النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٨) عَنْ أبِيهِ أنَّ رَجُلاًّ قالَ لَعَبدِ اللَّهِ بنِ زَيْدٍ وَهوَ جَدُّ عَمْرِوِ بنِ يَحْيِىَ أَتَسْتَطِيعُ أنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كانَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّا فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ زَيْدٍ نَعَمْ فَدَعا بِمَاءٍ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَثْثَرَ ثَلاثَاً ثُمَّ غَسَلَ وِجْهَهُ ثَلاثِاً ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْن مَوَّتَّيْنِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فأقْبَلَ بِهِمَا وَأَذْبَرَ بَدَأَ بِقَدَّم رَأْسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى المَكانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيهِ. [الحديث ١٨٥ - أطرافه في: ١٨٦، ١٩١، ١٩٢، ١٩٧، ١٩٩]. مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((ثم مسح رأسه)). إلى آخره. بيان رجاله: وهم ستة. الأول: عبد الله يوسف التنيسي. الثاني: مالك بن أنس. الثالث: عمرو بن يحيى بن عمارة، بضم العين المهملة وتخفيف الميم، وقد تقدموا. الرابع: أبوه يحيى بن عمارة بن أبي حسن، واسمه تميم بن عبد بن عمرو بن قيس، وأبو حسن له صحبة، وكذا لعمارة فيما جزم به ابن عبد البر. وقال أبو نعيم: فيه نظر. وقال الذهبي: عمارة ابن أبي حسن الأنصاري المازني، له صحبة، وقيل: أبوه بدري وعقبي. الخامس: الرجل السائل هو عمر بن يحيى، وإنما قال: جد عمرو بن يحيى تجوزاً لأنه عم أبيه، وسماه جداً لكونه في منزلته. وقيل: إن المراد بقوله هو عبد الله بن زيد وهذا وهم، لأنه ليس جَداً لعمرو ابن يحيى لا حقيقة ولا مجازاً، وذكر في (الكمال) في ترجمة عمرو بن يحيى أنه ابن بنت عبد الله بن زيد. قالوا: إنه غلط، وقد ذكر محمد بن سعد أن أم عمرو بن يحيى هي حميدة بنت محمد بن إياس بن بكير، وقال غيره: هي أم النعمان بنت أبي حية. والله أعلم. وقد اختلف رواة (الموطأ) في تعيين هذا السائل فأبهمه أكثرهم. قال معن بن عيسى في روايته عن عمرو عن أبيه يحيى: إنه سمع أبا محمد بن حسن، وهو جد عمرو بن يحيى. قال لعبد الله ابن زيد، وكان من الصحابة فذكر الحديث، وقال محمد بن الحسن الشيباني: عن مالك حدّثنا عمرو عن أبيه يحيى أنه سمع جده أبا حسن يسأل عبد الله بن زيد، وكذا ساقه سحنون في (المدونة). وقال الشافعي في (الأم): عن مالك عن عمرو عن أبيه. فإن قلت: هل يمكن أن يجمع هذا الاختلاف؟ قلت: يمكن أن يقال: اجتمع عند عبد الله بن زيد بن أبي حسن الأنصاري وابنه عمرو وابن ابنه عمارة بن أبي حسن، فسألوه عن صفة وضوء النبي عَّهِ، وتولى السؤال منهم له عمارة بن أبي حسن، فحيث نسب إليه السؤال كان على الحقيقة، ويؤيده رواية سليمان بن بلال عند البخاري في باب الوضوء من التور، قال: حدثني عمرو بن يحيى عن أبيه قال: كان عمي، يعنى عمرو بن أبي حسن، يكثر الوضوء، فقال لعبد الله ابن زيد: أخبرني، فذكره. وحيث نسب السؤال إلى أبي حسن فعلى المجاز لكونه كان الأكبر وكان حاضراً، وحيث نسب السؤال ليحيى بن عمارة فعلى المجاز أيضاً لكونه ناقل الحديث، وقد حضر السؤال، وكانوا كلهم متفقين على السؤال، غير أن السائل منهم كان عمرو بن أبي حسن، ويوضح ذلك ما رواه أبو نعيم في (المستخرج) من حديث الدراوردي عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن عمه عمرو بن أبي حسن. قال: كنت كثير الوضوء فقلت ٠ جمة i - - ١٠٢ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٨) لعبد الله بن زيد ... الحديث. السادس: من الرجال عبد الله بن زيد الأنصاري، رضي الله تعالی عنه. بيان لطائف إسناده منها: أن فيه التحديث بصيغة الجمع والإخبار، كذلك والعنعنة والقول. ومنها: أن رواته كلهم مدنيون إلاّ عبد الله بن يوسف وقد دخلها. ومنها: أن فيه رواية الابن عن الأب. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري في الطهارة في خمسة مواضع عن عبد الله بن يوسف هنا، وعن موسى ابن إسماعيل وسليمان بن حرب، كلاهما عن وهيب، وعن خالد بن مخلد عن سليمان بن بلال، وعن مسدد عن خالد بن عبد الله وعن أحمد بن يونس عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، خمستهم عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه به. وأخرجه مسلم في الطهارة أيضاً عن محمد بن الصباح، وعن القاسم بن زكريا، وعن إسحاق بن موسى، وعن عبد الرحمن بن بشر. وأخرجه الأربعة أيضاً في الطهارة: فأبو داود عن مسدد وعن القعنبي وعن الحسن بن علي، والترمذي عن إسحاق بن موسى الأنصاري به مختصراً. والنسائي عن عقبة بن عبد الله بن اليعمري وعن محمد بن مسلمة والحارث بن مسكين وعن محمد بن منصور؛ وابن ماجة عن الربيع بن سليمان وحرملة بن عيسى كلاهما عن الشافعي عن مالك وعن أبي بكر بن أبي شيبة مختصراً، وعن علي بن محمد مختصراً. بيان اللغات والمعاني قوله: ((فأفرغ على يده)) أي: فصب الماء على يده، وفي بعض الروايات: ((يديه). قوله: وفي رواية موسى عن وهيب: فأكفأ، بهمزتين. وفي رواية سليمان بن حرب في باب مسح الرأس مرة عن وهيب: فكفأ، بفتح الكاف وهما لغتان بمعنى. يقال: كفأ الإناء وأكفأه إذا أماله. وقال الكسائي: كفأت الإناء كببته، وأكفأته أملته، والمراد في الموضعين إفراغ الماء من الإناء على اليد. قوله: ((فغسل يده مرتین» بإفراد اليد في رواية مالك، وتثنية اليد في رواية وهيب وسليمان بن بلال عند البخاري، وكذا الدراوردي عند أبي نعيم، وفي رواية مالك: ((فغسل يده مرتين)). بإفراد اليد، يحمل على الجنس، ثم إنه عند مالك مرتين، وعند هؤلاء ثلاثاً، وكذا لخالد بن عبد الله عند مسلم فإن قلت: لِمَ لا يحمل هذا على الواقعتين؟ قلت: المخرج واحد والأصل عدم التعدد. قوله: ((ثم تمضمض واستنثر))، وفي رواية الكشميهني: ((مضمض واستنشق)) ومعنى استنثر: استنشق الماء ثم استخرج ذلك بنفس الأنف، والنثرة، وهي طرف الأنف. وقال بعضهم: الاستنثار يستلزم الاستنشاق بلا عکس. قلت: لا نسلم ذلك، فقال ابن الأعرابي وابن قتيبة: الاستنشاق والاستنثار واحد. قوله: ((ثم غسل وجهه ثلاثاً)) أي: ثلاث مرات، ولم تختلف الروايات في ذلك. قوله: ((ثم غسل يديه مرتين مرتين)) كذا بتكرار: مرتين، ولم تختلف الروايات عن عمرو بن يحيى في غسل اليدين مرتين مرتين، وفي رواية مسلم من طريق حبان بن واسع عن عبد الله بن زيد: (انه رأى النبي، عليه الصلاة والسلام، توضأ وفيه يده اليمنى ثلاثاً ثم ١٠٣ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٨) الأخرى ثلاثاً)) فيحمل على أنه وضوء آخر لكون مخرج الحديثين غير متحد. قوله: ((إلى المرفقين)) كذا رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي والحموي: إلى المرفق، بالإفراد على إرادة الجنس. قوله: ((ثم مسح رأسه)) زاد ابن الطباع لفظه: كله، وكذا في رواية ابن خزيمة، وفي رواية خالد بن عبد الله: ((مسح برأسه)، بزيادة: الباء. قوله: ((ثم غسل رجليه))، وفي رواية وهيب الآتية إلى الكعبين. بيان الإعراب: قوله: ((أتستطيع))؟ الهمزة فيه للاستفهام. قوله: ((أن تريني)) فكلمة أن، مصدرية، والجملة في محل النصب على أنها مفعول: تستطيع، والتقدير: هل تستطيع الإراءة إياي كيف كان رسول الله عَّلم يتوضأ؟ قوله: ((يتوضأ)) جملة في محل النصب على أنها خبر: كان، ويجوز أن تكون تامة ويكون قوله: ((يتوضأ) حالاً. قوله: ((نعم))، مقول القول، وهو يكون جملة، والتقدير: نعم أستطيع أن أريك. قوله: ((فدعا بماء)) الفاء: للتعقيب، وكذا: الفاء في: فأفرغ، وفي: فغسل يديه، وأما كلمة: ثم، في ستة مواضع في الحديث بمعنى: الواو، وليست على معناها الأصلي، وهو: الإمهال. كذا قال ابن بطال. قلت: ثم، في هذه المواضع للترتيب لأن: ثم، تستعمل لثلاثة معان: التشريك في الحكم، والترتيب، والمهلة. مع أن في كل واحد خلافاً، والمراد من الترتيب هو الترتيب في الإخبار لا الترتيب في الحكم مثل ما يقال بلغني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت أمس أعجب! أي: ثم أخبرك أن الذي صنعته أمس أعجب. قوله: ((بدأ بمقدم رأسه)) إلى قوله: ((منه)) بيان لقوله: ((فأقبل بهما وأدبر))، ولذلك لم تدخل الواو عليه. قوله: ((بدأ منه ... )) إلى آخره من الحديث، وليس مدرجاً من كلام مالك. بيان استنباط الأحكام الأول: فيه غسل اليد قبل شروعه في الوضوء، وذكر هنا مرتين، وذكر في حديث أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، مرتين أو ثلاثاً، ثم إن هذا الغسل ليس من سنن الوضوء ولا من الفروض، وذهب داود وابن جرير الطبري إلى إيجاب ذلك، وأن الماء ينجس إن لم تكن اليد مغسولة. وقال ابن القاسم: غسلهما عبادة؛ وقال مالك: السنة أن يغسل يديه قبل الشروع في الوضوء مرتين، كما هو في رواية هذا الحديث. قلت: فيه أقوال خمسة: الأول: إنه سنة، وهو المشهور عندنا، كذا في (المحيط) و (المبسوط) ويدل عليه أنه، عليه الصلاة والسلام، لم يتوضأ قط إلاّ غسل يديه. وفي (المنافع) تقديم غسلهما إلى الرسغين سنة تنوب عن الفرض، كالفاتحة تنوب عن الواجب وفرض القراءة. الثاني: إنه مستحب للشَّاكِّ في طهارة يده، كذا روي عن مالك. الثالث: إنه واجب على المنتبه من نوم الليل دون نوم النهار، قاله أحمد. الرابع: إن من شك: هل أصابت يده نجاسة أم لا؟ يجب غسلهما في مشهور مذهب مالك. الخامس: إنه واجب على المنتبه من النوم مطلقاً، وبه قال داود وأصحابه. وفي الحواشي تقديم غسل اليدين للمستيقظ يترك بالحديث، وإلاَّ فسببه شامل له ولغيره. (١ i الثاني: فيه المضمضة والاستنشاق، وهما سنتان في الوضوء، فرضان في الغسل. وبه قال الثوري. وقال الشافعي: سنتان فيهما، وحكاه ابن المنذر عن الحسن البصري والزهري ١٠٤ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٨) وقتادة والحكم وربيعة ويحيى بن سعيد الأنصاري ومالك والأوزاعي والليث، وهو رواية عن عطاء وأحمد، وعنه أنهما واجبتان فيهما، وهو مذهب ابن أبي ليلى وحماد وإسحاق. والمذهب الرابع: أن الاستنشاق واجب في الوضوء والغسل دون المضمضة، وبه قال أبو ثور وأبو عبيد، وهو رواية عن أحمد. الثالث: فيه أنه، عليه الصلاة والسلام، مضمض واستنشق ثلاثاً بثلاث غرفات، وبه قال الشافعي، وفي (الروضة). في كيفيته وجهان: أصحهما: يتمضمض من غرفة ثلاثاً، ويستنشق من أخرى ثلاثاً. والثاني: بست غرفات. واستدل أصحابنا بحديث الترمذي رواه عن علي، رضي الله تعالى عنه، وفيه: ((مضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً))، وقال: حديث حسن صحيح. فإن قلت: لَمْ يحكِ فيه ان كل واحدة من المضامض والاستنشاقات بماء واحدة بل حكى أنه تمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا؟ قلت: مضمونه ظاهراً ما ذكرناه، وهو أن يأخذ لكل واحد منهما ماء جديداً، وكذا روى البويطي عن الشافعي أنه يأخذ ثلاث غرفات للمضمضة، وثلاث غرفات للاستنشاق. الرابع: فيه غسل الوجه ثلاث مرات، وليس فيه خلاف. الخامس: فيه غسل يديه مرتين، وجاء في رواية مسلم: ثلاثاً. فإن قلت: هل هذا يغسل يديه ههنا من أول الأصابع أو يغسل ذراعيه؟ قلت: ذكر في الأصل غسل ذراعيه لا غير لتقدم غسل اليدين إلى الرسغ مرة، وفي (الذخيرة): الأصح عندي أن يعيد غسل اليدين ظاهرهما وباطنهما، لأن الأول كان سنة افتتاح الوضوء، فلا ينوب عن فرض الوضوء. السادس: فيه أن المرفقين هما يدخلان في غسل اليدين عند الجمهور، خلافاً لزفر ومالك في رواية، وقد روى الدارقطني من حديث جابر: ((كان رسول الله عَّله إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه))، وروى البزار والطبراني من حديث وائل بن حجر: ((وغسل ذراعيه حتى جاوز المرفق))، وروى الطحاوي والطبراني من حديث ثعلبة بن عباد العبدي عن أبيه مرفوعاً: ((ثم غسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه)). السابع: فيه مسح رأسه، احتج به مالك وابن علية وأحمد في رواية علي أن مسح جميع الرأس فرض؛ ولكن أصحاب مالك اختلفوا، فقال أشهب: يجوز مسح بعض الرأس، وقال غيره: الثلث فصاعداً، وعندنا وعند الشافعي: الفرض مسح بعض الرأس. فقال أصحابنا: ذلك البعض هو ربع الرأس، واستدلوا بحديث المغيرة بن شعبة لأن الكتاب مجمل في حق المقدار فقط، لأن: الباء، في (وامسحو برؤوسكم) للإلصاق باعتبار أصل الوضع، فإذا قرنت بآلة المسح يتعدى الفعل بها إلى محل المسح فيتناول جميعه، كما تقول: مسحت الحائط بيدي، ومسحت رأس اليتيم بيدي، فيتناول كله، وإذا قرنت بمحل المسح يتعدى الفعل بها إلى الآلة فلا يقتضي الاستيعاب، وإنما يقتضي إلصاق الآلة بالمحل، وذلك يستوعب الكل عادة بل أكثر الآلة ينزل منزلة الكل فيتأدى المسح بإلصاق ثلاثة أصابع بمحل المسح، ومعنى ١٠٠٠٠ :٤٠٠٧ ج بسم. ٣٠ ١٠٥ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٨) التبعيض إنما يثبت بهذا الطريق لا بمعنى أن: الباء، للتبعيض، كما قاله البعض. وقد أنكر بعض أهل العربية كون: الباء، للتبعيض، وقال ابن برهان: من زعم أن: الباء، تفيد التبعيض فقد جاء أهل اللغة بما لا يعرفون، وقد جعل الجرجاني معنى الإلصاق في: الباء، أصلاً وإن كانت تجيء لمعانٍ كثيرة. وقال ابن هاشم: أثبت مجيء: الباء، للتبعيض الأصمعي والفارسي والقتبي وابن مالك. قيل: والكوفيون، وجعلوا منه: ﴿عيناً يشرب بها عباد الله﴾ [الإنسان: ٦] قيل ومنه: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ [المائدة: ٦] فالظاهر أن: الباء، فيهما للإلصاق. وقيل: هي في آية الوضوء للاستعانة، وإن في الكلام حذفاً وقلباً، فإن: مسح، يتعدى إلى المزال عنه بنفسه، وإلى المزيل: بالباء، فالأصل امسحوا رؤوسكم بالماء. فإن قلت: أليس أن في التيمم حكم المسح ثبت بقوله: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ [النساء: ٤٣]، ثم الاستيعاب فيه شرط؟ قلت: عرف الاستيعاب فيه إما بإشارة الكتاب، وهو أن الله تعالى أقام التيمم في هذين العضوين مقام الغسل عند تعذره، والاستيعاب فرض بالنص، وكذا فيما قام مقامه، أو عرف ذلك بالسنة وهو قوله، عليه الصلاة والسلام، لعثمان، رضي الله تعالى عنه: ((يكفيك ضربتان: ضربة للوجه وضربه للذراعين)). وأما على رواية الحسن عن أبي حنيفة، رضي الله تعالى عنه، إنه لا يشترط الاستيعاب فلا يرد شيء. فإن قلت: المسح فرض، والمفروض مقدار الناصية، ومن حكم الفرض أن يكفر جاحده، وجاحد المقدار لا يكفر، فكيف يكون فرضا؟ قلت: بل جاحد، أصل المسح كافر لأنه قطعي، وجاحد المقدار لا يكفر لأنه في حق المقدار ظني. فإن قلت: أيها الحنفي! إنك استدللت بحديث المغيرة على أن المقدار في المسح هو قدر الناصية، وتركت بقية الحديث وهو: المسح على العمامة. قلت: لو عملنا بكل الحديث يلزم به الزيادة على النص، لأن هذا خبر الواحد، والزيادة به على الكتاب نسخ، فلا يجوز. وأما المسح على الرأس فقد ثبت بالكتاب فلا يلزم ذلك، وأما مسحه، عليه الصلاة والسلام، على العمامة فأوله البعض بان المراد به ما تحته من قبيل إطلاق اسم الحال على المحل، وأوله البعض بأن الراوي كان بعيداً عن النبي، عليه الصلاة والسلام، فمسح على رأسه ولم يضع العمامة من رأسه، فظن الراوي أنه مسح على العمامة. وقال القاضي عياض: وأحسن ما حمل عليه أصحابنا حديث المسح على العمامة أنه، عليه الصلاة والسلام، لعله كان به مرض منعه كشف رأسه، فصارت العمامة كالجبيرة التي يمسح عليها للضرورة. وقال بعضهم: فإن قيل: فلعله اقتصر على مسح الناصية لعذر لأنه كان في سفر، وهو مظنة العذر، ولهذا مسح على العمامة بعد مسح الناصية، كما هو ظاهر سياق مسلم من حديث المغيرة. قلنا: قد روي عنه مسح مقدم الرأس من غير مسح على العمامة. وهو ما رواه الشافعي من حديث عطاء: ((أن رسول الله عَ ل توضأ فحسر العمامة عن رأسه ومسح مقدم رأسه))، وهو مرسل، لكنه اعتضد من وجه آخر موصولاً، أخرجه أبو داود من حديث أنس. وفي إسناده أبو معقل لا يعرف حاله، فقد اعتضد كل من المرسل والموصول بالآخر، وحصلت القوة من /١ ، ج٠٠ i i ١٠٦ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٨) الصورة المجموعة. قلت: قول هذا القائل من أعجب العجائب لأنه يدعي أن المرسل غير حجة عن إمامه، ثم يدعي أنه اعتضد بحديث موصول ضعيف باعترافه هو، ثم يقول: وحصلت القوة من الصورة المجموعة، فكيف تحصل القوة من شيء ليس بحجة وشيء ضعيف؟ فإذا كان المرسل غير حجة يكون في حكم العدم، ولا يبقى إلاّ الحديث الضعيف وحده، فكيف تكون الصورة المجموعة؟. الثامن: فيه البداءة في مسح الرأس بمقدمه، وروي في هذا الباب أحاديث كثيرة. فعند النسائي من حديث عبد الله بن زيد: ((ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه)). وعند ابن أبي شيبة من حديث الربيع: ((بدأ بمؤخره ثم مد يديه على ناصيته)). وعند الطبراني: ((بدأ بمؤخر رأسه ثم جره إلى قفاه ثم جره إلى مؤخره)). وعند أبي داود: ((يبدأ بمؤخره ثم بمقدمه وبإذنيه كليهما)). وفي لفظ: ((مسح الرأس كله من قرن الشعر كل ناحيته لمنصب الشعر لا يحرك الشعر عن هيئته)). وفي لفظ: ((مسح رأسه كله وما أقبل وما أدبر وصدغيه)). وعند البزار من حديث أبي بكرة يرفعه: ((توضأ ثلاثاً ثلاثاً) وفيه: ((مسح برأسه يقبل بيده من مقدمه إلى مؤخره ومن مؤخره إلى مقدمه)). وعند ابن نافع من حديث أبي هريرة: ((وضع يديه على النصف من رأسه ثم جرهما إلى مقدم رأسه ثم أعادهما إلى المكان الذي بدأ منه وجرهما إلى صدغيه)). وعند أبي داود من حديث أنس: ((أدخل يده من تحت العمامة فمسح بمقدم رأسه)). وفي كتاب ابن السكن: ((فمسح باطن لحيته وقفاه)). وفي (معجم) البغوي وكتاب ابن أبي خيثمة: ((مسح رأسه إلى سالفته)). وفي كتاب النسائي عن عائشة، ووصفت وضوءه، عليه السلام، ووضعت يدها في مقدم رأسها ثم مسحت إلى مؤخره، ثم مدت بيديها بأذنيها، ثم مدت على الخدين. فهذه أوجه كثيره يختار المتوضىء أيها شاء، واختار بعض أصحابنا رواية عبد الله بن زيد. وقال بعضهم: في قوله: بدأ بمقدم رأسه، حجة على من قال: السنة أن يبدأ بمؤخر الرأس إلى ان ينتهي الى مقدمه. قلت: لا يقال: إن مثل هذا حجة عليه، لأنه ورد فيه الأوجه التي ذكرناها الآن، والذي قال: السنة أن يبدأ بمؤخر الرأس اختار الوجه الذي فيه البداء بمؤخر الرأس، وله أيضاً أن يقول: هذا الوجه حجة عليك أيها المختار في البداءة بالمقدم. التاسع: فيه غسل الرجلين إلى الكعبين، والكلام فيه كالكلام في المرفقين. العاشر: فيه جريان التلطف بين الشيخ وتلميذه في قوله: ((أتستطيع أن تريني ... )) إلى آخره. الحادي عشر: فيه جواز الاستعانة في إحضار الماء من غير كراهة. الثاني عشر: فيه التعليم بالفعل. الثالث عشر: فيه أن الاغتراف من الماء القليل لا يصير الماء مستعملاً، لأن في رواية وهیب وغيره: ثم أدخل يده. ١٠٠٠ -. ٢٠٠٠ ١٠٧ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٩) الرابع عشر: فيه استيعاب مسح الرأس، ولكن سنة لا فرضاً، كما قررناه. الخامس عشر: فيه الاقتصار في مسح الرأس على مرة واحدة. ٣٩ - بابُ غَسْلِ الرَّجْلَيْنِ إلَى الكعْبَيْنِ أي: هذا باب في بيان غسل الرجلين إلى الكعبين في الوضوء. والمناسبة بين البابين ظاهرة. ١٨٦/٥٠ - حدّثنا مُوسَى بْنُ إسْماعِيلَ قال حدّثنا وُهَيْبٌ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ شَهْدْتُ عَمْرَو بنَ أبيٍ حَسَنٍ سَألَ عَبْدَ اللَّهِ بِنَ زَيْدٍ عَنْ وُضُوءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ ماءٍ فَتَوَضَّأَ لَهُمْ وُضُوءَ النبيّ صلى الله عليه وسلم فَأَكْفَأَ عَلَى يَدِهِ مِنَ التَّوْرِ فَغَسَلَ يَدَيْه ثَلاثَاً ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ في التَّوْرِ فَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ واسْتَنْثَرَ ثَلاثَ غَرَفَاتٍ ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثَاً ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَتَيْنِ إلى المرْفَقَيْنِ ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَمَسَحَ رَأْسَهُ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَذْبَرَ مرَّةً واحِدَةً ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إلى الكَعْبَيْنِ. [انظر الحديث: ١٨٥ وأطرافه]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، والمناسبة بين البابين ظاهرة، والأبحاث المتعلقة به قد ذكرناها في الحديث السابق، ونذكر ههنا التي لم نذكر هناك. فنقول: موسى هو ابن إسماعيل التبوذكي، مر في كتاب الوحي، ووهيب هو ابن خالد الباهلي مر في باب من أجاب الفتيا، وعمرو هو ابن يحيى بن عمارة، شيخ مالك المتقدم ذكره في الحديث السابق، وعمرو ابن أبي حسن، بفتح الحاء، وقال الكرماني: عمرو هذا جد عمرو بن يحيى. فإن قلت: تقدم أن السائل هو جَده، وهذا يدل على أنه أخو جده، فما وجه الجمع بينهما؟ قلت: لا منافاة في كونه جَداً له من جهة الأم، عماً لأبيه. وقال بعضهم: أغرب الكرماني فقال: عمرو بن أبي حسن جد عمرو بن يحيى من قبل أمه، وقدمنا أن أم عمرو بن يحيى ليست بنتاً لعمرو بن أبي حسن، فلم يستقم ما قاله بالاحتمال. قلت: لم يغرب الكرماني في ذلك، ولا قاله بالاحتمال، فإن صاحب (الكمال) قال ذلك، وقد مر الكلام فيه في الباب الذي مضى. قوله: ((بتور))، بفتح التاء المثناة من فوق وسكون الواو وفي آخره راء: هو الطشت، وقال الجوهري: إناء يشرب منه. وقال الدراوردي: قدح. وقيل: يشبه الطشت، وقيل: مثل القدر يكون من صفر أو حجارة، وفي رواية عبد العزيز ابن أبي سلمة عند البخاري في باب الغسل في المخضب والصفر، بضم الصاد المهملة وسكون الفاء: صنف من جيد النحاس قيل: إنه سمي بذلك لكونه يشبه الذهب، ويسمى أيضا: الشبه، بفتح الشين المعجمة والباء الموحدة. قوله: ((لهم) أي: لأجلهم، وهم: السائل وأصحابه. قوله: ((فأكفأ)) فعل ماضٍ من الإكفاء، وقد مر في الحديث السابق. قوله: ((واستنشق واستنثر)) قال الكرماني: هذا دليل من قال: إن الاستنشار هو غير الاستنشاق، وهو الصواب. قلت: قد ذكرنا فيما مضى عن ابن i. i i i ١٠٨ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٠) الأعرابي وابن قتيبة: أن الاستنشاق والاستئثار واحد، فإن قلت: فعلى هذا يكون عطف الشيء على نفسه. قلت: لا نسم ذلك، لأن اختلاف اللفظين يجوز ذلك، ويحتمل أن يكون عطف تفسير. قوله: ((ثلاث غرفات)) قال الكرماني: يحتمل أن يراد بها أنها كانت للمضمضة ثلاثاً وللاستنشاق ثلاثاً، أو كانت الثلاث لهما، ولهذا هو الظاهر. قلت: الظاهر هو الأول لا الثاني، لأنه ثبت فيما رواه الترمذي وغيره: أنه مضمض واستنشق ثلاثاً. فإن قلت: لا يعلم أن كل واحدة من الثلاث بغرفة. قلت: قد قلنا لك فيما مضى: إن البويطي روى عن الشافعي أنه روى عنه أنه: يأخذ ثلاث غرفات للمضمضة وثلاث غرفات للاستنشاق، وكل ما روي من خلاف هذا فهو محمول على الجواز. ٠٠٠ قوله: ((ثم أدخل يده)» يدل على أنه اغترف بإحدى يديه، هكذا هو في باقي الروايات، وفي مسلم وغيره، ولكن وقع في رواية ابن عساكر وأبي الوقت من طريق سليمان ابن بلال الآتية: ((ثم أدخل يديه))، بالتثنية، وليس كذلك في رواية أبي ذر، ولا الأصيلي، ولا في شيء من الروايات خارج الصحيح، قاله النووي: ((ثم غسل يديه مرتين))، المراد: غسل كل يد مرتين، كما تقدم من طريق مالك: ((ثم غسل يديه مرتين مرتين))، وليس المراد توزيع المرتين على اليدين ليكون لكل يد مرة واحدة. قوله: ((إلى المرفقين)) المرفق، بكسر