
بعضهم أن يجتمعوا إليه ويحضروا مجلسه لزيارته وإكرامه والاستفادة منه. وفيه: الذب عمن
ذكر بسوء وهو بريء منه. وفيه: أنه لا يخلد في النار من مات على التوحيد. قلت: ظاهر
الحديث يدل على أن من قال: لا إله إلاَّ الله، مخلصاً تحرم عليه النار. وفيه: جواز إسناد
المسجد إلى القوم.
٤٧ _ بابُ التيَمُّن في دُخُولِ المَسْجِدِ وَغَيْرِهِ
أي: هذا باب في بيان البداءة باليمين في دخول المسجد وغيره. قال الكرماني:
وغيره، بالجر عطف على: الدخول لا على: المسجد، ولا على: التيمن، وتبعه بعضهم على
ذلك قلت: لِمَ لا يجوز أن يكون عطفاً على المسجد، أي: وغير المسجد، مثل: البيت
والمنزل.
وكانَ ابنُ عُمَرَ يَبْدَأْ بِرِجْلِهِ اليُمْنَى فإِذَا خَرَجَ بَدَأَ بِرِجْلِهِ اليُشَرَى
مطابقة هذا الأثر للترجمة ظاهرة، ويؤيد فعل ابن عمر ما رواه الحاكم في المستدرك
من طريق معاوية بن قرة: ((عن أنس، رضي الله تعالى عنه، أنه كان يقول: من السنة إذا دخلت
السمجد أن تبدأ برجلك اليمنى، وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى)). وقول الصحابي: من
السنة كذا، محمول على أنه مرفوع إلى النبي عَّةٍ، وهو الصحيح. قوله: ((يبدأ)) أي: في
دخول المسجد، وذكر خرج في مقابلته قرينة له.
٤٢٦/٨٧ - حدّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَوْبٍ قال حدّثنا شُعْبَةُ عَنِ الأَشْعَثِ بنِ سُلَيْمٍ عنْ
أبيهِ عَنْ مَسْرُوق عنْ عائِشَةَ قالتْ كانَ النبيُّ عَّهِ يُحِبُّ التَّيَسُنَ ما اسْتَطَاعَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ فِي
طُهُورِهِ وتَرجُلِهِ وَتَعْلِهِ. [انظر الحديث: ١٦٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث عمومه لأن عمومه يدل على البداءة باليمين في دخول
المسجد، وذكر هذا الحديث في باب التيمن في الوضوء والغسل عن حفص بن عمر، قال:
حدّثنا شعبة، قال: أخبرني أشعث بن سليم، قال: سمعت أبي عن مسروق عن عائشه، رضي
الله تعالى عنها، قالت: ((كان النبي عَّه يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره في شأنه

٢٥٣
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٤٨)
كله))، وقد ذكرنا هناك أن الجماعة أخرجوا هذا الحديث، وأن البخاري أخرجه أيضاً في
اللباس وفي الأطمعة، وتكلمنا فيه بما فيه الكفاية مستوفيّ، ولنذكر ما يتعلق به ههنا.
قوله: ((ما استطاع)) كلمة: ما، يجوز أن تكون موصولة وتكون بدلاً من التيمن، ويجوز
أن تكون بمعنى: ما دام، وبه احترز عما لا يستطيع فيه التيمن شرعاً كدخول الخلاء
والخروج من المسجد. قوله: ((في شأنه)) يتعلق بالتيمن، ويجوز أن يتعلق بالمحبة أو بهما
على سبيل التنازع. قوله: ((في طهوره))، بضم الطاء بمعنى طهره. قوله: ((وترجله)) أي: تمشيطه
الشعر، قوله: ((وتنعله)) أي: لبسه النعل. فإن قلت: ما موقع: في طهوره، من الإعراب؟ قلت:
بدل من: شأنه، بدل البعض من الكل فإن قلت: إذا كان كذلك يفيد استحباب التيمن في
بعض الأمور، وتأكيد شأنه بالكل يفيد استحبابه في كلها قلت: هذا تخصيص بعد تعميم،
وخص هذه الثلاثة بالذكر اهتماماً بها وبياناً لشرفها، ولا مانع أن يكون بدل الكل من الكل،
إذ الطهور مفتاح أبواب العبادات، والترجل يتعلق بالرأس، والتنعل بالرجل، وأحوال الإنسان إما
أن تتعلق بجهة الفوق أو بجهة التحت أو بالأطراف، فجاء لكل منها بمثال. قلت: كيف قالت
عائشة، رضي الله تعالى عنها ((كان النبي عَّ يحب التيمن))، والمحبة أمر باطني، فمن أين
علمت ذلك؟ قلت: عملت حبه بهذه الأشياء إما بالقرائن أو بإخباره، صلى الله تعالى وسلم،
لها بذلك.
