النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ ٦ - كتاب الحيضٍ / باب (١٣) النووي وليس القسط والظفرة مقصوداً للتطبيب، وإنما رخص فيه لإزالة الرائحة، وقال المهلب: رخص لها في التبخر به لدفع رائحة الدم عنها، لما تستقبله من الصلاة. وقال ابن بطال: أبيح للحائض، محداً أو غير محد عند غسلها من الحيض أن تدرأ رائحة الدم عن نفسها بالبخور بالقسط مستقبلة للصلاة ومجالسة الملائكة لئلا تؤذيهم رائحة الدم. وقال النووي في (شرح مسلم) المقصود باستعمال المسك إما تطييب المحل ودفع الرائحة الكريهة، وإما كونه أسرع إلى علوق الولد، إن قلنا بالأول يقوم مقامه القسط والأظفار، وشبههما. قلت: كلامه يدل على أن الأظفار، بالهمز، تطيب لا موضع. السادس: فيه تحريم اتباع النساء الجنائز، وسنذكره مفصلاً في موضعه إن شاء الله تعالى. قَالَ رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ حَسَّانِ عَنْ حَقْصَةَ عَنْ أُمِّ عَمِيَّةَ عَنِ النَّبِيِّ عمدة هكذا وقع في رواية أبي ذر، وفي رواية غيره ورواه، أي: روى هشام الحديث المذكور، وأشار به إلى أنه موصول، ورواه في كتاب الطلاق موصولاً من حديث هشام المذكور على ما سيأتي إن شاء الله تعالى. وقال الكرماني: وهو إما تعليق من البخاري، وإما مقول حماد، فيكون مسنداً قلت: قوله إما تعليق فظاهر. وأما قوله: وإما مقول حماد فلا وجه له وفي نسخة ذكر البخاري حديث هشام أولاً وفي بعضها ذكره آخر أو قال مسلم في (صحيحه) حدّثنا حسن بن الربيع حدّثنا ابن إدريس: قال: حدّثنا هشام عن حفصة به، وفائدته بيان أن أم عطية أسندته إلى النبي عَّ له صريحاً، وكذا هو في (سنن أبي داود)والنسائي وابن ماجة من حديث هشام مسنداً. وقال البخاري في موضع آخر: ((توفي ابن لأم عطية، فلما كان اليوم الثالث دعت بصفرة فتمسحت به، وقالت: نهينا أن نحد أكثر من ثلاث إلاَّ لزوج))، وعند الطبراني: ((وأمرنا أن لا نلبس في الإحداد الثياب المصبغة إلاَّ العصب، وأمرنا أن لا نمس طيباً إلاَّ أدناه للطهرة، الكست والأظفار)» وفي لفظ: ((ولا نختضب)) وفي لفظ: ((إلاَّ ثوباً مغسولاً). ١٣ - بابُ دَلْكِ المَزَأَةِ نَفْسَها إذَا تَطَهَّرَتْ مِنَ المَحِيضِ وَكَيْفَ تَغْتَسِلُ وَتَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَتَّبِعُ بِهَا أَثَرَ الدَّمِ أي: هذا باب في بيان استحباب دلك المرأة نفسها إذا تطهرت من المحيض، أي: الحيض. قوله: ((وكيف تغتسل)) عطف على قوله: ((دلك المرأة نفسها)) أي: وفي بيان كيف تغتسل المرأة. قوله: ((وتأخذ)) عطف على قوله: ((تغتسل)) أي: وكيف تأخذ فرصة، بكسر الفاء وسكون الراء وفتح الصاد المهملة وهي القطعة، يقال فرصت الشيء فرصاً أي: قطعته، وقال الجوهري هي قطعة قطن أو خرقة تمسح بها المرأة من الحيض. قوله: ((ممسكة)) بتشديد السين وفتح الكاف، ولها معنيان: أحدهما: قطعة فيها مسك. والآخر: خرقة مستعمل بالإمساك عليها، على ما سنوضح ذلك عن قريب. قوله: ((فتتبع بها)) أي: بتلك الفرصة وفي i i ٠٠٠٠ ٠-٠ ٤٢٢ ٦ - كتاب الحيضٍ / باب (١٣) بعض النسخ: تتبع بدون الفاء، وهو بلفظ الغائبة مضارع بالتآآت الثلاث، فحذفت إحداها فافهم. والمناسبة بين البابين ظاهرة في كل منهما استعمال الطيب. ٣١٤/١٩ - حدّثنا يَحْيَى قالَ حدّثنا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَنْصُورٍ بْنٍ صَغِيَةَ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ أنَّ امْرَأَةٌ سَأَلَتْ النَّبِيَّ عََّلَّهِ عَنْ غُسْلِها مِنَ المَحِيضِ فَأَمَرِها كَيْفَ تَغْتَسِلُ قالَ: ((خُذِي فُرْصَةً مِنْ مِسْكِ فَتَطَهَّرِي بها)) قالَتْ كَيْفَ أَتَطَهَّرُ قَالَ: ((تَطَّهَّرِي بِها)) قالَتْ كَيْفَ قالَ سُبْحَانَ اللَّهِ تَطَهَّرِي فاجْتبَذْتُها إِلَيَّ فَقُلْتُ تَتَبَّعِي بِها أَثَرَ الدَّمِ. [الحديث ٣١٤ - طرفاه في: ٣١٥، ٧٣٥٧]. مطابقة هذا الحديث للترجمة ظاهرة إلاَّ في الدلك وكيفية الغسل صريحاً، لأن الترجمة مشتملة على الدلك أولاً، وكيفية الغسل وأخذ الفرصة الممسكة، والتتبع بها أثر الدم، والحديث أيضاً مشتمل على هذه الأشياء ما خلا الدلك، وكيفية الغسل، فإنه لا يدل عليها صريحاً، ويدل على الدلك بطريق الاستلزام، لأن تتبع الدم يستلزم الدلك، وهو ظاهر، وأما كيفية الغسل فالمراد بها الصفة المختصة لغسل المحيض، وهو التطيب لا نفس الاغتسال، ولئن سلمنا أن المراد بالكيفية نفس الغسل فهي في أصل الحديث الذي ذكره واكتفى به على عادته بذكر ترجمة، ويذكر فيها ما تضمنه بعض طرق الحديث الذي يذكره إما لكون تلك الطريق على غير شرطه، أو باكتفائه بالإشارة أو لغير ذلك من الأغراض، وتمامه عند مسلم، فإنه أخرجه من طريق ابن عيينة عن منصور التي أخرجه منها البخاري فذكره بعد قوله: ((كيف تغتسل، ثم تأخذ»، ثم رواه من طرق أخرى عن صفية عن عائشة، وفيها كيفية الاغتسال ولفظه: ((فقال: تأخذ إحداكن ماءها وسدرها فتطهر فتحسن الطهور ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكاً شديداً حتى تبلغ شؤون رأسها. ((أي: أصوله، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة)) فذكر الحديث، وإنما لم يخرج البخاري هذا الطريق لكونه من رواية إبراهيم بن مهاجر عن صفية، وليس هو على شرطه، وقال البخاري عن علي بن المديني لإبراهيم هذا نحو أربعين حديثاً وقال ابن مهدي: قال سفيان: لا بأس به وقال أحمد لا بأس به. وقال يحيى بن سعيد القطان: لم يكن بقوي، وذكره ابن الجوزي في الضعفاء. ذكر رجاله وهم خمسة: الأول: يحيى هو ابن موسى البلخي، وجزم به ابن السكن في روايته عن الفربري، وقال البيهقي هو يحيى بن جعفر. وقال الغساني: في (تقييد المهمل) قال ابن السكن: يحيى هو ابن عيينة المذكور في باب الحيض هو: يحيى ابن موسى، وقال في موضع آخر منه على سبيل القاعدة الكلية، كل ما كان للبخاري في هذا الصحيح عن يحيى غير منسوب فهو يحيى بن موسى البلخلي المعروف ببخت، بفتح الخاء المنقوطة وشدة المثناة من فوق؛ ويعرف بالخنثى، وبابن خت أيضاً، كان من خيار المسلمين، مات سنة أربعين ومائتين، وقال: وذكر أبو نصر الكلاباذي أنه يحيى بن جعفر أي: البيكندي، يروي عن ابن عيينة. وقال الكرماني: وفي بعض النسخ التي عندنا هكذا: حدثني يحيى بن ٦٠ ٤٢٣ ٦ - كتاب الحيضٍ / باب (١٣) البيكندي: حدّثنا ابن عيينة، وقال صاحب (التوضيح) ووقع في شرح بعض شيوخنا، حدّثنا يحيى يعني ابن معاوية بن أعين، ولا أعلم في البخاري من اسمه كذلك وفي (أسماء رجال الصحيحين) يحيى بن عبد ربه بن سالم أبو زكريا السختياني الحذائي البلخي: يقال له: خت، روى عنه البخاري في البيوع والحج ومواضع، وذكر ابن ماكولا في باب: خت وخب وثب، أما خت بخاء معجمة وتاء معجمة باثنتين من فوقها. فهو يحيى بن موسى يعرف بابن البلخي بابن خت البلخي. الثاني: سفيان بن عيينة. الثالث: منصور بن صفية. الرابع: صفية بنت شيبة. الخامس: عائشة، رضي الله عنها. ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين: وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع، ووقع في (مسند الحميدي) التصريح بالسماع في جميع السند. وفيه: أن رواته ما بین بلخي ومکي. