النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
٥ - كتاب الغسل / باب ( ٢٠)
كالشعوب من العجم، والقبائل من العرب، وموسى عليه الصلاة والسلام، من ذرية لاؤي، وهو
موسى بن عمران بن فاهث بن لاؤي. قوله: ((آدر))، زعم ثعلب في (الفصيح) أنه كآدم، وقال
كراع في (المنتخب) الأدرة، على مثال فعلة، فتق يكون في إحدى الخصيتين، وقال علي بن
حمزة فيما ذكره ابن عميس يقال أُدرة وأَدرة بالضم والفتح وإسكان الدال، وبالفتح والتحريك
وفي (المخصص) لابن سيده الإدرة الخصية العظيمة إدر الرجل أدراً، وقيل: الأدر: الذي
ينفتق سفاقه فيقع قصبه في صفنه، ولا ينفتق إلاَّ من جانبه الأيسر، وقد تأدر الرجل من داء
يصيبه، والشرج ضده وفي (المحكم) الأدر والمأدور الذي ينفتق صفاقه، وقيل: هو أن يصيبه
فتق في إحدى الخصيتين، ولا يقال: امرأة أدراء إما لأنه لم يسمع، وإما أن يكون لاختلاف
الخلقة، وقد أدر إدراه، والاسم الأدرة وقيل: الخصية الأدراء العظيمة من غير فتق، وفي
(الجامع) الأدرة والأدر مصدران، واسم المنتفخة الأدرة. وقيل: أدر الرجل يأدر. إذا أصابه
ذلك. وفي (الصحاح) الأدرة نفخة في الخصية، يقال: رجل أدر بين الأُدر، وفي (الجمهرة) هو
العظيم الخصيتين. قوله: ((فخرج)) وفي رواية فجمح موسى، زعم ابن سيده أنه يقال: جمح
الفرس بصاحبه جمحاً وجماحاً ذهب يجري جرياً عالياً، وكل شيء مضى ليس على وجهه
فقد جمع قال نفطويه، الداية الجموح هي التي تميل في أحد شقيها وفي (التهذيب) لأبي
منصور: فرس جموح، إذا ركب فلم يرد اللجام رأسه، وهذا ذم، وفرس جموح أي: سريع،
وهذا مدح. قوله: ((في إثره) بكسر الهمزة وسكون الثاء المثلثة. وقال كراع إثر الشيء واثره
واثره، بمعنى وقال في (المنتخب) بوجهيه إثر واثر واثر وفي (الواعي) الأثر محركة هو ما يؤثر
الرجل بقدمه في الأرض. قوله: ((ثوبي يا حجر)) أي: أعطني ثوبي، وإنما خاطبه لأنه أجراه
مجرى من يعقل لكونه فر بثوبه، فانتقل عنده من حكم الجماد إلى حكم الحيوان، فناداه فلما
لم يطعه ضربه، وقيل: يحتمل أن يكون موسى، عليه السلام، أراد أن يضربه إظهاراً للمعجزة
بتأثير ضربه، ويحتمل أن يكون عن وحي لإظهار الإعجاز، ومشي الحجر إلى بني إسرائيل
بالثوب أيضاً معجزة أخرى لموسى عليه السلام. قوله: ((بالحجر ضرباً)) كذا هو في رواية
الأكثرين، وفي رواية الكشميهني والحموي: ((فطفق الحجر))، وسنذكر إعرابه قوله: (((ندب))
بفتح النون وفتح الدال وفي آخره باء موحدة. قال أبو المعالي في (المنتهى) الندب أثر
الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد، وجرح نديب ذو ندب، وقد انتدبته. جعلته في جسمه ندباً
وأثراً، والجمع أنداب وندوب. وفي (المحكم) عن أبي زيد، والجمع ندب، وقيل: الندب
واحد، وندب ظهره ندباً وندوبه وندوباً فهو ندب، صارت فيه ندوب، وأندب بظهره وفي
ظهره غادر فيه ندوباً وفي (الاشتقاق) للرماني عن الأصمعي: هو الجرح إذا بقي منه أثر
مشرف، يقال: ضربه حتى أندبه.
ذكر إعرابه قوله: ((بنو إسرائيل)) لفظ بنو جمع السلامة أصله بنون لكنه على خلاف
القياس لوقوع التغير في مفرده، وأما التأنيث في الفعل فعلى قول من يقول: حكم ظاهر الجمعِ
مطلقاً حكم ظاهر غير الحقيقي، فلا إشكال وأما على قول من يقول: كل جمع مؤنث إلاّ
جوة
i
P
i
!
i
i

٣٤٢
٠w.
٥ - كتاب الغسل / باب (٢٠)
جمع السلامة المذكر فتأنيثه أيضاً عنده على خلاف القياس أو باعتبار القبيلة. قوله: ((عراة))
جمع عارٍ كقضاة جمع قاضٍ، وانتصابها على الحال. قوله: ((ينظر إلى بعض)) جملة فعلية
وقعت حالاً قوله: ((يغتسل)) جملة وقعت حالاً، وهي حال منتظرة. قوله: ((يقول)) جملة من
الفعل والفاعل حال. قوله: ((ثوبي)) مفعول فعل محذوف تقديره، رد ثوبي أو أعطني ثوبي.
قوله: (من بأس)) كلمة من زائدة، وهو اسم كان على تقدير: ما كان بموسى من بأس، وفي
أكثر النسخ ما بموسى، فعلى هذا، من بأس اسم ما. قوله: ((فطفق الحجر)) بنصب: الحجر،
وهي رواية الكشميهني والحموي. وطفق من أفعال المقاربة: بكسر الفاء وفتحها لغتان:
والحجر، منصوب بفعل مقدر وهو: يضرب، أي: طفق يضرب الحجر ضرباً وفي رواية
الأكثرين: ((فطفق بالحجر)، بزيادة الباء، ومعناها: جعل ملتزماً بذلك يضربه ضرباً.
واعلم أن أفعال المقاربة ثلاثة أنواع: الأول: ما وضع للدلالة على قرب الخبر، وهو
ثلاثة، نحو: كاد وكرب وأوشك. الثاني: ما وضع للدلالة على رجائه، وهي ثلاثة، نحو:
عسى واخلولق وحرى. الثالث: ما وضع للدلالة على الشروع فيه، وهو كثير. ومنه، طفق،
وهذه كلها ملازمة لصيغة الماضي إلاَّ أربعة فاستعمل لها مضارع وهي: كاد وأوشك، وطفق،
وجعل واستعمل مصدر لاثنين وهما: طفق وكاد، وحكى الأخفش طفوقاً، عمن قال: طفق
بالفتح، وطفقاً عمن قال: طفق بالكسر. قوله: ((قال أبو هريرة)) قال بعضهم: هو من تتمة
مقول همام وليس بمعلق وقال الكرماني: قوله: قال بأحد الأمرين غير مقطوع به. قوله: ((ستة))
بالرفع على البدلية أي: ستة آثار، أو هو منصوب على التمييز، وكذلك: ضرباً تمييز فافهم.
ذكر استنباط الأحكام فيه: دليل على إباحة التعري في الخلوة للغسل وغيره بحيث
يأمن أعين الناس. وفيه: دليل على جواز النظر إلى العورة عند الضرورة الداعية إليه من مداواة
أو براء من العيوب أو إثباتها، كالبرص وغيره مما يتحاكم الناس فيها مما لا بد فيها من رؤية
البصر بها. وفيه: جواز الحلف على الإخبار، كحلف أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه. وفيه:
دلالة على معجزة موسى، عليه الصلاة والسلام، وهو: مشي الحجر بثوبه إلى ملأ من بني
إسرائيل ونداؤه، عليه الصلاة والسلام، للحجر، وتأثير ضربه فيه. وفيه: دليل على أن الله
تعالى كمل أنبياءه خلقاً وخلقا، ونزههم عن المعايب والنقائص. وفيه: ما غلب على موسى
عٍَّ من البشرية حتى ضرب الحجر. فإن قلت: كشف العورة حرام في حق غير الأنبياء،
عليهم الصلاة والسلام، فكيف الذي صدر من موسى عَ ليه؟ قلت: ذاك في شرعنا، وأما في
شرعهم فلا، والدليل عليه أنهم كانوا يغتسلون عراة وموسى عَّله يراهم لا ينكر عليهم، ولو
كان حراماً لأنكره. فإن قلت: إذا كان كذلك فلم، كان موسى ينفرد في الخلوة عند الغسل؟
قلت: إنما كان يفعل ذلك من باب الحياء، لا أنه كان يجب عليه ذلك، ويحتمل أنه كان
عليه مئزر رقيق فظهر ما تحته لما ابتل بالماء، فرأوا أنه أحسن الخلق، فزال عنهم ما كان في
نفوسهم. فإن قلت: ما هذا الحجر؟ قلت: قال سعيد بن جبير: الحجر الذي وضع موسى
عَِّ ثوبه عليه هو الذي كان يحمله معه في الأسفار فيضربه فيتفجر منه الماء، والله أعلم.

