النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ ٠ ٤ _ كِتابُ الوضوء / باب (١٥) مدرج من قول عطاء الراوي عن أنس، فيكون مرسلاً فلا حجة فيه، حكاه عنه ابن التين، وإليه ذهب الكرماني أيضاً. وكذا يرد على بعضهم في قوله قائل: يعني هو هشام، أراد به: هشام ابن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، وقد مر تحقيق الكلام فيه عن قريب. بيان استنباط الأحكام: الأول: فيه خدمة الصالحين وأهل الفضل والتبرك بذلك، وتفقد حاجاتهم، خصوصاً المتعلقة بالطهارة. الثاني: فيه استخدام الرجل الصالح الفاضل بعض أتباعه الأحرار خصوصاً إذا أرصدوا لذلك، والاستعانة في مثل هذا، فيحصل لهم الشرف بذلك. وقد صرح الروياني من الشافعية بأنه يجوز أن يعير ولده الصغير ليخدم من يتعلم منه، وخالف صاحب (العدة) فقال: ليس للأب أن يعير ولده الصغير لمن يخدمه، لأن ذلك هبة لمنافعه، فأشبه إعارة ماله، وأوله النووي في (الروضة) فقال: هذا محمول على خدمة تقابل بأجرة، أما ما كان لا يقابل بها فالظاهر - والذي تقتضيه أفعال السلف - أن لا منع منه. وقال غيره من المتأخرين: ينبغي تقييد المنع بما إذا انتفت المصلحة، أما إذا وجدت، كما لو قال لولده الصغير: اخدم هذا الرجل في كذا لتتمرن على التواضع ومكارم الأخلاق، فلا منع منه، وهو حسن. الثالث: فيه التباعد لقضاء الحاجة عن الناس، وقد اشتهر ذلك من فعله، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. الرابع: فيه جواز الاستعانة في أسباب الوضوء. الخامس: فيه اتخاذ آنية الوضوء: كالإداوة ونحوها، وحمل الماء معه إلى الكنيف. السادس: فيه جواز الاستنجاء بالماء، ولذلك ترجم البخاري عليه، وفيه رد على من منع ذلك، كما بيناه، وأجابوا عن قول سعيد بن المسيب وقد سئل عن الاستنجاء بالماء: إنه وضوء النساء، بأنه لعل ذلك في مقابلة غلو من أنكر الاستنجاء بالأحجار، وبالغ في إنكاره بهذه الصيغة ليمنعه من الغلو، وحمله ابن قانع على أنه في حق النساء، وأما الرجال فيجمعون بينه وبين الأحجار، حكاه الباجي عنه. قال القاضي: والعلة عند سعيد في كونه وضوء النساء، معناه: أن الاستنجاء في حقهن بالحجارة متعذر، وقال الخطابي: وزعم بعض المتأخرين أن الماء مطعوم، فلهذا كره. الاستنجاء به سعيد وموافقوه، وهذا قول باطل، منابذ الأحاديث الصحيحة. وشذ ابن حبيب فقال: لا يجوز الاستنجاء بالأحجار مع وجود الماء، وحكاه القاضي أبو الطيب عن الزيدية والشيعة وغيرهما، والسنة قاضية عليهم، استعمل الشارع الأحجار وأبو هريرة معه ومعه إداوة من ماء. ومذهب جمهور السلف والخلف والذي أجمع عليه أهل الفتوى من أهل الأمصار أن الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر فيقدم الحجر أولاً ثم يستعمل الماء فتخف النجاسة وتقل مباشرتها بيده ويكون أبلغ في النظافة فإن أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل لكونه يزيل عين النجاسة وأثرها، والحجر يزيل العين دون الأثر لكنه معفو عنه في حق نفسه وتصح الصلاة معه كسائر النجاسات المعفو عنها. واحتج الطحاوي، رحمه الله، على الاستنجاء بالماء بقوله تعالى ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾ [التوبة: ١٠٨] قال الشعبي رحمه الله: ((لما نزلت هذه الآية قال النبي عَِّ: يا أهل قبا ما هذا الثناء الذي أثنى عليكم؟ قالوا: ما منا أحد إلا وهو يستنجي بالماء)). جدة ٤٤٢ ٤ - كِتابُ الوضوءِ / باب (١٦) ١٦ - بابُ مَنْ حُمِلَ مَعَهُ المَاءُ لِطُهُورِهِ أي: هذا باب في بيان من حمل معه الماء لأن يتطهر به، والطهور ههنا، بضم الطاء، لأن المراد به هو الفعل الذي هو المصدر، وأما الطهور، بفتح الطاء، فهو اسم للماء الذي يتطهر به، وقد حكي الفتح فيهما، وكذا حكي الضم فيهما، ولكن بالضم ههنا كما ذكرنا على اللغة المشهورة، وفي بعض النسخ: لطهور، بدون الضمير في آخره. والطهارة في اللغة النظافة والتنزه. وجه المناسبة بين البابين ظاهر لا يخفى. وقال أبُو الدَّزْدَاءِ: أَلَيْسَ فِيكَمْ صَاحِبُ النَّعْلَيْنِ وَالطَّهُورِ والوِسادِ؟ ١٠٠٠٠٠ هذا تعليق أخرجه موصولاً في المناقب، حدثنا موسى عن أبي عوانة عن مغيرة عن إبراهيم عن علقمة: ((دخلت الشام فصليت ركعتين، فقلت: اللهم يسر لي جليساً صالحاً، فرأيت شيخاً مقبلاً، فلما دنا قلت: أرجو أن يكون استجاب. قال: ممن أنت؟ قلت: من أهل الكوفة. قال: أفلم يكن فيكم صاحب النعلين والوساد والمطهرة ... )) الحديث. وأراد بإخراج طرف هذا الحديث ههنا مع حديث أنس، رضي الله عنه، التنبيه على ما ترجم عليه من حمل الماء إلى الكنيف لأجل التطهر. وأبو الدرداء اسمه: عويمر بن مالك بن عبد الله بن قيس، ويقال: عويمر بن زيد بن قيس الأنصاري، من أفاضل الصحابة، وفرض له عمر، رضي الله عنه، رزقاً فألحقه بالبدريين لجلالته، وولي قضاء دمشق في خلافة عثمان، رضي الله عنه، مات سنة إحدى أو اثنتين وثلاثين، وقبره بالباب الصغير بدمشق. قوله: ((أليس فيكم)) الخطاب فيه لأهل العراق، ويدخل فيه علقمة بن قيس. قال لهم حين كانوا يسألونه مسائل، وأبو الدرداء كان يكون بالشام، أي: لم لا تسألون من عبد الله بن مسعود هو في العراق وبينكم لا يحتاج العراقيون مع وجوده إلى أهل الشام وإلى مثلي. قوله: ((صاحب النعلين) أي: صاحب نعلي رسول الله، عليه الصلاة والسلام، لأن عبد الله كان يلبسهما إياه إذا قام، فإذا جلس أدخلهما في ذراعيه، وإسناد النعلين إليه مجاز لأجل الملابسة، وفي الحقيقة: صاحب النعلين، هو رسول الله، عليه الصلاة والسلام. قوله: ((والطهور)) هو بفتح الطاء لا غير قطعاً، إذ المراد: صاحب الماء الذي يتطهر به رسول الله، عليه الصلاة والسلام. قوله: ((والوساد)) بكسر الواو وبالسين المهملة وفي آخره دال. وفي (المطالع) قوله: ((صاحب الوساد والمطهرة))، يعني عبد الله بن مسعود، كذا في