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري في الطهارة عن مسلم بن إبراهيم عن وهيب، وفي الاعتصام عن محمد بن عيينة عن فضل بن سليمان، وفيهما جميعاً عن يحيى عن سفيان بن عيينة، ثلاثتهم عن منصور بن عبد الرحمن، وهو منصور بن صفية، وأخرجه مسلم في الطهارة عن عمرو الناقد وابن أبي عمر، كلاهما عن سفيان به، وعن أحمد ابن سعيد الدارمي عن حبان بن هلال عن وهيب به، وأخرجه النسائي فيه عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري عن سفيان به، وعن الحسن بن محمد عن عفان عن وهيب به. ذكر لغاته قوله: ((فرصة)) المشهور فيه كسر الفاء وسكون الراء. قال مسدد كان أبو عوانة يقول: فرصة، وكان أبو الأحوص يقول: فرصة وقال ابن سيده: فرص الجلد فرصاً، قطعه، والمفراص الحديدة التي يقطع بها، والفرصة والفرصة والفرصة الأخيرتان عن كراع القطعة من الصوف أو القطن، وقال كراع، هي: الفرصة: بالفتح والفرصة، القطعة من المسك عن الفارسي، حكاه في البصريات، وقال أبوعلي الهجري في كتاب (الأمالي) وقد فرص يفرص لزيد من حقه يعني قطع له منه شيئاً، وقال أبو سليمان: يفرص وأفرص لزيد فريصة من حقه، بجر الفاء لا اختلاف فيها، وافترص لي من حقي فرصة، الفرصة الخرقة التي تستعملها الحائض لتعرف التبرئة ونقاءها عند الحيض في آخره. وفي (غريب) أبي عبيد هي: القطعة من الصوف أو القطن أو غير ذلك. وفي (الباهر) لابن عديس، والفرص بالكسر والصاد: جمع الفرصة، وهي القطعة من المسك، وأنكر ابن قتيبة كونها بالفاء، وقال: إنما هي قرضة بالقاف والضاد المعجمة، وهي القطعة وقال بعضهم إنما هي: قرصة، بقاف وصاد مهملة وقال المنذري أي شيئاً يسيراً مثل القرصة، بطرف الإصبعين. قوله: ((من مسك)) يعني دم الغزال المعروف. وقال بعضهم: ميمه مفتوحة، أي: جلد عليه شعر. قال القاضي عياض: وهي رواية الأكثرين، وأنكرها ابن قتيبة وقال: المسك لم يكن عندهم من السعة بحيث يمتهنونه في هذا، والجلد ليس فيه ما يميز غيره فيختص به قال: ١ i i i i i : ٧ ٢ ٤٢٤ ٦ - كتاب الحيضٍ / باب (١٣) وإنما أراد فرصة من شيء صوف أو قطن أو خرقة أو نحوه، يدل عليه الرواية الأخرى: فرصة ممسكة بضم الميم الأولى وفتح الثانية وتشديد السين مع فتحها: أي قطعة من صوف أو نحوها مطيبة بالمسك، وروى بعضهم: ممسكة، بضم الميم الأولى وسكون الثانية وسين مخففة مفتوحة، وقيل: مكسوة أي: من الإمساك وفي بعض الروايات: ((خذي فرصة ممسكة فتحملي بها)) قيل: أراد الخلق التي أمسكت كثيراً. فإنه أراد أن لا تستعمل الحديث من القطن وغيره للارتقاق به، ولأن الخلق أصلح لذلك، ووقع في كتاب عبد الرزاق يعني بالفرصة: بالمسك، قال بعضهم هي: الذريرة، وفي الأوسط للطبراني: ((خذي سکیکك)». ذكر معانيه قولها: ((إن امرأة)) زاد في رواية وهيب: ((من الأنصار)) وسماها مسلم في رواية الأحوص عن إبراهيم بن مهاجر أسماء بنت شكل، بفتح الشين المعجمة والكاف وفي آخره لام، ولم يسم أباها في رواية غندر عن شعبة عن إبراهيم. وقال الخطيب: أسماء بنت يزيد، وجزم به الأنصارية التي يقال لها خطيبة النساء وتبعه ابن الجوزي في (التنقيح) والدمياطي وزاد أن الذي وقع في مسلم تصحيف، ويحتمل أن يكون شكل، لقباً لا إسماً، والمشهور في المسانيد والمجامع في هذا الحديث أسماء بنت شكل، كما في مسلم، وأسماء بغير نسب كما في أبي داود، وكذا في (مستخرج) أبي نعيم من الطريق التي أخرجه منها الخطيب، وحكى النووي في (شرح مسلم) الوجهين من غير ترجيح، وتبع رواية مسلم جماعات منهم ابن طاهر وأبو موسى في كتابه معرفة الصحابة، وصوب بعض المتأخرين ما قاله الخطيب لأنه ليس في الأنصار من اسمه، شكل، وفي (التوضيح) بنت يزيد، ولم ينفرد مسلم بذلك، فقد أخرجه ابن منده بين الترجمتين، وابن سعيد والطبراني وغيرهما لم يذكروا هذا الحديث في ترجمته، بنت يزيد، ولم ينفرد مسلم بذلك، فقد أخرجه ابن أبي شيبة في (مسنده) وأبو نعيم في (مستخرجه) كما ذكره مسلم سواء، قولها: ((من المحيض)) وفي رواية: ((من الحيض)) وكلاهما مصدران قولها: ((قال: خذي)) هو بيان لأمرها وقال الكرماني: فإن قلت: كيف يكون بياناً للاغتسال وهو إيصال الماء إلى جميع البشرة لا أخذ الفرصة؟ قلت: السؤال لم يكن عن نفس الاغتسال، لأن ذلك معلوماً لكل أحد، بل إنما كان ذلك مختصاً بغسل الحيض فلذلك أجاب به، أو هو جملة حالية لا بيانية انتهى. قلت: هذا الجواب غير كاف لأنها سألت عن غسلها من المحيض، وليس هذا إلاَّ سؤالاً عن ماهية الاغتسال، فلذلك قال عَُّلّم في جوابه إياها: فأمرها كيف تغتسل، يعني قال لها: اغتسلي كذا وكذا، وهذا بمعناه، ثم قوله: ((خذي فرصة من مسك)) ليس بياناً للاغتسال المعهود، وقوله لأن ذلك معلوم لكل أحد. فيه نظر، لأنه يحتمل أن لا يكون معلوماً لها على ما ينبغي، أو كان في اعتقادها أن الغسل عن المحيض خلاف الغسل عن الجنابة، فلذلك قالت عائشة: سألت النبي، عليه الصلاة والسلام، عن غسلها من المحيض، والأوجه عندي أن الذي رواه البخاري مختصر عن أصل هذا الحديث، وفيه بيان كيفية الغسل وغيره على ما رواه مسلم: ٤٢٥ ٦ - كتاب الحيض / باب (١٣) أن أسماء سألت عن غسل المحيض. فقال: تأخذ إحداكن ماءها وسدرها فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكاً شديداً حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها، فقالت أسماء: وكيف أتطهر بها؟ فقال: سبحان الله تطهرين بها. فقالت عائشة، كأنها تخفى ذلك: تتبعين بها أثر الدم، وسألته غسل الجنابة فقال: تأخذ ماء، فتطهر فتحسن الطهور، أو تبلغ الطهور ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شؤون رأسها ثم تفيض عليها الماء. فقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين. قولها: ((فتطهري بها)) قال: في الرواية التي بعدها: (فتوضئي ثلاثاً)). قوله: ((سبحان الله) وزاد في الرواية الآتية، ((ثم إن النبي عَّ لم استحيا فأعرض بوجهه)) وفي رواية الإسماعيلي: ((فلما رأيته يستحي علمتها)) وزاد الدارمي: ((وهو يسمع ولا ينكر))، وقد ذكرنا: أن: سبحان الله، في مثل هذا الموضع يراد بها التعجب، ومعنى التعجب هنا: كيف يخفى مثل هذا الظاهر الذي لا يحتاج الإنسان في فهمه إلى فكر؟ قوله: ((فجبذتها)) وفي بعض الرواية: ((فاجتبذنها)) وفي رواية: ((فاجتذبتها)) يقال: جذبت واجتذبت واجتبذ، وهو مقول عائشة، رضي الله تعالى عنها، قوله: ((تتبعي)) أمر من التتبع، وهو المراد من تطهري. قوله: ((أثر الدم)) مقول: تتبعي، وقال النووي: المراد به عند العلماء، الفرج، وقال المحاملي: يستحب أن تطيب كل موضع أصابه الدم من بدنها، قال، ولم أره لغيره، ويؤيد ما قاله المحاملي رواية الإسماعيلي، ((تتبعي بها مواضع الدم)). بيان استنباط الأحكام فيه: استحباب التطيب للمغتسلة من الحيض والنفاس على جميع المواضع التي أصابها الدم من بدنها قال المحامي: لأنه أسرع إلى العلوق وأدفع للرائحة الكريهة، واختلف في وقت استعمالها لذلك: فقال بعضهم: بعد الغسل، وقال آخرون قبله. وفيه: أنه لا عار على من سأل عن أمر دينه. وفيه: استحباب تطييب فرج المرأة بأخذ قطعة من صوف ونحوها، وتجعل عليها مسكاً أو نحوه وتدخلها في فرجها بعد الغسل، والنفساء مثلها. وفيه: التسبيح عند التعجب. وفيه: استحباب الكنايات مما يتعلق بالعورات. وفيه: سؤال المرأة العالم عن أحوالها التي تحتشم منها ولهذا قالت عائشة في نساء الأنصار: ((لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين)) وفيه الاكتفاء بالتعريض والإشارة في الأمور المستهجنة. وفيه: تكرير الجواب الإفهام السائل. وفيه: تفسير كلام العالم بحضرته لمن خفي عليه إذا عرف أن ذلك يعجبه. وفيه: أن السائل إذا لم يفهم فهمه بعض من في مجلس العالم والعالم يسمع، وأن ذلك سماع من العالم يجوز أن يقول فيه: حدثني وأخبرني. وفيه: الأخذ عن المفضول مع وجود الفاضل وحضرته. وفيه: صحة العرض على المحدث إذا أقره، ولو لم يقل عقيبه نعم. وفيه: أنه لا يشترط فهم السامع لجميع ما يسمعه. وفيه: الرفق بالمتعلم وإقامة العذر لمن لا يفهم. وفيه: أن المرء مطلوب بستر عيوبه. وفيه: دلالة على حسن خلقه عليه الصلاة والسلام. ٠جدة ٠٠٠٠ أجود ٠٠٠ة ١ i ٤٢٦ ٦ - كتاب الحيضِ / باب (١٤) ١٤ _ بابُ غُسْلِ المَحِيضِ أي: هذا باب في بيان الغسل من الحيض، وغسل المرأة من الحيض كغسلها من الجنابة سواء، غير أنها تزيد على ذلك استعمال الطيب، وهذا الباب في الحقيقة لا فائدة في ذكره، لأن الحديث الذي فيه هو الحديث المذكور