النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦١) في مالك أمته دون غيره، ولأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأموالهم. قلت: هذا كله على تقدير أن تكون السباطة ملكاً لأحد أو لجماعة معينين، وقال الكرماني: وأظهر الوجوه أنهم كانوا يؤثرون ذلك ولا يكرهونه بل يفرحون به، ومن كان هذا حاله جاز البول في أرضه والأكل من طعامه. قلت: هذا أيضاً على تقدير أن تكون السباطة ملكاً لقوم. فإن قلت: كان من عادته عَّ له التباعد في المذهب، وقد روى أبو داود عن المغيرة بن شعبة: ((أن النبي عَّ كان إذا ذهب المذهب أبعد)). والمذهب، بالفتح: الموضع الذي يتغوط فيه. وأخرجه بقية الأربعة أيضاً. قلت: يحتمل أنه عَّلِ كان مشغولاً في ذلك الوقت بأمور المسلمين والنظر في مصالحهم، فلعله طال عليه الأمر، فأتى السباطة حين لم يمكنه التباعد، وأنه لو أبعد لكان تضرر. فإن قلت: روى أبو داود من حديث أبي موسى الأشعري أنه قال: ((كنت مع رسول الله عَ لَّه ذات يوم، فأراد ان يبول فأتى دمثا في أصل جدار فبال ... )) الحديث، فهذا يخالف ما ذكرت فيما مضى عن قريب. قلت: يجوز أن يكون الجدار ههنا عادياً غير مملوك لأحد، أو يكون قعوده متراخيا عن جرمه فلا يصيبه البول. قوله: ((ثم دعا بماء) زاد مسلم وغيره من طرق الأعمش: ((فتنحيت فقال: ادنه، فدنوت حتى قمت عند عقبه)). وفي رواية أحمد عن يحيى القطان: ((أتى سباطة قوم فتباعدت منه، فأدناني حتى صرت قريباً من عقبه، فبال قائماً، ودعا بماء فتوضأً به ومسح على خفیه)). بيان استنباط الأحكام الأول: فيه جواز البول قائماً فقاعداً أجوز لأنه أمكن، وقد اختلف العلماء في هذا فأباحاه قوم، وقال ابن المنذر: ثبت أن عمر وابنه وزيد بن ثابت وسهل بن سعد أنهم بالوا قياماً، وأباحه سعيد بن المسيب وعروة ومحمد بن سیرین وزيد بن الأصم وعبيدة السلماني والنخعي والحكم والشعبي وأحمد وآخرون، وقال مالك: إن كان في مكان لا يتطاير عليه منه شيء فلا بأس به، وإلاّ فمكروه. وقالت عامة العلماء: البول قائماً مكروه إلاَّ لعذر، وهي كراهة تنزيه لا تحريم، وكذلك روي البول قائماً عن أنس وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة، رضي الله عنهم وكرهه ابن مسعود وإبراهيم بن سعد، وكان إبراهيم لا يجيز شهادة من بال قائماً، وقال ابن المنذر: البول جالساً أحب إلي، وقائماً مباح، وكل ذلك ثابت عن النبي عَليهِ. فإن قلت: رويت أحاديث ظاهرها يعارض حديث الباب. منها: حديث المقداد عن أبيه عن عائشة، رضي الله تعالی عنها: «من حدثك أن رسول الله ګے بال قائماً فلا تصدقه، أنا رأيته يبول قاعداً)، أخرجه البستي في (صحيحه) ورواه الترمذي، وقال: حديث عائشة أحسن شيء في هذا الباب وأصح. وأخرج أبو عوانة الإسفرائيني في (صحيحه) بلفظ: ((ما بال قائماً منذ أنزل عليه القرآن)). ومنها: حديث بريدة، رواه البزار بسند صحيح: حدّثنا نصر ابن علي حدّثنا عبد الله بن داود حدّثنا سعيد بن عبيد الله حدّثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رسول الله عَّ قال: ((ثلاث من الجفاء: أن يبول الرجل قائماً ... )) الحديث، وقال: لا أعلم رواه عن ابن بريدة إلاّ سعيد بن عبد الله، وقال الترمذي: وحديث بريدة في هذا غير محفوظ، i جوم i i i ـةفور دهو: ١٢ !- ٠ ٢٠٢ ٣ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦١) وقول الترمذي يرد به. ومنها: حديث عمر، رضي الله تعالى عنه، وأخرجه البيهقي من حديث ابن جريج: أخبرنا عبد الكريم بن أبي المخارق عن نافع عن ابن عمر قال: قال عمر، رضي الله تعالى عنه: ((رآني رسول الله عَ لل أبول قائماً، فقال: يا عمر! لا تبل قائماً. قال: فما بلت قائماً بعد)). ومنها: حديث جابر، رضي الله تعالى عنه، أخرجه البيهقي أيضاً من حديث عدي ابن الفضل عن علي بن الحكم عن أبي نضرة عن جابر: ((نهى رسول الله عَّم أن يبول الرجل قائماً). قلت: أما الجواب عن حديث عائشة إنه مستند إلى علمها فيحمل على ما وقع منه في البيوت، وأما في غير البيوت فلا تطلع هي عليه، وقد حفظه حذيفة، رضي الله عنه، وهو من كبار الصحابة، وأيضاً يمكن أن يكون قول عائشة: ((ما بال قائماً)، يعني في منزله، ولا اطلاع لها على ما في الخارج. فإن قلت: قال أبو عوانة في (صحيحه) وابن شاهين: إن حديث حذيفة منسوخ بحديث عائشة، رضي الله عنها، قلت: إنه منسوخ، لأن كلاً من عائشة وحذيفة أخبر بما شاهده، فدل على أن البول قائماً وقاعداً يجوز، ولكن كرهه العلماء قائماً لوجود أحاديث النهي، وإن كان أكثرها غير ثابت. وأما حديث بريدة في هذا غير محفوظ، ولكن فيه نظر، لأن البزار أخرجه بسند صحيح كما ذكرنا. وأما حديث عمر فقال الترمذي: فحديث ضعيف، لأن ابن جريج رواه عن عبد الكريم بن المخارق أبو امية وهو ضعيف، وقال الترمذي: إنما رفعه عبد الكريم، وقد ضعفه أيوب، وتكلم فيه، وروى عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال عمر: ما بلت قائماً منذ أسلمت، هذا أصح من حديث عبد الكريم. وأما حديث جابر، ففي رواته: عدي بن الفضل وهو ضعيف. فإن قلت: قال أبو القاسم عبد الله بن أحمد ابن محمود البلخي في كتابه المسمى (بقبول الأخبار ومعرفة الرجال): حدیث هذا حديث فاحش منكر لا نراه إلاّ من قبل بعض الزنادقة. قلت: هذا كلام سوء لا يساوي سماعه، وهو في غاية الصحة. فإن قلت: روي عن ابن ماجة من طريق شعبة أن عاصماً روى له عن أبي وائل عن المغيرة: ((أن رسول الله عَّلل أتى سباطة قوم فبال قائماً)). قال عاصم: وهذا الأعمش يرويه عن أبي وائل عن حذيفة. قلت: قال الترمذي: حديث أبي وائل عن حذيفة أصح، يعني من حديثه عن المغيرة، وأيضا لا يبعد أن يكون أبو وائل رواه عن رجلين، والرجلان شاهدا ذلك من فعله عَّهِ، وأن أبا وائل أدى الحديثين عنهما، فسمعه منه جماعة فأدى كلٍّ ما سمع، ودليله أن غيرهما حكى ذلك عنه عَ لَّل أيضاً، منهم: سهل بن سعد، رضي الله عنه. وفي حديثه في (صحيح ابن خزيمه) وأبو هريرة، رضي الله تعالى عنه، وأخرج حديثه الحاكم ثم البيهقي عن حماد بن غسان الجعفي: حدّثنا معن عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه: ((أن النبي عَّ بال قائماً من جرح كان بمآبضه))، وقال الذهبي: هذا منكر، وضعفه الدارقطني والبيهقي وابن عساكر في كتابه (مجموع الرغائب في ذكر أحاديث مالك الغرائب). ثم إن العلماء تكلموا في سبب بوله، صلى الله تعالى عليه وسلم قائماً فقال الشافعي، ٢٠٣ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٢) لما سأله حفص الفرد عن الفائدة في بوله قائماً: العرب تستشفي لوجع الصلب بالبول قائماً، فنرى أنه كان به ذاك. قلت: يوضح ذلك حديث أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه المذكور آنفا. والمآبض جمع: مأبض، بسكون الهمزة بعدها باء موحدة ثم ضاد معجمة، وهو: باطن الركبة، وقال القاضي عياض: إنما فعله لشغله بأمور المسلمين، فلعله طال عليه المجلس حتى حصرة البول ولم يمكن التباعد كعادته، وأراد السباطة لدمنها، وأقام حذيفة يستره عن الناس. وقال المازري في (العلم): فعل ذلك لأنها حالة يؤمن فيها خروج الحدث من السبيل الآخر، بخلاف القعود، ومنه قول عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه: البول قائماً أحصن للدبر. وقال بعضهم: لأنه عَّهِ لم يجد مكاناً للقعود فاضطر إلى القيام لكون الطرف الذي يليه السباطة عليها مرتفعاً. وقال المنذري: لعله كانت في السباطة نجاسات رطبة، وهي رخوة، فخشي أن يتطاير عليه. قلت: فيه نظر، لأن القائم أجدر بهذه الخشية من القاعد. وقال الطحاوي: لكون ذلك سهلاً ينحدر فيه البول فلا يرتد على البائل، وقال بعضهم: إنه عَّ﴾. فعل ذلك بياناً للجواز في هذه المرة، وكانت عادته المستمرة البول قاعداً. الحكم الثاني: فيه جواز البول بالقرب من الديار. الثالث: فيه دليل على