النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٣)
لأنه زاد عليه: ((وعفروه الثامنة بالتراب))، والزائد أولى من الناقص، وكان ينبغي لهذا المخالف
أن يقول لا يطهر إلاَّ بأن يغسل ثمان مرات الثامنة بالتراب، ليأخذ بالحديثين جميعاً. فإن ترك
حديث ابن مغفل فقد لزمه ما لزمه خصمه في ترك السبع، ومع هذا لم يأخذ بالتعفير الثابت
في الصحيح مطلقاً، قيل: إنه منسوخ.
فإن عارض هذا القائل بما قاله البيهقي بأن أبا هريرة أحفظ من روى في دهره، فروايته
أولى. أجيب: بالمنع، بل رواية ابن المغفل أولى لأنه أحد العشرة الذين بعثهم عمر بن
الخطاب، قال الحسن البصري: إلينا، يفقهون الناس، وهو من أصحاب الشجرة وهو أفقه من
أبي هريرة، والأخذ بروايته أحوط، ولهذا ذهب إليه الحسن البصري، وحديثه هذا أخرجه ابن
منده من طريق شعبة، وقال: إسناده مجمع على صحته، ورواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن
ماجه، وروي عن أبي هريرة: ((إذا ولغ السنور في الإناء يغسل سبع مرات))، ولم يعملوا به، فكل
جواب لهم عن ذلك فهو جوابنا عما زاد على الثلاث، فإن عارض هذا القائل بأنه ثبت أن أبا
هريرة أفتى بالغسل سبعاً، ورواية من روى عنه موافقة فتياه لروايته أرجح من رواية من روى عنه
مخالفتها، من حيث الإسناد ومن حيث النظر. أما النظر فظاهر، وأما الإسناد فالموافقة وردت من
رواية حماد بن زيد عن ابن سيرين عنه، وهذا من أصح الأسانيد. وأما المخالفة فمن رواية عبد
الملك بن أبي سليمان عن عطاء عنه، وهو دون الأول في القوة بكثير. أجيب: بأن قوله ثبت
أن أبا هريرة أفتى بالغسل سبعاً يحتاج إلى البيان، ومجرد الدعوى لا تسمع، ولئن سلمنا ذلك
فقد يحتمل أن يكون فتواه بالسبع قبل ظهور النسخ عنده، فلما ظهر أفتى بالثلاث. وأما
دعوى الرجحان فغير صحيحه، لا من حيث النظر ولا من حيث قوة الإسناد، لأن رجال كل
منهما رجال الصحيح. كما بيناه عن قريب، وأما من حيث النظر فإن العذرة أشد في النجاسة
من سؤر الكلب ولم يعتد بالسبع، فيكون الولوغ من باب أولى.
وإن عارض هذا القائل بأنه لا يلزم من كونها أشد منه في الاستقذار أن لا تكون أشد
منها في تغليظ الحكم. أجيب: بمنع عدم الملازمة، فإن تغليظ الحكم في ولوغ الكلب إما
تعبدي وإما محمول على من غلب على ظنه أن نجاسة الولوغ لا تزول بأقل منها، وإما أنهم
نهوا عن اتخاذه فلم ينتهوا فغلظ عليهم بذلك، وقال بعض أصحابنا: كان الأمر بالسبع عند
الأمر بقتل الكلاب، فلما نهى عن قتلها نسخ الأمر بالغسل سبعا. وإن عارض هذا القائل بأن
الأمر بالقتل كان في أوائل الهجرة، والأمر بالغسل متأخر جداً، لأن من رواية أبي هريرة وعبد
الله بن مغفل، وكان إسلامهما سنة سبع. أجيب: بأن كون الأمر بقتل الكلاب، في أوائل
الهجرة يحتاج إلى دليل قطعي، ولئن سلمنا ذلك فكان يمكن أن يكون أبو هريرة قد سمع
ذلك من صحابي أنه أخبره أن النبي، عليه الصلاة والسلام، لما نهى عن قتل الكلاب نسخ
الأمر بالغسل سبعاً من غير تأخير، فرواه أبو هريرة عن النبي، عليه الصلاة والسلام، لاعتماده
على صدق المروي عنه، لأن الصحابة كلهم عدول، وكذلك عبد الله بن المغفل، وقال
بعض أصحابنا: عملت الشافعية بحديث أبي هريرة وتركوا العمل بحديث ابن المغفل، وكان
i
i
ـة جوم
١
i

٦٢
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٣)
يلزمهم العمل بذلك، ويوجبو ثماني غسلات. وعارض هذا القائل بأنه لا يلزم من كون
الشافعية لا يقولون بحديث ابن مغفل ان يتركوا العمل بالحديث أصلاً ورأساً، لأن اعتذار
الشافعية عن ذلك، إن كان متجها فذاك، وإلاَّ فكل من الفريقين ملوم في ترك العمل به.
وأجيب: بأن زيادة الثقة مقبولة ولا سيما من صحابي فقيه، وتركها لا وجه له،
فالحديثان في نفس الأمر كالواحد، والعمل ببعض الحديث وترك بعضه لا يجوز، واعتذارهم
غير متجه لذلك المعنى، ولا يلام الحنفية في ذلك لأنهم عملوا بالحديث الناسخ وتركوا
العمل بالمنسوخ، وقال بعض الحنفية: وقع الإجماع على خلافه في العمل. وعارض هذا
القائل بأنه ثبت القول بذلك عن الحسن، وبه قال أحمد في رواية. وأجيب: بأن مخالفة الأقل
لا تمنع انعقاد الإجماع، وهو مذهب كثير من الأصوليين. وقالوا عن الشافعي أنه قال: حديث
ابن مغفل لم أقف على صحته، قلنا هذا ليس بعذر، وقد وقف جماعة كثيرون على صحته،
ولا يلزم من عدم ثبوته عند الشافعي ترك العمل به عند غيره.
١٧٣/٣٨ - حدثنا إِسْحاقُ قال أَخْبرَنا عَبْدُ الصَّمَدِ قال حدّثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَبْدِ
اللَّهِ بنِ دِينارٍ قال سَمِعْتُ أبي عَنْ أبي صَالِحٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم
أنَّ رجلاً رَأى كَلْباً يَأْكُلُ الثَرِى مِنَ العَطشِ فُأَخذَ الرَّجُلُ خُقَّهُ فَجَعَل يغْرِفُ لَهُ بِهِ حَتَّى أزْوَاهُ
فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَأَدْخَلَهُ الجَنَّةَ. [الحديث ١٧٣ - أطرافه في: ٢٣٦٣، ٢٤٦٦، ٦٠٠٩].
هذا من الأحاديث التي احتج بها البخاري على طهارة سؤر الكلب، على ما يأتي في
الأحكام.
بيان رجاله: وهم ستة، الأول: إسحاق بن منصور الكوسج، على ما جزم به أبو نعيم
في (المستخرج)، وقال الكلاباذى والجياني: إسحاق بن منصور، وإسحاق بن إبراهيم يرويان
عن عبد الصمد. وقال الكرماني: إسحاق هذا هو ابن إبراهيم. قلت: إسحاق بن منصور بن
بهرام الكوسج الحافظ، أبو يعقوب التيمي المروزي نزيل نيسابور. قال مسلم: ثقة مأمون أحد
الأئمة، مات في جمادى الأولى سنة إحدى وخمسين ومائين، روى عنه البخاري ومسلم
والترمذي والنسائي وابن ماجة، وأما إسحاق بن إبراهيم بن العلاء، أبو يعقوب الحمصي، روى
عنه البخاري في الأدب. وقال النسائي: ليس بثقة. وإسحاق بن إبراهيم بن أبي إسرائيل أبو
يعقوب المروزي، روى عنه البخاري أيضا في الأدب، وعن يحيى ثقة. وإسحاق بن إبراهيم
البغوي لؤلؤ ابن عم أحمد بن منيع، روى عنه البخاري، ووثقه الدارقطني وجماعة، وإسحاق
ابن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم الإمام، أبو يعقوب الحنظلي النيسابوري الدارقطني المروزي
الأصل، المعروف بابن راهويه، أحد الأعلام، روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي
والنسائي. الثاني: عبد الصمد بن عبد الوارث، تقدم. الثالث: عبد الرحمن بن عبد الله بن
دينار المزني العدوي، مولى ابن عمر بن الخطاب، تكلموا فيه لكنه صدوق، وهو من أفراد
البخاري عن مسلم، وروى له أبو داود والترمذي والنسائي. الرابع: أبوه عبد الله ابن دينار،
مولى ابن عمر التابعي، وليس في كتب الستة سواه. نعم في ابن ماجة: عبد الله بن دينار
١٠