٤٨ _ بابٌ هَلْ تُنْبَشُ قُبُورُ مُشْرِكِي الجَاهِلِيَّةِ وَيُتَّخَذُ مَكَانُهَا مَسَاجِدَ
أي: هذا باب يذكر فيه نبش قبور المشركين الذين هلكوا في الجاهلية، يعني: يجوز
ذلك لما صرح به في حديث الباب فإن قلت: كيف يفسر كذلك وفيه كلمة: هل،
للاستفهام؟ قلت: هل هنا للاستفهام التقريري، وليس إستفهام حقيقي صرح بذلك جماعة من
المفسرين، وقوله تعالى: ﴿هل أتى على الإنسان﴾ [الإنسان: ١] ويأتي: هل، أيضاً بمعنى: قد
كذا فسر الآية جماعة، منهم ابن عباس والكسائي والفراء والمبرد، وذكر فى (المقتضب) هل
للاستفهام نحو: هل جاء زيد؟ وتكون بمنزلة: قد، نحو قوله تعالى: ﴿هل اتى على الإنسان﴾
[الإنسان: ١] وقد بالغ الزمخشري فزعم أنها أبداً بمعنى: قد وإنما الاستفهام مستفاد من همزة
مقدرة معها، ونقله في (المفصل) عن سيبويه، وقال في (الكشاف): ﴿هل أتى﴾ [الإنسان:
١] أي: قد أتى، على معنى التقرير والتقريب فيه جميعاً، ومن عكس الزمخشري ههنا فقد
عکس نفسه:
فإن القول ما قالت حذام
إذا قالت حذام فصدقوها
وهذا الذي ذكرنا أحسن من الذي يقال: إن ذكر كلمة: هل، ههنا ليس له محل، لأن
عادته إنما يذكر: هل، إذا كان حكم الباب فيه خلاف، وليس ههنا خلاف، ولم أَرَ شارحاً هنا
شفى العليل ولا أروى الغليل، وقد فسر بعضهم باب: هل تنبش قبور مشركي الجاهلية؟
بقوله: أي: دون غيرها من قبور الأنبياء وأتباعهم، قلت: هذا تفسير عجيب مستفاد من سوء

٢٥٤
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٤٨)
التصرف، لأن معناه ظاهر، وهو جواز نبش قبور المشركين لأنه لا حرمة لهم فيستفاد منه عدم
جواز نبش قبور غيرهم سواء كانت قبور الأنبياء أو قبور غيرهم من المسلمين لما فيه من
الإهانة لهم، فلا يجوز ذلك، لأن حرمة المسلم لا تزول حياً وميتاً، فإن كان هذا القائل اعتمد
في هذا التفسير على حديث عائشة المذكور في الباب، فليس فيه ذكر النبش وهو ظاهر،
وإنما فيه أنهم إذا مات فيهم رجل صالح يبنون على قبره مسجداً ويصورون فيه تصاوير، ولا
يلزم من ذلك النبش، لأن بناء المسجد على القبر من غير نبش متصور. قوله: ((ويتخذ مكانها
مساجد)) عطف على قوله: ((تنبش)) و: ((مكانها)) منصوب على الظرفية. و: ((مساجد))، مرفوع
لأنه مفعول ناب عن الفاعل، وهذا الوجه إذا جعل الإتخاذ متعدياً إلى مفعول واحد، وأما إذا
جعل متعدياً إلى مفعولين على ما هو الأصل، لأنه من أفعال التصيير كما في قوله تعالى:
﴿واتخذ الله إبراهيم خليلاً﴾ [النساء: ١٢٥] فيكون أحد المفعولين: مكانها، فحينئذٍ يرفع
على أنه مفعول به قام مقام الفاعل، بخلاف الوجه الأول فإنه فيه منصوب على الظرفية، كما
ذكرنا، والمفعول الثاني هو: مساجد بالنصب. فافهم. فإن الكرماني ذكر فيه ما لا يخلو عن
نظر وتأمل.
لَقْولِ النبيِّ عَ لَّهِ: ((لَعَنَّ الله اليَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أْنِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»
هذا تعليل قوله: ((ويتخذ مكانها مساجد))، خاصة لأن الترجمة شيئان والتعليل للشق
الثاني.
