النص المفهرس

صفحات 241-260

i
٢٤١
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٨)
أي. الفأرة أي: ارموها وما حولها أي: وما حول الفأرة من السمن، ويعلم من هذه الرواية أن
السمن كان جامداً كما صرح به في الرواية الأخرى، لأن المائع لا حول له إذ الكل حوله.
بيان ذكر استنباط الحكم يستنبط منه أن السمن الجامد إذا وقعت فيه فأرة أو
نحوها تطرح الفأرة ويؤخذ ما حولها من السمن ويرمى به، ولكن إذا تحقق أن شيئاً منها لم
يصل إلى شيء خارج عما حولها والباقي يؤكل، ويقاس على هذا نحو العسل والدبس إذا
كان جامداً، وأما المائع فقد اختلفوا فيه، فذهب الجمهور إلى أنه ينجس كله، قليلاً كان أو
كثيراً. وقد شذ قوم فجعلوا المائع كله كالماء، ولا يعتبر ذلك، وسلك دواد بن علي في
ذلك مسلكهم إلاَّ في السمن الجامد والذائب. فإنه تبع ظاهر هذا الحديث، وخالف معناه في
العسل والخل وسائر المائعات، فجعلها كلها في لحوق النجاسة إياها بما ظهر فيها، فشذ
أيضاً ويلزمه أن لا يتعدى الفأرة كما لا يتعدى السمن. قال أبو عمرو: واختلف العلماء في
الاستصباح به بعد إجماعهم على نجاسته، فقالت طائفة من العلماء لا يستصبح به ولا ينتفع
بشيء منه، وممن قال ذلك، الحسن بن صالح وأحمد بن حنبل محتجين بالرواية المذكورة،
وإن كان مائعاً فلا تقربوه، وبعموم النهي عن الميتة في الكتاب العزيز. وقال الآخرون: يجوز
الاستصباح به والانتفاع في كل شيء إلاَّ الشذوذ الذي ذكرناه، وأما الاستصباح فروي عن
علي وابن عمر أنهما أجازا ذلك، ومن حجتهم في تحريم بيعه قوله عَّ له: ((لعن الله اليهود.
حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها إن الله إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه)) وقال
آخرون: ينتفع به ويجوز بيعه ولا يؤكل، وممن قال ذلك: أبو حنيفة وأصحابه والليث بن
سعد، وقد روي عن أبي موسى الأشعري والقاسم وسالم محتجين بالرواية الأخرى، وإن كان
مائعاً فاستصبحوا به وانتفعوا والبيع من باب الانتفاع وأما قوله في حديث عبد الرزاق وإن كان
مائعاً فلا تقربوه، فيحتمل أن يراد به الأكل، وقد أجرى عَ لِّ التحريم في شحوم الميتة من
كل وجه ومنع الانتفاع بها، وقد أباح في السمن يقع فيه الميتة، الانتفاع به، فدل على جواز
وجوه الانتفاع بشيء منها غير الأكل، ومن جهة النظر أن شحوم الميتة محرمة العين والذات،
وأما الزيت، ونحوه يقع فيه الميتة فإنما ينجس بالمحاورة وما ينجس بالمحاورة فبيعه جائز،
كالثوب تصيبه النجاسة من الدم وغيره، وأما قوله: إن الله تعالى ((إذا حرم أكل شيء حرم
ثمنه))، فإنما خرج على لحوم الميتة التي حرم أكلها ولم يبح الانتفاع بشيء منها، وكذلك
الخمر، وأجاز عبد الله بن نافع غسل الزيت وشبهه تقع فيه الميتة، وروي عن مالك أيضاً
وصفته، أن يعمد إلى ثلاث أواني أو أكثر فيجعل الزيت النجس في واحدة منها حتى يكون
نصفها أو نحوه، ثم يصب عليه الماء حتى يمتلىء، ثم يؤخذ الزيت من علاء الماء، ثم
يحصل في آخر ويعمل به كذلك، ثم في آخر، وهو قول ليس لقائله سلف، ولا تسكن إليه
النفس قلت: هذا مما لا ينعصر بالعصر، وفيه خلاف بين أبي يوسف ومحمد، فقال أبو
يوسف: يطهر ما لا ينعصر بالعصر بغسله ثلاثاً وتجفيفه في كل مرة، وذلك كالحنطة
والخزفة الجديدة والحصير والسكين المموه بالماء النجس واللحم المغلي بالماء النجس
i
i
ضـ۔
عمدة القاري.
١٦

٢٤٢
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٨)
فالطريقَ فيه أن تغسل الحنطة ثلاثاً وتجفف في كل مرة، وكذلك الحصير، ويغسل الخزف
حتى لا يبقى له بعد ذلك طعم ولا لون ولا رائحة، ويموه السكين بالماء الطاهر ثلاث مرات،
ويطبخ اللحم ثلاث مرات، ويجفف في كل مرة ويبرد في كل مرة ويبرد من الطبخ، وأما العسل
واللبن ونحوهما إذا مات فيها الفأرة أو نحوها يجعل في الإناء ويصب فيه الماء ويطبخ حتى
يعود إلى ما كان، وهكذا يفعل ثلاثاً وقال محمد ما لا ينعصر بالعصر إذا تنجس لا يطهر أبداً،
وقد روي عن عطاء قوله: تفرد به روى عبد الرزاق عن ابن جريج عنه، قال: ذكروا أنه يدهن به
السفن ولا يمس ذلك ولكن يؤخذ بعوده فقلت: يدهن به غير السفن؟ قال: ظهورها ولا يدهن
بطونها. قلت: فلا بد أن يمس! قال: يغسل يديه من مسه. وقد روي عن جابر المنع من
الدهن به وعن سحنون. أن موتها في الزيت الكثير غير ضار، وليس الزيت كالماء، وعن عبد
الملك: إذا وقعت فأرة أو دجاجة في زيت أو بثر فإن لم يتغير طعمه ولا ريحه أزيل ذلك منه
ولم يتنجس، وإن ماتت فيه تنجس وإن كثر. ووقع في كلام ابن العربي: أن الفأرة عند مالك
طاهرة خلافاً لأبي حنيفة والشافعي، ولا نعلم عندنا خلافاً في طهارتها في حال حياتها.
٢٣٦/٩٩ - حدثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ حدّثنا معن قالحدثنا مالكٌ عَن ابنِ شِهاپٍ
عنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بن عبدِ الله بنٍ عَثْبَةَ بنِ مَسْعُودٍ عن ابنٍ عَبَّاسٍ عنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ النَّبِيَّ عَ لَّهِ سُئِلَّ
عِنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ في سَمْنٍ فَقَالَ: ((خُذُّوها وما حَوْلَها فَاطْرَحُوهُ) [انظر الحديث رقم: ٢٣٥].
هذا هو الطريق الثاني لحديث ميمونة، رضي الله تعالى عنها، وقد تقدم الكلام فيه
مستوفى، وعلي هو ابن عبد الله المديني، تقدم في باب الفهم في العلم، ومعن، بفتح الميم
وسكون العين المهملة وفي آخره نون بن عيسى أبو يحيى القزاز، بالقاف والزايين المنقوطتين
أولاهما مشددة، المدني كان له غلمان حاكة وهو يشتري القز ويلقي إلیھم، و کان یتوسد
عتبة مالك، قرأ الموطأ على مالك للرشيد وبنيه، وكان مالك لا يجيب العراقيين حتى يكون
هو سائله، مات سنة ثمان وتسعين ومائة.
وفيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في أربعة مواضع.
وفي الطريق الأولى أن رسول الله عَ ليه سئل وفي هذه الطريق أن النبي عَ ◌ّه سئل عن
فأرة، وقال بعضهم السائل عن ذلك هي ميمونة، ووقع في رواية يحيى القطان وجويرية عن
مالك في هذا الحديث أن ميمونة استفتت رواه الدارقطني وغيره. قلت: في رواية البخاري
من طريقين تصريح بأن السائل غير ميمونة، مع أنه يحتمل أن لا يكون غيرها، ولكن لا يمكن
الجزم بأنها هي السائلة كما جزم به هذا القائل.
قوله: ((خذوها)) أي الفأرة. وما حولها أي: وما حول الفأرة وقد قلنا إنه يدل على أن
السمن كان جامداً قوله: ((فاطرحوه) الضمير المنصوب فيه يرجع إلى المأخوذ الذي دل عليه
قوله: ((خذوها)) والمأخوذ هو الفأرة وما حولها ويرمى المأخوذ ويؤكل الباقي كما دلت عليه
الرواية الأولى. فإن قلت: من أين يعلم من هذه الرواية جواز أكل الباقي؟ قلت: لأن الطرح
لأجل عدم جواز مأكوليته، ويفهم منه جواز مأكولية الباقي بدليل الرواية الأخرى.

