النص المفهرس

صفحات 1-20

عمدة القَوَرَاءَ
شَرْح
صَحِيح البُخَارِي
تأليف
الأَمَامِ الْعَلَّمَة بَدُرِ الدِّيْنِ أَ محمَّد محمود بنْ أَحَدَ آلْعَنِي
المتوفى سنة ٨٥٥ هـ
ضبطه وصحّه
عبد الله محمود محمّد عَمَرَ
ـة مده
طبعة جديدة مرقمة الكتب والأبواب والأحاديث
حسب ترقيم المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي الشريف
الجزء الثَالث
يحتوي على الكتب التالية:
تتمة الوضوء~ الغسل ~ الحيض
من الحديث (١٥٧) - إلى الحديث (٣٣٣)
مشورات
محمد عَلى بيضون
لِنِشْرَكْتبِ السُنّةِوَ الجِمَاعَةِ
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
ے

جميع الحقوق محفوظة
Copyright @
All rights reserved
Tous droits réservés
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة
لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان
ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة
تنضيد الكتاب كاملاً أو مجزأ أو تسجيله على
أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو
برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة
الناشر خطياً.
Exclusive Rights by
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beirut - Lebanon
No part of this publication may be
translated, reproduced, distributed in any
form or by any means, or stored in a data
base or retrieval system, without the
prior written permission of the publisher.
Droits Exclusifs à
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beyrouth - Liban
Il est interdit à toute personne individuelle
ou morale d'éditer, de traduire, de
photocopier, d'enregistrer sur cassette,
disquette, C.D, ordinateur toute
production écrite, entière ou partielle,
sans l'autorisation signée de l'éditeur.
الطبعة الأولى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت
هاتف وفاكس: ٣٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ - ٣٧٨٥٤٢ (١ ٩٦١)
صندوق بريد : ١١٠٩٤٢٤ بيروت - لبنان
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Beirut - Lebanon
Ramel Al-Zarif, Bohtory St., Melkart Bldg., Ist Floor
Tel. & Fax : 00 (961 1) 37.85.42 - 36.61.35 - 36.43.98
P.O.Box : 11 - 9424 Beirut - Lebanon
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Beyrouth - Liban
Ramel Al-Zarif, Rue Bohtory, Imm, Melkart, Iere Etage
Tel. & Fax : 00 (961 1) 37.85.42 - 36.61.35 - 36.43.98
B.P. : 11 - 9424 Beyrouth - Liban
ISBN 2-7451-2269-X
90000>
9 782745 122698
http://www.al-ilmiyah.com/
e-mail: sales@al-ilmiyah.com
info@al-ilmiyah.com
baydoun@al-ilmiyah.com

بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الزَّحِيمِ
٢٢ - بابُ الوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً
أي: هذا باب في بيان حكم الوضوء مرة مرة، يعني: لكل عضو من أعضاء الوضوء
مرة واحدة.
وجه المناسبة بينه وبين الأبواب التي قبله ظاهر، وهو أن تلك الأبواب في بيان أحكام
الاستنجاء، وهذا في بيان حكم الوضوء، ولا شك أن الوضوء يتلو الاستنجاء، وقد بين إجمال
ما في حديث هذا الباب في باب غُسل الوجه واليدين بغرفة واحدة، وكلاهما عن ابن عباس،
رضي الله تعالى عنهما.
٢٣ / ١٥٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قال: حدّثنا سُفْيانُ عَنْ زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ
ابنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال: تَوضَّأَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم مرَّةً مَرَّةً.
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة.
بيان رجاله وهم خمسة. الأول: محمد بن يوسف، قال الكرماني: المراد به هنا: إما
البيكندي، وتقدم في باب ما كان النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، يتخولهم، وإما
الفريابي، وتقدم في باب لا يمسك ذكره. ثم قال: الغالب أن البيكندي يروي عن سفيان بن
عيينة، والفريابي عن سفيان الثوري، ويحتمل أن يراد به الفريابي عن ابن عيينة، لأن السفيانين
كليهما شيخاه، كما أن زيد بن أسلم شيخ السفيانين، وكما أن ابني يوسف شيخا البخاري.
وقال بعضهم: سفيان هو الثوري، والراوي عنه الفريابي لا البيكندي. قلت : جزم هذا القائل
بأن سفيان هو الثوري، وأن محمد بن يوسف هو الفريابي لا دليل له عليه، والاحتمال
المذكور الذي ذكره الكرماني غير مدفوع، فافهم. وقال الكرماني. أيضاً: فإن قلت فهذا
تدليس، إذ فيه الاشتباه المؤدي إلى كون الراوي مجهولاً، فيلزم القدح في الإسناد. قلت:
مثله لا يقدح فيه لأن أياً كان منهم فهو عدل ضابط بشرط البخاري، لا يتفاوت الحكم
باختلاف ذلك. الثاني: سفيان، إما ابن عيينة، وإما الثوري، وقد ذكر. لكن الراجح أنه الثوري
لأن أبا نعيم صرح به في كتابه. والله أعلم. الثالث: زيد بن أسلم التابعي المدني، وقد مر.
الرابع: عطاء بن يسار، بفتح الياء والسين المهملة المخففة. الخامس: عبد الله بن عباس،
رضي الله تعالى عنهما.
i
i
i
i
أجوء
i
i
i
بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة. ومنها: أن رواته أئمة أجلاء
ثقات. ومنها: أن فيه رواية التابعي عن التابعي: زيد بن أسلم عن عطاء.
بيان من أخرجه غيره: هذا مما تفرد به البخاري عن مسلم. وأخرجه الأربعة، فأبو
داود عن مسدد عن يحيى عن سفيان عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس
i
i

٤
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٢٢)
قال: ((ألا أخبركم بوضوء رسول الله عَّله؟ فتوضأ مرة مرة)). والترمذي عن محمد بن بشار
عن يحيى به، وعن قتيبة وهناد وأبي كريب، ثلاثتهم عن وكيع عن سفيان به. والنسائي عن
محمد بن مثنی عن یحیی به، وابن ماجة عن أبي بكر بن خلاد الباهلي عن یحیی بإسناده:
توضأ بغرفة واحدة. وأيضا الكل أخرجوه في كتاب الطهارة. وقال الترمذي عقيب إخراجه:
وفي الباب عن عمر وجابر وبريدة وأبي رافع وابن الفاكه، وحديث ابن عباس أحسن شيء في
الباب. قلت: لا جرم اقتصر عليه البخاري. قال: وروى رشدين بن سعد وغيره هذا الحديث
عن الضحاك بن شرحبيل عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر مرفوعاً به، وليس بشيء،
والصحيح ما روی ابن عجلان وهشام بن سعد وسفيان الثوري وعبد العزيز بن محمد عن زید
عن عطاء عن ابن عباس، ورواه عن سفيان جماعات غير شيخ البخاري، منهم وكيع، ونبه
الدارقطني أيضاً على أن ابن لهيعة ورشدين بن سعد روياه عن الضحاك أيضاً، كما سلف،
وأن عبد الله بن سنان خالفه، فرواه عن زيد عن عبد الله بن عمر. قال: وكلاهما وهم،
والصواب: زيد عن عطاء عن ابن عباس.
وفي (مسند البزار): ما أتى هذا إلاَّ من الضحاك، وقد أغفل في مسنده قصد الصواب.
قلت: حدیث عمر، رضي الله تعالی عنه، أخرجه ابن ماجة: حدّثنا أبو کریب حدّثنا رشدين
ابن سعد أخبرنا الضحاك بن شرحبيل عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر، رضي الله عنه،
قال: ((رأيت رسول الله عَّ لل في غزوة توضأ واحدة واحدة)). وأخرجه الطحاوي عن الربيع بن
سليمان المؤذن عن أسد عن ابن لهيعة عن الضحاك بن شرحبيل عن زيد بن أسلم عن أبيه
عن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، قال: ((رأيت رسول الله عليه الصلاة والسلام
توضأ مرة مرة)، وحديث جابر أخرجه ابن ماجه أيضاً عن ثابت بن أبي صفية، قال: سألت أبا
جعفر، قلت له: حدثت عن جابر بن عبد الله ((أن النبي عَّ للم توضأ مرة مرة؟ قال: نعم))
الحديث، وحديث بريدة أخرجه ...... (١).
وحديث أبي رافع أخرجه الدارقطني في سننه: حدّثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز
حدّثنا عبد الله بن عمر بن الخطاب حدّثنا الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو عن عبيد الله
ابن أبي رافع عن أبيه، قال: ((رأيت رسول الله عَ لَ﴾ توضأ ثلاثاً ثلاثاً، ورأيته توضأ مرة مرة)).
وحديث ابن الفاكه أخرجه البغوي في (معجمه): حدّثنا علي بن أبي الجعد حدّثنا عدي بن
الفضل عن أبي جعفر عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن ابن الفاكه، قال: ((رأيت رسول الله
◌َّلِ توضأ مرة مرة)). وفي الباب أيضاً عن أبي بن كعب، أخرجه ابن ماجة: ((أن رسول الله
مَّةٍ دعا بماء فتوضأ مرة مرة)) .... الحديث.
ذكر بقية الكلام قوله: مرة، نصب على الظرف، أي: توضأ في زمان واحد، ولو كان
ثمة غسلتان أو غسلات لكل عضو من أعضاء الوضوء لكان التوضؤ في زمانين أو أزمنة، إذ لا
(١) هكذا بياض في جميع النسخ الخطية.