وجه الاستدلال به أن اليهود لما خصوا باللعنة باتخاذهم قبور الأنبياء مساجد علم
جواز اتخاذ قبور غيرهم ومن هم في حكمهم من المسلمين. فإن قلت: أليس في اتخاذ قبور
المشركين مساجد تعظيم لهم؟ قلت: لا يستلزم ذلك، لأنه إذا نبشت قبورهم ورميت عظامهم
تصير الأرض طاهرة، منهم، والأرض كلها مسجد، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((جعلت لي
الأرض مسجداً وطهوراً)) وهذا الحديث أخرجه البخاري في آخر كتاب الجنائز في باب ما
جاء في قبر النبي عَّه، حدّثنا موسى بن إسماعيل حدّثنا أبو عوانة عن هلال عن عروة: ((عن
عائشة، رضي الله تعالى عنها، قالت: قال رسول الله عَّه في مرضه الذي لم يقم منه: لعن
الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))، الحديث. وأخرجه أيضاً في مواضع
أخر في الجنائز، وفي المغازي أيضاً عن الصلت بن محمد. وأخرجه مسلم في الصلاة عن
أبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد.
ومَا يُكْرَهُ مِنَ الصَّلاَةِ فِي القُبُورِ
هذا عطف على قوله: ((هل تنبش))، لا يقال: إن هذه جملة خبرية وقوله: هل تنبش،
طلبية، فكيف يصح عطفها عليها؟ لأنا نقول: قد ذكرنا أن: هل استفهام تقريري، وهو في
حكم الجملة الخبرية الثبوتية مثلها، وقوله هذا يتناول ما إذا صلى على القبر أو إليه أو بينهما،
وفيه حديث أبي مرثد، واسمه كناز بن الحصين. وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي

٢٥٥
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٤٨)
والنسائي: بلفظ: ((لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها)»، وروى الترمذي عن أبي سعيد
الخدري، قال: قال رسول الله عَ له: ((الأرض كلها مسجد إلاَّ المقبرة والحمام)).
وَرَأَى عُمَرُ أَنَسَ بِنَ مالِكِ يُصَلِّي عِنْدَ قَبْر فقال القَبْرَ القَبْرَ وَلَمْ يَأْمُرُهُ بِالإِعادَةِ.
هذا التعليق رواه وكيع بن الجراح في مصنفه فيما حكاه ابن حزم عن سفيان بن سعيد
عن حميد ((عن أنس قال: رآني عمر، رضي الله تعالى عنه، أصلي إلى قبر، فنهاني، فقال:
القبر أمامك)). قال: وعن معمر عن ثابت ((عن أنس قال: رآني عمر أصلي عند قبر فقال لي:
القبر، لا تصلي إليه. قال ثابت: فكان أنس يأخذ بيدي إذا أراد أن يصلي فيتنحى عن
القبور)). ورواه أبو نعيم شيخ البخاري عن حريث بن السائب، قال: سمعت الحسن يقول:
((بينا أنس، رضي الله تعالى عنه، يصلي إلى قبر فناداه عمر: القبر القبر، وظن أنه يعني القمر،
فلما رأى أنه يعني القبر تقدم وصلى وجاز القبر)). قوله: ((القبر القبر))، منصوب على التحذير،
يجب حذف عامله وهو: إتق، أو اجتنب. وفي بعض الرواية بهمزة الاستفهام. أي: أتصلي
عند القبر؟ قوله: ((ولم يأمره بالإعادة)) أي: لم يأمر عمر أنساً بإعادة صلاته تلك، فدل على
أنه يجوز ولكن يكره.
واعلم أن العلماء اختلفوا في جواز الصلاة على المقبرة، فذهب أحمد إلى تحريم
الصلاة في المقبرة، ولم يفرق بين المنبوشة وغيرها، ولا بين أن يفرش عليها شيء يقيه من
النجاسة أم لا، ولا بين أن تكون بين القبور أو في مكان منفرد عنها، كالبيت والعلو، وقال أبو
ثور: لا يصلى في حمام ولا مقبرة على ظاهر الحديث، يعني قوله عَّ: ((الأرض كلها
مسجد إلا المقبرة والحمام)). وذهب الثوري وأبو حنيفة والأوزاعي إلى كراهة الصلاة في
المقرة، وفرق الشافعي بين المقبرة المنبوشة، وغيرها فقال: إذا كانت مختلطة التراب بلحوم
الموتى وصديدهم وما يخرج منها لم يجز الصلاة فيها للنجاسة، فإن صلى رجل في مكان
طاهر منها أجزأته صلاته. وقال الرافعي: أما المقبرة فالصلاة فيها مكروهة بكل حال، ولم ير
مالك بالصلاة في المقبرة بأساً، وحكى أبو مصعب عن مالك كراهة الصلاة في المقبرة
كقول الجمهور، وذهب أهل الظاهر إلى تحريم الصلاة في المقبرة، سواء كانت مقابر
المسلمين أو الكفار، وحكى ابن حزم عن خمسة من الصحابة النهي عن ذلك وهم: عمر
وعلي وأبو هريرة وأنس وابن عباس، رضي الله تعالى عنهم. وقال: ما نعلم لهم مخالفاً من
الصحابة، وحكاه عن جماعة من التابعين إبراهيم النخعي ونافع بن جبير بن مطعم وطاوس
وعمرو بن دينار وخيثمة وغيرهم.
