النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٥٦) في الحديث السابق، لا جميع الأبوال على ما يأتي تعليقه الدال على ذلك، فلأجل هذا قال ابن بطال: لا حجة فيه لمن حمله على جميع الأبوال، ليحتج به في نجاسة بول سائر الحيوانات. وفي كلامه رد على الخطابي حيث قال: فيه دليل على نجاسة الأبوال كلها، وليس كذلك، بل الأبوال غير أبوال الناس على نوعين: أحدهما: نجسة مثل بول الناس يلتحق به لعدم الفارق، والآخر: طاهرة عند من يقول بطهارتها، ولهم أدلة أخرى في ذلك. وقال النَّبِيُّ عَّهُ لِصاحبِ القَبْرِ: ((كان لا يَسْتَِرُ مِنْ بَوْلِهِ)) وَلَمْ يَذْكُرْ سِوَى بَوْلِ النَّاسِ هذا تعليق من البخاري، وإسناده في الباب السابق، وقد قلنا: إنه أراد به الإشارة إلى أن المراد من البول المذكور هو بول الناس لا سائر الأبوال، فلذلك قال: ((ولم يذكر سوى بول الناس))، وهو من كلامه، نبه به على ما ذكرناه. وقال الكرماني: اللام في قوله: ((لصاحب القبر)) بمعنى: لأجل، وقال بعضهم: أي، عن صاحب القبر. قلت: مجيء: اللام، بمعنى: عن، ذكره ابن الحاجب، واحتج عليه بقوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه﴾ [الأحقاف: ١١] وغيره لم يقل به، بل قالوا: إن: اللام، فيه: لام التعليل، فعلى هذا الذي ذكره الكرماني هو الأصوب، ويجوز أن تكون: اللام، هنا بمعنى: عند، كما في قولهم: كتبته لخمس خلون. ٨٠/ ٢١٧ - حدّثنا يَعْقُوبُ بن إِبْراهِيمَ قالَ حدّثنا إسماعيلُ بنُ إِبراهِيمَ قالَ حدّثني رَوْحُ بنُ الْقَاسِمِ قال حدثني عَطَاءُ بنُ أبي مَيْمُونَةَ عَنْ أَنَسٍ بنِ مالِكِ قال كانَ النَّبِيُّ عَّهِ إِذَا تَبَّزِ لِحَاجَتِهِ أَتَيُّهُ بِمَاءٍ فيغتسِلُ بِهِ. [انظر الحديث: ١٥٠ وأطرافه]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة لا تخفی. i جو. بيان رجاله وهم خمسة. الأول: يعقوب بن إبراهيم الدورقي، تقدم في باب حب الرسول من الإيمان. الثاني: إسماعيل بن إبراهيم، هو ابن علية، وليس هو أخا يعقوب، وقد مر ذكره في الباب المذكور. الثالث: روح بن القاسم التميمي العنبري من ثقات البصريين، ويكنى بأبي القاسم وبأبي غياث، بالغين المعجمة وبالثاء المثلثة؛ وروح، بفتح الراء وسكون الواو وبالحاء المهملة، وهو المشهور. ونقل ابن التين: أنه قرىء، بضم الراء، وليس بصحيح. وقيل: هو بالفتح لا نعلم فيه خلافاً. الرابع: عطاء بن أبي ميمونة البصري مولى أنس بن معاذ، تقدم في باب الاستنجاء بالماء. الخامس: أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه. بيان لطائف إسناده منها: أن فيه التحديث بصيغة الجمع وصيغة الإفراد. ومنها: أن فيه الإخبار. ومنها: أن فيه العنعنة. ومنها: أن رواته ما بين بغدادي وبصري. i بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري ههنا في الطهارة عن يعقوب كما ذكر، وفي الطهارة أيضاً، وعن أبي الوليد وسليمان بن حرب، وعن بندار عن غندر، وفي الصلاة عن محمد بن حاتم عن بزيغ عن أسود بن عامر شاذان، أربعتهم عن شعبة. وأخرجه مسلم في الطهارة عن أبي بكر عن وكيع وغندر، وعن أبي موسى محمد بن المثنى عن غندر، كلاهما عن شعبة به، وعن زهير بن حرب وأبي كريب، كلاهما عن إسماعيل بن علية ،ھ۔۔ ٢٠٠ i -. ١٨٢ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٥٧) به، وعن يحيى بن يحيى عن خالد بن عبد الله الواسطي عن خالد، هو الحذاء عنه به. وأخرجه أبو داود في الطهارة عن وهب بن بقية عن خالد الواسطي به. وأخرجه النسائي فيه عن إسحاق بن إبراهيم عن النضر بن شميل عن شعبة به. بيان لغاته وإعرابه قوله: ((إذا تبرز))، على وزن: تفعل، بتشديد العين. وتبرز الرجل: إذا خرج إلى البراز، بفتح الباء الموحدة، للحاجة. والبراز إسم للفضاء الواسع، فكنوا به عن قضاء الغائط، كما كنوا عنه بالخلاء، لأنهم كانوا يتبرزون في الأمكنة الخالية من الناس. قال الخطابي: المحدثون يروونه بالكسر وهو خطأ، لأنه بالكسر مصدر من المبارزة في الحرب. وقال الجوهري بخلافه، وهذا لفظه: البراز المبارزة في الحرب، والبراز أيضاً كناية عن ثقل الغذاء وهو الغائط، ثم قال: والبراز، بالفتح: الفضاء الواسع. قوله: ((لحاجته)) أي: لأجلها ويجوز أن تكون: اللام، بمعنى: عند قضاء حاجته. قوله: ((فيغسل به)) أي: فيغسل ذكره بالماء، وحذف المفعول لظهوره، أو للاستحياء عن ذكره، كما قالت عائشة، رضي الله عنها: ما رأيت منه ولا رأى مني، تعني: العورة؛ ويغسل، بفتح الياء آخر الحروف وسكون الغين المعجمة وكسر السين، هذه رواية العامة. وفي رواية أبي ذر: ((فتغسل به))، من باب: تفعل، بالتشديد. يقال: تغسل يتغسل تغسلاً، وهذا الباب للتكلف والتشديد في الأمر، ویروی: ((فيغتسل به))، من باب: الافتعال، وهذا الباب إنما هو للاعتمال لنفسه، يقال: سوى لنفسه ولغيره واستوى لنفسه، وكسب لأهله ولعياله واكتسب لنفسه. بيان استنباط الأحكام الأول: أن فيه استحباب التباعد من الناس لقضاء الحاجة. الثاني: أن فيه الاستتار عن أعين الناس. الثالث: أن فيه جواز استخدام الصغار. الرابع: أن فيه جواز الاستنجاء بالماء واستحبابه ورجحانه على الاقتصار على الحجر، وقد اختلف الناس في هذه المسألة، فالذي عليه الجمهور من السلف والخلف أن الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر، فإن اقتصر، اقتصر على أيهما شاء، لكن الماء أفضل لأصالته في التنقية. وقد قيل: إن الحجر أفضل. وقال ابن حبيب المالكي: لا يجوز الحجر إلاّ لمن عدم الماء، ويستنبط منه حكم آخر وهو: استحباب خدمة الصالحين وأهل الفضل والتبرك بذلك. ٥٧ _ بــاب كذا وقع في رواية أبي ذر، وقد ذكرنا أنه على هذه الصورة غير معرب، بل حكمه حكم تعدد الأسماء، لأن الإعراب إنما يكون بعد العقد والتركيب، فإذا قلنا: هذا باب، أو: باب في حكم كذا، يكون معرباً. ومن قال: باب، بالتنوين من غير وصل بشيء فقد غلط. ٢١٨/٨١ - حدّثنا مُحَمَّدُ بن المُثَنَّى قال حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ خازِمِ قال حدثنا الأعمَشُ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طاؤُسٍ عَنِ ابنِ عبَّاسٍ قال مَرَّ النَّبِيُّ ◌َ لّه بِقَبْرَيْنِ فقالَ: ((إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وما يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لاَ يَسْتَبِرُ مِنَ الْبَوْلِ وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ) ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةٌ رَطْبَةٌ فَشَقَّها نِصْفَيْنِ فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً قالوا يا رسولَ اللَّهِ لِمَ فَعَلْتَ هَذَا قال ١٨٣ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٥٧) (لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عنهما ما لَمْ يَتِبَسَا)). [انظر الحديث: ٢١٦ وأطرافه]. هذا الحديث في نفس الأمر هو الحديث الذي ترجم له البخاري بقوله: ((باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله))، لأن مخرجهما واحد، غير أن الاختلاف في السند وبعض المتن: لأن هناك عن مجاهد عن ابن عباس، وههنا عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس، وقد قلنا هناك: إن إخراج البخاري بهذين الطريقين صحيح عنده، لأنه يحتمل أن مجاهداً سمعه تارة عن ابن عباس وتارة عن طاوس عن ابن عباس، فإذا كان الأمر كذلك فلا يحتاج إلى طلب ترجمة هذا الحديث لهذا الباب، على تقدير وجود لفظه: باب، لأن وجه الترجمة ومطابقة الحديث لها قد ذكر هناك، فإن قلت: بينهما باب آخر، وهو قوله: ((باب ما جاء في غسل البول)). قلت: هذا تابع للباب الأول. لأنه في بيان حكم من أحكامه، وليس للتابع استقلال في شأنه، فعلى هذا قول الكرماني: فإن قلت: كيف دلالته على الترجمة؟ قلت: من جهة إثبات العذاب على ترك استتار جسده من البول وعدم غسله غير سديد مستغنيّ عنه، لأنه إن اعتبر فيما قاله لفظة باب مفرداً فليس فيه ترجمة، وإن لم يعتبر ذلك فيكون الحديث في باب: ما جاء في غسل البول، وليس له مناسبة ظاهراً، والتحقيق ما ذكرته. فافهم. بيان رجاله وهم ستة. الأول: محمد بن المثنى، بضم الميم وفتح الثاء المثلثة وتشديد النون: البصري المعروف بالزَّ مِن، تقدم في باب حلاوة الإيمان. الثاني: محمد بن خازم، بالخاء والزاي المعجمتين: أبو معاوية الضرير، عمي وعمره أربع سنين، وقد تقدم في باب المسلم من سلم المسلمون من يده. الثالث: الأعمش وهو سليمان بن مهران الكوفي التابعي، تقدم في باب ظلم دون ظلم. الرابع: مجاهد بن جبر. الخامس: طاوس بن كيسان، تقدم في باب من لم ير الوضوء إلاَّ من المخرجين. السادس: عبد الله ابن عباس. بيان لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع ثلاث مرات. وفيه: العنعنة ثلاث مرات. وفيه: أن رواته ما بين بصري وكوفي ومكي ويماني. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري ههنا عن محمد بن المثنى، وفي مواضع أخر ذكرناها في باب: من الكبائر ان لا يستتر من بوله. وأخرجه بقية الجماعة أيضاً، ذكرناها هناك. وأما ذكر لغته وإعرابه واستنباط الأحكام منه فقد مرت مستوفاة. وقوله: ((فغرز))، وفي رواية وكيع في الأدب: ((فغرس))، وهما بمعنى واحد، وبين الزاي والسين تناوب؛ وكان غرزه، عليه الصلاة والسلام، عند رأس القبر، قاله سعد الدين الحارثي، وقال: إنه ثبت بإسناد صحيح، قال بعضهم: كأنه يشير إلى حديث أبي هريرة الذي رواه ابن حبان في صحيحه، وقد ذكرناه. قلت: فيه: ((فجعل إحداهما عند رأسه والأخرى عند رجليه)). قوله: ((لم فعلت هذا))، وليس لفظة: هذا، في رواية المستملي والسرخسي. P 1 ١٨٤ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٥٨) قال ابن المُثَنَّى وحدّثنا وَكيعٌ قال حدّثنا الأَعمشُ قال سَمِعْتُ مُجاهِداً مِثْلَهُ أي: قال محمد بن المثنى وحدّثنا وكيع بن الجراح، وهو معطوف على قوله: ((حدّثنا محمد بن خازم))، ووقع للأصيلي هكذا: بواو العطف، ولذلك ظن بعضهم أنه معلق، وقد وصله أبو نعيم في (المستخرج) من طريق محمد بن المثنى هذا عن وكيع ومحمد بن خازم عن الأعمش، والنكتة في هذا الإسناد الذي أفرده التقوية للإسناد الأول، ولهذا صرح بلفظ: سمعت لأن الأعمش مدلس، وعنعنة المدلس لا تعتبر إلاَّ إذا علم سماعه، فأراد التصريح بالسماع، إذ الإسناد الأول معنعن. فإن قلت: قال في الأول حدّثنا محمد بن المثنى، وقال ههنا: قال ابن المثنى، هل بينهما فرق؟ قلت: بلى أشار به إلى أن قال: أحط درجة من حدث كما يقول في بعض المواضع في إسناد واحد: حدثني، بالإفراد و: حدّثنا، بالجمع. فإن قلت: مجاهد في هذه الطريقة يروي عن طاوس أو عن ابن عباس؟ قلت: الظاهر أنه يروي عن طاوس عن ابن عباس، لأنه قال مثله ومثل الشيء غيره. ٥٨ _ بابُ تَرْكِ النَّبِيِّ عَّهِ وَالناسِ الأعْرَابِيَّ حَتَّى فَرَغَ مِنْ بَوْلِهِ فِي المَسْجِدِ أي: هذا باب في بيان ترك النبي عَّه والناس الأعرابي الذي قدم المدينة ودخل مسجد النبي عَّهِ وبال فيه، فلم يتعرض إليه أحد بإشارة النبي عَّ له حتى فرغ من بوله، كما يأتي كل ذلك مفسراً إن شاء الله تعالى. فقوله: ((والناس))، بالجر عطف على لفظ: النبي عَ لَّه، لأنه مجرور بالإضافة، والتقدير: وترك الناس، ويجوز: الناس، بالرفع عطفاً على المحل، لأن لفظ الترك مصدر مضاف إلى فاعله، والأعرابي نسبة إلى الأعراب لأنه لا واحد لهم، وهم سكان البادية، والعربي نسبة إلى العرب، وهم أهل الأمصار وليس الأعراب جمعاً للعرب، وقد ذكرنا الكلام فيه مستقصىّ فيما تقدم، والألف واللام في: الأعرابي، وفي: المسجد، للعهد الذهني، وعن قريب يأتي مّن الأعرابي مع الخلاف فيه. وجه المناسبة بين هذا الباب، والباب الذي قبله هو اشتمال كل منهما على أن حكم البول إزالته، فذكر في الباب السابق الغسل، وفي هذا الباب صب الماء عليه، وحكمه حكم الغسل. ٢١٩/٨٢ - حدّثنا مُوسَى بنُ إِسْماعيلَ قال حدّثنا هَمَّامٌ قال أخبرنا إسْحاقُ عنْ أَنَسٍ ابن مالِكِ أنَّ النبيَّ عَّهِ رَأى أعْرَابِيًّا يَبُولُ فِي المَسْجِدِ فقال: ((دَعُوهُ)) حَى إذا فَرَعَ دَعا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ. [الحديث ٢١٩ - طرفاه في: ٢٢١، ٦٠٢٥]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة. بيان رجاله وهم أربعة. الأول: موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري، مر في كتاب الوحي. الثاني: همام بن يحيى بن دينار العوذي، بفتح العين المهملة وسكون الواو وبالذال ١ ١ ١٣٠٠ ١٨٥ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٥٨) المعجمة: كان ثقةً ثبتاً في كل المشايخ، مات سنة ثلاث وستين ومائة. الثالث: إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة بن سهل الأنصاري، تقدم في باب من قعد حيث ينتهي به المجلس. الرابع: أنس بن مالك. بيان لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع فى ثلاث مواضع. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: أن رواته ما بين بصري ومدني. جدة جنة ٢٠٠ بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري ههنا. وأخرجه مسلم أيضاً في الطهارة عن زهير بن حرب عن عمرو بن يونس عن عكرمة بن عمار اليماني عن إسحاق عن أنس. وأخرجه البخاري أيضاً عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت أنساً رضي الله تعالى عنه، كما سيأتي عن قريب. وأخرجه مسلم في الطهارة عن أبي موسى عن يحيى بن القطان، وعن يحيى بن يحيى وقتيبة، وكلاهما عن عبد العزيز بن عمر. وأخرجه الترمذي أيضاً عن سعيد ابن عبد الرحمن المخزومي عن سفيان بن عيينة، وفات المزي هذا في الأطراف. وأخرجه النسائي عن سويد بن نصر وعن قتيبة. وأخرجه البخاري أيضاً عن أبي هريرة في الطهارة ههنا، كما يأتي عن قريب. وأخرجه أيضاً في الأدب عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري عنه به. وأخرجه النسائي في الطهارة عن دحيم عن عمرو بن عبد الواحد عن الأوزاعي عن الزهري به نحوه. وأخرجه أبو داود من حديث الزهري عن سعيد عن أبي هريرة: ((أن أعرابياً دخل المسجد ورسول الله عَّ جالس، فصلى ركعتين ثم قال: اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً. فقال النبي، عليه الصلاة والسلام، لقد تحجرت واسعاً، ثم لم يلبث أن بال في ناحية المسجد، فأسرع الناس إليه فنهاهم النبي عّ لّه وقال: إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين، صبوا عليه سجلاً من ماء، أو قال؛ ذنوباً من ماء)). وأخرجه الترمذي في آخر الطهارة، والنسائي أيضاً في الطهارة، ولم يذكر قصة البول. وأخرجه ابن ماجة من حديث أبي سلمة عن عبد الرحمن عن أبي هريرة، ومن حديث علي ابن مسهر عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة: ((دخل أعرابي المسجد ورسول الله عَّ لم جالس، فقال: اللهم اغفر لي ولمحمد ... )) الحديث. وأخرج أبو داود هذه القصة أيضاً من حديث عبد الله بن معقل بن المقرن قال: ((صلى أعرابي مع النبي عَّ له قال فيه: وقال، يعني النبي صَلّه: ((خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه وأهريقوا على مكانه ماء)). ثم قال ابو داود: وهو مرسل ابن معقل لم يدرك النبي عَّ هِ. وقال الخطابي: هذا الحديث ذكره أبو داود وضعفه، وقال: مرسل. قلت: لم يقل أبو داود: هذا ضعيف، وإنما قال: مرسل، وهو مرسل من طريقين: أحدهما ما رواه أبو داود، والآخر ما رواه عبد الرزاق في (مصنفه) وقد روي هذا الحديث من طريقين مسندين أيضاً: أحدهما: عن سمعان بن مالك عن أبي وائل عن عبد