٢٣٠٠
٥
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٢٣)
بد لكل غسلة من زمان غير زمان الغسلة الأخرى، أو منصوب على المصدر، أي: توضأ مرة
من التوضىء أي: غسل الأعضاء غسلة واحدة، وكذا حكم المسح. فإن قلت: فعلى هذا
التقدير يلزم أن يكون معناه توضأ رسول الله عَّله في جميع عمره مرة واحدة، وهو ظاهر
البطلان. قلت: لا يلزم، بل تكرار لفظ مرة يقتضي التفصيل والتكرير، أو نقول: إن المراد أنه
غسل في كلِّ وضوء كلَّ عضو مرة مرة، لأن تكرار الوضوء من رسول الله عَ ليه معلوم
بالضرورة من الدين، هكذا قاله الكرماني. قلت: في الجواب الثاني نظر، لأنه يلزم منه أن
جميع وضوء النبي، عليه الصلاة والسلام، في عمره مرة مرة، وليس كذلك على ما لا يخفى.
واستدل ابن التين بهذا الحديث على عدم إيجاب تخليل اللحية لأنه إذا غسل وجهه مرة لا
يبقى معه من الماء ما يخلل به، قال: وفيه رد على من قال: فرض مغسول الوضوء ثلاث.
٢٣ _ باب الوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ
أي: هذا باب في الوضوء مرتين مرتين لكل عضو. وقال صاحب (التلويح): قد روى
البخاري بعدُ، من حديث عمرو بن يحيى عن أبيه عن عبد الله بن زيد: ((أن النبي عَ ◌ِّ غسل
يديه مرتين، ومضمض واستنشق ثلاثاً وغسل وجهه ثلاثاً)، وهو حديث واحد فلا يحسن
استدلاله به في هذا الباب، اللهم إلا لو قال: إن بعض وضوئه كان مرتين، وبعضه ثلاثاً، لكان
حسنا. قلت: هذا الاعتراض غير وارد لأنه لا يمتنع تعدد القضية، كيف والطريق إلى عبد الله
ابن زيد مختلف؟.
وجه المناسبة بين البابين ظاهر لا يخفى.
٢٤ /١٥٨ - حدّثنا حُسَيْنُ بنُ عِيسَى قال حدّثنا يُونُسُ بن مُحمَّدٍ قال حدّثنا فُلَيْحُ بنُ
سُلَيْمانَ عَنْ عَبْدِ الله بنِ أبي بَكْر بنٍ مُحَمَّدٍ بِنْ عَمْرِو بِنِ حَزْمٍ عَنْ عَبَّاد بنِ تَِّيمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
ابنِ زَيْدِ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأُ مرَّتَيْنِ مَرَّتِيْنٍ.
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة.
بيان رجاله وهم ستة: الأول: الحسين، بالتصغير، بن موسى بن حمران، بضم الحاء
المهملة: الطائي أبو علي القومسي، بالقاف وبالمهملة: البسطامي الدامغاني، سكن نيسابور
وبها مات سنة سبع وأربعين ومائتين، روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن
خزيمة، ثقة من أئمة العربية، وهو من الأفراد، ليس في الصحيحين من اسمه الحسين بن عيسى
غيره. وفي أبي داود بن ماجة آخر حنفي كوفي، أخو سليم القاري، ضعيف. وبسطام وسمنان
والدامغان من قومس، وقومس عمل مفرد بين الري وخراسان، وبسطام بفتح الباء كذا في
(تقويم البلدان). الثاني: يونس بن محمد بن مسلم أبو محمد المؤدب المعلم البغدادي
الحافظ، مات بعد المائتين سنة سبع أو ثمان أو غير ذلك. الثالث: فليح، بضم الفاء وفتح
اللام وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره حاء مهملة، واسمه: عبد الملك، وفليح لقب له
غلب عليه، وقد مر في أول كتاب العلم. الرابع: عبد الله بن أبي بكر المدني. أبو محمد
وهذة
i
P
مرة
i
٠٠٠

٤ - كتاب الوضوء/ باب (٢٤)
الأنصاري التابعي، توفي سنة خمس وثلاثين ومائة، وفي بعض النسخ سقط لفظ: محمد، بين
أبي بكر وعمرو. الخامس: عباد، بتشديد الباء الموحدة: بن تميم بن زيد بن عاصم
الأنصاري، واختلف في كونه صحابياً. السادس: عبد الله بن زيد بن عاصم المازني، هو عم
عباد، وقد تقدما في باب: لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن، وهو غير عبد الله بن زيد بن
عبد ربه صاحب رؤيا الأذان، رضي الله تعالی عنه.
بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة. ومنها: أن رواته ما بين
نيسابوري وبغدادي ومدني، وفليح ومن فوقه مدنيون. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي:
عبد الله بن أبي بكر عن عباد بن تميم، ورواية صحابي عن صحابي على قول من يقول: إن
عباداً من الصحابة.
بيان من أخرجه غيره: وهو من أفراد البخاري ولم يخرجه غيره من الجماعة. وأخرجه
أبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة: ((أن النبي، عليه الصلاة والسلام، توضأ مرتين
مرتين)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلاّ من حديث ابن ثوبان عبد
الله بن الفضل. قال: وفي الباب عن جابر، وأغفل حديث عبد الله بن زيد. قلت: حديث
جابر أخرجه ابن ماجة.
ذكر بقية الكلام انتصاب: ((مرتين مرتين))، على الوجه المذكور في: مرة مرة؛ وقال
بعضهم: وهذا الحديث مختصر من حديث عبد الله بن زيد المشهور في صفة وضوء النبي،
عليه الصلاة والسلام، كما سيأتي بعد من حديث مالك وغيره، ولكن ليس فيه الغسل مرتين
مرتين إلاّ في اليدين إلى المرفقين، وكان حق حديث عبد الله بن زيد أن يبوب له غسل
بعض الأعضاء مرة وبعضها مرتين وبعضها ثلاثا. قلت: قد قال هذا القائل: إن الحديث
المذكور مجمل، وإن حديث مالك مبين، ومخرجهما مختلف، فإذا كان كذلك لا يقتضي
بيان ما ذكره على أنه ليس في حديث عبد الله بن زيد أنه غسل بعض الأعضاء مرة مرة، وإنما
هذا في حديث غيره، ولم يلتزم البخاري التبويب على الوجه المذكور، وإن كان الأمر
يقتضي بيان ما روي عنه، عليه الصلاة والسلام، أنه توضأ مرة مرة وما روي عنه أنه توضأ
مرتين مرتين، وما روي عنه أنه توضأ ثلاثاً ثلاثاً، وما روي عنه أنه توضأ بعض وضوئه مرة
وبعضه ثلاثاً، وما روي عنه أنه توضأ بعض وضوئه مرتين مرتين وبعضه ثلاثاً.
٢٤ - بابُ الوُضُوءِ ثَلاثاً ثلاثاً
أي: هذا باب في بيان الوضوء ثلاثاً ثلاثاً لكل عضو.
والمناسبة بين البابين ظاهرة.
١٥٩/٢٥ - حدثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَوَنِسِيُّ قال حدّثني إبْراهِيمُ بنُ سَعْدٍ عَنِ
ابنِ شِهَابٍ أَنَّ عَطَاءَ بنَ تَزِيدَ أَخْبرَهُ أَنَّ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بنَ عَفَّنَ دَعا