في الباب الذي قبله، غير أن ذلك عن يحيى عن ابن عيينة عن منصور، وهذا عن مسلم بن إبراهيم عن وهيب بن خالد عن منصور. ٢٠/ ٣١٥ - حدثنا مُسْلِمٌ قالَ حدّثنا وُهَيْبٌ حدّثنا مَنْصُورٌ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ أنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ قالَتْ لِلنَّبِيَِِّّ كَيْفَ اغْتَسِلُ مِنَ المَحيضِ قالَ خُذِي فِرْصَةٌ مُمَسَّكَةٌ فَتَوَضَئِي ثلاثاً ثُمَّ أَنَّ النَّبِي عَلِ اسْتَحْيَا فَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ أو قالَ تَوَضَئِي بِهَا فَاخَذْتُهَا فَجَذِبْتُها فَأَخْبَوْتُها بِمَا يُرِيدُ النَّبِيُّ عَّهِ. [انظر الحديث ٣١٤ وطرفيه]. قيل: الترجمة لغسل المحيض، والحديث لم يدل عليها فلا مطابقة. قلت: إن كان لفظ الغسل في الترجمة بفتح الغين، والمحيض اسم مكان، فالمعنى ظاهر، وإن كان بضم الغين والمحيض مصدر فالإضافة بمعنى اللام الاختصاصية، فلهذا ذكر خاصة هذا الغسل وما به يمتاز عن سائر الاغتسال. الكلام فيما يتعلق به قد مضى في الباب الذي قبله. قوله: ((وتوضئي ثلاثاً) وفي بعضها: فتوضئي. قوله: ((ثلاثاً)) يتعلق: بقال، أي: يقال ثلاث مرات لا تتوضئي، ويحتمل تعلقه بقالت أيضاً بدليل الحديث المتقدم. قوله: ((أو قال)) شك من عائشة، والفرق بين الروايتين زيادة لفظة بها يعني: تطهري بالفرصة، ووقع في رواية ابن عساكر بالواو من غير شك. قوله: ((بما يريد)) أي: يتبع أثر الدم وإزالة الرائحة الكريهة من الفرج. ١٥ - بابُ امْتِشاطِ المَزَةِ عِنْدَ غُسْلِها مِنَ المَحِيضِ ١٣٠ أي: هذا باب في بيان امتشاط المرأة، وهو تسريح رأسها عند غسلها من المحيض أي: الحيض. وجه المناسبة بين البابين من حيث إن في كل منهما ما يشعر بزيادة التنظيف والنقاء، ولا يحفى ذلك على المتأمل. ٣١٦/٢١ _ حدّثنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قالَ حدّثنا إِبْرَاهِيمُ قالَ حدّثنا ابْنُ شِهابٍ عَنْ عُرْوَةَ أن عائِشَةَ قالَتْ أهْلِلْتُ مَعَ رسولِ اللهِ عَ لِ فِي حَبَّةِ الوَدَاعِ فَكُنْتُ مِمَّنْ تَنَّعَ وَلَمْ يَشُقِ الهَدْيَ فَزَعَمَتْ أَنَّها حاضَتْ وَلَمْ تَظْهُرْ حَتَّى دَخَلَتْ لَيْلَهُ عَرَفَةَ فَقَالَتْ يا رسولَ اللَّهِ لهذِهِ لَيْلَةُ عَرَفَةَ وََّا كُنْتُ تَّعْتُ بِعُمْرَةً فقال لَها رسِولُ اللَّهِ مَِّ: ((انْقُضِي وَأْسَكِ وَاِمْتَشِطِي وَأَمْسِكِي عَنْ عُمْرتِكِ)) فَفَعَلْتُ فَلَمَّا قَضَيْتُ الحَجَّ أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمنِ لَيْلَةَ الحَصْبَةِ فَأَعْمَرَنِي مِنَ التَّتْعِيمِ مَكَانَ عُمْرَتِي الَّتِي نَسَكْتُ. [انظر الحديث ٢٩٤ وأطرافه]. قال الداودي ومن تبعه ليس فيه دليل على الترجمة لأن أمرها بالامتشاط كان للإهلال ٠٠٠٠ ٤٢٧ ٦ - كتاب الحيضٍ / باب (١٥) وهي حائض، لا عند غسلها، أجاب الكرماني عن هذا بأن الإحرام بالحج يدل على غسل الإحرام لأنه سنة، ولما سن الامتشاط عند غسله فعند غسل الحيض بالطريق الأولى، لأن المقصود منه التنظيف، وذلك عند إرادة إزالة أثر الحيض الذي هو نجاسة غليظة أهم أو لأنَّه إذا سن في النفل ففي الفرض أولى، وقيل: إن الإهلال بالحج يقتضي الاغتسال صريحاً في هذه القصة، فيما أخرجه مسلم من طريق ابن الزبير عن جابر ولفظه: ((فاغتسلي ثم أهلي بالحج)) وقيل: جرت عادة البخاري في كثير من التراجم أنه يشير إلى ما تضمنه بعض طرق الحديث، وإن لم يكن منصوصاً فيما ساقه كما ذكرنا في باب المرأة نفسها. ذكر رجاله وهم خمسة: الأول: موسى بن إسماعيل التبوذكي. الثاني: إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المدني نزيل بغداد. الثالث: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. الرابع: عروة بن الزبير بن العوام. الخامس: عائشة رضي الله تعالى عنها. ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع: وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: أن رواته ما بين بصري ومدنيين. وفيه: أن إبراهيم يروي عن الزهري بلا واسطة، وروي عنه في باب تفاضل أهل الإيمان بواسطة، روى عن صالح عن الزهري. ذكر معانيه قولها: ((أجللت)) أي: أحرمت ورفعت الصوت بالتلبية، قولها: ((ممن تمتع)) فيه التفات من المتكلم إلى الغائب لأن أصله أن يقال: تمتعت، ولكن ذكر باعتبار لفظ من قولها: ((الهدي)) بفتح الهاء وسكون الدال وبكسرها مع تشديد الياء، وهو اسم لما يهدى إلى مكة من الأنعام قال الكرماني: قوله: ((ولم يسق الهدى)) كالتأكيد لبيان التمتع، إذ المتمتع لا يكون معه الهدي. قلت: المتمتع على نوعين: أحدهما: أنه يسوق الهدي معه، والآخر: لا يسوق. وحكمها مختلف كما ذكر في فروع الفقه قولها: ((فزعمت)) إنما لم يقل، فقالت: لأنها لم تتكلم به صريحاً إذ هو مما يستحي في تصريحه، قوله: وقالت: عطف على حاضت، ويروي، قالت، بغير عطف قولها: ((تمتعت بعمرة)) تصريح بما علم ضمناً إذا التمتع هو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج من على مسافة القصر من الحرم، ثم يحرم بالحج في سنة تلك العمرة بلا عود إلى ميقات، وبعد ففي هذا الكلام مقدر، تقديره، تمتعت بعمرة، وأنا حائض. قوله: ((انقضي)) بضم القاف، وفي بعض الروايات انقضي، بالفاء، والمضاف محذوف أي: شعر رأسك، قولها: ((ففعلت)) أي: فعلت النقض والامتشاط والإمساك، وهاهنا، أيضاً مقدر، وهو في قولها: ((فلما قضيت الحج)) أي: بعد إحرامي به، وقضيت، أي: أديت قولها: ((أمر عبد الرحمن))، أي أمر رسول الله عَ ليه عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله تعالى عنهما. قولها ((ليلة الحصبة)) بفتح الحاء وسكون الصاد المهملتين ثم بالباء الموحدة، وهي الليلة التي نزلوا فيها في المحصب، وهو المكان الذي نزلوه بعد النفر من منىّ خارج مكة، وهي الليلة التي بعد أيام التشريق سميت بذلك لأنهم نفروا من منىّ، فنزلوا في المحصب وباتوا به، والحصبة والحصباء والأبطح والبطحاء والمحصب وخيف بني كنانة يراد بها موضع واحد، وهو بين مكة ومنىّ. قولها: ((فأعمرني)) ويروى ((فاعتمرني)) قولها: ((من التنعيم))، وهو تفعيل من النعمة، آص۔۔ i wwww.hrs-go محمرة ٥٤٢٠٠ ٤٢٨ ٦ - كتاب الحيضٍ / باب (١٥) وهو موضع على فرسخ من مكة على طريق المدينة، وفيه مسجد عائشة رضي الله تعالى عنها، قولها: ((التي نسكت)) من النسك، كذا هو في رواية الأكثرين، ومعناه: أحرمت بها، أو قصدت النسك بها، وفي رواية أبي زيد المروزي: ((سكت)) من السكوت أي: عمرتي التي تركت أعمالها، وسكت عنها وروى القابسي: ((شكت)) بالشين المعجمة. أي: شكت العمرة، من الحيض وإطلاق الشكاية عليها كناية عن إخلالها وعدم بقاء استقلالها، ويجوز أن يكون الضمير فيه راجعاً، إلى عائشة، وكان حقه التكلم، وذكره بلفظ الغيبة التفاتاً. ذكر استنباط الأحكام الأول: أن ظاهر هذا الحديث أن عائشة، رضي الله تعالى عنها، أحرمت بعمرة أولاً، وهو صريح حديثها الآتي في الباب الذي بعده، لكن قولها في الحديث الذي مضى: ((خرجنا مع رسول الله عَّللم لانذكر إلا الحج)) وقداختلفت الروايات عن عائشة فيما أحرمت به اختلافاً كثيراً كما ذكره القاضي عياض، ففي رواية عروة ((فأهللنا بعمرة))، وفي رواية أخرى: ((ولم أهل إلا بعمرة)) وفي رواية: ((لا نذكر إلا الحج)) وفي أخرى ((لا نرى إلا الحج)) وفي رواية القاسم عنها: ((لبينا بالحج)) وفي أخرى: ((مهلين بالحج)). واختلف العلماء في ذلك فمنهم من رجح روايات الحج وغلط روايات العمرة وإليه ذهب إسماعيل القاضي ومنهم من جمع لثقة رواتها بأنها أحرمت أولاً بالحج، ولم تسق الهدي. فلما أمر الشارع من لم يسق الهدي بفسخ الحج إلى العمرة إن شاء فسخت هي فيمن فسخ، وجعلته عمرة وأهلت بها؛ ثم إنها لم تحل منها حتى حاضت فتعذر عليها إتمامها والتحلل منها فأمرها أن تحرم بالحج