النص المفهرس

صفحات 301-320

٠٠٠
٥ - كتاب الغسل / باب (٥)
٣٠١
المذكور قبل هذا الباب السؤال عن الغسل وقع عن جماعة بغير لفظة، كيف، ووقع جوابه
هناك بقوله: ((يكفيك صاع))، ولههنا جوابه بقوله: ((كان النبيِّ، صلى الله تعالى عليه
وسلم، يأخذ ثلاثة أكف)). إلخ والسؤال في موضعين عن الكيفية، غير أنه لم يذكر لفظ،
كيف، هناك اختصاراً، والجواب في الموضعين بالكمية، لأن هناك قال: ((يكفيك صاع))،
ولههنا قال: ((ثلاثة أكف)) وكل منهما كم، وقول بعضهم السؤال في الأول عن الكمية، أشعر
بذلك قوله في الجواب: يكفيك صاع، ليس كذلك، لأنه اغتر بظاهر قوله لههنا: كيف
الغسل؟ وقد ذكرنا أن لفظة: كيف، هناك مطوية، لأن السؤال في موضعين عن حالة الغسل
وصفته بلفظ: كيف، لأنها تدل على الحالة. فإن قلت: كيف تقول: السؤال في موضعين عن
حالة الغسل والجواب بالكمية. قلت: الحالة هي الكيفية، وللغسل حقيقة وحالة، فحقيقة
إسالة الماء على سائر البدن وحالته استعمال ماء نحو صاع أو ثلاث أكف منه، ولم يكن
السؤال عن حقيقة الغسل، وإنما كان عن حاله، فوقع الجواب بالكم في الموضعين لأن، كيف
وكم من العوارض المنحصرة في المقولات التسع فطابق الجواب السؤال. والنبي عَ لَّهِ ما
بعث لبيان الحقائق؟ وإنما بعث لبيان الأحكام: والأحكام من عوارض الحقائق قوله: ((ثلاثة
أكف)) هي رواية كريمة بالتاء، وفي رواية غيرها: ((ثلاث أكف))، بغير التاء. قال الكرماني: (فإن
قلت:) الكف مؤنثة، فلم دخل التاء في الثلاثة؟ قلت: المراد من الكف قدر ما فيها، فباعتباره
دخلت، أو باعتبار العضو. قلت: في الجواب الأول نظر، والثاني لا بأس به، والأحسن أن
يقول: الكف يذكر ويؤنث فيجوز دخول التاء وتركه على الاعتبارين، والمراد أنه يأخذ في
كل مرة كفين، لأن الكف اسم جنس، فيجوز حمله على الاثنين، والدليل عليه رواية إسحاق
ابن راهويه من طريق حسن بن صالح عن جعفر بن محمد عن أبيه قال في آخر الحديث
((وبسط يديه)) ويؤيده حديث جبير بن مطعم الذي في أول الباب. قوله: ((فيفيضها على
رأسه)) وفي بعض النسخ بدون على. قوله: ((ثم يفيض)) أي: الماء فإن قلت: لم لا يكون
مفعوله المحذوف ثلاثة أكف، بقرينة عطفه عليه؟ قلت: لأن الثلاثة الأكف لا يكفي لسائر
جسد عادة. قوله: ((كثير الشعر)) أي: لا يكفي هذا القدر من الماء، فقال: كان رسول الله
عَّلِ أكثر شعراً منك وقد كفاه.
i
i
ومما يستنبط منه، جواز الاكتفاء بثلاث غرف على الرأس وإن كان كثير الشعر. وفيه:
تقديم ذلك على إفاضة الماء على جسده. وفيه: الحث على السؤال عن أمر الدين من
العلماء. وفيه: وجوب الجواب عند العلم به. وفيه: دلالة على ملازمة النبي، عليه الصلاة
والسلام، على ثلاثة أكف في الغسل، لأن لفظة (كان) تدل على الاستمرار.
٥ - بابُ الغُسْل مَرَّةً وَاحِدَةً
أي هذا باب في بيان حكم الغسل مرة واحدة.
i
جو.
٢٥٧/١٠ - حدّثنا مُوسَى بْنُ إسماعيلَ قالَ حدّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ سَالِمٍ
٦
جدة
٠٠٠٠
١٣٠
٠٣٤

٣٠٢
٥ - كتاب الغسل / باب (٦)
ابنِ أبي الجَعْدِ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ قالتْ مَيْمُونَةُ وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ عَ لِّ مَاءٍ لِلْغُسْلِ
فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثَاً ثُمَّ أَفْرَعَ عَلَى شِمالِهِ فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِالأَرْضِ ثُّ
مَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ ثُمَّ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ فَغَسَلَ
قَدَمَيْهِ. [انظر الحديث ٤٩ وأطرافه].
تكلف ابن بطال لتطبيق الحديث على الترجمة. فقال: موضع الترجمة من الحديث
في لفظ: ((ثم أفاض على جسده)) ولم يذكر: مرة ولا مرتين، فحمل على أقل ما يسمى
غسلاً، وهو: مرة واحدة، والعلماء أجمعوا على أنه ليس الشرط في الغسل إلاَّ العموم
والإسباغ لا عدداً من المرات قلت في هذا عشر احكام على ما ترى فما وجه وضع الترجمة
على حكم واحد منها وما ثم زيادة فائدة نعم لو ذكر تراجم لبقية الأحكام ولم يبق إلاَّ هذا
لكان له وجه وهذا الحديث واحد، وإنما قطعة لوضع التراجم على أن قولها: ((ثم أفاض))،
يتناول القليل والكثير، فتكون مطابقته للترجمة ظاهرة.
بيان رجاله وهم ستة: موسى بن إسماعيل التبوذكي، وعبد الواحد بن زياد البصري.
والأعمش سليمان وهو وسالم بن أبي الجعد وكريب تقدموا في باب الوضوء قبل الغسل.
وفيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في أربعة مواضع والقول.
والحديث أخرجه مسلم والأربعة أيضاً، وقد ذكرناه في باب: الوضوء قبل الغسل.
ذكر معناه قوله: ((فغسل يديه)) بالتثنية في رواية الكشميهني، وفي رواية غيره ((يده)
بالإفراد قوله: ((أو ثلاثاً) الشك من ميمونة، قاله الكرماني، وقال بعضهم: الشك من الأعمش،
كما سيأتي من رواية أبي عوانة عنه وغفل الكرماني فقال: الشك من ميمونة. قلت: هذا مر
في باب من أفرغ بيمينه على شماله في الغسل، ولفظه: ((فغسلهما مرة أو مرتين))، قال
سليمان: لا أدري أذكر الثلاثة أم لا، وسليمان هو الأعمش، ولكن الشك لههنا بين مرتين أو
ثلاثاً، وهناك بين مرة أو مرتين، فعلى هذا تعين الشك من الأعمش، لكن موضعه مختلف.
قوله: ((فغسل مذاكيره)) هو جمع ذكر على خلاف القياس كأنهم فرقوا بين الذكر الذي هو
خلاف الأنثى، والذكر الذي هو الفرج في الجمع، وقال الأخفش: هو جمع لا واحد له،
كأبابيل. قلت قيل: إن الأبابيل جمع أبول كعجاجيل جمع عجول. وقيل: هو جمع مذكار،
ولكنهم لم يستعملوه وتركوه، والنكتة في ذكره بلفظ الجمع الإشارة إلى تعميم غسل
الخصيتين وحواليهما كأنه جعل كل جزء من هذا المجموع كذلك في حكم الغسل.
والأحكام التي تستنبط منها قد مر ذكرها.
٦ - بابُ مَنْ بَدَأَ بالحِلابِ أَوْ الِيّبِ عِنْدَ الغُسْلِ
أي: هذا باب في بيان حكم الذي بدأ بالحلاب إلى آخره؛ استشكل القوم في مطابقة
هذه الترجمة لحديث الباب، فافترقوا ثلاث فرق: الفرقة الأولى: قد نسبوا البخاري إلى الوهم
١

i
٣٠٣
٥ - كتاب الغسل / باب (٦)
والغلط، منهم الإسماعيلي فإنه قال في (مستخرجه) رحم الله أبا عبد الله. يعني من ذا الذي
يسلم من الغلط، سبق إلى قلبه أن الحلاب طيب، وأي معنى للطيب عند الاغتسال قبل
الغسل، وإنما الحلاب إناء يحلب فيه ويسمى محلباً أيضاً، وهذا الحديث له طريق يتأمل
المتأمل بيان ذلك حيث جاء فيه، كان يغتسل من حلاب، رواه هكذا أيضاً ابن خزيمة وابن
حبان وروى أبو عوانة في (صحيحه) عن يزيد بن سنان عن أبي عاصم بلفظ: ((كان يغتسل
من حلاب، فيأخذ غرفة بكفيه فيجعلها على شقه الأيمن ثم الأيسر)) كذا الحديث بقوله:
((يغتسل)) وقوله: ((غرفة)) أيضاً مما يدل على أن الحلاب إناء الماء، وفي رواية لابن حبان
والبيهقي: ((ثم صب على شق رأسه الأيمن))، والطيب لا يغير عنه بالصب وروى الإسماعيلي
من طريق بندار عن أبي عاصم بلفظ: ((كان إذا أراد أن يغتسل من الجنابة دعا بشيء دون
الحلاب، فأخذ بكفه، فبدأ بالشق الأيمن ثم الأيسر ثم أخذ بكفيه ماء فأفرغ على رأسه)) فلولا
قوله: ((ماء)) لأمكن حمله على الطيب قبل الغسل، ورواية أبي عوانة أصرح من هذه ومن
هؤلاء الفرقة ابن الجوزي حيث قال: غلط جماعة في تفسير الحلاب، منهم البخاري، فإنه
ظن أن الحلاب شيء من الطيب، الفرقة الثانية: منهم الأزهري، قالوا هذا تصحيف وإنما هو:
جلاب، بضم الجيم وتشديد اللام، وهو ماء الورد فارسي معرب. الفرقة الثالثة: منهم المحب
الطبري، قالوا لم يرد البخاري بقوله: أو الطيب، ما له عرف طيب، وإنما أراد تطييب البدن
وإزالة ما فيه من وسخ، ودرن ونجاسة إن كانت، وإنما أراد بالحلاب الإناء الذي يغتسل منه،
يبدأ به فيوضع فيه ماء الغسل. قال المحب: وكلمة. أو في قوله: ((أو)) الطيب بمعنى الواو،
كذا اثبت في بعض الروايات أقول، وبالله التوفيق، لا يظن أحد أن البخاري أراد بالحلاب
ضرباً من الطيب لأن قوله: أو الطيب يرفع ذلك، ولم يرد إلاّ إناء يوضع فيه ماء قال الخطابي:
الحلاب إناء يسع قدر حلبة ناقة، والدليل على أن الحلاب ظرف قول الشاعر:
صاح هل رأيت أو سمعت براع رد في الضرع ما بقي في الحلاب
وقال القاضي عياض: الحلاب والمحلب بكسر الميم، وعاء يملؤه قدر حلب الناقة،
ومن الدليل على أن المراد من الحلاب غير الطيب عطف الطيب، عليه بكلمة. لو، وجعله
قسيماً له، وبهذا يندفع ما قاله الإسماعيلي: إن البخاري سبق إلى قلبه أن الحلاب طيب،
وكيف يسبق إلى قلبه ذلك وقد عطف، الطيب، عليه والمعطوف غير المعطوف عليه؟
وكذلك دعوى الأزهري التصحيف غير صحيحة، لأن المعروف من الرواية بالمهملة،
والتخفيف، وكذلك أنكر عليه أبو عبيدة الهروي. وقال القرطبي: لأن في اللغة الفارسية، ماء
الورد، هو جلاب بضم الجيم وتخفيف اللام، أصله: كلاب فكل بضم الكاف الصماء
وسكون اللام، إسم للورد عندهم، وآب، بمد الهمزة وسكون الباء الموحدة اسم الماء،
والقاعدة عندهم إن المضاف إليه يتقدم على المضاف وكذلك الصفة تقدم على الموصوف،
وإنما الجلاب بتشديد اللام قاسم للمشروب. فإن قلت: إذا ثبت أن الحلاب اسم للإناء،
يكون المذكور في الترجمة شيئين: أحدهما: الإناء، والآخر: الطيب، وليس في الباب ذكر
i