٧
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٢٤)
بإناءٍ فَأَقْرَغَ عَلَى كَفَّتِهِ ثَلاثَ مِرَارٍ فَغَسَلَهُمَا ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الإِناءِ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثُمَّ
غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثاً وَيَدَيْهِ إلى المِرْفَقَّيْنِ ثَلاثَ مِرَارٍ (ثُمَّ) مَسَحَ بِرَأْسِهِ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلاثَ مِرَارٍ
إلى الكَغْبَيْنِ ثُمَّ قال قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ
صلَّى رَكْعَتَيْنِ لا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفسَهُ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذْبِهِ)). [الحديث ١٥٩ - أطرافه
في: ١٦٠، ١٦٤، ١٩٣٤، ٦٤٣٣]
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، فإن فيه غسل الأعضاء المغسوله كلها ثلاث مرات.
بيان رجاله: وهم ستة: الأول: عبد العزيز الأويسي، بضم الهمزة، وقد مر في باب
الحرص على الحديث في كتاب العلم. الثاني: إبراهيم بن سعد، سبط عبد الرحمن بن
عوف وقد مر في باب تفاضل أهل الإيمان. الثالث: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وقد
تكرر ذكره. الرابع: عطاء بن يزيد التابعي، وقد تقدم في باب: لا يستقبل القبلة بغائط.
الخامس: حمران، بضم الحاء المهلمة وسكون الميم وبالراء: ابن أبان، بفتح الهمزة والباء
الموحدة المخففة: ابن خالد بن عمرو، من سبي عين التمر، سباه خالد بن الوليد، رضي الله
تعالى عنه، فوجده غلاماً كيساً، فوجهه إلى عثمان، رضي الله عنه، وأعتقه، وكان كاتبه
وحاجبه، وولي نيسابور من الحجاج، ذکره البخاري في (ضعفائه)، واحتج به في (صحيحه)،
وكذا مسلم والأربعة. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، لم أرهم يحتجون بحديثه، مات
سنة خمس وسبعين أغرمه الحجاج مائة ألف لأجل الولاية السابقة: ثم، رد عليه ذلك بشفاعة
عبد الملك. السادس: أمير المؤمنين عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس
ابن عبد مناف، أمه أروى بنت عمة رسول الله عَّه، وهو أصغر من النبي، عليه الصلاة
والسلام، ويسمى بذي النورين لأنه تزوج بنت رسول الله عَ لَّه رقية فماتت عنده، ثم أم
كلثوم، روي له عن رسول الله عليه الصلاة والسلام مائة حديث وسته وأربعون حديثاً، أخرج
البخاري منها أحد عشر. استخلف أول يوم من المحرم سنة أربع وعشرين، وقتل يوم الجمعة
لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، قتله الأسود التجيبي، بضم التاء
المثناة من فوق وكسر الجيم وسكون الياء آخر الحروف وبالباء الموحدة. ودفن ليلة السبت
بالبقيع، وعمره اثنان وثمانون سنة، وصلى عليه حكيم بن حزام، وكثرت الأموال في خلافته
حتى بيعت جارية بوزنها، وفرس بمائة ألف، ونخلة بألف درهم، وليس في الصحابة من اسمه
عثمان بن عفان غيره.
بيان لطائف إسناده منها: أن فيه التحديث بصيغة الجمع وصيغة الإفراد، والإخبار
بصيغة الإفراد والعنعنة. ومنها: أن رواته كلهم مدنيون. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي
بعضهم عن بعض: ابن شهاب وعطاء وحمران.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري في الطهارة عن أبي اليمان عن
شعيب عن الزهري به، وأخرجه أيضاً في الصوم عن عبدان عن عبد الله بن المبارك عن معمر
عن الزهري به. وأخرجه مسلم في الطهارة عن أبي الطاهر ابن السرح وحرملة بن يحيى،
i
i
i
i
٦
i
هونـ

:/
٨
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٢٤)
كلاهما عن ابن وهب عن يونس، وعن زهير بن حرب عن يعقوب بن إبراهيم بن سلامة عن
أبيه، ثلاثتهم عن الزهري به، وأخرجه أبو داود فيه عن الحسن بن علي عن عبد الرزاق عن
معمر به. وأخرجه النسائي فيه عن ابن مسكين وأحمد بن عمرو بن السرح كلاهما عن ابن
وهب به، وعن سويد بن نصر عن ابن المبارك به، وعن أحمد بن المغيرة عن عثمان بن سعيد
ابن كثير بن دينار عن شعيب بن أبي حمزة عن الزهري به.
بيان اللغات: قوله: ((فأفرغ على يديه)) من أفرغت الإناء إفراغاً، وفرغته تفريغاً إذا
قلبت ما فيه، والمعنى ههنا: صب على يديه. يقال: فرغ الماء، بالكسر، إذا انصب. وأفرغته
أنا أي: صيبته، وتفريغ الظروف: إخلاؤها. قوله: ((فمضمض)) المضمضة تحريك الماء في
الفم. وقال النووي: حقيقة المضمضة وكمالها أن يجعل الماء في فمه، ثم يديره فيه، ثم
يمجه. وقال الزندوستي، من أصحابنا: أن يدخل إصبعه في فمه وأنفه، والمبالغة فيهما سنة،
وقال الصدر الشهيد: المبالغة في المضمضة الغرغرة، وقد مضى تحقيق الكلام فيها فيما
مضى. قوله: ((واستنثر)) قال جمهور أهل اللغة والفقهاء والمحدثون: الاستنثار إخراج الماء من
الأنف بعد الاستنشاق، وقال ابن الأعرابي وابن قتيبة: الاستنثار هو الاستنشاق. وقال النووي:
الصواب هو الأول، ويدل عليه الرواية الأخرى ((استنشق واستنثر))، فجمع بينهما. وقال أهل
اللغة: هو مأخوذ من النثرة، وهي طرف الأنف. وقال الخطابي وغيره: هي الأنف. وقال
الأزهري: روى سلمة عن الفراء أنه يقال: نثر الرجل وانتثر واستنثر: إذا حرك النثرة في الطهار.
وقال ابن الاثير: نثر ينثر، بالكسر، إذا امتخط، واستنثر: استفعل منه، أي: استنشق الماء ثم
استخرج ما في الأنف فينثره، وقيل: هي من تحريك النثرة، وهي طرف الأنف قلت: الصواب
ما قاله ابن الأعرابي أن المراد من قوله: ((واستنثر)) الاستنشاق. وقال النووي: الصواب هو
الأول. وقوله يدل عليه.
الرواية الأخرى: ((استنشق واستنثر))، لا يدل على ما ادعاه، لأن المراد من الاستئثار في هذه
الرواية الامتخاط، وهو أن يمتخط بعد الاستنشاق. وقال ابن سيده: استنثر إذا استنشق الماء ومن ثم
استخرج ذلك بنفس الأنف، والنثرة الخيشوم وما والاه، وتنشق واستنشق الماء في أنفه: صبه فيه.
وقال الجوهري: الانتثار والاستئثار بمعنى، وهو: نثر ما في الأنف بالنفس. وقال ابن طريق: نثر الماء
من أنفه دفعه. وفي (جامع) القزاز: نثرت الشيء أنثره وأنثره نثراً: إذا بددته، وأنت ناثر، والشيء منثور.
قال: والمتوضى يستنشق إذا جذب الماء بريح أنفه، ثم يستنثره. وفي (الغريبين): يستنشق اي: يبلغ
الماء خياشيمه، ويقال: نثر وانتثر واستنثر: إذا حرك النثرة، وهي طرف الأنف. قوله: ((ثم مسح
برأسه))، الرأس مشتمل على الناصية والقفا والفودين، وذكر ابن جني: أن الجمع أرؤس وأرس
على القلب، ورؤس. وقال ابن السكيت: وروس على الحذف، وأنشد:
فيوماً إلى أهلي ويوماً إليكم
ويوما أحط الخيل من روس الجبال
ورجل أراسي ورواسي: عظيم الرأس. وقال الأصمعي: رواس كذلك. وقال ابن سيده
في (المخصص): وإذا قيل: رأس، فتخفيفه قياس ثابت. يقال: لرأس الإنسان قلة، والجمع
جو ..

٦٣٩٤
٩
٤ - كتاب الوضوءا باب (٢٤)
قلل وقلال. وقال أبو حاتم وهي القنة، والجمع: قنن، والعلاوة وهي: حكمة الإنسان وقادمه
وملطاطه وهامته. قوله: ((غفر له)): الغفر والغفران: الستر، ومنه: المغفر لأنه يغفر الرأس أي:
يستره. وقال ابن الأثير: أصل الغفر: التغطية، والمغفرة: إلباس الله الغفر للمذنبين.
بيان الإعراب: قوله: ((أخبره))، جملة في محل الرفع لأنه خبر: أن. قوله: ((أن
حمران))، أصله: بأن حمران. قوله: ((مولى عثمان)) في محل النصب لأنه صفة: لحمران،
وهو منصوب لأنه اسم: أن، ومنع من الصرف للعلمية والألف والنون الزائدتين. قوله: ((أنه
رأى عثمان)) أصله: بأنه. قوله: ((دعا بإناء)) جملة وقعت حالاً بتقدير: قد، كما في؛ قوله
تعالى: ﴿أُو جاؤوكم حصرت صدورهم﴾ [النساء: ٩٠] ولفظه: رأى، بمعنى: أبصر، فلذلك
اكتفى بمفعول واحد وهو: عثمان. قوله: ((فأفرغ)) الفاء فيه فاء التفسير. قوله: ((ثلاث مرار))
كلام إضافي منصوب على أنه صفة المصدر محذوف أي: إفراغاً ثلاث مرات. قوله:
((فمضمض)) الفاء فيه فاء فصيحة، وتقديره: فأخذ الماء منه وأدخله في فيه فمضمض. قوله:
((ثلاثاً)) نصب على أنه صفة لمصدر محذوف أي: غسلاً ثلاث مرات. قوله: ((ويديه)) عطف
على قوله: ((وجهه))، والتقدير: وغسل يديه. قوله: ((من توضأ)) كلمة: من، موصولة معنى
الشرط، في محل الرفع على الابتداء. وقوله: ((توضأ)) جملة وقعت صلة للموصول. قوله:
((نحو وضوئي)) كلام إضافي منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف تقديره: من توضأ
وضوءاً نحو وضوئي. قوله: ((ثم صلى)) عطف على: توضأ. قوله: ((لا يحدث فيهما نفسه))
جملة نافية في محل النصب على أنها صفة: لركعتين. قوله: ((غفر له))، جملة في محل الرفع
على الخبرية. قوله: ((ما تقدم)) في محل الرفع لأنه مفعول ناب عن الفاعل، وكلمة: من، في
قوله: ((من ذنبه))، للبيان.
بيان المعاني: قوله: ((دعا بإناء)) أي: بظرف فيه الماء للوضوء، وفي رواية شعيب
الآتية قريباً: ((دعا بوضوء)) بفتح الواو وهو اسم للماء المعد للتوضىء، وكذا وقع في رواية
مسلم من طريق يونس. قوله: ((ثلاث مرات)) وفي بعض النسخ: ((ثلاث مرات)). قوله:
((فمضمض واستثر)) وفي رواية الكشميهني: ((واستنشق)) بدل قوله: ((واستنثر)) وثبت الثلاثة
في رواية شعيب الآتية في باب المضمضة وليس في طرق هذا الحديث تقييد المضمضة
والاستنشاق بعدد غير طريق يونس عن الزهري، فيما ذكره ابن المنذر، وكذا فيما ذكره أبو
داود من وجهين آخرين عن عثمان، رضي الله تعالى عنه، فإن في أحدهما: ((فتمضمض ثلاثاً
واستنثر ثلاثاً)). وفي الآخر: ((ثم تمضمض واستنشق ثلاثاً)). قوله: ((ثم غسل وجهه)) عطف
بكلمة: ثم، لأنها تقتضي الترتيب والمهلة. فإن قلت: ما الحكمة في تأخير غسل الوجه عن
المضمضة والاستنشاق؟ قلت: ذكروا أن حكمة ذلك اعتبار أوصاف الماء، لأن اللون يدرك
بالبصر، والطعم يدرك بالفم، والريح يدرك بالأنف، فقدم الأقوى منها وهو الطعم ثم الريح ثم
اللون. قوله: ((ويديه إلى المرفقين)) أي: كل واحدة، كما جاء هكذا مبيناً في رواية معمر
عن الزهري كما يجيء في كتاب الصوم، وكذا في رواية مسلم من طريق يونس، وفيهما
وقوة
١