أن مدافعة البول ومصابرته مكروهة لما فيه من الضرر. الرابع: فيه جواز طلب البائل من صاحبه الماء للوضوء. الخامس: فيه خدمة المفضول للفاضل، والله سبحانه وتعالى أعلم. i ٦٢ _ بابُ البَوْلِ عنْدَ صاحبِهِ والتَّسَتِّ بالحَائِطِ. أي: هذا باب في بيان حكم بول الرجل عند صاحبه، وبيان حكم تستره بالحائط، فالألف واللام في: البول، بدل من المضاف إليه، وهو كما قدرنا، فالضمير في صاحبه يرجع إلى المضاف إليه المقدر، وهو: الرجل البائل. والمناسبة بين البابين ظاهرة. ٢٢٥/٨٨ - حدّثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةً قال حدّثنا ◌َرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عن أبي وَائِلٍ عَنْ حَذَيْفَةَ قال رَأَنْتُنِي أَنَا وِالنبيُّ عَ لَِّ نتَمَاشَى فَأَتَّى سَبَاطَةَ قَوْمٍ خَلْفَ حائِطٍ فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ فَبَالَ فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ فَأَشَارَ إليَّ فَجِئْتُهُ فَقَمْتُ عِنْدَ عَقِيِهِ حَتَّى فَرَغَ. [انظر الحديث: ٢٢٤ وأطرافه]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، وهي في الموضعين. بيان رجاله وهم خمسة، وقد تقدموا بهذا الترتيب في باب: من جعل لأهل العلم أياماً، وجرير: هو ابن عبد الحميد، ومنصور: هو ابن المعتمر، وأبو وائل: شقيق، وحذيفة: ابن الیمان، رضي الله تعالى عنه. i i ١٣٤٠ ربهم -. ٦٣٦٠٤ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٢) ٢٠٤ بيان لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في الموضعين، والعنعنة في ثلاثة مواضع، ورواته ما بين كوفي ورازي. وتعدد موضعه ومن أخرجه غيره قد مر بيانها في الباب السابق. بيان لغته قوله: ((حائط)) أي: جدار، ويجيء بمعنى: البستان في غير هذا الموضع، وأصله واوي، من: الحوط. قوله: ((فانتبذت))، أي: تنحيت، ومادته: نون وباء موحدة وذال معجمة. وقال الجوهري: جلس فلان نبذة، بفتح النون وضمها، أي: ناحية، وانتبذ فلان أي: ذهب ناحيته، وقال الخاطبي: فانتبذت منه، أي تنحيت عنه حتى كنت منه على نبذة. قوله: (عقبه))، بفتح العين وكسر القاف: وهو مؤخر القدم، وهي مؤنثة، وعقب الرجل أيضا ولده وولد ولده، وفيها لغتان: كسر القاف وسكونها، وهي أيضاً مؤنثة. بيان إعرابه قوله: ((رأيتتي))، بضم التاء من فوق، ومعناه: رأيت نفسي، وبهذا التقدير يندفع سؤال من يقول: كيف جاز أن يكون الفاعل والمفعول عبارة عن شيء واحد، وهذا التركيب جائز في أفعال القلوب، لأنه من خصائصها، ولا يجوز في غيرها. قوله: ((أنا)) للتأكيد لصحة عطف لفظ النبي على الضمير المنصوب على المفعولية، والتقدير: رأيت نفسي ورأيت النبي عَّهِ. وقال الكرماني بنصب: النبي، لأنه عطف على المفعول لا على الفاعل، وعليه الرواية. قلت: ويجوز رفع: النبي، أيضاً لصحة المعنى عليه، ولكن إن صحت رواية النصب يقتصر عليها. قوله: ((نتماشى)) جملة في محل النصب على الحال، تقديره: ورأيت نفسي والنبي حال كوننا متماشين. قوله: ((فأشار)) أي: أشار النبي عَّةِ إليّ بعد أن بعدت منه، ولكن لم أبعد منه بحيث لا أراه. وفي رواية مسلم: ادنه، وقال بعضهم: رواية البخاري هذه بينت أن رواية مسلم: أدنه، كان بالإشارة لا باللفظ. قلت: يرد عليه رواية الطبراني من حديث عصمة بن مالك، قال: ((خرج علينا رسول عَّ ◌ُلّفي بعض سكك المدينة، فانتهى إلى سباطة قوم فقال: يا حذيفة استرني ... )) الحديث، فهذا صريح بأن إعلامه كان باللفظ، ويمكن أن يجمع بين الروايتين بأن يكون، عليه الصلاة والسلام، أشار أولاً بيده أو برأسه، ثم قال: استرني. وقال هذا القائل أيضاً: وليست فيه دلالة على جواز الكلام في حال البول. قلت: هذا الكلام من غير رواية إذ إشارته، عليه الصلاة والسلام، إلى حذيفة أو قوله: ((استرني))، لم يكن إلاّ قبل شروعه في البول، فيكف يظن من ذلك ما قاله حتى ينفي ذلك؟. ويستنبط منه من الأحكام ما استنبط من الحديث السابق. وفيه أيضاً: جواز طلب البائل من صاحبه القرب منه ليستره. وفيه: أنه، عليه الصلاة والسلام، كان إذا أراد قضاء حاجة الإنسان توارى عن أعين الناس بما يستره من حائط أو نحوه، وقال ابن بطال: من السنة أن يقرب من البائل إذا كان قائماً، هذا إذا أمن أن يرى منه عورة، وأما إذا كان قاعداً فالسنة البعد منه، وإنما انتبذ حذيفة منه لئلا يسمع شيئاً مما جرى في الحديث، فلما بال، عليه الصلاة والسلام، قائماً، وأمن، عليه الصلاة والسلام، ما خشيه حذيفة أمره بالقرب منه. وقال سمبوس ١٣/١ ٢٠٥ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٣) الكرماني: وإنما بعد منه وعينه تراه لأنه كان يحرسه، أي: يحرس النبي، عليه الصلاة والسلام. قلت: هذا إنما يتأتى قبل نزول قوله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ [المائدة: ٦٧] لأنه ◌ٍَّ كان يحرسه جماعة من الصحابة قبل نزول هذه الآية، فلما نزلت ترك عَ لله الحرس. ٦٣ _ بابُ البَوْلِ عِنْدَ سُبَاطَةٍ قوْمٍ أي: هذا باب في بيان حكم البول عند جماعة من الناس، وهذا الباب، والبابان اللذان قبله، حديث حذيفة رضي الله عنه، غير أن كلاًّ منها عن شيخ، وترجم لكل واحد منها ترجمة تناسب معنى من معاني الحديث المذكور. والمناسبة بينها ظاهرة لا تطلب. ٢٢٦/٨٩ - حدثنا مُحَمَّدُ بنُ عَرْعَرَةَ قال حدّثنا شُعْبَةُ عنْ مِنْصُورٍ عنْ أبي وَائِلٍ قال كانَ أَبُو مُوسَى الاشْعَرِيُّ يُشَدِّدُ فِي البَوْلِ وَيَقُولُ إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كانَ إذا أصابَ ثَوْبَ أَخْدِهِمْ قَرَضَهُ فقالَ حُذَيْفَةُ لَيْتَهُ أَمْسَكَ أَتَّى رسولُ اللَّهِ عَلِ سُباطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قائِماً. [انظر الحديث: ٢٢٤ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة. قيل: إتيان حديث واحد من شخص واحد في ثلاثة أبواب ليس له زيادة فائدة. قلت: فائدته تنادي بأعلى صوته، ولكن قاصر الفهم بمعزل من هذه الفائدة. بيان رجاله وهم ستة، كلهم قد تقدموا، وتقدم ذكر أبي موسى الأشعري في باب: أي الإسلام أفضل، واسمه عبد الله بن قيس، وأبو وائل شقيق. بيان لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه: العنعنة في موضعين، ورواته ما بين شامي ومصري وكوفي. وتعدد موضعه ومن أخرجه غيره: تقدم في باب البول قائما. بيان لغته وإعرابه قوله: ((يشدد))، جملة في محل النصب على أنه خبر: كان، ومعناه: كان يحتاط عظيماً في الاحتراز عن رشاشاته، حتى كان بيول في القارورة خوفاً أن يصيبه من رشاشاته شيء. وأخرج ابن المنذر من طريق عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه أنه سمع أبا موسى، ورأى رجلاً يبول قائماً، قال: ويحك أفلا قاعداً، ثم ذكر قصة بني اسرائيل، وبنو إسرائيل بنو يعقوب، عليه الصلاة والسلام، وإسرائيل لقبه. قوله: ((كان إذا أصاب ثوب أحدهم)) الضمير في: كان، ضمير الشأن، والجملة الشرطية خبره، وبهذا لا يرد سؤال الكرماني بقوله: فإن قلت: بنو، جمع فلم أفرد ضمير: كان، الراجع إليه؟ وبنو إسرائيل أصله بنون لإسرائيل، فلما أضيف إلى إسرائيل سقطت نون الجمع. فإن قلت: ما وجه تلقيب يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل، عليهم السلام، بإسرائيل؟ قلت: كان يعقوب وعيصو أخوين، كانا في بطن أمهما معاً. فلما جاء وقت i ١ F i i ٢٠٦ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٣) وضعهما اقتتلا في بطنها لأجل الخروج أولاً، فقال عيصو: والله لئن خرجت قبلي لأعترض في بطن أمي لأقتلها، فتأخر يعقوب وخرج عيصو قبله، فسمي: عيصو، لأنه عصى، وسمى: يعقوب، لأنه خرج آخذاً بعقب عيصو. وكان يعقوب أكبرهما في البطن، وكان أحبهما إلى أمه، وكان: عيصو، أحبهما إلى أبيه، وكان صاحب صيد، فلما كبر أبوهما إسحاق وعمي قال لعيصو: يا بني أطعمني لحم صيد أدعُ لك بدعاء كان أبي دعا لي به، وكان أشعر، وكان يعقوب أجرد، فخرج عيصو إلى الصيد، وقالت أمه ليعقوب: خذ شاة واشوها والبس جلدها، وقدمها إلى أبيك، وقل له: أنا ابنك عيصو، ففعل، فمسه إسحاق فقال: المسّ مسّ عيصو، والريح ريح يعقوب، فقالت أمه: ابنك عيصو فادع له، فأكل منها ودعا له بأن الله يجعل في ذريته الأنبياء والملوك، ثم جاء عيصو بالصيد فقال إسحاق: يا بني قد سبقك أخوك، فغضب وقال: والله لأقتلنه. فقال إسحاق: يا بني قد بقيت دعوة، فدعا له: بأن تكون ذريته عدد التراب ولا يملكهم أحد. وقالت أم يعقوب: إلحق بخالك فكن عنده، خشية أن يقتله عيصو، فانطلق يعقوب إلى خاله لا بان، وكان ببابل، وقيل: بحرَّان، فكان يسير بالليل ويكمن بالنهار، فلذلك سمي إسرائيل، فأخذ من: السرى والليل، قاله السدي. وقال غيره: معناه عبد الله، لأن: ايل، اسم من أسماء الله تعالى بالسريانية، كما يقال: جبرائيل وميكائيل. قوله: ((إذا أصاب)) اي: البول ((و: ثوب أحدهم))، بالنصب مفعوله، ووقع في رواية مسلم: ((إذا أصاب جلد أحدهم)). وقال القرطبي: مراده بالجلد: واحد الجلود التي كانوا يلبسونها، وحمله بعضهم على ظاهره، وزعم أنه من الإصر الذي حملوه، ويؤيده رواية أبي داود، حيث قال: حدّثنا مسدد، قال: حدّثنا عبد الواحد بن زياد، قال: حدّثنا الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الرحمن بن حسنة، قال: انطلقت أنا وعمرو بن العاصي إلى النبي عَّهِ، فخرج ومعه دورقة ثم استتر بها ثم بال، فقلنا: انظروا إليه يبول كما تبول المرأة، فسمع ذلك، فقال: ألم تعلموا ما لقي صاحب بني اسرائيل؟ كانوا إذا أصابهم البول قطعوا ما أصابه البول منهم، فنهاهم، فعذب في قبره. قال منصور عن أبي وائل عن أبي موسى: جلد أحدهم، وقال عاصم عن أبي وائل عن أبي موسى: جسد أحدهم. قوله: ((انظروا اليه يبول كما تبول المرأة))، وهذا القول منهما من غير قصد، أو وقع بطريق التعجب، أو بطريق الاستفسار عن هذا الفعل، فلذلك قال، عليه الصلاة والسلام بقوله: ((ألم تعلموا ... )) الخ، ولِمَ يقولون هذا القول بطريق الاستهزاء والاستخفاف، لأن الصحابة براء من هذا الكلام: وأراد بصاحب بني اسرائيل: موسى، عليه الصلاة والسلام. فإن قلت: كيف يترتب قوله: ((فعذب)) على قوله: ((فنهاهم)؟ قلت: فيه حذف تقديره: فنهاهم عن إصابة البول ولم ينتهوا، فعذب الله تعالى. و: الفاء، في: فعذب، فاء السببية نحو قوله تعالى: ﴿فوكزه موسى فقضى عليه﴾ [القصص: ١٥] قوله: ((قرضه)) بالقاف أي: قطعه، وفي رواية الأصيلي: ((قرضه بالمقراض))، وهذه الرواية ترد قول من يقول: المراد بالقرض: الغسل بالماء. قوله: ((ليته أمسك))، قول حذيفة أي: ليت أبا موسى أمسك نفسه عن هذا التشديد، أو لسانه عن هذا القول، أو كليهما عن كليهما، ٢٠٧ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٤) ومقصوده: أن هذا التشديد خلاف السنة، فإن النبي، عليه الصلاة والسلام، بال قائماً، ولا شك في كون القائم معرضاً للرشاش، ولم يلتفت، عليه الصلاة والسلام، إلى هذا الاحتمال، ولم يتكلف البول في القارورة؛ وقال ابن بطال: وهو حجة لمن رخص في يسير البول، لأن المعهود ممن بال قائماً أن يتطاير إليه مثل رؤوس الأبر، وفيه يسرو سماحة على هذه الأمة حيث لم يوجب القرض كما أوجب على بني اسرائيل، واختلفوا في مقدار رؤوس الأبر من البول فقال مالك: يغسلها استحبابا وتنزهاً، والشافعي: يغسلها وجوباً وأبو حنيفة سهل فيهما كما في يسير كل النجاسات، وقال الثوري: كانوا يرخصون في القليل من البول. ٦٤ _ بابُ غَسْلِ الدَّم أي: هذا باب في بيان حكم غسل الدم، بفتح الغين، وأراد به دم الحيض. والمناسبة بين البابين ظاهرة لأن كلاً منهما في بيان إزالة النجاسة، ففي الأول عن البول، وفي الثاني عن الدم، وكلاهما في النجاسة سواء. ٩٠/ ٢٢٧ _ حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ المثَنَّي قالِ حدّثنا يَحْيِىَ عنْ هِشامٍ قال حدثَتْنِي فَاطِمَةٌ عِنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ جاءَتِ امْرَأَةٌ النبيَّ عَ لِّ فَقَالَتْ أَرْأَيَتَ إِحْدَانَا تَحِيضُ فِيّ القَوْبِ كَيْفَ تَصْنَعُ قال تَحتَهُ ثُمَّ تَقْرُصُهُ بالمَاءِ وتَنْضَحُهُ وَتُصَلِّي فِيهِ. [الحديث ٢٢٧ - طرفه في: ٣٠٧]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة. بيان رجاله وهم خمسة: محمد بن المثنى، بفتح النون: وهو المعروف بالزَّمن، ويحيى هو: ابن سعيد القطان، وهشام هو: ابن عروة بن الزبير، وقد تقدموا في باب: أحب الدين إلى الله أدومه، وفاطمة هي: بنت المنذر بن الزبير زوجة هشام المذكور، تروي عن جدتها أسماء بنت أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، المعروفة: بذات النطاقين، تقدمتا في باب: من أجاب الفتيا بإشارة. بيان لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: رواية الأنثى؛ ورواته ما بين شامي ومصري(١). بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري هنا، وفي البيوع أيضاً عن عبد الله بن يوسف عن مالك، وفي الصلاة عن أبي موسى عن يحيى. وأخرجه مسلم في الطهارة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع، وعن محمد بن حاتم عن يحيى، وعن أبي كريب عن عبد الله بن نمير، وعن أبي الطاهر بن السرح، وعن ابن وهب عن يحيى بن عبد الله بن سالم ومالك وعمرو بن الحارث. وأخرجه أبو داود في الطهارة عن القعنبي عن مالك، وعن مسدد عن حماد بن زيد وعيسى بن يونس، وعن موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة. وأخرجه الترمذي فيه عن محمد بن يحيى عن سفيان، عشرتهم عن هشام بن عروة به. وأخرجه النسائي فيه عن يحيى بن حبيب عن حماد بن زيد به. وأخرجه ابن ماجة فيه عن أبي بكر (١) وفي نسخة: ورواته ما بين بصري ومدني. ٢٠٨ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٤) ابن أبي شيبة عن أبي خالد الأحمر عن هشام بن عروة به. جوي بيان لغته وإعرابه قوله: ((تحته)) من: حت الشيء عن الثوب وغيره يحته حتاً: فركه وقشره فانحت، وتحات. وفي (المنتهى): الحت: حتك الورق من الشجر، والمني والدم ونحوهما من الثوب وغيره، وهو دون النحت. وعند ابن طريف: حت الشيء: نفضه. وقيل: معناه تحكه، وكذا وقع في رواية ابن خزيمة. قوله: ((تقرصه)) قال في (المغرب): الحت: القرص باليد، والقرص بأطراف الأصابع. وفي (المحكم) القرص التخميش والغمز بالأصبع، والمقرص: المقطع المأخوذ من شيئين، وقد قرضه وقرصه. وفي (الجامع) كل مقطع مقرض. وفي (الصحاح): اقرصيه بماء أي: اغسليه بأطراف أصابعك، ويروى: قرضيه، بالتشديد. وقال أبو عبيد: أي: قطعيه. وقال في (مجمع الغرائب): هو أبلغ في إذهاب الأثر عن الثوب. وقال عياض: رويناه بفتح التاء المثناة من فوق وسكون القاف وضم الراء وبضم التاء وفتح القاف وكسر الراء المشددة. قال: وهو الدلك بأطراف الأصابع مع صب الماء عليه حتى يذهب أثره. قوله: ((وتنضحه)) أي: تغسله، قاله الخطابي: وقال القرطبي: المراد به الرش، وهو من باب: فتح يفتح، بفتح عين الفعل فيهما، وقال الكرماني: تتضحه، بكسر الضاد: وكذا قال مغلطاي في شرحه، وهو غلط. قوله: (إحدانا)) مبتدأ وقوله: ((تحيض)) خبره، قوله: ((كيف تصنع))؟ يتعلق بقوله: ((أرأيت)). بيان معانيه قوله: ((جاءت امرأة)) وقع في رواية الشافعي، رحمه الله تعالى، عنه عن سفيان بن عيينة عن هشام في هذا الحديث: أن أسماء هي السائلة، وأنكر النووي هذا، وضعف هذه الرواية، ولا وجه لإنكاره، لأنه لا يبعد أن يبهم الراوي اسم نفسه، وقد وقع مثل هذا في حديث أبي سعيد، رضي الله عنه، في قصة الرقية بفاتحة الكتاب. قوله: ((أرأيت)) أي: أخبرني، قاله الزمخشري، وفيه تجوز لإطلاق الرؤية، وإرادة الإخبار، لأن الرؤية سبب الإخبار، وجعل الاستفهام بمعنى الأمر بجامع الطلب. قوله: ((تحيض في الثوب)) أي: يصل دم الحيض إلى الثوب، هكذا فسره الكرماني. قلت: المعنى: تحيض حال كونها في الثوب، ومن ضرورة ذلك وصول الدم إلى الثوب. وللبخاري، من طريق مالك عن هشام: إذا أصاب ثوبها الدم من الحيض، وفي رواية أبي داود عن أسماء: ((سمعت امرأة تسأل النبي، عليه الصلاة والسلام: كيف تصنع إحدانا بثوبها إذا رأت الطهر أتصلى فيه؟ قال: ((تنظر، فإن رأت فيه دماً فلتقرصه بشيء من ماء، ولتتضح ما لم تر ولتصل فيه)). وعند مسلم: ((المرأة تصيب ثوبها من دم الحيضة))، وعند الترمذي: ((إقرصيه بماء ثم رشيه)). وعند ابن خزيمة: ((كيف تصنع بثيابها التي كانت تلبس؟ فقال ((إن رأت فيها شيئاً فلتحكه ثم لتقرصه بشيء من ماء، وتنضح في سائر الثوب بماء، ولتصل فيه). وفي لفظ: ((إن رأيت فيه دماً فحكيه)). وفي لفظ: ((رشيه وصلي فيه)). وفي لفظ: ((ثم تنضحه وتصلي فيه)). وعند أبي نعيم: ((لتحته ثم لتقرصه ثم لتنضحه ثم لتصل فيه)). وفي حديث مجاهد عن عائشة عند البخاري: ((ما كان لإحدانا إلاَّ ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم قالت بريقها، فمصعته بظفرها)). أي: عركته. واختلف في سماع مجاهد عن عائشة، فأنكره ابن حبان ويحيى بن معين ويحيى ١ ٢٠٩ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٤) ابن سعيد وشعبة وآخرون، وأثبته البخاري وعلي بن المديني ومسلم وآخرون، وعند البخاري من حديث القاسم عنها: ((ثم تقرص الدم من ثوبها عند طهرها فتغسله وتنضح على سائره ثم تصلي فيه)). وفي حديث أم قيس بنت محصن، عند ابن خزيمة، وابن حبان: ((إغسليه بالماء والسدر وحكيه ولو بضلع))، زاد ابن حبان قوله عَّله: (اغسليه بالماء»، أمر فرض، وذكر السدر والحك بالضلع أمر ندب وإرشاد. وقال ابن القطان: هو حديث في غاية الصحة، وعاب على أبي أحمد قوله: الأحاديث الصحاح ليس فيها ذكر الضلع والسدر، وعند أبي أحمد العسكري: ((حكيه بضلع واتبعيه بماء وسدر)). وعند أحمد من حديث أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه: ((إن خولة بنت يسار قالت: يا رسول الله ليس لي إلاَّ ثوب واحد، وأنا أحيض فيه، قال: فإذا طهرت فاغسلي موضع حيضك ثم صلي فيه، قالت: يا رسول الله أرى لم يخرج اثره، قال: يكفيك الماء ولا يضرك أثره)). ولما ذكره ابن أبي خيثمة في (تاريخه الكبير) جعله من مسند خولة، وكذلك الطبراني، وفي (سنن أبي داود) عن امرأة من غفار: ((أن رسول الله عَ ليه لما رأى ثيابها من الدم، قال: أصلحي من نفسك، ثم خذي إناء من ماء واطرحي فيه ملحاً، ثم اغسلي ما أصاب حقيبة الرجل من الدم، ثم عودي لمركبك)). وعند الدارمي، بسند فيه ضعف عن أم سلمة، رضي الله عنها: ((إن إحداهن تسبقها القطرة من الدم. فقال عَّ ◌ُلّ: إذا أصاب إحداكن بذلك فلتقصعه بريقها. وعند ابن خزيمة: وقيل لها: كيف كنتن تصنعن بثيابكن إذا طمئن على عهد النبي عَ لَه؟ قالت: إن كنا لنطمت في ثيابنا أو في دروعنا، فما نغسل منه إلاّ أثر ما أصابه الدم. قوله: ((تحته)) الضمير المنصوب فيه، وفي قوله: ((ثم تقرصه)) يرجع إلى الثوب. وفي قوله: و «تنضحه)) يرجع إلى الماء، وقد ذكرنا عن قريب أن الخطابي قال: تنضحه أي: تغسله. وقال القرطبي: المراد به الرش، لأن غسل الدم استفيد من قوله: ((تقرصه بالماء))، وأما النضح فهو لما شك فيه من الثوب. وقال بعضهم: فعلى هذا الضمير في قوله: ((تنضحه)) يعود على الثوب، بخلاف: تحته، فإنه يعود على الدم، فيلزم منه إختلاف الضمائر، وهو على خلاف الأصل. قلت: لا نسلم ذلك، لأن لفظ: الدم، غير مذكور صريحاً، والأصل في عود الضمير أن يكون إلى شيء صريح، والمذكور هنا صريحاً: الثوب والماء، فالضميران الأولان يرجعان إلى الثوب لأنه المذكور قبلهما، والضمير الثالث يرجع إلى: الماء، لأنه المذكور قبله، وهذا هو الأصل. ثم قال هذا القائل أيضاً: ثم إن الرش على المشكوك فيه لا يفيد شيئاً، لأنه إن كان طاهراً فلا حاجة إليه، وإن كان متنجساً لم يتطهر بذلك، فالأحسن ما قاله الخاطبي. قلت: الذي قاله القرطبي هو الأحسن لأنه يلزم التكرار من قول الخاطبي بلا فائدة، لأنا ذكرنا أن الحت هو الفرك، والقرص هو الدلك بأطراف الأصابع مع صب الماء عليه حتى يذهب أثره، لما نقلناه عن القاضي عياض، ففهم الغسل من لفظة القرص، فإذا قلنا: الرش بمعنى الغسل يلزم التكرار، ثم قوله: ثم إن الرش ... إلى آخره، كلام من غير روية، لأن الرش ههنا لإزالة الشك المتردد في الخاطر، كما جاء في رش المتوضىء الماء على سراويله بعد فراغه من الوضوء، وليس معناه على الوجه الذي عمدة القاري / ج٣ / ١٤٥ ٠٠٠ i ١ ٢١٠ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٤) ذكرناه، فافهم. بيان استنباط الأحكام منها: ما قاله الخطابي: إن فيه دليلاً على أن النجاسات إنما تزول بالماء دون غيره من المائعات، لان جميع النجاسات بمثابة الدم، لا فرق بينه وبينها إجماعا، وكذلك استدل به البيهقي في (سنته) على أصحابنا في وجوب الطهارة بالماء دون غيره من المائعات الطاهرة. قلت: هذا خرج مخرج الغالب لا مخرج الشرط، كقوله تعالى: ﴿وربائبكم اللاتي في حجور كم﴾ [النساء: ٢٣] والمعنى في ذلك أن الماء أكثر وجوداً من غيره، أو نقول: تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه، أو نقول: إنه مفهوم لقب، ولا یقول به إمامنا. ومنها: أنه يدل على وجوب غسل النجاسات من الثياب، وقال ابن بطال: حديث أسماء أصل عند العلماء في غسل النجاسات من الثياب، ثم قال: وهذا الحديث محمول عندهم على الدم الكثير، لأن الله تعالى شرط في نجاسته أن يكون مسفوحاً، وهو كناية عن الكثير الجاري إلاّ أن الفقهاء اختلفوا في مقدار ما يتجاوز عنه من الدم، فاعتبر الكوفيون فيه، وفي النجاسات دون الدرهم في الفرق بين قليله وكثيره. وقال مالك: قليل الدم معفو، ويغسل قليل سائر النجاسات. وروي عن ابن وهب: إن قليل دم الحيض ككثيره وكسائر الأنجاس، بخلاف سائر الدماء، والحجة في أن اليسير من دم الحيض كالكثير قوله مع ٹ لأسماء: ((حتيه ثم اقرصيه))، حيث لم يفرق بين قليله وكثيره، ولا سألها عن مقداره ولم يحد فيه مقدار الدرهم ولا دوه. قلت: حديث عائشة: ((ما كان لإحادنا إلاَّ ثواب واحد فيه تحيض فإن أصابه شيء من دم بلته بريقها، ثم قصعته بريقها)) رواه أبو داود، وأخرجه البخاري أيضا، ولفظة: ((قالت بريقها فمصعته))، يدل على الفرق بين القليل والكثير، وقال البيهقي: هذا في الدم اليسير الذي يكون معفواً عنه، وأما الكثير منه فصح عنها. أي: عن عائشة. أنها كانت تغسله، فهذا حجة عليهم في عدم الفرق بين القليل والكثير من النجاسة، وعلى الشافعي أيضا في قوله: ((إن يسير الدم يغسل كسائر الأنجاس إلاَّ دم الراغيث، فإنه لا يمكن التحرز عنه)). وقد روي عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أنه لا يرى بالقطرة والقطرتين بأساً في الصلاة، وعصر ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، بثرة فخرج منها دم فمسحه بيده وصلى، فالشافعية ليسوا بأكثر احتياطاً من أبي هريرة وابن عمر، ولا أكثر رواية عنهما حتى خالفوهما، حيث لم يفرقوا بين القليل والكثير، على أن قليل الدم موضع ضرورة، لأن الإنسان لا يخلو في غالب حاله من بثرة أو دمل أو برغوث، فعفى عنه، ولهذا حرم الله المسفوح منه، فدل أن غيره ليس بمحرم، وأما تقدير أصابنا القليل بقدر الدرهم، فلما ذكره صاحب (الاسرار) عن علي وابن مسعود أنهما قدرا النجاسة بالدرهم، وكفي بهما حجة في الاقتداء. وروي عن عمر، رضي الله تعالى عنه، أيضا أنه قدره بظفره، وفي (المحيط): وكان ظفره قريباً من كفنا، فدل على أن ما دون الدرهم لا يمنع. وقال في (المحيط) أيضاً: الدرهم الكبير ما يكون مثل عرض الكف، وفي صلاة الأصل: الدرهم الكبير المثقال يعني: يبلغ ٩ ٢١١ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٤) مثقالاً. وعند