٢٤٣
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٨)
قال مَعْنُ حدثنا مَالِكٌ ما لا أخصِيهِ يَقُولُ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ عنْ مَيْمُونَةً
رضي الله تعالى عنهم
i
أشار البخاري بهذا الكلام إلى أن الصحيح في هذا عن ابن عباس عن ميمونةٍ وإن
كانت هذه الطريقة أنزل من الطريقة الأولى وذلك لأن في إسناد هذا الحديث اختلافاً كثيراً
بيّته الدارقطني، حيث روي تارة بإسقاط ميمونة من حديث الزهري عن عبيد الله عن ابن
عباس عن النبي عَّهِ، وهذه رواية الأوزاعي عن الزهري، وكذلك رواه الشافعي عن مالك من
غير ذكر ميمونة وكذا في رواية القعنبي عن مالك، وتارة بإسقاط ابن عباس، كما لم يذكر
في رواية ابن وهب عن ابن عباس، ومنهم من لم يذكر ابن عباس ولا ميمونة كيحيى ابن
بكير وأبي مُصعب ورواه عبد الملك بن الماجشون عن مالك عن الزهري عن عبد الله عن
ابن مسعود، وقال: عبد الجبار عن الزهري عن سالم عن أبيه، ووهم عبد الملك، ورواه أبو
داود من حديث عبد الرزاق عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ولفظه: ((سئل
رسول الله عَ م عن الفأرة تقع في السمن، قال: ((إذا كان جامداً فالقوها، وإن كان مائعاً فلا
تقربوه)» وقال أبو عمر: هذا اضطراب شديد من مالك في سند هذا الحديث. وقال
الإسماعيلي: هذا الحديث معلول، وفي رواية: سئل الزهري عن الداربة تموت في الزيت
والسمن وهو جامد أو غير جامد: فقال: بلغنا إن رسول الله عَّ أمر بفأرة ماتت في سمن
فأمر بما قرب منها فطرح، ثم أكل. ولما كان الأمر كذلك بين البخاري أن الرواية التي فيها
ابن عباس عن ميمونة هي الأصح ألا ترى أن معن بن عيسى يقول: ((حدّثنا مالك)) يعني بهذا
الحديث «ما لا أحصيه)) يعني: أمراراً كثيرة لا يضبطها لكثرتها: يقول عن ابن عباس عن
ميمونة: وقال الكرماني: قال معن: هو كلام ابن المديني، فهو داخل تحت الإسناد،
ويحتمل، وإن كان احتمالاً بعيداً، أن يكون تعليقاً من البخاري قال بعضهم: هو متصل،
وأبعد من قال إنه معلق، قلت: احتمال التعليق غير بعيد ولا يخفى ذلك.
٢٣٧/١٠٠ - حدّثنا أحمَدُ بنُ مُحْمَدٍ قال أَعْبَوْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبَارَكِ قال أخبرنا مَعْمَرٌ
عن هَمَّامٍ بِنِ مُنَبِهِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنِ النَّبيَّ عَ لَّهِ قَالَ: ((كُلُّ كَلْمٍ يُكْلَمُهُ المُسْلِمُ فِي سَبِيلٍ
اللَّهِ يَكُوَنُ يَوْمَ القِيَامَةِ كَهَيْتَتِها إِذْ طُعِنَتْ تَفَجّرُ دَماً اللَّوْنُ لونُ الدَّمِ والعَزْفُ عَزْفُ الْمِسْكِ))
[الحديث ٢٣٧ - طرفاه في: ٢٨٠٣، ٥٥٣٣].
ذكروا في مطابقة هذا الحديث للترجمة أوجهاً كلها بعيدة، منها ما قاله الكرماني:
وجه مناسبة هذا الحديث للترجمة من جهة المسك: فإن أصله دم انعقد وفضلة نجسة من
الغزال، فيقتضي أن يكون نجساً كسائر الدماء، وكسائر الفضلات، فأراد البخاري أن يبين
طهارته بمدح الرسول عَ ◌ّم له، كما بين طهارة عظم الفيل بالأثر، فظهرت المناسبة غاية
الظهور، وإن استشكله القوم غاية الاستشكال انتهى قلت لم تظهر المناسبة بهذا الوجه أصلاً
وظهورها غاية الظهور بعيد جداً واستشكال القوم باقٍ، ولهذا قال الإسماعيلي: إيراد المصنف
i
١
١٣٠
٠٣٠

١٣٠
١٠٠
٢٤٤
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٨)
لهذا الحديث في هذا الباب لا وجه له، لأنه لا مدخل له في طهارة الدم ولا نجاسته، وإنما
ورد في فضل المطعون في سبيل الله تعالى، قال بعضهم: وأجيب: بأن مقصود المصنف
إيراده تأكيداً لمذهبه في أن الماء لا يتنجس بمجرد الملاقاة ما لم يتغير، وذلك لأن تبدل
الصفة يؤثر في الموصوف، فكما أن تغير صفة الدم بالرائحة إلى طيب المسك أخرجه من
النجاسة إلى الطهارة، فكذلك تغير صفة الماء إذا تغير بالنجاسة، يخرجه عن صفة الطهارة إلى
صفة النجاسة، فإذا لم يوجد التغير لم توجد النجاسة. قلت: هذا القائل أخذ هذا من كلام
الكرماني، فإنه نقله في شرحه عن بعضهم، ثم قال هذا القائل وتعقب، بأن الغرض إثبات
انحصار التنجس بالتغير، وما ذكر يدل على أن التنجس يحصل بالتغير وهو باقٍ إلا أنه لا
يحصل إلاَّ به، وهو موضع النزاع انتهى، قلت: هذا أيضاً كلام الكرماني، ولکنه سبکه في
صورة غير ظاهرة، وقول الكرماني هكذا، فيقول للبخاري: لا يلزم من وجود الشيء عند
الشيء أن لا يوجد عند عدمه لجواز مقتض آخر، ولا يلزم من كونه خرج بالتغير إلى النجاسة
أن لا يخرج إلاَّ به لاحتمال وصف آخر يخرج به عن الطهارة بمجرد الملاقاة، انتهى حاصل
هذا أنه وارد على قولهم: إن مقصود البخاري من إيراد هذا الحديث تأكيد مذهبه في أن
الماء لا يتنجس بمجرد الملاقاة.
ومنها ما قاله ابن بطال: إنما ذكر البخاري هذا الحديث في باب نجاسة الماء لأنه لم
يجد حديثاً صحيح السند في الماء، فاستدل على حكم المائع بحكم الدم المائع، وهو
المعنى الجامع بينهما انتهى. قلت: هذا أيضاً وجه غير حسن لا يخفى.
ومنها ما قاله ابن رشد وهو أن مراده أن انتقال الدم إلى الرائحة الطيبة هو الذي نقله
من حالة المدح، فحصل من هذا تغليب وصف واحد، وهو، الرائحة، على وصفين، وهما:
الطعم واللون، فيستنبط منه أنه متى تغير وصف واحد بالنجاسة أن لا يؤثر حتى يوجد
الوصفان الآخران، انتهى. قلت: هذا ظاهر الفساد لأنه يلزم منه أنه إذا تغير وصف واحد
بالنجاسة أن لا يؤثر حتى يوجد الوصفان الآخران وليس كذلك، فإن هذا لم ينقل إلاّ عن
ربيعة. وليس بصحيح. ومنها ما قاله ابن المنير: لما تغيرت صفته إلى صفة طاهرة بطل حكم
النجاسة فيه.
ومنها ما قاله القشيري: المراعاة في الماء بتغير لونه دون رائحته، لأن النبي عَّهُ سمى
الخارج من جرح الشهيد دماً وإن كان ريحه ريح المسك، ولم يقل مسكاً، وغلب اسم
المسك لكونه على رائحته، فكذلك الماء ما لم يتغير طعمه.
وكل هؤلاء خارجون عن الدائرة، ولم يذكر أحد منهم وجهاً صحيحاً ظاهراً لإيراد هذا
الحديث في هذا الباب، لأن هذا الحديث في بيان فضل الشهيد: على أن الحكم المذكور
فيه من أمور الآخرة، والحكم في الماء بالطهارة والنجاسة من أمور الدنيا، وكيف يلتئم هذا
بذاك؟

٢٤٥
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٨)
ورعاية المناسبة في مثل هذه الأشياء بأدنى وجه يلمح فيه كافية، والتكلفات بالوجوه
البعيدة غير مستملحة، ويمكن أن يقال: وجه المناسبة في هذا أنه لما كان مبنى الأمر في
الماء بالتغير بوقوع النجاسة، وأنه يخرج عن كونه صالحاً للاستعمال لتغير صفته التي خلق
عليها أورد له نظيراً بتغير دم الشهيد. فإن مطلق الدم نجس، ولكنه تغير بواسطة الشهادة في
سبيل الله، ولهذا لا يغسل عنه دمه ليظهر شرفه يوم القيامة لأهل الموقف بانتقال صفته
المذمومة إلى الصفة المحمودة حيث صار انتشاره كرائحة المسك، فافهم، فإن هذا المقدار
كافي.
بيان رجاله وهم خمسة: الأول: اختلفوا فيه أنه أحمد بن محمد بن أبي موسى
المروزي المعروف بمردويه، هكذا قاله الحاكم: أبو عبد الله، والكلاباذي والإمام أبو نصر
حامد بن محمود بن علي الفزاري في كتابه(مختصر البخاري) وذكر الدارقطني أنه، أحمد بن
محمد بن عدي عرف بشبويه، وقال: أبو أحمد بن عدي بن أحمد بن محمد عن عبد الله بن
معمر، لا يعرف، ومردويه مات سنة خمس وثلاثين ومئتين وأخرج له الترمذي والنسائي، وقال
لا بأس وشبويه مات سنة تسع وعشرين أو ثلاين ومائة، وروى عنه أبو داود. الثاني: عبد الله
ابن المبارك الثالث: معمر، بفتح الميمين وسكون العين المهملة والراء، ابن راشد تقدم في
كتاب الوحي هو وابن المبارك. الرابع: همام، عيى وزن فعال بالتشديد بابن المنبه، بكسر
الباء الموحدة بعد النون المفتوحة، تقدم في باب حسن إسلام المرء. الخامس: أبو هريرة
رضي الله عنه.
بيان لطائف إسناده فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع والإخبار كذلك في
موضعين والعنعنة في موضعين. وفيه: رواته ما بين مروزي وبصري ومدني.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضاً في الجهاد وأخرجه مسلم
أيضاً في الجهاد وأخرجه ابن عساكر مضعفاً عن أبي أمامه يرفعه، ((والذي نفسي بيده لا
يكلّم أحد في سبيل الله والله تعالى أعلم بمن يكلم)) فذكره وفي لفظ ((ما وقعت قطرة أحب
إلى الله من قطرة دم في سبيل الله، أو قطرة دمع في سواد الليل لا يراها إلاَّ الله تعالى)).
بيان لغاته ومعناه قوله: ((كلم)) بفتح الكاف وسكون اللام قال الكرماني: أي جراحة،
وليس كذلك، بل الكلم الجرح من كلمه يكلمه كلماً إذا جرحه، من باب: ضرب يضرب،
والجمع: كلوم وكلام، ورجل كليم ومكلوم أي: مجروح، ومنه اشتقاق الكلام من الاسم
والفعل والحرف. قوله: ((يكلمه المسلم)) بضم الياء وسكون الكاف وفتح اللام أي يكلم به
فحذف الجار وأوصل المجرور إلى الفعل، والمسلم، مرفوع لأنه مفعول ما لم يسم فاعله.
قوله: ((في سبيل الله)) قيد يخرج به ما إذا كلم الرجال في غير سبيل الله وفي رواية البخاري
في الجهاد من طريق الأعرج عن أبي هريرة: ((والله تعالى أعلم بمن يكلم في سبيله)). قوله:
((كهيئتها)) أي: كهيئة الكلمة وأنث الضمير باعتبار الكلمة وقال الكرماني: وتبعه بعضهم
تحده
i
جو.
i
٠٠٠٠
i
i
i.
F
جدة
P