١٠
. يجوبون
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٢٤)
تقديم اليمنى على اليسرى، والتعبير في كل منهما بكلمة: ثم، وكذا في الرجلين أيضاً. قوله:
(«ثم مسح برأسه)) وفي الروايتين المذكورتين، ثم مسح رأسه بلا باء الجر والفرق بينهما أنه
في الأول لا يقتضي استيعاب المسح بخلاف الثاني. قوله: ((نحو وضوئي هذا)) قال النووي:
إنما قال: نحو وضوئي، ولم يقل: مثل، لأن حقيقة مماثلته لا يقدر عليها غيره، وفيه نظر، لأنه
جاء في رواية البخاري في الرقاق من طريق المعاذ بن عبد الرحمن عن حمران عن عثمان،
رضي الله تعالى عنه، ولفظه: ((من توضأ مثل هذا الوضوء)). وجاء في رواية مسلم أيضاً، من
طريق زيد بن أسلم عن حمران: ((من توضأ مثل وضوئي هذا))، والتقدير: مثل وضوئي، وكل
واحد من لفظة: نحو ومثل. من أداة التشبيه والتشبيه لا عموم له، سواء قال: نحو وضوئي
هذا، أو: مثل وضوئي، فلا يلزم ما ذكره النووي. وقال بعضهم: فالتعبير: بنحو، من تصرف
الرواة لأنها تطلق على المثلية مجازاً، ليس بشيء، لأنه ثبت في اللغة مجيء: نحو، بمعنى:
مثل. يقال: هذا نحو ذاك، أي: مثله.
قوله: ((لا يحدث فيهما)) أي: في الركعتين، قال القاضي عياض: يويد بحديث النفس
الحديث المجتلب والمكتسب، وأما ما يقع في الخاطر غالباً فليس هو المراد. وقال بعضهم:
هذا الذي یکون من غير قصد یرجی أن تقبل معه الصلاة، ویکون دون صلاة من لم يحدث
نفسه بشيء لأن النبي عَّهِ إنما ضمن الغفران لمراعي ذلك لأنه قل من تسلم صلاته من
حديث النفس، وإنما حصلت له هذه المرتبة لمجاهدة نفسه من خطرات الشيطان ونفيها عنه
ومحافظته عليها حتى لا يشتغل عنها طرفة عين، وسلم من الشيطان باجتهاده وتفريغه قلبه.
قيل: ويحتمل أن يكون المراد به إخلاص العمل لله تعالى ولا يكون لطلب الجاه، وإن
يراد ترك العجب بأن لا يرى لنفسه منزلة رفيعة بأدائها، بل ينبغي أن يحقر نفسه كي لا تغتر
فتتكبر. ويقال: إن كان المراد به أن لا يخطر بباله شيء من أمور الدنيا فذلك صعب وإن
كان المراد به أنه بعد خطوره به لا يستمر عليه فهو عمل المخلصين.
قلت: التحقيق فيه أن حديث النفس قسمان: ما يهجم عليها ويتعذر دفعها، وما
يسترسل معها ويمكن قطعه، فيحمل الحديث عليه دون الأول لعسر اعتباره. وقوله: ((يحدث))
من باب التفعيل وهو يقتضي التكسب من أحاديث النفس، ودفع هذا ممكن. وأما ما يهجم
من الخطرات والوساوس فإنه يتعذر دفعه فيعفى عنه، ونقل القاضي عياض عن بعضهم بأن
المراد: من لم يحصل له حديث النفس أصلاً ورأساً، ورده النووي فقال: الصواب حصول
هذه الفضيلة مع طريان الخواطر العارضة غير المستقرة، ثم حديث النفس يعم الخواطر
الدنيوية والأخروية، والحديث محمول على المتعلق بالدنيا فقط، وقد جاء في رواية في هذا
الحديث ذكره الحكيم الترمذي في كتاب الصلاة، تأليفه: ((لا يحدث فيهما نفسه بشيء من
الدنيا، ثم دعا إليه إلاّ استجيب له)). انتهى. فإذا حدث نفسه فيما يتعلق بأمور الآخرة: كالفكر
في معاني المتلو من القرآن العزيز والمذكور من الدعوات والأذكار، أو في أمر محمود أو
مندوب إليه لا يضر ذلك، وقد ورد عن عمر، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: لأجهز الجيش

١١
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٢٤)
وأنا في الصلاة، أو كما قال.
قوله: ((غفر له ما تقدم من ذنبه)) يعني: من الصغائر دون الكبائر، كذا هو مبين في
مسلم، وظاهر الحديث يعم جميع الذنوب، ولكنه خص بالصغائر، والكبائر إنما تكفر بالتوبة
وكذلك مظالم العباد. فإن قيل: حديث عثمان، رضي الله تعالى عنه، الآخر الذي فيه:
((خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره)) مرتب على الوضوء وحده، فلو لم
يكن المراد بما تقدم من ذنبه في هذا الحديث العموم في الصغائر والكبائر لكان الشيء مع
غيره كالشيء لا مع غيره، فإن فيه الوضوء والصلاة، وفي الأول الوضوء وحده وذلك لا
يجوز. أجيب: بأن قوله: ((خرجت خطاياه)) لا يدل على خروج جميع ما تقدم له من الخطايا،
فيكون بالنسبة إلى يومه أو إلى وقت دون وقت، وأما قوله: ((ما تقدم من ذنبه)) فهو عام بمعناه
وليس له بعض متيقن، كالثلاثة في الجمع. أعني: الخطايا، فيحمل على العموم في الصغائر.
وقال بعضهم: وهو في حق من له كبائر وصغائر ومن ليس له إلاّ صغائر كفرت عنه، ومن
ليس له إلاَّ كبائر خففت عنه منها بمقدار ما لصاحب الصغائر، ومن ليس له صغائر ولا كبائر
يزاد في حسناته بنظير ذلك. قلت: الأقسام الثلاثة الأخيرة غير صحيحة، أما الذي ليسٍ له إلا
صغائر فله كبائر أيضاً، لأن كل صغيرة تحتها صغيرة فهي كبيرة، أما الذي ليس له إلاَّ كبائر
فله صغائر، لأن كل كبيرةٌ تحتها صغيرة، وإلاَّ لا يكون كبيرة، وأما الذي ليس له إلاّ صغائر
فله كبائر أيضاً، لأن ما فوق الصغيرة التي ليس تحتها صغيرة، فهي كبائر. فافهم.
i
٠ ٠وة
بيان استنباط الأحكام: الأول: أن هذا الحديث أصل عظيم في صفة
الوضوء، والأصل في الواجب غسل الأعضاء مرة مرة، والزيادة عليها سنة، لأن الأحاديث
الصحيحة وردت بالغسل: ثلاثاً ثلاثاً ومرة مرة ومرتين مرتين، وبعض الأعضاء ثلاثاً ثلاثاً
وبعضها مرتين مرتين وبعضها مرة مرة، فالاختلاف على هذه الصفة دليل الجواز في الكل،
فإن الثلاث هى الكمال، والواحدة تجزىء. وقد مر الكلام فيه مستوفىّ. وصفة الوضوء على
وجوه:
الاول: في غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء، ولو لم يكن عقيب النوم، وهذا
مستحب بلا خلاف، وفيه الإفراغ على اليدين معاً. وجاء في رواية أخرى: ((أفرغ بيده اليمنى
على اليسرى ثم غسلهما)) وهو قدر مشترك بين غسلهما معاً مجموعتين أو متفرقتين، والفقهاء
اختلفوا في أيهما أفضل.
الثاني: في المضمضة والاستنشاق ، وهما سنتان في الوضوء، وكان عطاء والزهري
وابن أبي ليلى وحماد وإسحاق يقولون: يعيد إذا ترك المضمضة في الوضوء، وقال الحسن
وعطاء في آخر قوليه والزهري وقتادة وربيعة ويحيى الأنصاري ومالك والأوزاعي والشافعي: لا
يعيد. وقال أحمد: يعيد في الاستنشاق خاصة ولا يعيد من ترك المضمضة، وبه قال أبو عبيد
وأبو ثور. وقال أبو حنيفة والثوري: يعيد إن تركها في الجنابة ولا يعيد في الوضوء. وقال ابن
المنذر: ويقول أحمد أقول. وقال ابن حزم: هذا هو الحق لأن المضمضة ليست فرضاً، وإن
i