الله، قال: ((جاء أعرابي فبال في المسجد، فأمر النبي، عَّم، بمكانه فاحتفر وصب عليه دلو من ماء))، أخرجه الدارقطني في (سننه) .. والثاني: أخرجه الدارقطني أيضاً، عن عبد الجبار بن العلاء عن ابن عيينة عن يحيى بن سعيد عن أنس: ((أن أعرابياً بال في المسجد، فقال، عليه الصلاة i P ١٨٦ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٥٨) والسلام: احفروا مكانه ثم صبوا عليه ذنوباً من ماء). بيان لغته قوله: ((فصبه)) الصب: السكب، يقال: فصب، بدون الضمير المفعول، وفي رواية البخاري، على ما يأتي: ((فلما قضى بوله أمره النبي عَّ له بذنوب من ماء فأهريق عليه)). وفي رواية مسلم: ((فأمر رجلاً من القوم فجاء بدلو فسنه عليه))، بالسين المهملة، ویروی بالمعجمة وهو رواية الطحاوي أيضاً، والفرق بينهما أن: السن، بالمهملة: الصب المتصل، وبالمعجمة: الصب المنقطع. قاله ابن الاثير: والذنوب، بفتح الذال المعجمة: الدلو العظيمة، وقيل: لا يسمى ذنوباً إلاّ إذا كان فيها ماء. قوله: ((اهريقوا)) أصله: ((أريقوا) من الإراقة، فالهاء زائدة، ويروى: ((هريقوا))، فتكون الهاء بدلاً من الهمزة. بيان إعرابه قوله: ((رأى)) بمعنى: أبصر، و ((أعرابيا)) مفعوله، وقوله: ((يبول)) جملة في محل النصب على أنها صفة: لأعرابياً، والتقدير: أبصر أعرابياً بائلاً. وقال الكرماني؛ و: يبول، إما صفة وإما حال. قلت: لا يقع الحال عن النكرة إلاَّ إذا كان مقدماً على ذي الحال، كما عرف في موضعه. بيان معناه قوله: ((دعوه)) أي: اتركوه، وهو أمر بصيغة الجمع من: يدع، تقول: دع دعا دعوا بضم العين، والعرب أماتت ماضيه إلاّ ما جاء في قراءة شاذة في قوله تعالى ﴿ما ودعك ربك﴾ [الضحى: ٣] بالتخفيف، وفي رواية مسلم: ((لا تزرموه ودعوه))، وهو بتقديم الزاي على الراء المهملة، يعني: لا تقطعوا عليه بوله. يقال: أزرم الدمع والدم: انقطعا، وأزرمته أنا؛ والضمير المنصوب فيه يرجع إلى الأعرابي، وعن عبد الله بن نافع المدني أن هذا الأعرابي كان: الأقرع بن حابس، حكاه أبو بكر التاريخي. وأخرج أبو موسى المديني هذا الحديث في الصحابة من طريق محمد بن عمرو بن عطاء عن سليمان بن يسار، قال: اطلع ذو الخويصرة الیماني، و کان رجلاً جافیاً، فذكر الحديث تاماً بمعناه وزيادة، ولکنه مرسل، وفي إسناده أيضاً مبهم، ولكن فهم منه أن الأعرابي المذكور هو: ذو الخويصرة اليماني، ولا يبعد ذلك منه بجلافته وقلة أدبه. قوله: ((حتى إذا فرغ من كلام أنس، رضي الله تعالى عنه)) أي: حتى إذا فرغ من بوله، وكلمة: حتى، للغاية، والمعنى: فتركوه إلى أن فرغ من بوله. قوله: ((دعا بماء)) أي: دعا النبي عَّ له أي: طلب ماء. وفي رواية أخرى للبخاري، الآتية عن قريب: ((فلما قضى بوله أمر النبي عَ ل بذنوب من ماء فهريق عليه)). وفي رواية مسلم: ((فأمر رجلاً من القوم فجاء بدلو فسنه عليه)). وفي رواية النسائي: ((فلما فرغ دعا بدلو فصب عليه)). وفي رواية ابن ماجة: ((دعا بدلو ماء فصب عليه)). وفي رواية له: ((ثم أمر بسجل من ماء فأفرغ على بوله)). وفي رواية ابن صاعد، عن عبد الجبار بن العلاء عن ابن عيينة عن يحيى بن سعيد عن أنس، فقال رسول الله عَّ له: ((احفروا مكانه ثم صبوا عليه ذنوبا من ماء)). وفي رواية لأبي داود عن عبد الله بن معقل بن مقرن: ((خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه وأهريقوا على مكانه ماء)). بيان استنباط الأحكام من هذا الحديث، من جميع ألفاظه والروايات المختلفة فيه، ١٠٠٤ :٠٣ ١٨٧ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٥٨) وهو على وجوه. الأول: استنبط الشافعي منه على أن الأرض إذا أصابتها نجاسة وصب عليها الماء تطهر. وقال النووي: ولا يشترط حفرها. وقال الرافعي: إذا أصابت الأرض نجاسة فصب عليها من الماء ما يغمرها، وتستهلك فيها النجاسة طهرت بعد نضوب الماء وقبله، فيه وجهان: إن قلنا: إن الغسالة طاهرة والعصر لا يجب فنعم، وإن قلنا: إنها نجسة والعصر واجب فلا، وعلى هذا فلا يتوقف الحكم بالطهارة على الجفاف، بل يكفي أن يفاض الماء كالثوب المعصر فلا يشترط فيه الجفاف والتصوب كالعصر، وفيه وجه: أن يكون الماء المصبوب سبعة أضعاف البول، ووجه آخر: يجب أن يصب على بول الواحد ذنوب، وعلى بول الإثنين ذنوبان، وعلى هذا أبداً. انتهى. وقال أصحابنا: إذا أصابت الأرض نجاسة رطبة. فإن كانت الأرض رخوة صب عليها الماء حتى يتسفل فيها، وإذا لم يبق على وجهها شيء من النجاسة، وتسفل الماء، يحكم بطهارتها، ولا يعتبر فيه العدد، وإنما هو على اجتهاده. وما هو في غالب ظنه أنها طهرت، ويقوم التسفل في الأرض مقام فيما لا يحتمل العصر، وعلى قياس ظاهر الرواية يصب عليه الماء ثلاث مرات، ويتسفل في كل مرة، وإن كانت الأرض صلبة، فإن كانت صعوداً يحفر في أسفلها حفيرة ويصب الماء عليها ثلاث مرات، ويتسفل إلى الحفيرة، ثم تكبس الحفيرة. وإن كانت مستوية بحيث لا يزول عنها الماء لا يغسل لعدم الفائدة في الغسل، بل تحفزة وعن أبي حنيفة: لا تطهر الأرض حتى تحفر إلى الموضع الذي وصلت إليه النداوة وينقل التراب، ودليلنا على الحفر الحديثان اللذان أخرجهما الدارقطني: أحدهما: عن عبد الله، والآخر عن أنس. وقد ذكرناهما عن قريب. وقد ذكرنا أيضاً ما قاله الخطابي، وذكرنا جوابه أيضاً. وروى عبد الرزاق في (مصنفه) عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاوس قال: ((بال أعرابي في المسجد، فأرادوا أن يضربوه فقال النبي، عَّلِ: احفروا مكانه واطرحوا عليه دلواً من ماء، علِّموا ويسّروا ولا تعسّروا)). والقياس أيضاً يقتضي هذا الحكم، لأن الغسالة نجسة فلا تطهر الأرض ما لم تحفر وينقل التراب. فإن قلت: قد تركتم الحديث الصحيح، واستدللتم بالحديث الضعيف وبالمرسل. قلت: قد علمنا بالصحيح فيما إذا كانت الأرض صلبة، وعملنا بالضعيف على زعمكم لا على زعمنا فيما إذا كانت الأرض رخوة، والعمل بالكل أولى من العمل بالبعض وإهمال البعض. وأما المرسل فهو معمول به عندنا، والذي يترك العمل بالمرسلات يترك العمل بأكثر الأحاديث وفي اصطلاح المحدثين ان مرسلين صحيحين اذا عارضا حديثاً صحيحاً مسنداً كان العمل بالمرسلين أولى، فكيف مع عدم المعارضة؟ الثاني: استدل به بعض الشافعية على أن الماء متعين في إزالة النجاسة، ومنعوا غيره من المائعات المزيلة، وهذا استدلال فاسد، لأن ذكر الماء هنا لا يدل على نفي غيره، لأن الواجب هو الإزالة، والماء مزيل بطبعه، فيقاس عليه كل ما كان مزيلاً لوجود الجامع، على أن هذا الاستدلال يشبه مفهوم مخالفة وهو ليس بحجة. الثالث: استدلت به جماعة من الشافعية وغيرهم أن غسالة النجاسة الواقعة على الأرض i ٤٠ ١٨٨ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٥٨) طاهرة، وذلك لأن الماء المصبوب لا بد أن يتدافع عند وقوعه على الأرض ويصل إلى محل لم يصبه البول مما يجاوره، فلولا أن الغسالة طاهرة لكان الصب ناشراً للنجاسة، وذلك خلاف مقصود التطهير، وسواء كانت النجاسة على الأرض أو غيرها، لكن الحنابلة فرقوا بين الأرض وغيرها، ويقال: إنه رواية واحدة عند الشافعية. إن كانت على الأرض، وإن كانت غيرها فوجهان. قلت: روي عن أبي حنيفة أنها بعد صب الماء عليها لا تطهر حتى تدلك وتنشف بصوف أو خرقة، وفعل ذلك ثلاث مرات، وإن لم يفعل ذلك لكن صب عليها ماء كثيراً حتى عرف أنه أزال النجاسة، ولم يوجد فيه لون ولا ريح، ثم ترك حتى نشفت كانت طاهرة. الرابع: استدل به بعض الشافعية أن العصر في الثوب المغسول من النجاسة لا يجب، وهذا استدلال فاسد وقياس بالفارق، لأن الثوب ينعصر بالعصر بخلاف الأرض. الخامس: استدل به البعض أن الأرض إذا أصابتها نجاسة فجفت بالشمس أو بالهواء لا تطهر، وهو محكي عن أبي قلابة أيضاً، وهذا أيضاً فاسد، لأن ذكر الماء في الحديث لوجوب المبادرة إلى تطهير المسجد وتركه إلى الجفاف تأخير لهذا الواجب، وإذا تردد الحال بين الأمرين لا يكون دليلاً على أحدهما بعينه. السادس: فيه دليل على وجوب صيانة المساجد وتنزيهها عن الأقذار والنجاسات، أَلاَ ترى إلى تمام الحديث في رواية مسلم: ((ثم إن رسول الله عَ لّهِ دعاه)) أي: الأعرابي، ((فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر، وإنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن)؟ السابع: فيه دليل على أن المساجد لا يجوز فيها إلاّ ذكر الله والصلاة وقراءة القرآن بقوله: ((وإنما هي لذكر الله))، من قصر الموصوف على الصفة، ولفظ الذكر عام يتناول قراءة القرآن وقراءة العلم، ووعظ الناس والصلاة أيضاً عام، فيتناول المكتوبة والنافلة، ولكن النافلة في المنزل أفضل، ثم غير هذه الأشياء: ككلام الدنيا والضحك واللبث فيه بغير نية الاعتكاف مشتغلاً بأمر من أمور الدنيا ينبغي أن لا يباح، وهو قول بعض الشافعية، والصحيح أن الجلوس فيه لعبادة أو قراءة علم أو درس أو سماع موعظة أو انتظار صلاة أو نحو ذلك مستحب، ويثاب على ذلك، وإن لم يكن لشيء من ذلك كان مباحاً، وتركه أولى. وأما النوم فيه فقد نص الشافعي في (الأم) أنه يجوز، وقال ابن المنذر: رخص في النوم في المسجد ابن المسيت والحسن وعطاء والشافعي، وقال ابن عباس: لا تتخذوه مرقداً. وروي عنه أنه قال: إن كان ينام فيه لصلاة فلا بأس. وقال الأوزاعي: يكره النوم في المسجد. وقال مالك: لا بأس بذلك للغرباء، ولا أرى ذلك للحاضر. وقال أحمد: إن كان مسافراً أو شبهه فلا بأس، وإن اتخذه مقيلاً أو مبيتاً فلا، وهو قول إسحاق. وقال اليعمري، وحجة من أجاز نوم علي بن أبي طالب وابن عمر، رضي الله تعالى عنهم، وأهل الصفة، والمرأة صاحبة الوشاح، والعرنية، وثمامة بن أثال، وصفوان بن أمية، وهي أخبار صحاح مشهورة. وأما ١٨٩ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٥٩) الوضوء فيه فقال ابن المنذر: أباح كل من يحفظ عنه العلم الوضوء في المسجد إلاّ أن يتوضأ في مكان بيله ويتأذى الناس به، فإنه مكروه. وقال ابن بطال: هذا منقول عن ابن عمر وابن عباس وعطاء وطاوس والنخعي وابن القاسم صاحب مالك، وذكر عن ابن سيرين وسحنون أنهما كرهاه تنزيهاً للمسجد، وقال بعض أصحابنا: إن كان فيه موضع معد للوضوء فلا بأس، وإلاَّ فلا. وفي شرح الترمذي لليعمري: إذا اقتصد في المسجد، فان كان في غير الإناء فحرام، وإن كان في الإناء فمكروه، وإن بال في المسجد في إناء فوجهان أصحهما أنه حرام، والثاني أنه مكروه. ويجوز الاستلقاء في المسجد، ومد الرجل، وتشبيك الأصابع للأحاديث الثابتة في ذلك. الثامن: فيه المبادرة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. التاسع: فيه مبادرة الصحابة إلى الإنكار بحضرة النبي عَّه من غير مراجعة له. فإن قلت: أليس هذا من باب التقدم بين يدي الله تعالى ورسوله عَ لّهِ؟ قلت: لا، لأن ذلك مقرر عندهم في الشرع من مقتضى الإنكار، فأمر الشارع متقدم على ما وقع منهم في ذلك، وإن لم يكن في هذه الواقعة الخاصة إذن فدل على أنه لا يشترط الإذن الخاص، ويكتفي بالإذن العام. جوة العاشر: فيه دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما، فإن البول فيه مفسدة، وقطعه على البائل مفسدة أعظم منها، فدفع أعظمها بأيسر المفسدتين، وتنزيه المسجد عنه مصلحة وترك البائل إلى الفراغ مصلحة أعظم منها، فحصل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما. الحادي عشر: فيه مراعاة التيسير على الجاهل والتألف للقلوب. الثاني عشر: فيه المبادرة إلى إزالة المفاسد عند زوال المانع، لأن الأعرابي حين فرغ أمر بصب الماء. i الثالث عشر: في رواية الترمذي: ((أهريقوا عليه سجلاً من ماء، أو دلواً من ماء)) اعتبار الأداء باللفظ، وإن كان الجمهور على عدم اشتراطه، وأن المعنى كافٍ، ويحمل: أو، ههنا على الشك، ولا معنى للتنويع ولا للتخيير ولا للعطف، فلو كان الراوي يرى جواز الرواية بالمعنى لاقتصر على أحدهما، فلما تردد في التفرقة بين الدلو والسجل، وهما بمعنى، علم أن ذلك التردد لموافقة اللفظ، قاله الحافظ القشيري، ولقائل أن يقول: إنما يتم هذا أن لو اتحد المعنى في السجل والدلو لغة، لكنه غير متحد، فالسجل: الدلو الضخمة المملوءة، ولا يقال لها فارغة: سجل. i i ٥٩ _ بابُ صَبِّ المَاءِ عَلَى البَوْلِ فِي المَسْجِدِ أي: هذا باب في بيان حكم صب الماء على بول البائل في مسجد من مساجد الله ٠٠١/٠٠٠ or. ١٩٠ ٤١٣١/١:٣٠ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٥٩) تعالى، وإذا جعلنا: الألف واللام، فيه للعهد يكون المعنى في: مسجد النبي عَِّ، ويكون حكاية عن ذلك، وعلى الأول الحكم عام سواء كان في مسجد النبي أو غيره. والمناسبة بین البابین ظاهرة لا تخفی، وليس لذكر الباب زيادة فائدة، وبدونه يحصل المقصود. ٢٢٠/٨٣ _ حدّثنا أبو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال أخبرني عُبَيْدُ اللَّهِ ابنُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُثْبَةَ بنِ مَسْعُودٍ أَنَّ أَبَا هُريْرَةَ قال قامَ أعْرَابِيٌّ فَالَ فِي المَسْجِدِ فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ فقال لَهُمُ النِبِيُّ عَّهِ دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِه سَجْلاً مِنْ ماءٍ أو ذَنُوباً مِنْ ماءِ فاتَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ ولمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرينَ. [الحديث ٢٢٠ - طرفه في: ٦١٢٨]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة. بيان رجاله وهم خمسة: الأول: أبو اليمان، بفتح الياء آخر الحروف وتخفيف الميم: هو الحكم بن نافع، وقد تقدم في كتاب الوحي. الثاني: شعيب بن أبي حمزة الحمصي. الثالث: محمد بن مسلم الزهري. الرابع: عبيد الله إلى آخره. الخامس: أبو هريرة، والكل تقدموا. بيان لطائف إسناده فيه التحديث بصيغة الجمع. وفيه: الإخبار بصيغة الجمع وبصيغة المفرد. وفيه: العنعنة. وفيه: أن رواته ما بين حمصي ومدني وبصري. وفيه: أخبرني عبيد الله عند أكثر الرواة عن الزهري، وروى سفيان بن عيينة عن سعيد بن المسيب، بدل: عبيد الله، وتابعه سفيان بن حسين، قال طاهر: إن الروايتين صحيحتان. وأما بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: فقد ذكرناه في الباب السابق، وكذلك بيان لغاته وإعرابه. بيان معانية قوله: ((قام أعرابي)، زاد ابن عيينة عند الترمذي، وغيره في أوله: ((أنه، صلى ثم قال: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً، فقال له النبي، عليه الصلاة والسلام، لقد تحجرت واسعاً، فلم يلبث أن بال في المسجد)). وستأتي هذه الزيادة عند المصنف في الأدب من طريق الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة. وأخرج هذا الحديث الجماعة ما خلا مسلماً، وفي لفظ ابن ماجة: ((احتصرت واسعاً). وأخرج ابن ماجة حديث واثلة بن الأسقع أيضاً، ولفظه: ((لقد حصرت واسعاً ويلك أو ويحك)). قوله: ((لقد تحجرت)) أي: ضيقت ما وسعه الله، وخصصت به نفسك دون غيرك، ويروى: احتجرت بمعناه، ومادته حاء مهملة ثم جيم ثم راء. وقوله: ((احتصرت))، بالمهملتين من الحصر، وهو الحبس والمنع. قوله: ((فبال في المسجد) أي: مسجد النبي، عَّلَّه. قوله: ((فتناوله الناس)) أي: تناولوه بألسنتهم، وفي رواية للبخاري، تأتي: ((فثار إليه الناس)) وله في رواية عن، أنس: ((فقاموا إليه))، وفي رواية أنس أيضاً في هذا الباب: ((فزجره الناس)). وأخرجه البيهقي من طريق عبد ان شيخ البخاري، وفيه: ((فصاح الناس به)). وكذا للنسائي من طريق ابن المبارك، ولمسلم من طريق TA ٠٣٠ ١٩١ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٥٩) إسحاق عن أنس: ((فقال الصحابة: مه مه))، قوله: ((مه))، كلمة بنيت على السكون، وهو اسم يسمى به الفعل، ومعناه: أكفف، لأنه زجر. فإن وصلت نونته، فقلت: مه مه. ومه الثاني تأكيد، كما تقول: صه صه، وفي رواية الدارقطني: ((فمر عليه الناس فأقاموه، فقال عَ له دعوه، عسى أن يكون من أهل الجنة، فصبوا على بوله الماء)). قوله: ((وهريقوا))، وفي رواية للبخاري في الأدب: ((واهريقوا))، وقد ذكرنا أن أصل: أهريقوا، أريقوا. قوله: ((أو ذنوباً من ماء)) قال الكرماني: لفظ: من، زائدة، وزيدت تأكيداً، وكلمة: أو، يحتمل أن تكون من كلام رسول الله عَّه، فتكون للتخيير، وأن تكون من الرواي فتكون للترديد. قلت: ليس الأمر كذلك، وقد قلنا الصواب فيه عن قريب. قوله: ((ميسرين)) حال، فإن قلت: المبعوث هو رسول الله سَ لّه، فكيف هذا؟ قلت: لما كان المخاطبون مقتدين به ومهتدين بهداه علّمه كانوا مبعوثين أيضاً، فجمع اللفظ باعتبار ذلك، والحاصل أنه على طريقة المجاز، لأنهم لما كانوا في مقام التبليغ عنه في حضوره وغيبته أطلق عليهم ذلك، أو لأنهم لما كانوا مأمورين من قبله بالتبليغ فكأنهم مبعوثون من جهته. قوله: ((ولم تبعثوا معسرين))، ما فائدته وقد حصل المراد من قوله: ((بعثتم ... )) إلى آخره؟ قلت: هذا تأكيد بعد تأكيد، دلالة على أن الأمر مبني على اليسر قطعاً. ٢٢١/٨٤ - حدثنا عَبْدَانُ قال أخبرنا عَبْدُ الله قال أخبرنا يحيىَ بنُ سَعِيدٍ قال سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالِكِ عنِ النبيِّ عَ لَّهِ بِهَذَا. [انظر الحديث: ٢١٩ وطرفه]. عبدان، بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة: وهو لقب عبد الله العتكي، وعبد الله هو ابن المبارك الإمام، تقدما في كتاب الوحي. ويحيى بن سعيد الأنصاري تقدم أيضاً. وأخرج البيهقي هذا الحديث من طريق عبدان هذا، ولفظه: ((جاء أعرابي إلى رسول الله عَ ليه، فلما قضى حاجته قام إلى ناحية المسجد فبال، فصاح به الناس، فكفهم عنه ثم قال: صبوا علیه دلواً من ماء». ٨٤ - ح وحدّثنا خالِدٌ وحدّثنا سُلَيْمانُ عنْ يَحْيِى بن سَعِيدٍ قالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بنَ مالِكِ قال جاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طائِفَةِ الَمسْجِدٍ فَزَجَرَهُ النَّاسُ فَتَهاهُمُ النَّبِيُّ عَ لَّ فَلَمَّا قَضَى بْلَّهُ أَمَرَ النبيُّ عَّهِ بِذَنُوبٍ مِنْ ماءٍ فَأُهْرِيقَ عَليْهِ. قد تقدم أن لفظة: الحاء، علامة التحويل من إسناد الى إسناد. وقوله: ((وحدّثنا)) بواو العطف على قوله: ((حدّثنا عبدان)) ورواية كريمة بلا: واو. و: مخلد، بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح اللام، وسليمان بن بلال وكلاهما تقدما في باب طرح الإمام المسألة. قوله: ((من طائفة المسجد)) أي: قطعة من أرض المسجد. قوله: ((فهريق))، بضم الهاء وكسر الراء: على صيغة المجهول، ومعناه: أريق، وهذه رواية أبي ذر، وفي رواية الباقين: ((فأهريق عليه))، بزيادة الهمزة في أوله. وقال ابن التين: هذا إنما يصح على ما قاله سيبويه لأنه فعل ماضٍ وهاؤه ساكنة، وأما على الأصل فلا تجتمع الهمزة والهاء في الماضي. قال: ورويناه i ونية i i 34 ١٩٢ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٠) بفتح الهاء، ولا أعلم لذلك وجهاً. وفوائد هذا الحديث قد مرت. وقال بعضهم: وفيه: تعيين الماء لإزالة النجاسة لأن الجفاف بالريح أو الشمس لو كان يكفي لما حصل التكليف بطلب الدلو. قلت: هذا الاستدلال فاسد لأن ذكر الماء لا ينفي غيره، وقد استوفينا الكلام فيه في الباب السابق. وكذا قوله: وفيه أن الأرض تطهر بصب الماء عليها ولا يشترط حفرها، خلافاً للحنفية، فاسد، لأنا ذكرنا فيما مضى عن قريب أنه ورد الأمر بالحفر في حديثين مسندين وحديثين مرسلين، والمراسيل حجة عندهم. ٦٠ - بابُ بَوْلِ الصِّبْيَانِ أي: هذا باب في بيان حكم بول الصبيان، وهو، بكسر الصاد: جمع صبي. قال الجوهري: الصبي: الغلام، والجمع: صبية وصبيان، وهو من الواوي. وفي (المخصص): ذكر ابن سيده عن ثابت: يكون صبيان ما دام رضيعاً، وفي (المنتخب) للكراع: أول ما يولد الولد يقال له: وليد، وطفل، وصبي. وقال ابن دريد: صبي وصبيان وصبوان، وهذه أضعفها. وقال ابن السكيت: صبية وصبوة، وفي (المحكم) صبية وصبية وصبوان وصبوان. وقال بعضهم: الصبيان، بكسر الصاد، ويجوز ضمها، جمع: صبي. قلت: في الضم لا يقال إلاَّ صبوان بالواو، وقد وهم هذا القائل حيث لم يعلم الفرق بين المادة الواوية والمادة اليائية، وأصل: صبيان، بالكسر: صبوان، لأن المادة واوية، فقلبت الواو ياء، لانكسار ما قبلها. ووجه المناسبة بين البابين ظاهر لا يخفى. ٢٢٢/٨٥ - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قالَ أخبرنا مالِكٌ عنْ هِشام بنِ عُزْوَةَ عنْ أَبِيهِ عِنْ عَائِشَةَ أَمِّ المُؤْمِنينَ أَنَّها قالَتْ أُتِيَ رسولُ اللَّهِ عَلَّهِ بِصَبِيٍّ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِه فَدَعا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ إِيَّاهُ. [الحديث ٢٢٢ - أطرافه في: ٥٤٦٨، ٦٠٠٢، ٦٣٥٥]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة. بيان رجاله وهم خمسة، والكل قد تقدموا، وعبد الله هو التنيسي، وعروة هو ابن الزبير بن العوام، رضي الله تعالى عنه. بيان لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع والإخبار بصيغة الجمع. وفيه: العنعنة فى ثلاث مواضع. بيان من أخرجه غيره أخرجه النسائي في الطهارة عن قتيبة عن مالك. بيان لغته ومعناه قوله: ((بصبي))، قد مر تفسير الصبي الآن وذكر الدارقطني من حديث الحجاج بن أرطاة: أن هذا الصبي هو عبد الله بن الزبير، رضي الله تعالى عنهما: ((وأنها قالت: فأخذته أخذاً عنيفاً، فقال عَّ له: إنه لم يأكل الطعام فلا يضر بوله)). وفي لفظ: ((فإنه لم يطعم الطعام فلم يقذر بوله)). وقد قيل: إنه الحسن، وقيل: إنه الحسين. وقال /٢ ١٩٣ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٠) بعضهم: يظهر لي أن المراد به ابن ام قيس المذكور بعده. قلت: هذا ليس بظاهر أصلاً، والظاهر أحد الأقوال الثلاثة، وأظهرها ما ذكره الدارقطني. قوله: ((فأتبعه إياه)) أي: فاتبع رسول الله عَّ البول الذي على الثوب الماء، وذلك بصبه عليه. وفي رواية مسلم زاد: ((ولم يغسله))، ولابن المنذر من طريق الثوري عن هشام: ((فصب عليه الماء»، وفي رواية الطحاوي من طريق زائدة الثقفي عن هشام: ((فنضحه عليه)). بيان استنباط الأحكام منها: أن الشافعية احتجوا بهذا على أن بول الصبي يُكتفى فيه باتباع الماء إياه، ولا يحتاج إلى الغسل لظاهر رواية مسلم. ولم يغسله، وعن هذا قال بعضهم بطهارة بوله. وقال النووي: الخلاف في كيفية تطهير الشيء الذي بال عليه الصبي، ولا خلاف في نجاسته، وقد نقل بعض أصحبانا إجماع العلماء على نجاسة بول الصبي، وأنه لم يخالف فيه إلاَّ داود. وأما ما حكاه أبو الحسن بن بطال، ثم القاضي عياض عن الشافعي وغيره أنهم قالوا: بول الصبي طاهر وينضح، فحكايته باطلة قطعاً. قلت: هذا إنكار من غير برهان، ولم ينقل هذا عن الشافعي وحده، بل نقل عن مالك أيضاً أن بول الصغير الذي لا يطعم طاهر، وكذا نقل عن الأوزاعي وداود الظاهري، ثم قال النووي وكيفية طهارة بول الصبي والجارية على ثلاثة مذاهب: وفيها ثلاثة أوجه لأصحابنا: الصحيح المشهور المختار أنه يكفي النضح في بول الصبي ولا يكفي في بول الجارية، بل لا بد من غسله كغيره من النجاسات. والثاني: أنه يكفي النضح فيهما. والثالث: لا يكفي النضح فيهما، وهما شاذان ضعيفان. وممن قال بالفرق: علي بن أبي طالب وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وابن وهب من أصحاب