الميم وبفتح الفاء: هو العظم الناتىء في الذراع، سمي بذلك لأنه يرتفق في الإتكاء ونحوه. قوله: (إلى الكعبين)) الكعب هو العظم الناتىء عند ملتقى الساق والقدم. قال بعضهم: وحكي عن أبي حنيفة أنه العظم الذي في ظهر القدم عند معقد الشراك. قلت: هذا مختلق على أبي حنيفة، ولم يقل به أصلاً، بل نقل ذلك عن محمد بن الحسن، وهو أيضاً غلط، لأن هذا التفسير فسره محمد في حق المحرم إذا لم يجد نعلين يلبس خفين يقطعهما أسفل من الكعبين بالتفسير الذي ذكره. ٤٠ _ بابُ اسْتِغْمالِ فَضْل وَضُوءِ الناسِ أي: هذا باب في بيان استعمال فضل وضوء الناس في التطهر وغيره. والوضوء، بفتح الواو؛ والمراد من فضل الوضوء يحتمل أن يكون ما يبقى في الظرف بعد الفراغ من الوضوء، ويحتمل أن يراد به الماء الذي يتقاطر عن أعضاء المتوضىء، وهو الماء الذي يقول له الفقهاء: الماء المستعمل. واختلف الفقهاء فيه؛ فعن أبي حنيفة ثلاث روايات: فروى عنه أبو يوسف أنه نجس مخفف، وروى الحسن بن زياد أنه نجس مغلظ، وروى محمد بن الحسن وزفر وعافية القاضي أنه طاهر غير طهور، وهو اختيار المحققين من مشايخ ما وراء النهر. وفي (المحيط): وهو الأشهر الأقيس. وقال في (المفيد): وهو الصحيح. وقال الأسبيجابي: وعليه الفتوى. وقال قاضيخان: ورواية التغليظ رواية شاذة غير مأخوذ بها، وبه يرد على ابن حزم قوله: الصحيح عن أبي حنيفة نجاسته. وقال عبد الحميد القاضي: أرجو أن لا تثبت رواية النجاسة فيه عن أبي حنيفة. وعند مالك طاهر وطهور، وهو قول النخعي والحسن ١٠ ١٠٩ ٤ - كتاب الوضوءا باب (٤٠) البصري والزهري والثوري وأبي ثور. وعند الشافعي طاهر غير طهور وهو قوله الجديد. وعند زفر إن كان مستعمله طاهراً فهو طاهر وطهور، وإن محدثاً فهو طاهر غير طهور. وقوله: استعمال فضل وضوء الناس أعم من أن يستعمل للشرب أو لإزالة الحدث أو الخبث أو للاختلاط بالماء المطلق، فعلى قول النجاسة لا يجوز استعماله أصلاً، وعلى قول الطهورية يجوز استعماله في كل شيء، وعلى قول الطاهرية فقط يجوز استعماله للشرب والعجين والطبخ وإزالة الخبث، والفتوى عندنا على أنه طاهر غير طهور، كما ذهب إليه محمد بن الحسن. والمناسبة بين البابين من حيث إن الباب السابق في صفة الوضوء، وهذا الباب في بيان الماء الذي يفضل من الوضوء. i وأمَرَ جَرِيرُ بنُ عِبْدِ اللَّهِ أهْلِهُ أنْ يَتَوَضَّؤُوا بِفَضْلِ سِوَاكِهِ هذا الأثر غير مطابق للترجمة أصلاً، فإن الترجمة في استعمال فضل الماء الذي يفضل من المتوضىء، والأثر هو الوضوء بفضل السواك، ثم فضل السواك إن كان ما ذكره ابن التين وغيره أنه هو الماء الذي ينتقع به السواك، فلا مناسبة له للترجمة أصلاً لأنه ليس بفضل الوضوء، وإن كان المراد أنه الماء الذي يغمس فيه المتوضىء سواكه بعد الاستياك، فكذلك لا يناسب الترجمة. وقال بعضهم: أراد البخاري أن هذا الصنيع لا يغير الماء فلا يمنع التطهر به. قلت: من له أدنى ذوق من الكلام لا يقول هذا الوجه في تطابق الأثر للترجمة. وقال ابن المنير: إن قيل: ترجم على استعمال فضل الوضوء، ثم ذكر حديث السواك والمجة فما وجهه؟ قلت: مقصوده الرد على من زعم أن الماء المستعمل في الوضوء لا يتطهر به. قلت: هذا الكلام أبعد من كلام ذلك القائل، فأي دليل دل على أن الماء في خبر السواك والمجة فضل الوضوء؟ وليس فضل الوضوء إلا الماء الذي يفضل من وضوء المتوضىء. فإن كان لفظ: فضل الوضوء، عربياً فهذا معناه، وإن كان غير عربي فلا تعلق له ههنا. وقال الكرماني: فضل السواك هو الماء الذي ينتقع فيه السواك ليترطب، وسواكهم الأراك، وهو لا يغير الماء. قلت: بينت لك أن هذا كلام واهٍ، وأن فضل السواك لا يقال له: فضل الوضوء، وهذا لا ينكره إلاَّ معاند، ويمكن أن يقال بالجر الثقيل: إن المراد من فضل السواك هو الماء الذي في الظرف والمتوضىء يتوضأ منه، وبعد فراغه من تسوكه عقيب فراغه من المضمضة يرمي السواك الملوث بالماء المستعمل فيه. ثم أثر جرير المذكور وصله ابن أبي شيبة في (مصنفه) والدارقطني في (سننه) وغيرهما من طريق قيس بن أبي حازم عنه، وفي بعض طرقه: كان جرير يستاك ويغمس رأس سواكه في الماء، ثم يقول لأهله: توضأوا بفضله، لا يُرى به بأس. ١٨٧/٥١ - حدّثنا آدَمُ قال حدّثنا شُعْبَةُ قال حدّثنا الحَكَمُ قالَ سَمِعْتُ أبًا بجحَيْفَةً يَقُولُ خَرَجٌ عَلَيْنَا رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْهَاجِرَةِ فَأَتِيَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ فَجَعَلَ النَّاسُ يَأْخُذُونَ مِنْ فَضْلٍ وَضُوئِهِ فَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ فَصَلَّى النّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ جدة ٠٠٠٠ ١١٠ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٠) والعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ. [الحديث ١٨٧ - أطرافه في: ٣٧٦، ٤٩٥، ٤٩٩، ٥٠١، ٦٣٣، ٦٣٤، ٣٥٥٣، ٣٥٦٦، ٥٧٨٦، ٥٨٥٩]. هذا الحديث يطابق الترجمة إذا كان المراد من قوله: يأخذون من فضل وضوئه ما سال من أعضاء النبي، عليه الصلاة والسلام. وإن كان المراد منه الماء الذي فضل عنه في الوعاء فلا مناسبة أصلا. بيان رجاله: وهم أربعة. الأول: آدم بن أبي إياس تقدم. الثاني: شعبة بن الحجاج كذلك. والثالث: الحكم، بفتح الحاء المهملة وفتح الكاف: ابن عتيبة، بضم العين وفتح التاء المثناة من فوق وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة، تقدم في باب السمر بالعلم. والرابع: أبو جحيفة، بضم الجيم وفتح الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبالفاء، واسمه وهب بن عبد الله الثقفي الكوفي، تقدم في باب كتابة العلم، رضي الله تعالى عنه. بيان لطائف إسناده منها: أن فيه التحديث بصيغة الجمع والسماع. ومنها: أن رواته ما بين عسقلاني وكوفي وواسطي. ومنها: أنه من رباعيات البخاري. ومنها: أن الحكم بن عتيبة ليس له سماع من أحد من الصحابة إلاَّ أبا جحيفة، وقيل: روى عن أبي أوفى أيضاً. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الصلاة عن سليمان ابن حرب، وفي صفة النبي عَّله، وعن الحسن بن منصور. وأخرجه مسلم في الصلاة عن محمد بن بشار، كلاهما عن غندر، وعن زهير بن حرب، وعن محمد بن حاتم كلاهما عن ابن مهدي، خمستهم عن شعبة عنه به. وأخرجه النسائي في الصلاة عن محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار به. بيان اللغات والإعراب قوله: ((بالهاجرة))، قال ابن سيده: الهجير والهجيرة والهجر والهاجر: نصف النهار عند زوال الشمس مع الظهيرة، وقيل: عند زوال الشمس إلى العصر، وقيل في كل ذلك: إنه شدة الحر. وهجر القوم وأهجروا وتهجروا: ساروا في الهجيرة. وفي كتاب (الأنواء الكبير) لأبي حنيفة: الهاجرة بالصيف قبل الظهيرة بقليل أو بعدها بقليل، يقال: أتيته بالهجر الأعلى وبالهاجرة العليا، يريد في آخر الهاجرة، والهويجرة: قبل العصر بقليل، والهجر مثله. وسميت الهاجر لهرب كل شيء منها، ولم أسمع بالهاجرة في غير الصيف إلاّ في قول العجاج في ثور وحش طرده الكلاب في صميم البر: ولى كمصباح الدجى المزهورة كان من آخر الهجيرة قوم مجان هم بالمقدورة وفي (الموعب): أتيته بالهاجرة وعند الهاجرة وبالهجير وعند الهجير، وفي (المغيث): الهاجرة بمعنى المهجورة، لأن السير يهجر فيها، كماء دافق بمعنى مدفوق، قاله الهروي. وأما قوله عَّله: ((والمهجر كالمهدي بدنه))، فالمراد التبكير إلى كل صلاة. وعن الخليل: ١١١ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٠) التهجير إلى الجمعة. التبكير، وهي لغة حجازية. قوله: ((فأتي بوضوء))، بفتح الواو: وهو الماء الذي يتوضأ به. قوله: ((فيتمسّحون به))، من باب التفعل، وهو يأتي لمعانٍ، ومعناه ههنا: العمل، ليدل على أن أصل الفعل حصل مرة بعد مرة، نحو