فأحرمت فصارت قارنة ووقفت وهي حائض ثم طهرت يوم النحر فأفاضت. وذكر ابن حزام أنه عَِّ خيرهم بسرف بين فسخه إلى العمرة، والتمادي عليه، وإنه بمكة أوجب عليهم التحلل إلا من صح معه الهدي، والصحيح أنها حاضت بسرف أو قريب منها فلما قدم مكة قال رسول الله عَ له: ((اجعلوها عمرة)). وقال أبو عمر: الاضطراب عن عائشة في حديثها في الحج عظيم وقد أكثر العلماء في توجيه الروايات فيه، ودفع بعضهم بعضاً فيه ببعض ولم يستطيعوا الجمع بينها ورام قوم الجمع في بعض معانيها. روى محمد بن عبيد عن حماد بن زيد عن أيوب عن ابن أبي مليكة قال: أفلا تعجب من اختلاف عروة والقاسم قال القاسم: أهلت عائشة بالحج، وقال عروة: أهلت بالعمرة. وذكر الحارث بن مسكين عن يوسف بن عمرو عن ابن وهب عن مالك، أنه قال: ليس العمل في رفض العمرة لأن العمل عليه عنده في أشياء كثيرة. منها أنه جائز للإنسان أن يهل بعمرة. ومنها أن القارن يطوف واحداً أو غير ذلك، وقال ابن حزم في ((المحلى)): حديث عروة عن عائشة منكر وخطأ عند أهل العلم بالحديث، ثم روى بإسناده إلى أحمد بن حنبل فذكر حديث مالك عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة: ((خرجنا مع رسول الله عَّ له عام حجة الوداع)) الحديث. فقال أحمد: أشعر في هذا الحديث من العجب خطأ، قال الأثرم: فقلت له: الزهري عن عروة عن عائشة بخلافه، قال: نعم، وهشام بن عروة وفي ((التمهيد)) دفع الأوزاعي والشافعي وأبو ثور وابن علية حديث عروة هذا وقالوا: هو غلط لم يتابع عروة على ذلك أحد من أصحاب ١٠ ٤٢٩ يري٣ ٦ - كتاب الحيضٍ / باب (١٥) عائشة، وقال إسماعيل بن إسحق قد اجتمع هؤلاء يعني القاسم والأسود وعمرة على أن أم المؤمنين كانت محرمة بحجة لا بعمرة فعلمنا بذلك أن الرواية عن عروة غلط. الثاني: أن ظاهر قولها يا رسول الله هذه ليلة عرفة إلى آخره يدل على أنه عليه الصلاة والسلام أمرها برفض عمرتها وأن تخرج منها قبل تمامها. وفي التوضيح وبه قال الكوفيون في المرأة تحيض قبل الطواف وتخشى فوات الحج إنها ترفض العمرة وقال الجمهور إنها تردف الحج، وتكون قارنة، وبه قال الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأبو ثور وحمله بعض المالكية على أنه عَّلِ أمرها بالإرداف لا بنقض العمرة واعتذروا عن هذه الألفاظ بتأويلات. أحدها: أنها كانت مضطرة إلى ذلك فرخص لها كما رخص لكعب بن عجرة في الحلق للأذى. ثانيها أنه خاص بها. ثالثها: أن المراد بالنقض والامتشاط تسريح الشعر لغسل الإهلال بالحج ولعلها كانت لبدت رأسها، ولا يتأتى إيصال الماء إلى البشرة مع التلبيد إلا بحل الظفر والتسريح، وقد اختلف العلماء في نقض المرأة شعرها عند الاغتسال فأمر به ابن عمر والنخعي ووافقهما طاوس في الحيض دون الجنابة ولا يتبين بينهما فرق ولم توجبه عليها فيها عائشة وأم سلمة وابن عمر وجابر. وبه قال مالك والكوفيون والشافعي وعامة الفقهاء والعبرة بالوصول فإن لم يصل فتنقض. الثالث: أن قول عائشة تمتعت بعمرة يدل على أنها كانت معتمرة أولاً. قال النووي فإن قلت أصح الروايات عن عائشة، أنها قالت: لا نرى إلا الحج ولا نذكر إلا الحج، وخرجنا مهلين بالحج، فكيف الجمع بينها وبين ما قالت تمتعت بعمرة. قلت الحاصل أنها أحرمت بالحج ثم فسخته إلى العمرة حين أمر الناس بالفسخ فلما حاضت وتعذر عليها إتمام العمرة أمرها النبي عَّهِ بالإحرام بالحج فأحرمت به فصارت مدخلة الحج على العمرة وقارنة لما ثبت من قوله حَ لّه؛ ((يكفك طوافك لحجك وعمرتك)) ومعنى امسكي من عمرتك ليس إبطال لها بالكلية والخروج منها بعد الإحرام بنية الخروج، وإنما تخرج منها بالتحلل بعد فراغها، بل معناه أمضي العمل فيهما، وإتمام أفعالها واعرضي عنها ولا يلزم من نقض الرأس والامتشاط إبطال العمرة؛ لأنهما جائزان عندنا في الإحرام بحيث لا ينتف شعراً، لكن يكره الامتشاط إلا لعذر وتأولوا فعلها على أنها كانت معذورة بأن كان برأسها أذى وقيل ليس المراد بالامتشاط حقيقته، بل تسريح الشعر بالأصابع للغسل لإحرامها بالحج، لا سيما إن كانت لبدت رأسها فلا يصح غسلها إلا بإيصال الماء إلى جميع شعرها، ويلزم منه نقضه، فإن قلت: معناه أراد أن يكون لها عمرة منفردة عن الحج كما حصل لسائر أمهات المؤمنين وغيرهن من الصحابة الذين فسخوا الحج إلى العمرة، وأتموا العمرة ثم أحرموا بالحج، فحصل لهم عمرة منفردة وحج منفرد فلم يحصل لها إلاّ عمرة مندرجة في حجة القران فاعتمرت بعد ذلك مكان عمرتها التي كانت أرادت أولاً حصولها منفردة غير مندرجة، ومنعها الحيض عنه، وإنما فعلت كذلك حرصاً على كثرة العبادات انتهى. قلت: المشهور الثابت أن عائشة كانت منفردة بالحج وأنه عليه الصلاة والسلام أمرها برفض العمرة، وقولها في الحديث وأرجع i ٠ ٠٠ ٤٣٠ ٦ - كتاب الحيضٍ / باب (١٦) بحجة واحدة، دليل واضح على ذلك، وقولها: ترجع صواحبي بحج وعمرة، وأرجع أنا بالحج، صريح في رفض العمرة، إذ لو دخل الحج على العمرة لكانت هي وغيرها سواء، ولما احتاجت إلى عمرة أخرى بعد العمرة والحج الذي فعلتهما، وقوله عَّلِ عند عمرتها الأخيرة: ((هذه مكان عمرتك)) صريح في أنها خرجت من عمرتها الأولى ورفضتها إذ لا تكون الثانية مكان الأولى، والأولى منفردة وفي بعض الروايات هذه قضاء من عمرتك. فإن قلت: قال البيهقي في (المعرفة) معنى قوله: ودعي العمرة أمسكي عن أفعالها، وأدخلي عليها الحج، قلت: هذا خلاف حقيقة قوله: دعي العمرة: بل حقيقته أنه أمرها برفض العمرة بالحج، وقوله: انقضي رأسك وامتشطي، يدل على ذلك، ويدفع تأويل البيهقي بالإمساك عن أفعال العمرة، إذ المحرم ليس له أن يفعل ذلك. فإن قلت: قال الشافعي: لا يعرف في الشرع رفض العمرة بالحيض. قلت: قال القدوري في (التجريد) ما رفضتها بالحيض، لكن تعذرت أفعالها، وكانت ترفضها بالوقوف، فأمرهم بتعجيل الرفض. ١٠٠٠ ١٦ - بابُ نَقْضِ المَرَأَةِ شَعْرَهَا عِنْدَ غُسْلِ المَحِيضِ أي: هذا باب في بيان نقض المرأة شعر رأسها، عند غسل المحيض أي: الحيض، وجوابه مقدر أي: هل يجب أم لا؟ وظاهر الحديث الوجوب، وقد ذكرنا الاختلاف في الباب السابق. والمناسبة بين البابين ظاهرة لأن النقض والامتشاط من جنس واحد وحكم واحد. ٢٢/ ٣١٧ - حدثنا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قالَ حدّثنا أبو أسامَةً عَنْ هِشَامِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قالَتْ خَرَجْنَا مُوافِينَ لِهِلالِ ذِي الحِجَّةِ فقالَ رسولُ اللَّه عَلَّهِ مَنْ أحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةِ فَلْيُهْلِل فإِنِّى لَوْلاَ أَنِّي أَهْدَيْتُ لاَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ فَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بُعُمْرَةٍ وَأَهْلُ بَعْضُهُمْ بِحَجْ وَكُنْتُ أَنَّا مِعَنْ أهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَأَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةٍ وأنا حائِضٌ فَشَكَوْتُ إِلى النَّبِيِّ عَّهِ فَقَالَ ذَعِي عُمْرَقَكِ وَانْقُضَى رَأْسَكِ وامْتَشِطِي وَأْهِلِى بِحَجٍ)) فَفَعَلْتُ حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الحَصْبَةِ أَرْسَلَ مَعِي أخِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ أبي بَكْرٍ فَخَرَجَتْ إِلىَ الْتَنْعِيمِ فَأَهَلَلْتُ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِي قَالَ هِشامٌ وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ وَلا صَوْمٌ وَلا صَدَقَّةٌ. [انظر الحديث: ٢٩٤ وأطرافه]. مطابقة للترجمة ظاهرة. ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: عبيد بن إسماعيل بن محمد الهباري، بفتح الهاء وتشديد الباء الموحدة وبالراء المهملة. الكوفي، ويقال اسمه عبيد الله مات سنة خمسين ومائتين. الثاني: أبو أسامة حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي، مر في باب فضل من علم. الثالث: هشام بن عروة. الرابع: أبوه عروة بن الزبير بن العوام. الخامس: عائشة، رضي الله تعالى عنها. ٠٠ ٤٣١ ٦ - كتاب الحيض / باب (١٦) ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: أن رواته ما بين كوفي ومدني. ذكر بقية الكلام قولها: ((موافين لهلال ذي الحجة)) أي: مكملين ذي القعدة مستقبلين لهلاله، وقال النووي: أي مقارنين لاستهلاله، وكان خروجهم قبله لخمس بقين من ذي القعدة، ويقال موافين أي: مشرفين يقال: أوفى على كذا أي: أشرف، ولا يلزم الدخول فيه، وقدم النبي عَّه مكة لأربع أو خمس من ذي الحجة، أقام في طريقه إلى مكة تسعة أيام أو عشرة أيام قوله: ((فليهل))، بتشديد اللام في رواية الأكثرين، وفي رواية الأصيلي، ((فليهلل))، بفك الإدغام أي: فليحرم بها. قوله: ((أهديت)) أي: سقت الهدي، وإنما كان وجود الهدي علة لانتفاء الإحرام بالعمرة، لأن صاحب الهدي لا يجوز له التحلل حتى ينحره، ولا ينحره إلاَّ يوم النحر، والمتمتع يتحلل قبل يوم النحر، فهما متنافيان. قوله: ((فأهل بعضهم بعمرة)» أي: صاروا متمتعين، وبعضهم بحج أي: صاروا مفردين. قوله: ((دعي عمرتك)) قال الكرماني: أي: أفعالها لا نفسها، قلت: قد ذكرنا في الباب السابق أنه أمرها بالترك حقيقة، وذكرنا وجهه. قوله: ((ليلة الحصبة)) كلام إضافي مرفوع وكان تامة بمعنى وجدت ويجوز نصب الليلة على أن تكون كان ناقصة ويكون اسم كان الوقت وقال الكرماني هذا الحديث دليل على أن التمتع أفضل من الإفراد فماذا قال الشافعي في دفعه؟ قلت: أنه عَّ له إنما قاله من أجل من فسخ الحج إلى العمرة والذي هو خاص بهم في تلك السنة خاصة لمخالفة الجاهلية من حيث حرموا العمرة في أشهر الحج، ولم يرد بذلك، التمتع الذي فيه الخلاف وقال هذا تطيباً لقلوب أصحابه، وكانت نفوسهم لا تسمح بفسخ الحج إليها لإرادتهم موافقته عَّله، ومعناه، ما يمنعني من موافقتكم مما أمرتكم به إلّ سوقي الهدي، ولولاه لوافقتكم قلت: الرواية عن أبي حنيفة أن الإفراد أفضل من التمتع كمذهب الشافعي، ولكن المذهب التمتع أفضل من الإفراد لأن فيه جمعاً بين عبادتي العمرة والحج في سفر واحد، فأشبه القِرَان. قوله: ((قال هشام)) أي: ابن عروة، هذا يحتمل التعليق، ويحتمل أن يكون عطفاً من جهة المعنى على لفظ هشام، ثم قول هشام: يحتمل أن يكون معلقاً، ويحتمل أن يكون متصلاً بالإسناد المذكور، والظاهر الأول. ثم اعلم أن ظاهر قول هشام مشكل، فإنها إن كانت قارنة فعليها هدي القرآن عند كافة العلماء، إلاَّ داود وإن كانت متمتعة فكذلك، لكنها كانت فاسخة كما سلف، ولم تكن قارنة ولا متمتعة، وإنما أحرمت بالحج ثم نوت فسخه في عمرة، فلما حاضت ولم يتم لها ذلك رجعت إلى حجها فلما أكملته اعتمرت عمرة متبدأة، نبه عليه القاضي، لكن يعكر عليه قولها: وكنت ممن أهل بعمرة، وقولها: ولم أهل إلاَّ بعمرة، ويجاب بأن هشاماً لما لم يبلغه ذلك أخبر بنفيه، ولا يلزم من ذلك نفيه من نفس الأمر، ويحتمل أن يكون لم يأمر به، بل نوى أنه يقوم به عنها، بل روى جابر، رضي الله تعالى عنه، أنه عليه الصلاة والسلام، أهدى عن عائشة بقرة وقال القاضي عياض فيه دليل على أنها كانت في حج مفرد لا تمتع ولا قران، i i i ٦ i i i i ١٣٤ i لاف ٤٣٢ ٦ - كتاب الحيضٍ / باب (١٧) لأن العلماء مجمعون على وجوب الدم فيهما. ١٧ - بابٌ ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرَ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥] الكلام فيه على أنواع. الأول في إعرابه: الأحسن أن يكون: باب، منوناً، ويكون خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذا باب فيه بيان. قوله عَّله: ((فإذا أراد أن يقضي الله خلقه، قال الملك: مخلقة، وإن لم يرد قال: غير مخلقة)). وروي عن علقمة: ((إذا وقعت النطفة في الرحم قال له الملك: مخلقة أوغير مخلقة؟ فإن قال: غير مخلقة مجت الرحم دماً، وإن قال: مخلقة. قال أذكر أم أنثى؟)) ويحتمل أن يكون البخاري أراد الآية الكريمة، فأورد الحديث لأن فيه ذكر المضغة، والمضغة مخلقة وغير مخلقة وقال بعضهم: رويناه بالإضافة أي: باب تفسير قوله تعالى: ﴿مخلقة وغير مخلقة﴾[الحج: ٥] قلت ليت شعري أنه روى هذا عن البخاري نفسه أم عن الفربري وكيف يقول باب تفسير قوله تعالى: ﴿مخلقة وغير مخلقة﴾ [الحج: ٥] وليس في متن حديث الباب: مخلقة وغير مخلقة، وإنما فيه ذكر المضغة، وهي مخلقة وغير مخلقة. لما ذ کرنا. النوع الثاني: إن غرض البخاري من وضع هذا الباب هنا الإشارة إلى أن الحامل لا تحيض، لأن اشتمال الرحم على الولد يمنع خروج دم الحيض. ويقال: إنه يصير غذاءً للجنين، وممن ذهب إلى أن الحامل لا تحيض الكوفيون، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وأحمد بن حنبل وأبو ثور وابن المنذر والأوزاعي والثوري وأبو عبيد وعطاء والحسن البصري وسعيد بن المسيب ومحمد بن المنكدر وجابر بن زيد والشعبي ومكحول والزهري والحكم وحماد والشافعي في أحد قوليه، وهو قوله القديم، وقال في الجديد: إنها تحيض، وبه قال إسحاق، وعن مالك روايتان، وحكي عن بعض المالكية: إن كان في آخر الحمل فليس بحيض، وذكر الداودي أن الاحتياط أن تصوم وتصلي ثم تقضي الصوم ولا يأتيها زوجها. وقال ابن بطال: غرض البخاري بإدخال هذا الحديث في أبواب الحيض تقوية مذهب من يقول: إن الحامل لا تحيض. وقال بعضهم: وفي الاستدلال بالحديث المذكور على أنها لا تحيض نظر، لأنه لا يلزم من كون ما يخرج من الحامل من السقط الذي لم يصور أن لا يكون الدم الذي تراه المرأة التي يستمر حملها ليس بحيض، وما ادعاه المخالف من أنه رشح من الولد أو من فضلة غذائه أو من دم فاسد لعلة فمحتاج إلى الدليل، لأن هذا دم بصفات دم الحيض، وفي زمن إمکانه فله حکم دم الحيض. فمن ادعى خلافه فعليه البيان. قلت: إنما ادعيت الخلاف وعلي البيان: أما أولاً فنقول: لنا في هذا الباب أحاديث وأخبار. منها: حديث سالم عن أبيه وهو: ((إن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر. النبي عَّ له فقال: مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسكها وإن شاء طلقها قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء)) متفق ٠۔۔ ٤٣٣ ٦ - كتاب الحيضٍ / باب (١٧) عليه. ومنها: حديث أبي سعيد الخدري، رضي الله تعالى عنه، قال في سبايا أوطاس: ((لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة)) رواه أبو داود. ومنها: حديث رويفع ابن ثابت، قال: قال رسول الله عَّ له: ((لا يحل لأحد أن يسقي بمائه زرع غيره، ولا يقع على أمة حتى تحيض أو يتبين حملها)). رواه أحمد، فجعل عَّ﴾ وجود الحيض علما على براءة الرحم من الحبل في الحديثين، ولو جاز اجتماعهما لم يكن دليلاً على انتفائه، ولو كان بعد الاستبراء بحيضة احتمال الحمل لم يحل وطؤها للاحتياط في أمر الإبضاع. وأما الأخبار فمنها: ما روي عن علي، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: ((إن الله تعالى رفع الحيض عن الحبلى وجعل الدم رزقاً للولد مما تفيض الأرحام))، رواه أبو حفص بن شاهين. ومنها: ما روي عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، قال: ((إن الله رفع الحيض عن الحبلى وجعل الدم رزقاً للولد))، رواه ابن شاهين أيضاً. ومنها: ما رواه الأثرم، والدارقطني بإسنادهما عن عائشة في: ((الحامل ترى الدم، فقالت: الحبلى لا تحيض وتغتسل وتصلي))، وقولها: تغتسل، استحباب لكونها مستحاضة، ولا يعرف عن غيرهم خلافه. ثم قال هذا القائل: واستدل ابن التين على أنه: ليس بدم حيض، بأن الملك موكل برحم الحامل، والملائكة لا تدخل بيتاً فيه قذر. وأجيب: بأنه لا يلزم من كون الملك موكلاً به أن يكون حالاً فيه، ثم هو مشترك الإلزام لأن الدم كله قذر. قلت: ولا يلزم أيضاً أن لا يكون حالاً فيه، والدم في معدته لا يوصف بالنجاسة، وإلا يلزم أن لا يوجد أحد طاهراً خالياً عن النجاسة. النوع الثالث في معنى المخلقة: وعن قتادة: ﴿مخلقة وغير مخلقة﴾ [الحج: ٥] أي: تامة وغير تامة، وعن الشعبي: النطفة والعلقة والمضغة إذا أكسيت في الخلق الرابع كانت مخلقة، وإذا قذفتها قبل ذلك كانت غير مخلقة. وعن أبي العالية: المخلقة المصورة، وغير المخلقة، السقط. وقال الجوهري: مضغة مخلقة أي تامة الخلق، وقال الزمخشري: مخلقة أي مسواة ملساء من النقصان والعيب، يقال: خلق السواك إذا سواه وملسه، وغير مخلقة أي غير مسواة. النوع الرابع في وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله من حيث إن الباب الذي قبله يشتمل على أمور من أحكام الحيض، وهذا الباب أيضاً يشتمل على حكم من أحكام الحيض، وهو أن الحامل إذا رأت دماً هل يكون حيضاً أم لا؟ وقد ذكرنا أن غرض البخاري من وضع هذا الباب هو الإشارة إلى أن الحامل لا تحيض، ونذكر كيفية ذلك إن شاء الله تعالى. ٣١٨/٢٣ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدّثنا حَمَّادٌ عنْ عُبَيْدِ اللهِ بنِ أبي بَكْرٍ عَنْ أَنَسٍ بِنِ مالِكِ عنِ النَّبِيِّ عَّ ◌َلِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَّْلَ بِالرَّحِم مَّلَكاً يَقُولُ يا رَبِّ نَطْفَةٌ يَا رَبِّ عَلَقَةٌ يا رَبِّ مُضْغَةٌ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَّ خلْقَهُ قَالَ أَذَكَرٌ أَمْ أَنْقَى أَشَقِي أَمْ سَعِيدٌ فَمَا الرَّزْقُ وما الَجلُ فَيُكْتَبُ فِي بَطْنِ أُمَّهِ. وجه تطابق هذا الحديث للترجمة من حيث إنه يفسر المخلقة وغير المخلقة، فإن عمدة القاري / ج٣ / ٢٨٢ i i i i i i 37. ٠٣٠٠ ٤٣٤ ٦ - كتاب الحيضٍ / باب (١٧) .-. قوله: ((فإذا أراد أن يقضي خلقه)) هو المخلقة، وبالضرورة يعلم منه أنه إذا لم يرد خلقه يكون غير مخلقة. وقد بين ذلك حديث رواه الطبراني بإسناد صحيح من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه، قال: ((إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله ملكاً، فقال: يا رب مخلقة أو غير مخلقة. فإن قال: غير مخلقة، مجها الرحم دماً، وإن قال: مخلقة. قال: يا رب فما صفة هذه النطفة؟ فيقال له: إنطلق إلى أم الكتاب فإنك تجد قصة هذه النطفة، فينطلق فيجد قصتها في أم الكتاب))، وهو موقوف لفظاً، مرفوع حكماً لأن الإخبار عن شيء لا يدركه العقل محمول على السماع. ذكر رجاله وهم أربعة: الأول: مسدد بن مسرهد. الثاني: حماد بن زيد البصري. الثالث: عبيد الله، بلفظ التصغير، ابن أبي بكر بن أنس بن مالك، أبو معاوية الأنصاري. الرابع: أنس بن مالك، وهو جده يروي عنه. ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: أن رواته كلهم بصريون. وفيه: الرواية عن الجد. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في خلق بني آدم عن أبي النعمان، وفي القدر عن سليمان ابن حرب. وأخرجه مسلم في القدر عن أبي كامل الجحدري، الکل عن حماد بن زيد. ذكر لغاته: قوله: ((نطفة)). بضم النون، قال الجوهري: النطفة الماء الصافي قل أو كثر، والجمع النطاف. ونطفان الماء سيلانه، وقد نطف ينطف وينطف من باب: نصر ينصر، وضرب يضرب، وليلة نطوف: تمطر إلى الصباح. ويقال: جمع النطفة نطف أيضاً، وكل شيء خفي نطفة ونطافة حتى إنهم يسمون الشيء الخفي بذلك، وأصله للماء القليل يبقى في الغدير أو السقاء أو غيره من الآنية، ويقال له، ما دام نطفة: صراة، ذكره ابن سيده في (المخصص). قوله: ((علقة))، بفتح اللام. قال الأزهري في (التهذيب): العلقة الدم الجامد الغليظ، ومنه قيل لهذه الدابة التي تكون في الماء: علقة، لأنها حمراء كالدم، وكل دم غليظ: علق. وفي (الموعب): العلق الدم ما كان. وقيل: هو الجامد قبل أن ييبس، وقيل: هو ما اشتدت حمرته والقطعة منه علقة. وفي (المغيث): هو ما انعقد. وقيل: اليابس كأن بعضه علق ببعض تعقداً ويبساً. قوله: ((مضغة))، قال الجوهري: المضغة قطعة لحم وفي (الغريبين): وجمعها مضغ، ويقال: مضيغة، وتجمع على: مضائغ، ويقال المضغة اللحمة الصغيرة قدر ما يمضغ. وفي (المحكم): قال عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه: إنا لا نتغافل المضغ بيننا، أراد الجراحات، وسماها مضغاً على التشبيه بمضغة الإنسان في حلقه، يذهب بذلك إلى تصغيرها وتقليلها. ذکر معناه ونکاته قوله: ((و کل))، بالتشديد كما في قوله تعالى: ﴿ملك الموت الذي وكل بكم﴾، [السجدة: ١١]وظاهر قوله: ((أن الله وكل بالرحم ملكاً) يدل على أن بعثه إليه - ٠٣٠ ٤٣٥ ٦ - كتاب الحيضٍ / باب (١٧) عند وقوع النطفة في الرحم، ولكن فيه اختلاف الروايات. ففي (الصحيح) عن ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه: ((إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويكتب: رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد)). وظاهره إرسال الملك بعد الأربعين الثالثة، وفي رواية: ((يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة، فيقول: يا رب شقي أو سعيد؟)). وعند مسلم: ((إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون، أو ثلاثة وأربعون، أو خمسة وأربعون)). وفي أخرى: ((إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها). وفي رواية حذيفة بن أسيد: ((إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة، ثم يتسور عليها الملك)). وفي أخرى: ((إن ملكاً وكل بالرحم إذا أراد الله أن يخلق شيئاً يأذن له لبضع وأربعين ليلة)). وجمع العلماء بين ذلك بأن الملائكة لازمة ومراعية بحال النطفة في أوقاتها، وأنه يقول: يا رب! هذه نطفة، هذه علقة، هذه مضغة، في أوقاتها. وكل وقت يقول فيه ما صارت إليه بأمر الله تعالى، وهو أعلم. ولكلام الملك وتصرفه أوقات: أحدها: حين يكون نطفة، ثم ينقلها علقة، وهو أول علم الملك أنه ولد، إذ ليس كل نطفة تصير ولداً، وذلك عقيب الأربعين الأولى، وحينئذ يكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد. ثم للملك فيه تصرف آخر وهو: تصويره وخلق سمعه وبصره وكونه ذكراً أو أنثى، وذلك إنما يكون في الأربعين الثانية، وهي مدة المضغة، وقبل انقضاء هذه الأربعين وقبل نفخ الروح، لأن النفخ لا يكون إلاّ بعد تمام صورته. والرواية السالفة: ((إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة)) ليست على ظاهره، قاله عياض وغيره، بل المراد بتصويرها وخلق سمعها إلى آخره، أنه يكتب ذلك، ثم يفعله في وقت آخر، لأن التصوير عقيب الأربعين الأولى غير موجود في العادة، وإنما يقع في الأربعين الثانية، وهي مدة المضغة كما قال الله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة﴾ [المؤمنون: ١٢]الآية، ثم يكون للملك فيه تصرف آخر، وهو وقت نفخ الروح عقيب الأربعين الثالثة حتى يكمل له أربعة أشهر. واتفق العلماء أن نفخ الروح لا يكون إلاَّ بعد أربعة أشهر ودخوله في الخامسة. وقال الراغب: وذكر الأطباء أنَ الولد إذا كان ذكراً يتحرك بعد ثلاثة أشهر، وإذا كان أنثى بعد أربعة أشهر. فإن قلت: وقع في رواية البخاري: ((إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين، ثم یکون علقة مثله، ثم يكون مضغة مثله، ثم يبعث الله فيه الملك فيؤذن، بأربع كلمات، فيكتب رزقه وأجله وشقي أم سعيد، ثم ينفخ فيه الروح)). فأتى فيه بكلمة: ثم، التي هي تقتضي التراخي في الكتب إلى ما بعد الأربعين الثالثة، والأحاديث الباقية تقتضي الكتب عقيب الأربعين الأولى؛ قلت: أجيب بأن قوله: ((ثم يبعث إليه الملك فيؤذن بأربع كلمات فيكتب))، معطوف على قوله: ((يجمع في بطن أمه))، ومتعلقاً به، لا بما قبله، وهو قوله: ((ثم يكون مضغة مثله)). ويكون قوله: ((ثم يكون علقة مثله، ثم يكون مضغة مثله)) معترضاً بين و ٠ الجو. i i i جوة P F F i ٤٣٦ ٦ - كتاب الحيضِ / باب (١٧) المعطوف والمعطوف عليه، وذلك جائز موجود في القرآن والحديث الصحيح، وكلام العرب. وقال عياض: والمراد بإرسال الملك في هذه الأشياء أمره بها والتصرف فيها بهذه الأفعال، وإلاَّ فقد صرح في الحديث بأنه وكل بالرحم ملكاً وأنه يقول: يا رب نطفة يا رب علقة. وقوله في حديث أنس: ((وإذا أراد الله أن يقضي خلقاً قال: يا رب أذكر أم أنثى؟)) لا يخالف ما قدمناه، ولا يلزم منه أن يقول ذلك بعد المضغة، بل هو ابتداء كلام وإخبار عن حالة أخرى، فأخبر أولاً بحال الملك مع النطفة، ثم أخبر أن الله تعالى إذا أراد خلق النطفة علقة كان كذا وكذا، ثم المراد بجميع ما ذكر من الرزق والأجلِ والشقاء والسعادة والعقل والذكورة والأنوثة يظهر ذلك للملك فيؤمر بإنفاذه وكتابته، وإلاّ فقضاء الله تعالى وعلمه وإرادته سابقة على ذلك. قوله في حديث أنس: «فیکتب))، بیانه في حدیث یحیی بن زكريا ابن أبي زائدة: حدّثنا داود عن عامر عن علقمة عن ابن مسعود يرفعه: ((أن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها الملك بكفه، قال: أي رب أذكر أم أنثى؟ ما الأمر بأي أرض تموت؟ فيقال له: انطلق إلى أم الكتاب فإنك تجد قصة هذه النطفة، فينطلق فيجد صفتها في أم الكتاب)). قوله: ((وما الأجل؟)) ويروى: ((فما الرزق والأجل؟)). قوله: ((فيكتب)) ويروى: ((قال: فيكتب)). بيان إعرابه قوله: ((ملكاً)) منصوب بقوله: ((وكل)). قوله: ((يقول))، جملة من الفعل والفاعل، وهو الضمير الذي فيه يرجع إلى الملك، في محل النصب لأنها صفة الملك. وقوله: ((یا رب» بحذف ياء المتكلم، وفي مثله يجوز: یا ربي، ويا رب ويا ربا ويا رباه، بالهاء وقفا. قوله: ((نطفة))، يجوز فيه الرفع والنصب: أما النصب فهو رواية القابسي ووجهه أن يكون منصوباً بفعل مقدر تقديره: جعلت المني نطفة في الرحم، أو، خلقت نطفة. وأما وجه الرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف أي: يا رب هذه نطفة. فإن قلت: كيف يكون الشيء الواحد نطفة علقة مضغة؟ قلت: هذه الأخبار الثلاثة تصدر من الملك في أوقات متعددة لا في وقت واحد، ولا يقال: ليس فيه فائدة الخبر ولا لازمه، لأن الله علام الغيوب، لأنا نقول، هذا، إنما يكون إذا كان الكلام جارياً على ظاهره. أما إذا عدل عن الظاهر فلا يلزم المحذور المذكور، وههنا المراد التماس إتمام خلقه والدعاء بإفاضة الصورة الكاملة عليه، أو الاستعلام عن ذلك ونحوهما، ومثل هذا كثير، ووقع في القرآن أيضاً في قوله تعالى، حكاية عن أم مريم عليهما السلام: ﴿ربي إني وضعتها أنثى﴾ [آل عمران: ٣٦] فإنه يكون للاعتذار وإظهار التأسف. قوله: ((فإذا أراد أن يقضي)) أي: فإذا أراد الله أن يقضي، أي: أن يتم خلقه، أي: خلق ما في الرحم من النطفة التي صارت علقة، ثم صارت مضغة، ويجيء القضاء بمعنى الفراغ أيضاً. قوله: ((قال)) أي: الملك. قوله: ((أذكر أم أنثى؟)) أي: أذكر هو أم أنثى؟ وقوله: ((ذكر)) مبتدأ أو خبر، فإذا قلنا: خبر، يكون لفظة: هو، المؤخرة مبتدأ، ولا يقال: النكرة لا تقع مبتدأ لأن فيه المسوغ لوقوعها مبتدأ، وهي كونها قد تخصصت بثبوت أحدهما، إذ السؤال فيه عن التعيين فصح الابتداء به، وهو من جملة المخصصات لوقوع المبتدأ نكرة. ويروى: ((أذكراً) بالنصب، فوجهه إن صحت الرواية أي: أتريد أو أتخلق ذكراً؟ قوله: ((شقي أم سعيد؟)) الكلام فيه مثل مے ١٠ ٤٣٧ ٦ - كتاب الحيض / باب (١٧) الكلام في: أذكر أم أنثى، ومعنى شقي: عاص الله تعالى، وسعيد أي: مطيع له. قال الكرماني: ((فإن قلت)) أم، المتصلة ملزومة لهمزة الاستفهام، فأين هي؟ قلت، مقدرة، ووجودها في قرينها يدل عليه كما، هو قول الشاعر: بسبعٍ رمين الجمر أم بثمانٍ i أي: أبسبعٍ: قوله: ((فما الرزق؟» الرزق في كلام العرب: الحظ. قال الله تعالى: ﴿وتجعلون رزقكْم أنكم تكذبون﴾[الواقعة: ٨٢] أي: حظكم من هذا الأمر، والحظ هو: نصيب الرجل وما هو خاص له دون غيره، وقيل: الرزق: كل شيء يؤكل أو يستعمل، وهذا باطل، لأن الله تعالى أمرنا بأن ننفق مما رزقنا فقال: ﴿وأنفقوا مما رزقناكم﴾ [البقرة: ٢٥٤، والمنافقون: ١٠]فلو كان الرزق هو الذي يؤكل لما أمكن إنفاقه. وقيل: الرزق هو ما يملك، وهو أيضاً باطل، لأن الإنسان قد يقول: اللهم ارزقني ولداً صالحاً وزوجة صالحة، وهو لا يملك الولد والزوجة. وأما في عرف الشرع فقد اختلفوا فيه، فقال أبو الحسين البصري: الرزق هو تمكين الحيوان من الانتفاع بالشيء والحظر على غيره أن يمنعه من الانتفاع به، ولما فسرت المعتزلة الرزق بهذا، لا جرم، قالوا: الحرام لا يكون رزقاً. وقال أهل السنة: الحرام رزق لأنه في أصل اللغة، الحظ والنصيب، كما ذكرنا، فمن انتفع بالحرام فذلك الحرام صارٍ حظاً له ونصيباً، فوجب أن يكون رزقاً له. وأيضاً قال الله تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض إلاّ على الله رزقها﴾ [هود: ٦] وقد يعيش الرجل طول عمره لا يأكل إلا من السرقة، فوجب أن نقول: طول عمره لم يأكل من رزقه شيئاً. قوله: ((وما الأجل؟)). ويروى: ((والأجل؟)) بدون كلمة: ما، والأجل: هو الزمان الذي علم الله أن الشخص يموت فيه، أو مدة حياته، لأنه يطلق على غاية المدة وعلى المدة. قوله: ((فيكتب)) على صيغة المعلوم، قيل: الضمير الذي هو فاعله هو الله تعالى. وقيل: يرجع إلى الملك، ويروى على صيغة المجهول، وهذه الكتابة يجوز أن تكون حقيقة لأنه أمر ممكن، والله على كل شيء قدير، ويجوز أن تكون مجازاً عن التقدير. قوله: ((في بطن أمه)) ظرف لقوله: ((يكتب))، وهو المكتوب فيه، والشخص هو المكتوب عليه، كما تقول: كتبت في الدار، فإن: في الدار، ظرف لقولك: كتبت، والمكتوب عليه خارج عن ذلك، والتقدير: أزلي، وهو أمر عقلي محض، ويسمى: قضاء، والحاصل في البطن تعلقه بالمحل الموجود ويسمى قدراً، والمكتوب هو الأمور الأربعة المذكورة. ذكر ما يستنبط منه من الفوائد وغيرها من الأحكام: إعلم أن هذا الحديث جامع لجميع أحوال الشخص، إذ فيه من الأحكام: بيان حال المبدأ، وهو ذاته ذكراً وأنثى. وحال المعاد وهو السعادة والشقاوة وما بينهما، وهو الأجل، وما يتصرف فيه وهو الرزق. وقد جاء أيضاً: ((فرغ الله من أربع من الخَلق والخُلق والأجل والرزق)). و: الخلق، بفتح الخاء إشارة إلى الذكورة والأنوثة، وبضمها السعادة وضدها. وقال المهلب: إن الله تعالى علم أحوال الخلق قبل أن يخلقهم وهو مذهب أهل السنة. وأجمع العلماء أن: الأمة، تكون: أم ولد، بما 7%65 2 مرة i i ٤٣٨ ٦ - كتاب الحيضٍ / باب (١٨) أسقطته من ولد تام الخلق. واختلفوا فيمن لم يتم خلقه من المضغة والعلقة، فقال الأوزاعي ومالك: تكون بالمضغة أم ولد، مخلقة كانت أو غير مخلقة، وتنقضي بها العدة، وعن ابن القاسم: تكون أم ولد بالدم المجتمع، وعن أشهب لا تكون به أم ولد، وتكون بالمضغة والعلقة. وقال أبو حنيفة والشافعي وغيرهما: إن كان قد تبين في المضغة شيء من الخلق أصبع أو عين أو غير ذلك فهي أم ولد، وعلى مثل هذا انقضاء العدة. ثم المراد بجميع ما ذكر من الرزق والأجل والسعادة والشقاوة والعمل والذكورة والأنوثة أنه يظهر ذلك للملك ويؤمر بإنفاذه وكتابته، وإلاّ فقضاء الله وعلمه وإرادته سابق على ذلك. قال القاضي عياض: ولم يختلف أن نفخ الروح فيه يكون بعد مائة وعشرين يوماً، وذلك تمام أربعة أشهر ودخوله في الخامس، وهذا موجود بالمشاهدة، وعليه يعول فيما يحتاج إليه من الأحكام من الاستلحاق ووجوب النفقات، وذلك للثقة بحركة الجنين في الجوف، وقيل: إن الحكمة في عدتها عن الوفاة بأربعة أشهر والدخول في الخامس تحقق براءة الرحم ببلوغ هذه المدة إذا لم يظهر حمل. ونفخ الملك في الصورة سبب لخلق الله عنده فيها الروح والحياة، لأن النفخ المتعارف، إنما هو إخراج ريح من النافخ فيصل بالمنفوخ فيه، فإن قدر حدوث شيء عند ذلك النفخ فذلك بإحداث الله تعالى