١٢
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٢٤)
تركها فوضوءه تام وصلاته تامة، عمداً تركها أو نسياناً، لأنه لم يصح فيها عن النبي، عليه
الصلاة والسلام أمر، إنما هي فعل فعله رسول الله عَ ليه، وأفعاله ليست فرضاً وإنما فيها الائتساء
به، عليه الصلاة والسلام. قلت: وفيه نظر لأن الأمر بالمضمضة صحيح على شرطه، أخرجه
أبو داود بسند احتج ابن حزم برجاله وبأصل الحديث، ولفظ أبي داود من حديث عاصم بن
لقيط بن صبة عن أبيه مرفوعا: ((إذا توضأت فمضمض)). وأخرجه الترمذي وقال: حديث
حسن صحيح، وخرّجه ابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود في (المنتقى). وقال البغوي في
(شرح السنة): صحيح، وصحح إسناده الطبري في كتابه (تهذيب الآثار) والدولابى في
جمعه، وابن القطان في آخرين. وقال الحاكم: صحيح ولم يخرجاه وهو في جملة ما قلنا
إنهما أعرضا عن الصحابي الذي لا يروى عنه غير الواحد، وقد احتجا جميعاً ببعض هذا
الحديث وله شاهد من حديث ابن عباس. انتهى كلامه. وفيه نظر، لأنهما لم يشترطا ما
ذكره في كتابيهما أحاديث جماعة بهذه المثابة، منهم: المسيب بن حزم وأبو قيس بن أبي
حازم ومرادس وربيعة بن كعب الأسلمي. ولئن سلمنا قوله، كان لقيط هذا خارجاً عما ذكره
لرواية جماعة عنه منهم ابن أخيه وكيع بن حدس وعمرو بن أوس یرفعه.
وأما حديث ابن عباس الذي أشار إليه فذكره أبو نعيم الأصبهاني من حديث الربيع بن
بدر عن ابن جريج عن عطاء عنه يرفعه: ((مضمضوا واستنشقوا)). وقال: حديث غريب من
حديث ابن جريج، ولا أعلم رواه عنه غير الربيع. وأخرج البيهقي من حديث أبي هريرة رضي
الله عنه: ((أن رسول الله، عليه الصلاة والسلام، أمر بالمضمضة والاستنشاق)). وصحح إسناده،
وأخرج أيضا من حديث ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة،
رضي الله عنها، ترفعه: ((المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لا بد منه)). وقال
الدارقطني: الصواب: ابن جريج عن سليمان مرسلاً، وفي لفظ عنده مرفوعا: ((من توضأ
فليمضمض))، وضعفه. والمضمضة مقدمة على الاستنشاق، قال النووي: وهل هو تقديم
استحباب أو اشتراط: وجهان، وفى كيفيتهما خمسة أوجه:
الأول: أن يتمضمض ويستنشق بثلاث غرفات، وهذا في الصحيح وغيره. الثاني: أن
يجمع بينهما بغرفة واحدة يتمضمض منها ثلاثاً ويستنشق منها ثلاثاً، رواه علي بن أبي طالب
عن النبي عَّهِ، وهو عند ابن خزيمة وابن حبان، ورواه أيضا وائل بن حجر بسند فيه ضعف،
وهو عند البزار. الثالث: أن يجمع بينهما بغرفة، وهو أن يتمضمض منها ثم يستنشق ثم الثانية
كذلك والثالثة، رواه عبد الله بن زيد عن النبي عَّ له عند الترمذي، وقال: حسن غريب
وخرّجه أيضاً من حديث ابن عباس وقال: وهو أحسن شيء في الباب وأصح. الرابع: أن
يفصل بينهما بغرفتين يتمضمض بثلاث ويستنشق بثلاث، وهو الذي اختاره أصحابنا، رحمهم
الله، واستدلوا على ذلك بما رواه الترمذي: حدّثنا هناد وقتيبة قالا: ثنا أبو الأحوص عن أبي
إسحاق عن أبي حية قال: ((رأيت علياً، رضي الله تعالى عنه، توضأ فغسل كفيه حتى أنقاهما
ثم مضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً وغسل وجهه ثلاثاً وذارعيه ثلاثاً ومسح برأسه مرة ثم غسل
:
:

١٣
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٢٤)
قدميه إلى الكعبين ثم قام فأخذ فضل طهوره فشربه وهو قائم، ثم قال: أحببت أن أريكم
كيف كان طهور رسول الله عَّ ل)). وقال: هذا حديث حسن صحيح.
فإن قلت: لم يحك فيه أن كل واحدة من المضامض والاستنشاقات بماء واحد، بل
حكى أنه تمضمض ثلاثاً. قلت: مدلوله ظاهراً ما ذكرناه، وهو أن يتمضمض ثلاثاً يأخذ لكل
مرة ماءً جديداً، ثم يستنشق كذلك، وهو رواية البويطي عن الشافعي فإنه روى عنه أنه يأخذ
ثلاث غرفات للمضمضة وثلاث غرفات للاستنشاق، وفي رواية غيره عنه في (الأم) وهو نص
النووي: قال صاحب (المهذب) القول بالجمع أكثر في كلام الشافعي، وهو أيضاً أكثر في
الأحاديث الصحيحة؛ ووجه الفصل بينهما، كما هو مذهب أصحابنا الحنفية، ما رواه
الطبراني عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده كعب بن عمرو اليمامي: ((أن رسول الله
ګآل توضأ فمضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً فأخذ لكل واحدة ماءً جدیداً»، وكذا روى عنه أبو
داود في (سننه) وسكت عنه، وهو دليل رضاه بالصحة. والجواب عما ورد في الحديث:
((فتمضمض واستنشق من كف واحد)) أنه محتمل لأنه يحتمل أنه تمضمض واستنشق بكف
واحد بماء واحد، ويحتمل أنه فعل ذلك بكف واحد بمياه، والمحتمل لا يقوم به حجة أو يرد
هذا المحتمل إلى المحكم الذي ذكرناه توفيقاً بين الدليلين. وقد يقال: إن المراد استعمال
الكف الواحد بدون الاستعانة بالكفين كما في الوجه، وقد يقال: إنه فعلهما باليد اليمنى رداً
على قول من يقول: يستعمل في الاستنشاق اليد اليسرى، لأن الأنف موضع الأذى كموضع
الاستنجاء، كذا في (المبسوط) وفيه نظر لا يخفى، والأحسن أن يقال: إن كل ما روي عن
ذلك في هذا الباب هو محمول على الجواز.
جدة
جوة
الوجه الثالث: في غسل الوجه وهو فرض بالنص بلا خلاف، وفيه تثليث غسله
والإجماع قائم على سنیته.
الوجه الرابع: في غسل اليدين إلى المرفقين والكلام فيه كالكلام في الوجه، وقد
بينا حد المرفق وهو أنه موصل الذراع في العضد، ولكن اختلف قول الشافعي: هل هو اسم
لإبرة الذراع أو لمجموع عظم رأس العضد مع الإبرة؟ على قولين، وبنى على ذلك أنه لو سل
الذراع من العضد هل يجب غسل رأس العضد أو يستحب؟ فيه قولان أشهرهما وجوبه،
واختلفوا أيضاً في وجوب إدخال المرفقين في الغسل على قولين، فذهبت الأئمة الأربعة، كما
عزاه ابن هبيرة إليهم، والجمهور إلى الوجوب، وذهب زفر وأبو بكر بن داود إلى عدم
الوجوب، ورواه أشهب عن مالك، وزيفه القاضي عبد الوهاب، ومنشأ الخلاف من كلمة:
إلى، وقد حققنا الكلام فيه فيما مضى.
الوجه الخامس: في مسح الرأس، والكلام فيه على أنواع. الأول: في أن ظاهر
الحديث يقتضي استيعاب الرأس بالمسح لأن اسم الرأس حقيقة في العضو، لكن الاستيعاب
هل هو على سبيل الوجوب أو الندب؟ فيه قولان للعلماء: فمذهب الشافعي أن الواجب ما
يقع عليه الاسم ولو بعض شعرة، ومشهور مذهب مالك وأحمد أن الواجب مسح الجميع،
i
7
i
i.