٢٤٦
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٨)
تأنيث الضمير باعتبار إرادة الجراحة. قلت: ليس، كذلك بل باعتبار الكلمة لأن الكلم
والكلمة مصدران، والجراحة اسم لا يعبر به عن المصدر، مع أن بعضهم قال: ويوضحه،
رواية القابسي عن أبي زيد المروزي عن الفربري كل كلمة يكلمها وكذا هو في رواية ابن
عساكر. قلت: هذا يوضح ما قلت لا ما قاله. فافهم قوله: ((إذا طعنت)) أي: حين طعنت، وفي
بعض النسخ وجميع نسخ مسلم: بإذا طعنت)) بلفظ: إذا مع الألف، قال الكرماني: فإن قلت:
إذ للاستقبال ولا يصح المعنى عليه قلت: هو لههنا لمجر، الظرفية، إذ هو بمعنى إذ وقد
يتعاقبان أو هو لاستحضار صورة الطعن، إذ الاستحضار كما يكون بصريح لفظ المضارع،
كما في قوله تعالى: ﴿والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً﴾ [الروم: ٢٤٨] يكون أيضاً بما
في معنى المضارع، كما نحن فيه. وقال الكرماني: أيضاً ما وجه التأنيث متصلاً قلت: هذا
تعسف؟ بل التأنيث فيها باعتبار الكلمة، والطعنة. قوله: ((تفجر)) بتشديد الجيم لأن أصله
تنفجر، فحذفت إحدى التاءين كما في قوله: ﴿ناراً تلظى﴾ [فاطر: ٩] فعله تتلظى، وقال
الكرماني، تفجر، بضم الجيم من الثلاثي، وبفتح الجيم المشددة، وحذفت التاء الأولى منه
من التفعل قلت: أشار بهذا إلى جواز الوجهين فيه، ولكنه مبني على مجيء الرواية بهما
قوله: ((واللون)) وفي بعض النسخ ((اللون)) بدون الواو، واللون من المبصرات وهو أظهر
المحسوسات حقيقة ووجوداً، فذلك استغنى عن تعريفه وإثباته بالدليل، ومن القدماء من زعم
أنه لا حقيقة للألوان أصلاً ومنهم من ظن أن اللون الحقيقي ليس إلاّ السواد والبياض، وما
عداهما إنما حصل من تركيبهما ومنهم من زعم أن الألوان الحقيقية خمسة: السواد،
والبياض، والحمرة، والخضرة، والصفرة. وجعل في البوافي مركبة منها. ((والدم)) أصله: دم
وبالتحريك، وإنما قالوا: دمي بدمي لأجل الكسرة التي قبل الياء كما لو إرضى يرضى من
الرضوان. وقال سيبويه: أصله: دمى، بالتحريك وإن جاء جمعه مخالفاً لنظائره، والذاهب منه
الياء، والدليل عليها قولهم في تثنية دميان، وبعض العرب يقول في تثنيته دموان. قوله:
«وعرف المسك»، بكسر الميم، وهو معرب، مشك، بالشين المعجمة وضم الميم، ویروی:
عرف مسك، منكراً وكذلك. الدم، يروى منكراً. قوله: ((والعرف)) ينتج بفتح العين المهملة
وسكون الراء وفي آخره فاء وهي الرائحة الطيبة والمنتنة أيضاً.
بيان استنباط الفوائد ومنها: أن الحكمة في كون دم الشهيد يأتي يوم القيامة على
هيئة أنه يشهد لصاحبه بفضله، وعلى ظالمه بفعله ومنها: كونه على رائحة المسك إظهاراً
لفضيلته لأهل المحشر، ولهذا لا يغسل دمه ولا هو يغسل خلافاً لسعيد بن المسيب والحسن
ومنها: الدلالة على فضل الجراحة في سبيل الله. ومنها: أن قوله: ((عرف المسك)) لا يستلزم
أن يكون مسكاً حقيقة بل يجعله الله شيئاً يشبه هذا ولا كونه دماً يستلزم أن يكون دماً نجساً
حقيقة، ويجوز أن يحوله الله إلى مسك حقيقة لقدرته على كل شيء كما أنه يحول أعمال
بني آدم من الحسنات والسيئات إلى جسد ليوزن في الميزان الذي ينصبه يوم القيامة والله
أعلم.

٢٤٧
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٩)
i
٦٩ _ باب البَولِ في الماءِ الدَّائِمِ
أي هذا باب في بيان حكم البول في الماء الراكد، وهو الذي لا يجري في رواية
الأصيلي، باب لا تبولوا في الماء الراكد وفي بعض النسخ: باب الماء الدائم، وفي بعضها،
باب البول في الماء الدائم ثم الذي لا يجري، وتفسير الدائم هو: الذي لا يجري، وذكر
قوله: بعد ذلك الذي لا يجري يكون تأكيداً لمعناه وصفة موضحة له، وقيل: للاحتراز عن
راكد لا يجري بعضه كالبرك ونحوها. قلت: فيها تعسف، والألف واللام في الماء، إما لبيان
حقيقة الجنس أو للعهد الذهني، وهو: الماء الذي يريد الملكف التوضؤ به والاغتسال منه.
فإن قلت ما وجه المناسبة بين البابين؟ قلت: ظاهر لأن الباب السابق في بيان السمن
والماء الذي يقع فيه النجاسة، وهذا أيضاً في بيان الماء الراكد الذي يبول فيه الرجل
فيتقاربان في الحكم ولم أجد ممن اعتنى بشرح هذا الكتاب أن يذكر وجوه المناسبات بين
الأبواب والكتب إلاَّ نادراً.
P
٢٣٨/١٠١ - حدّثنا أبو اليمان قالَ أخبرنا شُعَيْبٌ قال أخبرنا أبو الزِّنادِ أنَّ عَبْدَ الرَّحْمنِ
ابنَّ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تعالى عَنْهُ أنَّهُ سَمِعَ رَسولَ اللهِ عَ لِ يَقُول:
((نحنُ الآخَرُونَ السَّابِقُونَ)) [الحديث ٢٣٨ - أطرافه في: ٨٧٦، ٨٩٦، ٢٩٥٦، ٣٤٨٦،
٦٦٢٤، ٦٨٨٧، ٧٠٣٦، ٧٤٩٥]
٢٣٩/١٠١ _ وباسْنَادِهِ قال: ((لاَ يَئُولَنَّ احَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لا يَجْرِي ثُمَّ
يَغْتَسِلُ فِهِ».
هذان حديثان مستقلان، ومطابقة الحديث الثاني للترجمة ظاهرة. وأما الحكمة في
تقديم الحديث الأول فقد اختلفوا فيها فقال ابن بطال: يحتمل أن يكون أبو هريرة سمع ذلك
من النبي عَّه وما بعده في نسق واحد، فحدث بهما جميعاً ويحتمل أن يكون همام فعل
ذلك لأنه سمعهما من أبي هريرة وإلاَّ فليس في الحديث مناسبة للترجمة. قيل: في الاحتمال
الأول نظر لتعذره. ولأنه ما بلغنا أن النبي عَ ◌ّ حفظ عنه أحد في مجلس واحد مقدار هذه
النسخة صحيحاً إلا أن يكون من الوصايا الغير الصحيحة، ولا يقرب من الصحيح. وقال ابن
المنير: ما حاصله أن ھماماً راويه، روى جملة أحاديث عن أبي هريرة استفتحها له أبو هريرة
بحديث نحن الآخرون فصار همام كلما حدث عن أبي هريرة ذكر الجملة من أولها، وتبعه
البخاري في ذلك، وكذلك في مواضع أخرى من كتابه في كتاب: الجهاد والمغازي والإيمان
والنذور وقصص الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، والاعتصام ذكر في أوائلها كلها نحن
الآخرون السابقون وقال ابن المنير: هو حديث واحد، فإذا كان واحداً تكون المطابقة في
آخر الحديث. وفيه نظر لأنه وكأنه واحداً لما فصله البخاري بقوله: ((وبإسناده)» وأيضاً فقوله:
نحن الآخرون السابقون طرف من حديث مشهور في ذكر يوم الجمعة لو راعى البخاري ما
ادعاه لساق المتن بتمامه، ويقال: الحكمة في هذا أن حديث نحن الآخرون السابقون، أول
٠جوة
i
ـجدة
i
٠٣٠

٢٤٨
٣٠!
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٩)
الحديث في صحيفة همام عن أبي هريرة، وكان همام إذا روى الصحيفة استفتح بذكره ثم
سرد الأحاديث، فوافقه البخاري هاهنا. ويقال: الحكمة فيه أن من عادة المحدثين ذكر
الحديث جملة لتضمنه موضع الدلالة المطلوبة، ولا يكون ما فيه مقصوداً بالاستدلال، وإنما
جاء تبعاً لموضع الدليل وفيه نظر، ولا يخفى.
وقال الكرماني قال بعض علماء العصر: إن قيل: ما مناسبة صدر الحديث لآخره؟
قلنا: وجهه أن هذه الأمة آخر من يدفن من الأمم، وأول من يخرج منها لأن الأرض لهم وعاء
والوعاء آخر ما يوضع فيه، وأول ما يخرج منه فكذلك الماء الراكد. آخر ما يقع فيه من البول
أول ما يصادف أعضاء المتطهر منه، فينبغي أن يجتنب ذلك ولا يفعله قلت فيه: ولا يشفي
العلیل.
بيان رجاله وهم خمسة: الأول: اليمان، بفتح الياء آخر الحروف وتخفيف الميم: هو
الحكم بن نافع. الثاني: شعيب ابن أبي حمزة، وكلاهما تقدما في قصة هرقل. الثالث: أبو
الزناد، بكسر الزاي وتخفيف النون: عبد الله بن ذكوان. الرابع: الأعرج، وهو عبد الرحمن ابن
هرمز، والأعرج صفة تقدما في باب: حب الرسول من الإيمان. الخامس: أبو هريرة.
بيان لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع، وبصيغة الإفراد في
موضع وفيه: الإخبار بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: السماع في موضعين. وفيه: أن رواته
ما بين حمصي ومدني. وفيه: في بعض النسخ أخبرنا أبو الزناد أن الأعرج وفي بعضها: حدّثنا
أبو الزناد أن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج وفيه: كما ترى أن شعيباً روى عن أبي الزناد عن
الأعرج ووافقه سفيان بن عيينة فيما رواه الشافعي عن أبي الزناد. وكذا أخرجه الإسماعيلي.
ورواه أكثر أصحاب ابن عيينة عنه عن أبي الزناد عن موسى بن أبي عثمان عن أبيه عن أبي
هريرة ومن هذا الوجه أخرجه النسائي، وكذا أخرجه من طريق النووي عن أبي الزناد،
والطحاوي من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، والطريقان صحيحان ولأبي الزناد
فيه شيخان ولفظهما في سياق المتن مختلف فيه.
وأخرجه الطحاوي من عشر طرق: الأول: حدّثنا صالح بن يزيد المقرىء، قال:
سمعت ابن عون يحدث عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة. قال: نهى أو نُهيَ أن يبول
الرجل في الماء الدائم، أو الراكد ثم يتوضأ منه أو يغتسل فيه. الطريق الثاني: حدّثنا علي بن
سعيد بن نوح البغدادي، قال: حدّثنا عبد الله بن بكر السهمي، قال: حدّثنا هشام بن حبان
عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن رسول الله عَ ليه، قال: ((لا يبول أحدكم في الماء
الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه)) وأخرجه مسلم ينحوه. الطريق الثالث: حدّثنا يونس
ابن عبد الأعلى، قال: أخبرني أنس بن عياض الليثي عن الحارث بن أبي ذباب، وهو رجل
من الأزد، عن عطاء بن مينا عن أبي هريرة أن رسول الله عَ لَّه قال: ((لا يبولن أحدكم في
الماء الدائم ثم يتوضأ منه أو يشرب))، وأخرجه البيهقي بنحوه إسناداً ومتناً. الطريق الرابع:
حدّثنا يونس، قال: أخبرني عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث أن بكير بن
.