تجرّعه أي: شربه جرعة بعد جرعة، والمعنى ههنا كذلك، لأن كل واحد منهم يمسح به وجهه ويديه مرة بعد أخرى، ويجوز أن يكون للتكلف، لأن كل واحد منهم لشدة الازدحام على فضل وضوئه كان يتعانى لتحصيله كتشجع وتصبر. قوله: ((عنزة))، بالتحريك: أقصر من الرمح وأطول من العصا، وفيه زج كزج الرمح. وأما الإعراب فقوله: ((يقول)) في محل النصب على أنه مفعول ثان: لِسمعت، على قول من يقول: إن السماع يستدعي مفعولين، والأظهر أنه: حال. قوله: ((بالهاجر)): الباء، فيه ظرفية بمعنى: في الهاجرة. قوله: ((يأخذونه)) في محل النصب لأنه خبر جعل الذي هو من أفعال المقاربة. قوله: ((عنزة)) مرفوع بالابتداء وخبره مقدماً، قوله: ((بين يديه))، والجملة حالية. بيان استنباط الأحكام: الأول: فيه الدلالة الظاهرة على طهارة الماء المستعمل إذا كان المراد أنهم كانوا يأخذون ما سال من أعضائه عَّهِ، وإن كان المراد أنهم كانوا يأخذون ما فضل من وضوئه عَّله في الإناء فيكون المراد منه التبرك بذلك، والماء طاهر فازداد طهارة ببركة وضع النبي عَّه، يده المباركة فيه. الثاني: فيه الدلالة على جواز التبرك بآثار الصالحين. الثالث: فيه قصر الرباعة في السفر، لأن الواقع كان في السفر، وصرح في رواية أخرى أن خروجه عَّ له، وهذا كان من قبة حمراء من أدم بالأبطح بمكة. الرابع: فيه نصب العنزة ونحوها بين يدي المصلي إذا كان في الصحراء. ١٨٨/٥١ - وقال أبُو مُوسَىٍ دَعا النبيُّ عَّهِ بِقَدَح فِيهِ ماءٌ فَغَسل يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ وَمَجَّ فِيهِ ثُمَّ قال لَهُمَا ((اشْرَبَا مِنْهُ وأَفْرِغَا علَى وُجُوهِكُمَاً ونُحُورٍ كُمَا)). [الحديث ١٨٨ - طرفاه في: ١٩٦، ٤٣٢٨]. قال الإسماعيلي: ليس هذا من الوضوء في شيء، وإنما هو مثل من استشفى بالغسل له. فغسل. قلت: أراد بهذا الكلام أنه لا مطابقة له للترجمة، ولكن فيه مطابقة من حيث إنه، عليه الصلاة والسلام، لما غسل يديه ووجهه في القدح صار الماء مستعملاً ولكنه طاهر، إذ لو لم يكن طاهراً لما أمر بشربه وإفراغه على الوجه والنحر، وهذا الماء طاهر وطهور أيضا بلا خلاف، ولكنه إذا وقع مثل هذا من غير النبي، عليه الصلاة والسلام، يكون الماء على حاله طاهراً، ولكن لا يكون مطهراً على ما عرف. بيان ما فيه من الأشياء الأول: أن أبا موسى هو الأشعري، واسمه عبد الله بن قيس، تقدم في باب: أي الإسلام أفضل. الثاني: أن هذا تعليق وهو طرف من حديث مطول أخرجه البخاري في المغازي. جدة ١١٢ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٠) وأوله عن أبي موسى، قال: ((كنت عند النبي عَّمه بالجعرانة ومعه بلال، رضي الله عنه، فأتاه أعرابي قال: ألا تنجز لي ما وعدتني؟ قال: إبشر ... )) الحديث، وفيه: ((دعا بقدح فيه ماء فغسل يديه ... )) الحديث. وأخرج أيضاً قطعة منه في باب الغسل والوضوء في المخضب. وأخرجه مسلم أيضاً في فضائل النبي، عليه الصلاة والسلام. الثالث: القدح، بفتحين: هو الذي يؤكل فيه. قاله ابن الأثير. قلت: القدح في استعمال الناس اليوم الذي يشرب فيه. قوله: ((ومج فيه) أي: صب ما تناوله من الماء بفيه في الإناء. وقال ابن الأثير. مج لعابه إذا قذفه. وقيل: لا يكون مجاً حتى تباعد به. قوله: ((قال لهما)) أي: لأبي موسى وبلال، رضي الله تعالى عنهما، وكان بلال مع أبي موسى حاضراً عند النبي، عليه الصلاة والسلام. قوله: ((وأفرغا)) من: الإفراغ. قوله: ((ونحوركما)) بالنون جمع نحر، وهو: الصدر. الرابع: فيه الدلالة على طهارة الماء المستعمل على الوجه الذي ذكرناه، وفيه جواز مج الريق في الماء، قاله الكرماني. قلت: هذا في حق النبي عَّ لأن لعابه أطيب من المسك ومن غيره يستقذر، ولهذا كره العلماء. والنبي، عليه الصلاة والسلام، مقامه أعظم، وكانوا يتدافعون على نخامته ويدلكون بها وجوههم لبركتها وطيبها، وخلوفه ما كان يشابه خلوف غيره، وذلك لمناجاته الملائكة فطيب الله نكهته وخلوف فمه وجميع رائحته. وقال ابن بطال: فيه دليل على أن لعاب البشر ليس بنجس ولا بقية شربه، وذلك يدل على أن نهيه، عليه الصلاة والسلام، عن النفخ في الطعام والشراب ليس على سبيل أن ما تطاير فيه من اللعاب نجس، وإنما هو خشية أن يتقذره الآكل منه، فأمر بالتأدب في ذلك. وقال أيضاً: وحديث أبي موسى يحتمل أن يكون النبي عَّ له أمر بالشرب من الذي مج فيه، والإفراغ على الوجوه والنحور من أجل مرض أو شيء أصابهما. قال الكرماني: لم يكن ذلك من أجل ما ذكره، بل كان لمجرد التيمن والتبرك به، وهذا هو الظاهر. قلت: فعلى هذا لا تطابق بينه وبين ترجمة الباب، والعجب من ابن بطال حيث يقول بالاحتمال في الذي يدل على هذا الحديث على التبرك والتيمن ظاهراً، ويقول بالجزم في الذي يحتمل غيره. ١٨٩/٥٢ - حدّثنا عَليُّ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قال حدّثنا يَعْقُوبُ بنُ إِبراهِيمَ بنِ سَعْدٍ قالَ حدّثنا أبي عن صالِحٍ عَنِ ابنِ شِهابٍ قال أخْبرَني مَحمُودُ بنُ الرَّبِيعِ قالَ وَهْوَ الَّذِي مَجَّ رسولُ اللَّهِ عَ لَّه فِي وَجْهِهِ وَهْوَ غُلاَمٌ مِنْ بِفْرِهِمْ. [انظر الحديث: ٧٧ وأطرافه]. هذا الحديث لا يطابق الترجمة أصلاً، وإنما يدل على ممازحة الطفل بما قد يصعب عليه، لأن مج الماء قد يصعب عليه، وإن كان قد يستلذه. وقد أخرج البخاري هذا الحديث في كتاب العلم في باب: متى يصح سماع الصغير، وقد مر الكلام فيه مستوفى من جمع الوجوه. وعلي بن عبد الله هو ابن المديني، أحد الأعلام، وصالح هو ابن كيسان، وابن شهاب .-. ٣٠ ١١٣ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٠) هو محمد بن مسلم الزهري. والربيع بفتح الراء. قوله: ((من بئرهم))، يتعلق بقوله: ((مج)). وقوله: ((وهو غلام)) جملة إسمية وقعت حالاً. وقوله: ((وهو الذي مج)) إلى لفظ: ((بئرهم))، كلام لابن شهاب ذكره تعريفاً أو تشريفاً، والضمير في بئرهم: لمحمود وقومه بدلالة القرينة عليه، والذي أخبر به محمود هو قوله: عقلت من النبي ګے مجة مجها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو. وقالَ عُرْوَةُ عَنِ المِسْوَرِ وَغَيْرِهِ يُصَدَّقُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُما صاحِبَهُ وإذا وَضَّأَ النبيُّ کادوا يَقْتَقِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ عروة: هو ابن الزبير بن العوام تقدم. المسور، بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الواو: ابن مخرمة، بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء: الزهري ابن بنت عبد الرحمن بن عوف، قبض رسول الله عٍَّ وهو ابن ثمان سنين، وصح سماعه من رسول الله عَّ، روي له اثنان وعشرون حديثاً، ذكر البخاري منها ستة، فأصابه حجر من أحجار المنجنيق وهو يصلي في الحجر، فمكث خمسة أيام ثم مات زمن محاصرة الحجاج مكة. سنة أربع وستين. والألف واللام فيه كالألف واللام في: الحارث، يجوز إثباتها ويجوز نزعها وهو في الحالتين علم. قوله: «یصدق کل واحد منهما صاحبه» أي: يصدق کل من المسور ومروان صاحبه، لأن المراد من قوله: وغيره، وهو مروان على ما يأتي. وقد خبط الكرماني هنا خباطاً فاحشاً، وسأبينه عن قريب إن شاء الله تعالى. قوله: ((وغيره)) يريد به مروان بن الحكم، لأن البخاري أخرج هذا التعليق في كتاب الشروط في باب الشروط في الجهاد موصولاً، فقال: حدثني عبد الله بن محمد حدّثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر قال: أخبرني الزهري، قال: أخبرني عروة ابن الزبير عن المسور ابن مخرمة ومروان، يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه، قالا: ((خرج رسول الله عَّ زمن الحديبية ... )) الحديث وهو طويل جدا إلى أن قال: ((ثم إن عروة جعل يرمقٍ أصحاب النبي، عليه الصلاة والسلام، بعينيه. قال: فوالله ما تنخم رسول الله عَّهِ، نخامة