٠٣٠
١٤
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٢٤)
ومشهور مذهب أبي حنيفة أن الواجب مسح ربع الرأس، وقد مر الكلام فيه مبسوطاً في أول
كتاب الوضوء. النوع الثاني: أن قوله: ((ثم مسح برأسه)) يقتضي مرة واحدة، كذا فهمه غير
واحد من العلماء، وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد، وقال الشافعي: يستحب التثليث
لغيرها من الأعضاء وهو مشهور مذهبه، وقد وردت أحاديث صحيحة بالمسح مرة واحدة.
وقال أبو داود: أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على مسح الرأس أنه مرة، فإنهم ذكروا
الوضوء ثلاثاً، قالوا: وفيها مسح رأسه، ولم يذكروا عدداً كما ذكروا في غيره. وقال أبو عبيد
القاسم بن سلام: لا نعلم أحداً من السلف جاء عنه استعمال الثلاث إلاّ إبراهيم التيمي. قلت:
فيه نظر، لأن ابن أبي شيبة حكى ذلك عن أنس بن مالك وسعيد بن جبير وعطاء وزاذان
وميسرة أنهم كانوا إذا توضؤوا مسحوا رؤوسهم ثلاثاً، وذكر ابن السكن أيضاً عن مصرف بن
عمرو. ووردت أحاديث كثيرة بالمسح ثلاثاً، ففي (سنن أبي داود) بسند صحيح من حديث
عبد الرحمن بن وردان عن حمران، وفيه: ((ومسح رأسه ثلاثاً)، وفي (سنن ابن ماجة) ما يدل
على أن سائر وضوئه، عليه الصلاة والسلام، كان ثلاثاً والرأس داخلة فيه، وهو ما رواه بسند
صحيح عن محمود بن خالد: ثنا الوليد بن مسلم عن ثوبان عن عبدة بن أبي لبابة عن شقيق
ابن سلمة قال: ((رأيت عثمان وعلياً، رضي الله تعالى عنهما، يتوضآن ثلاثاً ثلاثاً، ويقولان:
هكذا كان وضوء رسول الله، عليه الصلاة والسلام».
وفي (علل) الترمذي: وسأل البخاري عن حديث سعيد بن الحارث بن خارجة بن زيد
ابن ثابت عن زيد: ((أن عثمان، رضي الله عنه، توضأ ثلاثاً ثلاثاً)، ثم رفعه فقال: هو حديث
حسن. وقال الترمذي هو غريب من هذا الوجه، وفي (مسند) أحمد بن منيع: ((عمن رأى
عثمان، رضي الله عنه، دعا بوضوء وعند الزبير وسعد بن أبي وقاص فتوضأ ثلاثاً ثم قال:
أنشدكما الله، أتعلمان أن النبي عَّلَّه كان يتوضأ كما توضأت؟ قالا: نعم)). وفي كتاب
(الطهور) لأبي عبيد بن سلام: وعنده طلحة وعلي والزبير وسعد، رضي الله عنهم، فذكره.
وفي (صحيح) ابن حبان وغيره من حديث ابن عمر، رضي الله عنهما: ((أنه توضأ ثلاثاً ثلاثاً
ورفع ذلك إلى النبي عَّله)). وفي (سنن أبي داود) من حديث علي، رضي الله عنه رفعه:
((ومسح برأسه ثلاثاً) وسنده صحيحح. وفي (سنن الدارقطني) بسند فيه البيلماني، عن عمر،
رضي الله عنه، ووصف وضوء النبي عَّ ◌ُلِّ، قال: ((ومسح برأسه ثلاثاً)). وفي (مسند البزار)
بطريق صحيح عن ابن المثنى عن حجاج بن منهال عن همام عن عامر الأحول عن عطاء عن
أبي هريرة، رضي الله عنه، أن النبي عَّهِ ((توضأ ثلاثاً ثلاثاً)، ثم قال: وهذا الحديث لا نعلمه
يروى عن أبي هريرة، رضي الله عنه، بأحسن من هذا الإسناد، وذكره الطبري في التهذيب
وصحح إسناده، وفي (سنن ابن ماجة) بسند لا بأس به عن عائشة وأبي هريرة: ((أن النبي عَّه
توضأ ثلاثاً ثلاثاً) وفي كتاب أبي عبيد عن أبي الورقاء، وهو ثقة عند ابن المديني وابن
شاهين، عن عبد الله بن أبي أوفى: (أنه توضأ ثلاثاً ثلاثاً). قال: رأيت النبي عَّلم يفعل هكذا،
وفي (سنن ابن ماجة) أيضاً بسند لا بأس به عن ابي مالك الأشعري: ((كان رسول الله عَ اله

١٥
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٢٤)
يتوضأ ثلاثاً ثلاثاً)، وعنده أيضا بسند لا بأس به من حديث الربيع بنت معوذ: ((توضأ رسول
الله عَّ الِ ثلاثاً ثلاثاً) وفي (مسند ابن السكن) من حديث مصرف بن عمرو: ((ثم مسح عليه
الصلاة والسلام على رأسه ثلاثاً، وظاهر أذنيه ولحيته ورقبته ثلاثاً). وفي كتاب (الدلائل)
لثابت بن القاسم السرقسطي بسند لا بأس به من حديث أبي أمامة: أن رسول الله عَ لِّه ((توضأ
ثلاثاً ثلاثاً) وفي (الأوسط) للطبراني من حديث أبي رافع مرفوعاً: ((مسح برأسه وأذنيه وغسل
رجليه ثلاثاً)، وقال: لا يروى عن أبي رافع إلاَّ بهذا الإسناد، تفرد به الدراوردي عن عمرو بن
أبي عمرو عن عبد الله بن عبد الله بن أبي رافع عنه. وفي كتاب (المفرد) لأبي داود من
حديث علي بن أبي حملة عن أبيه عن أمير المؤمنين، عبد الملك: حدثني أبو خالد عن
معاوية، رضي الله عنه: ((رأيت النبي عَِّ توضأ ثلاثاً ثلاثاً). وفي (الأوسط) من حديث أنس
قال: ((وضأت النبي عَّلِ فتوضأ ثلاثاً ثلاثاً وخلل لحيته مرتين أو ثلاثاً)). وقال: لم يروه عن
إبراهيم بن عبلة، يعني عن أنس، إلاَّ قتادة بن الفضل الرهاوي، تفرد به الزبير بن محمد.
وروى الدارقطني في (سننه) عن محمد بن الواسطي عن شعيب بن أيوب عن أبي يحيى
الحماني عن أبي حنيفة عن خالد بن علقمة عن عبد خير عن علي، رضي الله عنه: ((أنه
توضأ)) ..... الحديث، وفيه: ((ومسح برأسه ثلاثاً))، ثم قال: هكذا رواه أبو حنيفة عن علقمة
ابن خالد، وخالفه جماعة من الحفاظ الثقات، فرووه عن خالد بن علقمة فقالوا فيه: ومسح
رأسه مرة واحدة، ومع خلافة إياهم قال: إن السنة في الوضوء مسح الرأس مرة واحدة قلت:
الزيادة من الثقة مقبولة ولا سيما من مثل أبي حنيفة. وأما قوله: فقد خالف في حكم المسح،
فغير صحيح، لأن تكرار المسح مرتين: منها ما رواه ابن ماجة بسند لا بأس به عن الربيع:
(توضأ النبي عَّه ومسح على رأسه مرتين)). وقال الترمذي: هو حديث حسن. وقال ابن عبد
البر: وبه قال ابن سيرين. ومنها: ما رواه النسائي من حديث عبد الله بن زيد: ((ومسح برأسه
مرتین)) وسنده صحيح.
النوع الثالث في كيفية المسح. رويت فيها أحاديث مختلفة فعند النسائي من
حديث عبد الله بن زيد: ((ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب
بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه)). وعند ابن أبي شيبة من
حديث الربيع: ((بدأ بمؤخره ثم رد يديه على ناصيته))، وعند الطبراني: ((بدأ بمؤخر رأسه ثم جره
إلى قفاه ثم جره إلى مؤخره))، وعند أبي داود: ((يبدأ بمؤخره ثم بمقدمه وبأذنيه كليهما)): وفي
لفظ: ((ومسح الرأس كله من قرن الشعر كل ناحية لمنصب الشعر لا يحرك الشعر عن هيئته))،
وفي لفظ: ((مسح رأسه وما أقبل وما أدبر وصدغيه))، وعند البزار من حديث بكار بن عبد
العزيز عن أبيه عن أبي بكرة يرفعه: ((توضأ ثلاثاً ثلاثاً ... )) وفيه: ((مسح برأسه يقول بيده من
مقدمه إلى مؤخره ومن مؤخره إلى مقدمه))، وبكار ليس به بأس، وعند ابن قانع من حديث
أبي هريرة: ((وضع يديه على النصف من رأسه ثم جرهما إلى مقدم رأسه ثم أعادهما إلى
المكان الذي بدأ منه وجرهما إلى صدغيه))، وعند أبي داود من حديث أنس: ((أدخل يده من
مع5.
i
i
i
i
i