٢٤٩
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٩)
عبد الله بن الأشج حدثه أن أبا السائب، مولى هشام بن زهرة؟ حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول:
قال رسول الله عَّةٍ: ((لا يغتسل أحدكم في الماء، الدائم وهو جنب فقال: كيف نفعل يا
أبا هريرة؟ فقال: يتناوله تناولاً)). وأخرجه ابن حبان في (صحيحه) نحوه عن عبد الله بن
مسلم عن حرملة بن يحيى عن عبد الله بن وهب إلى آخره. الطريق الخامس: حدّثنا ابن أبي
داود، قال: حدّثنا سعيد بن الحكم بن أبي مريم، قال: أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد،
قال: حدثني أبي عن موسى بن أبي عثمان عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله عَ ليه، قال:
((لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه)) ولم يعرف قاسم اسم:
أبي موسى المذكور وتركه الترمذي والنسائي. الطريق السادس والسابع: حدّثنا حسن بن
نصر البغدادي، قال: حدّثنا محمد بن يوسف الفريابي، قال: حدّثنا سفيان (ح) وحدّثنا فهر،
قال: حدّثنا أبو نعيم، قال: سفيان عن أبي الزناد، فذ کر بإسناده مثله، الطريق الثامن حدثنا
الربيع بن سليمان المرادي المؤذن قال حدثنا أسد بن موسى قال حدثنا عبد الله بن لهيعة قال
حدّثنا عبد الرحمن الأعرج، قال: سمعت أبا هريرة يقول عن رسول الله عَّ له، قال: ((لا يبولن
أحدكم في الماء الدائم الذي لا يتحرك ثم يغتسل منه)). الطريق التاسع: حدّثنا الربيع بن
سليمان الجيزي، قال: حدّثنا أبو زرعة وهبة الله بن راشد، قال: أخبرنا حيوة بن شريح، قال:
سمعت ابن عجلان يحدث عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله عَ له،
قال: ((لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ولا يغتسل فيه)). الطريق العاشر: إبراهيم بن منقذ
العصفري، قال: حدثني إدريس بن يحيى، قال: حدّثنا عبد الله بن عباس عن الأعرج عن أبي
هريرة عن النبي معَ ◌ّله مثله، غير أنه قال: ((ولا يغتسل فيه جنب)).
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري كما ترى عن الأعرج عن أبي
هريرة. وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة وأخرجه الترمذي
عن همام بن منبه عن أبي هريرة وأخرجه ابن ماجة عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة
وأخرجه مسلم أيضاً من حديث جابر عن رسول الله عَ لَّمِ أنه: ((نهى أن يبال في الماء
الراكد)). وأخرجه الطحاوي أيضاً وابن ماجة والطبراني في (الأوسط) وأخرجه ابن ماجة أيضاً من
حديث نافع عن ابن عمر، قال: قال رسول الله عَّهِ: ((لا يبولن أحدكم في الماء الناقع)).
بيان لغته ومعناه قوله: ((ونحن الآخرون)) بكسر الخاء جميع الآخر، بمعنى المتأخر،
يذكر في مقابلة الأول، ويفتحها جمع الآخر، أفعل التفصيل، وهذا المعنى أعم من الأول،
والرواية بالكسر فقط، ومعناه نحن المتأخرون في الدنيا المتقدمون في يوم القيامة. قوله:
((وبإسناده)) الضمير يرجع إلى الحديث أي: حدّثنا أبو اليمان بالإسناد المذكور. قوله: ((لا
ييولن))، بفتح اللام وبنون التأكيد الثقيلة. وفي رواية ابن ماجة: ((لا يبول))، بغير نون التأكيد.
قوله: ((في الماء الدائم) من دام الشيء يدوم ويدام، قال الشاعر:
في الحب إن الحب لن يداما
يامي لا غرو ولا ملاما
وديماً ودواماً وديمومة قاله ابن سيده وأصله الاستدارة، وذلك أن أصحاب الهندسة
i
i
ــجود
i
i
/١
٣.

٢٥٠
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٩)
يقولون إن الماء إذا كان بمكان فإنه يكون مستديراً في الشكل، ويقال الدائم الثابت الواقف
الذي لا يجري. وقوله: ((لا يجري)) إيضاح لمعناه وتأكيد له ويقال: الدائم الراكد، جاء في
بعض الروايات: وفي (تاريخ نيسابور) الماء الراكد الدائم. ويقال: احترز بقوله: ((الذي لا
يجري)» عن راكد يجري بعضه، كالبرك وقيل: احترز به عن الماء الدائر لأنه جار من حيث
الصورة، ساكن من حيث المعنى. قوله: ((ثم يغتسل)) يجوز فيه الأوجه الثلاثة الجزم عطفاً
على: ((لا يبولن)) لأنه مجزوم الموضع بلا التي للنهي، ولكنه بني على الفتح لتوكيده بالنون.
والرفع: تقدير ثم هو يغتسل فيه. والنصب: على إضمار أن وإعطاء، ثم حكم واو الجمع
ونظيره في الأوجه الثلاثة قوله تعالى: ﴿ثم يدركه الموت﴾[النساء: ١٠٠] ثم إنه قرىء
بالجزم، وهو الذي قرأته السبعة، وبالرفع والنصب على الشذوذ وقال النووي لا يجوز النصب
لأنه يقتضي أن المنهي عنه الجمع بينهما دون إفراد أحدهما. وهذا لم يقله أحد، بل البول
فيه منهي عنه سواء أراد الاغتسال فيه أو منه أم لا، ولا يقتضي الجمع إذ لا يريد بتشبيه، ثم
بالواو المشابهة من جميع الوجوه بل جواز النصب بعده فقط سلمنا لكن لا يضر إذ كون الجمع
منهياً يعلم من هنا وكون الأفراد منهياً من دليل آخر كما في قوله تعالى: ﴿ولا تلبسوا الحق
بالباطل وتكتموا الحق﴾ [البقرة: ٤٢] على تقدير النصب. قوله: ((فيه)) أي: في الماء الدائم
الذي لا يجري، وتفرد البخاري بلفظ فيه، أو في رواية ابن عيينة عن أبي الزناد ((ثم يغتسل منه))
كما في رواية غيره منه كلمة من وكل واحد من اللفظين يفيد حكماً بالنص، وحكماً بالاستنباط.
بيان استنباط الأحكام الأول: احتج به أصحابنا. أن الماء الذي لا يبلغ الغدير العظيم
إذا وقعت فيه نجاسة لم يجز الوضوء به، قليلاً كان أو كثيراً، وعلى أن القلتين تحمل
النجاسة لأن الحديث مطلق فبإطلاقه يتناول القليل والكثير، والقلتين والأكثر منهما. ولو قلنا:
إن القلتين لا تحمل النجاسة لم يكن للنهي فائدة على أن هذا أصح من حديث القلتين، وقال
ابن قدامة ودليلنا حديث القلتين، وحديث بئر بضاعة، وهذان نص في خلاف ما ذهب إليه
الحنفية وقال أيضاً بئر بضاعة لا تبلغ إلى الحد الذي يمنع التنجس عندهم قلت: لا نسلم أن
هذين الحديثين نصر في خلاف مذهبنا، أما حديث القلتين فلأنه وإن كان بعضهم صححه
فإنه مضطرب سنداً ومتناً والقلة في نفسها مجهولة والعمل بالصحيح المتفق عليه أقوى
وأقرب وأما حديث بئر بضاعة فإنا نعمل به فإن ماءها كان جارياً وقوله: وبئر بضاعة لا تبلغ
إلى آخره غير صحيح لأن البيهقي روى عن الشافعي أن بئر بضاعة كانت كثيرة الماء واسعة،
وكان يطرح فيها من الأنجاس ما لا يغير لها لوناً ولا ريحاً ولا طعماً فإن قالوا: حديثكم عام
في كل ماء، وحديثنا خاص فيما يبلغ القلتين، وتقديم الخاص على العام متعين، كيف
وحديثكم لا بد من تخصيصه، فإنكم وافقتموه على تخصيص الماء الكثير الذي يزيد على
عشرة أذرع وإذا لم يكن بد من التخصيص فالتخصيص بالحديث أولى من التخصيص بالرأي
من غير أصل يرجع إليه، ولا دليل يعتمد عليه. قلنا: لا نسلمك أن تقديم الخاص على العام
متعين، بل الظاهر من مذهب أبي حنيفة، رضي الله عنه ترجيح العام على الخاص في الفعل