٣٠٤
٥ - كتاب الغسل / باب (٦)
الطيب، فلا يطابق الحديث الذي فيه إلاَّ بعض الترجمة. قلت: قد عقد الباب لأحد الأمرين
حيث جاء: أو الفاصلة دون، الواو الواصلة فوفي بذكر أحدهما على أنه كثيراً ما يذكر في
الترجمة شيئاً ولا يذكر في الباب حديثاً متعلقاً به الأمر يقتضي ذلك.
فإن قلت: ما المناسبة بين ظرف الماء والطيب؟ قلت: من حيث إن كلاً منهما يقع
في مبتدأ الغسل، ويحتمل أيضاً أنه بالحلاب الإناء الذي فيه الطيب، يعني به تارة يطلب
ظرف الطيب، وتارة يطلب نفس الطيب، كذا قاله الكرماني، ولكن يرده ما رواه الإسماعيلي
من طريق مكي بن إبراهيم عن حنظلة في هذا الحديث كان يغتسل بقدح، بدل قوله:
بحلاب، وزاد فيه. کان یغسل یدیه ثم يغسل وجهه ثم يقول بيده ثلاث غرف.
١١/ ٢٥٨ - حدثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قالَ حدّثنا أبُو عَاصِمِ عَنْ حَنْظَلَةَ عِنِ القَاسِمِ عَنْ
عَائِشَةَ قالتْ كَانَ النَّبِيُّ عَّهِ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ دَعا بِشَيءٍ نَخْوَ الحِلابِ فَأَخَذَ بِكَفِّهِ فَبدأَ
بِشِقْ رَأْسِهِ الأَيَنِ ثُمَّ الأَيْسَرِ فَقَالَ بِهِما عَلَى وَسطِ رَأْسِهِ.
رجاله خمسة: محمد بن المثنى وقد مر، وأبو عاصم الضحاك بن مخلد، بفتح الميم
وسكون الخاء المعجمة البصري المتفق عليه علماً وعملاً، ولقب بالنبيل لأن شعبة حلف أنه
لا يحدث شهراً فبلغ ذلك أبا عاصم فقصده فدخل مجلسه، فقال: حدث وغلام العطار حر
عن كفارة يمينك، فأعجبه ذلك، وقال: أبو عاصم النبيل، فلقب به وقيل لغير ذلك، وحنظلة
ابن أبي سفيان القرشي تقدم في باب دعاؤكم وإيمانك، والقاسم بن محمد بن أبي بكر
الصديق التيمي، أفضل أهل زمانه، كان ثقة عالماً فقيهاً من الفقهاء السبعة بالمدينة، إماماً
ورعاً من خيار التابعين مات سنة بضع ومائة.
بيان لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الإفراد في موضع وبصيغة الجمع في
موضع. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: أن أبا عاصم من كبار شيوخ البخاري: وقد أكثر
عنه في هذا الكتاب، لكنه نزل في هذا الإسناد فأدخل بينه وبينه محمد بن المثنى. وفيه: أن
رواته ما بين بصري ومكي ومدني.
ذكر من أخرجه غيره أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي جميعاً في الطهارة عن محمد
ابن المثنى عن أبي عاصم عن حنظلة بن أبي سفيان عن القاسم عن عائشة رضي الله تعالى
عنها.
ذكر لغاته ومعناه قوله: ((كان ◌َّ إذا اغتسل)) أي: إذا أراد أن يغتسل. قوله: ((دعا)»
أي: طلب. قوله: ((نحو الحلاب) أي: إناء مثل الإناء الذي يسمى الحلاب، وقد وصفه أبو
عاصم بأنه أقل من شبر في شبر، أخرجه أبو عوانة في (صحيحه) عنه، وفي رواية لابن حبان:
وأشار أبو عاصم بكفيه، حكاية حلق شبريه، يصف به دوره الأعلى، وفي رواية للبيهقي
(( كقدر كوز يسع ثمانية أرطال)) وفي حديث مكي عن القاسم: ((إنه سئل كم يكفي من غسل
الجنابة، فأشار إلى القدح والحلاب))، ففيه بيان مقدار ما يحتمل من الماء لا الطيب

يو٣:
٣٠٥
٥ - كتاب الغسل / باب (٧)
والتطيب، ومن له ذوق من المعاني وتصرف في التراكيب يعلم أن الحلاب المذكور في
الترجمة إنما هو الإناء ولم يقصد البخاري إلاَّ هذا غير أن القوم أكثروا الكلام فيه من غير زيادة
فائدة، ولفظ الحديث أكبر شاهد على ما ذكرناه لأنه قال: دعا بشيء نحو الحلاب: فلفظ:
نحو: لههنا بمعنى: المثل، ومثل الشيء غيره، فلو كان دعا بالحلاب كان ربما يشكل على أن
في بعض الألفاظ دعا بإناء مثل الحلاب. قوله: ((فأخذ بكفه)) بالإفراد، وفي رواية
الكشميهني: بكفيه، بالتثنية، وكذا وقع في رواية مسلم بعد قوله: ((الأيسر)) وكذا وقع في
رواية أبي داود. قوله: ((فقال بهما)) أي: بكفيه، وهذا يدل على أن الرواية الصحيحة، فأخذ
بكفيه، بالتثنية حيث أعاد الضمير بالتثنية. وأما على رواية مسلم فظاهر، لأنه زاد في روايته
بعد قوله: ((الأيسر)) ((فأخذ بكفيه)) ومعنى: قال بهما. قلبت بكفيه على وسط رأسه والعرب
تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال، وتطلقه أيضاً على غير الكلام فتقول: قال بيده، أي:
أخذ، وقال برجله، أي: مشى قال الشاعر:
وقالت له العينان سمعاً وطاعة
أي: أومأت وجاء في حديث آخر: ((فقال بثوبه)) أي: دفعه، وكل ذلك على المجاز
والاتساع، ويقال: إن قال: يجيء لمعان كثيرة بمعنى: أقبل ومال واستراح وذهب وغلب
وأحب وحكم وغير ذلك، وسمعت أهل مصر يستعملون هذا في كثير من ألفاظهم، ويقولون:
أخذ العصا وقال به كذا أي ضرب به، وأخذ ثوبه وقال به عليه، أي: لبسه وغير ذلك، يقف
على هذا من تتبع كلامهم. قوله: ((وسط رأسه)) بفتح السين، وقال الجوهري بالسكون ظرف،
وبالحر کة اسم، و کل موضع صلح فيه بین فهو بالسكون، وإن لم يصلح فيه فهو بالتحريك،
وقال المطرزي: سمعت تعلباً يقول: استنبطنا من هذا الباب أن كل ما كان أجزاء ينفصل.
قلت: فيه وسط بالتسكين، وما كان لا ينفصل ولا يتفرق، قلت: بالتحريك. تقول من الأول:
اجعل هذه الخرزة وشط السبحة، وانظم هذه الياقوتة وسط القلادة، وتقول أيضاً منه، لا تقعد
وسط الحلقة، ووشط القوم، هذا كله يتجزأ ويتفرق وينفصل، فيقول فيه بالتسكين، وتقول في
القسم الثاني، احتجم وسط رأسه، وقعد وسط الدار، فقس على هذا. وفي (الواعي) لأبي
محمد، قال الفراء: سمعت يونس يقول: وسط ووسط بمعنى، وفي (المخصص) عن الفارسي:
سوى بعض الكوفيين بين وسط ووسط فقال: هما ظرفان وإسمان.
ومما يستنبط منه أن المغتسل يستحب له أن يجهز الإناء الذي فيه الماء ليغتسل منه،
ويستحب له أن يبدأ بشقه الأيمن ثم بالشق الأيسر، ثم على وسط رأسه، ويستنبط من قولها
كان النبي عَّله، مداومته على ذلك لأن هذه اللفظة تدل على الاستمرار والدوام، والله أعلم.
٧ - بابُ المَضْمَضَةِ والاسْتِنْشَاقِ فِي الجَنَابَةِ
أي: هذا باب في بيان حكم المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة هل هما
واجبان أم سنتان؟ وقال بعضهم: أشار ابن بطال وغيره إلى أن البخاري استنبط عدم وجوبهما
عمدة القاري / ج٣ / ٢٠٢
١٠٠
i
i
i
i
i
i