لا بالنفخ، وغاية النفخ أن يكون سبباً عادة لا موجباً عقلاً، وكذلك القول في سائر الأسباب المعتادة. ١٨ - بابُ كَيفَ تُهِلُّ الحائِضُ بِالحَجّ والعُمْرَةِ أي: هذا باب في بيان كيفية إهلال الحائض بالحج أو العمرة، والمراد من الكيفية: الحال من الصحة والبطلان والجواز وغير الجواز، فكأنه قال: باب صحة إهلال الحائض بالحج أو بالعمرة، أو: باب جوازها. والمقصود من الصحة أعم من أن تكون في الابتداء أو في الدوام. والمناسبة بين البابين من حيث إن البخاري أراد من وضع الباب السابق الإشارة إلى أن الحامل لا تحيض، وهو حكم من أحكام الحيض. وفي هذا الباب أيضاً حكم من أحكام الحيض، وفيه نوع من تعسف، وفي بعض النسخ هذا الباب قد ذكر قبل الباب السابق. ٣١٩/٢٤ - حدّثنا يَحْيَى بِنُ بُكَيْرٍ قال حدّثنا اللَّيثُ عنْ عُقَيْلٍ عِنْ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عَائِشَةً قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ عَلَّهِ فِي حَّةِ الوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مِنْ أَهَلَّ بِحَجّ فَقَدِمْنَا مَكَّةَ فقالَ رسولُ اللهِ عَ لْلِ مَنْ أَخْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ فَلْيُخْلِلْ ومِنْ أَخْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَي فَلاَ يَجِلُّ حتَّى يَحلَّ بِنَخرِ هَذِيه وِمَنْ أَهَلَّ بِحَجّ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ قَالَتْ فَحِضْتُ فَلَمْ أَزَلْ حائِضاً حتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَة وَلَمْ أَهْلِلْ إلَّ بِعُمْرَةٍ فَأَمَرَنِي النبيُّ عَلَّهِ أَنْ أَنْقُضَ رَأْسِي وأمْتَشِطَ وأُهِلَّ بِحَجْ وَأَنْزِكَ الْعُمْرَةَ فَفَعَلْتُ ذَلِكَ حتَّى قَضَيْتُ حَجِّي فَبَعَثَ معِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ ابنَّ أَبِي بَكْرٍ وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَمِرَ مَكَانَ عُمْرَتِي منَ التَنْعِيم. [انظر الحديث ٢٩٤ وأطرافه] مطابقته للترجمة في قولها: ((وأهل بحج)) فإن فيه إهلال الحائض بالحج، لأن عائشة ٤٣٩ ٦ - كتاب الحيضِ / باب (١٩) كانت حائضة حين أهلت بالحج. وعلى قول من قال: إنها كانت قارنة، كانت المطابقة أظهر لأنها أحرمت بالحج وهي حائض، وكانت معتمرة فلهذا قالت: ((أمرني رسول الله عَ لهم أن أترك العمرة)، وترك الشيء لا يكون إلا بعد وجوده. ذكر رجاله وهم ستة: الأول: يحيى بن بكير، بضم الباء الموحدة وفتح الكاف وسكون الياء آخر الحروف. الثاني: الليث بن سعد. الثالث: عقيل، بضم العين المهملة وفتح القاف: بن خالد بن عقيل، بفتح العين: الأيلي. الرابع: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. الخامس: عروة بن الزبير بن العوام. السادس: عائشة، رضي الله تعالى عنها. ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: أن رواته ما بين بصري وأيلي ومدني. وهذا الحديث أخرجه مسلم في المناسك، ويأتي بزيادة في الحج إن شاء الله تعالى. قولها: ((في حجة الوداع))، بفتح الواو وكسرها، وكانت حجة الوداع في سنة عشر من الهجرة. قولها: ((ومنا من أهل بحجة)) بفتح، الحاء وكسرها، وهو بالتاء رواية المستملي ورواية غيره: ((بحج)). قولها: ((فقدمنا)) بكسر الدال. قولها: ((ولم يهد)) بضم الياء: من الإهداء، وهو جملة وقعت حالاً. قوله: ((فليحلل))، بكسر اللام من الثلاثي، وفي مثل هذه المادة يجوز الإدغام وفكه. قوله: ((حتى يحل نحر هديه))، يعني يوم العيد، ويروى: ((حتى يحل بنحر هديه))، بزيادة: الباء، لا يقال: إنه متمتع، فلا بد له من تحلله عن العمرة، ثم إحرامه بالحج قبل الوقوف لأنا نقول: لا يلزم أن يكون متمتعاً لجواز أن يدخل الحج في العمرة فيصير قارناً فلا يتحلل. قوله: ((ومن أهل بحجة))، كذا هو في رواية المستملي والحموي. وفي رواية غيرهما: ((بحج))، بدون التاء، ومعناه: أهلَّ بحجة ونوى الإفراد، سواء كان معه هدي أو لا. ولهذا لم يقيد: بلم يهد، ولا: بأهدى. قولها: ((حتى كان يوم عرفة)) برفع: يوم، و: كان، تامة. قوله: ((وأترك العمرة)، صريح بفسخ العمرة، وهو حجة على الشافعية. قولها: ((حتى قضيت حجتي)). ويروى: ((حجي). قولها: ((فأمرني))، بفاء العطف، ويروى: ((أمرني))، بدون الفاء. قولها: ((من التنعيم)) يتعلق بقوله: ((أن أعتمر)). i رف i وقال ابن بطال: فيه أن الحائض تهل بالحج والعمرة وتبقى على إحرامها، وتفعل ما يفعل الحاج كله غير الطواف، فإذا طهرت اغتسلت وطافت وأكملت حجها، وأمر النبي عَ ◌ّه. أن تنقض شعرها وتمتشط وهي حائض ليس للوجوب، وإنما ذلك لإهلالها بالحج، لأن من سنة الحائض والنفساء أن يغتسلا له، والله تعالى أعلم. ١٩ - بابُ إقبالِ المَحِيضِ وإذبارِهِ أي: هذا باب في بيان إقبال الحيض وإدباره. وقال ابن بطال: إقبال الحيض هو الدفعة i i /١ ٤٤٠ ٠٠. ١٠٠٠ ٦ - كتاب الحيض / باب (١٩) من الدم، وإدباره إقبال الطهر. وعند أصحابنا الحنفية: علامة إدبار الحيض وانقطاعه الزمان والعادة، فإذا أخلت عادتها تحرت، وإن لم يكن لها ظن أخذت بالأقل. والمناسبة بين البابين من حيث وجود حكم الحيض في كل منهما. وكُنَّ نِسَاءٌ يَبْعَثْنَ إلى عائِشَةَ بِالدُّجَةِ فِيها الكُرْسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةَ فَتَقُولُ لا تغْجَلْنَ حتَّى تَرَيْنَ القَصةَ البَيْضَاءَ تُرِيدُ بِذَلِكَ الطَّهْرَ مِنَ الحَيْضَةِ ·بع مطابقته للترجمة في قولها: ((حتى ترين القصة البيضاء))، فإنها علامة إدبار الحيض، وهذا الأثر ذكره مالك في (الموطأ) فقال: عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه مولاة عائشة أنها قالت: ((كان النساء يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الكرسف فيها الصفرة من دم الحيض يسألنها عن الصلاة فتقول لهن: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء، تريد الطهر من الحيضة)). وقال ابن حزم: خولفت أم علقمة بما هو أقوى من روايتها، واسم: أم علقمة، مرجانة سماها ابن حبان في (كتاب الثقات). وقال العجلي: مدنية تابعية ثقة. وفي (التلويح): كذا ذكره البخاري هنا معلقاً مجزوماً، وبه تعلق النووي فقال: هذا تعليق صحيح لأن البخاري ذكره بصيغة الجزم، وما علم أن هذه العبارة قد لا تصح كما سبق بيانه في كثير من التعليق المجزوم به عند البخاري، ولو نظر كتاب (الموطأ) لمالك بن أنس لوجده قد قال: عن علقمة إلى آخره، ولو وجده ابن حزم لما قال: خولفت أم علقمة بما هو أقوى من رواياتها. قلت: حاصل كلامه أنه يرد على النووي في دعواه الجزم به، ولهذا قال ابن الحصار: هذا حديث أخرجه البخاري من غير تقييد. ١٠٠٠٠ قوله: ((وكن نساء))، بصيغة الجمع للمؤنث، وفيه ضمير يرجع إلى النساء، ويسمى مثل هذا الضمير بالضمير المبهم، وجوز ذلك بشرط أن يكون مشعراً بما بعده، فإذا كان كذلك لا يقال: إنه إضمار قبل الذكر. قوله: ((نساء)، بالرفع لأنه بدل من الضمير الذي في: وكن، وهذا على لغة: أكلوني البراغيث. وفائدة ذكره بعد أن علم من لفظ كن إشارة إلى التنويع، والتنوين فيه يدل عليه. والمراد أن ذلك كان من بعضهن لا من كلهن. وقال بعضهم: والتنكير في النساء للتنويع. قلت: إن لم يكن هذا مصحَّفاً من الناسخ فهو غلط لأنه ما ثم كسر في النساء، وإنما فيه الرفع كما ذكرنا، أو النصب على الاختصاص، لا يقال: إنه نكرة وشرط النصب على الاختصاص أن يكون معرفة، لأنا نقول: جاء نكرة كما جاء معرفة. وقال الهذلي: وشعئاً مراضيع مثل السعالي ويأوي إلى نسوة عطل قوله: ((بالدرجة))، بضم الدال وسكون الراء. قاله ابن قرقول. وقيل بكسر الدال وفتح الراء، وعند الباجي بفتح الدال والراء. قال ابن قرقول: وهي بعيدة عن الصواب. وقال أبو المعاني في كتاب (المنتهى): والدرج، بالتسكين: خفش النساء، والدرجة شيء يدرج فيدخل