٢٥١
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٩)
به، كما في حديثكم حريم بئر الناضح فإنه رجح قوله: عليه السلام: ((من حفر بئراً فله مما
حولها أربعون ذراعاً) على الخاص الوارد في بئر الناضح أنه ستون ذراعاً ورجح قوله عزّ ه:
(ما أخرجت الأرض ففيه العشر)) على الخاص الوارد بقوله: ((ليس فيما دون خمسة أوسق
صدقة)) ونسخ الخاص بالعام، قولهم: التخصيص بالحديث أولى من التخصيص بالرأي قلنا:
هذا إنما يكون إذا كان الحديث المخصص غير مخالف للإجماع، وحديث القلتين خير آحاد
ورد مخالفاً لإجماع الصحابة فيرد بيانه أن ابن عباس وابن الزبير رضي الله عنهم فتياً في
زنجي وقع في بئر زمزم، بنزح الماء كله، ولم يظهر أثره في الماء، وكان الماء أكثر من
قلتين، وذلك بمحضر من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولم ينكر عليهما أحد منهم، فكان
إجماعاً وخبر الواحد إذا ورد مخالفاً للإجماع يرد، يدل عليه أن علي بن المديني قال: لا
يثبت هذا الحديث عن النبي عَّهِ، وكفى به قدوة في هذا الباب. وقال أبو داود، لا يكاد
يصح لواحد من الفريقين عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، في تقدير الماء. وقال
صاحب (البدائع) ولهذا رجع أصحابنا في التقدير إلى الدلائل الحسية دون الدلائل السمعية.
الثاني: استدل به أبو يوسف على نجاسة الماء المستعمل، فإنه قرن بين الغسل فيه
والبول فيه، وأما البول فيه فينجسه، فكذلك الغسل فيه وفي دلالة القران بين الشيئين على
استوائهما في الحكم خلاف بين العلماء فالمذكور عن أبي يوسف والمزني ذلك، وخالفهما
غيرهما وقال بعضهم: واستدل به بعض الحنفية على تنجس الماء المستعمل، لأن البول
ينجس الماء، فكذلك الاغتسال، وقد نهى عنهما معاً، وهو التحريم، فدل على أن النجاسة
فيهما ثابتة، ورد بأنها دلالة قران وهي ضعيفة، قلت: هذا عجب منه، فإنه إذا كانت دلالة
الاقتران صحيحة عنده، فبقوله: وهي ضعيفة، يرد على قائله: على أن مذهب أكثر أصحاب
إمامه مثل مذهب بعض الحنفية، ثم قال هذا القائل: وعلى تقدير تسليمها قد يلزم التسوية،
فيكون النهي عن البول لئلا ينجسه، وعن الاغتسال فيه لئلا يسلبه الطهورية، قلت: هذا
أعجب من الأول، لأنه تحكم حيث لا يفهم هذه التسوية من نظم الكلام، والذي احتج به
في نجاسة الماء المستعمل يقول بالتسوية من نظم الكلام.
الثالث: أن النووي زعم أن النهي المذكور فيه للتحريم في بعض المياه، والكراهة في
بعضها، فإن كان الماء كثيراً جارياً لم يحرم البول فيه لمفهوم الحديث، ولكن الأولى
اجتنابه، وإن كان قليلاً جارياً فقد قال جماعة من أصحابنا: يكره، والمختار أنه يحرم، لأنه
يقذره وينجسه على المشهور من مذهب الشافعي، وإن كان كثيراً وأكد فقال أصحابنا يكره
ولا يحرم ولو قيل يحرم لم يكن بعيد واما الراكد القليل فقد أطلق جماعة من أصحابنا أنه
مكروه، والصواب المختار: أنه حرام، والتغوط فيه كالبول فيه، وأقبح، وكذا إذا بال في إناء
ثم صبه في الماء قلت: زعم النووي أنه من باب استعمال اللفظ استعمال اللفظ الواحد في
معنيين مختلفين، وفيه من الخلاف ما هو معروف عند أهل الأصول.
الرابع: أن هذا الحديث عام فلا بد من تخصيصه اتفاقاً بالماء المتبحر الذي لا
٠٠
i
i
i
i
i
i

٢٥٢
١١٢٠
١٣۴٢
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٧٠)
يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر، أو بحديث القلتين كما ذهب إليه الشافعي، أو
بالعمومات الدالة على طهورية الماء ما لم تتغير أحد أوصافه الثلاثة كما ذهب إليه مالك
رحمه الله. وقال بعضهم: الفصل بالقلتين أقوى لصحة الحديث فيه، وقد اعترف الطحاوي
من الحنفية بذلك، لكنه اعتذر عن القول به بأن القلة في العرف تطلق على الكبيرة والصغيرة،
كالجرة ولم يثبت في الحديث تقديرهما، فيكون مجملاً فلا يعمل به، وقواه ابن دقيق العيد.
قلت: هذا القائل ادعى ثم أبطل دعواه بما ذكره فلا يحتاج إلى رد كلامه بشيء آخر.
الخامس: فيه دليل على تحريم الغسل والوضوء بالماء النجس.
السادس: فيه التأديب بالتنزه ومختص ببول نسفه، لغير البائل أن يتوضأ بما بال فيه
غيره، أيضاً للبائل إذا بال في إناء ثم صبه في الماء أو بال بقرب الماء ثم جرى إليه، وهذا
من أقبح ما نقل عنه.
السابع: أن المذكور فيه الغسل من الجنابة، فيلحق به الاغتسال من الحائض
والنفساء، وكذلك يلحق به اغتسال الجمعة، والاغتسال من غسل الميت عند من يوجبها.
فإن قلت: هل يلحق به الغسل المسنون أم لا؟ قلت: من اقتصر على اللفظ فلا إلحاق عنده
كأهل الظاهر، وأما من يعمل بالقياس فمن زعم أن العلة الاستعمال فالإلحاق صحيح، ومن
زعم أن العلة رفع الحدث فلا إلحاق عنده، فاعتبر بالخلاف الذي بين أبي يوسف ومحمد
في كون الماء مستعملاً.
الثامن: فيه دليل على نجاسة البول.
٧٠ - بابُ إذَا أَلْقِيَ عَلى ظهْرِ المِصَلِّي قَذَرَ أَوْ حِيفَةٌ لَمْ تَفْسُدْ عَلَيْهِ صَلاَتُهُ
أي: هذا باب في بيان حكم من ألقي على ظهره نجاسة وهو في الصلاة. وقوله: ((لم
تفسد عليه صلاته)) جواب: إذا، والقذر، بفتح الذال المعجمة ضد النظافة يقال: قذرت
الشيء، بالكسر، إذا كرهته، ((والجيفة:)) جثة الميت المريحة.
وجه المناسبة بين البابين من حيث إن الباب الأول يشتمل على حكم وصول النجاسة
إلى الماء، وهذا الباب يشتمل على حكم وصولها إلى المصلي وهو في الصلاة، وهذا
المقدار يتلمح به في وجه الترتيب، وإن كان حكمهما مختلفاً، فإن في الباب الأول وصول
البول إلى الماء الراكد ينجسه. كما ذكرناه فيه مستقصىّ بما قالت العلماء فيه، وفي هذا
الباب وصول النجاسة إلى المصلي لا تفسد صلاته على ما زعم البخاري، فإنه وضع هذا
الباب لهذا المعنى، ولهذا صرح بقوله: ((لم تفسد عليه صلاته)) وهذا يمشي على مذهب من
يرى عدم اشتراط إزالة النجاسة لصحة الصلاة، أو على مذهب من يقول: إن من حدث له في
صلاة ما يمنع انعقادها ابتداء لا تبطل صلاته وقال بعضهم: ((لم تفسد)) محله ما إذا لم يعلم
بذلك وتمادى، ويحتمل الصحة مطلقاً على قول من يذهب إلى أن اجتناب النجاسة في

٢٥٣
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٧٠)
الصلاة ليس بفرض، وعلى قول من ذهب إلى منع ذلك في الابتداء دون ما يطرأ وإليه ميل
المصنف انتهى قلت: من أين علم ميل المصنف إلى القول الثاني، وقد وضع هذا الباب
وترجم بعدم الفساد مطلقاً ولم يقيد بشيء. مما ذكره هذا القائل؟ على أنه قد أكد ما ذهب،
إليه من الإطلاق بما روي عن عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وعامر الشعبي، رضي الله
تعالى عنهم، على أن فيه نظراً على ما نذكره عن قريب إن شاء الله تعالى. وقال هذا القائل
أيضاً وعليه يخرج صنيع الصحابي الذي استمر في الصلاة بعد أن سالت منه الدماء برمي من
رماه؟ قلت: هذا الصحابي في حديث جابر، رضي الله تعالى عنه، رواه أبو داود في سننه
قال: ((خرجنا مع رسول الله عَّه)) يعني في غزوة ذات الرقاع الحديث وفيه: ((فنزل النبي،
عليه الصلاة والسلام، منزلاً، وقال: من رجل يكلؤنا، فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من
الأنصار، وقال: كونا بفم الشعب، قال: فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب اضطجع
المهاجري وقام الأنصاري يصلي، وأتى رجل، فلما رأى شخصه عرفه أنه ربيئة للقوم، فرماه
بسهم فوضعه فيه ونزعه حتى قضى ثلاثة أسهم، ثم ركع وسجد)) الحديث وتخريج هذا
القائل صنيع هذا الصحابي على ما ذكره غير صحيح، لأن هذا فعل واحد من الصحابة، ولعله
كان ذهل عنه، أو كان غير عالم بحكمه، والتحقيق فيه أن الدم حين خرج أصاب بدنه
وثوبه، فكان ينبغي أن يخرج من الصلاة ولم يخرج، فلما يدل مضيه في الصلاة على جواز
الصلاة مع النجاسة كذلك، لا بدل مضيه فيها على أن خروج الدم لا ينقض الوضوء.
جدة
P
وكانَ ابنُ عُمَرَ إذا رَأَى في ثَوْبِهِ دماً وهو يُصَلِي وَضَعَهُ وَمَضَى في صَلاتِهِ
هذا الأثر لا يطابق الترجمة لأن فيها ما إذا أصاب المصلي نجاسة وهو في الصلاة لا
تفسد صلاته، والأثر يدل على أن ابن عمر إذا رأى في ثوبه دماً، وهو في الصلاة وضع ثوبه
يعني: ألقاه، ومضى في صلاته، فهذا صريح على أنه لا يرى جواز الصلاة مع إصابة النجاسة
في ثوبه والدليل على صحة ما قلنا ما رواه ابن أبي شيبة من طريق برد بن سنان عن نافع عنه:
أنه كان إذا كان في الصلاة فرأى في ثوبه دماً فاستطاع أن يضعه وضعه، وإن لم يستطع
خرج فغسله ثم جاء يبني على ما كان صلى. وقال بعضهم: وهو يقتضي أنه كان يرى التفرقة
بين الابتداء والدوام. قلت: لا يقتضي هذا أصلاً وإنما يدل على أنه كان لا يرى جواز الصلاة
مع وجود النجاسة مع المصلي مطلقاً وهذا حجة قوية لأبي يوسف فيما ذهب إليه من إن
المصلي إذا كان انتضح عليه البول اكثر من قدر الدرهم ينصرف ويغسل ويبني على صلاته،
وكذلك إذا ضرب رأسه أو صدمه شيء فسال منه الدم.
وقال ابنُ المُسَيَّبِ والشَّغْبِيُّ إذا صلَّى وفي ثَوْيِهِ دَمٌّ أَوْ جَنَابَةٌ أو لِغَيْرِ القِبْلَةِ أَوْ تَيَمْمَ
وصلَّى ثُمَّ أَدْرَكَ الماءَ فِي وَقْتِهِ لا يُعيدُ
وقع للأكثرين: ((وقال ابن المسيب:)) ووقع للمستملي والسرخسي: وكان ابن
i
i