٣٠٦
٥ - كتاب الغسل / باب (٧)
من هذا الحديث، لأن في رواية الباب الذي بعده في هذا الحديث، ((ثم توضأ وضوءه
للصلاة)) فدل على أنهما للوضوء وقام الإجماع على أن الوضوء في غسل الجنابة غير واجب.
والمضمضة والاستنشاق من توابع الوضوء، فإذا سقط الوضوء سقط توابعه، ويحمل ما روى
من صفة غسله، عليه الصلاة والسلام، على الكمال والفضل، قلت: أن النبي صَ لّهِ لم
يتركهما، فدل على المواظبة وهي تدل على الوجوب. فإن قلت: ما الدليل على المواظبة؟
قلت: عدم النقل عنه بتركه إياهما، وسقوط الوضوء القصدي لا يستلزم سقوط الوضوء
الضمني، وعلى كل حال لم ينقل تركهما، وأيضاً النص يدل على وجوبهما، كما ذكرنا فيما
مضى.
٢٥٩/١٢ - حدثنا عُمَّرُ بنُّ حَفْص بنٍ غياثٍ قالَ حدّثنا أبي قال حدثنا الأَعْمَشُ قال
حِدّثني سالِمُ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ حدَّثَتنا مَيْمُونَةُ قالَتِْ صَبَبْتُ لِلنَّبِيِّ عَلِ غُشْلاً
فَأَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى يَسَارِهِ فَغَسَلَهُما ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ الأَرْضَ فَمِسَحَهَا بالترَابِ ثُمَّ
غسَلَهَا ثُمَّ تَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَأَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ تَنَخَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ ثُمَّ أَتِّيَّ
بِمِنْدِيلٍ أَقَلَم يَنْفُضْ بِها. [انظر الحديث ٢٤٩ وأطرافه].
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة.
بيان رجاله وهم سبعة: الأول: عمر بن حفص بن غياث، بكسر الغين المعجمة وفي
آخره ثاء مثلثة، مات سنة ست وعشرين ومائتين. الثاني: أبوه حفص بن غياث بن طلق
النخعي الكوفي. ولي القضاء ببغداد أوثق أصحاب الأعمش ثقة فقيه عفيف حافظ، مات سنة
ست وتسعين ومائة. الثالث: سليمان الأعمش. الرابع: سالم بن أبي الجعد التابعي.
الخامس: كريب. السادس: عبد الله بن عباس. السابع: ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين،
رضي الله تعالى عنهم.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع وبصيغة الإفراد في
موضع واحد. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: رواية التابعي عن التابعي. وفيه: رواية
الصحابي عن الصحابية. وفيه: أن رواته ما بين كوفي ومدني. وفيه: حدّثنا عمر بن جعفر بن
غياث في رواية الأكثرين، وفي رواية الأصيلي: حدّثنا عمر بن حفص أي: ابن غياث.
ذكر معناه قوله: ((غسلاً)) بالضم أي: ماء للاغتسال. قوله: ((ثم قال بيده الأرض)) أي:
ضرب بيده الأرض، وقد ذكرنا عن قريب أن العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال،
وتطلقه على غير الكلام، وسيجيء في رواية في هذا الموضع: ((فضرب بيده الأرض)). قوله:
(ثم تنحى) أي: بعد عن مكانه. قوله: ((بمنديل)) بكسر الميم، واشتقاقه من الندل وهو الوسخ
لأنه يندل به، ويقال: تندلت بالمنديل. قال الجوهري: ويقال أيضاً تمندلت به وأنكرها
الكسائي. ويقال تمدلت: وهو لغة فيه. قوله: ((فلم ينفض بها)) زاد في رواية كريمة، قال أبو

٣٠٧
٥ - كتاب الغسل / باب (٨)
عبد الله يعني لم يتمسح، وقال الجوهري: النفض التنشف، وإنما أنث الضمير لأن المنديل في
معنى الخرقة، وعن عائشة رضي الله عنها ((أن النبي عَّلِ كانت له خرقة يتنشف بها)).
والأحكام المستنبطة منها قد ذكرت عن قريب.
٨ - بابُ مَسْحِ اليَدِ بالتَّابِ لِتَكُونَ أَنْقَى
أي: هذا باب في بيان مسح المغتسل يده بالتراب لتكون أنقى أي: أطهر، وكلمة. من
محذوفة. أي: ((أنقى) من غير الممسوحة، وذلك لأن أفعل التفضيل لا يستعمل إلا بالإضافة
أو باللام أو بمن، والضمير في: لتكون، اسم. كان، وخبره قوله: أنقى، ولا مطابقة بينهما، مع
أنها شرط بین اسم كان وخبره، وجه ذلك أن أفعل التفضيل إذا كان بمن فهو مفرد مذکر لا غير.
٢٦٠/١٣ - حدّثنا الحُمَيْدِي قالَ حدّثنا سُفْيانُ قال حدّثنا الأَعْمَشُ عَنْ سَالِمِ بنِ أبي
الجَعْدِ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ أنَّ النَّبِي عَّهِ اغْتَسَل مِنَ الجَنَابَةِ فَغَسَل فَرْجَهُ
بِيَدِهِ ثُمَّ دَلَكَ بِهَا الخَائِطِ ثُمَّ غَسَلْهَا ثُمَّ تَوَضأَ وُضُوءَه لِلصَّلاَةِ فَلَمَا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ غَسَلَ
رِجْلَيْهِ. [انظر الحديث ٢٤٥ وأطرافه].
مطابقة الحديث للترجمةٍ في قوله: ثم دلك الحائط بها.
فإن قلت: هذه الترجمة قد علمت من حديث الباب المتقدم في قوله: ((ثم قال بيده الأرض
فمسها بالتراب)) فما فائدة التكرار؟ قلت: قال الكرماني: غرض البخاري من أمثاله الشعور
باختلاف استخراجات الشيوخ وتفاوت سياقاتهم، مثلاً عمر بن حفص روى هذا الحديث في
معرض بيان المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة، والحميدي رواه في بيان معرض مسح
اليد بالتراب فحافظ على السياق وما أستخرجه الشيوخ فيه مع ما فيه من التقوية والتأكيد.
قلت: لههنا فائدة أخرى. وهي: أن في الباب الأول دلك اليد على التراب، ولههنا دلك اليد
على الحائط، وبينهما فرق.
ذكر رجاله وما في السند من اللطائف أما رجاله فهم سبعة مثل رجال الحديث
المذكور في الباب السابق، غير أن شيخه لههنا الحميدي عن سفيان بن عيينة، وبقية الرجال
متحدة.
وأما لطائفه ففيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في أربعة
مواضع. وفيه: رواية الأكثرين: حدّثنا الحميدي، وفي بعضها: حدّثنا عبد الله بن الزبير
الحميدي، وفي بعضها حدّثنا الحميدي، عبد الله بن الزبير. قوله: ((فغسل فرجه)) قال
الكرماني: فإن قلت: الفاء للتعقيب، وغسل الفرج ليس متعقباً على الاغتسال بل مقدم عليه،
وكذا الدلك والوضوء. قلت: الفاء تفصيلية، لأن هذا كله تفصيل للاختصار المجمل،
والتفصيل يعقب المجمل، وأخذ منه بعضهم وقال: هذه الفاء تفسيرية وليس بتعقيبية، لأن
غسل الفرج لم يكن بعد الفراغ انتهى. قلت: من دقق النظر وعرف أسرار العربية يقول: الفاء،
i
i
i
i
i
i

٣٠٨
1 80
٥ - كتاب الغسل / باب (٩)
پللتر اغتسل فرتب غسله، فغسل فرجه
لههنا عاطفة ولكنها للترتيب، ومعنى الحديث أن النبى
ثم توضأ، وكون الفاء للتعقيب لا يخرجها عن كونها عاطفة.
بیان الأحكام قد مر مستقصیّ.
٩ - بابُ هَلْ يُدْخِلُ الجُنُبُ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ قَبْلَ أنْ يَغْسِلَهَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى يَدِهِ قَذَرٌ غَيْرُ
الجَنَابَةِ
أي: هذا باب في بيان هل يدخل الجنب يده؟ إلخ. قوله: ((في الإناء)) أي الإناء
الذي فيه الماء. قوله: ((قذر)) أي: شيء مستكره من نجاسة وغيرها. قوله: ((غير الجنابة))
يشعر بأن الجنابة نجس وليس كذلك، لأن المؤمن لا ينجس كما ثبت ذلك في الصحيح،
وقال بعضهم: غير الجنابة أي: حكم، لأن أثرها مختلف فيه، فدخل في قوله: ((قذر)) قلت:
لم يدخل الجنابة في القذر أصلاً لأنها أمر معنوي لا يوصف بالقذر حقيقة، فما مراد هذا
القائل من قوله: أي حكمها؟ فإن كان الاغتسال، فلا دخل له لههنا وإن كان النجاسة فقد قلنا
إن المؤمن لا ينجس، وكذا إن كان مراده من قوله: لأن أثرها أي: المني وهو طاهر في
زعمه.
وأدْخَلَ ابنُ عُمَرَ والبَرَاءُ ابنُ عازِبٍ يَدَهُ فِي الطَّهُورِ وَلَمْ يَغْسِلْهَا ثُمَّ تَوَضَّأَ
الكلام فيه على أنواع.
الأول: أن الواو في قوله: ((وأدخل)) ما هي؟ قلت: قد ذكرت غير مرة أن هذه الواو،
تسمى: واو الاستفتاح يستفتح بها كلامه، وهو السماع من المشايخ الكبار.
الثاني: أن هذا الأثر غير مطابق للترجمة على الكمال، لأن الترجمة مقيدة والأثر
مطلق.
الثالث: أن هذا معلق إنما أثر ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، فقد وصله سعيد بن
منصور بمعناه، وأما أثر البراء فقد وصله ابن أبي شيبة بلفظ أنه أدخل يده في المطهرة قبل أن
يغسلها. فإن قلت: روى ابن أبي شيبة في (مصنفه) أخبرنا محمد بن فضيل عن أبي سنان
ضرار، عن محارب عن ابن عمر قال: من اغترف من ماء وهو جنب فما بقي نجسٍ وهذا
يعارض ما ذكره البخاري. قلت: حملوا هذا على ما إذا كان بيده قذر، توفيقاً بين الأثرين،
وقال بعضهم: أو غسل للندب وترك للجواز. قلت: كيف يكون تركه للجواز إذا كان بيده
قذر؟ وإن لم يكن فلا يضر، فلم يحصل التوفيق بينهما بما ذكره هذا القائل، وهذا الأثر من
أقوى الدلائل لمن ذهب من الحنفية إلى نجاسة الماء المستعمل فافهم.
الرابع: في معناه، فقوله: ((يده)) أي أدخل كل واحد منهما يده وفي رواية أبي الوقت
((يديهما)) بالتثنية على الاصل وقال الكرماني وفي بعض النسخ يديهما ولم يغسلاهما ثم توضأ
بالتثنية في المواضع الثلاث. قوله: ((في الطهور)) بفتح الطاء، وهو الماء الذي يتطهر به في
الوضوء والاغتسال.