قلت: قوله: لا نعلم لهم مخالفاً من الصحابة، معارض بما حكاه الخطابي في (معالم
السنن) عن عبد الله بن عمر أنه رخص في الصلاة في المقبرة، وحكي أيضاً عن الحسن
البصري أنه صلى في المقبرة. وفي (شرح الترمذي): حكى أصحابنا اختلافاً في الحكمة في
النهي عن الصلاة في المقبرة، فقيل: المعنى فيه ما تحت مصلاه من النجاسة، وقد قال
الرافعي: لو فرش في المجزرة والمزبلة شيئاً وصلى عليه صحت صلاته، وبقيت الكراهية

٢٥٦
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٤٨)
لكونه مصلياً على نجاسة وإن كان بينهما حائل، وقال القاضي حسين: إنه لا كراهة مع
الفرش على النجاسة مطلقاً. وحكى ابن الرفعة في (الكفاية): أن الذي دل عليه كلام القاضي:
أن الكراهة لحرمة الموتى، وعلى كل تقدير من هذين المعنيين، فينبغي أن تقيد الكراهة بما
إذا حاذى الميت، أما إذا وقف بين القبور بحيث لا يكون تحته ميت ولا نجاسة فلا كراهة،
إلا أن ابن الرفعة بعد أن حكى المعنيين السابقين قال: لا فرق في الكراهة بين أن يصلي على
القبر أو بجانبه. أو إليه، قال: ومنه يؤخذ أنه: تكره الصلاة بجانب النجاسة وخلفها.
٨٨/ ٤٢٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قال حدّثنا يَحْيَى عنْ هِشَامٍ قال أخبرني أبي
عنْ عَائِشَةَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةً وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ فُذَكَرَتَا ذَلِكَ للَّبِيّ
◌َِّ فقال إنَّ أُولَئِكِ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِداً وَصَوَّرُوا
فيهِ تَلْكَ الصَّوَرَ فَأَوْلَئِكِ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ الله يَوْمَ القِيَامَةِ. [الحديث ٤٢٧ - أطرافه في:
٤٣٤، ١٣٤١، ٣٨٧٨].
وجه مطابقة هذا الحديث للترجمة فى قوله: ((لعن الله اليهود))، من حيث إنه يوافقه،
وذلك أنه عَِّ لعن اليهود لكونهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وفي هذا الحديث ذم
النصارى بشيء أعظم من اللعن في كونهم كانوا إذا مات الرجل الصالح فيهم بنوا على قبره
مسجداً وصوروا فيه تصاوير.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: محمد بن المثنى، بفتح النون المشددة بعد الثاء
المثلثة. الثاني: يحيى بن سعيد القطان. الثالث: هشام بن عروة. الرابع: أبوه عروة بن الزبير
ابن العوام. الخامس: عائشة أم المؤمنين. رضي الله تعالى عنها.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار بصيغة
الإفراد في موضع واحد. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: رواية الإسماعيلي من هذا الوجه:
أخبرتني عائشة.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في هجرة الحبشة عن
محمد بن المثنى، وأيضاً أخرجه مسلم في الصلاة عن زهير بن حرب، والنسائي عن يعقوب
ابن إبراهيم، ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد به.