البخاري من غير خلاف في كتاب الطهارة، وفي رواية مالك بن إسماعيل: ويروى: الوسادة أو السواد، بكسر السين، وكان ابن مسعود، رضي الله عنه، يمشي مع النبي ع٣ حيث انصرف ويخدمه، ** ٢= 2.45 14% ٤٤٣ ٤ - كِتابُ الوضوءِ / باب (١٦) ويحمل مطهرته وسواكه ونعليه وما يحتاج إليه، فلعله أيضاً كان يحمل وسادة إذا احتاج إليه، وأما أبو عمر فإنه يقول: كان يعرف بصاحب السواد، أي: صاحب السر. لقوله: ((آذنك على أن ترفع الحجاب وتسمع سوادي)). انتهى كلامه. وقال الكرماني: ولعل السواد والوسادة هما بمعنى واحد، وكأنهما من باب القلب، والمقصود منه أنه، رضي الله عنه، صاحب الأسرار. يقال: ساودته مساودة وسواداً أي: ساررته وأصله: إدناء سوادك من سواده، وهو الشخص. ويحتمل أن يحمل على معنى المخدة، لكنه لم يثبت. قلت: تصرف اللفظ على احتمال معاني لا يحتاج إلى الثبوت. وقال الصغاني: ساودت الرجل أي: ساررته. ومنه قول النبي عٍَّ لابن مسعود، رضي الله عنه: ((آذنك على أن ترفع الحجاب وتسمع سوادي حتى أنهاك)). أي سراري، وهو من إدناء السواد من السواد، أي الشخص من الشخص. وقال: والوساد والوسادة المخدة، والجمع: وسد ووسائد. ١٥١/١٧ - حدّثنا سُلَيمانُ بنُ حَرْبٍ قال: حدّثنا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي مُعَاذٍ، هُوَ عَطَاءُ بنُ أبي مَيْمُونَة - قال: سَمِعْتُ أَنَساً يَقُولُ: كانَ رسولُ اللَّهِ مَّهِ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ تَبِعْتُهُ أنا وغلامٌ مِنَّا مَعَنَا إِدَاوَةٌ مِنْ ماءٍ. [أنظر الحديث ١٥٠ وأطرافه]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة. بيان رجاله: وهم أربعة ذكروا جميعاً، وحرب، بفتح الحاء المهملة وسكون الراء وفي آخره باء موحدة. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة والسماع. ومنها: أن رواته كلهم بصريون. ومنها: أنه من رباعيات البخاري. وقد ذكرنا في الباب السابق تعدد موضعه ومن أخرجه غيره. بيان اللغات والإعراب والمعنى: قوله: ((تبعته))، قال ابن سيده: تبع الشيء تبعاً وتباعاً وأتبعه واتبعه وتبعه: قفاه. وقيل أتبع الرجل: سبقه فلحقه، وتبعه تبعاً وأتبعه: مر به فمضى معه. وفي التنزيل: ﴿ثم أتبع سبباً﴾ [الكهف: ٨٩ و٩٢] ومعناه: تبع، قرأ أبو عمرو: ﴿ثم أتبع سبباً﴾ [الكهف: ٨٩ و٩٢] يريد: لحق وأدرك، واستتبعه: طلب إليه أن يتبعه، والجمع: تبع وتباع وتبعة، وحكى القزاز أن أبا عمرو قرأ. ﴿ثم أتبع سبباً﴾ [الكهف: ٨٩ - ٩٢] والكسائي ﴿ثم أتبع سبباً﴾ [الكهف: ٨٩، ٩٢] يريد: الحق وأدرك وذكر أن: تبعه وأتبعه بمعنى واحد، وكذا ذكر في (الغريبين) وفي (الأفعال) لابن طريف: المشهور تبعته سرت في أثره، واتبعته لحقته. وكذلك فسر في التنزيل: ﴿فاتبعوهم مشرقين﴾ [الشعراء: ٦٠] أي: لحقوهم. وفي (الصحاح): تبعت القوم تباعاً وتباعاً وتباعه، بالفتح: إذا مشيت، أو مروا بك فمضيت