٦٣
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٣)
الحمصي، وليس بقوي. الخامس: أبو صالح الزيات ذكوان، وقد تقدم. السادس: أبو هريرة،
رضي الله تعالى عنه.
بيان لطائف اسناده منها: أن فيه التحديث والإخبار والسماع والعنعنة. ومنها: أن رواته
ما بين مروزي وبصري ومدني. ومنها: أن فيه تابعين وهما: عبد الله بن دينار وأبو صالح.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: هذا الحديث أخرجه البخاري في عدة مواضع
في الشرب والمظالم والأدب، وأخرجه أيضاً من طريق ابن سيرين: ((بينما كلب يطيف بركة
كاد يقتله العطش إذا رأته بغي فنزعت موقها فسقته فغفر لها)). أخرجه في ذكر بني إسرائيل.
وأخرجه مسلم في الحيوان. وأخرجه أبو داود في الجهاد.
بيان اللغات والإعراب: قوله: ((يأكل الثرى)) بفتح الثاء المثلثة والراء، مقصور: وهو
التراب الندي، قاله الجوهري وصاحب (الغريبين) وفي (المحكم): الثرى التراب. وقيل:
التراب الذي إذا بل يصير طيناً لازباً، والجمع أثرى. وفي (مجمع الغرائب): أصل الثرى
الندى، ولذلك قيل للعرق ثرى. ومعنى يأكل الثرى: يلعق التراب. قوله: ((من العطش)) أي:
من أجل العطش، فإن قلت: يأكل الثرى، ما محله من الإعراب؟ قلت: نصب إما حال من
كلباً، أو صفة له. قال الكرماني: قلت: لا يجوز أن يكون حالاً، لأن الشرط أن يكون ذو
الحال معرفة، وههنا نكرة، ولا يجوز أيضاً أن يكون مفعولاً ثانياً، لأن الرؤية بمعنى الإبصار.
قوله: ((فجعل)) من أفعال المقاربة. وهي ما وضع لدنو الخبر رجاءً أو حصولاً أو أخذاً فيه،
والضمير فيه اسمه. وقوله: ((يغرف)) جملة خبره، أي: طفق يغرف له.
بيان المعاني قوله: ((حتى أرواه)) أي: جعله ريان. قوله: ((فشكر الله له))، والشكر هو
الثناء على المحسن بما أولاه من المعروف. يقال: شكرته وشكرت له، وباللام أفصح، والمراد
ههنا مجرد الثناء، اي: فاثنى الله تعالى عليه، أو المراد منه الجزاء، إذ الشكر نوع من الجزاء
أي: فجزاه الله تعالى. فإن قلت: إدخال الجنة هو نفس الجزاء، فما معنى الثناء؟ قلت: هو من
باب عطف الخاص على العام، أو الفاء تفسيرية. نحو: ﴿فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم﴾
[البقرة: ٥٤] على ما فسر به من أن القتل كان نفس توبتهم. فإن قلت: هذه القصة متى
وقعت؟ قلت: هذه من الوقائع التي وقعت في زمن بني اسرائيل، فلذلك قال: إن رجلاً، ولم
يسم.
بيان استنباط الأحكام الأول: فيه الإحسان إلى كل حيوان بسقيه أو نحوه، وهذا في
الحيوان المحترم، وهو ما لا يؤمر بقتله ولا يناقض هذا ما أمرنا بقتله أو أبيح قتله، فإن ذلك
إنما شرع لمصلحة راجحة، ومع ذلك فقد أمرنا بإحسان القتلة. الثاني: فيه حرمة الإساءة
إليه، وإثم فاعله، فإنه ضد الإحسان المؤجر عليه، وقد دخلت تلك المرأة النار في هرة
حبستها حتى ماتت. الثالث: قال بعض المالكية: أراد البخاري بإيراد هذا الحديث طهارة
سؤر الكلب، لأن الرجل ملأ خفه وسقاه به، ولا شك أن سؤره بقي فيه. وأجيب: بأنه ليس
، جوة
i

ITe
٦٤
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٣)
فيه أن الكلب شرب الماء من الخف، إذ قد يجوز أن يكون غرفه به ثم صب في مكان
غيره، أو يمكن أن يكون غسل خفه إن كان سقاه فيه، وعلى تقدير: أن يكون سقاه فيه لا
يلزمنا هذا، لأن هذا كان في شريعة غيرنا على ما رواه النسائي عن أبي هريرة. وقال
الكرماني: أقول فيه دغدغة، إذ لا يعلم منه أنه كان في زمن بعثة رسول الله عَ لَه أو كان
قبلها أو كان بعدها قبل ثبوت حكم سؤر الكلاب، أو أنه لم يلبسه بعد ذلك، أو غسله. قلت:
لا حاجة إلى هذا الترديد، فإنه روي عن أبي هريرة أنه: كان في شريعة غيرنا، على ما ذكرنا.
الرابع: يفهم منه وجوب نفقة البهائم المملوكة على مالكها بالإجماع.
١٧٤/٣٨ _ وقالَ أحْمَدُ بنُ شَبِيبٍ حدّثنا أبي عنْ يؤنُس عن ابنِ شِهَابٍ. قال حدثني
حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أبِيهِ قالَ كَانَتِ الكِلابُ تَبُولُ وتُقْبِلُ وتُدْبِرُ فِي المَسْجِدِ فِي زَمانٍ
رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يَكونُوا تَرْشُونَ شَيْئاً مِنْ ذلِكَ.
هذا الذي ذكره البخاري معلقاً احتج به في طهارة الكلب، وطهارة سؤره، وجواز
ممره في المسجد.
بيان رجاله: وهم ستة. الأول: أحمد بن شبيب، بفتح الشين المعجمة وكسر الباء
الموحدة: ابن سعيد التميمي البصري، شيخ البخاري، ولم يخرج له غيره، أصله من البصرة،
نزل مكة مات بعد المائتين ووالده، أخرج له النسائي، وهو صدوق. الثاني: أبوه شبيب
المذكور، وكان من أصحاب يونس، وكان يختلف في التجارة إلى مصر، وكتابه كتاب
صحيح. الثالث: يونس بن يزيد الأيلي، وقد تقدم. الرابع: ابن شهاب محمد بن مسلم
الزهري تقدم. الخامس: حمزة، بالحاء المهملة والزاي: ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب،
رضي الله تعالى عنهم، أبو عمارة القرشي العدوي المدني التابعي، ثقة قليل الحديث، روى له
الجماعة. السادس: أبوه عبد الله بن عمر.
بيان لطائف إسناده منها: أن فيه القول والتحديث والعنعنة. ومنها: أن رواته ما بين
بصري وأيلي ومدني. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي.
بيان من أخرجه غيره: أخرجه أبو داود: حدّثنا أحمد بن صالح، قال: حدّثنا عبد الله
ابن وهب، قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب، قال حدثني حمزة بن عبد الله بن عمر:
((كنت أبيت في المسجد في عهد رسول الله عَّ له، وكنت شاباً فتى عزباً، وكانت الكلاب
تبول وتقبل وتدبر في المسجد ولم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك)). وأخرجه الإسماعيلي:
حدّثنا أبو يعلى حدّثنا هارون بن معروف حدّثنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب
حدّثني حمزة بلفظ: ((كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر)). ورواه أبو نعيم عن أبي إسحاق بن
محمد حدّثنا موسى بن سعيد عن أحمد بن شبيب، وقال: رواه البخاري بلا سماع.
بيان المعنى والإعراب قوله: ((كانت الكلاب تقبل وتدبر)» وفي رواية أبي داود
والإسماعيلي وأبي نعيم والبيهقي أيضا: ((كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر))، بزيادة: تبول،
١٠

٦٥
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٣)
قبل: ((تقبل وتدبر)). وستقف على معنى هذه الزيادة. قوله: ((تقبل)) جملة في محل النصب
على الخبرية إن جعلت: كانت، ناقصة. وإن جعلت تامة بمعنى: وجدت، كان محل الجملة
النصب على الحال. قوله: ((في المسجد)) حال أيضاً، والتقدير: حال كون الإقبال والإدبار
في المسجد، والألف واللام فيه للعهد. أي: في مسجد رسول الله عَّهِ. قوله: ((فلم يكونوا
يرشون)) من: رش الماء، وحكى ابن التين عن الداودي أنه أبدل قوله: ((يرشون)) بلفظ:
((يرتقبون))، بإسكان الراء وفتح التاء المثناة من فوق وكسر القاف بعدها باء موحدة، وفسر
معناه بقوله: ((ولا يخشون) فصحف اللفظ وأبعد في التفسير لأن معنى: الارتقاب: الانتظار.
وأما نفي الخوف من نفي الارتقاب فهو تفسير ببعض لوازمه. قوله: ((من ذلك)) أي من
المسجد، وهو إشارة إلى البعيد في المرتبة، أي: ذلك المسجد العظيم البعيد درجته عن فهم
الناس.
بيان استنباط الأحكام الأول: احتج به البخاري على طهارة بول الكلب، كما ذكرنا
عن قريب، فإن هذا التركيب يشعر باستمرار الإقبال والإدبار، ولفظ: في زمان رسول الله،
عليه الصلاة والسلام، دال على عموم جميع الأزمنة، إذ اسم الجنس المضاف من الألفاظ
العامة. وفي: ((فلم يكونوا يرشون)) مبالغة، ليس في قولك: فلم يرشوا به، بدون لفظ: الكون،
كما في قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم﴾ [الأنفال: ٣٣] حيث لم يقل: وما يعذبهم الله،
وكذا في لفظ الرش حيث اختاره على لفظ الغسل، لأن الرش ليس فيه جريان الماء، بخلاف
الغسل فإنه يشترط فيه الجريان، فنفي الرش يكون أبلغ من نفي الغسل، ولفظ: شيئاً، أيضاً
عام لأنه نكرة وقعت في سياق النفي، وهذا كله للمبالغة في طهارة سؤره، إذ في مثل هذه
الصور الغالب أن لعابه يصل إلى بعض أجزاء المسجد، فإذا قرر الرسول، عليه الصلاة
والسلام، ذلك ولم يأمره بغسله قط علم أنه طاهر، وهذا كله من ناصري البخاري:
٠٠
والجواب أن نقول: لا دلالة على ذلك، والذي ذكروه إنما كان لآن طهارة المسجد
متيقنة غير مشكوك فيها، واليقين لا يرفع بالظن، فضلاً عن الشك. وعلى تقدير دلالته فدلالته
لا تعارض منطوق الحديث الناطق صريحاً بإيجاب الغسل حيث قال: ((فليغسله سبعا)). وأما
على رواية من روى: ((كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر))، فلا حجة فيه لمن استدل به على
طهارة الكلاب للاتفاق على نجاسة بولها، وتقرير هذا أن إقبالها وإدبارها في المسجد ثم لا
يرش، فالذي في روايته: تبول، يذهب إلى طهارة بولها وكأن المسجد لم يكن يغلق وكانت
تتردد، وعساها كانت تبول إلا أن علم بولها فيه لم يكن عند النبي عَ ◌ّه ولا عند أصحابه ولا
عند الراوي أي موضع هو، ولو كان علم لأمر بما أمر في بول الأعرابي، فدل ذلك أن بول ما
سواه في حكم النجاسة سواء. وقال الخطابي: يتأول على أنها كانت لا تبول في المسجد
بل في مواطنها وتقبل وتدبر في المسجد عابرة، إذ لا يجوز أن تترك الكلاب تبات في
المسجد حتى تمتهنه وتبول فيه، وإنما كان إقبالها وإدبارها في أوقات نادرة، ولم يكن على
المسجد أبواب تمنع من عبورها فيه. قلت: إنما تأول الخطابي بهذا التأويل حتى لا يكون
عمدة القاري / ج٣ / م.
ےے
٠جوة