ذكر معناه: قوله: ((أن أم حبيبة))، بفتح الحاء المهملة أم المؤمنين اسمها: رملة، بفتح
الراء على الأصح بنت أبي سفيان صخر الأموية، هاجرت مع زوجها عبد اللّه بن جحش،
بتقديم الجيم على الحاء المهملة إلى الحبشة، فتوفي هناك فتزوجها رسول الله عَّه وهي
هناك سنة ست من الهجرة، وكان النجاشي أمهرها من عنده عن رسول الله عَّ له، وبعثها إليه،
وكانت من السابقات إلى الإسلام، توفيت سنة أربع وأربعين بالمدينة على الأصح. قوله: ((وأم
سلمة))، فتح اللام، أم المؤمنين أيضاً، واسمها: هند، على الأصح، بنت أبي أمية المخزومية،
هاجر بها زوجها أبو سلمة إلى الحبشة، فلما رجعا إلى المدينة مات زوجها فتزوجها رسول

٢٥٧
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٤٨)
الله عَّةِ، تقدمت في باب العظة بالليل. قوله: ((ذكرتا))، بلفظ التثنية للمؤنث من الماضي،
والضمير فيه يرجع إلى: أم حبيبة وأم سلمة، وهو على الأصح في رواية الأكثرين، وفي رواية
المستملي والحموي: ((ذكرا))، بالتذكير وهو على خلاف الأصل، والأظهر أنه من النساخ أو
من بعض الرواة غير المميزين. قوله: ((كنيسة)) بفتح الكاف، وهي معبد النصارى. وفي
موضع آخر: يقال لها مارية، والمارية بتخفيف الياء: البقرة، وبتشديدها: القطاة الملساء. قوله:
((رأينها))، بصيغة جمع المؤنث من الماضي، وإنما جمع باعتبار من كان مع أم حبيبة وأم
سلمة، وفي رواية الكشميهني والأصيلي: ((رأتاها))، على الأصل بضمير التثنية. قوله: ((فيها
تصاوير)) جملة إسمية في محل النصب لأنها صفة كنيسة، والتصاوير: التماثيل. قوله: ((إن
أولئك))، بكسر الكاف ويجوز فتحها. قوله: ((فمات))، عطف على قوله: ((كان)). قوله: ((بنوا))
جواب: إذا. قوله: ((تيك الصور)) بكسر التاء المثناة وسكون الياء آخر الحروف بدل اللام
في: تلك، وهي لغة فيه، وهي في رواية المستملي وفي رواية غيره: ((تلك)).
قوله: ((فأولئك))، ويروى: ((وأولئك))، بالواو، والكلام فيه مثل الكلام فى: أولئك،
الماضية. قوله: ((شرار الخلق))، بكسر الشين المعجمة جمع: الشر، كالخيار جمع الخير،
والبحار جمع البحر، وأما الأشرار فقال يونس: واحدها شر أيضاً. وقال الأخفش: شرير، مثل:
يتيم وأيتام. قال القرطبي: إنما صور أوائلهم الصور ليأتنسوا برؤية تلك الصور ويتذكروا أفعالهم
الصالحة فيجتهدون كاجتهادهم ويعبدون الله عند قبورهم، ثم خلف من بعدهم خلوف
جهلوا مرادهم، ووسوس لهم الشيطان أن أسلافكم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها
فعبدوها، فحذر النبي عَِّ عن مثل ذلك سداً للذريعة المؤدية إلى ذلك، وسداً للذرائع في
قبره عَّهِ، وكان ذلك في مرض موته إشارة إلى أنه من الأمر المحكم الذي لا ينسخ بعده،
ولما احتاجت الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، والتابعون إلى زيادة مسجده عليه الصلاة
والسلام بنوا على القبر حيطاناً مرتفعة مستديرة حوله لئلا تصل إليه العوام فيؤدي إلى ذلك
المحذور، ثم بنوا جدارين بين ركني القبر الشمالي حرفوها حتى التقيا حتى لا يمكن أحد أن
يستقبل القبر.
ذكر ما يستنبط منه من الأحكام: قال ابن بطال: فيه: نهي عن اتخاذ القبور مساجد،
وعن فعل التصاوير، وإنما نهى عنه لاتخاذهم القبور والصور آلهة. وفيه: دليل على تحريم
تصوير الحيوان خصوصاً الآدمي الصالح. وفيه: منع بناء المساجد على القبور ومقتضاه
التحريم، كيف وقد ثبت اللعن عليه؟ وأما الشافعي وأصحابه فصرحوا بالكراهة، وقال
البندنيجي: والمراد أن يسوى القبر مسجداً فيصلى فوقه، وقال: إنه يكره أن يبنى عنده مسجد
فيصلى فيه إلى القبر، وأما المقبرة الدائرة إذا بني فيها مسجد ليصلى فيه فلم أر فيه بأساً،
لأن المقابر وقف، وكذا المسجد، فمعناها واحد. وقد ذكرنا عن قريب مذاهب العلماء في
الصلاة على القبر. وقال البيضاوي: لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء
تعظيماً لشأنهم، ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها، واتخذوها أوثاناً لعنهم النبي
عمدة القاري /ج٤ /م١٧

٢٥٨
سـ
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٤٨)
عَّةٍ ومنع المسلمين عن مثل ذلك، فأما من اتخذ مسجداً في جوار صالح وقصد التبرك
بالقرب منه لا للتعظيم له ولا للتوجه إليه فلا يدخل في الوعيد المذكور. وفيه: جواز حكاية
ما يشاهده المرء من العجائب، ووجوب بيان حكم ذلك على العالم به. وفيه: ذم فاعل
المحرمات. وفيه: أن الاعتبار في الأحكام بالشرع لا بالعقل.