إلاَّ وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كانوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له ... )) إلى آخر الحديث. والمراد من قوله: ثم إن عروة، وهو عروة بن مسعود أرسله كفار مكة إلى النبي، عليه الصلاة والسلام، زمن الحديبية. قوله: ((واذا توضأ)) الضمير فيه يرجع إلى النبي، عليه الصلاة والسلام، والحاكي هو عروة بن مسعود لأنه هو الذي شاهد من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، ما كانوا يفعلون بين يدي النبي، عليه الصلاة والسلام. وهو أيضاً أخبر بذلك لأهل مكة، كما ستقف على. الحديث بطوله. قوله: ((كانوا يقتتلون)) كذا هو في رواية أبي ذر، وفي، رواية الباقين: ((كادوا يقتتلون)). قال بعضهم: هو الصواب، لأنه لم يقع بينهم قتال. قلت: كلاهما سواء، والمراد به عمدة القاري / ج٣ / ٨٢ i i سر ٦ ١١٤ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٠) المبالغة في ازدحامهم على نخامة النبي عَّهُ وعلى وضوئه. وأما الكرماني فإنه قال: أولاً: فإن قلت: هو رواية عن المجهول ولا اعتبار به. قلت: الغالب أن عروة لا يروي إلاَّ عن العدل، فحكمه حكم المعلوم. وأيضا هو مذكور على سبيل التبعية، ويحتمل في التابع ما لا يحتمل في غيره. أقول هذا السؤال، غير وارد أصلاً، لأن هذا التعليق، وهو قوله: وقال عروة ... قد أخرجه البخاري موصولاً، وبين فيه أن المراد من قوله: وغيره هو مروان، كما ذكرناه، فإذا سقط السؤال فلا يحتاج إلى الجواب. وقال الكرماني: ثانياً فإن قلت هذا تعليق من البخاري أم لا؟ قلت: هو عطف على مقول ابن شهاب اي: قال ابن شهاب: أخبرني محمود وقال عروة، أقول: نعم، هذا تعليق وصله في كتابه كما ذكرنا وليس هو عطفاً على مقول ابن شهاب. وقال ثالثا: قوله منهما أي: من محمود والمسور، أي: محمود يصدق مسوراً، ومسور يصدق محموداً. أقول: ليس كذلك، بل المعنى أن المسور يصدق مروان بن الحكم، ومروان يصدق مسوراً. وقال رابعاً: ولفظ يصدق، هو كلام ابن شهاب أيضاً، ومقول كل واحد منهما هو لفظ: وإذا توضأ. أقول: لفظ: وإذا توضأ، ليس مقول كل واحد منهما، بل مقول عروة بن مسعود، لأنه هو القائل بذلك والحاكي به عند مشركي مكة، وذكر أبو الفضل ابن طاهر أن هذا الحديث معلول، وذلك أن المسور ومروان لم يدركا هذه القصة التي كانت بالحديبية سنة ست لأن مولدهما كان بعد الهجرة بسنتين، وعلى ذلك اتفق المؤرخون. وأما ما في (صحيح مسلم) عن المسور قال: ((سمعت النبي عَِّ يخطب الناس على هذا المنبر وأنا يومئذ محتلم))، فيحتاج إلى تأويل لغوي أنه كان يعقل لا الاحتلام الشرعي، أو أنه كان سميناً غير مهزول فيما ذكره القرطبي. وقال صاحب (الأفعال): حلم حلماً إذا عقل. وقال غيره: تحلم الغلام صار سميناً، وهو معدود في صغار الصحابة، مات سنة أربع وستين. ١٩٠/٥٣ - حدّثنا عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ يُونُسَ قالَ حدّثنا حاتِمُ بنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الجَعْدِ قالَ سَمِعْتُ السَّائِبَ بن يَزِيدَ يَقُولُ ذَهَبَتْ بِي خالَتِي إلى النبيِّ عَّه فَقالَتْ يا رسولَّ اللَّهِ إِنَّ ابنَّ أُخْتِي وَجِعٌ فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعا لي بالْبَرَكَةِ ثُمَّ تَوَضَأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ ثُمَّ قُمْتُ خَلفَ ظَهْرِهِ فَنظَرْتُ إلى خاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلَ زِرِّ الحَجَلَةِ. [الحديث ١٩٠ - أطرافه في: ٣٥٤٠، ٣٥٤١، ٥٦٧٠، ٦٣٥٢]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة إن كان المراد من قوله: ((فشربت من وضوئه)) الماء الذي يتقاطر من أعضائه الشريفة، وإن كان المراد: من فضل وضوئه، فلا مطابقة. ووقع للمستملي على رأس هذا الحديث لفظه: باب، بلا ترجمة. وعند الأكثرين وقع بلا فصل بينه وبين الذي قبله. بيان رجاله: وهم أربعة. الأول: عبد الرحمن بن يونس أبو مسلم البغدادي المستملي أحد الحفاظ، استملى لسفيان بن عيينة وغيره، مات فجأة سنة أربع وعشرين ومائتين. الثاني: حاتم بن إسماعيل الكوفي، نزل المدينة ومات بها سنة ست وثمانين ومائة، في خلافة هارون. ١١٥ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٠) الثالث: الجعد، بفتح الجيم وسكون العين المهملة ابن عبد الرحمن بن أوس المدني الكندي، والمشهور أنه يقال له: الجعيد، بالتصغير. الرابع: السائب اسم فاعل من السيب، بالمهملة وبالياء آخر الحروف بعدها الباء الموحدة: ابن يزيد من الزيادة الكندي. قال: حج بي أبي مع رسول الله عَ ليهِ حجة الوداع وأنا ابن سبع سنين، روي له خمسة أحاديث، والبخاري أخرجها كلها، توفي بالمدينة سنة إحدى وتسعين. بيان لطائف إسناده منها: أن فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة والسماع. ومنها: أن رواته ما بين البغدادي وكوفي ومدني. ومنها: أن الرواية فيه من صغار الصحابة، رضي الله عنهم. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في صفة النبي عَ لّه عن محمد بن عبيد الله، وفي الطب عن إبراهيم بن حمزة، وفي الدعوات عن قتيبة وهناد عن عبد الرحمن، أربعتهم عن حاتم بن إسماعيل وفي صفة النبي عَّ له عن إسحاق بن إبراهيم عن الفضل بن موسى. وأخرجه مسلم في صفة رسول الله عَ له عن قتيبة ومحمد بن عباد، كلاهما عن حاتم بن إسماعيل به. وأخرجه النسائي في الطب عن قتيبة به. بيان اللغات: قوله: (ذهبت به))، والفرق بينه وبين: أذهبه أزاله وجعله ذاهباً. ومعنى ذهب به: استصحبه ومضى به معه. قوله: ((وقع))، بفتح الواو وكسر القاف وبالتنوين، وفي رواية الكشميهني وأبي ذر الهروي وقع بفتح القاف على لفظ الماضي، وفي رواية كريمة: ((وجع))، بفتح الواو وكسر الجيم، وعليه الأكثرون، ومعنى: وقع، بكسر القاف: أصابه وجع في قدميه وزعم ابن سيده أنه يقال: وقع الرجل والفرس وقعاً فهو وقع: إذا حفي من الحجارة والشوط، وقد وقعه الحجر، وحافر وقيع وقعته الحجارة فقصت منه، ثم استعير للمشتكي المريض، يبينه قولها: وجع، والعرب تسمي كل مرض وجعاً. وفي (الجامع): وقع الرجل فوقع إذا حفي من مشيه على الحجارة. وقيل: هو أن يشتكي لحم رجليه من الحفا. وقال ابن بطال: وقع معناه أنه وقع في المرض. وقال الجوهري: وقع أي: سقط، والوقع أيضاً: الحفا. قوله: ((فشربت من وضوئه)) بفتح الواو. قوله: ((إلى خاتم النبوة)) بكسر: التاء، أي: فاعل الختم، وهو الإتمام والبلوغ إلى الآخر، وبفتح: التاء، بمعنى: الطابع، ومعناه الشيء الذي هو دليل على أنه لا نبي بعده. وقال القاضي البيضاوي: خاتم النبوة أثر بين كتفيه، نعت به في الكتب المتقدمة وكان علامة يعلم بها أنه النبي الموعود، وصيانة لنبوته عن تطرق القدح إليها صيانة الشيء المستوثق بالختم. قوله: ((مثل زر الحجلة)): الزر، بكسر الزاي وتشديد الراء. والحجلة، بفتح الحاء والجيم: واحدة الحجال، وهو بيوت تزين بالثياب والستور والإثرة، لها عرى وأزرار. وقال ابن الأثير: الحجلة، بالتحريك: بيت كالقبة يستر بالثياب ويكون له أزرار كبار، ويجمع على: حجال. وقيل: المراد بالحجلة: الطير، وهي التي تسمى القبحة، وتسمى الأنثى الحجلة، والذكر: يعقوب، وزرها: بيضها. ويؤيد هذا أن في حديث آخر: ((مثل بيضة الحمامة)). وعن محمد بن عبد الله شيخ البخاري. الحجلة من حجل الفرس الذي بين عينيه، i i i ١١٦ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٠) وفي بعض نسخ المغاربة: الحجلة، بضم الحاء المهملة وسكون الجيم. قال الكرماني: وقد روي أيضاً بتقديم الراء على الزاي، ويكون المراد منه: البيض. يقال: أرزت الجرادة بفتح الراء وتشديد الزاي: إذا كبست ذنبها في الأرض فباضت. وجاءت فيه روايات كثيرة: ففي رواية مسلم عن جابر بن سمرة: ((ورأيت الخاتم عند کتفیه مثلي بيضة الحمامة يشبه جسده))، وفي رواية أحمد، من حديث عبد الله بن سرجس: ((ورأيت خاتم النبوة في نغض كتفه اليسرى كأنه جمع فيه خيلان سود كأنهما الثآليل». وفي رواية أحمد أيضاً من حديث أبي رمثة التيمي، قال: ((خرجت مع أبي حتى أتيت رسول الله عَّ لل فرأيت برأسه ردع حناء، ورأيت على كتفه مثل التفاحة، فقال ابي: إني طبيب أَلاَ أبطها لك؟ قال: طبيبها الذي خلقها)). وفي (صحيح) الحاكم: ((شعر مجتمع))، وفي كتاب البيهقي: ((مثل السلعة). وفي (الشمائل): ((بضعة ناشزة)). وفي حديث عمرو بن أخطب: ((كشيء يختم به)). وفي (تاريخ) ابن عساكر: ((مثل البندقة))، وفي الترمذي: ((كالتفاحة)). وفي (الروض): كاثم المحجم الغائص على اللحم. وفي (تاريخ ابن أبي خيثمة): شامة خضراء محتفرة في اللحم، وفيه أيضاً: شامة سوادء تضرب إلى الصفرة حولها شعرات متراكبات كأنها عرف الفرس. وفي (تاريخ القضاعي): ثلاث مجتمعات. وفي كتاب (المولد) لابن عابد: كان نوراً يتلألأ. وفي (سيرة) ابن أبي عاصم: عذرة كعذرة الحمامة. قال أبو أيوب: يعني فرطمة الحمامة، وفي (تاريخ نيسابور): مثل البندقة من لحم مكتوب فيه باللحم: (محمد رسول الله). وعن عائشة، رضي الله تعالى عنها، كتينة صغيرة تضرب إلى الدهمة، وكانت مما يلي القفا. قالت: فلمسته حين توفي فوجدته قد رفع. وقيل: كركبة العنز، وأسنده أبو عمر عن عباد بن عمرو، وذكر الحافظ ابن دحية في كتابه (التنوير): كان الخاتم الذي بين كتفي رسول الله، عليه الصلاة والسلام، كأنه بيضة حمامة مكتوب في باطنها: (الله وحده): وفي ظاهرها: (توجه حيث شئت فإنك منصور). ثم قال: هذا حديث غريب أستنكره؛ قال: وقيل: کان من نور. فإن قلت: هل كان خاتم النبوة بعد ميلاده أو ولد هو معه؟ قلت: قيل: ولد وهو معه، وعن ابن عائد في (مغازيه) بسنده إلى شداد بن أوس، فذكر حديث الرضاع وشق الصدر، وفيه: وأقبل الثالث. يعني الملك وفي يده خاتم له شعاع فوضعه بين كتفيه وثدییه، ووجد برده زماناً. وفي (الدلائل) لأبي نعيم: أن النبي، عليه الصلاة والسلام، لما ولد ذكرت أمه أن الملك غمسه في الماء الذي أنبعه ثلاث غمسات، ثم أخرج صرة من حرير أبيض، فإذا فيها خاتم، فضرب على كتفيه كالبيضة المكنونة تضيء كالزهرة: فإن قلت: أين كان موضعه؟ قلت: قد روي أنه بين كتفيه. وقيل: كان على نغض كتفه اليسرى لأنه يقال: إنه الموضع الذي يدخل منه الشيطان إلى باطن الإنسان، فكان هذا عصمة له، عليه الصلاة والسلام، من الشيطان. وذكر أبو عمران، ميمون بن مهران، ذكر عن عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه: أن رجلاً سأل ربه أن يريه موضع الشيطان منه، فرأى جسده ممهى يرى داخله من خارجه، ورأى ١١٧ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٠) الشيطان في صورة ضفدع عند نغض كتفه حداء قلبه، له خرطوم كخرطوم البعوضة، وقد أدخله في منكبه الأيسر إلى قلبه يوسوس إليه، فإذا ذكر الله تعالى العبد خنس. ثم الحكمة في الخاتم. على وجه الاعتبار. أن قلبه، عليه الصلاة والسلام، لما ملىء حكمة وإيمانا، كما في (الصحيح)، ختم عليه كما يختم على الوعاء المملوء مسكاً أو دراً، فلم يجد عدوه سبيلاً إليه من أجل ذلك الختم، لأن الشيء المختوم محروس، وكذا تدبير الله، عز وجل، في هذه الدنيا إذا وجد الشيء بختمه زال الشك وانقطع الخصام فيما بين الآدميين، فلذلك ختم رب العالمين في قلبه ختماً تطامن له القلب، وبقي النور فيه، ونفذت قوة القلب إلى الصلب فظهرت بين الكتفين كالبيضة، ومن أجل ذلك برز بالصدق على أهل الموقف، فصارت له الشفاعة من بين الرسل بالمقام المحمود، لأن ثناء الصدق هو الذي خصه ربه بما لم يخص به أحداً غيره من الأنبياء، وغيرهم، يحققه قول الله العظيم: ﴿وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم﴾ [يونس: ٢] قال أبو سعيد الخدري، وقد صدق: هو محمد، عليه السلام، شفيعكم يوم القيامة، وكذا قال الحسن وقتادة وزيد بن أسلم: وقول الرسول عٍَّ فيما ذكره مسلم من حديث أبي بن كعب، رضي الله تعالى عنه، ((وأخرت الثالثة ليوم ترغب إلي فيه الخلق كلهم حتى إبراهيم، عليه الصلاة والسلام)). وقال القاضي عياض: هذا الخاتم هو أثر شق الملكين بين كتفيه. وقال النووي: هذا باطل، لأن شق الملکین إنما كان في صدره. مشكلات ما وقع في هذا الباب: قوله: ((في نغض كتفه اليسرى))، بضم النون وفتحها وكسر الغين المعجمة وفي آخره ضاد معجمة، قال ابن الأثير: النغض والنغض والناغض: أعلى الكتف. وقيل: هو العظم الرقيق الذي على طرفه. قوله: ((كأنه جمع))، بضم الجيم وسكون الميم، معناه: مثل جمع الكف، وهو أن تجمع الأصابع وتضمها، ومنه يقال: ضربه بجمع كفه. ((و: الخيلان)) بكسر الخاء المعجمة وسكون الياء، جمع: خال. قوله: ((الثآليل)) جمع: تؤلول، وهو الحبة التي تظهر في الجلد كالحمصة فما دونها. قوله: ((ردع حناء))، بفتح الراء وسكون الدال وفي آخره عين مهملة: أي لطخ حناء، والحناء، بالكسر والتشديد وبالمد، معروف. والحناءة أخص منه. قوله: ((أَلاَ أبطها))؟ من البَطِّ، وهو: شق الدمل والخراج. قوله: ((بضعة ناشزة)). البضعة، بفتح الباء الموحدة: القطعة من اللحم. و: ناشزة، بالنون والشين والزاي المعجمتين أي: مرتفعة عن الجسم. قوله: ((محتفرة)): أي غائصة، وأصله من حفر الأرض. بيان استنباط الأحكام الأول: فيه بركة الاسترقاء. الثاني: فيه الدلالة على مسح رأس الصغير، وكان مولد السائب الذي مسح رسول الله عَ ليه رأسه في السنة الثانية من الهجرة، وشهد حجة الوداع، وخرج مع الصبيان إلى ثنية الوداع يتلقى النبي عَ لِّ مقدمه من تبوك. الثالث: فيه الدلالة على طهارة الماء المستعمل، وإن كان المراد من قول السائب بن يزيد: فشربت من وضوئه، وهو: الماء الذي يتقاطر من أعضائه الشريفة. وقال بعضهم: هذه i F i P i ١٣٠ ١٢٠٠ IN. ١١٨ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤١) الأحاديث يعني التي في هذا الباب. ترد عليه: أي على أبي حنيفة، لأن النجس لا يتبرك به. قلت: قصد هذا القائل التشنيع على أبي حنيفة بهذا الرد البعيد، لأنه ليس في الأحاديث المذكورة ما يدل صريحاً على أن المراد من: فضل وضوئه، هو: الماء الذي تقاطر من أعضائه الشريفة. وكذا في قوله: ((كانوا يقتتلون على وضوئه))، وكذا في قول السائب: ((فشربت من وضوئه)). ولئن سلمنا أن المراد هو الماء الذي يتقاطر من أعضائه الشريفة، فأبو حنيفة ينكر هذا ويقول بنجاسة ذاك، حاشاه منه، وكيف يقول ذلك وهو يقول بطهارة بوله وسائر فضلاته؟ ومع هذا قد قلنا: لم يصح عن أبي حنيفة تنجيس الماء المستعمل، وفتوى الحنفية عليه، فانقطع شغب هذا المعاند. وقال ابن المنذر: وفي إجماع أهل العلم على أن البلل الباقي على أعضاء المتوضىء، وما قطر منه على ثيابه، دليل قوي على طهارة الماء المستعمل. قلت: المثل: حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء. والماء الباقي على أعضاء المتوضيء لا خلاف لأحد في طهارته، لأن من يقول بعدم طهارته إنما يقول بالانفصال عن العضو، بل عند بضعهم بالانفصال والاستقرار في مكان. وأما الماء الذي قطر منه على ثيابه فإنما سقط حكمه للضرورة لتعذر الاحتراز عنه. ٤١ _ بابُ مَنْ مَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدةٍ أي: هذا باب في بيان حكم المضمضة والاستنشاق من غرفة واحدة، كما فعله عبد الله بن زيد. والمناسبة بين البابين من حيث إن كلاً منهما من تعلقات الوضوء. فالأول: في الوضوء، بالفتح، والثاني: في الوضوء، بالضم. ١٩١/٥٤ - حدثنا مُسَدَّدٌ قالَ حدّثني خالِدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قال حدّثنا عَمْرُو بنُ يَحْيَی عنْ أَبِيهِ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ زَيْدِ أَنَّهُ أفْرَغَ مِنَ الإِناءِ علَى يَدَيْهِ فَغَسَلهُمَا ثُمَّ غَسَلَ أَوْ مَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ مِنْ كَفَّةٍ وَاحِدَةٍ فَفَعَلَ ذَلِكَ ثلاثاً فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثَاً ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ إلى المِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ومَسَحَ بِرَأْسِهِ ما أَقْبلَ وما أَدْبَرَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ إلى الكَعْبَيْنِ ثُمَّ قالَ هَكَذَا وُضُوءُ رسول اللَّهِ عَلَ﴾. [انظر الحديث: ١٨٥ وأطرافه]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة. بيان رجاله وهم خمسة. الأول: مسدد بفتح الدال المشددة، وقد تقدم في أول كتاب الإيمان. الثاني: خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن الواسطي، أو الهيثم الطحان، يحكى أنه تصدق بزنة بدنه فضة ثلاث مرات، مات سنة تسع وستين ومائة. الثالث: عمرو بن يحيى، رضي الله تعالى عنه، ابن عمارة المازني الأنصاري، تقدم قريباً. الرابع: أبوه يحيى، تقدم أيضاً. الخامس: عبد الله بن زيد الأنصاري. بيان لطائف اسناده منها: أن فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة. ومنها: أن رواته جوو مجم ١١٩ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤١) ما بين بصري وواسطي ومدني. ومنها: أن فيه فعل الصحابي ثم إسناده إلى النبي عَّه. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: قد ذكرنا عن قريب أن البخاري قد أخرج حديث عبد الله بن زيد في خمسة مواضع. وأخرجه مسلم عن محمد بن الصباح عن خالد ابن عبد الله بسنده هذا من غير شك، ولفظه: ((ثم أدخل يده فاستخرجها فمضمض واستنشق)): وأخرجه أيضا الإسماعيلي من طريق وهب بن بقية عن خالد كذلك. بيان لغاته ومعناه قوله: ((أفرغ)) اي: صب الماء في الإناء على يديه. قوله: ((ثم غسل)) أي: فمه. قوله: ((أو مضمض)) شك من الراوي. قال الكرماني: الظاهر أن الشك من يحيى. وقال بعضهم: الظاهر أن الشك من مسدد شيخ البخاري، ثم قال: وأغرب الكرماني فقال: الظاهر أن الشك فيه من التابعي: قلت: كل منهما محتمل، وكونه من الظاهر من أين بلا قرينة؟ قوله: ((من كفة)) كذا في رواية أبي ذر، وفي رواية الأكثرين: ((من كف)) بلا هاء، وفي بعض النسخ: ((من غرفة واحدة)). وقال ابن بطال: من كفة، أي: من حفنة واحدة، فاشتق لذلك من اسم الكف عبارة عن ذلك المعنى، ولا يعرف في كلام العرب إلحاق هاء التأنيث في الكف. وقال ابن التين: اشتق بذلك من اسم الكف، وسمي الشيء باسم ما كان فيه. وقال صاحب (المطالع): هي بالضم والفتح مثل غرفة وغرفة، أي: ملأ كفه من ماء. وقال بعضهم: ومحصل ذلك أن المراد من قوله: ((كفة)) فعلة في أنها تأنيث الكف. قلت: هذا محصل غير حاصل، فكيف يكون كفة تأنيث كف، والكف مؤنث؟ والأقرب إلى الصواب ما ذكره ابن التين. قوله: ((فغسل يديه إلى المرفقين)). ولا يكون ذلك إلاّ بعد غسل الوجه، ولم يذكر غسل الوجه. وقال الكرماني: فإن قلت: أين ذكر غسل الوجه؟ قلت: هو من باب اختصار الحديث وذكر ما هو المقصود، وهو الذي ترجم له الباب مع زيادة بيان ما اختلف فيه من التثليث في المضمضة والاستنشاق وإدخال المرفق في اليد وتثنية غسل اليد ومسح ما أقبل وأدبر من الرأس وغسل الرجل منتهياً إلى الكعب، وأما غسل الوجه فأمره ظاهر لا احتياج له إلى البنيان؛ فالتشبيه في: ((هكذا وضوء رسول الله عَّ ◌ُلِّ)) ليس من جميع الوجوه، بل في حكم المضمضة والاستنشاق. قلت: هذا جواب ليس فيه طائل، وتصرف غير موجه، لأن هذا في باب التعليم لغيره صفة الوضوء، فيشهد بذلك قوله: ((هكذا وضوء رسول الله عَّه))، ويؤيد ذلك ما جاء في الحديث الآخر عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه أن رجلاً قال لعبد الله بن زيد، وهو جد عمرو بن يحيى: ((أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله عَ لَّه يتوضأ)؟ الحديث ... وقد مر عن قريب، ولك ما روي عن عبد الله بن زيد في هذا الباب حديث واحد وقد ذكر فيه غسل الوجه، وكذا ثبت ذلك في رواية مسلم وغيره، فإذا كان هذا في باب التعليم فكيف يجوز له ترك فرض من فروض الوضوء وذكر شيء من الزوائد؟ والظاهر أنه سقط من الراوي كما أنه شك في قوله: ((ثم غسل أو مضمض)). وقول الكرماني: واما غسل الوجه فأمره ظاهر، غير ظاهر، وكونه ظاهراً عند عبد الله بن زيد لا يستلزم أن يكون ظاهراً عند السائل عنه، ولو كان ظاهراً لما سأله. وقوله: ذكر + موز i i ١٣٤ ٠٫٠٦ ٣٠ ٠۶۶ ٦٠ ١٢٠ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٢) ما هو المقصود، أي: ذكر البخاري ما هو المقصود، وهو الذي ترجم له الباب. قلت: كان ينبغي أن يقتصر على المضمضة والاستنشاق فقط، كما هو عادته في تقطيع الحديث لأجل التراجم، فيترك اختصاراً ذكر من الفروض القطعية، ويذكر زوائد لا تطابق الترجمة. وقال الكرماني: وقد يجاب أيضاً بأن المفعول المحذوف الوجه، أي: ثم غسل وجهه، وحذف لظهوره، فأو، بمعنى: الواو، في قوله: ((أو مضمض))، ومن كفة واحدة يتعلق: بمضمض واستنشق فقط. قلت: هذا أقرب إلى الصواب لأنه لا يقال في الفم في الوضوء إلاّ مضمض، وإن كان يطلق عليه الغسل. بيان استنباط الأحكام: قد تقدم، وإنما مراد البخاري ههنا بيان أن المضمضة والاستنشاق من غرفة واحدة، وهذا أحد الوجوه الخمسة المتقدمة، وليس هذا حجة على من يرى خلاف هذا الوجه، لأن الكل نقل عنه، عليه السلام، بياناً للجواز. ٤٢ _ بابُ مَسْحِ الرَأْسِ مَرَّةً أي هذا باب في بيان مسح الرأس مرة واحدة. والمناسبة بين البابين ظاهرة. ١٩٢/٥٥ - حدثنا سُلَيْمانُ بنُ حَوْبٍ قالَ حدّثنا وُهَيْبٌ قال حدّثنا عَمْرُو بنُ يَحْيِىَ عن أبيه قال شَهدْتُ عَمْرَو بِنَّ أبي حَسَنٍ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بِنَ زَيْدٍ عِنْ وُضُوءِ النبيِّ عَ لَّهِ فَدَعا بِتَوْرٍ مِنْ ماءٍ فَتَوَضَّأَ لَهُمْ (فَكَفَأَهُ عَلَّى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلاثَاً ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِناءِ) فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ واسْتَنْفَرَ ثَلاثاً بِثَلاثِ غَرَفَاتٍ مِنْ ماءٍ ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الاناءِ فَغَسَلَ وَجْهِهُ ثلاثاً ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِناءِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلى المِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِناءِ فَمَسَح بِرَأْسِهِ فَأَقْبَل بِيَدَيْهِ وَادْبَرَ بِهِمَا ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِناءِ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ. [انظر الحديث: ١٨٥ وأطرافه]. قوله: (باب مسح الرأس مرة)، هكذا هو في رواية الأكثرين، وفي رواية الأصيلي: (باب مسح الرأس مسحة)). ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، وهي في قوله: ((فمسح برأسه))، أي: مرة واحدة، والدليل عليه شيئان. أحدهما: أنه نص على الثلاث وعلى مرتين في غيره. والثاني: أنه صرح بالمرة في حديث موسى عن وهيب، كما يذكره الآن، وقد تقدم الكلام فيه فيما مضى. قوله: ((وهيب)) هو ابن خالد. قوله: ((فدعا بتور من ماء) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: «فدعا بماء»، لم يذكر: التور. قوله: ((فكفاه)) أي: أماله، وفي رواية الأصيلي: ((فأكفأه))، بزيادة همزة في أوله، وهذه كلها مضت في باب غسل الرجلين إلى الكعبين، والتفاوت بينهما أنه كرر لفظ: مرتين، ههنا وزاد: الباء، في: مسح برأسه. ولفظ: ((ثم أدخل يده في الإناء))، ونقص لفظ: مرة واحدة، منه ولفظ: إلى الكعبين. وقال الكرماني: فإن قلت: هل فرق بين تكرار لفظ: مرتين، وعدمه غير التأكيد؟ قلت: هذا نص في غسل كل يد مرتين، وذلك ظاهر فيه. ١٠. ٠٠ .- . ١٠٠٠