٣٠٩
٥ - كتاب الغسل / باب (٩)
الخامس: في حكم هذا الأثر. وهو جواز إدخال الجنب يده في إناء الماء قبل أن
يغسلهما إذا لم يكن عليهما نجاسة حقيقية. وقال الشعبي: كان الصحابة يدخلون أيديهم
الماء قبل أن يغسلوها وهم جنب، وكذلك النساء، ولا يفسد ذلك بعضهم على بعض، وروي
نحوه عن ابن سيرين وعطاء وسالم وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن أبي جبير وابن المسيب.
وَلَمْ يَرَ ابنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ بَأْساً بِما يَنْتَضِحُ مِنْ غُسْلِ الجَنَابَةِ
وجد مطابقة هذا الأثر بالتعسف كما يأتي، وهو من حيث إن الماء الذي يدخل
الجنب يده فيه لا ينجس إذا كانت طاهرة فكذلك انتشار الماء الذي يغتسل به الجنب في
إنائه لأن في تنجيسه مشقة ألا ترى كيف قال الحسن البصري: ومن يملك انتشار الماء؟ فإنا
لنرجو من رحمة الله ما هو أوسع من هذا. أما أثر ابن عمر فوصله عبد الرزاق بمعناه، وأما أثر
ابن عباس فرواه ابن أبي شيبة عن حفص عن العلاء بن المسيب عن حماد عن إبراهيم عن
ابن عباس في الرجل يغتسل من الجنابة فينتضح في إنائه من غسله فقال: لا بأس به، وهو
منقطع فيما بين إبراهيم وابن عباس وروي مثله عن أبي هريرة وابن سيرين والنخعي والحسن
فيما حكاه ابن بطال عنهم، ويقرب من ذلك ما روي عن أبي يوسف رحمه الله تعالى، فيمن
كان يصلي فانتضح عليه البول أكثر من قدر الدرهم، فإنه لا يفسد صلاته بل ينصرف ويغسل
ذلك ويبني على صلاته.
٢٦١/١٤ - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْلَمَة قال أخبرنا أَفْلَحُ عن القاسِم عَن عَائِشَةً
قالَتْ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ عَّ ◌َِّ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ. [انظر الحديث ٢٥٠
وأطرافه].
مطابقة هذا الحديث للترجمة من حيث جواز إدخال الجنب يده في الإناء قبل أن
يغسلها إذا لم يكن عليها قذر يدل عليه من قول عائشة: ((تختلف أيدينا فيه)) واختلاف
الأيدي في الإناء لا يكون إلاّ بعد الإدخال، فدل ذلك على أنه لا يفسد الماء. فإن قلت:
الترجمة مقيدة، وهذا الحديث مطلق. قلت: القيد المذكور في الترجمة مراعى في الحديث
للقرينة الدالة على ذلك، شأن النبي عَ ل وشأن عائشة رضي الله تعالى عنها، أجل من أن
يدخلا أيديهما في إناء الماء، وعلى أيديهما ما يفسد الماء، وحديث هشام الذي يأتي عن
قريب أقوى القرائن على ذلك وهذا هو التحقيق في الموضع، لا ما ذكره الكرماني، إن ذلك
ندب وهو جائز. ثم اعلم أن البخاري أخرج في هذا الباب أربعة أحاديث. فمطابقة الحديث
الأول: للترجمة قد ذكرناها. والثاني: مفسر للأول على ما نذكره. والثالث والرابع: وإن لم
يذكر فيهما غسل اليد، ولكنهما محمولان على معنى الحديث الثاني وهذا المقدار كاف
للتطابق، ولا معنى لتطويل الكلام بدون فائدة نافعة، كما ذكره ابن بطال، وابن المنير
وغیرھما.
ذكر رجاله وهم أربعة: الأول: عبد الله بن مسملة، بفتح الميمين. والقعنبي، وقد تقدم
TM
i

١١٣٠/
٠٠.
٥ - كتاب الغسل / باب (٩)
٣١٠
ذكره غير مرة، وفي رواية مسلم: حدّثنا عبد الله بن مسملة بن قعنب. الثاني: أفلح بن حميد
بضم الحاء الأنصاري المدني، وقد وقع في نسختنا الصحيحة هكذا، أفلح بن حميد، بذكر
أبيه حميد، كما وقع في رواية مسلم وفي أكثر النسخ: أفلح، غير منسوب، وهو ابن حميد
بلا خلاف، وليس في البخاري غيره، وأخرج به أبو داود والنسائي أيضاً وفي مسلم: أفلح بن
سعيد، وأفلح عن مولاه، وفي النسائي: أفلح الهمداني، والأصح أبو أفلح بن سعيد السابق،
وليس في هذه الكتب سواهم. الثالث: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، رضي الله
تعالى عنهم. الرابع: عائشة الصديقة.
بيان لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفي رواية كريمة في
موضع واحد لأن في روايتهما حدّثنا عبد الله بن مسلمة أخبرنا أفلح. وفيه: العنعنة في
موضعين. وفيه: أن رواته كلهم مدنيون، وفي رواية أبي عوانة وابن حبان من طريق ابن وهب
عن أفلح أنه سمع القاسم يقول: سمعت عائشة فذكره.
ذكر من أخرجه غيره أخرجه مسلم في الطهارة عن عبد الله بن مسلمة نحوه.
بيان إعرابه ومعناه قوله: ((والنبي)) بالرفع عطف على الضمير المرفوع في كنت،
وأبرز الضمير أيضاً ليصح العطف عليه، ويجوز فيه النصب على أنه مفعول معه، فتكون الواو
للمصاحبة. قوله: ((تختلف أيدينا فيه)) جملة في محل النصب لأنها حال من قوله من إناء
واحد، والجملة بعد المعرفة حال، وبعد النكرة صفة، والإناء هنا موصوف، ومعنى اختلاف
الأيدي في الإناء يعني من الإدخال فيه والإخراج منه، وفي رواية مسلم في آخره ((من
الجنابة)) أي: لأجل الجنابة، وفي رواية أبي عوانة وابن حبان بعد قوله: ((تختلف أيدينا فيه
وتلتقي)) وفي رواية الإسماعيلي من طريق إسحاق بن سليمان عن أفلح، تختلف فيه أيدينا
حتى تلتقي))، وفي رواية البيهقي من طريقه، تختلف أيدينا فيبادرني حتى أقول: دع لي)).
وفي رواية النسائي فيه، يعني: ((وتلتقي)) وفيه إشعار بأن قوله: تلتقي، مدرج وفي رواية أخرى
لمسلم من طريق معاذ عن عائشة ((فيبادرني عن حتى أقول: دع لي))، وفي رواية النسائي:
((وأبادره حتى يقول دعي لي)).
ومما يستنبط منه: جواز اغتراف الجنب من الماء الذي في الإناء ويجوز التطهر
بذلك الماء ومما يفضل منه، وقال بعضهم: فيه دلالة على أن النهي عن انغماس الجنب في
الماء الدائم إنما هو للتنزيه كراهية أن يستقذر، لا لكونه يصير نجساً بانغماس الجنب فيه
قلت: هذا الكلام على إطلاقه غير صحيح، لأن الجنب إذا انغمس في الماء الدائم لا يخلو
إما أن يكون ذلك الماء كثيراً أو قليلاً، فإن كان كثيراً نحو الغدير العظيم الذي لا يتحرك
أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر فإن الجنب إذا انغمس فيه لا يفسد الماء وإن كان قليلاً
لا يبلغ الغدير العظيم فإن الجنب إذا انغمس فيه فإنه يفسد الماء وهل يطهر الجنب أم لا فيه
خلاف.
٢٦٢/١٥ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدّثنا حَمَّادٌ عَنْ هِشَامِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قالَتْ كانَ
١
.000