٤٢٨/٨٩ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدّثنا عَبْدُ الوَارِثِ عنْ أَبِي التََّّاحِ عنْ أَنَسٍ قال قَدِمَ
النبيُّ عَّهِ المَدِينَةَ فَتَزَلَ أَعْلَى المَدِينَةِ فِي خَيُّ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَأَقَامَ النّبِيُّ عَ له
فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ثُمَّ أَرْسَلَ إلى بَنِي النَّارِ فَجَاؤُوا مُتَقَلِّدِي الشَّيُوفِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إلي النبيِّ
عَ لَّه عَلَى رَاحِلَتِهِ وَأَبُو بَكْر رِدْقُهُ وَمَلأَ بَني النجَّارِ حَوْلَهُ حَتَّى أَلْقَى بِفِنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ وكان يُحبُّ
أن يُصَلِّى حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ وَيُصَلِّي فِي مَرَابِضٍ الغَنمِ وَأَنَّهُ أُمَرَ بِيِنَاءِ المسْجِدِ فَأرْسَلَ إِلَى مَلَأٍ
مِنْ يَنِي النَّجَّارِ فَقال يَا بَنِي النَجَّارِ ثامِنونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا قالوا لاَ والله لا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلاَّ إِلَى الله
فقال أنَسّ فكانَ فِيهِ ما أَقُولُ لَكُمْ قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ وَفِيهِ خِرَبٌ وَفِيهِ نَخْلٌ فَأَمَرَ النبيُّ عَ لِّ بِقُبُورٍ
المشرِكِينَ فَتُبِشَتْ ثُمَّ بِالخِرِبِ فَسُوِّيَتْ وبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ فَصَقُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ المَسْجِدِ وَجَعَلوا
عِضَادَتَيْهِ الحِجَارَةَ وَجعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ والنبيُّ عَّهِ مَعَهْمُ وَهْوَ يَقُولُ:
فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ والهَاجِرَةْ
اللَّهُمَّ لاَ خَيْر إلاَّ خَيْرُ الآخِرَه
[انظر الحديث ٢٣٤ وأطرافه].
:
مطابقة الححديث للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: مسدد بن مسرهد. الثاني: عبد الوارث بن سعيد
التيمي. الثالث: أبو التياح، بفتح المثناة من فوق وتشديد الياء آخر الحروف وفي آخره حاء
مهملة: واسمه يزيد بن حميد الضبعي، والكل تقدموا. الرابع: أنس بن مالك.
ذكر لطائف اسناده: وفيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه: العنعنة في
موضعين. وفيه: القول. وفيه: أن رواته كلهم بصريون.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري في الصلاة في موضعين من
الوصايا، وفي هجرة النبي عَُّلِ عن مسدد، وفي الحج عن أبي معمر عبد الله بن عمرو، وفي
البيوع عن موسى بن إسماعيل وفي الوصايا عن إسحاق عن عبد الصمد بن عبد الوراث، وفي
الهجرة عن إسحاق بن منصور عن عبد الصمد. وأخرجه مسلم في الصلاة عن يحيى بن
يحيى وشيبان بن فروخ. وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد به وعن موسى بن إسماعيل عن
حماد، وأخرجه النسائي فيه عن عمران بن موسى عن عبد الوارث نحوه. وأخرجه ابن ماجه
فيه عن علي بن محمد بن وكيع عن حماد بن سلمة ببعضه.