، مؤ تـ
٣٤٣
٥ - كتاب الغسل / باب ( ٢٠)
... /٢٧٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِي عَ لّ قَالَ: ((بَيْنَا أَيُوبُ يَغْتَسِلُ عُزْيَاناً فَخَرَّ عَلَيْهِ
جِرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحتَثِي ثَوْبَهُ فَتَادَاهُ رَبُّهُ يَا أَيُوبُ أَلَمْ أَكُنْ أَغْتَيْتُكَ عَمَّا تَرَى قَالَ
بَلَى وَعِزَّتِكَ وَلَكِنْ لا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ)). [الحديث ٢٧٩ - طرافاه في: ٣٣٩١، ٧٤٩٣].
هذا معطوف على الإسناد الأول، وقد صرح أبو مسعود وخلف فقالا في أطرافهما: إن
البخاري رواه لههنا عن إسحاق بن نصر، وفي أحاديث الأنبياء عن عبد الله بن محمد
الجعفي، كلاهما عن عبد الرزاق، رواه أبو نعيم الأصبهاني عن أبي أحمد ابن شيرويه، حدّثنا
إسحاق أخبرنا عبد الرزاق فذكره وذكر أن البخاري رواه عن إسحاق بن نصر عن عبد الرزاق،
وأورد الإسماعيلي حديث عبد الرزاق عن معمر، ثم لما فرغ منه قال: ((عن أبي هريرة قال:
قال رسول الله عَّل بينا أيوب يغتسل)) الحديث. وقال بعضهم: وجزم الكرماني بأنه تعليق
بصيغة التمريض، فأخطأ فإن الخبرين ثابتان في نسخة همام بالإسناد المذكور. قلت:
الكرماني لم يجزم بذلك، وإنما قال: تعليق بصيغة التمريض بناء على الظاهر لأنَّه لم يطلع
على ما ذكرنا. قوله: ((بينا)) بالألف أصله: بين بلا الألف، زيدت الألف فيه لإشباع الفتحة،
والعامل فيه قوله: ((خر)) وما قيل: إن ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبله لأن فيه معنى الجزائية. إذ
تبين، متضمن للشرط، فجوابه: لا نسلم عدم عمله، لا سيما في الظرف إذ فيه توسع،
والعامل: خر، المقدر، والمذكور مفسر له، وما قيل: إن المشهور دخول إذ وإذا في جوابه
فجوابه كما أن إذا تقوم مقام الفاء في جواب الشرط نحو. قوله: ﴿وإن تصبهم سيئة بما
قدمت أيديهم إذا هم يقنطون﴾ [الروم: ٣٦] تقوم الفاء، مقام: إذا في جواب: بين، فبينهما
معاوضة. قوله: ((أيوب)) اسم أعجمي، وهو ابن أموص بن زراح بن عيص بن إسحاق بن
إبراهيم عليهم الصلاة والسلام، وهذا هو المشهور. وقال بعضهم: أيوب بن أحوص بن زيرح
ابن زعويل بن عيص بن إسحق وقال آخرون أيوب بن موسى بن زراخ بن روم بن عیص بن
إسحق وأمه بنت لوط عليه الصلاة والسلام وكان أيوب في زمان يعقوب، وقال ابن الكلبي:
كانت منازله الثنية من أرض الشام والجابية من كورة دمشق وكان الجميع له، ومقامه بقرية
تعرف بدير أيوب، وقبره بها وإلى هلم جرا، وهي قرية من نوى عليه مشهد، وهناك قدم في
حجر يقولون إنها أثر قدمه، وهناك عين يتبرك بها، وكان أعبد أهل زمانه وعاش ثلاثاً وتسعين
سنة. قوله: ((يغتسل)) جملة في محل الرفع لأنها خبر المبتدأ. وهو قوله: ((أيوب)). والجملة
في محل الجر بإضافة بين: إليه. قوله: ((عرياناً) نصب على الحال، ومصروف لأنه فعلان
بالضم، بخلاف فعلان بالفتح، كما عرف في موضعه. قوله: ((جراد)» بالرفع فاعل: خر، قال
ابن سيده: الجراد معروف: قال أبو عبيد قيل: هو سروة، ثم دبا، ثم غوغا، ثم كتفان، ثم
خيفان، ثم جراد. وقال أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل الأجواني: أول ما يكون الجراد دبا،
ثم يكون غوغاً إذا ماج بعضه في بعض، ثم يكون كتفاناً، ثم يصير خيفاناً إذا صارت فيه
خطوط مختلفة، الواحدة خيفانة، ثم يكون جراداً وقيل: الجراد الذكر والجرادة الأنثى، ومن
كلامهم: رأيت جراداً على جرادة، كقولهم: رأيت نعاماً على نعامة وفي (الصحاح) الجراد
i
i
i

٠٠٠
٣٤٤
٥ - كتاب الغسل / باب (٢٠)
معروف، والواحدة الجرادة، يقع على الذكر والأنثى وليس الجراد بذكر للجرادة: إنما هو اسم
جنس كالبقر والبقرة، والتمر والتمرة، والحمام والحمامة، وما أشبه ذلك، فحق مؤنثه أن لا
يكون مؤنثه من لفظه لئلا يلتبس الواحد المذكر بالجمع، وقال ابن دريد في (الجمهرة) سمي
جراد لأنه يجرد الأرض، فإنه يأكل ما عليها، وكذا هو في (الاشتقاق) للرماني. قوله:
((يحتثي)) من باب الافتعال من الحث، بفتح الحاء المهملة، وسكون الثاء المثلثة. قال ابن
سيده الحثي، ما رفعت به يديك يقال: حتى يحثي ويحثو، والياء أعلى، وزعم ابن قرقول أنه
يكون باليد الواحدة أيضاً. وفي (الصحاح) حتى في وجهه التراب يحثو. ويحثي حثواً وحثياً
وتحثياً، وحثوت له إذا أعطيته شيئاً يسيراً، ويقال: الحثية باليدين جميعاً عند أهل اللغة. وقال
الكرماني: يحتثي أي: يرمي. يعني: يأخذ ويرمي في ثوبه، وقال بعضهم: وقع في رواية
القابسي عن زيد: يحتثن، بنون في آخره بدل الياء. قلت: أمعنت النظر في كتب اللغة فما
وجدت له وجهاً في هذا. قوله: «فناداه ربه» يحتمل أن يكون كلمه كما كلم موسى وهو
أولى بظهر اللفظ، ويحتمل أن يرسل إليه ملكاً فسمى هذا بذلك. قوله: ((بلى)) أي: بلى.
أغنيتني. وقال الكرماني: ولو قيل في مثل هذه المواضع بدل: بلى نعم، لا يجوز، بل يكون
كفر. قلت: لأن: بلى مختصة بإيجاب النفي، ونعم مقررة لما سبقها والمراد في قوله تعالى:
﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] أنت ربنا وقال المفسرون: لو قالوا نعم لكفروا.
والفقهاء لم يفرقوا في الأقارير لأن مبناها على العرف، ولا فرق بينهما في العرف. قوله: ((لا
غنى بي)) قال بعضهم: لا غنى بالقصر بلا تنوين على أن لا بمعنى: ليس قلت: هذا القائل لم
يدر الفرق بين لا، بمعنى ليس، وبين، لا التي لنفي الجنس، فإذا كانت بمعنى: ليس، فهو
منون مرفوع، وإذا كانت بمعنى: لا، لنفي الجنس يكون مبنياً على ما ينصب به، ولا ينوّن
ويجوز لههنا الوجهان، ولا فرق بينهما في المعنى، لأن النكرة في سياق النفي تفيد العموم.
وقال صاحب (الكشاف) في أول البقرة، قرىء: ﴿لا ريب﴾ [البقرة: ٢] بالرفع، والفرق بينها
وبين القراءة المشهورة أن المشهورة توجب الإستغراق وهذه تجوزه. فإن قلت: خبر: لا ما
هو؟ هل هو لفظ: بي أو: عن بركتك؟ قلت: يجوز كلاهما، والمعنى صحيح على التقديرين.
قوله: ((عن بركتك)) البركة كثرة الخير.
:/
ومما يستنبط منه ما قاله ابن بطال: جواز الاغتسال عرياناً، لأن الله تعالى عاتب
أيوب، عليه السلام، على جمع الجراد، ولم يعاتبه على الاغتسال عرياناً. وفيه: جواز الحلف
بصفة من صفات الله تعالى، وقال الداودي: فيه فضل الكفاف على الفقر، لأن أيوب، عليه
السلام، لم يكن يأخذ ذلك مفاخراً ولا مكاثراً، وإنما أخذه ليستعين به فيما لا بد منه، ولم
يكن الرب، جل وعلا، ليعطيه ما ينقص به حظه. وفيه: الحرص على الحلال. وفيه: فضل
الغنی لأنه سماه بركة.
وَرَوَّاهُ إِنْرَاهِيمُ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ صَفْوَانَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ
النَّبِيِّ عَلَِّ قَالَ: ((بَيْنَا أَيُوبُ يَغْتَسِلُ عُزْيَانً))

٣٤٥
٥ - كتاب الغسل / باب (٢١)
أي: روى هذا الحديث المذكور إبراهيم: وهو ابن طهمان، بفتح الطاء الخراساني أبو
سعيد، مات بمكة سنة ثلاث وستين ومائة عن موسى بن عقبة، بضم العين وسكون القاف،
وفتح الباء الموحدة، التابعي، تقدم في باب الوضوء عن صفوان بن سليم، بضم السين المهملة
وفتح اللام التابعي المدني أبو عبد الله الإمام القدوة، يقال: إنه لم يضع جنبه على الأرض
أربعين سنة، وكان لا يقبل جوائز السلطان. وقال أحمد: يستنزل بذكره القطر، مات بالمدينة
عام اثنين وثلاثين ومائة، عن عطاء بن يسار، ضد اليمين تقدم في باب كفران العشير، وهذه
الرواية موصولة، أخرجها النسائي عن أحمد بن حفص عن أبيه عن إبراهيم به. وأخرجه
الإسماعيلي فقال: حدّثنا أبو بكير بن عبيد الشعراني وأبو عمرو أحمد بن محمد الحيري
قالا: حدّثنا أحمد بن حفص حدّثني أبي حدّثني إبراهيم عن موسى بن عقبة إلخ ولما ذكره
الحميد. قال عطاء، تعليقاً عن أبي هريرة، ثم قال: لم يزدّ يعني البخاري على هذا الحديث
من رواية عطاء، وقد أخرجه ولم يذكر اسم شيخه وأرسله. وقال الكرماني: فإن قلت: لم أُخّر
الإسناد عن المتن؟ قلت: لعل له طريقاً آخر غير هذا، وتركه وذكر الحديث تعليقاً لغرض من
الأغراض التي تتعلق بالتعليقات، ثم قال: ورواه إبراهيم إشعاراً بهذا الطريق الآخر، وهذا أيضاً
تعليق لأن البخاري لم يذكر عصر إبراهيم ثم إن المحدثين كثيراً منهم يذكر الحديث أولاً
ثم يأتي بالإسناد لكن الغالب عكسه.
ومن لطائف إسناده: أن فيه: العنعنة في أربعة مواضع. وأن فيه: رواية تابعي عن تابعي.
فإن قلت: قوله: ((بينا أيوب)) ما وقع من أنواع الكلام؟ قلت: هو بدل من الضمير المنصوب
في رواية إبراهيم.
٢١ - بابُ التَّسَتُِّ فِي الغُسْلِ عِنْدَ النَّاسِ
أي: هذا باب في بيان التستر إلى آخره، ويروى، من الناس.
والمناسبة بين البابين من حيث إنه لما بين حكم التعري في الخلوة شرع لههنا يبين
التستر عند الناس.
i
i
٢٨٠/٣١ - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بِنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكِ عَنْ أبي النَّصْرِ مَوْلَى عُمَرَ بنِ عُبَيْدٍ
اللَّهِ أنّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى أُمّ هانىءٍ بِنْتِ أبي طالِبٍ أُخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَمَّ هَانِىءٍ بِنْتَ أبي طالِبٍ تَقُولُ
ذَهَبْتُ إِلَى رسولِ اللَّهِ عَ لَّهِ عامَ الفَتْحِ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلْ وَفَاطِمَةُ تَسْتُرُهُ فَقَالَ: ((مَنْ هَذِهِ) فَقُلْتُ
أَنَّا أُمُ هَانِىءٍ. [الحديث ٢٨٠ - أطرافه في: ٣٥٧، ٣١٧١، ٦١٥٨].
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله وهم خمسة: الأول: عبد الله بن مسلمة، بفتح الميم واللام، تقدم في
باب من الدين الفرار من الفتن. الثانى: مالك بن أنس الإمام، تقدم هناك أيضاً. الثالث: أبو
النضر، بفتح النون وسكون الضاد المعجمة واسمه سالم بن أبي أمية، مولى عمر، بدون الواو،
ابن عبيد الله، بالتصغير، التابعي تقدم في باب المسح على الخفين. الرابع: أبو مرة بضم
وحدة