السرخسي: يعتبر بدرهم زمانه، وأما الحديث الذي روايه الدارقطني في (سننه) عن روح بن غطيف عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي عَلَّه قال: ((تعاد الصلاة من قدر درهم من الدم)»، وفي لفظ: ((إذا كان في الثوب قدر الدرهم من الدم غسل الثوب وأعيدت الصلاة)). وإن اصحابنا لم يحتجوا به، لأنه حديث منكر، بل قال البخاري: إنه باطل. فإن قلت: النص وهو قوله: ﴿وثيابك فطهر﴾ [المدثر: ٤] لم يفصل بين القليل والكثير، فلا يعفى القليل. قلت: القليل غير مراد منه بالإجماع بدليل عفو موضع الاستنجاء فتعين الكثير، وقد قدر الكثير بالآثار. ومنها: أن فيه الدلالة على أن الدم نجس بالإجماع. ومنها: أن فيه الدلالة على أن العدد ليس بشرط في إزالة النجاسة بل المراد الإنقاء. ومنها: أنها إذا لم تر في ثوبها شيئاً من الدم ترش عليه ماء وتصلي فيه. ٩١/ ٢٢٨ - حدثنا مُحَمَّدٌ قال حدّثنا أبُو مُعاويَةً قال حدّثنا هِشامُ بنُ عُرْوَةَ عنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قالَتْ جاءَتْ فاطِمَةُ ابْنُ أبي مُبَيْشٍ إلى النبيِّ عَِّ فَقالَتْ يا رسولَ اللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلاَ أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلاةَ فَقالَ رسولُ اللَّهِ عَلَّهِ((لا إنَّا ذِلِكِ عِرِقٌ ولَيْسَ بِخَيْضٍ فَاذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتْكِ فَدَعِي الصَّلاةَ وإِذا أَذْبَرَتْ فاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي)) قال وقال أبِي ((ثُمّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلاةٍ حَتَّى يَجِىءَ ذلكِ الوَقْتُ)). [الحديث ٢٢٨ - أطرافه في: ٣٠٦، ٣٢٠، ٣٢٥، ٣٣١]. هذا الحديث أيضاً مطابق للترجمة. بيان رجاله وهم ستة. الأول: محمد بن سلام، بتخفيف: اللام، البيكندي، تقدم في باب قول النبي عَّله: ((أنا أعلمكم بالله))، وقد وقع في أكثر النسخ عند الأكثرين: حدّثنا محمد، غير منسوب، وللأصيلي: حدّثنا محمد بن سلام ولأبي ذر: حدّثنا محمد، وهو ابن سلام. الثاني: أبو معاوية الضرير: محمد بن خازم، بالمعجمتين، وقد تقدم عن قريب. الثالث: هشام بن عروة بن الزبير، وقد مر أيضاً غير مرة. الرابع: أبو عروة، كذلك. الخامس: عائشة الصديقة بنت الصديق. السادس: فاطمة بنت أبي حبيش، بضم الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره شين معجمة: القرشية الأسدية، واسم أبي حبيش: قيس بن المطلب، وقال بعضهم: قيس بن عبد المطلب. قال بعض الشارحين: وقع في أكثر نسخ مسلم: عبد المطلب، وهو غلط. قلت: هذا هو الصواب، وكذا قال الذهبي في (تجريد الصحابة): قيس بن المطلب بن أسد، وهو المطلب بن أسد، وهي غير: فاطمة بنت قيس، التي طلقت ثلاثاً. بيان لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: الإخبار بصيغة الجمع في موضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: ذكر أبي معاوية هنا بالكنية، وفي باب i i. i i i i ٠٠٠ ● مدة ٢١٢ ١٣٠ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٤) غسل البول بالاسم، رعاية للفظ الشيوخ. وفيه: حكاية الصحابية عن سؤال الصحابية عن رسول الله عَّهِ. وفيه: أن البخاري روى ههنا عن محمد غير منسوب عند الأكثرين كما ذكرنا، وصرح به في النكاح بقوله: حدّثنا محمد بن سلام حدّثنا أبو معاوية ... وذكر الكلاباذي أن البخاري روى عن محمد بن المثنى عن أبي معاوية، وعن محمد بن سلام عن أبي معاوية، ورواه أبو نعيم الأصبهاني من طريق إسحاق بن إبراهيم عن أبي معاوية، وذكر أن البخاري رواه عن محمد بن المثنى عن أبي معاوية. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه مسلم في الطهارة عن يحيى بن يحيى، والترمذي عن هناد بن السري، والنسائي عن إسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن أبي معاوية به. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وأخرجه أبو داود عن أحمد بن يونس، وعبد الله بن محمد النفيلي، قالا: حدّثنا زهير، قال: حدّثنا هشام بن عروة عن عروة عن عائشة، رضي الله تعالى عنها. وأخرجه أيضاً من مسند فاطمة المذكور. بيان لغته قوله: ((أستحاض))، بضم الهمزة وسكون السين وفتح التاء. قال الجوهري: استحيضت المرأة أي: استمر بها الدم بعد أيامها، فهي مستحاضة. وفي الشرع: الحيض عبارة عن الدم الخارج من الرحم، وهو موضع الجماع والولادة لا تعقب ولادة مقدراً في وقت معلوم، وقال الكرخي: الحيض دم تصير المرأة بالغة بابتداء خروجه، والاستحاضة اسم لما نقص من أقل الحيض أو زاد على أكثره. فإن قلت: ما وجه بناء الفعل للفاعل في الحيض، وللمفعول في الاستحاضة؟ فقيل: استحيضت؟ قلت: لما كان الأول: معتاداً معروفاً نسب إليها، والثاني: لما كان نادراً غير معروف الوقت، وكان منسوباً إلى الشيطان، كما ورد أنها ركضة من الشيطان، بني لما لم يسم فاعله. فإن قلت: يجوز أن تكون للتحول، كما في: استحجر الطين، وهنا أيضاً تحول دم الحيض إلى غير دمه، وهو دم الاستحاضة. فافهم. قوله: ((عرق))، بكسر العين وسكون الراء: وهو المسمى بالعاذل، بالعين المهلمة والذال المعجمة، وحكي إهمالها. قوله: ((وليس بحيض)) لأن الحيض يخرج من قعر الرحم كما ذكرنا. قوله: ((حيضتك))، بفتح الحاء وكسرها، وهو بالفتح: المرة، وبالكسر: اسم للدم، والخرقة التي تستثفر بها المرأة والحالة. وقال الخطابي: المحدثون يقولون بالفتح، وهو خطأ، والصواب الكسر، لأن المراد بها الحالة، ورده القاضي وغيره، وقالوا: الأظهر الفتح، لأن المراد إذا أقبل الحيض. قوله: ((وإذا أدبرت)) من: الإدبار وهو انقطاع الحيض. بيان إعرابه ومعناه قوله: ((إني امرأة))، قد علم أن كلمة: ((إن)) لا تستعمل إلاَّ عند إنكار المخاطب للقول أو التردد فيه، وما كان لرسول الله عَ ل إنكار لاستحاضتها ولا تردد فيها، فوجه إستعمالها ههنا يكون لتحقيق نفس القضية، إذ كانت بعيدة الوقوعع نادرة الوجود، فلذلك أكدت قولها بكلمة: إن قوله: ((أفأدع)) أي: أفأترك. وقال الكرماني: فإن قلت: الهمزة تقتضي عدم المسبوقية بالغير، والفاء تقتضي المسبوقية به، فيكف يجتمعان؟ قلت: هو عطف على مقدر أي: أيكون لي حكم الحائض فادع الصلاة، أو الهمزة مقحمة، أو توسطها جائز ٠-١ ٠٢٤/١ ٤-١ ٢١٣ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٤) بين المعطوفين إذا كان عطف الجملة على الجملة لعدم انسحاب ذكر الأول على الثاني، أو الهمزة باقية على صرافة الاستفهامية، لأنها للتقرير هنا، فلا يقتضى الصدارة. انتهى كلامه. قلت: هذا سؤال عن استمرار حكم الحائض في حالة دوام الدم وإزالته، وهو كلام من تقرر عنده أن الحائض ممنوعة من الصلاة. قوله: ((لا)) أي: لا تدعي الصلاة. قوله: ((ذلك)) بكسر الكاف. قوله: ((عرق)) أي: دم عرق، لأن الخارج ليس بعرق. قوله: ((فإذا أقبلت)) أي: الحيضة، ((فدعي الصلاة)) اي: اتركيها، ((وإذا أدبرت)) أي: إذا انقطعت. فإن قلت: ما علامة إدبار الحيض وإنقطاعه، والحصول في الطهر. قلت: أما عند أبي حنيفة، رضي الله تعالى عنه، وأصحابه: الزمان والعادة هو الفصيل بينهما، فإذا أضلت عادتها تحرت، وإن لم يكن لها ظن أخذت بالأقل، وأما عند الشافعي وأصحابه اختلاف الألوان هو الفيصل، فالأسود أقوى من الأحمر، والأحمر أقوى من الأشقر، والأشقر أقوى من الأصفر، والأصفر أقوى من الأكدر إذا جعلا حيضاً، فتكون حائضاً في أيام القوى، مستحاضة في أيام الضعف، والتمييز عنده بثلاثة شروط: أحدها: أن لا يزيد القوي على خمسة عشر يوماً. والثاني: أن لا ينقص عن يوم وليلة ليمكن جعله حيضاً. والثالث: أن لا ينقص الضعيف عن خمسة عشر يوماً، ليمكن جعله طهراً بين الحيضتين، وبه قال مالك وأحمد، وقال الثوري: علامة إنقطاع الحيض والحصول على الطهر أن ينقطع خروج الدم والصفرة والكدرة، سواء خرجت رطوبة