٥ - كتاب الغسل / باب (٩)
٣١١
E
رسولُ اللَّهِ عَ لِّ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَهُ. [انظر الحديث ٢٤٨ وطرفاه].
هذا الحديث مفسر للحديث السابق، لأن في الحديث السابق اختلاف الأيدي في
الإناء، بظاهره يتناول اليد الطاهرة واليد التي عليها ما يفسد الماء، وبين هذا أنه إذا اغتسل
من الجنابة غسل يده يعني: إذا أراد الاغتسال من الجنابة غسل يده ثم بعد ذلك لا يضر
إدخاله في الإناء لكن هذا عند خشيته من أن يكون الحديث السابق محمولاً على تيقنه بعدم
الأذى، وهذا بظاهره يدل على أنه يغسلها قبل إدخالها في الإناء لعدم تيقنه بطهارتها.
ذكر رجاله وهم خمسة: مسدد بن مسرهد، وحماد هو ابن زيد، لأن البخاري لم يرو
عن حماد بن سلمة، وهشام وهو ابن عروة بن الزبير بن العوام.
وفيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة مواضع.
والبخاري أخرج هذا مختصراً. وأخرجه أبو داود في الطهارة عن سليمان بن حرب
ومسدد، كلاهما عن حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها
قالت: كان رسول الله عَّل إذا اغتسل من الجنابة، قال سليمان: يبدأ فيفرغ بيمنه، وقال
مسدد: غسل يده، يصب الإناء على يده اليمنى، ثم اتفقا فيغسل فرجه، قال مسدد: يفرغ
على شماله، وربما كنت عن الفرج ثم يتوضأ كوضوئه للصلاة، ثم يدخل يده في الإناء
فيخلل شعره حتى إذا رأى أنه قد أصاب البشرة أو أنقى البشرة أفرغ على رأسه ثلاثاً وإذا
فضل فضلة صبها عليه.
١٦/ ٢٦٣ - حدثنا أَبُو الوَليدِ قالَ حدّثنا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بنِ حَفْصٍ عَنْ عُزْوَةَ عَنْ
عَائِشَةَ قالَتْ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا والنبيُّ عَ لِّ مِنْ إناءٍ وَاحِدٍ مِنْ جَنَابَةٍ.
أبو الوليد هو الطيالسي، تقدم في باب علامة الإيمان حب الأنصار وشعبة بن الحجاج
وأبو بكر بن حفص مرا في باب الغسل بالصاع.
وفيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة مواضع.
قوله: ((من جنابة)) وفي رواية الكشميهني: ((من الجنابة)) ولههنا كلمة من في موضعين:
الأولى: متعلقة بمقدر كقولك آخذين الماء من إناء واحد أو الأولى ظرف مستقر. والثانية:
لغو، ويجوز تعلق الجارين بفعل واحد إذا كانا بمعنيين مختلفين، فإن الثانية بمعنى لأجل
الجنابة والأولى لمحض الابتداء.
i
٠٠٠
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحمن بنِ القاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ
هذا معطوف على قول شعبة عن أبي بكر بن حفص فيتبين بهذا أن لشعبة إسنادين إلى
عائشة أحدهما عن عروة والآخر عن القاسم كلاهما عن عائشة ولا يقال إن رواية عبد
الرحمن معلقة وبين اتصالها أبو نعيم والبيهقي من طريق أبي الوليد بإسنادين وقال أخرجه
البخاري عن أبي الوليد بالإسنادين جميعا وكذا قال أبو سعيد وغيره في الاطراف وأخرجه
النسائي في الطهارة عن محمد بن عبد الأعلى عن خالد بن الحارث عن شعبة به وزاد من
جوء
i

/ ١٩
٥ - كتاب الغسل / باب (١٠)
٣١٢
الجنابة قوله: (مثله)) أي مثل حديث شعبة عن أبي بكر بن حفص ويجوز فيه الرفع والنصب
وفي رواية الأصيلي بمثله بزيادة الباء الموحدة.
٢٦٤/١٧ حدثنا أبو الوليد قالَ حَدَّثَنا شُعبة عن عَبدِ الله بنِ عبد الله بن جبر قَال
سَمِعتُ أنس بن مالك يَقُول: كَانَ النَّبِي عَِّ والمرأة مِن نِسَائِه يَغْتَسلانِ من إِنَاءٍ وَاحدٍ.
أبو الوليد هو الطيالسى المذكور، وعبد الله بن عبد الله، بالتكرير وكلاهما بالتكبير:
ابن جبر، بفتح الجيم وسكون الباء الموحدة، وهذا الإسناد بعينه ذكر في باب علامة الإيمان،
لكن لمتن آخر، وهو ثالث الأسناد لشعبة في هذا المتن لكن من طريق صحابي آخر.
وفيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعة في موضع واحد. وفيه: السماع
والقول.
وهذا الحديث من أفراد البخاري.
زَادَ مُسْلِمٌ وَوَهْبُ عنْ شُعْبَةَ مِنَ الجَنَّابَةِ
مسلم هو ابن إبراهيم الأزدي الحافظ الثقة المأمون، وهو من شيوخ البخاري، ووهب
هو: ابن جرير بن حازم، وفي رواية الأصيلي وأبي الوقت، ابن جرير أبي حازم، وبذلك جزم
أبو نعيم وغيره، ووقع في رواية أبي ذر، وهيب، بالتصغير، والظاهر أنه من الكاتب. وقال
بعضهم في ظني أنه وهم، ومن جملة إثبات الوهم أن وهب بن جرير من الرواة عن شعبة
ووهيباً من أقرانه، قلت: كونه من أقرانه لا يقتضي منع الرواية عنه، ونبه البخاري بهذا على أن
مسلم بن إبراهيم ووهب بن جرير رويا هذا الحديث عن شعبة بهذا الإسناد الذي رواه عنه أبو
الوليد، فزاد في آخره من الجنابة، وروى الإسماعيلي هذا الحديث، وقال: أخبرني ابن ناجية،
حدّثنا زيد بن أحزم حدّثنا وهب بن جرير حدّثنا شعبة، وقال لم يذكر من الجنابة، وذلك
بعد أن أخرجه بغير هذه الزيادة أيضاً من طريق ابن مهدي. فإن قلت: هل يعد هذا الحديث
الذي رواه مسلم ووهب متصلاً أو معلقاً؟ قلت: قال الكرماني: الظاهر أنه تعليق من البخاري
بالنسبة إليه لأنه حین وفاة وهب کان ابن ثنتي عشرة سنة، ویحتمل أنه کان قد سمع منه،
وإدخاله في سلك مسلم يرد ذلك، وقال أيضاً: فإن قلت: لم يذكر شيخ شعبة فعلاً لم
نحمله؟ قلت: على الشيخ المذكور في الإسناد المتقدم، وهو عبدا لله فكأنه عن شعبة عن
عبد الله، قال: سمعت أنساً رضي الله تعالى عنه.
١٠ - بابُ تَفْرِيقِ الغُسلِ والوُضُوءِ
أي: هذا باب في بيان تفريق الغسل والوضوء هل هو جائز أم لا؟ وذهب البخاري إلى
أنه جائز، وأيده بفعل ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، على ما نذكره، ثم إن هذا الباب وقع
في بعض النسخ بعد الباب الذي يليه، وفي أكثرها قبله كما ترى لههنا.
والمناسبة بين البابين من حيث اشتمال كل واحد منهما على فعل جائز، أما في الباب
١٠٠٠
٠٠-

١٣٠
٣١٣
٥ - كتاب الغسل / باب (١٠)
الذي قبله فجواز إدخال اليد في إناء الماء إذا كانت طاهرة، وأما في هذا الباب فجواز التفريق
في الغسل والوضوء.
وَيُذْكَرُ عَن ابنِ عُمَرَ أنَّهُ غَسَلَ قَدَمَيْهِ بَعْدَ ما جفَّ وَضُوؤُهُ
مطابقة هذا الحديث للترجمة ظاهرة في الوضوء. وقوله: ((وضوؤه)) بفتح الواو،
وهذا تعليق بصيغة التمريض، لأن قوله: ((يذكر)) على صيغة المجهول، ولو قال: وذكر
ابن عمر، على صيغة المعلوم لأجل التصحيح لكان أولى لأنه جزم بذلك، ووصله
البيهقي في (المعرفة) حدث أبو زكريا وأبو بكر وأبو سعيد قالوا: حدّثنا أبو العباس
أخبرنا الربيع أخبرنا الشافعي أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر، رضي الله عنهما. ((أنه
توضأ بالسوق فغسل وجهه ويديه ومسح رأسه، ثم دعي لجنازة فدخل المسجد ليصلي
عليهما فمسح على خفيه ثم صلى عليهما)). قال الشافعي: وأحب أن يتابع الوضوء ولا
يفرق، فإن قطعه فأحب إلي أن يستأنف وضوءه، ولا يتبين لي أن يكون عليه استئناف
وضوء. وقال البيهقي: وقد روينا في حديث عمر، رضي الله تعالى عنه، جواز التفريق،
وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي في الجديد، وهو قول ابن عمر وابن المسيب وعطاء
وطاوس والنخعي والحسن وسفيان بن سعيد ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم،
وعند الشافعي في القديم لا يجزيه ناسياً كان أو عامداً، وهو قول قتادة وربيعة والأوزاعي
والليث وابن وهب، وذلك إذا فرقه حتى جف، وهو ظاهر مذهب مالك، وإن فرقه
يسيراً جاز، وإن كان ناسياً، فقال ابن القاسم: يجزيه وعن مالك يجزيه في الممسوح
دون المغسول، وعن ابن أبي زيد، يجزيه في الرأس خاصة. وقال ابن مسلمة في
(المبسوط) يجزيه في الممسوح رأساً كان أو خفاً. وقال الطحاوي: الجفاف ليس
بحديث فينقض كما لو جف جميع أعضاء الوضوء لم تبطل الطهارة.
i
i
i
٢٦٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ مَخْبُوبٍ قالَ حدّثنا عَبدُ الوَاحِدِ قالَ حدّثنا الأعْمَشُ عَنْ
سالِمِ بنِ أبي الجَعْدِ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابن عَبَّاسٍ عن ابنِ عَبَّاسٍ قال قالَتْ مَيْمُونَةُ وَضَعْتُ
لِسوَلِ اللَّهِ عَ لِ مَاءَ يَغْتَسِلُ بِهِ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ فَفَسَلَهُمَّا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثَاً ثُمَّ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى
شِمَالِهِ فَغَسَل مَذَاكِيرَهُ ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالأَرْضِ ثُمَّ تَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ
وَغَسَلَ رَأْسَهُ ثَلاثاً ثُمَّ أَقْرَعَ عَلَى جَسَدِهِ ثُمَّ تَنَخّى مِنْ مَقَامِهِ فَغْسَلَ قَدَمَيْهِ. [انظر الحديث
٢٤٩ وأطرافه].
مطابقة الحديث للترجمة في تفريق غسل أعضائه بإفراغ الماء على جسده والتنحي من
مقامه. فإن قلت: هذا في تفريق الغسل فأين ما يدل على تفريق الوضوء؟ قلت: دل على تفريقه
ذكر ميمونة صفة وضوئه، عليه الصلاة والسلام، بكلمة: ثم التي تدل على التراخي مطلقاً.
ذكر رجاله وهم سبعة: محمد بن محبوب أبو عبد الله البصري، قيل: محبوب لقبه
٢٠٠٠
٠٠٠٠