٦٦
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٣)
الحديث حجة للحنفية في قولهم، لأن أصحابنا استدلوا به على أن الأرض إذا أصابتها نجاسة
فجفت بالشمس أو بالهواء فذهب أثرها تطهر في حق الصلاة، خلافاً للشافعي وأحمد وزفرٍ،
والدليل على ذلك أن أبا داود وضع لهذا الحديث باب طهور الأرض إذا يبست، وأيضا قوله:
فلم يكونوا يرشون شيئاً، إذ عدم الرش يدل على جفاف الأرض وطهارتها، ومن أكبر موانع
تأويله أن قوله: ((في المسجد)) ليس ظرفاً لقوله: ((وتقبل وتدبر)) وحده، وإنما هو ظرف لقوله:
تبول. وما بعده كلها، فافهم. ويقال: الأوجه في هذا أن يقال: كان ذلك في ابتداء الإسلام
على أصل الإباحة ثم، ورد الأمر بتكريم المسجد وتطهيره وجعل الأبواب على المساجد.
الثاني: أن ابن بطال قال فيه: إن الكلب طاهر لأن إقبالها وإدبارها في الأغلب يقتضي
أن تجر فيه أنوفها وتلحس الماء وفتات الطعام، لأنه كان مبيت الغرباء والوفود، وكانوا
يأكلون فيه، وكان مسكن أهل الصفة، ولو كان الكلب نجساً لمنع من دخول المسجد
لاتفاق المسلمين على أن الأنجاس تجنب المساجد، والجواب: عنه ما ذكرنا.
الثالث: احتج به أصحابنا على طهارة الأرض بجفاف النجاسة عليها، كما ذكرناه.
١٧٥/٣٩ - حدثنى حَفْصُ بنُ عُمَر قالَ حدّثنا شُعْبَةُ عَنِ ابنِ أبي السَّفَرِ عَن الشَّغْبِيِّ
عَنْ عَدِيٍّ بنِ حاتم قالَ سأَلْتُ النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلم فَقالَ: ((إِذَا أُرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ
فَقَتَلِ فَكُلٍ وَإِذَا أَكَلَ فَلاَ تَأْكُلْ فَإِنَّا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ قُلْتُ أُرْسِلُ كَلْبِي فَأَجِدُ مَعَهُ كَلْباً آخَرَ
قالَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمٌّ عَلَى كَلْبٍ آخَرَ)). [الحديث ١٧٥ -
أطرافه فى: ٢٠٥٤، ٥٤٧٥، ٥٤٧٦، ٥٤٧٧، ٥٤٨٣، ٥٤٨٤، ٥٤٨٥، ٥٤٨٦، ٥٤٨٧،
٧٣٩٧].
أخرج البخاري هذا الحديث ليستدل به لمذهبه في طهارة سؤر الكلب، وهو مطابق
لقوله: ((وسؤر الكلب)) في أول الباب.
بيان رجاله وهم خمسة. الأول: حفص بن عمر. الثاني: شعبة بن الحجاج. الثالث:
ابن أبي السفر، بفتح السين المهملة وفتح الفاء: اسمه عبد الله، وأبو السفر اسمه سعيد بن
محمد، ويقال: أحمد الهمداني الكوفي. الرابع: الشعبي، واسمه عامر كلهم ذكروا.
الخامس: عدي بن حاتم بن عبد الله الطائي، أبو طريف، بفتح الطاء: الجواد بن الجواد، قدم
على النبي عَّ له في سنة سبع، روي له عن رسول الله عَ لله ستة وستون حديثاً، ذكر البخاري
ومسلم منها ثلاثة، وانفرد مسلم بحديثين. نزل الكوفة ومات بها زمن المختار، وهو ابن
عشرين ومائة سنة، ويقال: مات بقرقيسيا، وكان أعور، وقال أبو حاتم السجستاني في (كتاب
المعمرين): قالوا عاش عدي بن حاتم مائة وثمانين سنة.
بيان لطائف إسناده منها: أن فيه التحديث والعنعنة. ومنها: أن رواته ما بين بصري
وكوفي. ومنها: أن كلهم أئمة أجلاء.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في البيوع والصيد

٦٧
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٣)
والذبائح. وأخرجه مسلم في الصيد عن أبي بكر بن أبي شيبة. وأخرجه أبو داود فيه عن هناد
ابن السري. وأخرجه ابن ماجه فيه عن علي بن المنذر.
بيان الإعراب والمعنى قوله: ((قال)) أي: عدي. قوله: ((سألت النبي عَّل)) جملة من
الفعل والفاعل والمفعول ذكر المسؤول عنه ولم يذلك المسؤول، واكتفى بالجواب لأنه كان
يحتمل أن يكون علم أصل الإباحة، ولكنه حصل عنده شك في بعض أمور الصيد فاكتفى
بالجواب، والتقدير: سألت النبي عَِّ عن حكم صيد الكلاب، وقد صرح البخاري به في
روايته الأخرى في كتاب الصيد، ويحتمل أن يكون قام عنده مانع من الإباحة التي علم أصلها
وقال بعضهم: حذف لفظ السؤال اكتفاءً بدلالة الجواب. قلت: المحذوف ليس لفظ
السؤال، وإنما المحذوف لفظ المسؤول، كما قلنا. قوله: (قال فقال)) فاعل: قال. الأولى هو
عدي، وفاعل: فقال، هو النبي عَّهِ. قوله: ((كلبك المعلم)) قال الكرماني: المعلم هو الذي
ينزجر بالزجر ويسترسل بالإرسال ولا يأكل من الصيد لا مرة بل مراراً. قلت: كون الكلب
معلماً مفوض إلى رأي المعلم عن أبي حنيفة لأنه يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال
وعند أبي يوسف ومحمد بترك اكله ثلاث مرات وعند الشافعي بالعرف، وعند مالك
بالانزجار، وأما اشتراط التعليم فلقوله تعالى: ﴿وما علمتم من الجوارح﴾ [المائدة: ٤] قوله:
(((فقتل)) أي: فقتل الكلبُ الصَيد، وطوى ذكر المفعول للعلم به. قوله: ((فلا تأكل)) أي: الصيد
الذي أكل منه الكلب، وعلل بقوله: ((فإنما أمسكه على نفسه))، و: الفاء، فيه للتعليل. قوله:
«قلت): قائله: عدي، هو سؤال آخر.
بيان استنباط الأحكام الأول: أن البخاري احتج به لمذهبه في طهارة سؤر الكلب،
وذلك لأنه، عليه الصلاة والسلام، أذن لعدي رضي الله عنه، في أكل ما صاده الكلب ولم
يقيد ذلك بغسل موضع فمه، ومن ثم قال مالك: كيف يؤكل صيده ويكون لعابه نجساً؟
وأجاب الإسماعيلي بأن الحديث سيق لتعريف أن قتله ذكاته وليس فيه إثبات نجاسته ولا
نفيها، ولذلك لم يقل له إغسل الدم إذا خرج من جرح نابه، وفيه نظر، لأنه يحتمل أن يكون
وكل إليه ذلك كما تقرر عنده من وجوب غسل الدم، ويدفع ذلك بأن المقام مقام التعريف،
ولو كان ذلك واجباً لبينه، عليه الصلاة والسلام، وقال الكرماني: وجه ارتباط هذا الحديث
بالترجمة على ما في بعض النسخ من لفظ: ((وأكلها))، بعد لفظ المسجد كما ذكر مالك عند
قوله: ((وسؤر الكلاب وممرها في المسجد)).
الثاني: أن في إطلاق الكلب دلالة لإباحة صيد جميع الكلاب المعلمة من الأسود
وغيرها، وقال أحمد: لا يحل صيد الكلب الأسود لأنه شيطان، وإطلاق الحديث حجة عليه.
الثالث: أن التسمية شرط لقوله عليه الصلاة والسلام: ((فإنما سميت على كلبك)). أي:
ذكرت اسم الله تعالى على كلبك عند إرساله، وعلم من ذلك أنه لا بد من شروط أربعة
حتى يحل الصيد. الأول: الإرسال. والثاني: كونه معلماً. والثالث: الإمساك على صاحبه
بأن لا يأكل منه. والرابع: أن يذكر اسم الله عليه عند الإرسال. واختلف العلماء في التسمية،
ہے
i
- هو:
i
وحدة
١
i
i