ذكر معناه: قوله: ((قدم النبي عَِّ المدينة)): قال الحاكم: تواترت الأخبار بورود
النبي، عليه الصلاة والسلام، قباء يوم الإثنين لثمان خلون من ربيع الأول. وقال محمد بن
موسى الخوارزمي، وكان ذلك يوم الخميس الرابع من تيرماه، ومن شهور الروم العاشرة من

٢٥٩
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٤٨)
أيلول سنة سبعمائة وثلاثة وثلاثين لذي القرنين، وقال الخوارزمي: من حين ولد إلى حين أسري به:
أحد وخمسون سنة وسبعة أشهر وثمانية وعشرون يوماً، ومنه إلى اليوم الذي هاجر: سنة وشهران
ويوم، فذلك ثلاث وخمسون سنة، وكان ذلك يوم الخميس. وفي (وطبقات ابن سعد): أن رسول
الله عَّله خرج من الغار ليلة الإثنين لأربع ليال خلون من شهر ربيع الأول، ويقال: لاثنتي عشرة
ليلة خلت من شهر ربيع الأول، فنزل على كلثوم بن هدم، وهو المثبت عندنا، وذكر البرقي أنه
عَّلِ قدم المدينة ليلاً، وعن جابر: لما قدم المدينة نحر جزوراً. قوله: ((فنزل أعلى المدنية))
ويروى: في المدينة، وفي رواية أبي داود: ((فنزل في علو المدينة)) بالضم وهي العالية.
قوله: ((في حي))، بتشديد الياء وهي: القبيلة، وجمعها أحياء. قوله: ((بنو عمرو بن عوف))،
بفتح العين فيهما، ((فأقام فيهم أربع عشرة ليلة))، وهذه رواية الأكثرين، وكذا في رواية أبي داود
عن شيخه مسدد، وفي رواية المستملي والحموي: ((أربعاً وعشرين ليلة))، وعن الزهري: أقام فيهم
(بضع عشرة ليلة)). وعن عويمر بن ساعدة: ((لبث فيهم ثماني عشرة ليلة ثم خرج)) قوله: ((ثم
أرسل إلى بني النجار))، وبنو النجار هم بنو تيم اللات بن ثعلبة بن عمرو بن الجموح، والنجار
قبيل كبير من الأنصار، منه بطون وعمائر وأفخاذ وفضائل، وتيم اللات هو النجار، سمي بذلك
لأنه اختتن بقدوم، وقيل: بل ضرب رجلاً بقدوم فجرحه، ذكره الكلبي وأبو عبيدة، وإنما طلب بني
النجار لأنهم كانوا أخواله ◌َُّلّه، لأن هاشماً جده تزوج سلمى بنت عمرو بن زيد من بني عدي
ابن النجار بالمدينة فولدت له عبد المطلب. قوله: ((فجاؤوا متقلدي السيوف))، هكذا في رواية
كريمة بإضافة: متقلدين إلى السيوف وسقوط النون للإضافة، وفي رواية الأكثرين ((متقلدين
السيوف))، بنصب السيوف وثبوت النون لعدم الإضافة، وعلى كل حال هو منصوب على الحال
من الضمير الذي في: جاؤوا، والتقلد جعل نجاد السيف على المنكب. قوله: ((على راحلته))،
الراحلة المركب من الإبل ذكراً كان أو أنثى، وكانت راحلته ناقة تسمى القصواء.
قوله: ((وأبو بكر ردفه))، جملة اسمية في موضع النصب على الحال، والردف بكسر
الراء وسكون الدال: المرتدف، وهو الذي يركب خلف الراكب. وأردفته أنا إذا أركبته معك،
وذاك الموضع الذي يركبه: رداف، وكل شيء تبع شيئاً فهو: ردفه. وكان لأبي بكر ناقة،
فلعله تركها في بني عمرو بن عوف لمرض أو غيره، ويجوز أن يكون ردها إلى مكة ليحمل
عليها أهله، وثم وجه آخر حسن وهو: أن ناقته كانت معه، ولكنه ما ركبها لشرف الارتداف
خلفه، لأنه تابعه والخليفة بعده. قوله: ((وملأ بني النجار حوله)) جملة إسمية حالية أيضاً و:
الملأ، أشراف القوم ورؤساؤهم، سموا بذلك لأنهم ملآى بالرأي والغنى، والملأ: الجماعة،
والجمع أملاء. وقال ابن سيده: وليس الملأ من باب: رهط، وإن كان إسمين، لأن رهطاً لا
واحد له من لفظه، والملأ: رجل مالىء جليل ملأ العين بجهرته، فهو كالعرب والزوج، حكى
ملأته على الأمر أملؤه وملأته كذلك، أي: شاورته، و: ما كان الأمر عن ملأ منا أي: عن