مالك، رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وروي عن أبي حنيفة، رحمه الله تعالى، قلت: علم من ذلك أن الصحيح من مذهب الشافعي هو التفريق بين حكم بول الصبي وبول الصبية قبل أن يأكل الطعام، وأنه يدل على أن بول الصبي طاهر، وبول الصبية نجس، وبه قال أحمد وإسحق وأبو ثور. واحتجوا على ذلك بأحاديث منها: حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، المذكور. لأن إتباع الماء البول هو النضح دون الغسل، ولهذا صرح في رواية مسلم: ((ولم يغسله))، وعدم الغسل دل على طهارة بول الصبي. ومنها: حديث علي، رضي الله تعالى عنه، عن النبي عَّ له أنه قال في الرضيع: ((يغسل بول الجارية وينضح بول الغلام))، أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة. ومنها: حديث لبابة بنت الحارث، أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي صَّله، قالت: ((كان الحسين بن علي، رضي الله تعالى عنهما، في حجر رسول الله عَ ليه قبال عليه، فقلت: إلبس ثوباً وأعطني إزارك حتى أغسله. قال: إنما يغسل من بول الأنثى وينضح من بول الذكر))، أخرجه أبو داود وابن ماجة وابن خزيمة في (صحيحه) والكبحي في (سننه) والبيهقي أيضاً في (سننه) من وجوه كثيرة، والطحاوي أيضاً من وجهين. ومنها: حديث أم قيس على ما يأتي عن قريب إن شاء الله. ومنها: حديث زينب بنت جحش، رضي الله تعالى عنها، أخرجه الطبراني في (الكبير) مطولاً، وفيه: ((أنه يصب من الغلام ويغسل من عمدة القاري / ج٣ / ١٣٢ ١٩٤ .١٣٣ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٠) الجارية))، وفي إسناده: ليث بن أبي سليم وهو ضعيف. ومنها: حديث أبي السمح، أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة قال: ((كنت أخدم النبي عَّ .... )) الحديث، وفيه: ((يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام))، وأبو السمح، بفتح السين المهملة وسكون الميم وفي آخره حاء مهملة، ولا يعرف له اسم ولا يعرف له غير هذا الحديث، كذا قاله أبو زرعة الرازي، وقيل: اسمه إياد. ومنها: حديث عبد الله بن عمرو، أخرجه الطبراني في (الأوسط) عنه: ((أن النبي عَّ أتى بصبي فبال عليه، فنضحه وأتي بجارية فبالت عليه فغسله)). ومنها: حديث ابن عباس، أخرجه الدارقطني عنه، قال: ((أصاب النبي عَّهِ أو، جلده، بول صبي وهو صغير، فصب عليه من الماء بقدر البول)). ومنه حديث أنس بن مالك أخرجه الطبراني في (الكبير) مطولاً، وفيه: ((يصب على بول الغلام ويغسل بول الجارية)). وفي إسناده نافع بن هرمز، وأجمعوا على ضعفه. ومنها: حديث أبي أمامة، أخرجه أيضا في (الكبير): ((أن رسول الله عَّل أتى بالحسين فجعل يقبله، فبال عليه، فذهبوا ليتناولوه فقال: ذروة، فتركه حتى فرغ من بوله). وفي إسناده عمرو بن معدان، وأجمعوا على ضعفه. ومنها: حديث أم سلمة، رضي الله عنها، عنده أيضا في (الأوسط) أن الحسن، أو الحسين، بال على بطن النبي عَّ له فقال، عليه الصلاة والسلام: ((لا تزرموا ابني أو، لا تستعجلوه، فتركوه حتى قضى بوله، فدعا بماء فصبه عليه). ومنها: حديث أم كرز، أخرجه ابن ماجة عنها أن رسول الله عَ ل قال: ((بول الغلام ينضح وبول الجارية يغسل))، ومذهب أبي حنيفة وأصحابه ومالك أنه لا يفرق بين بول الصغير والصغيرة في نجاسته، وجعلوهما سواء في وجوب غسله منهما، وهو مذهب إبراهيم النخعي وسعيد بن المسيب والحسن بن حي والثوري. وأجابوا عن ذلك بأن النضح هو صب الماء لأن العرب تسمي ذلك نضجاً، وقد يذكر ويراد به الغسل، وكذلك الرش يذكر ويراد به الغسل. أما الأول: فيدل عليه ما رواه أبو داود وغيره: ((عن المقداد بن الأسود أن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، أمره أن يسأل رسول الله عَ ليه عن الرجل إذا دنا من أهله فخرج منه المذي ماذا عليه؟ قال: علي: فإن عندي ابنته وانا استحي أن اسأله. قال المقداد: فسألت رسول الله عَ ل عن ذلك، فقال: إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح فرجه وليتوضأ وضوءه للصلاة))، ثم الذي يدل على أنه أريد بالنضح ههنا الغسل، ما رواه مسلم وغيره عن علي، رضي الله تعالى عنه، قال: ((كنت رجلاً مذاءً فاستحييت أن أسأل رسول الله عَلَّم لمكان ابنته، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله، فقال: يغسل ذكره ويتوضأ). والقصة واحدة، والراوي عن رسول الله عَّةٍ واحد، ومما يدل على أن النضح يذكر ويراد به الغسل ما رواه الترمذي وغيره عن سهل بن حنيف قال: ((كنت ألقى من المذي شدة، وكنت أكثر منه الغسل، فسألت رسول الله عَّله فقال: إنما يجزيك من ذلك الوضوء. قلت: يا رسول الله فكيف بما يصيب ثوبي منه؟ فقال: يكفيك أن تأخذ كفاً من ماء فتنضح به من ثوبك حيث يرى أنه أصابه)). وأنه أراد بالنضح ههنا الغسل. جيي جي جيجيـ ٣٠ ١٩٥ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٠) وأما الثاني: وهو أن الرش يذكر ويراد به الغسل، فقد صح عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، أنه لما حكى وضوء رسول الله عَ ل أخذ غرفة من ماء فرش على رجله اليمنى حتى غسلها، وأراد بالرش ههنا صب الماء قليلاً قليلاً، وهو الغسل بعينه. ومما يدل على أن النضح والرش يذكران ويراد بهما الغسل قوله، عليه الصلاة والسلام، وفي حديث أسماء، رضي الله تعالى عنها: ((تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه)). معناه: تغسله، هذا في رواية الصحيحين، وفي رواية الترمذي: ((حتيه ثم اقرضيه ثم رشيه وصلي فيه)). أراد: اغسليه، قاله البغوي، فلما ثبت أن النضح والرش يذكران ويراد بهما الغسل، وجب حمل ما جاء في هذا الباب من النضح والرش على الغسل بمعنى إسالة الماء عليه من غير عرك، لأنه متى صب الماء عليه قليلاً قليلاً حتى تقاطر وسال حصل الغسل، لأن الغسل هو الإسالة. فافهم. فإن قلت: قد صرح في رواية مسلم وغيره: ((فأتبعه بوله ولم يغسله))، فكيف يحمل النضح والرش على الغسل؟ قلت: معناه ولم يغسله بالعرك كما يغسل الثياب إذا أصابتها النجاسة، ونحن نقول به. قال النووي: وأما حقيقة النضح ههنا فقد اختلف أصحابنا فيها، فذهب الشيخ أبو محمد الجويني والقاضي حسين والبغوي إلى أن معناه أن الشيء الذي أصابه البول يغمر بالماء كسائر النجاسات، بحيث لو عصر لانعصر، وذهب إمام الحرمين والمحققون إلى أن النضح أن يغمر ويكاثر بالماء مكاثرة لا يبلغ جريان الماء وتقاطره، بخلاف المكاثرة في غيره، فإنه يشترط فيها أن يكون بحيث يجري بعض الماء ويتقاطر من المحل، وإن لم يشترط عصره، وهذا هو الصحيح المختار، ثم إن النضح إنما يجزىء ما دام الصبي يقتصر به على الرضاع، أما إذا أكل الطعام على جهة التغذية فإنه يجب الغسل بلا خلاف، وسنقول معنى النضح مما قاله أهل اللغة في الحديث الآتي، ولا فرق بين النضح والغسل فيما قاله البغوي والجويني. وقال ابن دقيق العيد: اتبعوا في ذلك القياس، أراد أن الحنفية اتبعوا في هذه المسألة القياس، يعني: تركوا الأحاديث الصحيحة وذهبوا إلى القياس، وقالوا: المراد من قوله، أي: من قول أم قيس، ولم يغسله، أي: غسلاً مبالغاً فيه، وهو خلاف الظاهر. ويبعده ما ورد في الأحاديث الأخر التي فيها التفرقة بينهما أوجه: منها: ما هو ركيك، وأقوى ذلك ما قيل إن النفوس أعلق بالذكور منها بالإناث، يعني: فحصلت الرخصة في الذكور لكثرة المشقة. قلت: نقل عن بعضهم للغمز على الحنفية، ولكن هذا لا يشفي غلتهم، فقوله: اتبعوا في ذلك القياس، غير صحيح، لأنهم ما اتبعوا في ذلك إلاّ الأحاديث التي احتج خصمهم بها، ولكن على غير الوجه الذي ذكروا، وقد ذكرناه الآن محرراً، على أنه قد روي عن بعض المتقدمين من التابعين ما يدل على أن الأبوال كلها سواء في النجاسة، وأنه لا فرق بين بول الذكر والأنثى، فمنها ما رواه