٦٨
١٣
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٣)
فذهب الشافعي إلى أنها سنة فلو تركها عمداً أو سهواً يحل الصيد، والحديث حجة عليه.
وقالت الظاهرية: التسمية واجبة فلو تركها سهواً أو عمداً لم يحل. وقال أبو حنيفة: لو تركها
عمداً لم يحل ولو تركها سهواً يحل، وسيجيء مزيد الكلام فيه في كتاب الذبائح.
الرابع: فيه إباحة الاصطياد للاكتساب والحاجة والانتفاع به بالأكل وغيره ودفع الشر
والضرر، واختلفوا فيمن صاد للهو والتنزه، فأباحه بعضهم وحرمه الأكثرون. وقال مالك: إن
فعله ليذكيه فمكروه، وإن فعله من غير نية التذكية فحرام لأنه فساد في الأرض وإتلاف نفس.
الخامس: فيه التصريح بمنع أكل ما أكل منه الكلب.
السادس: فيه أن مقتضى الحديث عدم الفرق بين كون المعلم، بكسر اللام، ممن
تحل ذكاته أو لا، وذكر ابن حزم في (المحلى) عن قوم اشتراط كونه ممن تحل ذكاته،
وقال قوم: لا يحل صيد جارح علمه من لا يحل أكل ما ذكاه، وروي في ذلك آثار: منها عن
يحيى بن عاصم عن علي، رضي الله تعالى عنه، أنه كره صيد باز المجوسي وصقره.
ومنها: عن ابن الزبير عن جابر، رضي الله تعالى عنه، قال: لا يؤكل صيد المجوسي ولا ما
أصابه سهمه. ومنها: عن خصيف قال: قال ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما: لا تأكل ما
صيد بكلب المجوسي وإن سميت، فإنه من تعليم المجوسي، قال تعالى: ﴿تعلمونهن مما
علمكم الله﴾ [المائدة: ٤] وجاء هذا القول عن عطاء ومجاهد والنخعي ومحمد وابن علي،
وهو قول سفيان الثوري.
السابع: فيه أن الإرسال شرط حتى لو استرسل بنفسه يمنع من أكل صيده، وقالت
الشافعية: ولو أرسل كلباً حیث لا صید فاعترضه صید فأخذه لم يحل على المشهور عندنا،
وقيل: يحل. ثم اعلم أن الصيد حقيقة في المتوحش، فلو استأنس ففيه خلاف العلماء على
ما يأتي في كتاب الصيد إن شاء الله تعالى.
الثامن: الحديث صريح في منع ما أكل منه الكلب، وفي حديث أبي ثعلبة الخشني
في سنن أبي داود بإسناد حسن: كله وإن أكل منه الكلب. قلت: التوفيق بين الحديث بأن
يجعل حديث أبي ثعلبة أصلاً في الإباحة، وأن يكون النهي في حديث عدي بن حاتم على
معنى التنزيه دون التحريم قاله الخطابي، وقال أيضاً: ويحتمل أن يكون الأصل في ذلك
حديث عدي، ويكون النهي عن التحريم الثابت، فيكون المراد بقوله: وإن أكل منه الكلب،
فيما مضى من الزمان وتقدم منه، لا في هذه الحالة، وذلك لأن من الفقهاء من ذهب الى
أنه إذا أكل الكلب المعلم من الصيد مرة، بعد أن كان لا يأكل، فإنه يحرم كل صيد كان
قد اصطاده، فكأنه قال: كل منه وإن كان قد أكل فيما تقدم إذا لم يكن قد أكل منه في
هذه الحالة. قلت: هذا الذي ذكره هو قول أبي حنيفة، وأول بهذا التأويل ليكون الحديث
حجة عليه وليس الأمر كذلك، فإن في (الصحيحين): ((إذا أرسلت كلابك المعلمة، وذكرت
اسم الله تعالى، فكل مما أمسكن عليك إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل فإني أخاف أن يكون

٦٩
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٤)
إنما أمسك على نفسه.
٣٤ - بابُ مَنْ لَمْ يَرَ الوُضُوءَ إلاَّ مِنَ المَخْرِجَيْنِ القُبُلِ والدُّبُرِ
أي: هذا باب في بيان قول من لم ير الوضوء إلاّ من المخرجين، وهو تثنية مخرج،
بفتح الميم، وبين ذلك بطريق عطف البيان بقوله: ((القبل والدبر))، ويجوز أن يكون جرهما
بطريق البدل، والقبل يتناول الذكر والفرج،، وقال الكرماني: فإن قلت: للوضوء أسباب أخر
مثل النوم وغيره، فكيف حصر عليهما؟ قلت: الحصر إنما هو بالنظر إلى اعتقاد الخصم، إذ هو
رد لما اعتقده، والاستثناء مفرغ، فمعناه: من لم ير الوضوء من مخرج من مخارج البدن إلاّ
من هذين المخرجين، وهو رد لمن رأى أن الخارج من البدن بالقصد مثلاً ناقض الوضوء،
فكأنه قال: من لم ير الوضوء إلاَّ من المخرجين لا من مخرج آخر كالقصد، كما هو اعتقاد
الشافعي. قلت: فيه مناقشة من وجوه:
الأول: أنه جعل مثل النوم سبباً للوضوء، وليس كذلك، لأن النوم ونحوه سبب
لانتقاض الوضوء لا للوضوء، والذي يكون سبباً لنفي شيء كيف يكون سبباً لإثباته؟. الثاني:
قوله: بالنظر إلى اعتقاد الخصم ليس كذلك، وإنما هو حصر بالنظر إلى اعتقاد خصم الخصم،
والخصم لا يدعي الحصر على المخرجين. الثالث: إن قوله: فمعناه من لم ير الوضوء من
مخرج ... إلى آخره، يرده حكم من طعن في سرته وخرج البول والعذرة، تنتقض الطهارة عند
الخصم أيضاً، فعلمنا من هذا أن الحكم الخارج من القبل والدبر وغيرهما سواء في الحكم
فلا يتفاوت. ثم المناسبة بين البابين أن الباب السابق في نفي النجاسة عن شعر الإنسان وعن
سؤر الكلب، وفي هذا الباب نفي انتقاض الوضوء من الخارج من غير المخرجين، وأدنى
المناسبة كافية.
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالَى: ﴿أُوْ جاءَ أحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]
هذا لا يصلح أن يكون دليلاً لما ادعاه من الحصر على الخارج من المخرجين، لأن
عندهم ينتقض الوضوء من لمس النساء ومس الفرج، فإذا الحصر باطل. وقال الكرماني:
الغائط المطمئن من الأرض، فيتناول القبل والدبر، إذ هو كناية عن الخارج من السبيلين
مطلقاً. قلت: تناوله القبل والدبر لا يستلزم حصر الحكم على الخارج منهما، فالآية لا تدل
على ذلك، لأن الله تعالى أخبر أن الوضوء، أو التيمم عند فقد الماء، يجب بالخارج من
السبيلين، وليس فيه ما يدل على الحصر. فقال بعضهم: هذا دليل الوضوء مما يخرج من
المخرجين. قلت: نحن نسلم ذلك، ولكن لا نسلم دعواك أيها القائل: إن هذا حصر على
الخارج منهما. وقال أيضاً: ﴿أو لامستم النساء﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦] دليل الوضوء من
ملامسة النساء: قلت: الملامسة كناية عن الجماع، وقال ابن عباس: المس واللمس والغشيان
والإتيان والقربان والمباشرة: الجماع، لكنه عز وجل حي كريم يعفو ويكني، فكنى باللمس
i
i

٧٠
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٤)
عن الجماع كما كنى بالغائط عن قضاء الحاجة، ومذهب علي بن أبي طالب، وأبي موسى
الأشعري وعبيدة السلماني، بفتح العين المهملة، وعبيدة الضبي، بضم العين، وعطاء وطاوس
والحسن البصري والشعبي والثوري والأوزاعي: أن اللمس والملامسة كناية عن الجماع، وهو
الذي صح عن عمر بن الخطاب أيضاً على ما نقله أبو بكر بن العربي وابن الجزري، فحينئذ
بطل قول هذا القائل: وقوله: ﴿أو لا مستم النساء﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦] دليل الوضوء،
بل هو دليل الغسل وقال أيضاً: وفي معناه مس الذكر. قلت: هذا أبعد من الأول، فإن كانت
الملامسة بمعنى الجماع، كيف يكون مس الذكر مثله؟ فيلزم من ذلك أن يجب الغسل على
من مس ذكره. وقوله: مع صحة الحديث، أي: في مس الذكر. قلت: وإن كان الحديث فيه
صحيحاً، قلنا: أحاديث وأخبار ترفع حكم هذا، كما قررنا في موضعه في غير هذا الكتاب.
وقالَ عَطَاءٌ فِيمَنْ يَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ الدُّودُ أوْ مِنْ ذَكَرِهِ نَحْوُ القَمْلَةِ يُعِيدُ الوُضُوءَ
عطاء هو ابن أبي رباح، وهذا تعليق وصله ابن أبي شيبة في (مصنفه) بإسناد صحيح،
وقال: حدّثنا حفص بن غياث عن ابن جريج عن عطاء، فذكره. وقال ابن المنذر: أجمعوا
على أنه ينقض خروج الغائط من الدبر والبول من القبل والريح من الدبر والمذي، قال: ودم
الاستحاضة ينقض في قول عامة العلماء الأربعة. قال: واختلفوا في الدود يخرج من الدبر
فكان عطاء ابن أبي رباح والحسن وحماد بن أبي سليمان وأبو مجلز والحكم وسفيان
والثوري والأوزاعي وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور يرون منه الوضوء. وقال
قتادة ومالك: لا وضوء فيه، روروي ذلك عن النخعي. وقال مالك: لا وضوء في الدم يخرج
من الدبر. انتهى. ونقلت الشافعية عن مالك أن النادر لا ينقض، والنادر كالمذي يدوم لا
بشهوة فإن كان بها فليس بنادر، وكذا نقل ابن بطال عنه، فقال: وعند مالك أن ما خرج من
المخرجين معتاداً ناقض، وما خرج نادراً على وجه المرض لا ينقض الوضوء: كالاستحاضة
وسلس البول او المذي والحجر والدود والدم. وقال ابن حزم: المذي والبول والغائط، من أي
موضع خرجن من الدبر أو الإحليل أو المثانة أو البطن أو غير ذلك من الجسد أو الفم، ناقض
للوضوء لعموم أمره، عليه الصلاة والسلام، بالوضوء منها، ولم يخص موضعاً دون موضع، وبه
قال أبو حنيفة وأصحابه. والريح الخارجة من ذكر الرجل وقبل المرأة لا ينقض الوضوء عندنا،
هكذا ذكره الكرخي عن أصحابنا إلا أن تكون المرأة مفضاة، وهي التي صار مسلك بولها
ووطئها واحداً، أو التي صار مسلك الغائط والوطء منها واحداً. وعن الكرخي: إن الريح لا
يخرج من الذكر وإنما هو اختلاج. وقيل: إن كانت الريح منتنة يجب الوضوء وإلا فلا،
وفي (الذخيرة): والدودة الخارجة من قبل المرأة على هذه الأقوال. وفي (القدوري):
توجب الوضوء، وفي الذكر لا تنقض وإن خرجت الدودة من الفم أو الأنف أو الأذن لا
تنقض
٦٠