٣٤٦
٥ - كتاب الغسل / باب (٢١)
الميم وتشديد الراء، تقدم في باب من قعد حيث ينتهي به المجلس. فإن قلت: ذكر فيه أنه
مولى عقيل بن أبي طالب قلت هو مولى أم هانىء ولكن ملازمته وكثرة مصاحبته لعقيل نسب
إليه وقيل كان لهما. الخامس: أم هانىء، بالنون وبهمزة في آخره، وكنيت باسم ابنها،
واسمها: فاختة، وقيل: عاتكة بالعين المهمة، وبالتاء المثناة من فوق، وقيل فاطمة، وقيل:
هند، وهي أخت علي، رضي الله تعالى عنهما، وروي لها ستة وأربعون حديثاً.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والعنعنة في
موضع واحد. وفيه: الإخبار بصيغة الإفراد. وفيه: السماع والقول. وفيه: رواية التابعي عن
التابعي عن الصحابية، وأن رواته مدنيون.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري في الأدب أيضاً عن عبد الله بن
مسلمة، وأخرجه في الصلاة عن إسماعيل بن أويس، وأخرجه في الجزية عن عبد الله بن
يوسف، ثلاثتهم عن مالك وأخرجه مسلم في الطهارة، وفي الصلاة عن يحيى بن يحيى عن
مالك به، وفي الطهارة أيضاً عن محمد بن رمح عن ليث عن يزيد بن أبي حبيب، وعن أبي
كريب عن أبي أسامة عن الوليد بن كثير عن سعيد بن أبي هند عن أبي مرة عن أم هانى به
مختصراً وفي الصلاة أيضاً عن حجاج ابن الشاعر عن معلى بن أسد عن وهب بن خالد عن
جعفر بن محمد عن أبيه عن أبي مرة عن أم هانىء به مختصراً، وأخرجه الترمذي في
الاستئذان عن إسحاق بن موسى عن معن عن مالك به مختصراً، وقال: صحيح، وفي السير
عن أبي الوليد الدمشقي وهو أحمد بن عبد الرحمن بن بكار عن الوليد بن مسلم عن ابن
أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي مرة عن أم هانىء. وأخرجه النسائي في الطهارة عن
يعقوب بن إبراهيم عن ابن مهدي عن مالك نحو حديث معن، وفي السير عن إسماعيل بن
مسعود عن خالد بن الحارث عن ابن أبي ذئب نحو حديث الوليد، وأخرجه ابن ماجة في
الطهارة عن محمد بن رمح.
ذكر بقية الكلام قوله: ((عام الفتح)) أي: فتح مكة. وكان في رمضان سنة ثمان.
قوله: ((يغتسل)) جملة في محل نصب على أنها مفعول ثان لوجدت. قوله: ((وفاطمة تستره)).
جملة إسمية ومحلها النصب على الحال، وفاطمة هي بنت النبي عَّ لم تقدم ذكرها في باب
غسل المرأة أباها الدم. قوله: ((فقال من هذه))، يدل على أن الستر كان كثيفاً، وعرف أيضاً
أنها امرأة لكون ذلك الموضع لا يدخل عليه فيه الرجال.
ومما يستنبط منه. وجوب الاستتار في الغسل عن أعين الناس، فكما لا يجوز لأحد
أن يبدي عورته لأحد من غير ضرورة، فكذلك لا يجوز له أن ينظر إلى فرج أحد من غير
ضرورة، واتفق أئمة الفتوى، كما نقله ابن بطال، على أن من دخل الحمام بغير مئزر أنه
تسقط شهادته بذلك، وهذا قول مالك والثوري وأبي حنيفة وأصحابه، والشافعي واختلفوا إذا
نزع مئزره ودخل الحوض وبدت عورته عند دخوله. فقال مالك والشافعي: تسقط شهادته
بذلك أيضاً، وقال أبو حنيفة والثوري لا تسقط شهادته بذلك، وهذا يعذر به لأنه لا يمكن
محمر

٢جم
٣٤٧
٥ - كتاب الغسل / باب (٢٢)
التحرز عنه. قال: وأجمع العلماء على أن للرجل أن يرى عورة أهله وترى عورته. وفيه: ما قال
الثوري: فيه دليل على جواز اغتسال الإنسان بحضرة امرأة من محارمه إذا كان يحول بينه
وبينها ساتر من ثوب أو غيره.
٢٨١/٣٢ - حدّثنا عَبْدَانُ قالَ أُخْبَرنا عَبْدُ اللَّهِ قال أخبرنا سُفْيَانُ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ
سَالِمٍ بنِ أبي الجَعْدِ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ قالتْ سَتَرْتُ النَّبِيَّ عَ لّهِ وَهُوَ
يَغْتَسِلُ مِنَ الجَنَابَةِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَغَسَلَ فَوْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ ثُمَّ مَسَحَ
بِيَدِهِ عَلى الحَائِطِ أوْ الأَرْضِ ثُمَّ تَوَضَأَ وُضُوءَةُ لِلصَّلاَةِ غَيْرَ رَجْلَيْهِ ثُمَّ أَفَاضَ عَلى جَسَدِهِ المَاءَ
ثُمَّ تَنَخَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ. [انظر الحديث ٢٤٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((سترت رسول الله عَّال))، وقد قلنا إن البخاري ذكر حديث
ميمونة هذا في ثمانية مواضع، وهذا هو الثامن، وقد تقدم هذا في أول الغسل غير أن بينه
وبين سفيان الثوري هناك واحداً وهو شيخه محمد بن يوسف، ولههنا بينه وبين سفيان الثوري
اثنان: إحداهما هو شيخه عبدان، والآخر: عبد الله بن المبارك.
وقد ذكرنا ما فيه من أنواع ما يتعلق به مستقصى.
تلبَعَهُ أَبُو عَوَانَةَ وابنُ فُضَيْلٍ فِي السَّتْرِ
أي: تابع سفيان أبو عوانة الوضاح اليشكري في الرواية عن الأعمش، وقد ذكر
البخاري هذه المتابعة في باب من أفرغ بيمينه حيث قال: حدّثنا موسى بن إسماعيل. قال:
حدّثنا أبو عوانة حدّثنا الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن كريب مولى ابن عباس عن ابن
عباس عن ميمونة الحديث. قوله: ((وابن فضيل)) أي: وتابعه أيضاً محمد بن فضيل بن غزوان
في الرواية عن الأعمش، وروايته موصولة في (صحيح) أبي عوانة الأسفرائني نحو رواية أبي
عوانة البصري. قوله: ((في الستر)) وفي بعض النسخ في التستر أراد تابعاً سفيان في لفظ
((سترت النبي
٢٢ - بابٌ إذَا اخْتَلَمَتِ المَرْأَةُ
أي: هذا باب ما يكون فيه من الحكم إذا احتلمت المرأة، والاحتلام من الحلم، وهو
عبارة عما يراه النائم في نومه من الأشياء، يقال: حلم، بالفتح: إذا رأى، وتحلم إذا ادعى
الرؤيا كاذباً.
وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في كل منهما بيان حكم الاغتسال
من الجنابة، فإن قلت: حكم الرجل إذا احتلم مثل حكم المرأة، فما وجه تقييد هذا الباب
بالمرأة وتخصيصه بها؟ قلت: الجواب عنه بوجهين: أحدهما: أن صورة السؤال كانت في
المرأة، فقيد الباب بها لموافقته صورة السؤال، والثاني: فيه الإشارة إلى الرد على من منع
منه في حق المرأة دون الرجل، فنبه على أن حكم المرأة كحكم الرجل في هذا الباب، ألا