٠ مجيد
بجوب
١٦
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٢٤)
تحت العمامة فمسح مقدم رأسه))، وفي كتاب ابن السكن: ((فمسح باطن لحيته وقفاه))، وفي
(معجم) البغوي، وكتاب ابن أبي خيثمة: ((مسح رأسه إلى سالفته))، وفي كتاب النسائي عن
عائشة، رضي الله عنها، وصفت وضوءه عَّ له ووضعت يدها في مقدم رأسها ثم مسحت إلى
مؤخره، ثم مدت بيديها بأذنيها ثم مدت على الخدين، وعند ابن أبي شيبة بسند صحيح أن
ابن عمر، رضي الله عنهما، كان يمسح رأسه هكذا، ووضع أيوب كفه وسط رأسه ثم أمرّها
إلى مقدم رأسه، وفي (المحلى) صحيحاً عن ابن عمر: ((كان يمسح اليافوخ فقط)). وفي
(المصنف) أن إبراهيم كان يمسح على يافوخه. وروى أيضاً في المسح ما هو كالغسل، ففي
(سنن أبي داود) من حديث أبي إسحاق عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة عن عبيد الله
الخولاني عن ابن عباس وصف وضوء علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قال: ((وأخذ بكفه
اليمنى قبضة من ماء فصبها على ناصيته فتركها تسيل على وجهه))، وفيه أيضاً من حديث
معاوية مرفوعاً: ((فلما بلغ رأسه غرف غرفة من ماء فتلقاها بشماله حتى وضعها على وسط
رأسه حتى قطر الماء أو كاد يقطر))، وفيه أيضاً من حديث ذر بن حبيش أنه سمع علياً، رضي
الله عنه، وسئل عن وضوء رسول الله عَّ له فذكر الحديث، قال: ((ومسح على رأسه حتى
الماء يقطر))، وقال ابن الحصار في هذا غسل الرأس بدل مسحه، ويرد بهذا على من قال: لو
كرر المسح لصار غسلاً، فخرج عن وظيفة الرأس.
الوجه السادس: في غسل الرجلين، والكلام فيه كالكلام في اليدين، وقد مر الكلام
فيه مبسوطاً في أوائل كتاب الوضوء.
الحكم الثاني: فيه جواز الاستعانة في إحصار الماء، وهو إجماع من غيرٍ كراهة.
الحكم الثالث: فيه استحباب الركعتين بعد الوضوء، ويفعل كل وقت إلاَّ في الأوقات
المنهية، وقالت .... (١) يفعل كل وقت حتى وقت النهي، وقالت المالكية: ليست هذه من
السنن، وقالت الشافعية: هل تحصل هذه الفضيلة بركعة؟، الظاهر المنع، وفي جريان الخلاف
فيه، وفي التحية ونظائره نظر.
الحكم الرابع: الثواب الموعود به مرتب على أمرين: الأول: وضوؤه على النحو
المذكور. الثاني: صلاته ركعتين عقيبه بالوضوء المذكور في الحديث، والمرتب على
مجموع أمرين لا يلزم ترتبه على أحدهما إلاَّ بدليل خارج، وقد يكون للشيء فضيلة بوجود
أحد جزئيه، فيصح كلام من أدخل هذا الحديث في فضل الوضوء فقط لحصول مطلق
الثواب، لا الثواب المخصوص المترتب على مجموع الوضوء على النحو المذكور، والصلاة
الموصوفة بالوصف المذكور.
الخامس: فيه إثبات حديث النفس وهو مذهب أهل الحق.
السادس: فيه الترتيب بين المسنون والمفروض وهما: المضمضة وغسل الوجه،
وبعضهم رأى الترتيب في المفروض دون المسنون، وهو مذهب مالك. واختلف أصحابه في
(١) هذا بياض في جميع النسخ الخطية، ولعل المحذوف كلمة (طائفة) وبها يلتثم الكلام.

١٧
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٢٤)
الترتيب في الوضوء على ثلاثة أقوال: الوجوب والندب وهو المشهور عندهم الاستحباب،
ومذهب الشافعية وجوبه، وخالفهم المزني فقال: لا يجب. واختاره ابن المنذر والبندنيجي،
وحكاه البغوي عن أكثر المشايخ، وحكاه قولاً قديماً وعزاه إلى صاحب (التقريب) وقال إمام
الحرمين: لم ينقل أحد قط أنه عَّلَ نكس وضوءه، فاطرد الكتاب والسنة على وجوب
الترتيب، وفيه نظر، لأنه لا يلزم من ذلك الوجوب.
١٦٠/٢٥ _ وَعَنْ إِبْراهِيمَ قال: قال صالِحُ بنُ كَيْسَانَ قالَ ابنُ شِهَابٍ وَلَكِنْ مُزْوَةٌ
يُحَدِّثُ عِنْ حُمْرَانَ فَلَمَّا تَوضَّأَ عُثْمانُ قال: ألاَ أحَدُّئُكُمْ حَدِيثاً لوْلاَ آيَةٌ مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ سَمِعْتُ
النَّبِيَّ عَّهِ يَقُولُ: ((لاَ يَتَوضَّأُ رَجُلٌ يُحْسِنُ وُضُوءَهُ وَيُصَلِّي الصَّلاَةَ إلاَّ غُفِرَ لَهُ ما بَيْتَهُ وبَيْن
الصَّلاَةِ حَتَّى يُصَلِّيهَا)) قالَ عُرْوَةُ الأَيَّةُ: ﴿إِنّ الذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ﴾ [البقرة:
١٥٩]. [انظر الحديث ١٥٩ وأطرافه]
قالت جماعة من الشراح هذا من تعليقات البخاري عن إبراهيم بصيغة التمريض، وقال
أبو نعيم الحافظ: لم يذكر البخاري شيخه فيه، ولا أدري هو معقب بحديث إبراهيم بن سعيد
عن الزهري نفسه أو أخرجه عن إبراهيم بلا سماع. وقال بعضهم: وزعموا أنه معلق وليس
كذلك، فقد أخرجه مسلم والإسماعيلي من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد بالإسنادين معاً،
وإذا كانا جميعاً عند يعقوب فلا مانع أن يكونا عند الأويسي، ثم وجدت الحديث الثاني عند
أبي عوانة في صحيحه من حديث الأويسي المذكور فصح ما قلته.
قلت: لا يلزم من إخراج مسلم والإسماعيلي من طريق يعقوب بن إبراهيم عن أبيه
ابراهيم بن سعد موصولاً أن يكون كذلك عند البخاري، غاية ما في الباب أنه يحتمل أن
يكون معقبا، بحديث إبراهيم الأول فيكون موصولاً، وبمجرد الاحتمال لا يتعين نفي كونه
معلقاً، والحال أن صورته صورة التعليق، وإليه أقرب، وكذا لا يلزم من كونه عند أبي عوانة
من حديث الأويسي أن يكون موصولاً عند البخاري لاحتمال عدم السماع منه في هذا على
ما لا يخفى. وأما مسلم فقد قال: حدّثنا زهير حدّثنا يعقوب بن إبراهيم حدّثنا أبي عن صالح
به؛ وأما الإسماعيلي فأخرجه عن ابن ناجية حدّثنا فضيل بن سهل وعبيد الله بن سعد قال:
حدثنا يعقوب بن إبراهيم فذكره، وزعم الدارقطني أن عثمان، رضي الله عنه، رواه عنه أيضا
عمرو بن سعيد بن العاصي وابن أبي مليكة وأبو علقمة وأبو أنس وشقيق وسلمة، ورواه مالك
والليث عن هشام عن أبيه عن حمران، ورواه حسن بن محمد المروزي عن شعبة عن هشام
عن أبيه عن سليمان بن يسار عن عثمان، ورواه حمزة بن زياد عن شعبة عن أبان أبيه عن
أبیه.
بيان رجاله: وهم خمسة. الأول: إبراهيم بن سعد المذكور في الحديث السابق.
الثاني: صالح بن كيسان، بفتح الكاف، مر ذكره في آخر قصة هرقل. الثالث: محمد بن
مسلم بن شهاب الزهري. الرابع: عروة بن الزبير بن العوام، تقدم في أول كتاب الوحي.
الخامس: حمران بن أبان.
عمدة القاري / ج٣ / ٢٢
i
i
i
i
i
i.
i
١٣٧٥
i

:#
١٨
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٢٤)
بيان لطائف إسناده منها: أن فيه العنعنة وليس فيه صيغة التحديث ولا الإخبار، وإنما
فيه الإخبار بلفظ قال. ومنها: أن هؤلاء كلهم مدنيون. ومنها: أن فيه أربعة تابعيين وهم:
صالح وابن شهاب وعروة وحمران. ومنها: أن فيه رواية الأكابر عن الأصاغر، فإن صالحاً
أكبر سناً من الزهري. ومنها: أن إبراهيم ههنا يروي عن ابن شهاب بالواسطة، وهو صالح.
وروى عنه في أول الباب بلا واسطة. قوله: ((ولكن عروة يحدث))، استدراك من ابن شهاب،
وأشار به إلى أن شيخي ابن شهاب في هذا الحديث وهما: عطاء بن يزيد وعروة بن الزبير
اختلفا في روايتهما عن حمران عن عثمان بن عفان، رضي الله عنه، فحدث به عطاء على
وجه، وعروة على وجه، وليس ذلك باختلاف لأنهما حديثان متغايران، وقد رواهما معاً عن
حمران معاذ بن عبد الرحمن، فأخرج البخاري من طريقه نحو سياق عطاء، ومسلم من طريقه
نحو سياق عروة، وأخرجه أيضا من طريق هشام بن عروة عن أبيه.
بيان الإعراب والمعاني: قوله: ((عن حمران فلما توضأ))، وفي بعض النسخ: ((عن
حمران، قال: فلما توضأ)). وقوله: ((فلما توضأ)) عطف على محذوف تقديره عن حمران أنه
رأى عثمان دعا بإناء فأفرغ على كفيه إلى أن قال: ثم غسل رجليه إلى الكعبين، فلما توضأ
قال: إلى آخره. قوله: ((لأحدثنكم) جواب قسم محذوف. قوله: ((حديثاً)) نصب على أنه
مفعول ثان لقوله (لأحدثنكم). قوله: ((لولا)) لربط امتناع الثانية لوجود الأولى، نحو: لولا زيد
لأكرمتك، أي: لولا زيد موجود لأكرمتك. قوله: ((آية)) مبتدأ وخبره محذوف، وحذفه ههنا
واجب كما علم في موضعه، والتقدير: لولا آية ثابتة في القرآن. وفي رواية مسلم: ((لولا آية
في كتاب الله تعالى))، وقال عياض: لولا آية، هكذا هو بالمد وبالياء المثناة من تحت، ورواه
الباجي: لولا أنه، بالنون يعني: لولا أن معنى ما أحدثكم به في كتاب الله تعالى ما حدثتكم.
وفي (المطالع) قول عثمان، رضي الله تعالى عنه: لولا أنه في كتاب الله تعالى، بالنور في
رواية يحيى، وجماعة معه ذكره ابن ماهان في مسلم، وعند ابن مصعب وابن وهب وآخرين
من رواة الموطأ: ((لولا آية))، وهي رواية الجلودي في مسلم.
قال مالك الآية: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ [هود: ١١٤] وقال عروة في كتاب
مسلم: ﴿إِن الذين يكتمون﴾ [البقرة: ١٥٩ و١٧٤] الآية، والصواب قول عروة: يعني، لئلا
يتكل الناس، فكأن النهي عن الكتمان أوجب عليه التحديث به مخافة الكتمان. قوله: ((ما
حدثتكموه) جواب: (لولا))، واللام محذوفة منه، ومعناه: لولا أن الله تعالى أوجب على من
علم علماً إبلاغه لما كنت حريصاً على تحديثكم، ولما كنت متكثراً بتحديثكم. قوله:
(يقول))، جملة في محل النصب على الحال. قوله: ((فيحسن)) من الإحسان، ومعنى: إحسان
الوضوء الإتيان به تاماً بصفته وآدابه وتكميل سننه، وهو بالرفع عطف على قوله: ((لا يتوضأ))
وكلمة: الفاء، ههنا بمعنى: ثم، لأن إحسان الوضوء ليس متأخراً عن الوضوء حتى يعطف عليه
بالفاء التعقيبية، وإنما موقعها موقعه ثم، التي لبيان المرتبة، وشرفها دلالة على أن الإحسان في
الوضوء والإجادة من محافظة السنن ومراعاة الأداب، أفضل وأكمل من أداء ما وجب مطلقاً،
: «ډچ .