م چ مـ
٣١٤
٥ - كتاب الغسل / باب (١١)
واسمه الحسن، مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وعبد الواحد هو ابن زياد البصري، وقد
تقدم هذا المتن من رواية موسى بن إسماعيل عنه في باب الغسل مرة واحدة، غير أن في
بعض ألفاظهما اختلاف فهنا قولها: ((ماء يغتسل به)) وهناك ((ماء فغسل يديه مرتين)) ولههنا
((فأفرغ على يديه فغسلهما مرتين)) وهناك، ((ثم أفرغ على شماله)) ولههنا «ثم أفرغ بيمينه
على شماله)) وهناك: ((ثم مسح يده بالأرض)) ولههنا: ((ثم دلك يده بالأرض)) وهناك: ((ثم
مضمض)) ولههنا: ((ثم تمضمض)) وهناك: ((ثم أفاض على جسده) ولههنا: ((ثم أفرغ على
جسده)) وهناك: ((ثم تحول من مكانه)) ولههنا: ((ثم تنحى من مقامه)) أي: بعد من مقامه،
بفتح الميم: اسم مكان. قال الكرماني: فإن قلت: هو مكان القيام، فهل يستفاد منه أنه عَ ليه
اغتسل قائماً؟ قلت: ذلك أصله لكنه اشتهر بعرف الاستعمال لمطلق المكان قائماً كان أو
قاعداً فيه.
وبقية الكلام فيه مضت هناك.
١١ - بابُ مَنْ أَفْرَغَ بيمينه عَلَى شِمَالِهِ فِي الغُسْلِ
أي: هذا باب في بيان من أفرغ الماء بيمينه على شماله، وهذا الباب مقدم على الباب
الذي قبله عند ابن عساكر والأصيلي، وعلى كل تقدير المناسبة بينهما ظاهر من حيث إن
كلاً منهما يتعلق بالوضوء، وإفراغ الماء بيمينه على شماله في الاستنجاء في الغسل، وهذا
وجه واحد، ولا يجوز غيره وأما في غسل الأطراف فإن كان الإناء الذي يتوضأ منه إناءً واسعاً
يضعه عن يمينه ويأخذ منه الماء بيمينه، وإن كان ضيقاً كالقماقم يضعه عن يساره ويصب
الماء منه على يمينه، قاله الخطابي.
٢٦٦/١٩ - حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعَيلَ قالَ حدّثنا أبُو عَوَانَةً قَالَ حدّثنا الأعْمَشُ عَنْ
سَالِمَ بنِ أبي الجعدِ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلِى ابنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الحارِثِ
قالَتْ وَضَعْتُ لِرَسولِ اللَّهِ عَ لَِّ غُسْلاً وَسَتَرْتُهُ فَصَبَّ عَلَّى يَدِهِ فَغَسَلَهَا مَرَّةً أَوْ مَوَتَيْنِ قالَ
سُلَيْمَانُ لا أَدْرِي أَذْكَرَ الثَّالِئَةَ أَمْ لَا ثُمَّ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَغَسَلَ فَرْجَهُ ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ
بِالأرْضِ أَوْ بِالحَائِطِ ثُمَّ تَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَغَسَلَ رَأْسَهُ ثُمَّ صَبَّ عَلَى
جَسَدِهِ ثُمَّ تَنَخَى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ فَنَاوَلْتُهُ خِرْقَةٌ فَقالَ بِيَدِهِ هَكَذا وَلَمْ يُؤْدِها. [انظر الحديث ٢٤٩
وأطرافه].
مطابقته لترجمة الباب ظاهرة، وهذا الحديث تقدم من رواية موسى بن إسماعيل
المذكور أيضاً في باب الغسل مرة لكن شيخه هناك عبد الواحد بن زيادة، ولههنا أبو عوانة،
بفتح العين المهملة، واسمه الوضَّاح اليشكري، وفي ألفاظهما اختلاف. ولههنا قولها: وضعت
لرسول الله عَ لٍ، وهناك: وضعت للنبي عَ له ولههنا غسلاً، وهناك ماء غسل، ولههنا بعد ذلك
وسترته فصب على يديه فغسلهما مرة أو مرتين، وهناك فغسل يديه مرتين أو ثلاثاً، ولههنا،
وبعده قال سليمان لا أدري أذكر الثالثة أم لا ثم أفرغ بيمينه على شماله فغسل فرجه، وهناك
فغسل مذاكيره ثم مسح يده بالأرض أو بالحائط. ولههنا: ثم دلك يده بالأرض أو بالحائط

١٣٠
. 57
٣١٥
٥ - كتاب الغسل / باب (١٢)
ولههنا ثم تمضمض وهناك ثم مضمض ولههنا ثم صب على جسده وهناك ثم أفاض علي
جسده ثم تحول من مكانه فغسل قدميه ولههنا: ثم تنحى إلى آخر ما ذكر. قولها: ((غسلا))
بضم الغین، وهو ما يغتسل به، وبالفتح مصدراً، وبالکسر اسم ما يغسل به كالسدر ونحوه.
قولها: ((وسترته)) زاد ابن فضيل عن الأعمش: بثوب، أي: غطيت رأسه وقال بعضهم:
الواو فيه حالية. قلت: ليس كذلك: بل هو معطوف على قوله: وضعت. قولها ((فصب))
معطوف على محذوف أي: فأراد رسول الله عَ لّ الغسل فكشف رأسه فأخذه فصب على
يده، والمراد من اليد الجنس فصح إرادة كلتيهما منه. وقال بعضهم: ما حاصله: أن نصب،
عطف على وضعت، والمعنى: وضعت له ماء فشرع في الغسل. قوله: ((هذا تصرف من
ليس له ذوق من معاني التراكيب، وكيف يكون الصب معقباً بالوضع وبينهما إغسال
آخر؟ ولا يجوز تفسير: صب بمعنى: شرع قولها: ((قال سليمان)))) هو ابن مهران الأعمش
وهذا مقول أبي عوانة، وفاعل قوله: ((اذكر الثالثة)) هو سالم بن أبي الجعد، وقد مر في رواية
عبد الواحد عن الأعمش، فغسل يديه مرتين أو ثلاثاً، ولابن فضيل عن الأعمش: نصب على
يديه ثلاثاً، ولم يشك، أخرجه أبو عوانة في (مستخرجه) فكأن الأعمش كان يشك فيه تذكر
فجزم، لأن سماع ابن فضيل منه متأخر عنه. قولها: ((فغسل قدميه)) بالفاء في رواية الأكثرين،
وفي رواية أبي ذر: بالواو، وقولها: ((فقال بيده)) أي: أشار بيده هكذا أي: لا أتناولها. وقد
ذكرنا أن القول يطلق على الفعل. قولها: ((ولم يردها)) بضم الياء، من الإرادة لا من الرد،
وحكي في (المطالع) أن لم يردها بالتشديد رواية ابن السكن، ثم قال: وهو وهم لأن المعنى
يفسد حينئذ، وقد رواه الإمام أحمد عن عفان عن أبي عوانة بهذا الإسناد، وقال في آخره: فقال
هكذا وأشار بيده أن لا أريدها وفي رواية أبي حمزة عن الأعمش: فناولته ثوباً فلم يأخذه.
والأحكام المستنبطة منه قد ذكرناها.
١٢ - بابُ إذَا جامَعَ ثُمَّ عادَ وَمَنْ دَارَ عَلَى نِسَائِهِ في غُسْلِ وَاحِدٍ
أي: هذا باب يذكر فيه إذا جامع امرأته ثم عاد إلى جماعها مرة أخرى، وجواب: إذا،
محذوف تقديره: إذا جامع ثم عاد ما يكون حكمه. وفي رواية الكشميهني، عاود من المعاودة
أي: جامع. قوله: ((ومن دار)) عطف على قوله: إذا جامع. أي: باب أيضاً يذكر فيه من دار على
نسائه في غسل واحد، وجواب، من، محذوف أيضاً، فيقدر مثل ذلك. وقال بعضهم: قوله: عاد
أعم من أن يكون في ليلة المجامعة أو غيرها. قلت: الجماع في غير ليلة فيها لا يسمى عوداً
عرفاً وعادة، والمراد لههنا أن يكون الابتداء والعود في ليلة واحدة، أو في يوم واحد، والدليل
عليه حديث رواه أبو داود والنسائي عن أبي رافع: ((أن النبي عَ ◌ّم طاف ذات يوم على نسائه
يغتسل عند هذه وعند هذه، فقلت: يا رسول الله ألا نجعله غسلاً واحداً. قال: ((هذا أزكى
وأطيب)) وعنه قال: فإن قلت: ظاهر هذا يدل على أن الاغتسال بين الجماعين واجب. قلت:
أجمع العلماء على أنه لا يجب بينهما، وإنما هو مستحب حتى إن بعضهم استدل بهذا
الحديث على استحبابه، على أن أبا داود روى هذا الحديث، قال: حديث أنس أصح من هذا،
وحدة
جدة
هوم
1 **