٣٤٨
٥ - كتاب الغسل / باب (٢٢)
ترى كيف قال عليه الصلاة والسلام، في جواب أم سليم: ((المرأة ترى ذلك أعليها الغسل؟
نعم، إنما النساء شقائق الرجل))؟ رواه أبو داود، والمعنى أن النساء نظائر الرجال وأمثالهم في
الأخلاق والطباع كأنهن شققن منهن، وحواء خلقت من آدم، عليهما السلام. والشقائق جمع
شقيقة، ومنه: شقيق الرجل وهو أخوه لأبيه وأمه، ويجمع على أشقاء أيضاً، بتشديد القاف،
ونسب منع هذا الحكم في المرأة إلى إبراهيم النخعي على ما روى ابن أبي شيبة في
(مصنفه) عنه ذلك بإسناد جيد فكأن النووي لم يقف على هذا واستبعد صحته عنه.
٢٨٢/٣٣ - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بنِ يُوسُفَ قالَ أخبرنا مالِكٌ عَنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ
عَنْ زَيْنَبَ بِنْتَ أبي سَلَمَةَ: أُمّ المُؤْمِنِينَ أَنَّها قَالَتْ جاءَتْ أُمُّ سُلَيمِ امْرَأَةُ أَبِيَ طَلْحَةَ إلَى رسولِ
اللَّهِ عَِّ فقالَتْ يا رسول اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحِي مِنَ الحَقِ هَلْ عَلَى المَرْأَةَ مِنْ غُسْلٍ إِذَا هِيَ
احْتَلَمَتْ فَقَالَ رسولُ اللَّهِ (نَعَمْ إذَا رَأَتِ المَاءِ)). [انظر الحديث ١٣٠ وأطرافه].
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله وهم ستة: الأول: عبد الله بن يوسف التنيسي. الثاني: مالك بن أنس.
الثالث: هشام بن عروة. الرابع: أبوه عروة بن الزبير بن العوام. الخامس: زينب بنت أبي
سلمة، واسم أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، وفي (تهذيب التهذيب) أبو سلمة
ابن عبد الأسد المخزومي أحد السابقين عبد الله أخو النبي عَ لّه من الرضاعة، وذكر البخاري
هذا الحديث في باب الحياء في العلم. وفيه زينب بنت أم سلمة، فنسبت زينب هناك إلى
أمها، ولههنا إلى أبيها واسم أم سلمة: هند بنت أبي أمية، واسمه حذيفة ويقال: سهل بن
المغير بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وأم سلمة أم المؤمنين، كانت قبل النبي عَ لّ عند أبي
سلمة المذكور، وزينب هي أخت سلمة، فكنى كل واحد من أم زينب وأبيها بسلمة، فلذلك
تنسب زينب تارة إلى أبيها ببنت أبي سلمة، وتارة إلى أمها ببنت أم سلمة، والمعنى واحد.
السادس: أم سلمة، أم المؤمنين، رضي الله تعالى عنها. وأم سليم، بضم السين المهملة وفتح
اللام، واختلف في اسمها، فقيل: سهلة، وقيل: رميئة، وقيل: مليكة، وقيل: الغميصاء، وقيل:
الرميصاء، وأنكره أبو داود، وقال الرميصاء أختها، وعند ابن سعد، أنيفة، وأنكره ابن حبان، وأم
سلمة بنت ملحان الخزرجية النجارية، والدة أنس بن مالك زوجة أبي طلحة، كانت فاضلة
دينة، واسم أبي طلحة، زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري، النقيب، كبير القدر،
بدري مشهور.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع وهو موضع واحد. وفيه: الإخبار
كذلك في موضع واحد، وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: القول. وفيه: ثلاث
صحابيات. وفيه: أن رواته مدنيون ما خلا عبد الله بن يوسف.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري في ستة مواضع. في الغسل هاهنا
عن عبد الله بن يوسف، وفي الأدب عن إسماعيل، وعن محمد بن المثنى، وعن مالك بن
١

٠٣٠
٣٤٩
٥ - كتاب الغسل / باب (٢٢)
إسماعيل، وفي خلق آدم عن مسدد، وفي العلم عن محمد بن سلام، وأخرجه مسلم في
الطهارة عن يحيى بن يحيى، وعن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، وعن ابن أبي عمر.
وأخرجه الترمذي في الطهارة عن ابن أبي عمر به وأخرجه النسائي فيه، وفي العلم عن شعيب بن
يوسف وأخرجه ابن ماجة في الطهارة عن ابن أبي شيبة، وعلي بن محمد، ورواه أبو داود عن
أحمد بن صالح، قال: حدّثنا عنبسة عن يونس بن شهاب، قال: قال عروة عن عائشة: ((إن أم
سليم الأنصارية، وهي أم أنس بن مالك، قالت: يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق، أرأيت
المرأة إذا رأت في النوم ما يرى الرجل أتغتسل أو لا؟ قالت عائشة: فقال النبي عَّ نعم،
فلتغتسل إذا وجدت الماء. قالت عائشة: فأقبلت عليها فقلت: أف لك، وهل ترى ذلك
المرأة؟ فاقبل علي رسول الله عَ لّه، فقال: تربت يمينك يا عائشة، ومن أين يكون الشبه.
i
ذكر الاختلاف في هذا الحديث هذا الحديث أخرجه الأئمة الستة كما رأيته، وقد
اتفق البخاري ومسلم على إخراجه من طرق عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب، ورواه
أيضاً مسلم من رواية الزهري عن عروة، لكن قال: ((عن عائشة)): قال أبو داود: وكذلك رواه
عقيل والزبيدي ويونس وابن أخي الزهري وابن الوزير عن مالك عن الزهري، ووافق الزهري
مسافع الحجبي، قال: عن عروة عن عائشة وأما هشام بن عروة، فقال عن عروة عن زينب
بنت أبي سلمة عن أم سلمة: ((أن أم سليم جاءت إلى رسول الله عَّ ◌ُلّه)) وقال القاضي عياض
عن أهل الحديث إن الصحيح أن القصة وقعت لأم سلمة لا لعائشة ونقل ابن عبد البر عن
الذهلي أنه صحح الروايتين. قلت: قول عياض يرجح رواية هشام بن عروة، وقول أبي داود
عن مسافع يرجح رواية الزهري، وقال النووي: يحتمل أن تكون عائشة وأم سلمة جميعاً أنكرتا
على أم سليم. والزبيدي هو محمد بن الوليد، ويونس بن يزيد، وابن أخي الزهري اسمه،
محمد بن عبد الله بن مسلم، وابن أبي الوزير اسمه إبراهيم بن عمر بن مطرف الهاشمي
مولاهم المكي، ومسافع، بضم الميم المهملة وكسر الفاء ابن عبد الله أبو سليمان القرشي
الحجبي المكي.
ذكر اختلاف ألفاظ هذا الحديث لفظ البخاري في باب الحياء في العلم بعد. قوله:
((إذا رأت الماء، فغطت أم سلمة)) يعني وجهها، وقالت: يا رسول الله: أوتحتلم المرأة؟
قال: ((نعم تربت يمينك، فبم يشبهها ولدها)) وفي لفظ بعد قوله: ((إذا رأت الماء، فضحكت
أم سلمة. فقالت: أتحتلم المرأة؟ فقال النبي عَّلهُ: فبم شبه الولد)) وفي لفظ، قالت أم
سلمة ((فقلت: فضحت النساء)). وعند مسلم من حديث أنس: ((أن أم سليم حدثت أنها
سألت النبي عَّه، وعائشة عنده يا رسول الله: المرأة ترى ما يرى الرجل في المنام من نفسها
ما يرى الرجل من نفسه، فقالت عائشة يا أم سليم فضحت النساء تربت يمينك. فقال لها:
(مه، بل أنت تربت يمينك، نعم فلتغتسل يا أم سليم)) وفي لفظ: ((فقالت أم سليم،
واستحييت من ذلك، وهل يكون هذا؟ قال: ((نعم ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة
رقيق أصفر، أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه))، وفي لفظ: ((فقال رسول الله عَليهِ: إذا
i
i
٠
i
i
:
هو .
ـجدة

٣٥٠
٥ - كتاب الغسل / باب (٢٢)
كان منها ما يكون من اللارجل فلتغتسل)) وفي لفظ: ((قالت عائشة: فقلت لها، أف لك؛
أترى المرأة ذلك))؟ وفي لفظ: ((ترتب يداك وألت، فقال رسول الله عَ لَّه: دعيها تربت يمينك
وألت، وهل يكون الشبه إلاَّ من قبل ذلك؟ إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الرجل أخواله،
وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه)) وفي لفظ أبي داود: ((تغتسل أم لا. فقال: فلتغتسل
إذا وجدت الماء)) وفي لفظ: ((والمرأة عليها غسل؟ قال: نعم، إنما النساء شقائق الرجل)).
وفي لفظ النسائي: ((فضحكت أم سلمة))، وعند ابن أبي شيبة: ((وقال: هل تجد شهوة؟ قالت:
لعله قال: تجد بللاً قالت لعله. فقال: فلتغتسل. فلقيها النسوة فقلن: فضحتنا عند رسول الله
عَّله. فقالت: والله ما كنت لا أنتهي حتى أعلم في حِلِّ أنا أم في حرام)). وعند الطبراني في
(الأوسط) قلت: يا رسول الله: أمر يقربني إلى الله أحببت أن أسألك عنه: قال: أصبت يا أم
سليم. فقلت)) الحديث وعند البزار: ((فقالت أم سلمة: وهل للنساء من ماء؟ قال: نعم، إنما
هن شقائق الرجال)). وعند ابن عمر: ((إذا رأت ذلك فأنزلت فعليها الغسل، فقالت أم سليم:
أيكون هذا))؟ وعند الإمام أحمد: ((أنها قلت: يا رسول الله إذا رأت المرأة أن زوجها يجامعها
في المنام، أتغتسل؟)) وعند عبد الرزاق في هذه القصة: ((إذا رأت إحداكن الماء كما يرى
الرجل)). وقد جاء عن جماعة من الصحابيات أنهن سألن رضي الله تعالى عنهن، كسؤال أم
سليم، منهن، خولة بنت حكيم، روى حديثها ابن ماجة من طريق علي بن جدعان: ((ليس عليها
غسل حتى تنزل كما ينزل الرجل)»، وبسرة ذكره ابن أبي شيبة بسند لا بأس به، وسهلة بنت سهب،
رواه الطبراني في (الأوسط) من حديث ابن لهيعة أكثر الكلام مضى في باب: الحياء في العلم.
وقال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه العلم أن الرجل إذا رأى في منامه أنه
احتلم أو جامع ولم يجد بللاً أن لا غسل عليه، واختلفوا فيمن رأى بللاً، ولم يتذكر احتلاماً
فقالت طائفة يغتسل روينا ذلك عن ابن عباس والشعبي وسعيد بن جبير والنخعي، وقال
أحمد: أحب إلي أن يغتسل إلاَّ رجل به أبردة، وقال أبو إسحاق: يغتسل إذا كانت نطفة،
وروينا عن الحسن أنه قال: إذا كان انتشر إلى أهله من الليل فوجد من ذلك بلة فلا غسل
عليه، وإن لم يكن كذلك اغتسل، وفيه قول ثالث: وهو أن لا يغتسل حتى يوقن بالماء
الدافق اهـ، وهو قول قتادة. وقال مالك والشافعي وأبو يوسف: يغتسل إذا علم بالماء الدافق،
وقال الخطابي: ظاهره يوجب الاغتسال إذا رأى البلة، وإن لم يتيقن أنه الماء الدافق، وروي
هذا القول عن جماعة من التابعين. وقال أكثر أهل العلم: لا يجب عليه الاغتسال حتى يعلم
أنه بلل الماء الدافق.
وقال ابن عبد البر: فيه دليل على أن النساء ليس كلهن يحتلمن، ولهذا أنكرت عائشة
على أم سلمة، وقد يعدم الاحتلام في بعض الرجال فالنساء أجدر أن يعدم ذلك فيهن، وقد
قيل: إن إنكار عائشة لذلك إنما كان لصغر سنها وكونها مع زوجها لأنها لم تحضٍ إلاَّ عنده،
ولم تفقده فقداً طويلاً إلا بموته عليه الصلاة والسلام، فلذلك لم تعرف في حياته الاحتلام.
لأنَّ الاحتلام لا يعرفه النساء، ولا أكثر الرجال إلاّ عند عدم الرجال بعدم المعرفة به، فإذا فقد