٧١
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٤)
وقالَ جَابِرِ بنُ عَبْدِ اللَّهِ إذَا ضَحِكَ فِي الصَّلاَةِ أعادَ الصَّلاَةَ وَلَمْ يُعِدِ الوُضُوءَ
هذا التعليق وصله البيهقي في (المعرفة) عن أبي عبد الله الحافظ: حدّثنا أبو الحسن
ابن ماتي حدّثنا إبراهيم بن عبد الله حدّثنا وكيع عن الأعمش عن أبي سفيان مرفوعاً: سئل
جابر فذكره، ورواه أبو شيبة. قاضي واسط عن يزيد بن أبي خالد عن أبي سفيان مرفوعاً،
واختلف عليه في سننه والموقوف هو الصحيح ورفعه ضعيف. قال البيهقي: وروينا عن عبد
الله بن مسعود وأبي موسى الأشعري وأبي أمامة الباهلي ما يدل على ذلك وهو قول الفقهاء
السبعة. وقال الشعبي وعطاء والزهري: وهو إجماع فيما ذكره ابن بطال وغيره، وإنما الخلاف:
هل ينقض الوضوء؟ فذهب مالك والليث والشافعي إلى أنه لا ينقض، وذهب النخعي
والحسن إلى أنه ينقض الوضوء والصلاة، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي
مستدلين بالحديث الذي رواه الدارقطني عن أبي المليح عن أبيه: ((بينا نحن نصلي خلف
رسول الله، عليه الصلاة والسلام، إذا أقبل رجل ضرير البصر، فوقع في حفرة، فقال رسول الله
عَ ل: ((من ضحك منكم فليعد الوضوء والصلاة)). ورواه أيضاً من حديث أنس وعمران بن
حصين وأبي هريرة، وضعفها كلها. قلت: مذهب أبي حنيفة ليس كما ذكره، وإنما مذهبه مثل
ما روي عن جابر أن الضحك يبطل الصلاة ولا يبطل الوضوء، والقهقهة تبطلهما جميعاً،
والتبسم لا يبطلهما، والضحك ما يكون مسموعا له دون جيرانه، والقهقهة ما يكون مسموعاً
له ولجيرانه، والتبسم ما لا صوت فيه ولا تأثير له دون واحد منهما. فإن قال: كيف استدلت
الحنفية بالحديث الذي رواه الدارقطني، وليس فيه إلاّ الضحك دون القهقهة؟ قلت: المراد
من قوله: من ضحك منكم قهقهة، يدل عليه ما رواه ابن عمر. قال: قال رسول الله عَ له:
((من ضحك في الصلاة قهقهة فليعد الوضوء والصلاة)). رواه ابن عدي في (الكامل) من
حديث بقية: حدّثنا أبي عمرو بن قيس عن عطاء عن ابن عمر، والأحاديث يفسر بعضها
بعضاً. فإن قيل: قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح، فإن بقية من عادته التدليس. قلت:
المدلس إذا صرح بالتحديث وكان صدوقاً زالت تهمة التدليس، وبقية صرح بالتحديث وهو
صدوق.
ولنا في هذا الباب أحد عشر حديثاً عن رسول الله عَّ له منها أربعة مرسلة وسبعة
مسندة.
فأول المراسيل: حديث أبي العالية الرياحي، رواه عنه عبد الرزاق عن قتادة عن أبي
العالية، وهو عدل ثقة: ((أن أعمى تردى في بئر والنبي عَ له، يصلي بأصحابه، فضحك بعض
من كان يصلي معه، عليه الصلاة والسلام، فأمر النبي، عليه السلام، من كان ضحك منهم أن
يعيد الوضوء ويعيد الصلاة))، وأخرجه الدارقطني من جهة عبد الرزاق بسنده، وعبد الرزاق فمن
فوقه من رجال الصحيح، وأبو العالية اسمه: رفيع ابن مهران الرياحي البصري، أدرك الجاهلية
وأسلم بعد موت النبي، عليه الصلاة والسلام، بسنتين، ودخل على أبي بكر الصديق، رضي
F
جوز
-٠٠٠

٠ ٠٠.
.
٣٠٠ج
٧٢
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٤)
الله تعالى عنه، وصلى خلف عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، وروى عن جماعة من
الصحابة، ووثقه يحيى وأبو زرعة وأبو حاتم، وروى له الجماعة، وقال ابن رشد المالكي: هو
مرسل صحيح، ولم يقل الشافعي إلاّ بإرساله، والمرسل عندنا حجة وكذا عند مالك، قاله أبو
بكر ابن العربي، وكذا عن أحمد، حكى ذلك ابن الجوزي في التحقيق؛ وروي ذلك أيضاً
من طرق سبعة متصلة، ذكرها جماعة منهم ابن الجوزى. والثاني من المراسيل: مرسل
الحسن البصري، رواه الدارقطني بإسناده إليه وهو أيضا مرسل صحيح. والثالث: مرسل
النخعي، رواه عن الأعمش عن النخعي قال: جاء رجل ضرير البصر والنبي، عليه الصلاة
والسلام، يصلي ... الحديث. والرابع: مرسل معبد الجهني، روي عنه من طرق.
وأول المسانيد: حديث عبد الله بن عمر، وقد ذكرناه. والثاني: حديث أنس بن
مالك، رواه الدارقطني من طرق. والثالث: حديث أبي هريرة من رواية أبي أمية عن الحسن
عن أبي هريرة عن النبي، عليه الصلاة والسلام، أنه قال: إذا قهقه في الصلاة أعاد الوضوء
وأعاد الصلاة، رواه الدارقطني. والرابع: حديث عمران بن حصين عن النبي، عليه الصلاة
والسلام، أنه قال: ((من ضحك في الصلاة قرقرة فليعد الوضوء)). والخامس: حديث جابر
أخرجه الدارقطني. والسادس: حديث أبي المليح بن أسامة، أخرجه الدارقطني أيضا.
والسابع: حديث رجل من الأنصار: ((أن رسول الله، عليه الصلاة والسلام، كان يصلي، فمر
رجل في بصره سوء فتردى في بئر وضحك طوائف من القوم، فأمر رسول الله عَ لَّم من كان
ضحك أن يعيد الوضوء والصلاة))، رواه الدارقطني، وقال بعضهم حاكياً عن ابن المنذر:
أجمعوا على أنه لا ينقض خارج الصلاة، واختلفوا إذا وقع فيها فخالف من قال بالقياس
الجلي، وتمسكوا بحديث لا يصح، وحاشا أصحاب رسول الله، عليه الصلاة والسلام، الذين
هم خير القرون، أن يضحكوا بين يدي الله سبحانه خلف رسول الله، عليه الصلاة والسلام.
قلت: هذا القائل أعجبه هذا الكلام المشوب بالطعن على الأئمة الكبار، وفساده ظاهر من
وجوه: الأول: كيف يجوز التمسك بالقياس مع وجود الأخبار المشتملة على مراسيل مع
كونها حجة عندهم. قوله: تمسكوا بحديث لا يصح، وليس الأمر كذلك، بل تمسكوا
بالأحاديث التي ذكرناها وإن كان بعضهم قد ضعف منها، فبكثرتها واختلاف طرقها ومتونها
ورواتها تتعاضد وتتقوى على ما لا يخفى، ومع هذا فإن الرواة الذين فيها من الضعفاء على
زعم الخصم لا يسلمه من يعمل بأحاديثهم، ولم تتعاضد وتتقوى على ما لا يخفى، ومع هذا
فإن الرواة الذين فيها من الضعفاء على زعم الخصم لا يسلمه من يعمل بأحاديثهم، ولم
يسلم أحد من التكلم فيه. والثالث: قوله: حاشا من أصحاب رسول الله عَ لّهِ ... إلى آخره،
ليس بحجة في ترك العمل في الأخبار المذكورة، وكان يصلي خلف النبي، عَ ل الصحابة
وغيرهم من المنافقين والأعراب الجهال، وهذا من باب حسن الظن بهم، وإلاّ فليس الضحك
كبيرة، وهم ليسوا من الصغائر بمعصومين ولا عن الكبائر، على تقدير كونه كبيرة، ومع هذا
وقع من الأحداث في حضرة النبي عَّةٍ ما هو أشد من هذا. وقال القائل المذكور، بعد نقله