الطحاوي، وقال: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: حدّثنا حجاج، قال: حدّثنا حماد عن قتادة عن سعيد بن المسيب أنه قال: الرش بالرش i ٠٠٠٠ F وجدة ١٩٦ ٠٠ ٠۵ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٠) والصب بالصب من الأبوال کلها. حدّثنا محمد بن خزيمة، قال: حدّثنا حجاج، قال: حدّثنا حماد عن حميد عن الحسن أنه قال: بول الجارية يغسل غسلاً وبول الغلام يتبع بالماء، أفلا يرى أن سعيداً قد سوى بين حكم الأبوال كلها، من الصبيان وغيرهم، فجعل ما كان منه رشاً يطهر بالرش، وما كان منه صباً يطهر بالصب، ليس لأن بعضها عنده طاهر وبعضها غير طاهر، ولكنها كلها عنده نجسة، وفرق بين التطهير من نجاستها عنده بضيق مخرجها وسعته، إنتهى كلام الطحاوي. ومعنى قوله: وفرق ... إلى آخره، أن مخرج البول من الصبي ضيق فيرش البول، ومن الجارية واسع فيصب البول صباً، فيقابل الرش بالرش والصب بالصب. ومنها: أن فيه الندب إلى حسن المعاشرة واللين والتواضع والرفق بالصغار وغيرهم. ومنها استحباب حمل الأطفال إلى أهل الفضل للتبرك بهم، وسواء في هذا الاستحباب المولود حال ولادته أو بعدها. ٢٢٣/٨٦ - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قالَ أخبرنا مالِكٌ عنِ ابنِ شهابٍ عنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُثْبةَ عنْ أمِّ قَيْسٍ بِئْتِ مِخْصَنٍ أَنَّها أتَتْ بِابنٍ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكلِ الطَّعَامَ إلى رسولِ اللَّهِ عَ لَه فَأَجْلَسَهُ رسولُ اللَّهِ عَّ ◌َّهِ فِي حِجْرِهِ فَالَ عَلَى ثَّوْبِهِ فَدَعا بِمَاءٍ فَتَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ. [الحديث ٢٢٣ - طرفه في: ٥٦٩٣]. مطابقته للترجمة ظاهرة. بيان رجاله وهم خمسة تقدموا كلهم، وابن شهاب محمد بن مسلم الزهري، وأم قيس، بفتح القاف وسكون الياء آخر الحروف. ومحصن، بكسر الميم وسكون الحاء المهملة وفتح الصاد المهملة وفي آخره نون، وهي أخت عكاشة بن محصن، أسلمت بمكة قديماً، وبايعت النبي عَ ليهٍ وهاجرت إلى مدينة النبي عَ لَّه روي لها أربعة وعشرون حديثاً، في الصحيحين. منها إثنان، وهى من المعمرات. وقال ابن عبد البر: اسمها جذامة، بالجيم والذال المعجمة، وقال السهيلي: اسمها آمنة، وذكرها الحافظ الذهبي في (تجريد الصحابة) في الکنی، ولم یذکر لها اسما. بيان لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع، والإخبار بصيغة الجمع في موضع، والعنعنة في ثلاث مواضع، ورواته ما بين تنيسي ومدني. بيان من أخرجه غيره أخرجه البخاري هنا فقط. وأخرجه بقية الجماعة: فمسلم في الطب عن ابن أبي عمر، وفيه وفي الطهارة عن يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وأبي خيثمة زهير بن حرب، خمستهم عن سفيان بن عيينة، وفي الطهارة أيضاً عن محمد بن رمح عن الليث بن سعد وعن حرملة بن يحيى عن ابن وهب عن يونس، ثلاثتهم عن الزهري به. وأخرجه أبو داود في الطهارة عن القعنبي عن مالك به، والترمذي فيه عن قتيبة، وأحمد بن منيع، كلاهما عن سفيان بن عيينة به، والنسائي فيه عن قتيبة عن مالك، وابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن الصباح، كلاهما عن سفيان به. ١٩٧ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٠) بيان لغته وإعرابه قوله: ((بابن لها)) الإبن: لا يطلق إلاَّ على الذكر بخلاف: الولد. قوله: ((صغير)) هو ضد: الكبير، ولكن المراد منه: الرضيع، لأنه فسره بقوله: ((لم يأكل الطعام))، فإذا أكل يسمى: فطيماً، وغلاماً أيضاً إلى سبع سنين. وقال الزمخشري: الغلام هو الصغير إلى حد الالتحاء. وقال بعضهم من أهل اللغة: ما دام الولد في بطن أمه فهو: جنين، فاذا ولدته يسمى: صبياً ما دام رضيعاً، فإذا فطم يسمى غلاماً إلى سبع سنين، فمن هذا عرفت أن الصغير يطلق إلى حد الالتحاء من حين يولد، فلذلك قيد في الحديث بقوله: ((لم يأكل الطعام))، والطعام في اللغة ما يؤكل، وربما خص الطعام بالبر، وفي حديث أبي سعيد: ((كنا نخرج صدقة الفطر على عهد رسول الله عَ لـ صاعاً من طعام أو صاعاً من شعير)). والطعم، بالفتح: ما يؤديه الذوق، ويقال: طعمه مر، والطعم، بالضم: الطعام: وقد طعم يطعم طعماً فهو طاعم إذا أكل وذاق، مثل: غنم يغنم غنما فهو غانم، الذوق، يقال: طعمه مر، والطعم، بالضم: الطعام. وقد طعم يطعم طعماً فهو طاعم إذا أكل وذاق، مثل: غنم يغنم غنما فهو غانم، قال تعالى: ﴿فاذا طعمتم فانتشروا﴾ [الأحزاب: ٥٣] وقال تعالى: ﴿ومن لم يطعمه فإنه مني﴾ [البقرة: ٢٤٩] أي: من لم يذقه، قاله الجوهري. وقال الزمخشري أيضاً: ومن لم يطعمه ومن لم يذقه، من طعم الشيء إذا ذاقه. ومنه: طعم الشيء لمذاقه، قال: وإن شئت لم أطعم نقاخاً ولا بردا أَلاَ ترى كيف عطف عليه البرد وهو النوم؟ قلت: أول البيت: وإن شئت حرمت النساء سواكم. والنقاخ، بضم النون وبالقاف والخاء المعجمة: الماء العذب، وقال بعضهم: وقد أخذه من كلام النووي: المراد من الطعام ما عدا اللبن الذي يرتضعه، والتمر الذي يحنك به، والعسل الذي يلعقه للمداواة وغيرها. قلت: لا يحتاج إلى هذه التقديرات، لأن المراد من قوله: ((لم يأكل الطعام)) لم يقدر على مضغ الطعام ولا على دفعه إلى باطنه، لأنه رضيع لا يقدر على ذلك، أما اللبن فإنه مشروب غير مأكول فلا يحتاج إلى استثنائه لأنه لم يدخل في قوله: ((لم يأكل الطعام)) حتى يستثنى منه، وأما التمر الذي يحنك به، أو العسل الذي يلعقه، فليس باختياره، بل بعنف من فاعله قصداً للتبرك أو المداواة، فلا حاجة أيضاً لاستثنائهما، فعلم مما ذكرنا أن المراد من قوله: ((لم يأكل الطعام)) أي: قصداً أو استقلالاً أو تقوياً فهذا شأن الصغير الرضيع، وقد علمت من هذا أن الذي نقله القائل المذكور من النووي، ومن نكت التنبيه صادر من غير روية ولا تحقيق، وكذلك لا يحتاج إلى سؤال الكرماني وجوابه ههنا، بقوله: فإن قلت: اللبن طعام، فهل يخص الطعام بغير اللبن أم لا؟ قلت: الطعام هو ما يؤكل، واللبن مشروب لا مأكول فلا يخصص، قوله: ((فأجلسه رسول الله، عٍَّ))، الضمير المنصوب فيه يرجع إلى الابن. قال بعضهم: أي وضعه. إن قلنا: إنه كان كما ولد، ويحتمل أن يكون الجلوس حصل منه على العادة. إن قلنا: إنه كان في سن من يحبو. قلت: ليس المعنى كذلك لأن الجلوس يكون عن نوم أو اضطجاع، وإذا كان قائماً كانت الحال التي ے i i ١ i ! • سوة ١٩٨ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٠) يخالفها القعود، والمعنى ههنا: أقامه عن مضجعه، لأن الظاهر أن أم قيس أتت به وهو في قماطة مضطجع، فأجلسه النبي، عَ له، أي: أقام في حجره، وإن كانت أتت به وهو في يدها، بأن كان عمره مقدار سنة أو جاوزها قليلاً، والحال أنه رضيع، يكون المعنى: تناوله منها وأجلسه في حجره وهو يمسكه لعدم مسكته، لأن أصل تركيب هذه المادة يدل على ارتفاع في الشيء، و: الحجر، بكسر الحاء وفتحها وسكون الجيم، لغتان مشهورتان. قوله: ((فبال على ثوبه)) الظاهر أن الضمير في ثوبه يرجع إلى النبي عَّ له، وقد قيل: إنه يرجع إلى الابن أي: بال الابن على الثوب نفسه، وهو في حجره عَّ ◌ُله، فنضح عليه الماء خوفاً أن يكون طار على ثوبه منه شيء. قلت: هذا مما يؤيد قول الحنيفة، وقد نسب هذا القول إلى ابن شعبان. قوله: ((فنضحه))، قد ذكرنا أن النضح هو الرش، وقال ابن سيده: نضح الماء عليه ينضحه نضحاً إذا ضربه بشيء فأصابه منه رشاش، ونضح عليه الماء: رش. وقال ابن الأعرابي: النضح ما كان على اعتماد، والنضح ما كان على غير اعتماد. وقيل: هما لغتان بمعنى، وكله: رش. قلت: الأول: بالحاء المهملة، والثاني: بالخاء المعجمة، وفي (الواعي) لأبي محمد، و(الصحاح) لأبي نصر، و(المجمل) لابن فارس، و(الجمهرة) لابن دريد، وابن القطوية وابن القطاع وابن طريف في (الأفعال) والفارابي في (ديوان الأدب) وكراع في (المنتخب) وغيرهم: النضح الرش، وقد استقصينا الكلام به في الحديث السابق مستقصىّ. قوله: ((ولم يغسله))، ولمسلم من طريق الليث عن ابن شهاب: ((فلم يزد على أن نضح بالماء)»، وله من طريق ابن عيينة عن ابن شهاب: فرشَّه. وقال بعضهم: ولا تخالف بين الروايتين بين نضح ورش، لأن المراد به أن الابتداء كان بالرش وهو بتنقيط الماء. فانتهى إلى النضح، وهو صب الماء، ويؤيده رواية مسلم في حديث عائشة من طريق جرير عن هشام: ((فدعا بماء فصبه عليه))، ولأبي عوانة: ((فصبه على البول يتبعه إياه)). قلت: عدم التخالف بين الروايتين ليس من الوجه الذي ذكره، بل باعتبار أن النضح والرش بمعنى، كما ذكرنا عن الكتب المذكورة، والوجه الذي ذكره ليس بوجه على ما لا يخفى، وأما رواية مسلم فإنها تثبت أن النضح بمعنى: الصب، لأن الأحاديث المذكورة في هذا الباب، باختلاف ألفاظها، تنتهي إلى معنى واحد، دفعاً للتضاد. ألا ترى أن أم الفضل، لبابة بنت الحارث، قد روي عنها حديثان: أحدهما فيه النضح، والثاني: فيه الصب، فحمل النضح على الصب دفعاً للتضاد، وعملا بالحديثين على أن الأحاديث الواردة في حكم واحد باختلاف ألفاظها يفسر بعضها بعضا، ومن الدليل على أن النضح هو صب الماء والغسل من غير عرك قول العرب: غسلني السماء، وإنما يقولون ذلك عند انصباب المطر عليهم، وكذلك يقال غسلني التراب: إذا انصب عليه. فإن قلت: يعكر على هذا قوله: ((فنضحه ولم يغسله)) قلت: قد مر جوابه في تفسير الحديث السابق، على أن الأصيلي ادعى أن قوله: ((ولم يغسله)) من كلام ابن شهاب راوي الحديث، وأن المرفوع انتهى عند قوله: ((فنضحه)). قال: وكذلك رواه معمر عن ابن شهاب، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة، قال: فرشه، ولم يزد على ذلك. 6مرة ١٩٩ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦١) وأما الإعراب فقوله: ((لها): جملة في محل الجر لأنها صفة لابن، وكذلك، قوله: ((صغير)) بالجر صفة ابن، وكذلك قوله: ((لم يأكل الطعام))، وقوله: ((إلى رسول الله عَ لَّه) كلمة: إلى، تتعلق بقوله: ((أنت))، و: الفا آت، الأربعة للعطف بين الكلام، بمعنى التعقيب. بيان استنباط الأحكام منها: حكم بول الغلام الرضيع وقد مر الكلام فيه مستقصى. ومنها: الرفق بالصغار والشفقة عليهم، ألا ترى أن سيد الأولين والآخرين كيف كان يأخذهم في حجره ويتلطف بهم؟ حتى إن منهم من يبول على ثوبه فلا يؤثر فيه ذلك، ولا يتغير، ولهذا كان يخفف الصلاة عند سماعه بكاء الصبي وأمه وراءه، وروي عنه أنه قال: من لم يرحم صغيرنا فليس منا. ومنها: حمل الأطفال إلى أهل الفضل والصلاح ليدعوا لهم، سواء كان عقيب الولادة أو بعدها، وقال بعضهم: حمل الأطفال حال الولادة. قلت: حملهم حال الولادة غير متصور، فهذا كلام صادر عن غير ترو، وأيضاً قال هذا القائل: في هذا الحديث من الفوائد كذا وكذا، وعدَّ منها: تحنيك المولود، وليس في الحديث ما يدل على ذلك صريحاً، وإن كان جاء هذا في أحاديث أخر لأن ظاهر الحديث يدل على أن أم قيس إنما أتت به إلى النبي عَ لَّه لأجل التبرك، ولدعائه له، لأن من دعا له هذا النبي الكريم يسعد في الدنيا والآخرة، وإن كان فيه احتمال التحنيك. i ٦١ - بابُ البَوْلِ قائِماً وقاعِداً أي: هذا باب في بيان حكم البول حال كونه قائماً وحال كونه قاعداً. قيل: دلالة الحديث على القعود بطريق الأولى لأنه إذا جاز قائماً فقاعداً أجوز. وأجاب بعضهم بقوله: ويحتمل أن يكون أشار بذلك إلى حديث عبد الرحمن بن حسنة الذي أخرجه النسائي، وابن ماجة وغيرهما، فإن فيه: ((بال رسول الله عَ ليه جالساً، فقلنا: انظروا، إليه يبول كما تبول المرأة)). قلت: قوله: دلالة الحديث ... إلى آخره، غير مسلم، لأن أحاديث الباب كلها في البول قائماً، وجواز البول قائماً حكم من الأحكام الشرعية، فيكف يقاس عليه جواز البول قاعداً بطريق العقل؟ والأحسن أن يقال: لما ورد في هذا الباب جوز البول قائماً وجوازه قاعداً بأحاديث كثيرة، أورد البخاري أحاديث الفصل الأول فقط؛ وفي الترجمة أشار إلى الفصلين إما اكتفاءً لشهرة الفصل الثاني، وعمل أكثر الناس عليه، وإما إشارة إلى أنه وقف على أحاديث الفصلين، ولكنه اقتصر على أحاديث الفصل الأول لكونها على شرطه. وجه المناسبة بين البابين ظاهرة لأن كلاً منهما في أحكام البول، وكذلك بينه وبين الباب الذي يأتي، والذي يأتي بعده أيضا، والحاصل أن هنا تسعة أبواب كلها في أحكام البول، والمناسبة بينها ظاهرة لا تخفى. i i ٢٢٤/٨٧ - حدّثنا آدَمُ قال حدّثنا شُعْبَةُ عَنِ الأعْمَشِ عنْ أبي وائِلِ عنْ حُذَيْفَةَ قالَ أَتَى النَّبِيُّ عَ لِ سُباطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِماً ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَجِئْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأ. [الحديث ٢٢٤ - أطرافه في: ٢٢٥، ٢٢٦، ٢٤٧١]. i ٢٠٠ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦١) مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، لا يقال: الترجمة أعم، لأنا ذكرنا فيما مضى ما يكفي في رده. بيان رجاله وهم خمسة تقدموا كلهم، وآدم: هو ابن أبي إياس، والأعمش: هو سليمان بن مهران، وأبو وائل: هو شقيق الكوفي، وحذيفة: هو ابن اليمان. بيان لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع، ورواته ما بين خراساني وكوفي. وفيه: عن أبي وائل، ولأبي داود الطيالسي في مسنده عن شعبة عن الأعمش أنه: سمع أبا وائل، ولأحمد عن يحيى القطان عن الأعمش: حدثني أبو وائل. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري ههنا عن آدم عن شعبة، وأخرجه أيضاً في الطهارة عن سليمان ابن حرب مختصراً كما ههنا، وفي الطهارة أيضاً عن محمد بن عرعرة، كلاهما عن شعبة وعن عثمان بن أبي شيبة عن جرير، وأول حديث محمد بن عرعرة: كان أبو موسى يشدد على البول، وعلى ما سيأتي عن قريب. وأخرجه مسلم في الطهارة عن يحيى بن يحيى عن أبي خيثمة زهير بن معاوية عن الأعمش به وفيه ذكر المسح، وعن يحيى بن يحيى عن جرير نحو حديث محمد بن عرعرة. وأخرجه أبو داود فيه عن حفص بن عمر ومسلم ابن إبراهيم، كلاهما عن شعبة، وعن مسدد عن أبي عوانة. وأخرجه الترمذي فيه عن هناد عن وكيع عن الأعمش به. وأخرجه النسائي فيه عن إسحاق بن إبراهيم عن يحيى بن يونس، وعن المؤمل بن هشام عن ابن علية عن شعبة، كلاهما عن الأعمش به، وعن ابن بشار عن غندر عن شعبة عن منصور به، وعن سليمان بن عبد الله الغيلاني عن بهز عن شعبة عن الأعمش ومنصور به، وليس فيه ذكر المسح إلاَّ في حديث عيسى بن يونس، وفي حديث بهز. وأخرجه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن شريك وهشيم ووكيع، ثلاثتهم عن الأعمش به من غير ذكر المسح. بيان لغته وإعرابه قوله: ((سباطة قوم)) السباطة: على وزن فعالة بالضم، وهو: الموضع الذي يرمى فيه التراب بالأفينة مرفعاً. وقيل: السباطة: الكناسة نفسها، وكانت بالمدينة، ذكره محمد بن طلحة بن مصرف عن الأعمش. قوله: ((قائماً)) نصب على الحال من الضمير الذي في: ((فبال)). بيان المعنى إضافة السباطة إلى القوم إضافة اختصاص لا ملك، لأنها كانت بفناء دورهم للناس كلهم، فأضيف إليهم لقربها منهم، ولهذا بال، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، عليها، وبهذا يندفع إشكال من قال: إن البول يوهن الجدار وفيه ضرر، فيكف هذا من النبي، عليه الصلاة والسلام؟ وقد يقال: إنما بال فوق السباطة لا في أصل الجدار، وقد صرح به في رواية أبي عوانة في (صحيحه)، وقيل: يحتمل أن يكون علم إذنهم في الجدار بالتصريح أو غيره، أو لكونه مما يتسامح الناس به، أو لعلمه عَ ﴾ بإيثارهم إياه بذلك، يجوز له التصرف ،٠٠٠ ١٠