٣٥١
٥ - كتاب الغسل / باب (٢٣)
النساء أزواجهن احتلمن. والوجه الأول عندي أصح، وأولى، لأن أم سلمة فقدت زوجها
وكانت كبيرة عالمة بذلك، وأنكرت منه ما أنكرت عائشة، فدل ذلك على أن من النساء من
لا تنزل الماء في غير الجماع الذي يكون في اليقظة ولقائل أن يقول: إن أم سلمة أيضاً
تزوجت أبا سلمة شابة ولما توفي عنها زوجها تزوجها سيد المرسلين، لا سيما مع شغلها
بالعبادة وشبهها التي هي وجاء لغيرها أو تكون قالته إنكاراً على أم سليم لكونها واجهت به
سيدنا رسول الله عَّهُ يوضحه، فقالت أم سلمة وغطت وجهها.
وقال ابن بطال فيه دليل على أن كل النساء يحتلمن. وفيه: دليل على وجوب الغسل
على المرأة بالإنزال، ونفى ابن بطال الخلاف فيه، وقد ذكرنا في أول الباب خلاف النخعي.
وفيه: رد على من زعم أن ماء المرأة لا يبرز، وإنما تعرف إنزالها بشهوتها وحمل قوله: إذا رأت
الماء أي: إذا علمت به لأن وجود العلم هنا متعذر، لأن الرجل لو رأى أنه جامع وعلم أنه
أنزل في النوم ثم استيقظ فلم ير بللاً لا يجب عليه الغسل فكذلك المرأة، وإن أراد علمها
بذلك بعد أن استيقظت فلا يصح، لأنه لا يستمر في اليقظة ما كان في النوم إلاَّ إن كان
مشاهداً، فحمل الكلام على ظاهره الصواب. فإن قلت: قد جاء عن أم سلمة، فضحكت،
وجاء، فغطت وجهها، فما التوفيق بينهما؟ قلت: معنى ضحكت تبسمت تعجباً، وغطت
وجهها، حياءً ومعنى: تربت يميمنك، في الأصل، لا أصابت خيراً، غير أن في (لسان العرب)
يطلق ذلك وأمثالها، ويراد به المدح وفي كتاب (أدب الخواص) للوزير أبي القاسم المغربي،
وفي كتاب (الأيك والغصون) لأبي العلاء المعري معنى قوله: ترتب يمينك أي: افتقرت من
العلم مما سألت عنه أم سليم، وفي (المحكم) ترب الرجل صار في يده التراب، وترب ترباً
ألصق بالتراب من الفقر وترب ترباً ومتربة خسر وافتقر، وحكى قطرب: ترب وأترب. قوله:
((وألت)) بعد قوله تربت يمينك معناه: صاحت لما أصابها من شدة، هذا الكلام، وروي ألت،
بضم الهمزة مع التشديد أي: طعنت بالآلة، وهي الحربة العريضة النصل.
٢٣ - بابُ عَرَقِ الجُنُبِ وَنَّ المُسْلِمَ لاَ يَنْجُسُ.
أي هذا باب في عرق الجنب، ولم يبين ما حكم عرق الجنب، ولا ذكر في هذا
الباب شيئاً يطابق هذه الترجمة وقال بعضهم: كأن المصنف يشير بذلك إلى الخلاف في
عرق الكافر، وقال قوم: إنه نجس بناء على القول بنجاسة عينه. قلت: ما أبعد هذا الكلام عن
الذوق. فكيف يتوجه ما قاله: والمصنف قال: باب عرق الجنب؟ وسكت عليه ولم يشر إلى
حكمه لا في الترجمة ولا في الذي ذكره في هذا الباب؟ وفائدة ذكر الباب المعقود بالترجمة
ذلك ما عقدت له الترجمة، وإلاَّ فلا فائدة في ذكرها، ويمكن أن يقال؛ إنه ذكر ترجمتين،
والترجمة الثالثة تدل على أن المسلم طاهر، ومن لوازم طهارته طهارة عرقه، ولكن لا يختص
بعرق المسلم، والحال أن عرق الكافر أيضاً طاهر. قوله: ((وإن المسلم لا ينجس)) عطف
على المضاف إليه، والتقدير: وباب أن المسلم لا ينجس.
i

٣٥٢
٥ - كتاب الغسل / باب (٢٣)
وذكر هذا الباب بين الأبواب المتقدمة والآتية لا يخلو عن وجه المناسبة، وهو ظاهر.
٢٨٣/٣٤ - حدثنا عليّ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ حدّثنا يَحَيى قالَ حدّثنا حُمَيْدٌ قالَ حدّثنا
بَكْرٌ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ لِقِيهُ في بَعْضٍ طِرِيقِ المَدِينَةِ وَهُوَ جُنُبٌّ
فانْخَتَسْتُ مِنْهُ فَذَهَبْتُ فَاغْتَسَلْتُ ثُمَّ جاءَ فقالَ أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ كُنْتُ جُنُباً فَكَرِهْتُ
أنْ أُجالِسَكَ وأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهارَةٍ فقالَ سُبْحَانَ اللَّهِ إِنَّ المُؤْمِنَ لاَ يَنْجُسُ. [الحديث ٢٨٣ -
أطرافه في: ٢٨٥].
مطابقة هذا الحديث لإحدى ترجمتي هذا الباب ظاهرة وهي الترجمة الثانية.
ذكر رجاله وهم ستة: الأول: علي بن عبد الله المديني. الثاني: يحيى بن سعيد
القطان. الثالث: حميد، بضم الحاء الطويل التابعي، مات وهو قائم يصلي. الرابع: بكر، بفتح
الباء الموحدة ابن عبد الله بن عمر بن هلال المزني البصري. الخامس: أبو رافع واسمه،
نفيع بضم النون وفتح الفاء، الصائغ، بالغين المعجمة، البصري، تحول إليها من المدينة أدرك
الجاهلية ولم ير النبي عَّله. السادس: أبو هريرة رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع، والعنعنة في
موضعين: وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي. وفيه: أن رواته بصريون، ومن أجل
لطائفه أنه متصل، ورواه مسلم مقطوعاً حميد عن أبي رافع كذا في طريق الجلودي،
والحافظ الجياني، والصواب ما رواه البخاري وغيره: حميد عن بكر عن أبي رافع، وذكر أبو
مسعود وخلف أن مسلماً أخرجه أيضاً كذلك. وقال صاحب (التلويح) قد رأينا من قاله
غيرهما فدل على أن في مسلم روايتين. قلت: ذكر البغوي في (شرح السنة) أن مسلماً
أخرجه بإثبات بكر.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضاً عن عياش بن الوليد عن
عبد الأعلى. وأخرجه مسلم في الطهارة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن زهير بن حرب.
وأخرجه أبو داود في الصلاة عن مسدد. وأخرجه الترمذي فيه عن إسحاق بن منصور.
وأخرجه النسائي فيه عن حميد بن مسعدة. وأخرجه ابن ماجة فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة
به.
ذكر لغاته ومعناه قوله ((في بعض طريق)) كذا هو في رواية الأكثر، وفي رواية كريمة
والأصيلي طرق بالجمع وفي رواية أبي داود والنسائي: ((لقيته في بعض طريق من طرق
المدينة)) قوله: ((فانخنست)) فيه روايات كثيرة. الأولى: ((فانخنست)) كما في الكتاب
بالنون ثم بالخاء المعجمة ثم بالنون ثم بالسين المهملة، وهي رواية الكشميهني والحموي
وكريمة. ومعناه تأخرت وأنقضت ورجعت، وهو لازم ومتعد، ومنه خنس الشيطان. الثانية:
فاختنست، مثل الرواية الأولى في المعنى، غير أن اللفظ في الرواية الأولى من باب الانفعال،
وفي هذه الرواية من باب الافتعال. الثالثة: فانبجست، بالباء الموحدة والجيم، وكذا هو في