٧٣
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٤)
كلام ابن المنذر الذي ذكرناه: على أنهم لم يأخذوا بمفهوم الخبر المروي في الضحك، بل
خصوه بالقهقهة. قلت: هذا كلام من لا ذوق له من دقائق التراكيب، وكيف لم يأخذوا
بمفهوم الخبر المروي في الضحك، ولو لم يأخذوا ما قالوا: الضحك يفسد الصلاة ولا
خصوه بالقهقهة؟ فإن لفظ القهقهة ذكر صريحاً كما جاء في حديث ابن عمر صريحاً. وجاء
أيضا لفظ: القرقرة، في حديث عمران بن حصين. وقد ذكرناهما قريباً، وقد ذكرنا أن
الأحاديث يفسر بعضها بعضا.
وقالَ الحَسَنُ: إِنْ أَخَذَ مِنْ شَعرِهِ وأْفَارِهِ أوْ خَلعَ خُفَّيْهِ فَلاَ وُضُوءَ عَلَيْهِ
أي قال الحسن البصري، رضي الله عنه، وهذه مسألتان ذكرهما بالتعليق. التعليق
الأول: وهو قوله: ((إن أخذ من شعره أو أظفاره)) أخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر بإسناد
صحيح موصولاً، وبه قال أهل الحجاز والعراق. وعن أبي العالية والحكم وحماد ومجاهد
إيجاب الوضوء في ذلك، وقال عطاء والشافعي والنخعي: يمسه الماء. وقال أصحابنا الحنفية:
ولو حلق رأسه بعد الوضوء، أو جزَّ شاربه أو قلَّم ظفره أو قشط خفه بعد مسحه فلا إعادة
عليه. وقال ابن جرير: وعليه الإعادة. وقال إبراهيم: عليه إمرار الماء على ذلك الموضع.
والتعليق الثاني: وصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن هشام عن يونس عنه قوله: ((أو خلع
خفيه)) قيد بالخلع لأنه إذا أخذ من خفيه بمعنى قشط من موضع المسح فلا وضوء عليه،
وأما لو خلع خفيه بعد المسح عليهما ففيه أربعة أقوال: فقال مكحول والنخعي وابن أبي
ليلى والزهري والأوزاعي وأحمد وإسحاق: يستأنف الوضوء، وبه قال الشافعي في القول
القديم. والقول الثاني: يغسل رجليه مكانه فإن لم يفعل استأنف الوضوء، وبه قال مالك
والليث. والثالث: يغسلهما إذا أراد الوضوء، وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي
في (الجديد) والمزني وأبو ثور. لا شيء عليه ويغسل كما هو، وبه قال الحسن وقتادة،
وروي مثله عن النخعي.
P
i
i
i
i
وقالَ أَبُو هُرَيْرَةَ لاَ وُضُوءَ إلاّ مِنْ حَدَثٍ
هذا التعليق وصله إسماعيل القاضي في (الأحكام) بإسناد صحيح من حديث مجاهد
عنه موقوفاً، ورواه أبو عبيد في كتاب (الطهور) بلفظ ((لا وضوء إلاّ من حدث أو صوت أو
ريح)). وقال بعضهم: ورواه أحمد وأبو داود والترمذي من طريق شعبة عن سهل بن أبي صالح
عن أبيه عنه مرفوعاً. قلت: الذي رواه أبو داود غير ما روي عن أبي هريرة، وخلافة على ما
تقف عليه الآن. وقال الكرماني: معنى ((لا وضوء إلاَّ من حدث)): لا وضوء إلاَّ من الخارج
من السبيلين. قلت: الحدث أعم من هذا، وكل واحد من الإغماء والنوم والجنون حدث،
وجميع الأئمة يقولون: لا وضوء إلاَّ من حدث؛ فإن اعتمد الكرماني في هذا التفسير على
حديث أبي داود المرفوع، فلا يساعده ذلك، لأن لفظ حديث أبي داود عن أبي هريرة أن
جود

٧٤
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٤)
رسول الله عَّ الله قال: ((إذا كان أحدكم في الصلاة فوجد حركة في دبره أحدث أو لم
يحدث فأشكل عليه، فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً). فالحدث هنا خاص
وهو: سماع الصوت أو وجدان الريح. وأثر أبي هريرة عام في سائر الأحداث، لأن قوله: من
حدث، لفظ عام لا يختص بحدث دون حدث.
ويُذْكَرُ عَنْ جابِرِ أنّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرَّقَاعِ فَرُمِيَّ رَجُلٌ
بِسَهْمِ فَنَزَفَهُ الدَّمُّ فَرَكَعَ وسَجَدَ وَمَضَى فِي صَلاَتِهِ
الكلام فيه على أنواع.
الأول: أن هذا الحديث وصله ابن إسحاق في المغازي، قال: حدثني صدقة بن يسار
عن عقيل بن جابر عن أبيه قال: ((خرجنا مع رسول الله عَّل). يعني في غزوة ذات الرقاع
فأصاب رجلٌ أمرأة رجلٍ من المشركين، فحلف أن لا أنتهي حتى أهريق دماً في أصحاب
محمد، فخرج يتبع أثر النبي عَّهِ، فنزل النبي عَلِّ منزلاً فقال: من رجل يكلؤنا؟ فانتدب
رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، قال: كونا بفم الشعب. قال: فلما خرج الرجلان إلى
فم الشعب اضطجع المهاجري وقام الأنصاري يصلي، وأتى الرجل، فلما رأى شخصه عرف
أنه ربيئة للقوم، فرماه بسهم فوضعه فيه، ونزعه حتى مضى ثلاثة أسهم، ثم ركع وسجد، ثم
انتبه صاحبه، فلما عرف أنه قد نذروا به هرب، ولما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء
قال: سبحان الله ألا أنبهتني أول ما رمى؟ قال: كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها.
الثاني: أن هذا الحديث صحيح. أخرجه ابن حبان في (صحيحه) والحاكم في
(مستدركه) وصححه ابن خزيمة في (صحيحه) وأحمد في (مسنده) والدارقطني في (سننه)
كلهم من طريق إسحاق. فإن قلت: إذا كان كذلك فَلِمَ لم يجزم به البخاري؟ قلت: قال
الكرماني: ذكره بصيغة التمريض لأنه غير مجزوم به، بخلاف قوله: قال جابر في الحديث
الذي مضى هنا، لأن: قال، ونحوه تعليق بصيغة التصحيح مجزوماً به. قلت: فيه نظر، لأن
الحديث الذي قال فيه: قال جابر، لا يقاوم الحديث على ما وقفت عليه، وكان على قوله
ينبغي أن يكون الأمر بالعكس. وقال بعضهم: لم يجزم به لكونه مختصراً. قلت: هذا أبعد من
تعليل الكرماني، فإن كون الحديث مختصراً لا يستلزم أن يذكر بصيغة التمريض، والصواب
فيه أن يقال: لأجل الاختلاف في ابن إسحاق.
الثالث في رجاله، وهم: صدقة بن يسار الجزري، سكن مكة، قال ابن معين: ثقة.
وقال أبو حاتم: صالح، روى له مسلم والنسائي وابن ماجة أيضاً. وعقيل، بفتح العين: ابن
جابر الأنصاري الصحابي، ولم يعرف له راوٍ غير صدقة وجابر بن عبد الله بن عمر
والأنصاري.
الرابع: في لغاته ومعناه قوله: ((في غزوة ذات الرقاع)) سميت بإسم شجرة هناك،
١٠
27

٧٥
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٤)
وقيل: باسم جبل هناك فيه بياض وسواد وحمرة، يقال له: الرقاع، فسميت به. وقيل: سميت
به لرقاع كانت في ألويتهم. وقيل: سميت بذلك لأن أقدامهم نقبت فلفوا عليها الخرق، وهذا
هو الصحيح، لأن أبا موسى حاضر ذلك مشاهدة وقد أخبر به، وكانت غزوة ذات الرقاع في
سنة أربع من الهجرة. وذكر البخاري أنها كانت بعد خيبر، لأن أبا موسى جاء بعد خيبر.
قوله: ((حتى أهريق) أي: أريق، والهاء فيه زائدة. قوله: ((أثر النبي، عليه الصلاة والسلام))،
بفتح الهمزة والثاء المثلثة، ويجوز بكسرها وسكون الثاء. قوله: ((من رجل))، كلمة: من،
استفهامية أي: أي رجل يكلؤنا؟ أي: يحرسنا؟ من كلاً يكلأ كلاءة، من باب: فتح يفتح.
كلأته أكلؤه فأنا كالىء، وهو مكلوء. وقد تخفف همزة الكلاءة وتقلب ياءً فيقال: كلاية.
قوله: ((فانتدب))، يقال ندبه للأمر فانتدب له أي: دعا له فأجاب، والرجلان هما: عمار بن
ياسر وعباد بن بشر. ويقال الأنصاري، وهو عمارة بن حزم، والمشهور الأول. قوله:
((الشعب))، بكسر الشين: الطريق في الجبل، وجمعه شعاب. قوله: ((وقام الأنصاري))، وهو
عباد بن بشر. قوله: ((ربيئة))، بفتح الراء وكسر الباء الموحدة: هو العين والطليعة الذي ينظر
للقوم لئلا يدهمهم عدو، ولا يكون إلاَّ على جبل أو شرف ينظر منه، من: ربأ يربأ من باب:
فتح يفتح. قوله: ((فرماه))، الضمير المرفوع يرجع إلى المشرك، والمنصوب إلى الأنصاري.
قوله: ((حتى مضى ثلاثة أسهم)) أي: حتى كمل ثلاثة أسهم. قوله: ((قد نذروا به))، بفتح النون
وكسر الذال المعجمة: أي علموا وأحسوا بمكانه. قوله: ((ألا أنبهتني)) كلمة: ألاّ، بفتح الهمزة
والتخفيف بمعنى الإنكار، فكأنه أنكر عليه عدم إنباهه، ويجوز بالفتح والتشديد، ويكون بمعنى:
هلا، بمعنى اللوم والعتب على ترك الإنباه. قوله: ((كنت في سورة أقرؤها))، وكانت سورة
الكهف، حكاه البيهقي. قوله: ((فنزفه الدم))، في رواية البخاري بفتح الزاي، وبالفاء. قال
الجوهري: یقال نزفه الدم إذا خرج منه دم کثیر حتی یضعف، فهو نزيف ومنزوف، وقال ابن
التين: هكذا رويناه، والذي عند أهل اللغة: نزف دمه، على صيغة المجهول، أي: سال دمه.
وقال ابن جني: أنزفت البئر وأنزفت هي، جاء مخالفاً للعادة. وفي (المحكم): أنزفت البئر:
نزحت. وقال ابن طريق: تميم تقول: أنزفت، وقيس تقول: نزفت، ونزفه الحجام ينزفه وينزفه:
أخرج دمه كله، ونزفه الدم، وإن شئت قلت: أنزفه، وحكى الفراء: أنزفت البئر: ذهب ماؤها.
الخامس في استنباط الأحكام منه احتج الشافعي ومن معه بهذا الحديث: أن خروج
الدم وسيلانه من غير السبيلين لا ينقض الوضوء، فإنه لو كان ناقضاً للطهارة لكانت صلاة
الأنصاري به تفسد أول ما أصابه الرمية، ولم يكن يجوز له بعد ذلك أن يركع ويسجد وهو
محدث، واحتج أصحابنا الحنفية بأحاديث كثيرة أقواها وأصحها ما رواه البخاري في
(صحيحه) عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، قالت: ((جاءت
فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي، عليه الصلاة والسلام، فقالت: يا رسول الله إني امرأة
أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: لا إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت
الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم. قال هشام: قال أبي: ثم توضعي لكل
i
i
i
i