بيضاء أو لم يخرج شيء أصلاً. وقال البيهقي، وابن الصباغ: التربية رطوبة خفيفة لا صفرة فيها ولا كدرة، تكون على القطنة أثر لا لون، وهذا يكون بعد انقطاع الحيض. قلت: التربية، بفتح المثناة من فوق وكسر الراء وتشديد الياء آخر الحروف، قال ابن الأثير: التربية، بالتشديد: ما تراه المرأة بعد الحيض والاغتسال منه من كدرة أو صفرة. وقيل: هو البياض تراه عند الطهر. وقيل: هي الخرقة التي تعرف بها المرأة حيضها من طهرها. و: التاء، فيها زائدة، لأنه من الرؤية، والأصل فيها الهمز لكنهم تركوه وشددوا الياء، فصارت اللفظة كأنها فعلية، وبعضهم يشدد الراء. قوله: ((فاغسلي عنك الدم ثم صلي)) ظاهره مشكل لأنه لم يذكر الغسل ولا بد بعد انقضاء الحيض من الغسل، وأجيب، عنه: بأن الغسل، وإن لم يذكر في هذه الرواية، فقد ذكر في رواية أخرى صحيحة، قال فيها: فاغتسلي ... ، والحديث يفسر بعضه بعضاً، وجواب آخر هو: بأن يحمل الإدبار على انقضاء أيام الحيض والاغتسال. وقوله: ((واغسلي عنك الدم)) محمول على: دم، يأتي بعد الغسل، والأول أوجه وأصح، وأما قول بعضهم: فاغسلي عنك الدم وصلي، أي: فاغتسلي، فغير موجه أصلا. قوله: ((قال: وقال أبي)) أي: قال هشام بن عروة: قال أبي، وهو عروة ابن الزبير. قوله: ((ثم توضئي لكل صلاة)) جملة مقول القول، وادعى قوم أن قوله: ((ثم توضئي)) من كلام عروة موقوفاً عليه. وقال الكرماني: فإن قلت: لفظ: ((توضئي ... )) الخ مرفوع إلى رسول الله عَّةٍ، أو هو موقوف على الصحابي؟ قلت: السياق يقتضي الرفع، وقال بعضهم: لو كان هذا كلام عروة لقال: ثم تتوضأ، بصيغة الإخبار، ٠ ٠٠٠ ے 7 i ٠٠٥٦ ـةو. .m i. i ٢١٤ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٥) فلما أتى به بصيغة الأمر شاكل الأمر الذي في المرفوع، وهو قوله: ((فاغسلي)). قلت: كلام كل من الكرماني وهذا القائل احتمال، فلا يقع به القطع ولا يلزم من مشاكلة الصيغتين الرفع. بيان استنباط الأحكام الأول: فيه جواز استفتاء المرأة بنفسها ومشافهتها الرجال فيما يتعلق بأمر من أمور الدين. الثاني: فيه جواز استماع صوتت المرأة عند الحاجة الشرعية. الثالث: فيه نهي للمستحاضة عن الصلاة في زمن الحيض، وهو نهي تحريم، ويقتضي فساد الصلاة بإجماع المسلمين، ويستوي فيها الفرض والنفل لظاهر الحديث، ويتبعها الطواف وصلاة الجنازة وسجدة التلاوة وسجدة الشكر. الرابع: فيه دليل على نجاسة الدم. الخامس: فيه أن الصلاة تجب بمجرد انقطاع دم الحيض. واعلم أنها إذا مضى زمن حيضها وجب عليها أن تغتسل في الحال لأول صلاة تدركها، ولا يجوز لها بعد ذلك أن تترك صلاة أو صوماً، ويكون حكمها حكم الطاهرات، فلا تستظهر بشيء أصلاً، وبه قال الشافعي. وعن مالك ثلاث روايات: الأولى: تستظهر ثلاثة أيام وما بعد ذلك استحاضة. والثانية: تترك الصلاة إلى انتهاء خمسة عشر يوماً، وهي أكثر مدة الحيض عنده. والثالثة: کمذهبنا. السادس: استدل بعض أصحابنا في إيجاب الوضوء من خروج الدم من غير السبيلين، لأنه عَّ علل نقض الطهارة بخروج الدم من العرق، وكل دم يبرز من البدن فإنما يبرز من عرق، لأن العروق هي مجاري الدم من الجسد. وقال الخطابي: وليس معنى الحديث ما ذهب إليه هؤلاء، ولا مراد الرسول مَّ الله من ذلك ما توهموه، وإنما أراد أن هذه العلة إنما حدثت بها من تصدع العرق، وتصدع العرق علة معروفة عند الأطباء يحدث ذلك عند غلبة الدم فتتصدع العروق إذا امتلأت تلك الأوعية. قلت: ليس معنى الحديث ما ذهب إليه الخطابي، لأنه قيد إطلاق الحديث وخصص عمومه من غير مخصص، وهو ترجيح بلا مرجح وهو باطل. السابع: قوله: (لكل صلاة)) فيه خلاف بين الشافعية والحنفية، وهو أن المستحاضة ومن بمعناها من أصحاب الأعذار هل يتوضأون لكل صلاة، أو لكل وقت صلاة، وهو مذكور في كتب الفقه. ٦٥ _ بابُ غسْلِ المَنِيِّ وفَرْكِهِ وغَسْل ما يُصِيبُ مِنَ المَرْأَةِ أي: هذا باب في بیان حکم غسل المني عند كونه رطباً، وبیان حكم فركه عند كونه يابساً، والفرك هو الدلك حتى يذهب أثره. والمني، بتشديد الياء؛ ماء خاثر أبيض يتولد منه الولد، وينكسر به الذكر، ورائحته رائحة الطلع. قوله: ((وغسل ما يصيب)) أي: وفي بيان ٢١٥ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٥) غسل ما يصيب الثوب أو الجسد من المرأة عند مخالطته إياها. وهذه الترجمة مشتملة على ثلاثة أحكام، ولم يذكر في هذا الباب إلاَّ حكم غسل المني، وذكر الحكم الثالث في أواخر كتاب الغسل من حديث عثمان، رضي الله تعالى عنه، وقال بعضهم: لم يخرج البخاري حديث الفرك، بل اكتفى بالإشارة إليه في الترجمة على عادته، لأنه ورد من حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، أيضاً. قلت: هذا اعتذار بارد، لأن الطريقة أنه إذا ترجم الباب بشيء ينبغي أن يذكره، وقوله: بل أكتفي بالإشارة إليه كلام واهٍ، لأن المقصود من الترجمة معرفة حديثها، وإلاَّ فمجرد ذكر الترجمة لا يفيد شيئاً، والحديث الذي في هذا الباب لا يدل على الفرك، ولا على غسل ما يصيب من المرأة، واعتذر الكرماني عنه بقوله: واكتفى بإيراد بعض الحديث، وكثيراً يقول مثل ذلك، أو كان في قصده أن يضيف إليه ما يتعلق به ولم يتفق له، أو لم يجد رواته بشرطه. قلت: كل هذا لا يجدي، ولكن حبك للشيء يعمي ويصم، ثم إن بعضهم ذكر في أول هذا الباب كلاماً لا يذكره من له بصيرة وروية، وفيه رد لما ذهب إليه الحنفية، ومع هذا أخذ كلامه هذا من كلام الخطابي مع تغير، وهو أنه قال: وليس بين حديث الغسل وحديث الفرك تعارض، لأن الجمع بينهما واضح على القول بطهارة المني، بأن يحمل الغسل على الاستحباب للتنظيف لا على الوجوب، وهذه طريقة الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث، وكذا الجمع ممكن على القول بنجاسته بأن يحمل الغسل على ما كان رطباً، والفرك على ما كان يابساً، وهذه طريقة، والطريقة الأولى أرجح، لأن فيها العمل بالخبر والقياس معاً، لأنه لو كان نجساً لكان القياس وجوب غسله دون الاكتفاء بفر که کالدم وغيره، وهم لا يكتفون فيما لا يعفى عنه من الدم بالفرك. قلت: من هو الذي ادعى تعارضاً بين الحديثين المذكورين حتى يحتاج إلى التوفيق، ولا نسلم التعارض بينهما أصلاً، بل حديث الغسل يدل على نجاسة المني بدلالة غسله، وكان هذا هو القياس أيضاً في يابسه، ولكن خص بحديث الفرك، وقوله بأن يحمل الغسل على الاستحباب للتنظيف لا على الوجوب كلام واه، وهو كلام من لا يدري مراتب الأمر الوارد من الشرع، فأعلى مراتب الأمر الوجوب وأدناها الإباحة، وهنا لا وجه للثاني، لأنه، عليه الصلاة والسلام، لم يتركه على ثوبه أبداً، وكذلك الصحابة من بعده، ومواظبته عَّم على فعل شيء من غير ترك في الجملة يدل على الوجوب بلا نزاع فيه، وأيضا الأصل في الكلام الكمال، فإذا أطلق اللفظ ينصرف إلى الكامل، اللهم إلاَّ أن ينصرف ذلك بقرينة تقوم فتدل عليه حينئذ، وهو فحوى كلام أهل الأصول إن الأمر المطلق أي: المجرد عن القرائن، يدل على الوجوب. ثم قوله: والطريقة الأولى أرجح ... الخ غير راجح، فضلاً أن يكون أرجح بل هو غير صحيح، لأنه قال فيها: العمل بالخبر، وليس كذلك، لأن من يقول بطهارة المني يكون غير عامل بالخبر، لأن الخبر يدل على نجاسته، كما قلنا، وكذلك قوله فيها: العمل بالقياس غير صحيح، لأن القياس وجوب غسله مطلقاً، ولكن خص بحديث الفرك لما ذكرنا. فإن قلت: ما لا يجب غسل يابسه لا يجب غسل رطبه كالمخاط. قلت: لا نسلم أن القياس صحيح، لأن المخاط لا ١ ١ i i جدة .w. ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٥) ٢١٦ يتعلق بخروجه حدث ما أصلاً، والمني موجوب لأكبر الحدثين، وهو الجنابة. فإن قلت: سقوط الغسل في يابسه يدل على الطهارة. قلت: لا نسلم ذلك كما في موضع الاستنجاء. جوع قوله: كالدم وغيره ... إلى آخره، قياس فاسد، لأنه لم يأت نص بجواز الفرك في الدم ونحوه، وإنما جاء في يابس المني على خلاف القياس، فيقتصر على مورد النص. فإن قلت: قال الله تعالى: ﴿وهو الذي خلق من الماء بشرا﴾ [الفرقان: ٥٤] سماه: ماء، وهو في الحقيقة ليس بماء، فدل على أنه أراد به التشبيه في الحكم، ومن حكم الماء أن يكون طاهراً. قلت: إن تسميته: ماء، لا تدل على طهارته، فإن الله تعالى سمى مني الدواب: ماء، بقوله: ﴿والله خلق كل دابة من ماء﴾ [النور: ٤٥] فلا يدل ذلك على طهارة ماء الحيوان. فإن قلت: إنه أصل الأنبياء والأولياء، فيجب أن يكون طاهراً. قلت: هو أصل الأعداء أيضاً: كنمرود وفرعون وهامان وغيرهم، على أنا نقول: العلقة أقرب إلى الإنسان من المني، وهو أيضاً أصل الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، ومع هذا لا يقال: إنها طاهرة. وقال هذا القائل أيضاً: وترد الطريقة الثانية أيضاً ما في رواية ابن خزيمة من طريق أخرى عن عائشة، رضي الله تعالی عنها، کان یسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر ثم يصلي فيه وتحته من ثوبه يابساً، ثم يصلي فيه، فإنه يتضمن ترك الغسل في الحالتين. قلت: رد الطريقة الثانية بهذا غير صحيح، وليس فيه دليل على طهارته، وقد يجوز أن يكون كان، عليه الصلاة والسلام، يفعل بذلك فيطهر الثوب، والحال أن المني في نفسه نجس، كما قد روي فيما أصاب النعل من الأذى، وهو ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، عن النبي عَّهِ: ((إذا وطىء الأذى بخفيه فطهورهما التراب)). ورواه الطحاوي أيضا، ولفظه: ((إذا وطىء أحدكم الأذى بخفيه أو نعله فطهورهما التراب)). وقال الطحاوي: فكان ذلك التراب يجزىء من غسلهما، وليس في ذلك دليل على طهارة الأذى في نفسه، فكذلك ما روي عن المني. فإن قلت: في سنده محمد بن كثير الصنعاني، وقد تكلموا فيه. قلت: وثقه ابن حبان وروى حديثه في (صحيحه). وأخرجه الحاكم في (مستدركه) وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. وقال النووي: في (الخلاصة): ورواه أبو داود بإسناد صحيح، ولا يلتفت إلى قول ابن القطان: وهذا حديث رواه أبو داود من طريق لا يظن بها الصحة. ورواه أبو داود أيضاً من حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، بمعناه، وروي أيضاً نحوه من حديث أبي سعيد الخدري، رضي الله تعالى عنه. وأخرجه ابن حبان أيضاً. والمراد من الأذى: النجاسة. وقال هذا القائل أيضاً: وأما مالك فلم يعرف الفرك، والعمل عندهم على وجوب الغسل كسائر النجاسات. قلت: لا يلزم من عدم معرفة الفرك أن يكون المني طاهراً عنده، فإن عنده المني نجس كما هو عندنا، وذكر في (الجواهر) للمالكية: المني نجس وأصله دم، وهو يمر في ممر البول، فاختلف في سبب التنجيس: هل هو رده إلى أصله، أو مروره في مجرى البول؟ وقال هذا القائل أيضاً: وقال بعضهم: الثوب الذي اكتفت فيه بالفرك ثوب النوم، والثوب الذي غسلته ثوب الصلاة، وهو مردود أيضاً بما في إحدى روايات مسلم من حديثها أيضا: «لقد رأيتني أفر که من ثوب ١٠ ٠ ٠. ٢١٧ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٥) رسول الله عَِّ فركاً، فيصلي فيه)). وهذا التعقيب: بالفاء، يفي احتمال تخلل الغسل بين الفرك والصلاة؛ وأصرح منه. رواية ابن خزيمة أنها كانت تحكه من ثوبه وهو يصلي. قلت: أراد بقوله: وقال بعضهم، الحافظ أبا جعفر والطحاوي، فإنه قال في (معاني الآثار): حدّثنا ابن مرزوق، قال: حدّثنا بشر بن عمر، قال: حدّثنا شعبة عن الحكم عن همام ابن الحارث أنه كان نازلاً على عائشة، رضي الله تعالى عنها، فاحتلم، فرأته جارية لعائشة وهو يغسل أثر الجنابة من ثوبه، أو يغسل ثوبه، فأخبرت بذلك عائشة، فقالت عائشة: لقد رأيتني، وما أزيد على أن أفركه من ثوب رسول الله عَّله. وأخرج الطحاوي هذا من أربعة عشر طريقاً. وأخرجه مسلم أيضاً، ثم قال: فذهب ذاهبون إلى أن المني طاهر، وأنه لا يفسد الماء، وإن وقع فيه وإن حكمه في ذلك حكم النخامة، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار. وأراد بهؤلاء الذاهبين: الشافعي وأحمد وإسحاق وداود، ثم قال: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل هو نجس. وأراد بالآخرين: الأوزاعي والثوري وأبا حنيفة وأصحابه ومالكاً والليث بن سعد والحسن بن حي، وهو رواية عن أحمد، ثم قال الطحاوي: وقالوا لاحجة لكم في هذه الآثار لأنها إنما جاءت في ذكر ثياب ينام فيها، ولم يأت في ثياب يصلي فيها، وقد رأينا أن الثياب النجسة بالغائط والبول والدم لا بأس بالنوم فيها، ولا تجوز الصلاة فيها، فقد يجوز أن يكون المني كذلك، وإنما يكون هذا الحديث حجة علينا ولو كنا نقول: لا يصلح النوم في الثوب النجس، فأما إذا كنا نبيح ذلك ونوافق ما رويتم عن النبي عَّ له في ذلك، ونقول من بعد: لا يصلي الصلاة في ذلك، فلم نخالف شيئاً مما روي في ذلك عن النبي عَ ليه، وقد جاءت عن عائشة فيما كانت تفعل بثوب رسول الله عَ ل الذي كان يصلي فيه إذا أصابه المني: حدّثنا يونس، قال: حدّثنا يحيى بن حسان، قال: حدّثنا عبد الله بن المبارك وبشر بن المفضل عن عمرو بن ميمون عن سليمان بن يسار عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، قالت: ((كنت أغسل المني من ثوب رسول الله عَّ لهم فيخرج إلى الصلاة وإن بقع الماء لفي ثوبه)). وإسناده صحيح على شرط مسلم. وأخرجه الجماعة أيضا على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. قال الطحاوي: فهكذا كانت تفعل عائشة بثوب النبي عَّهِ الذي كان يصلي فيه، تغسل المني منه وتفركه من ثوبه الذي كان لا يصلي فيه، ثم إن هذا القائل استدل في رده على الطحاوي فيما ذكرناه بأن قال: وهذا التعقيب بالفاء ينفي ... الخ، وهذا استدلال فاسد، لأن كون الفاء للتعقيب لا ينفي احتمال تخلل الغسل بين الفرك والصلاة، لأن أهل العربية قالوا: إن التعقيب في كل شيء بحسبه، ألا ترى أنه يقال: تزوج فلان فولد له إذا لم يكن بينهما إلاَّ مدة الحمل، وهو مدة متطاولة، فيجوز على هذا أن يكون معنى قول عائشة: لقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله عَّةٍ، أرادت به ثوب النوم، ثم تغسله فيصلي فيه، ويجوز أن تكون: الفاء، بمعنى: ثم، كما في قوله تعالى: ﴿ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما﴾ [المؤمنون: ١٤]. فالفا آت، فيها بمعنى: ثم، لتراخي معطوفاتها، فإذا ثبت جواز التراخي في المعطوف يجوز أن يتخلل بين المعطوف والمعطوف عليه مدة ٢٠٠٠ i ٠٠٠. ٣٠ ٢١٨ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٥) يجوز وقوع الغسل في تلك المدة، ويؤيد ما ذكرنا ما رواه البزار في (مسنده) والطحاوي في (معاني الآثار) عن عائشة، قالت: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله عَّله ثم يصلي فيه. قوله: وأصرح منه رواية ابن خزيمة ... إلخ لا يساعده أيضاً فيما ادعاه، لأن قوله: وهو يصلي، جملة إسمية وقعت حالاً منتظرة، لأن عائشة، رضي الله تعالى عنها، ما كانت تحك المني من ثوب النبي، عَّه، حال كونه في الصلاة، فإذا كان كذلك يحتمل تخلل الغسل بين الفرك والصلاة. ٢٢٩/٩٢ - حدثنا عَبْدَانُ قال أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ المُبارَكِ قال أخبرنا عَمْرُو بنُ مَيْمُون الجَزَرِيُّ عِنْ سِلَيْمانَ بنِ يَسَارٍ عنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كُنْتُ أَغْسِلُ الجنَابَةَ مِنْ ثَوْبِ النبيِّ عَلَّه. فيَخْرُجُ إلى الصَّلاةِ وإِنَّ بُقَعَ المَاءِ في ثوبِهِ. [الحديث ٢٢٩ - أطرافه في: ٢٣٠، ٢٣١، ٢٣٢]. لم يطابق الحديث الترجمة إلاَّ في غسل المني فقط، وقد ذكرناه. بيان رجاله وهم خمسة: عبدان، بفتح العين وسكون الباء الموحدة، تقدم في باب الوحي، وعبد الله بن المبارك كذلك، وقال الكرماني: وعبد الله، أي: ابن المبارك فكأنه وقع في نسخته التي ينقل عنها: عبد الله، منسوباً إلى الأب بالتفسير من البخاري، فلذلك قال: أي ابن المبارك، ثم قال: وقاله على سبيل التعريف إشعاراً بأنه لفظه لالفظة نسخته، وعمرو بن ميمون الجزري منسوب إلى الجزيرة، وكان ميمون بن مهران والد عمرو نزلها فنسب إليها ولده، وقال بعضهم: ووقع في رواية الكشميهني وحده: الجوزي، بواو، ساكنة بعدها: زاي، وهو غلط منه. قلت: الظاهر أن الغلط من الناقل أو الكاتب، فدور رأس: الزاي، ونقط: الراء، فصار: الجوزي. وقد يقع من الناقلين والكتاب الجهلة أكثر من هذا وأفحش. والرابع: سليمان بن يسار، ضد اليمين، مولى ميمونة أم المؤمنين، فقيه المدينة العابد الحجة، توفي عام سبعة ومائة. والخامس: عائشة الصديقة. بيان لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: أن رواته ما بين مروزي ورقي ومدني، فعبدان وابن المبارك مروزيان، وعبدان لقب واسمه عبد الله بن عثمان، وقد ذكرناه غير مرة. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري هنا عن عبدان وعن قتيبة وعن مسدد وعن موسى بن إسماعيل وعن عمرو بن خالد، كما يأتي ذكر الجيمع ههنا. وأخرجه مسلم في الطهارة أيضاً عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعن أبي كامل وعن أبي كريب ويحيى ابن أبي زائدة، أربعتهم عن عمرو بن ميمون به. وأخرجه أبو داود فيه عن النفيلي عن زهير به، وعن محمد بن عبيد البصري عن سليم بن أحصد عن عمرو بن ميمون به. وأخرجه الترمذي فيه عن أحمد بن منيع عن أبي معاوية عن عمرو بن ميمون نحوه، وقال: حسن صحيح. وأخرجه النسائي فيه عن سويد بن نصر عن ابن المبارك به. وأخرجه ابن ماجة فيه ٠٣. ٢١٩ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عبدة بن سليمان عن عمرو بن ميمون. قال: سألت سليمان بن يسار ... فذكره. بيان لغته وما يستنبط منه قوله: ((أغسل الجنابة))، قال الكرماني: الجنابة معنى لا عين، فكيف يغسل؟ قلت: المضاف محذوف أي: أثر الجنابة، أو هي مجاز عنه، ويقال: المراد من الجنابة: المني، من باب تسمية الشيء باسم سببه، وإن وجوده سبب لبعده عن الصلاة ونحوها. قلت: يجوز أن تكون عائشة، رضي الله عنها، أطلقت على: المني، اسم الجنابة، فحينئذ لا حاجة إلى التقدير بالحذف أو بالمجاز. قوله: ((وإن بقع الماء»، بضم الباء الموحدة وفتح القاف وبالعين المهملة: جمع بقعة، كالنطف والنطفة، والبقعة في الأصل قطعة من الأرض يخالف لونها لون ما يليها، وفي بعض النسخ، بفتح الباء الموحدة وسكون القاف، جمع بقعة: كتمرة وتمر، مما يفرق بين الجنس الواحد منه بالتاء. وقال التيمي: يريد بالبقعة الأثر. قال أهل اللغة: البقع اختلاف اللونين، يقال: غراب أبقع. وقال ابن بطال: البقع بقع المني وطبعه. قلت: هذا ليس بشيء، لأن في الحديث صرح: وإن بقع الماء، ووقع عند ابن ماجة: وأنا أرى أثر الغسل فيه، يعني لم يجف. ومن أحكام هذا الحديث: أنه حجة للحنفية في قولهم: إن المني نجس، لقول عائشة: كنت أغسل الجنابة من ثوب النبي، عَّهِ، وقولها: كنت، يدل على تكرار هذا الفعل منها، فهذا أدل دليل على نجاسة المني. وقال الكرماني: فالحديث حجة لمن قال بنجاسة المني. قلت: لا حجة له لاحتمال أن يكون غسله بسبب أن ممره كان نجساً، أو بسبب اختلاطه برطوبة فرجها، على مذهب من قال بنجاسة رطوبة فرجها. انتهى. قلت بلى: له حجة، وتعليله بهذا لدعواه لا يفيد شيئاً، لأن المشرحين من الأطباء الأقدمين قالوا: إن مستقر المني في غير مستقر البول، وكذلك مخرجاهما، وأما نجاسة رطوبة فرج المرأة ففيها خلاف عندهم. ومن أحكامه: خدمة المرأة لزوجها في غسل ثيابه ونحو ذلك، خصوصاً إذا كان من أمر يتعلق بها، وهو من حسن العشرة وجميل الصحبة. ومنها: نقل أحوال المقتدى به، وإن كان يستحي من ذكرها عادة. ومنها: خروج المصلي إلى المسجد بثوبه الذي غسل منه المني قبل جفافه. ٢٣٠/٩٣ - حدّثنا قتَيْبةُ قال حدّثنا يَزِيدُ قال حدّثنا عَمْرٌو عنْ سُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ قَالَ سمِعْتُ عَائِشَةَ ح وحدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ قال حدّثنا عَمروُ بنُّ مَيْمُونٍ عِنْ سُلَيْمانَ بن يسارٍ قال سَأَلْتُ عائِشةَ عن المَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ فَقالَتْ كُنْتُ أَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رسولِ اللَّهِ عَّلَه فَيَخْرُجُ إلى الصَّلاةِ وَأَثَرُ الغَسْلِ في ثَوْبِهِ بُقَعُ المَاءِ. [انظر الحديث: ٢٢٩ وطرفيه]. أخرج البخاري هذا الحديث عن خمسة أنفس، ثلاثة منهم في هذا الباب، وهم: i i i i P ٠٠٠ i i i. i i ١٣ ٢٢٠ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٥) عبدان وقتيبة ومسدد، وإثنان منهم في الباب الذي يليه، وهما: موسى بن إسماعيل وعمرو بن خالد، وقد ذكروا عن قريب، وذكرنا أيضا من أخرجه غيره. ورجاله ههنا سبعة: قتيبة بن سعيد، وقد تقدم في باب السلام من الإسلام. والثاني: يزيد، من الزيادة، وذكره البخاري غير منسوب مجرداً، واختلف فيه، فقيل: هو یزید بن زريع، وقيل: يزيد بن هارون، وكلاهما رويا عن عمرو بن ميمون، ووقع في رواية الفربري: ابن حماد بن شاكر: هكذا حدّثنا يزيد، غير منسوب، ووقع في رواية ابن السكن، أحد الرواة عن الفربري: حدّثنا يزيد، يعني ابن زريع. وكذا أشار إليه الكلاباذي، ورجح الشيخ قطب الدين الحلبي في شرحه أنه ابن هارون، قال: لأنه لم يوجد من رواية ابن زريع، ووجد من رواية ابن هارون، وقال بعضهم: لا يلزم من عدم الوجدان عدم الوجود، وقد جزم أبو مسعود بأنه رواه، فدل على وجدانه. قلت: ليس كذلك، فإن أبا مسعود ما جزم به، وإنما قال: يقال: هو ابن هارون: لا ابن زريع؛ ورواه الإسماعيلي من طريق الدورقي، وأحمد بن منيع ويوسف بن موسى قالوا: حدّثنا يزيد بن هارون ورواه أبو نعيم من حديث الحارث بن أبي أسامة أخبرنا يزيد بن هارون ورواه أبو نصر السجزي في (فوائده) من طريق إبراهيم بن محمد التيمي، حدّثنا يزيد بن هارون قال أبو نصر: أخرجه البخاري عن قتيبة عن يزيد بن هارون. وقال الجياني: حدّثنا أبو عمر النمري حدّثنا محمد بن عبد الملك حدّثنا ابن الأعرابي أخبرنا محمد بن عبد الملك حدّثنا يزيد بن هارون أخبرنا عمرو. انتهى. ورجح هذا القائل كلامه في كون يزيد هذا ابن زريع لا ابن هارون بشيئين لا ينهض كلامه بهما. أولهما: بقوله: وقد خرجه الإسماعيلي وغيره من حديث يزيد بن هارون بلفظ مخالف للسياق الذي أورده البخاري، وهذا من مرجحات كونه ابن زريع. قلت: هذا الذي قاله حجة عليه ورد لكلامه، لأن مخالفة لفظ من روى هذا الحديث لسياق البخاري ليست مرجحة لكون يزيد هذا هو ابن زريع مع، صراحة ذكر ابن هارون في الروايات المذكورة. والثاني: قال: وقتيبة معروف بالرواية عن يزيد بن زريع دون ابن هارون. قلت: هذا أيضاً حجة عليه ومردود عليه، لأن كون قتيبة معروفاً بالرواية عن يزيد بن زريع لا ينافي روايته عن يزيد بن هارون، بعد أن ثبت أن قتيبة روى عنهما جميعاً. ولقد غره في هذا ما قاله المزي: الصحيح أنه يزيد بن زريع، فإن قتيبة مشهور بالرواية عن ابن زريع دون ابن هارون. انتهى. قالوا: فيه نظر، ووجهه ما ذكرنا، وكان قصد هذا القائل توهية كلام الشيخ قطب الدين، والدليل عليه ذكره إياه بما ذكره، ولا يخفى ذلك على من له فطانة. قوله: ((حدّثنا عمرو عن سليمان))، كذا وقع: عمرو، غير منسوب عند الأکثرین، ووقع عند أبي ذر يعني: ابن میمون، وهو: عمرو بن ميمون بن مهران، وقد تقدم. قوله: ((حدّثنا عبد الواحد)»، هو: عبد الواحد بن زياد البصري، وفي طبقته عبد الواحد بن زيد البصري، ولم يخرج له البخاري شيئاً. بيان لطائف إسناه: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ستة مواضع، وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: في الإسناد الأول: سمعت، وفي الثاني: سألت، إشارة إلى الرد على من زعم