٣٥٣
٥ - كتاب الغسل / باب (٢٣)
رواية الترمذي، ومعناه اندفعت ومنه قوله تعالى: ﴿فانبجست منه اثنتا عشرة عيناً﴾ [الأعراف:
١٦] أي: جرته واندفعت، وهي رواية ابن السكن والأصيلي أيضاً وأبي الوقت وابن عساكر
أيضاً. الرابعة: فانتجست، من النجاسة من باب الافتعال، والمعنى: اعتقدت نفسي نجساً
وهو رواية المستملي. الخامسة: فانتجشت، بالشين المعجمة، من النجش، وهو الإسراع.
السادسة: فانبخست، بالباء الموحدة والخاء المعجمة والسين المهملة من النخس، وهو
النقص، فكأنه ظهر له نقصانه عن مماشاته رسول الله عَّ له، وهو رواية المتسملي لما اعتقد
في نفسه من النجاسة. السابعة: فاحتبست، بحاء مهملة ثم تاء مثناة من فوق ثم ياء موحدة
ثم سين مهملة، من الاحتباس، والمعنى: حبست نفسي عن اللحاق بالنبي عَ ◌ّهِ. الثامنة:
((فانسللت)). التاسعة: ((فانسل))، وهو رواية مسلم والنسائي أيضاً. وقال بعض الشارحين: لم
يثبت لي من طريق الرواية غير ما تقدم، وأراد به رواية الكشميهني وأبي الوقت والمستملي،
ونسب بعضها إلى التصحيف، ولا يلزم من عدم ثبوت غير الروايات الثلاث عنده عدم ثبوتها
عند غيره، وليس بأدب أن ينسب بعض غير ما وقف عليه إلى التصحيف، لأن الجاهل
بالشيء ليس له أن يدعي عدم علم غيره به. قوله: ((يا با هريرة)» بحذف الهمزة في الأب
تخفيفاً. قوله: ((جنب)) يقال: أجنب الرجل فهو جنب، وكذلك الإثنان والجمع والمذكر
والمؤنث، قال ابن دريد، وهو أعلى اللغات، وقد قالوا: جنبان وأجناب، ولم يقولوا: جنبة،
وفي (المنتهى) رجل جنب وامرأة جنب وقوم جنب وجنوب وأجناب، وفي (الصحاح) أجنب
الرجل وجنب أيضاً، بضم النون. وفي (الموعب) لابن التياني عن الفراء وقطرب جنب الرجل
وجنب بكسر النون وضمها، لغتان. وقال المطرزي: يقال: من الجنابة أجنب الرجل وجنب
بفتح النون وكسرها، وجنب وتجنب، لا يقال عن العرب غيره وحكى بعضهم: جنب بضم
النون، وليس بالمشهور. وفي (الاشتقاق) للرماني: وأجنب الرجل لأنه يجانب الصلاة. وقال
أبو منصور: لأنه نهى عن أن يقرب مواضع الصلاة وقال العتبي: سمي بذلك لمجانبة الناس
وبعده منهم، حتى يغتسل. قوله: ((سبحان الله)) قال ابن الأنباري معناه: سبحتك تنزيهاً لك يا
ربنا من الأولاد والصاحبة والشركاء، أي: نزهناك من ذلك. وقال القزاز: معناه: برأت الله
تعالى من السوء، وقال أبو عبيدة: نسبح لك بحمدك ونصلي لك، وقال الزمخشري في
(أساس البلاغة) سبحت الله وسبحت له وكثرت تسبحاته وتسابيحه، وفي (المغيث) لأبي
المدني: سبحان الله قائم مقام الفعل أي: أسبحه، وسبحت أي: لفظت سبحان الله، وقيل:
معنى: سبحان الله. أتَسَّرع إليه وألحقه في طاعته من قولهم فرس سابح. وذكر النضر بن
شميل أن معناه: السرعة إلى هذه اللغة لأن الإنسان يبدأ فيقول: سبحان الله. قوله: ((لا
ينجس) قال ابن سيده النجس والنجس والنجس القذر من كل شيء، ورجل نجس، والجمع
أنجاس، وقيل: النجس يكون للواحد والاثنين والجمع والمؤنث بلفظ واحد فإذا كسروا النون
جمعوا وأنثوا ورجل، رجس نجس، يقولونها بالكسر لمكان رجس، فإذا أفردوا وقالوا: نجس،
وفي (الجامع) أحسب المصدر من قولهم: نجس ينجس نجساً، والاسم النجاسة. وذكره ابن
عمدة القاري / ج٣/ م٢٣
ـة عط ى
(١
•جدة

٣٥٤
٥ - كتاب الغسل / باب (٢٣)
القوطية وابن طريف في باب: فعل وفعل، فقالا: نجس الشيء ونجسا نجاسة ضد طهر. وفي
(الصحاح) نجس الشيء بالكسر ينجس نجساً فهو نجس ونجس وفي (كتاب ابن عديس)
نجس الرجل ونجس نجاسة ونجوسة بكسر الجيم وضمها إذا تقذر.
ذكر إعرابه قوله: ((وهو جنب)) جملة إسمية وقعت حالاً من الضمير المنصوب الذي
في لقيته. قوله: ((فذهبت فاغتسلت)) قال الكرماني: وفي بعضها أي: في بعض النسخ فذهب
فاغتسل. قلت: على تقدير صحة الرواية بها يجوز فيه الأمران الغيبة بالنظر إلى نقل كلام أبي
هريرة بالمعنى، والتكلم بالنظر إلى نقله بلفظه بعينه على سبيل الحكاية عنه. وأما جواز لفظه
بالغيبة فمن باب التجريد، وهو أنه جرد من نفسه شخصاً وأخبر عنه. قوله: ((كنت جنباً) أي:
ذا جنابة. قوله: ((وأنا على غير طهارة)) جملة إسمية وقعت حالاً من الضمير المرفوع في
أجالسك. ((وأجالسك)) في قوة المصدر بأن المصدر، وإنما فعل أبو هريرة هذا لأنه، عليه
السلام، كان إذا لقي أحداً من أصحابه ماسحه ودعا له كما ورد في النسائي من حديث أبي
وائل عن ابن مسعود. قال: ((لقيني النبي عَّلَّه وأنا جنب فأهوى إليّ فقلت: إني جنب، فقال:
((إن المسلم لا ينجس)). قوله: ((سبحان الله))، سبحان علم للتسبيح، كعثمان، علم للرجل.
وقال الفراء منصوب على المصدر كأنك قلت: سبحت الله تسبيحاً فجعل: سبحان في
موضع التسبيح والحاصل أنه منصوب بفعل محذوف لازم الحذف فاستعماله في مثل هذا
الموضع يراد به التعجب، ومعنى التعجب هنا أنه كيف يخفى مثل هذا الظاهر عليك.
بيان استنباط الأحكام الأول: وقد عقد الباب له، أن المؤمن لا ينجس وأنه طاهر
سواء كان جنباً أو محدثاً حياً أو ميتاً، وكذا سؤره وعرقه ولعابه ودمعه وكذا الكافر في هذه
الأحكام وعن الشافعي قولان في الميت أصحهما الطهارة، وذكر البخاري في (صحيحه) عن
ابن عباس تعليقاً. ((المسلم لا ينجس حياً ولا ميتاً) ووصله الحاكم في (المستدرك) فقال:
أخبرني إبراهيم عن عصمة. قال: حدّثنا أبو مسلم المسيب بن زهير البغدادي أخبرنا أبو بكر
وعثمان ابنا أبي شيبة، قالا: حدّثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن
عباس قال: قال رسول الله عَّله: ((لا تنجسوا موتاكم فإن المسلم لا ينجس حياً ولا ميتاً))
قال: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه، وهو أصل في طهارة المسلم حياً وميتاً، أما الحي:
فبالإجماع حتى الجنين إذا ألقته أمه وعليه رطوبة فرجها وأما الكافر فحكمه كذلك على ما
نذكره، إن شاء الله تعالى. وفي (صحيح ابن خزيمة) عن القاسم بن محمد قال: سألت عائشة
عن الرجل يأتي أهله ثم يلبس الثوب فيعرق فيه أنجس ذلك؟ فقالت: قد كانت المرأة تعد
خرقة أو خرقاً فإذا كان ذلك مسح بها الرجل الأذى عنه، ولم تر أن ذلك ينجسه، وفي لفظ:
ثم صليا في ثوبهما وروى الدارقطني من حديث المتوكل ابن فضيل عن أم القلوص العامرية
عن عائشة: ((كان النبي عَّهُ لا يرى على البدن جنابة، ولا على الأرض جنابة، ولا يجنب
الرجل)) وعن محيي السنة البغوي، قال: معنى قول ابن عباس: أربع لا يجنبن، الإنسان،
والثوب، والماء، والأرض، يريد: الإنسان لا يجنب بمماسة الجنب، ولا الثوب، إذا لبسه

٣٥٥
٥ - كتاب الغسل / باب (٢٣)
الجنب، ولا الأرض إذا أقضى إليها الجنب، ولا الماء ينجس إذا غمس الجنب يده فيه.
i
وقال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن عرق الجنب طاهر، وثبت ذلك عن
ابن عباس وابن عمر وعائشة أنهم قالوا ذلك، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، ولا أحفظ
عن غيرهم خلاف قولهما. وقال القرطبي: الكافر نجس عند الشافعي، وقال أبو بكر ابن
المنذر: وعرق اليهودي والنصراني والمجوسي طاهر عندي، وقال ابن حزم: العرق من
المشركين نجس لقوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس﴾ [التوبة: ٢٨] وتمسك أيضاً بمفهوم
حديث الباب، وادعى أن الكافر نجس العين والجواب عنه: أنهم نجسو الأفعال لا الأعضاء أو
نجسو الاعتقاد، ومما يوضح ذلك أن الله تعالى أباح نكاح نساء أهل الكتاب، ومعلوم أن
عرقهن لا يسلم منه من يضاجعهنُ، ومع ذلك لا يجب عليه من غسل الكتابية إلاَّ مثل ما
يجب عليه من غسل المسلمة، فدل على أن الآدمي الحي ليس بنجس العين إذ لا فرق بين
النساء والرجال وفي (المدونة) على ما نقله ابن التين إن المريض إذا صلى لا يستند لحائض
ولا جنب، وأجازه ابن أشهب. قال الشيخ أبو محمد: لأن ثيابهما لا تكاد تسلم من النجاسة.
وقال غيره لأجل أعينهما لا لثيابهما، وما ذكرناه يرد بذلك، فإن قلت: على ما ذكرت من أن
المسلم لا ينجس حياً ولا ميتاً ينبغي أن لا يغسل الميت لأنه طاهر. قلت: اختلف العلماء من
أصحابنا في وجوب غسله. فقيل: إنما وجب لحديث يحله باسترخاء المفاصل لا لنجاسته،
فإن الآدمي لا ينجس بالموت كرامة، إذا لو نجس لما طهر بالغسل كسائر الحيوانات وكان
الواجب الاقتصار على أعضاء الوضوء كما في حال الحياة. لكن ذلك إنما كان نفياً للحرج
فيما يتكرر كل يوم، والحدث بسبب الموت لا يتكرر، فكان كالجنابة لا يكتفى فيها بغسل
الأعضاء الأربعة، بل يبقى على الأصل، وهو وجوب غسل البدن لعدم الحرج، فكذا هذا.
وقال العراقيون يجب غسله لنجاسته بالموت لا بسبب الحدث لأن للآدمي دماً سائلاً
فيتنجس بالموت قياساً على غيره ألاَّ ترى أنه لو مات في البئر نجسها؟ ولو حمله المصلي
لم تجز صلاته ولو لم يكن نجساً لجازت كما لو حمل محدثاً.
الثاني: من الأحكام فيه استحباب احترام أهل الفضل، وأن يوقرهم جليسهم
ومصاحبهم، فيكون على أكمل الهيئات وأحسن الصفات، وقد استحب العلماء لطالب العلم
أن يحسن حاله عند مجالسة شيخه، فيكون متطهراً متنظفاً بإزالة الشموت المأمور بإزالتها،
نحو: قص الشارب، وقلم الأظفار، وإزالة الروائح المكروهة وغير ذلك.
الثالث: فيه من الآداب أن العالم إذا رأى من تابعه أمراً يخاف عليه فيه خلاف
الصواب، سأله عنه وقال له صوابه وبین له حکمه.
1.
الرابع: فيه جواز تأخير الاغتسال عن أول وقت وجوبه، والواجب أن لا يؤخره إلى أن
يفوته وقت صلاة.
الخامس: فيه جواز انصراف الجنب في حوائجه قبل الاغتسال، ما لم يفته وقت
الصلاة.
Fr