٧٦
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٤)
صلاة حتى يجيء ذلك الوقت)). لا يقال: قوله: ((ثم توضئي لكل صلاة))، من كلام عروة،
لأن الترمذي لم يجعله من كلام عروة وصححه. وأما احتجاج الشافعي ومن معه بذلك
الحدیث فمشکل جداً، لأن الدم إذا سال أصاب بدنه وجلده، وربما أصاب ثيابه ومن نزل
عليه الدماء مع إصابة شيء من ذلك، وإن كان يسيراً لا تصح صلاته عندهم، ولئن قالوا: إن
الدم كان يخرج من الجراحة على سبيل الزرق حتى لا يصيب شيئاً من ظاهر بدنة وربما
أصاب ثيابه، ومع إصابة شيء من ذلك، وإن كان يسيراً. لا تصح صلاته، وقال بعضهم: ولو
لم يظهر الجواب عن كون الدم أصابه فالظاهر أن البخاري كان يرى أن خروج الدم في
الصلاة لا يبطل، بدليل أنه ذكر عقيب هذا الحديث أثر الحسن البصري، قال: ما زال
المسلمون يصلون في جراحاتهم. قلت: هذا أعجب من الكل وأبعد من العقل، وكيف يجوز
هذا القائل نسبة جواز الصلاة مع خروج الدم فيها مع غير دليل قوي إلى البخاري؟ وأثر
الحسن لا يدل على شيء من ذلك أصلاً، لأنه لا يلزم من قوله: ((يصلون في جراحاتهم))،
أن يكون الدم خارجاً وقتئذ، ومن له جراحة لا يترك الصلاة لأجلها بل يصلي وجراحته إما
معصبة بشيء، أو مربوطة بجبيرة، ومع ذلك لو خرج شيء من ذلك تفسد صلاته بمجرد
الخروج، ولا بد من سيلانه ووصوله إلى موضع يلحقه حكم التطهير.
وقال الحَسَنُ ما زَالِ المُسْلِمُونَ يُصَلّونَ فِي جِرَاحَاتِهِمْ
أي: قال الحسن البصري: ومعناه يصلون في جراحاتهم من غير سيلان الدم، والدليل
عليه ما رواه ابن أبي شيبة في (مصنفه): عن هشام عن يونس عن الحسن: أنه کان لا یری
الوضوء من الدم إلاّ ما كان سائلاً، هذا الذي روي عن الحسن بإسناد صحيح هو مذهب
الحنفية، وحجة لهم على الخصم، فبطل بذلك قول القائل المذكور، ولو لم يظهر
الجواب ... إلى آخره، ولم يكن المراد من أثر الحسن ما ذهب إليه فهمه بل وهمه، فذلك
مع علمه ووقوفه على الذي رواه ابن أبي شيبة في (مصنفه) المذكور تركه، ولم يذكره لكونه
يرد عليه ما ذهب إليه، ويبطل ما اعتمد عليه، وليس هذا شأن المنصفين وإنما هذا دأب
المعاندين المتعصبين الذين يدقون الحديد البارد على السندان.
وقالَ طَاوُسٌ ومُحمَّدُ بنُ عَلِيّ وعَطاءٌ وأهْلُ الحِجَازِ لَيْسَ فِي الدَّم وُضُوءُ
طاوس هو ابن كيسان اليماني الحميري، أحد الأعلام التابعين وخيار عباد الله
الصالحين. قال يحيى بن معين: اسمه ذكوان، وسمي طاوساً لأنه كان طاوس القراء، ووصل
أثره ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عبيد الله بن موسى عن حنظلة عن طاووس أنه كان لا
يرى في الدم السائل وضوء يغسل منه الدم ثم حبسه، وهذا ليس بحجة لهم لأنهم لا يرون
العمل بفعل التابعي، ولا هو حجة على الحنفية من وجهين: الأول: أنه لا يدل على أن
طاوساً كان يصلي والدم سائل. والثاني: وإن سلمنا ذلك، فالمنقول عن أبي حنيفة أنه كان
٠,٠

٧٧
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٤)
يقول: التابعون رجال ونحن رجال يزاحموننا ونزاحمهم، والمعنى أن أحداً منهم إذا أدى
اجتهاده إلى شيء لا يلزمنا الأخذ به، بل نجتهد كما اجتهد هو، فما أدى اجتهادنا إليه عملنا
به وتركنا اجتهاده. وأما محمد بن علي فهو: محمد بن الحسين بن علي بن أبي طالب،
رضي الله تعالى عنهم أجمعين، الهاشمي المدني، أبو جعفر المعروف: بالباقر، سمي به لأنه
بقر العلم أي: شقه بحيث عرف حقائقه، وهو أحد الأعلام التابعين الأجلاء، وروى هذا
موصولاً في (فوائد) الحافظ أبي بشر المعروف بسمويه، من طريق الأعمش، قال: سألت أبا
جعفر الباقر عن الرعاف، فقال: لو سال نهر من دم ما أعدت منه الوضوء. وقال الكرماني:
ويحتمل أن يكون محمد بن علي هذا محمد بن علي المشهور بابن الحنيفة، والظاهر
الاول. واعلم أن جميع ما ذكر في هذا الباب ليس بحجة على الحنيفة، فإن كان من أقوال
الصحابة فكل واحد له تأويل ومحمل صحيح، وإن كان من قول التابعين فليس بحجة عليهم،
لما ذكرنا عن أبي حنيفة الآن. وأما عطاء فهو ابن أبي رباح وأثره وصله عبد الرزاق عن ابن
جريج عنه. قوله: ((وأهل الحجاز)) من عطف العام على الخاص، لأن طاوساً ومحمد بن علي
وعطاء حجازيون، وغير هؤلاء الثلاثة مثل سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والفقهاء السبعة
من أهل المدينة، ومالك والشافعي وآخرون، وخالفهم أبو حنيفة، واستدل بما رواه الدارقطني:
إلاَّ أن يكون دماً سائلاً، وهو مذهب جماعة من الصحابة والتابعين. قال أبو عمر: وبه قال
الثوري والحسن بن حي وعبيد الله بن الحسن والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن
راهويه، وإن كان الدم يسيراً غير خارج ولا سائل فإنه لا ينقض الوضوء عند جميعهم، وما
أعلم أحداً أوجب الوضوء من يسير الدم إلاَّ مجاهداً وحده.
وَصَرِ ابْنُ عُمَرَ بَثْرَةً فَخَرَجَ مِنْهَا الدَّمُ وَلَمْ يَتَوضَّأ
وصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح: حدّثنا عبد الوهاب حدّثنا سليمان بن التيمي عن
بكر، قال: ((رأيت ابن عمر عصر بثرة في وجهه فخرج منها شيء من دم، فحكه بين إصبعيه
ثم صلى ولم يتوضأ)). ((البثرة))، بفتح الباء الموحدة وسكون الثاء المثلثة، ويجوز فتحها وهو
خَرّاج صغير. يقال: بثر وجهه، وهذا الأثر حجة للحنفية، لأن الدم الخارج بالعصر لا ينقض
الوضوء عندهم لأنه مخرج، والنقض يضاف إلى الخارج دون المخرج كما هو مقرر في
كتبهم، فإن فرح أحد من الخصوم أنه حجة على الحنفية فهي فرحة غير مستمرة.
وبَزَقَ ابنُ أبي أوْفَى دَماً فَمَضَى فِي صَلاَتِهِ
ابن أبي أوفى: اسمه عبد الله، وأبو أوفى اسمه: علقمة بن الحارث الصحابي بن
الصحابي، شهد بيعة الرضوان وما بعدها من المشاهد، وهو آخر من مات من الصحابة
بالكوفة سنة سبع وثمانين، وقد كف بصره، وهو أحد من رآه أبو حنيفة من الصحابة وروى
عنه، ولا يلتفت إلى قول المنكر المتعصب: وكان عمر أبي حنيفة حينئذ سبع سنين، وهو
تقوم