١٩
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٢٤)
ولا شك أن الوضوء المحسن فيه أعلى رتبة من الغير المحسن فيه. قوله: ((ويصلي الصلاة
المكتوبة)) وفي رواية لمسلم: ((فيصلي هذه الصلوات الخمس)). قوله: ((إلاّ غفر له)) التقدير:
لا يتوضأ رجل إلاَّ رجل غفر له، فالمستثنى محذوف لأن الفعل لا يقع مستثنى، أو التقدير: لا
يتوضأ رجل في حال إلاَّ في حال المغفرة، فيكون الاستثناء من أعم عام الأحوال. قوله:
((وبين الصلاة) أي: التي يليها، كما صرح به مسلم في رواية هشام بن عروة قوله: ((حتى
يصليها))، معناه: حتى يفرغ منها. وقال بعضهم: أي يشرع في الصلاة الثانية. قلت: هذا
معنى فاسد، لأن قوله: ((ما بينه وبين الصلاة)) يحتمل أن يراد به بين الشروع في الصلاة وبين
الفراغ عنها، لما ذكرنا. فإن قلت: لفظة: حتى، غاية لماذا؟ قلت: لحصل المقدر العامل في
الظرف إذ الغفران لا غاية له. قوله: ((قال عروة الآية)) أراد أن الآية في سورة البقرة إلى قوله:
﴿اللاعنون﴾ [البقرة: ١٥٩] كما صرح به مسلم، وقد روى عن مالك هذا الحديث في
(الموطأ) عن هشام بن عروة، ولم يقع في روايته تعيين الآية، فقال من قبل نفسه أراه يريد
﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ [هود: ١١٤].
بيان استنباط الأحكام: الأول: فيه أن الفرض على العالم تبليغ ما عنده من العلم،
لأن الله تعالى قد توعد الذين يكتمون ما أنزل الله باللعنة، والآية، وإن كانت نزلت في أهل
الكتاب، ولكن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، فدخل فيها كل من علم علماً تعبد
الله العباد بمعرفته لزمه من عدم تبليغه ما لزم أهل الكتاب منه. الثاني: فيه أن الإخلاص لله
تعالى في العبادة وترك الشغل بأسباب الدنيا يوجب من الله عليه الغفران ويتقبلها من عبده.
الثالث: فيه أن ظاهر الحديث على أن المغفرة المذكورة لا تحصل إلاَّ بالوصف المذكور
وإحسانه والصلاة في (الصحيح) من حديث أبي هريرة: ((إذا توضأ العبد المسلم خرجت
خطاياه))، ففيه أن الخطايا تخرج من أول الوضوء حتى يفرغ من الوضوء نقياً من الذنوب،
وليس فيه ذكر الصلاة، فيحتمل أن يحمل حديث أبي هريرة عليها، لكن يبعده أن في رواية
لمسلم من حديث عثمان: ((وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة))، ويحتمل أن يكون
ذلك باختلاف الأشخاص، فشخص يحصل له ذلك عند الوضوء، وآخر عند تمام الصلاة.
الرابع: أن المراد بهذا وأمثاله غفران الصغائر، كما مر فيما مضى وجاء في (صحيح)
مسلم: ((ما من امرىء مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخضوعها وخشوعها
وركوعها، إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة)). وفي الحديث كفر
الوضوء فماذا تكفر الصلاة، وإذا كفرت الصلاة فماذا تكفر الجمعات ورمضان؟ وكذا صيام
عرفة يكفر سنتين، ويوم عاشوراء كفارة سنة، وإذا وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم
من ذنبه، لأن المراد: أن كل واحد من هذه المذكورات صالح للتكفير، فإن وجد ما يكفره
من الصغائر كفره، وإن لم يصادف صغيرة كتبت له حسنات ورفعت له درجات، وإن صادف
كبيرة أو كبائر ولم يصادف صغيرة رجى أن يخفف منها. وقال النووي: رجونا أن يخفف من
الكبائر. والله تعالى أعلم.
i
١
!
i

٢٠
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٢٥)
٢٥ _ بابُ الاسْتِنْثَارِ فِي الوُضُوءِ
أي: هذا باب في بيان الاستئثار في الوضوء، والاستنثار استفعال من النثر، بالنون والثاء
المثلثة، والمراد به الاستنشاق، وقد بسطنا الكلام فيه في الباب الذي قبله.
ووجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في هذا الباب بعض المذكور في
الباب الأول.
ذكَرَهُ عِثْمَانُ وعَبْدُ اللَّهِ بِنُ زَيْدٍ وابنُ عَباسٍ رضي اللَّهُ عَنْهُمْ
عَنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم
أي: ذكر الاستنثار فى الوضوء عثمان بن عفان وعبد الله بن زيد بن عاصم وعبد الله
ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، والمعنى أن هؤلاء رووا الاستئثار في الوضوء. أما الذي رواه
عثمان رضي الله تعالى عنه فقد أخرجه موصولاً في الباب الذي قبله، وأما الذي رواه عبد الله
ابن زيد فقد أخرجه موصولاً في باب مسح الرأس كله، وأما حديث ابن عباس فقد أخرج
موصولاً في باب غسل الوجه من غرفة، وقال بعضهم: وليس فيه ذكر الاستئثار، وكان
المصنف أشار بذلك إلى ما رواه أحمد وأبو داود والحاكم من حديثه مرفوعا: (استنثروا مرتين
بالغتين أو ثلاثاً)، ولأبي داود الطيالسي: ((إذا توضأ أحدكم واستنثر فليفعل ذلك مرتين أو
ثلاثاً)، وإسناده حسن.
قلت: ليس الأمر كما ذكره، بل في حديث ابن عباس الذي أخرجه البخاري ذكر
الاستئثار، فإن في بعض النسخ ذكر: واستنثر، موضع قوله: واستنشق، وقوله: وكأنه أشار
بذلك إلى ما رواه أحمد ... إلى آخره، بعيد على ما لا يخفى، وحديث أبي داود أخرجه ابن
ماجه أيضاً، وذكر الخلال عن أحمد أنه قال: في إسناده شيءٍ، وذكره الحاكم في الشواهد
وابن الجارود في المنتقى، وقال صاحب (التلويح): وكان ينبغي للبخاري إذا عد رواة
الاستئثار أن يذكر بعد حديث أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، حديث أبي سعيد الخدري
من صحيح مسلم، وحديث علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، من (صحيح) ابن
حبان، وحديث وائل بن حجر وسنده جيد عند البزار، وحديث لقيط بن صبة وقد تقدم،
وكذا حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، وحديث البراء بن عازب رويناه في كتاب
(الحلية) لأبي نعيم بسند جيد، وحديث سلمة بن قيس، قال الترمذي: حديث حسن
صحيح، وحديث أبي ثعلبة الخشني رواه كامل بن طلحة الجحدري عن مالك عن الزهري
عن أبي إدريس عنه، قال أبو أحمد الحاكم: أخطأ فيه كامل، وحديث المقدام بن معدي
کرب بسند جيد عند أبي داود. قلت: لم يظهر لي وجه قوله: وكان ينبغي، فإن البخاري ما
التزم بذكر أحاديث الباب، ولا بتخريج كل حديث صحيح، وكم من صحيح عند غيره فهو
ليس بصحيح عنده.