٢٠٢٠
٥ - كتاب الغسل / باب (٢٤)
٣٥٦
السادس: فيه أن النجاسة إذا لم تكن عيناً في الأجسام لا تضرها فإن المؤمن طاهر
الأعضاء، فإن من شأنه المحافظة على الطهارة والنظافة.
السابع: فيه ائتلاف قلوب المؤمنين، ومواساة الفقراء والتواضع لله، واتباع أمر الله تعالى
حیث قال جل ذكره: ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾
[الكهف: ٢٨]. وقال بعضهم: وفيه: استحباب استئذان التابع للمتبوع إذا أراد أن يفارقه.
قلت: هذا بعيد لأن الحديث المذكور لا يفهم منه ذلك لا من عبارته ولا من إشارته ولا فيه
التابع والمتبوع لأن أبا هريرة لم يكن في تلك الحالة تابعاً للنبي عَِّ في مشيه بل إنما لقيه
النبي ◌َّهِ في بعض طرق المدينة، كما هو نص الحديث. وقال أيضاً وبوب عليه ابن حبان
الرد على من زعم أن الجنب إذا وقع في البئر فنوى الاغتسال أن ماء البئر ينجس. قلت: هذا
الرد مردود حينئذ، لأن الحديث لا يدل عليه أصلاً والحديث يدل بعبارته أن الجنب ليس
بنجس في ذاته، ولم يتعرض إلى طهارة غسالته إذا نوى الاغتسال.
٢٤ - بابُ الجُنُبُ يَخْرُجُ وَيَمْشي فِي السُّوقِ وَغَيْرِهِ
١٣٢/١
باب بالتنوين أي هذا باب فيه الجنب يخرج إلى آخره، يعني له أن يخرج من بيته
ويمشي في السوق وغيره وهذا قول أكثر الفقهاء، إلاّ أن ابن أبي شيبة حكى عن علي وعائشة
وابن عمر وأبيه وشداد بن أوس وسعيد بن المسيب ومجاهد وابن سيرين والزهري ومحمد بن
علي والنخعي، وزاد البيهقي: سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمرو وابن عباس وعطاء
والحسن أنهم كانوا إذا أجنبوا لا يخرجون ولا يأكلون حتى يتوضؤوا فإن قلت: لم كان باب
بالتنوين ولم يضفه إلى ما بعده؟ قلت: يجوز ذلك ولكن يحتاج حينئذ أن يقدر الجواب نحو
أن يقول له ذلك أو يجوز ذلك، ونحوهما وعند الانفصال لا يحتاج إلى ذلك. قوله:
(ويمشي)) بالواو عطف على قوله: ((يخرج)) وفي بعض النسخ: بمعنى: واو العطف، فإن صحت
هذه يكون بمشي، في موضع النصب على الحال المقدرة. قوله: ((وغيره)) بالجر عطف على
قوله: ((في السوق)) وقال بعضهم: ويحتمل نحو: يأكل وينام، عطفاً على يخرج من جهة
المعنى قلت: فيه تعسف لا يخفى.
والمناسبة بين البابين ظاهرة لأن كلاً منهما في حكم الجنب.
وَقَالَ عَطَاءٌ يَخْتَجِمُ الجُنُبُ ويُقْلِّمُ أَظْفَارَهُ وَيَخْلِقُ رَأْسَهُ وإِنْ لَمْ يَتَوَضَأْ
مطابقة الحديث للترجمة في قوله وغيره، بالرفع ظاهرة وأما بالجر الذي هو الأظهر فلا
تكون المطابقة إلاّ من جهة المعنى، وهو أن الجنب إذا جاز له الخروج من بيته والمشي في
السوق وغيره جاز له تلك الأفعال المذكورة في الأثر المذكور، وهذا التعليق وصله عبد
الرزاق في (مصنفه) عن ابن جريج عنه وزاد فيه ويطلى بالنورة.
٢٨٤/٣٥ - حدّثنا عَبْدُ الأَعْلَى بنُ حَمَّادٍ قالَ حدّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْع قَالَ حدّثنا سَعِيدٌ
. موز

٣٥٧
٥ - كتاب الغسل / باب (٢٥)
عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَنَسَ بنَ مالِكِ حَدَّثَهُمْ أَنَّ نَبيَّ اللَّه عَلِ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي اللَّيْلَةِ
الوَاحِدَةِ وَلَّهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ. [انظر الحديث ٢٦٨ وطرفيه].
مطابقة الحديث للترجمة تفهم من قوله: ((كان يطوف على نسائه)) وذلك أن نساءه
كانت لهن حجر متقاربة، فبالضرورة كان النبي عَّ إذا أراد الطواف عليهن يحتاج إلى
المشي من حجرة إلى حجرة قال بعضهم: لكن في غير السوق. قلت: المشي أعم من أن
يكون من بيت إلى بيت، ومن بيت إلى سوق، وإلى غيره، وحديث أنس هذا قد مر في باب:
إذا جامع ثم عاد، وقد مر الكلام فيه مستوفي، وسعيد الذي يروي عن قتادة هو سعيد بن أبي
عروبة قال الغساني: وفي نسخة الأصيلي بدل: سعيد، لفظ شعبة أي ابن الحجاج، وليس
صواباً.
٢٨٥/٣٦ - حدثنا عَيَاشٌ قالَ حدّثنا عَبْدُ الأَعْلَى قالَ حدّثنا محمَيْدٌ عَنْ بَكْرٍ عَنْ أَبي
رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ لَقِيَنِي رسولُ اللَّه عَ لَّهِ وَأَنَا جُنُبٌ فَأَخَذَ بِيَدِي فَمَشَيْتُ بِهِ حَتَّى قَعَدَ
فَانْسَلَلْتُ فَأَتَيْتُ الرَّحلَ فَاغْتَسَلْتُ ثُمَّ جِئْتُ وَهُوَ قاعِدٌ فقالَ: أَيْنَ كُنْتَ يا أبا هِرٍ)) فَقُلْتُ لَهُ
فقالَ ((سُبْحَانَ اللَّهِ يا أبا هِرٍ إِنّ المُؤْمِنَ لاَ يَنْجُسُ)). [انظر الحديث ٢٨٣].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فمشيت معه)) والحديث مر في الباب الذي قبله فاعتبر
التفاوت في الرجال وفي ألفاظ المتن، والكلام فيه مر أيضاً مستوفى، وعيّاش، بتشديد الياء
آخر الحروف، وهو ابن الوليد البصري، وهو ابن عبد الأعلى بن حماد، مات سنة ست
وعشرين ومائتين وعبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي، بالسين المهملة، وحميد الطويل وبكر
المزني وأبو رافع نفيع، وقد مروا. قوله: ((فأخذ بيدي)) وفي بعض النسخ بيميني. قوله:
((فانسللت)) أي: خرجت، يقال: انسل من بينهم، أي: خرج في خفية، وأتيت الرحل، بالحاء
المهملة، وهو منزله، ومكانه الذي يأوي إليه. قوله: ((أين كنت)) كان؟ هذه تامة، فلا تحتاج
إلى الخبر أو ناقصة فأين خبر، له؟ قوله: ((فقلت له)) مقول القول محذوف أي: قلت له سبب
رواحي للاغتسال، قوله: ((يا أبا هريرة)» وفي رواية الكشميهني والمستملي: ((يا أبا هر)»
بالترخیم.
وقال ابن بطال: فيه: أنه يجوز للجنب التصرف في أموره كلها قبل الوضوء، وفيه يرد
على من أوجب عليه الوضوء، وقد استوفيت الكلام فيه في الباب الذي قبله. وفيه: جواز أخذ
الإمام والعالم بيد تلميذه ومشيه معه معتمداً عليه ومرتفقاً به. وفيه: أن من حسن الأدب لمن
مشى مع رئيسه أن لا ينصرف عنه ولا يفارقه حتى يعلمه بذلك، ألا ترى إلى قوله عَّ لأبي
هريرة: ((أين كنت)) فدل ذلك على أنه عَ لل استحب أن لا يفارقه حتى ينصرف معه. وفيه:
أن أخذ النبي عَّهِ بيد أبي هريرة يدل على طهارة الجنب، وأنه غير نجس.
٢٥ - بابُ كَيْئُونَةِ الجُنُبِ فِي الَبِيتِ إذَا تَوَضَّأَ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ
أي: هذا باب في بيان جواز كينونة الجنب في بيته إذا توضأ قبل الاغتسال، والكينونة
i
i
i