تشاور وإجماع. قوله: ((ألقى)) أي: حتى ألقى رحله والمفعول محذوف، يقال: ألقيت الشيء
إذا طرحته. وقوله: ((بفناء أبي أيوب)) أي: بفناء دار أبي أيوب، الفناء، بكسر الفاء: سعة أمام

٢٦٠
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٤٨)
الدار والجمع أفنية، وفي (المجمل): فناء الدار ما امتد من جوانبها. وفي (المحكم): وتبدل
الباء من الفاء. واسم أبي أيوب: خالد بن زيد الأنصاري، رضي الله تعالى عنه، وقد ذكرناه
عن قريب، وفي (شرف المصطفى): لما نزلت الناقة عند دار أبي أيوب جعل جبار ابن صخر
ينخسها برجله، فقال أبو أيوب: يا جبار، أعن منزلي تنخسها؟ أما والذي بعثه بالحق لولا
الإسلام لضربتك بالسيف قلت: جبار بن صخر بن أمية بن خنساء السلمي، ويقال: جابر بن
صخر الأنصاري، شهد العقبة وبدراً وهو صحابي كبير، روى محمد بن إسحاق عن أبي سعد
الخطمي سمع جبار بن عبد اللَّه قال: ((صليت خلف رسول الله عَّ له أنا وجابر بن صخر
فأقامنا خلفه)). والصحيح: أن اسمه: جبار بن صخر. وذكر محمد بن إسحاق في كتاب
(المبتدأ وقصص الأنبياء)، عليهم الصلاة والسلام، تأليفه: أن تبعاً وهو ابن حسان لما قدم
مكة قبل مولد رسول الله عَ ليه، بألف عام، وخرج منها إلى يثرب وكان معه أربع مائة رجل
من الحكماء، فاجتمعوا وتعاقدوا على أن لا يخرجوا منها، وسألهم تبع عن سر ذلك فقالوا: إنا
نجد في كتبنا أن نبياً اسمه محمد هذه دار مهاجره، فنحن نقيم لعل أن نلقاه، فأراد تبع
الإقامة معهم، ثم بني لكل واحد من أولئك دار، واشترى له جارية وزوجها منه، وأعطاهم مالاً
جزيلاً، و كتاباً فيه إسلامه وقوله:
رسول من الله بارىء النسم
شهدت على أحمد أنه
في أبيات، وختمه بالذهب ودفعه إلى كبيرهم، وسأله أن يدفعه إلى محمد عَ لَّه إن
أدركه وإلاَّ من أدركه من ولده، وبني للنبي عَّ داراً ينزلها إذا قدم المدينة، فتداول الدار
الملاك إلى أن صارت لأبي أيوب، رضي الله تعالى عنه وهو من ولد ذلك العالم الذي دفع
إليه الكتاب، قال: وأهل المدينة من ولد أولئك العلماء الأربع مائة، ويزعم بعضهم أنهم كانوا
الأوس والخزرج، ولما خرج رسول الله صلى تعالى عليه وآله وسلم، أرسلوا إليه كتاب تبع
مع رجل يسمى أبا ليلى، فلما رآه عَِّ قال: أنت أبو ليلى ومعك كتاب تبع الأول، فبقي
أبو ليلى متفكراً ولم يعرف النبي عَ لّه، فقال: من أنت فإني لم أر في وجهك أثر السحر،
وتوهم أنه ساحر، فقال: أنا محمد، هات الكتاب. فلما قرأه، قال: مرحباً بتبع الأخ الصالح،
ثلاث مرات، وفي سيرة ابن إسحاق: اسمه تبان أسعد أبو كرب، وهو الذي كسى البيت
الحرام، وفي (مغايص الجوهر في أنساب حمير): كان يدين بالزبور، وفي (معجم الطبراني):
((لا تسبوا تبعاً). وقال الثعلبي بإسناده إلى سهل بن سعد، رضي الله تعالى عنه، إنه قال:
(سمعت رسول الله عَّ الله يقول: لا تسبوا تبعاً فإنه كان قد أسلم)). وأخرجه أحمد في مسنده.
وتبع، بضم التاء المثناة من فوق وفتح الباء المشددة وفي آخره عين مهملة: لقب لكل
من ملك اليمن، ككسرى لقب لكل من ملك الفرس، وقيصر لكل من ملك الروم، وقال
عكرمة: إنما سمي لكثرة أتباعه، وكان يعبد النار، فقال: وهذا تبع الأوسط، قال: وأقام ملكاً
ثلاثاً وثلاثين سنة، وقيل: ثمانين سنة. وقال ابن سيرين: هو أول من كسى البيت وملك الدنيا
والأقاليم بأسرها، وحكى القاسم بن عساكر عن سعيد بن عبد العزيز أنه قال: كان إذا عرض