٢٥٤
****
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٧٠)
المسيب، بدل، قال: فإن قلت: فعلى هذا ينبغي أن يثنى الضمير، لأن المذكور اثنان وهم: ابن
المسيب والشعبي. قلت: أراد كلَّ واحد منهما فإن ابن المسيب هو سعيد، والشعبي هو
عامر، وهذا الأثر بما يطابق الترجمة إذا عمل بظاهره على الإطلاق أما إذا قيل: المراد من
قوله: دم أقل من قدر الدرهم عند من يرى ذلك، أو شيء يسير عند من ذهب إلى أن اليسير
عفو فلا يطابق الترجمة على ما لا يخفى، وكذلك الجنابة لا تطابق عند من يراه طاهراً
والمراد من الجنابة أثرها وهو المني، أو فيه إطلاق الجنابة على المني من قبيل ذكر
المسبب، وإرادة السبب. قوله: ((أو لغير القبلة)) أي: أو صلى لغير القبلة على اجتهاده، ثم
تبين الخطأ. قوله: ((أو تيمم)) أي: عند عدم الماء، وكل هذه قيود لا بد منها على ما لا
يخفى. قوله: ((ولا يعيد)) أي: الصلاة، وذكر ابن بطال عن ابن مسعود وابن عمر وسالم
وعطاء والنخعي ومجاهد والزهري وطاوس: أنه إذا صلى في ثوب نجس، ثم علم به بعد
الصلاة، لا إعادة عليه وهو قول الأوزاعي وإسحاق وأبي ثور، وعن ربيعة ومالك: يعيد في
الوقت، وعن الشافعي: يعيد أبداً، وبه قال أحمد، رحمه الله تعالى.
٢٤٠/١٠٢ - حدثنا عَبْدانُ قال أخبرني أبي عنْ شُعْبَةً عن أبي إسْحَاقَ عنْ عَمْرو بنِ
مَيْمُونٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ بَيْنا رسولُ اللهِ عََّلِ سَاجِدٌ ح قالَ وحدثني أحمَدُ بنُ عُثْمَانَ قال
حدّثنا شُرَيْحُ بنُ مَسْلَمَةَ قال حدّثنا إْراهِيمُ بنُ يُوسُفَ عنْ أَبِيهِ عنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ حدثني
عَمْرُو بنُ مَيْمُونٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بن مَسْعُودٍ حَدَّثَهُ أنَّ النبيَّ عَ لَلِ كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتَ وأبُو جَهْلٍ
وَأَصْحَابٌ لَهُ مُجُلُوسٌ إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِيَغْضِ أَيَّكُمْ يَجِىءُ بِسَلاً جَزُورٍ بَنِي فُلانٍ فَيَضَعُهُ علَى ظهْرٍ
مُحَمَّدٍ إذا سَجَدَ فَانْتَعَثَ أَشْقَى القومِ فَجَاءَ بِهِ فَتَظَرِ حَتَّى إِذَا سَجَدَ النّبِيُّ عَّ ◌ُله وَضَعَهُ عَلَى
ظَهْرِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَأَنَا أَنْظُرُ لا أُغْنِي شَيْئَاً لَوْ كَانَ لِي مَنَعَةٌ قال فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ وَيُخُيلُ بَعْضُهُمْ
على بَعْضِ ورسولُ الله عَلِ ساجدُ لا يَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى جاءَتْهُ فَاطِمَةُ فَطَرَحَتْ عنْ ظَهْرِهِ فَرَفَعَ
رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٌ ثَلاثَ مَرَّاتٍ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إِذْ دَعَا عَلَيْهِمْ قالَ وكَانُوا يَرون أنَّ
الدَّعْوَةَ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ مُسْتَجَابَةٍ ثُمَّ سَمَّى اللَّهُمَّ عليك بأبي جهل وعليك بعتبة بن ربيعة والوليد
ابن عتبة وأمية بن خلف وَعُقْبَةَ بنِ أبي مُعَيْطٍ وعَدَّ السابعَ فَلَمْ تَحْفَظْهُ قَالَ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ
لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ عَدَّ رسولُ اللَّهِ عَ لَه صَرْعَى في القَلِيبِ قَلِيبٍ بَدْرٍ
[الحديث ٢٤٠ - أطرافه في: ٥٢٠، ٢٩٣٤، ٣١٨٥، ٣٨٥٤، ٣٩٦٠]
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، لأن ظاهره يدل على ما ذهب إليه، ولكن عنه أجوبة
تأتي فيه، بعون الله وتوفيقه.
بيان رجاله: وهم عشرة أنفس: الأول: عبدان بن عثمان بن جبلة، وقد تقدم عن قريب
في باب: غسل المني وفركه. الثاني: أبو عثمان بن جبلة، بفتح الجيم والباء الموحدة.
الثالثة: شعبة بن الحجاج، وقد تقدم مراراً. الرابع: أبو إسحاق السبيعي اسمه: عمرو بن عبد
الله الكوفي التابعي، تقدم ذكره في باب: الصلاة من الإيمان، والسبيعي، بفتح السين المهملة
وكسر الباء الموحدة. الخامس: عمرو بن ميمون أبو عبد الله الكوفي الأودي، بفتح الهمزة

٢٥٥
٤ - كتاب الوضوءا باب (٧٠)
وبالدال المهملة، أدرك زمن النبي عَّهُم ولم يلقه، وحج مائة حجة وعمرة، وأدى صدقته إلى
عمال رسول الله عَّله، وهو الذي رأى قردة زنت في الجاهلية فاجتمعت القردة فرجموها،
مات سنة خمس وسبعين. السادس: أحمد بن عثمان بن حكيم، بفتح الحاء وكسر الكاف:
الأودي الكوفي، مات سنة ستين ومائتين. السابع: شريح، بضم الشين المعجمة وفتح الراء
وسكون الياء آخر الحروف في آخره حاء مهملة، ابن مسلمة، بفتح الميم واللام وسكون السين
المهملة الكوفي التنوخي بالتاء المثناة من فوق وبالنون المشددة وقال الجوهري، في مادة، نوخ:
وتنوخ، وهي حي من اليمن، ولا تشدد النون، الثامن: إبراهيم بن يوسف بن إسحاق بن أبي
إسحاق السبيعي، مات سنة ثمان وتسعين ومائة التاسع: أبوه يوسف المذكور العاشر: عبد الله بن
مسعود، رضي الله تعالى عنه. بيان لطائف إسناده وهنا إسنادان في الأول: التحديث بصيغة
الجمع في موضع واحد والإخبار بصيغة الإفراد والعنعنة في أربعة مواضع. وفي الثاني:
التحديث بصيغة الإفراد في ثلاثة مواضع، وبصيغة الجمع في موضعين والعنعنة في موضعين،
وفيه: أن رواته كوفيون غير عبدان وأبيه فإنهما مروزيان. ومن لطائف إسناده، أنه قرن رواية عبدان
برواية أحمد بن عثمان، مع أن اللفظ لرواية أحمد تقوية لروايته برواية عبدان، لأن في إبراهيم بن
يوسف مقالاً، فقال عياش عن ابن معين: ليس بشيء، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال
الجوزجاني: ضعيف. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ومن لطائفه: أن رواية أحمد صرحت
بالتحديث لأبي إسحاق عن عمرو بن ميمون، ولعمرو بن ميمون عن عبد الله بن مسعود. ومنها:
أن روايته عينت ابن عبد الله المذكور في رواية عبدان: وهو عبد الله بن مسعود. ومنها: أن
المذكور في رواية عبدان رسول الله عَ ليه، وفي رواية أحمد النبي عليه.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري هنا، وفي الجزية عن عبدان عن أبيه،
وفي مبعث النبي عَِّ عن محمد بن بشار، ولههنا أيضاً عن أحمد بن عثمان، وفي الصلاة عن
أحمد بن إسحاق، وفي الجهاد عن عبد الله ابن أبي شيبة، وفي المغازي عن عمرو بن خالد
مختصراً وأخرجه مسلم في المغازي عن أبي بكر عبد الله بن أبي شيبة، وعن محمد بن المثنى
ومحمد بن بشار، وعن سلمة بن شبيب مختصراً، وعن عبد الله بن عمر بن آبان. وأخرجه النسائي
في الطهارة عن أحمد بن عثمان بن حكيم عن خالد بن مخلد، وفي السير عن أحمد بن سليمان،
وعن إسماعيل بن مسعود، وهذا الحديث لا يروى إلاّ بإسناد أبي إسحاق المذكور.
بيان لغاته قوله: ((سلا جزور بني فلان)) بفتح السين المهملة وبالقصر: هي الجلدة
التي يكون فيها الولد، والجمع أسلا. وخص الأصمعي: السلا، بالماشية وفي الناس
بالمشيمة. وفي (المحكم) السلا يكون للناس والخيل والإبل. وقال الجوهري: هي جلدة
رقيقة إن نزعت عن وجه الفصيل سالمة يولد وإلاّ قتلته، وكذلك إذا انقطع السلا في البطن.
والثالث: وأَلفُ سلا، منقلبة عن ياء، ويقويه ما حكاه أبو عبيد من أن بعضهم قال: سليت
الشاة، إذا نزعت سلاها. والجزور، بفتح الجيم وضم الزاي من الإبل، يقع على الذكر
والأنثى، وهي تؤنث، والجمع: الجزر. وتقول جزرت الجزور أجزرها بالضم، واجتزرتها إذا
i
i
٠٠۵٠
i
i

٢٥٦
:٣٧
د٠٠۴
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٧٠)
نحرتها. وقال بعضهم: الجزور من الإبل ما يجزر، أي: يقطع قلت: لا يدري من أي موضع
نقله قوله: ((فانبعث)) أي أسرع وهو مطاوع بعث فانبعث بمعنى: أرسله فانبعث. قوله: ((منعة)
بفتح النون، وحكى، إسكانها قال النووي: وهو شاذ ضعيف قلت: يرد عليه ما ذكره في
كتابه (المحكم) المنعة والمنعة والمنعة وقال يعقوب في الألفاظ منعة ومنعة، وقال القزار:
فلان في منعة من قومه ومنعة أي عز. وفي كتاب ابن القوطية وابن طريف: منع الحصن مناعاً
ومنعة. لم يرم، وفي (الغرييبين) فلان في منعة، أي: في تمنع على من رامه، وفلان في منعة
أي: في قومَ يمنعونه من الأعداء. قوله: ((صرعى)) جمع صريع، كجرحى جمع جريح قوله:
((في القليب)) بفتح القاف وكسر اللام، وهو: البئر قبل أن يطوى، يذكر ويؤنث. وقال أبو
عبيد: هي البئر العادية القديمة وجمع القلة: قلبة، والكثرة: قُلُب.
بيان اختلاف ألفاظه قوله: ((بينا رسول الله عَّهِ ساجد)) بقيته من رواية عبدان
المذكورة ((وحوله ناس من قريش من المشركين)) ثم ساق الحديث مختصراً قوله: ((إن
عبدالله)) وفي رواية الكشميهني ((عن عبدالله)) قوله: ((فيضعه)) زاد في رواية إسماعيل: ((فيمد
إلى فرئها ودمها وسلاها ثم يمهله حتى يسجد)) قوله: ((فانبعث أشقى القوم)»، وفي رواية
الكشميهني والسرخسي ((أشقى قوم)) بالتنكير، ولا خلاف في أن أفعل التفضيل، إذا فارق
كلمة من أنه يعرف باللام أو بالإضافة فإن قلت: أي فرق في المعنى في إضافته إلى المعرفة
والنكرة قلت: بالتعريف والتخصيص ظاهر، وأيضاً النكرة لها شيوع، معناه: أشقى قوم، أي:
قوم كان من الأقوام، يعني: أشقى كل قوم من أقوام الدنيا ففيه مبالغة ليست في المعرفة.
وقال بعضهم: والمقام يقتضي الأول، يعني: أشقى القوم، بالتعريف لأن الشقاء لههنا بالنسبة
إلى أولئك الأقوام فقط قلت: التنكير أولى لما قلنا من المبالغة، لأنه يدخل لههنا دخولاً ثانياً
بعد الأول، هذا القائل ما أدرك هذه النكتة، وقد روى الطيالسي في مسنده هذا الحديث من
طريق شعبة نحو رواية يوسف المذكورة وقال فيه: ((فجاء عقبة بن أبي معيط فقذفه على
ظهره)) قوله: ((لا أغني) من: الإغناء كذا هو في رواية الأكثرين وفي رواية الكشميهني
والمستملى: ((لا أغير)) قوله: ((فجعلوا يضحكون)) وفي رواية ((حتى مال بعضم على بعض من
الضحك)) قوله: ((فاطمةٌ بنت رسول الله عَّلَا)) زاد إسرائيل: ((وهي جويرية، فاقبلت تسعى
وثبت النبي، عليه الصلاة والسلام، ساجداً) قوله: ((فطرحته)) بالضمير المنصوب في رواية
الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: ((فطرحت)) بحذف الضمير: وزاد إسرائيل ((وأقبلت عليهم
تسبهم)) وزاد البزار ((فلم يردوا عليها شيئاً) قوله: ((زاد البزار من رواية زيد بن أبي أنيسة عن
إسحاق)) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ((أما بعد: اللهم)) قال البزار: تفرد بقوله: ((أما بعد،))
زيد. قوله: ((ثم قال)) كذا بكلمة، ثم، وهو يشعر بمهلة بين الرفع والدعاء، وفي رواية الأجلح
عند البزار ((فرفع رأسه كما كان يرفعه عند تمام سجوده)). قوله: ((فلما قضى صلاته قال:
اللهم)) ولمسلم والنسائي نحوه، والظاهر من ذلك أن دعاءه وقع خارج الصلاة، لكن وقع وهو
مستقبل للقبلة كما ثبت من رواية زهير عن أبي إسحاق عند البخاري ومسلم. قوله: ((ثلاث

٢٥٧
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٧٠)
مرات)) كرره إسرائيل في رواية لفظاً لا عدداً، وزاد مسلم في رواية زكريا: ((وكان إذا دعا دعا
ثلاثاً وإذا سأل سأل ثلاثاً). قوله: ((فشق عليهم)) ولمسلم من رواية زكريا: ((فلما سمعوا صوته
ذهب عنهم الضحك وخافوا دعوته)). قوله: ((وكانوا يرون)) بفتح الياء، ويروي بالضم. قوله:
((في ذلك البلد)) وهو مكة، ووقع في (مستخرج) أبي نعيم من الوجه الذي أخرجه البخاري
في الثالثة بدل قوله: ((في ذلك البلد)). قوله: ((بأبي جهل))) وفي رواية إسرائيل: ((بعمرو بن
هشام)، وهو اسم أبي جهل: قوله: ((والوليد بن عتبة)) بضم العين وسكون التاء المثناة من
فوق ثم بياء موحدة، ولم تختلف الروايات فيه أنه كذا، إلاّ أنه وقع في رواية مسلم من رواية
زكريا: بالقاف بدل التاء، وهو وهم نبه عليه ابن سفيان الراوي عن مسلم، وقد أخرجه
الإسماعيلي من طريق شيخ مسلم على الصواب قوله: ((وأمية بن خلف)) وفي رواية شعبة: أو
أبي بن خلف، شك شعبة، والصحيح أمية، لأن المقتول ببدر هو، أمية بإطباق أصحاب
المغازي عليه، وأخوه أبي بن خلف. قتل بأحد. قوله: ((فلم تحفظه)) بنون المتكلم، ويروي.
بالياء آخر الحروف. قوله: ((قال فوالذي نفسي بيده)) أي: قال ابن مسعود ذلك، وفي رواية
مسلم: ((والذي بعث محمداً بالحق)، وفي رواية النسائي: ((والذي أنزل عليه الكتاب))، وفي
بعض النسخ. ((والذي نفسي بيده)). قوله: ((صرعى في القليب)) ورواية إسرائيل من الزيادة.
((لقد رأيتهم صرعى يوم بدر ثم سحبوا إلى القليب قليب بدر)).
بيان إعرابه قوله: ((بينا رسول الله عَ لَّه) أصله: بين، والألف زيدت لإشباع الفتحة،
وهو مضاف إلى الجملة بعده، والعامل فيه إذ قال بعضهم الذي يجيء في الحديث بعد
التحويل إلى الإسناد الثاني. قوله: ((رسول الله عَّله) مبتدأ وخبر قوله: ((ساجد)) قوله: ((وأبو
جهل)) مبتدأ ((وأصحاب له)) عطف عليه وقوله: ((جلوس)) خبره، والجملة نصب على الحال،
ومتعلق، له محذوف أي: أصحاب كائنون له، أي: لأبي جهل، ويجوز أن يكون، جلوس خبر
أصحاب، وخبر أبي جهل محذوف كقول الشاعر:
نحن بما عندنا وأنت بما
عندك راضٍ والرأي مختلف
والتقدير: نحن راضون بما عندنا قوله: ((رأيت الذين)) عد مفعوله محذوف أي: عدهم،
ويروي، الذي مفرداً، ويجوز ذلك كما في قوله تعالى: ﴿وخضتم كالذي خاضوا﴾ [سورة
التوبة: ٦٩] أي: كالذين. قوله: ((صرعى)) مفعول ثانٍ لقوله: ((رأيت)) قوله: ((قليب بدر))
بالجر بدل من قوله: ((في القليب)) ويجوز فيه الرفع والنصب من جهة العربية، أما الرفع
فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو قليب بدر وأما النصب فعلى تقدير أعني قليب بدر.
بيان المعاني: ((وأبو جهل وأصحاب له)) السبعة المدعو عليهم، بينه البزار من طريق
الأجلح عن أبي إسحاق. قوله: ((إذ قال بعضهم)) هو أبو جهل، سماه مسلم من رواية زكريا،
وزاد فيه. ((وقد نحرت جزور بالأمس)) وجاء في رواية أخرى: ((بينا رسول الله عَ له قائم
يصلي في ظل الكعبة، وجمع من قريش في مجالسهم، إذا قال قائل منهم: ألا تنظروا إلى
هذا المرائي)؟ قوله: ((أشقى القوم)) هو: عقبة بن أبي معيط، ومعيط، بضم الميم وفتح العين
عمدة القاري / ج٣ / م١٧
i
i
Fi
ـةموس

٢٥٨
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٧٠)
المهملة. وقال الداودي: إنه أبو جهل فقوله: ((وأنا أنظر)) أي: قال عبد الله. وأنا شاهد تلك
الحالة. قوله: ((لا أغنى) أي: في كف شرهم، ومعنى: لا أغير، أي: شيئاً من فعلهم. قوله:
((فجعلوا يضحكون)) أي: استهزاءً قاتلهم الله. قوله: ((ويحيل)) بالحاء المهملة يعني: ينسب
فعل ذلك بعضهم إلى بعض، من قولك: أحلت الغريم إذا جعلت له أن يتقاضى المال من
غيرك، وجاء أحال أيضاً بمعنى: وثب، وفي الحديث: ((أن أهل خيبر أحالوا إلى الحصن)) أي:
وثبوا، وفي رواية مسلم من رواية زكريا: ((ويميل)) بالميم، أي؛ من كثرة الضحك. وفي كتاب
الصلاة، في باب المرأة تطرح على المصلي شيئاً من الأذى، ولفظه. ((حتى مال بعضهم على
بعض)) قوله: ((فاطمة)) هي: بنت رسول الله عَ له، أنكحها رسول الله عَ لّه علي بن أبي طالب
بعد وقعة أحد وسنها يومئذ خمس عشرة سنة وخمسة أشهر، روي لها عن رسول الله عَ ليه.
ثمانية عشر حديثاً. وفي الصحيحين لها حديث واحد. روت عنها عائشة أم المؤمنين رضي
الله تعالى عنها، توفيت بعد رسول الله عَّ الله بستة أشهر بالمدينة، وقيل: بمائة يوم، وقيل غير
ذلك، وغسلها علي، رضي الله تعالى عنه، وصلى عليها ودفنت ليلاً، وفضائلها لا تحصى،
وكفى لها شرفاً كونها بضعة من رسول الله عَّهِ. قوله: ((بقريش)) أي: بهلاك قريش. فإن
قلت: كيف جاز الدعاء على كل قريش وبعضهم كانوا يومئذ مسلمين كالصديق وغيره؟
قلت: لا عموم للفظ، ولئن سلمنا فهو مخصوص بالكفار منهم، بل ببعض الكفار، وهم أبو
جهل وأصحابه بقرينة القصة (مستجابة)) أي: مجابة. يقال: استجاب وأجاب بمعنى واحد،
وما كان اعتقادهم إجابة الدعوة من جهة رسول الله عَ ليه، بل هي جهة المكان. قوله: ((ثم
سمى)) أي: رسول الله عَّه بتفصيل ما أراد بذلك المجمل قوله ((بأبي جهل)) واسمه عمرو بن
هشام بن المغير كانت قريش تكنيه بابي الحكم وكناه عَّ له بأبا جهل، ولهذا قال الشاعر:
الناس كنوه أبا حكم واللَّه كنَّاه أبا جهل
ويقال: كان يكنى أبا الوليد، وكان يعرف بابن الحنظلية، وكان أحول. وفي
(المحبر) كان مأبوناً، ويقال: إنه أخذ من قول عتبة بن ربيعة سيعلم مصعرا إسته من انتفخ
سحره، وفي (الوشاح) لابن دريد هو أول من حز رأسه ولما رآه عَّ الله، قال: ((هذا فرعون هذه
الأمة)). قوله: ((وعد السابع)) فاعل: عد، رسول الله عَّله، أو عبد الله بن مسعود، وفاعل: فلم
نحفظه، عبد الله، أو عمرو بن ميمون، قاله الكرماني: وقال بعضهم: قلت ؛ فلا أدري من أين
تهيأ له الجزم بذلك مع أن في رواية النووي عند مسلم ما يدل على أن فاعل: عد، عمرو بن
میمون انتهى. قلت: الكرماني لم يجزم بذلك، بل ذكره بالشك، فكيف ينكر عليه بلا وجه؟
وأما السابع الذي لم يذكر هنا فهو مذكور عند البخاري في موضع آخر. وهو: عمارة بن
الوليد بن المغيرة، وكذا ذكره البرقاني وغيره. وقال صاحب (التلويح) وهو مشكل، لأن
عمارة هذا ذكر ابن إسحاق وغيره له قصة طويلة مع النجاشي إذ تعرض لامرأته، فامر
النجاشي ساحراً فنفخ في إحليل عمارة من سحره عقوبة له، فتوحش وصار مع البهائم إلى أن
مات في خلافة عمر، رضي الله تعالى عنه، في أرض الحبشة. قال بعضهم: والجواب أن