٣١٦
٥ - كتاب الغسل / باب (١٢)
وحديث أنس، رضي الله عنه رواه أبو داود أيضاً عنه. قال: ((كان رسول الله عَ ◌ّه يطوف على
نسائه في غسل واحد)) رواه الترمذي أيضاً وقال: حديث حسن صحيح. وضعف ابن القطان
حديث أبي رافع، وصححه ابن حزم، وعبارة أبي داود أيضاً تدل على صحته.
وأما الوضوء بين الجماعين فقد اختلفوا فيه فعند الجمهور ليس بواجب، وقال ابن
حبيب المالكي وداود الظاهري: إنه واجب وقال ابن حزم، وهو قول عطاء وإبراهيم وعكرمة
والحسن وابن سيرين، واحتجوا بحديث أبي سعيد قال: ((قال رسول الله عَّله إذا أتى أحدكم
أهله ثم أراد أن يعود، فليتوضأ بينهما وضوءاً) أخرجه مسلم من طريق حفص بن عاصم عن
أبي المتوكل عنه، وحمل الجمهور الأمر بالوضوء على الندب والاستحباب، لا للوجوب، ما
رواه الطحاوي من طريق موسى بن عقبة عن أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة، قالت: ((كان
النبي عَ ◌ّه يجامع ثم يعود ولا يتوضأ)) قال أبو عمر: ما أعلم أحداً من أهل العلم أوجبه إلاَّ
طائفة من أهل الظاهر. قلت: روى ابن أبي شيبة في (مصنفه) حدّثنا وكيع عن مسعر عن
محارب بن دثار، سمعت ابن عمر يقول: إذا أراد أن يعود توضأ وحدّثنا وكيع عن عمر بن
الوليد سمعت ابن محمد يقول إذا أراد أن يعود توضأ، وحدّثنا وكيع عن الفضل بن عبد
الملك عن عطاء مثله، وما نسب ابن حزم من إيجاب الوضوء إلى الحسن وابن سيرين فيرده
ما رواه ابن أبي شيبة في (مصنفه) فقال: حدّثنا ابن إدريس عن هشام عن الحسن أنه كان لا
يرى بأساً أن يجامع الرجل امرأته ثم يعود قبل أن يتوضأ قال: وكان ابن سيرين يقول: لا أعلم
بذلك بأساً إنما قبل ذلك لأنه أحرى أن يعود. ونقل عن إسحاق بن راهويه أنه حمل الوضوء
المذكور على الوضوء اللغوي، حيث نقل ابن المنذر عنه أنه قال: لا بد من غسل الفرج إذا
أراد العود. قلت: يرد هذا ما رواه ابن خزيمة من طريق ابن عيينة عن عاصم في الحديث
المذكور فليتوضأ وضوءه للصلاة؟ وفي لفظ عنده: فهو أنشد للعود، وصحيح الحاكم لفظ:
وضوءه للصلاة، ثم قال: هذه لفظة تفرد بها شعبة عن عاصم، والتفرد من مثله مقبول عند
الشيخين: فإن قلت: يعارض هذه الأخبار حديث ابن عباس ((قال عَّهِ: إنما أمرت بالوضوء
إذا قمت إلى الصلاة)) قاله أبو عوانة في (صحيحه) قلت قيده أبو عوانة بقوله: إن كان
صحيحاً عند أهل الحديث. قلت: الحديث صحيح، ولكن قال الطحاوي: العمل على
حديث الأسود عن عائشة رضي الله تعالى عنها. وقال الضياء المقدسي والثقفي، من حديث
في نصرة الصحاح، هذا كله مشروع جائز، من شاء أخذ بهذا، ومن شاء أخذ بالآخر.
٢٠/ ٢٦٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ وَيَحْيَى بنُّ سَعِيدٍ عَنْ
شُعَبَةً عَنْ إِبْرَاهِيمَ بنِ مُحَمَّدٍ بنِ المُنْتَشِرِ عَنْ أَبِيهِ قالَ ذَكَرْتُهُ لِعَائِشَةَ فقالَتْ يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدٍ
الرَّحْمِنِ كُنْتُ أَطيِّبُ رسولَ اللَّهِ عَّهِ فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ ثُمَّ يُصْبِحُ مُخْرِماً يَنْضَخُ طيباً.
[الحديث ٢٦٧ - طرفه في: ٢٧٠].
مطابقة هذا الحديث للترجمة في قوله: ((فيطوف على نسائه)). فإن قلت: قال
الإسماعيلي: يحتمل أن يراد به الجماع، ويحتمل أن يراد به تجديد العهد بهن. قلت:
الاحتمال الثاني بعيد، والمراد به الجماع، يدل عليه الحديث الثاني الذي يليه فإنه ذكر فيه

٣١٧
٥ - كتاب الغسل / باب (١٢)
أنه أعطي قوة ثلاثين، ويطوف لههنا مثل: يدور، في الحديث الثاني. ثم اعلم أن نسخ
البخاري مختلفة في تقديم حديث أنس على حديث عائشة وعكسه، ومشى الداودي على
تقديم حديث عائشة، وكذا ابن بطال في شرحه.
ذكر رجاله وهم سبعة: الأول: محمد بن بشار، بفتح الباء الموحدة والشين المعجمة،
المعروف ببندار، وقد تقدم. الثاني: ابن أبي عدي، هو محمد بن إبراهيم، مات بالبصرة سنة
أربع وتسعين ومائة. الثالث: يحيى بن سعيد القطان. تقدم. الرابع: شعبة بن الحجاج.
الخامس: إبراهيم بن محمد بن المنتشر، بضم الميم وسكون النون وفتح التاء المثناة من فوق وكسر
الشين المعجمة. السادس: أبوه محمد المذكور. السابع: عائشة، رضي الله تعالى عنها.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه: العنعنة في ثلاثة
مواضع. وفيه: الذكر والقول وفيه: قوله: ويحيى بن سعيد، وبين شعبة لفظة: كلاهما مقدرة،
لأن كلاً من ابن أبي عدي ويحيى روى عن شعبة هذا الحديث، وحذفت من الكتابة
للاصطلاح، ولكن عند القراءة ينبغي أن تثبت. وفيه: أن رواته ما بين كوفي وبصري.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري في هذا الباب وفي الباب الذي
يليه كما يجيء عن قريب، وأخرجه مسلم في الحج عن سعيد بن منصور وأبي كامل
الجحدري، كلاهما عن أبي عوانة وعن يحيى بن حبيب وعن أبي كريب وأخرجه النسائي
في الطهارة عن هناد، وعن حميد بن مسعدة. ذكر لغاته ومعناه قوله: ((ذكرته)) أي: ذكرت
قول ابن عمر لعائشة ولفظه في حديثه الآخر الذي يأتي: «سألت عائشة رضي الله تعالى عنها،
وذكرت لها قول ابن عمر: ما أحب أن أصبح محرماً أنضخ طيباً، فقالت عائشة: أنا طيبت
رسول الله عَّ له الحديث وقد بين مسلم أيضاً في روايته عن محمد بن المنكدر، قال:
((سألت ابن عمر عن الرجل يتطيب ثم يصبح محرماً) فذكره وزاد، قال ابن عمر: ((لأن اطلى
بقطران أحب لي من أن أفعل ذلك)) وكذا ساقه الإسماعيلي بتمامه عن الحسن بن سفيان عن
محمد بن بشار، وقال الكرماني: ((ذكرته)) أي: قول ابن عمر: ما أحب أن أصبح محرماً
أنضخ طيباً، وكنى بالضمير عنه، لأنه معلوم عند أهل الشأن قلت: هذا كلام عجيب، فالوقوف
على مثل هذا مختص بأهل الشأن، فإذا وقع أحد من غير أهل الشأن على هذا الحديث يتحير
فلا يدري أي شيء يرجع إليه الضمير في قوله ((وذكرته)) وكان ينبغي للبخاري، بل كان
المتعين عليه أن يقدم رواية أبي النعمان هذا الحديث على رواية محمد بن بشار، لأن رواية
أبي النعمان ظاهرة، والذي يقف على رواية محمد بن بشار بعد وقوفه على رواية أبي النعمان
لا يتوقف في مرجع الضمير، ويعلم أنه يرجع إلى قول ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، وقال
بعضهم: فكأن المصنف اختصره لكون المحذوف معلوماً عند أهل الحديث في هذه القصة.
قلت: هذا أعجب من ذلك، مع أنه أخذ ما قاله منه وقال أيضاً أو حدثه به محمد بن بشار
مختصراً قلت: فعلى هذا كان يتعين ذكره بعد ذكر رواية أبي النعمان كما ذكرنا قوله:
((فيطوف على نسائه)) قال بعضهم: هو كناية عن الجماع. قلت: يحتمل أن يراد به تجديد
i

**:
١٣٠
٣١٨
٥ - كتاب الغسل / باب (١٢)
العهد بهن، ذكره الإسماعيلي، ولكن القرينة دلت على أن المراد هو الجماع، والدليل عليه
قوله في حديث أنس الذي يأتي: ((كان النبي عَّهِ يدور على نسائه في الساعة الواحدة من
الليل والنهار)) قوله: ((ينضخ)) بفتح الياء والضاد المعجمة بعدها خاء معجم، أي: يفور، ومنه
قوله تعالى: ﴿فيهما عينان نضاختان﴾ [الرحمن: ٦٦] وهذا هو المشهور، وضبطه بعضهم
بالحاء المهملة، قاله الإسماعيلي، وكذا ضبطه عامة من حدّثنا وهما متقاربان في المعنى.
وقال ابن الأثير: وقد اختلف في أيهما أكثر، والأكثر بالمعجمة أقل من المهملة، وقيل:
بالمعجمة الأثر يبقى في الثوب والجسد، وبالمهملة الفعل نفسه، وقيل: بالمعجمة ما فعل
متعمداً. وبالمهملة من غير تعمد وذكر صاحب (المطالع) عن ابن كيسان أنه بالمهملة لما
رق كالماء، وبالمعجمة لما ثخن كالطيب. وقال النووي: هو بالمعجمة أقل من وقيل عسكه.
وقال ابن بطال: من رواه بالحاء فالنضخ، عند العرب كاللطخ، يقال: نضح ثوبه بالطيب، هذا
قول الخليل، وفي كتاب (الأفعال) نضخت العين بالماء نضخاً إذا فارت، واحتج بقوله تعالى:
﴿فيهما عينان نضاختان﴾ [الرحمن: ٦٦] ومن رواه بالحاء فقال صاحب (العين) نضخت
العين بالماء إذا رأيتها تفور وكذلك العين الناظر إذا رأيتها مغرورقة وفي الصحاح قال أبو زيد
النضخ بالاعجام الرش مثل النضح بالاهمال، وهما بمعنى. وقال الأصمعي: يقال: أصابه نضخ
من كذا، وهو أكثر من النضح بالمهملة. قوله: ((طيبا)) نصب على التميز.
ذكر استنباط الأحكام منه فيه: دلالة على استحباب الطيب عند الإحرام، وإنه لا بأس
به إذا استدام بعد الإحرام، وإنما يحرم ابتداؤه في الإحرام وهذا مذهب الثوري والشافعي وأبي
يوسف وأحمد بن حنبل وداود وغيرهم، وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين وجماهير
المحدثين والفقهاء، فمن الصحابة: سعد بن أبى وقاص وابن عباس وابن الزبير ومعاوية
وعائشة وأم حبيبة، رضي الله تعالى عنهم. وقال آخرون بمنعه منهم: الزهري ومالك ومحمد
ابن الحسن، وحكي عن جماعة من الصحابة والتابعين، وادعى بعضهم أن هذا التطيب كان
للنساء لا للإحرام، وادعى أن في هذه الرواية تقديماً وتأخيراً، للتقدير: فيطوف على نسائه
ينضخ طيباً ثم يصبح محرماً وجاء ذلك في بعض الروايات، والطيب يزول بالغسل لا سيما أنه
ورد أنه كان يغتسل عند كل واحدة منهن، وكان هذا الطيب ذريرة كما أخرجه البخاري في
اللباس وهو مما يذهبه الغسل، وتقويه رواية البخاري الآتية قريباً: ((طيبت رسول الله عَ ليه، ثم
طاف في نسائه ثم أصبح محرماً)) وروايته الآتية أيضاً: ((كأني أنظر إلى وبيص الطيب في
مفرقه وهو محرم)). وفي بعض الروايات، بعد ثلاث، وقال القرطبي: هذا الطيب كان دهناً له
أثر فيه فزال وبقيت رائحته، وادعى بعضهم خصوصية ذلك بالشارع، فإنه أمر صاحب الجبة.
بغسله. قال المهلب، رحمه الله تعالى السنة اتخاذ الطيب في الإحرام. ونهانا عنه لضعفنا عن
ملك الشهوات، إذ الطيب أسباب الجماع. وفيه: الاحتجاج لمن لا يوجب الدلك في
الغسل، لأنه لو كان ذلك لم ينضخ منه الطيب. قلت: يجوز أن يكون دلكه لكنه بقي
وبيصه، والطيب إذا كان كثيراً ربما غسله فيذهب ويبقى وبيصه. وفيه: عدم كراهة كثرة
الجماع عند الطاقة. وفيه: عدم كراهة التزوج بأكثر من واحدة إلى أربع. وفيه: أن غسل
الجنابة ليس على الفور، وإنما يتضيق على الإنسان عند القيام إلى الصلاة، وهذا بالإجماع