٠,٠٠٠
٧٨
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٤)
سن التمييز. هذا على الصحيح إن مولد أبي حنيفة سنة ثمانين، وعلى قول من قال: سنة
سبعين، يكون عمره حينئذ سبعة عشر سنة، ويستبعد جداً أن يكون صحابي مقيماً ببلدة، وفي
أهلها من لا يكون رآه وأصحابه أخبر بحاله وهم ثقات في أنفسهم. قوله: ((بزق))، بالزاي
والسين والصاد: بمعنى واحد، وهذا الأثر وصله سفيان الثوري، وفي (جامعه) عن عطاء بن
السائب أنه رآه يفعل ذلك، ورواه ابن أبي شيبة في (مصنفه) بسند جيد عن عبد الوهاب
الثقفي عن عطاء بن السائب، قال: رأيت ابن أبي أوفى بزق دما هو يصلي ثم مضى في
صلاته، وهذا ليس بحجة لهم علينا، لأن الدم الذي يخرج من الفم، إن كان من جوفه فلا
ينقض وضوءه، وإن كان من بين أسنانه فالاعتبار للغلبة بالبزاق والدم، ولم يتعرض الراوي
لذلك، فلم يبق حجة. والحكم بالغلبة له أصل. وروى ابن أبي شيبة عن الحسن في رجل
بزق فرأى في بزاقه دماً أنه لم يرد ذلك شيئاً حتى يكون عبيطاً، وروي عن ابن سيرين أنه ربما
بزق فيقول لرجل: أنظر هل تغير الريق؟ فإن تغير، بزق الثانية، فان كان في الثانية متغيراً فإنه
يتوضأ، وإن لم يكن في الثانية متغيراً لم ير وضوءاً. قلت: التغير لا يكون إلاّ بالغلبة.
وقالَ ابنُ عُمَرَ والَحسنُ فِيمَنْ يَخْتَجِمُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلاَّ غَسْلُ مَحاجِمِهِ
عبد الله بن عمر والحسن البصري وهذان رواهما ابن أبي شيبة في (مصنفه): حدّثنا
ابن نمير حدّثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما (أنه كان إذا احتجم غسل أثر
محاجمه)). وحدّثنا حفص عن أشعث عن الحسن وابن سيرين ((أنهما كانا يقولان بغسل أثر
المحاجم)). ولما ذكر ابن بطال في شرحه أثر ابن عمر والحسن. قال: هكذا رواه المستملي
وحده بإثبات: إلاّ، ورواه الكشميهني، وأكثر الرواة بغير: إلاَّ، ثم قال: ورواية المستملي هي
الصواب، وكذا قال الكرماني، ومقصودهم من تصحيح هذه الرواية إلزام الحنفية، ولا يصعد
ذلك معهم لأن جماعة من الصحابة رأوا فيه الغسل، منهم: ابن عباس وعبد الله بن عمرو
وعلي بن أبي طالب، وروته عائشة، رضي الله عنها، عن النبي، عليه الصلاة والسلام، رواه
ابن أبي شيبة بأسانيد جياد، وهو مذهب مجاهد أيضاً، وأيضاً فالدم الذي يخرج من موضع
الحجامة مخرج وليس بخارج، والنقض يتعلق بالخارج كما ذكرنا، فإذا احتجم وخرج الدم
في المحجم بمص الحجام ولم يسل ولم يلحق إلى موضع يلحقه حكم التطهير، فعلى
الأصل المذكور لا ينتقض وضوؤه، ولكن لا بد من غسل موضع الحجامة، والمقصود إزالة
ذلك من موضع الحجامة بأي شيء كان، ولا يتعين الماء، وفي (المحلى) في أثر ابن عمر:
غسله بحصاة فقط، وعن الليث: يجزيه أن يمسحه ويصلي ولا يغسله، فهذا يدل على أن
المراد إزالة ذلك. قوله: ((محاجمه)) جمع محجمة، بفتح الميم: مكان الحجامة، وبكسر
الميم: اسم القارورة، والمراد ههنا الأول.
١٧٦/٤٠ - حدّثنا آدَمُ بنُ أبي إِيَاسِ قالَ حدّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ عَنْ سَعيدِ المَقْبُرِيِّ عَنْ
أبي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: (لاَ يَزَالُ العَبْدُ فِي صَلاَةٍ ما كانَ فِي

٧٩
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٤)
المسْجِدِ ينْتَظِرُ الصَّلاَةَ ما لمْ يُحدِثْ)) فقالَ رَجُلٌ أعْجَمِيٌّ ما الحَدَثُ يا أبا هُرَيْرَةَ قالَ
الصَّوْتُ يَعْنِي الضَّرْطَةَ. [الحديث ١٧٦ - أطرافه في: ٤٤٥، ٤٧٧، ٦٤٧، ٦٤٨، ٦٥٩،
٢١١٩، ٣٢٢٩، ٤٧١٧]
اقول: إن كان البخاري أخرج هذا الحديث ههنا للرد على أحد ممن هو معود بالرد
عليه فغير مناسب، لأن حكم هذا الحديث مجمع عليه، وليس فيه خلاف. وإن كان لأجل
مطابقته لترجمة الباب فليس كذلك أيضاً، لأنه داخل فيمن يرى الوضوء من المخرجين، وقال
بعض الشراح: والبخاري ساقه لأجل تفسير أبي هريرة الحديث بالضرطة، وهو إجماع. قلت:
لم يتأمل هذا ما قاله، لأن الباب ما عقد له، ولا له مناسبة هنا.
بيان رجاله: وهم أربعة كلهم قد ذكروا، وابن أبي ذئب: محمد بن عبد الرحمن بن
المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب، واسمه: هشام بن شعبة، وسعيد بن أبي سعيد المقبرى،
بضم الباء وفتحها، وقيل: بكسرها أيضاً.
بيان لطائف إسناده منها: أن فيه التحديث والعنعنة. ومنها: أن رواته كلهم مدنيون إلاَّ
آدم فإنه أيضاً دخل المدينة.
بيان المعنى والإعراب قوله: ((لا يزال العبد في صلاة)) أي: في ثواب صلاة. قوله:
((في صلاة)) خبر: لا يزال. قوله: ((ما كان في مسجد))، وفي رواية الكشميهني: ((ما دام في
مسجد)). قوله: ((ينتظر)): إما خبر للفعل الناقص، وإما حال. و ((في المسجد)) خبره، وإنما نكر
الصلاة وعرف المسجد لأنه قصد بالتنكير التنويع، ليعلم أن المراد نوع صلاته التي ينتظرها،
مثلا لو كان في انتظار صلاة الظهر كان في صلاة الظهر، وفي انتظار العصر كان في صلاة
العصر، وهلم جراً. وأما تعريف المسجد فظاهر، لأن المراد به هو المسجد الذي هو فيه،
وهذا الكلام فيه الإضمار، تقديره: لا يزال العبد فى ثواب صلاة ينتظرها ما دام ينتظرها،
والقرينة لفظ الانتظار، ولو كان يجري على ظاهره لم يكن له أن يتكلم، ولا أن يأتي بما لا
يجوز في الصلاة. قوله: ((ما لم يحدث)) أي: ما لم يأت بالحدث. وكلمة: ما، مصدرية
زمانية، والتقدير: مدة دوام. عدم الحدث، كما في قوله تعالى: ﴿ما دمت﴾ [مريم: ٣١] أي:
مدة دوامي ﴿حياً﴾ [مريم: ٣١] فحذف الظرف وخلفته: ما، وصلتها. قوله: ((أعجمي)) نسبة
إلى الأعجم، كذا قيل، وهو الذي لا يفصح ولا يبين كلامه وإن كان من العرب، والعجم
خلاف العرب، والواحد أعجمي. وقال ابن الأثير: "كل من لا يقدر على الكلام فهو أعجم
ومستعجم. وقال الجوهري: لا نقل: رجل أعجمي، فتنسبه إلى نفسه إلاّ أن يكون أعجم؛
وأعجمي بمعنى مثل: دوار ودواري. قلت: فهم من كلامه أن الياء في: أعجمي، ليست
للنسبة، كما قال بعضهم، وإنما هي للمبالغة. قوله: ((فقال رجل)) إلى آخره: مدرج من سعيد.
بيان استنباط الأحكام: الأول فيه فضل انتظار الصلاة، لأن انتظار العبادة عبادة.
الثاني: فيه أن من يتعاطى أسباب الصلاة يسمى مصليا. الثالث: فيه أن هذه الفضيلة
i
٠٦جو.

٨٠
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٤)
المذكورة لمن لا يحدث. وقوله: ((ما لم يحدث)) أعم من أن يكون فساء او ضراطاً أو
غيرهم من نواقض الوضوء من المجمع عليه والمختلف فيه. وقال الكرماني: فإن قلت:
الحدث ليس منحصراً في الضرطة. قلت: المراد الضرطة ونحوها من الفساء وسائر
الخارجات من السبيلين، وإنما خصص بها لأن الغالب أن الخارج منهما في المسجد لا يزيد
عليها. قلت: السؤال عام والجواب خاص، وينبغي أن يطابق الجواب السؤال، ولكن فهم أبو
هريرة، رضي الله تعالى عنه، أن مقصود هذا السائل الحدث الخاص، وهو الذي يقع في
المسجدَ حالة الانتظار، والعادة أن ذلك لا يكون إلاّ الضرطة، فوقع الجواب طبق السؤال،
وإلا فأسباب النقض كثيرة.
٤١/ ١٧٧ - حدّثنا أبُو الوَلِيدِ قال حدّثنا ابنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عَبَّادِ بنِ تَمِيمٍ عَنْ
عَمِّهِ عَنِ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ ((لاَ يَنْصَرِفْ حَتى يَسْمَعَ صَوْتاً أَوْ يَجِدَ رِيْحاً)).
[انظر الحديث ١٣٧ وطرفه].
قال بعضهم: أورد البخاري هذا الحديث هنا لظهور دلالته على حصر النقض بما يخرج
من السبيلين. قلت: هذا قطعة من حديث عبد الله بن زيد، وهو جواب للرجل الذي شكى
إلى النبي عَّلِ أنه يجد الشيء في الصلاة، حتى يخيل إليه. فقال: لا ينصرف حتى يسمع
صوتاً أو يجد ريحاً، وهو جواب مطابق للسؤال، لأن سؤاله عن هذا وهو في حالة الصلاة،
وفي حالة الصلاة لا يوجد غالباً إلاَّ ضراط أو فساء. فأجاب عَ لَّله بأنه لا ينصرف حتى يجد
أحد هذين الشيئين، وليس هذا حصر النقض بما يخرج من السبيلين، فالقائل المذكور، وإن
كان أراد بهذا الكلام نصرة البخاري وتوجيه وضع هذا الحديث في هذا الباب لما ذكره،
فليس بشيء.
بيان رجاله: وهم خمسة. الأول: أبو الوليد: هشام بن عبد الملك الطيالسي، هذا
الذي قاله الأكثرون وفيهم هشام بن عمار، ويكنى بأبي الوليد، وروي أيضاً عن ابن عيينة،
ويروي عنه البخاري أيضاً فيحتمل أن يكون هذا. الثاني: سفيان بن عيينة. الثالث: محمد
ابن مسلم بن شهاب الزهري. الرابع: عبَّاد، بتشديد الباء الموحدة: ابن تميم الأنصاري.
الخامس: عمه عبد الله بن زيد المازني رضي الله تعالى عنه.
بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة. ومنها: أن رواته أئمة أجلاء.
ومنها: أن رواته ما بين بصري وكوفي ومدني.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري في الطهارة أيضا عن علي بن
عبد الله وأبي الوليد، فرقهما. وفي البيوع عن أبي نعيم. وأخرجه مسلم في الطهارة عن أبي
بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وعمرو الناقد. وأخرجه أبو داود فيه عن قتيبة ومحمد ابن
أحمد بن أبي خلف. وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة ومحمد بن منصور. وأخرجه ابن ماجة
فيه عن محمد بن صباح، عشرتهم عن سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب وعباد بن