٢٥٩
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٧٠)
كلام ابن مسعود في أنه رآهم صرعى في القليب محمول على الأكثر انتهى. قلت: الجواب
أخذه هذا القائل من الكرماني، فإنه قال: وأجيب بأن المراد رأى أكثرهم، بدليل أن ابن معيط
لم يقتل بيدر وهو من الروحاء على ثلاثة أميال من المدينة. وقيل: إنه قال لرسول الله عَ ليه.
أتقتلني من بين سائر قريش؟ قال: نعم. ثم قال: بينا أنا بفناء الكعبة وأنا ساجد خلف المقام
إذ أخذ بمنكبي فلف ثوبه على عنقي فخنقني خنقاً شديداً، ثم جاء مرة أخرى بسلا جزور بني
فلان، وكان عقبة من المستهزئين أيضاً، وذكر محمد بن حبيب أنه من زنادقة قريش، واسم
أبي معيط: أبان بن أبي عمرو، خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمارة بن الوليد بن المغيرة، أما
أبو جهل فقتله معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء ذكره في الصحيحين ((ومر عليه ابن
مسعود وهو صريع، واحتز رأسه وأتى به رسول الله عَّ له، فقال: هذا رأس عدو الله، ونقله
رسول الله عَ ليه سيفه، وقال رسول الله عَّ له: الحمد لله الذي أخزاك يا عدو الله، هذا كان
فرعون هذه الأمة ورأس أئمة الكفر)) وفي رواية البيهقي: ((فخرَّ رسول الله عَّ له ساجداً) وأما
عتبة ابن ربيعة فقتله حمزة رضي الله عنه. وقيل: اشترك حمزة وعلي رضي الله تعالى عنهما.
في قتله. وأما شيبة بن ربيعة بن عبد شمس أخو عتبة بن ربيعة فقتله حمزة أيضاً. وأما
الوليد بن عتبة، بالتاء المثناة من فوق فقتله عبيدة بن الحارث، وقيل: علي. وقيل: حمزة،
وقيل: اشتركا في قتله. وأما أمية بن خلف بن صفوان بن أمية. فقد اختلف أهل السير في
قتله فذكر موسى بن عقبة قلتة رجل من الأنصار من بني مازن، وقال ابن إسحاق إن معاذ بن
عفراء وخارج بن زيد وحبيب بن أساف اشتركوا في قتله، وادعى ابن الجوزي أنه عَّلِ قتله،
وفي السير، من حديث عبد الرحمن بن عوف، أن بلال، رضي الله تعالى عنه، خرج إليه ومعه
نفر من الأنصار فقتلوه، وكان، فلما قتل انتفخ فالقوا عليه التراب حتى غيبه ثم جر إلى
القليب فتقطع قبل وصوله إليه، وكان من المستهزئين، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿ويل لكل همزة
لمزة﴾ [الهُمَزة: ١] وهو الذي كان يعذب بلالاً في مكة. وأما عقبة بن أبي معيط. فقتله
علي، رضي الله تعالى عنه، وقيل: عاصم بن ثابت، والأصح أن النبي عَّله قتله بعرق الظبية،
كما ذكرناه عن قريب. وأما عمارة بن الوليد فقد ذكرنا أمره مع النجاشي. ومات زمن عمر
ابن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، في أرض الحبشة.
بيان استنباط الفوائد والأحكام منها: تعظيم الدعاء بمكة عند الكفار وما ازداد عند
المسلمين إلاَّ تعظيماً عظيماً ومنها: معرفة الكفار بصدق النبي عَ لِّ لخوفهم من دعائه. ولكن
لأجل شقائهم الأزلي حملهم الحسد والعناد على ترك الانقياد له. ومنها: حلمه عَ لّهِ عمن
آذاه. ففي رواية الطيالسي عن شعبة في هذا الحديث: أن ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه،
قال: لم أره دعا عليهم إلاّ يومئذ وإنما استحقوا الدعاء حينئذ لما أقدموا عليه من التهكم به
حال عبادته لربه تعالى. ومنها: استحباب الدعاء ثلاثاً. ومنها: جواز الدعاء على الظالم. وفال
بعضهم: محله ما إذا كان كافراً، فأما المسلم فيستحب الاستغفار له والدعاء بالتوبة. ومنها:
أن المباشرة أقوى من السبب وآكد، وذلك لأنه عَ ◌ّ قال في عقبة: أشفى القوم، مع أنه كان
فيهم أبو جهل، وهو أشد منه كفراً، ولكن كان عقبة مباشراً على ما مر بيانه. ومنها: أن
P

٢٦٠
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٧٠)
البخاري استدل به على أن من حدث له في صلاته ما يمنع انعقادها ابتداء لا تبطل صلاته ولو
تمادى، وأجاب الخطابي عن هذا بأن أكثر العلماء ذهبوا إلى أن السلا نجس. وتأولوا معنى
الحديث على أنه عَ لِّ لم يكن تعبد إذ ذاك بتحريمه، كالخمر كانوا يلابسون الصلاة وهي
تصيب ثيابهم وأبدانهم، قبل نزول التحريم، فلما حرمت لم تجز الصلاة فيها، واعترض عليه
ابن بطال. بأنه لا شك أنها كانت بعد نزول قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ [المدثر: ٤] لأنها
أول ما نزل عليه عَ له من القرآن قبل كل صلاة، ورد عليه بأن الفرث ورطوبة البدن طاهران،
والسلا من ذلك. وقال النووي: هذا ضعيف لأن روث ما يؤكل لحمه ليس بطاهر، ثم إنه
يتضمن النجاسة من حيث إنه لا ينفك من الدم في العادة، ولأنه ذبيحة عبدة الأوثان فهو
نجس، والجواب: أنه عٍَّ لم يلعم ما وضع على ظهره فاستمر في سجوده استصحاباً
للطهارة، وما يدري هل كانت هذه الصلاة فريضة فتجب إعادتها على الصحيح، أو غيرها فلا
تجب وإن وجبت الإعادة فالوقت موسع لها فلعله أعاد واعترض عليه بأنه لو أعاد لنقل ولم
ينقل. قلت: لا يلزم من عدم النقل عدم الإعادة في نفس الأمر. فإن قلت: كيف كان لا يعلم
بما وضع على ظهره، فإن فاطمة، رضي الله تعالى عنها، ذهبت به قبل أن يرفع رأسه قلت: لا
يلزم من إزالة فاطمة إياه عن ظهره إحساسه عَ له بذلك، لأنه كان إذا دخل في الصلاة
استغرق باشتغاله بالله تعالى، ولئن سلمنا إحساسه به فقد يحتمل أنه لم يتحقق نجاسته،
والدليل عليه أن شأنه أعظم من أن يمضي في صلاته وبه نجاسة، وقد يقال: إن الفرث والدم
كان داخل السلا، وجلدته الظاهرة طاهرة، فكان كحمل القارورة المرصصة واعترض عليه
بأنه كان ذبيحة وثني، فجميع أجزائها نجسة لأنها ميتة. وأجيب عن ذلك بأنه كان قبل التعبد
بتحريم ذبائحهم، واعترض عليه بأنه يحتاج إلى تاريخ، ولا يكفي فيه الاحتمال. قلت:
الاحتمال الناشىء عن دليل كافٍ ولا شك أن تماديه عَّ له حاله أجلّ من ذلك وأعظم. ومنها:
أن أشهب المالكي احتج به على أن إزالة النجاسة ليست بواجبة. قال القرطبي: والدلائل
القطعية توجب إزالتها عن ثوب المصلى وبدنه، والمكان الذي يصلي فيه يرد عليه، وقال
القرطبي: ومنهم من فرق بين ابتداء الصلاة بالنجاسة، فقال: لا يجوز، وبين طروئها على
المصلي في نفس الصلاة فيطرحها عنه وتصح صلاته، والمشهور من مذهب مالك قطع
طروئها للصلاة إذا لم يمكن طرحها بناء على أن إزالتها واجبة.
الأسئلة والأجوبة منها ما قيل: إنه كم كان عدد الذين ألقوا في القليب؟ وأجيب: بأن
قتادة روى عن أنس عن أبي طلحة قال: لما كان يوم بدر، وظهر عليهم رسول الله عَّ له، أمر
ببضعة وعشرين رجلاً. وفي رواية: بأربعة وعشرين رجلاً من صناديد قريش، فألقوا في طوى
من أطواء بدر. ومنها ما قيل: إن إلقاءهم في البئر دفن لهم، والحربي لا يجب دفنه بل يترك
في الصحراء، وهم كانوا حرباً؟ وأجيب: بأن إلقاءهم في البئر كان تحقيراً لهم ولئلا يتأذى
الناس برائحتهم ولم يكن ذلك دفناً. فإن قلت: في (سنن) الدارقطني: أن من سننه عَ له في
مغازيه إذا مر بجيفة إنسان أمر بدفنه، ولا يسأل عنه مؤمناً كان أو كافراً. قلت: إنما كان لا
يسأل لأنه كان يعلم بالوحي بأنه إن كان مؤمناً كان مستحق الدفن لكرامته، وإن كان كافراً