١٠٠
٣١٩
٥ - كتاب الغسل / باب (١٢)
فإن قلت: ما سبب وجوب الغسل قلت: الجنابة مع إرادة القيام إلى الصلاة كما أن سبب
الوضوء الحدث مع إرادة القيام إلى الصلاة وليس الجنابة وحدها، كما هو مذهب بعض
الشافعية وإلاَّ يلزم أن يجب الغسل عقب الجماع، والحديث ينافي هذا، ولا مجرد إرادة
الصلاة، وإلاّ يلزم أن يجب الغسل بدون الجنابة.
٢٦٨/٢١ - حدثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارَ قال حدّثنا مُعَاذْ بنُّ هِشَامِ قالَ حدّثني أبي عَنْ
قَتَادَةَ قالَ حدّثنا أنَسُ بنُ مالِكِ قالَ كانِ النبيُّ عَ لَّهِ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الوَاحِدَةِ مِنَ
اللَّيْلَ والنَّهَارِ وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ قال قُلْتُ لأُنَسٍ أَوَ كانَ يُطِيقُهُ كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أَعْطِيَ قُوَّةَ
ثَلاثِينَ. [الحديث ٢٦٨ - أطرافه في: ٢٨٤، ٥٠٦٨، ٥٢١٥].
مطابقته للترجمة في قوله: ((يدور على نسائه)).
بيان رجاله وهم خمسة: الأول: محمد بن بشار، وقد مر في الحديث السابق.
الثاني: معاذ بن هشام الدستوائي. الثالث: أبوه أبو عبد الله، تقدم في باب زيادة الإيمان
ونقصانه. الرابع: قتادة الأكمه السدوسي، مر في باب من الإيمان أن يحب لأخيه. الخامس:
أنس بن مالك.
ذكر لطائف إسناده وفيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وبصيغة الإفراد
في موضع واحد، وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: أن رواته كلهم بصريون.
ذكر من أخرجه غيره أخرجه النسائي في عشرة النساء عن إسحاق بن إبراهيم عن معاذ
ابن هشام.
ذكر معناه قوله: ((يدور على نسائه)) دورانه، صلَّى اللَّهُ تعالى عليه وآله وسلم في ذلك
يحتمل وجوهاً. الأول: أن يكون ذلك عند إقباله من السفر، حيث لا قسم يلزم لأنه كان إذا
سافر أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها سافر بها، فإذا انصرف استأنف القسم بعد ذلك،
ولم تكن واحدة منهن أولى من صاحبتها بالبداءة، فلما استوت حقوقهن جمعهن كلهن في
وقت ثم استأنف القسم بعد ذلك. الثاني: أن ذلك كان بإذنهن ورضاهن أو بإذن صاحبة
النوبة ورضاها كنحو استئذانه منهن أن يمرض في بيت عائشة. قاله أبو عبيد. الثالث: قال
المهلب: إن ذلك كان في يوم فراغه من القسم بينهن، فيقرع في هذا اليوم لهن أجمع،
ويستأنف بعد ذلك. قلت: هذا التأويل عند من يقول بوجوب القسم عليه، عَ له، في الدوام
كما يجب علينا وهم الأكثرون، وأما من لا يوجبه فلا يحتاج إلى تأويل. وقال ابن العربي: إن
الله خص نبيه. عَ ليه، بأشياء في النكاح. ومنها: أنه اعطاه ساعة لا يكون لأزواجه فيها حق
حتى يدخل فيها جميع أزواجه، فيفعل ما يريد بهن، ثم يدخل عند التي يكون الدور لها.
وفي كتاب مسلم عن ابن عباس أن تلك الساعة كانت بعد العصر. قوله: ((في الساعة
الواحدة)) المراد بها: قدر من الزمان، لا الساعة الزمانية التي هي خمس عشرة درجة. قوله:
((والنهار)) الواو فيه بمعنى: أو، والهمزة في قوله: ((أو - كان)) للاستفهام، وفاعل ((قلت)): هو
قتادة، ومميز ((ثلاثين)) محذوف أي: ثلاثين رجلاً ووقع في رواية الإسماعيلي من طريق أبي
موسى عن معاذ بن هشام: أربعين، بدل ثلاثين، وهي شاذة من هذا الوجه، لكن في مراسيل
i
جدة

+جو.
٣٢٠
٥ - كتاب الغسل / باب (١٢)
طاووس مثل ذلك وزاد في الجماع. قوله: ((وهن إحدى عشرة)) قال ابن خزيمة، لم يقل أحد
من أصحاب قتادة: إحدى عشرة إلاّ معاذ بن هشام عن أبيه، وقد روى البخاري الرواية
الأخرى عن أنس: تسع نسوة، وجمع بينهما بأن أزواجه كن تسعاً في هذا الوقت كما في
رواية سعيد: وسريتاه مارية وريحانة، على رواية من روى أن ريحانة كانت أمة، وروى بعضهم
أنها كانت زوجة، وروى أبو عبيد أنه كان مع ريحانة فاطمة بنت شريح. قال ابن حبان: هذا
الفعل منه في أول مقدمه المدينة حيث كان تحته تسع نسوة، ولأن هذا الفعل منه كان مراراً
لا مرة واحدة. ولا يعلم أنه تزوج نساءه كلهن في وقت واحد، ولا يستقيم هذا إلاّ في آخر
أمره حيث اجتمع عنده تسع نسوة وجاريتان، ولم يعلم أنه اجتمع عنده إحدى عشرة امرأة
بالتزويج، فإنه تزوج بإحدى عشرة أولهن خديجة ولم يتزوج عليها حتى ماتت، ووقع في
شرح ابن بطال أنه عَّه لا يحل له من الحرائر غير تسع، والأصح عندنا أنه يحل له ما شاء
من غير حصر. قلت: قول ابن حبان: هذا الفعل منه كان في أول مقدمه المدينة حيث كان
تحته تسع نسوة، فيه نظر، لأنه لم يكن معه حين قدم المدينة امرأة سوى سودة، ثم دخل
على عائشة بالمدينة، ثم تزوج أم سلمة وحفصة وزينب بنت خزيمة في الثالثة أو الرابعة، ثم
تزوج زينب بنت جحش في الخامسة، ثم جويرية في السادسة ثم حفصة وأم حبيبة وميمونة
في السابعة، وهؤلاء جميع من دخل بهن في الزوجات بعد الهجرة على المشهور.
واختلفوا في عدة أزواج النبي ێ، وفي ترتیبهن، وعدة من مات منهن قبله، ومن
دخل بها ومن لم يدخل بها، ومن خطبها ولم ينكحها، ومن عرضت نفسها عليه. فقالوا: إن
أول امرأة تزوجها خديجة بنت خويلد، ثم سودة بنت زمعة، ثم عائشة بنت أبي بكر، ثم
حفصة بنت عمر بن الخطاب، ثم أم سلمة اسمها، هند بنت أبي أمية بن المغيرة، ثم جويرية
بنت الحارث، سباها النبي عَّدٍ في غزوة المريسيع، ثم زينب بنت جحش ثم زينب بنت
خزيمة، ثم ريحانة بنت زيد من بني قريظة، وقيل: من بني النضير، سباها النبي عَ لّه ثم أعتقها
وتزوجها في سنة ست، وماتت بعد عوده من حجة الوداع، ودفنت بالبقيع، وقيل: ماتت بعده
في سنة ست عشرة، والأول أصح، ثم أم حبيبة واسمها رملة بنت أبي سفيان أخت معاوية
ابن أبي سفيان وليس في الصحابيات من اسمها رملة غيرها، ثم صفية بنت حيى بن أخطب
من سبط هارون، عليه السلام، وقعت في السبي يوم خيبر سنة سبع فاصطفاها النبي عليه ثم
ميمونة بنت الحارث تزوجها رسول الله عَ في ذي القعدة سنة سبع في عمرة القضاء
بسرف على عشرة أميال من مكة، وتزوج أيضاً فاطمة بنت الضحاك، وأسماء بنت النعمان.
وأما بقية نسائه، عليه الصلاة والسلام، اللاتي دخل بهن أو عقد ولم يدخل فهن ثمان
وعشرون امرأة. ريحانه بنت زيد، وقد ذكرناها. والكلابية، فقيل اسمها: عمرة بنت زيد،
وقيل: العالية بنت ظبيان، وقال الزهري: تزوج رسول الله عَ لله العالمية بنت ظبيان ودخل بها
وطلقها، وقيل: لم يدخل بها وطلقها، وقيل: هي فاطمة بنت الضحاك، وقال الزهري: تزوجها
فاستعادت منه فطلقها، فكانت تلقط البعر وتقول: أنا الشقية. وأسماء بنت النعمان، تزوجها
النبى معَّه ودعاها فقالت: تعال أنت فطلقها، وقيل: هي التي استعاذت منه. وقيل بنت قيس
أخت الأشعث بن قيس، زوجه إياها أخوها ثم انصرف إلى حضرموت فحملها إليه فبلغه وفاة