٣٥٨
٥ - كتاب الغسل / باب (٢٥)
مصدر: كان يقال: يكون كوناً وكينونة، أيضاً شبّهوه بالحيدودة والطيرورة من ذوات الياء،
ولم يجيء من الواو على هذا إلاَّ أحرف: كينونة وكيموعة وقيدودة وأصله: كينونة، بتشديد
الياء، فحذفوا كما حذفوا من هين وميت، ولولا ذلك لقالوا: كونونة. قوله: ((إذا توضأ
الجنب))، وفي رواية أبي الوقت وكريمة. ((إذا توضأ قبل أن يغتسل)) وليس في رواية الحموي
والمستملي: إذا توضأ، قبل أن يغتسل.
ووجه المناسبة بين البابين ظاهر.
٢٨٦/٣٧ - حدّثنا أَبُو نُعَيْمٍ قالَ حدّثنا هِشَامٌ وَشيبَانُ عَنْ يِحْيِى عَنْ أَبِي سَلَمَةً قَالَ
سألتُ عَائِشَةً أُكَانَ النَّبِيُّ عَ لَّهِ يَرْقُدُ وَهُوَ مُجُنُبٌ قالَتْ نَعَمْ وَيَتَوَضَأ. [الحديث ٢٨٦ - طرفه
في: ٢٨٨].
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، قيل: أشار المصنف بهذه الترجمة إلى تضعيف ما
رواه أبو داود وغيره من حديث علي، رضي الله تعالى عنه، مرفوعاً ((إن الملائكة لا تدخل
بيتاً فيه كلب ولا صورة ولا جنب)). قلت: هذا بعيد، لأن المراد من هذا الجنب الذي
يتهاون بالاغتسال ويتخذه عادة حتى تفوته صلاة أو أكثر، وليس المراد منه من يؤخره ليفعله،
أو یکون المراد منه من لم یرفع حدثه كله أو بعضه، لأنه إذا توضأ ارتفع بعض الحدث عنه،
والحديث المذكور صححه ابن حبان والحاكم، والذي ضعفه قال: في إسناده نجي
الحضرمي، بضم النون وفتح الجيم، لم يرو عنه غير ابنه عبد الله، فهو مجهول، لكن وثقه
العجلي.
ذكر رجاله وهم ستة: أبو نعيم، بضم النون الفضل بن دكين، وهشام الدستوائي،
وشيبان بن عبد الرحمن النحوي المؤدب صاحب حروف وقرآآت، ويحيى بن أبي كثير، وأبو
سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، تقدموا بهذا الترتيب في كتاب العلم إلاَّ هشاماً فإنه مر في
باب زيادة الإيمان.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في
موضعين. وفيه: السؤال. وفيه: رواية ابن أبي شيبة بتحديث أبي سلمة ورواه الأوزاعي عن
يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن ابن عمر، رواه النسائي.
ذكر إعرابه قوله: ((أكان)) الهمزة فيه للاستفهام. قوله: ((وهو جنب)) جملة إسمية
وقعت حالاً من النبي عَّله. قوله: ((ويتوضأ)) عطف على محذوف تقديره، نعم يرقد ويتوضأ.
فإن قلت: هل كان يتوضأ بعد الرقاد؟ قلت: الواو لا تدل على الترتيب، والمعنى أنه يجمع
: بين الوضوء والرقاد، ولمسلم من طريق الزهري عن أبي سلمة، كان إذا أراد أن ينام وهو
جنب يتوضأ وضوءه للصلاة، وهذا واضح لما قررنا، فآل معنى رواية البخاري نعم إذا أراد
النوم يقوم ويتوضأ ثم يرقد، ويوضح هذا أيضاً حديث ابن عمر الذي ذكره البخاري عقيب
هذا الحديث على ما يأتي عن قريب.

٣٥٩
٥ - كتاب الغسل / باب (٢٦)
والذي يستنبط من هذا الحديث أن الجنب إذا أراد النوم يتوضأ ثم هذا الوضوء
مستحب أو واجب؟ يأتي الكلام فيه عن قريب.
٢٦ _ بابُ نَوْم الجُنُبِ
٢٨٧/٣٨ - حدثنا قُتَيْبَةُ قالَ حدّثنا الَّليْثُ عَنْ نَافِع عَنِ ابنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بِنَ
الخَطَابِ سَأَلَ رسولَ اللَّهِ عَلَّهِ أَيَرْقُدُ أَحَدُنا وَهُوَ جُنُبٌ قَالَ: ((نَعَمَّ إِذَا تَوَضَأَ أَحَدُكُمْ فَلُيَرْقُدْ
وَهُوَ مُجُنُبّ)). [الحديث ٢٨٧ - طرافاه في: ٢٨٩، ٢٩٠].
مطابقة هذا الحديث للترجمة من جهة أن رقاد الجنب في البيت يقتضي جواز كينونته
فيه، ومعنى الترجمة هذا. وفي بعض النسخ، قبل هذا الحديث، باب نوم الجنب: حدّثنا قتيبة
إلى آخره، وهذا وقع في رواية كريمة، ولا حاجة إلى هذا لحصول الاستغناء عنه بالباب الذي
يأتي عقبه، وقال بعضهم: يحتمل أن يكون ترجم على الإطلاق وعلى التقييد فلا تكون
زائدة. قلت: لا يخرج عن كونه زائداً لأن المعنى الحاصل فيهما واحد وليس فيه زيادة
فائدة، فلا حاجة إلى ذكره وقال الكرماني: هذا الإسناد بهذا الترتيب تقدم فى آخر كتاب
العلم. قلت: نعم، كذا ذكره في باب ذكر العلم والفتيا في المسجد، حيث قال: حدّثنا قتيبة
ابن سعيد حدّثنا الليث بن سعد، قال: حدّثنا نافع مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب بن عبد
الله بن عمر أن رجلاً قام في المسجد الحديث، فالإسنادان سواء، غير أن هناك نسب الرواة،
وهاهنا اكتفى بأساميهم وأن الذي هناك يوضح الذي هاهنا، ومع هذا لكل واحد منهما متن
خلاف متن الآخر. فإن قلت: هذا الحديث يعد من مسند عمر بن الخطاب أو من مسند ابنه
عبد الله؟ قلت: ظاهره أن ابن عمر حضر سؤال أبيه عمر، فيكون الحديث من مسنده، وهو
المشهور من مسند عمر، وكذا رواه مسلم من طريق يحيى القطان عن عبيد الله بن عمر عن
نافع عن ابن عمر عن عمر، رضي الله تعالى عنه، وهذا لا يقدح فيه صحة الحديث. قوله:
((أيرقد))؟ الهمزة للاستفهام عن حكم الرقاد لا عن تعيين الوقوع، فالمعنى: أيجوز الرقود
لأحدنا؟ قوله: ((وهو جنب)) جملة حالية. قوله: ((إذا توضأ)) ظرف محض. لقوله: ((فليرقد))
والمعنى: إذا أراد أحدكم الرقاد قليرقد بعد التوضي، وقال الكرماني: ويجوز أن يكون ظرفاً
متضمناً للشرط ثم قال: الشرط سبب، فما المسبب الرقود أم الأمر بالرقود ثم أجاب بأنه
يحتمل الأمرين مجازاً لا حقيقة كأن التوضيء مسبب لجواز الرقود أو لأمر الشارع به. ثم
قال: فإن قلت: الرقود ليس واجباً ولا مندوباً، فما معنى الأمر؟ قلت: الإباحة بقرينة الإجماع
على عدم الوجوب والندب. انتهى.
قلت: هذا كلام مدمج وفيه تفصيل وخلاف، فنقول: وبالله التوفيق، ذهب الثوري
والحسن بن حي وابن المسيب وأبو يوسف إلى أنه لا بأس للجنب أن ينام من غير أن يتوضأ،
واحتجوا في ذلك بما رواه الترمذي، حدّثنا هناد، قال: حدّثنا أبو بكر بن عياش عن الأعمش
عن أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة قال: ((كان النبي عَّه، ينام وهو جنب ولا يمس ماء)

• مجم
٥ - كتاب الغسل / باب (٢٦)
٣٦٠
ورواه ابن ماجة: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدّثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن الأسود
عن عائشة قالت: ((إن رسول الله عَّةٍ، إن كانت له إلى أهله حاجة قضاها ثم ينام كهيئته لا
يمس ماء)) وأخرجه أحمد كذلك، وأخرجه الطحاوي من سبعة طرق، منها: ما رواه عن ابن
أبي داود عن مسدد قال: حدّثنا أبو الأحوص، قال: حدّثنا أبو إسحاق عن الأسود عن عائشة.
قالت: ((كان رسول الله عَ ليه، إذا رجع من المسجد صلى ما شاء الله ثم مال إلى فراشه وإلى
أهله فإن كانت له حاجة قضاها ثم نام كهيئته ولا يمس طيباً)) وأرادت بالطيب الماء، كما وقع
في الرواية الأخرى، ولا يمس ماء، وذلك أن الماء يطلق عليه الطيب كما ورد في الحديث
فإن الماء طيب لأنه يطيب ويطهر، وأي طيب أقوى فعلاً في التطهير من الماء؟ وذهب
الأوزاعي والليث وأبو حنيفة ومحمد والشافعي ومالك وأحمد وإسحاق وابن المبارك وآخرون
إلى أنه ينبغي للجنب أن يتوضأ للصلاة قبل أن ينام، ولكنه اختلفوا في صفة هذا الوضوء
وحكمه فقال أحمد: يستحب للجنب إذا أراد أن ينام أو يطأ ثانياً أو يأكل أن يغسل فرجه
ويتوضأ روى ذلك عن علي وعبد الله بن عمر، وقال سعيد بن المسيب: إذا أراد أن يأكل
يغسل كفيه ويتمضمض وحكى نحوه عن أحمد وإسحاق، وقال مجاهد: يغسل كفيه. وقال
مالك: يغسل يديه إن كان أصابهما أذى.
وقال أبو عمر في (التمهيد) وقد اختلف العلماء في إيجاب الوضوء عند النوم على
الجنب، فذهب أكثر الفقهاء إلى أن ذلك على الندب والاستحباب لا على الوجوب. وذهبت
طائفة إلى أن الوضوء المأمور به الجنب هو غسل الأذى منه وغسل ذكره ویدیه، وهو
التنظيف، وذلك عند العرب يسمى، وضوءاً. قالوا: وقد كان ابن عمر لا يتوضأ عند النوم
الوضوء الكامل، وهو روى الحديث وعلم مخرجه، وقال مالك: لا ينام الجنب حتى يتوضأ
وضوءه للصلاة، قال: وله أن يعاود أهله ويأكل قبل أن يتوضأ؛ إلا أن يكون في يديه قذر
فيغسلهما، قال: والحائض تنام قبل أن تتوضأ. وقال الشافعي، في هذا كله نحو قول مالك،
وقال أبو حنيفة والثوري: لا بأس أن ينام الجنب على غير وضوء، وأحب إلينا أن يتوضأ،
قالوا: فإذا أراد أن يأكل تمضمض وغسل يديه، وهو قول الحسن ابن حي. وقال الأوزاعي:
الحائض والجنب أرادا أن يطعما غسلا أيديهما. وقال الليث بن سعد: لا ينام الجنب حتى
يتوضأ رجلاً كان أو امرأة. انتهى.
٣,
وقال القاضي عياض: ظاهر مذهب مالك أنه ليس بواجب، وإنما هو مرغب فيه، وابن
حبيب يرى وجوبه، وهو مذهب داود، وقال ابن حزم في (المحلى) ويستحب الوضوء
للجنب إذا أراد الأكل أو النوم ولرد السلام ولذكر الله، وليس ذلك بواجب. قلت: قد خالف
ابن حزم داود في هذا الحكم وقال ابن العربي: قال مالك والشافعي لا يجوز للجنب أن ينام
قبل أن يتوضأ. وقال بعضهم: أنكر بعض المتأخرين هذا النقل، وقال: لم يقل الشافعي
بوجوبه، ولا يعرف ذلك أصحابه، وهو كما قال، لكن كلام ابن العربي محمول على أنه أراد
نفي الإباحة المستوية الطرفين، لا إثبات الوجوب، أو أراد بأنه واجب وجوب سنة أي: متأكد
١