معهم. وقال الأخفش: تبعته وأتبعته بمعنى، مثل: ردفته وأردفته. قوله: ((يقول)) جملة في محل النصب على الحال، وإنما ذكر بلفظ المضارع مع أن حق الظاهر أن يكون بلفظ الماضي الإرادة استحضاره صورة القول تحقيقاً وتأكيداً له، كأنه يبصر الحاضرين ذلك. قوله: (إذا خرج)) i i i. i ـةمو. i i . .. ٤٤٤ ٤ - كِتابُ الوضوء / باب (١٧) أي: من بيته أو من بين الناس ((لحاجته))، أي: للبول أو الغائط. فإن قلت: إذا، للاستقبال، وإن دخل للمضي، فكيف يصح ههنا: إذ، الخروج مضى ووقع؟ قلت: هو ههنا لمجرد الظرفية، فيكون معناه تبعته حين خرج، أو هو حكاية للحال الماضية. قوله: ((تبعته)) جملة في محل النصب على أنها خبر: كان، وقد مر الكلام في بقية الإعراب في الباب السابق. قوله: ((منا)) أي: من الأنصار، وبه صرح في رواية الإسماعيلي. وقال الكرماني: أي: من قومنا أو: من خواص رسول الله عَ ليه، ومن جملة المسلمين. قلت: الكل بمعنى واحد لأن قوم أنس هم الأنصار، وهم من خواص رسول الله عَّله، ومن جملة المسلمين، وقال بعضهم: وإيراد المصنف لحديث أنس مع هذا الطرف من حديث أبي الدرداء يشعر إشعاراً قوياً بأن الغلام المذكور في حديث أنس هو ابن مسعود، ولفظ الغلام يطلق على غير الصغير مجازاً، وعلى هذا قول أنس: وغلام منا، أي: من الصحابة، أو: من خدم النبي معَّهِ. قلت: فيما قاله محذوران: أحدهما: ارتكاب المجاز من غير داع. والآخر: مخالفته لما ثبت في صريح رواية الإسماعيلي، ومن أقوى ما يرد كلامه أن أنساً، رضي الله عنه، وصف الغلام بالصغر في رواية أخرى، فكيف يصح أن يكون المراد هو ابن مسعود؟ ولكن روى أبو داود من حديث أبي هريرة، قال: ((كان النبي عَ ﴾ إذا أتى الخلاء أتيته بماء في ركوة فاستنجى))، فيحتمل أن يفسر به الغلام المذكور في حديث أنس، رضي الله تعالى عنه، ومع هذا هو احتمال بعيد لمخالفته رواية الإسماعيلي، لأنه نص فيها أنه من الأنصار، وأبو هريرة ليس منهم، ووقع في رواية الإسماعيلي من طريق عاصم بن علي عن شعبة، فأتبعه وأنا غلام، بصورة الجملة الإسمية الواقعة حالاً بالواو، ولكن الصحيح: أنا وغلام، بواو العطف، والله أعلم. ١٧ - بابُ حَمْلِ العَنَزَّةِ مَعَ الماءِ فِي الاسْتِثْجَاءِ أي: هذا باب في بيان حمل العنزة، وهي، بفتح العين المهملة وفتح النون: أطول من العصا وأقصر من الرمح، وفي طرفها زج كزج الرمح، والزج الحديدة التي في أسفل الرمح، يعني السنان، وفي (التلويح): العنزة عصاً في طرفها الأسفل زج يتوكأ عليها الشيخ. وفي البخاري: قال الزبير بن العوام: رأيت سعيد بن العاصي وفي يدي عنزة، فأطعن بها في عينه حتى أخرجتها متفقئة على حدقته، فأخذها رسول الله عَّ ﴾. فكانت تحمل بين يديه وبعده بين يدي أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، رضي الله تعالى عنهم، ثم طلبها ابن الزبير، رضي الله عنهما، فكانت عنده حتى قتل. وفي (مفاتيح العلوم) لأبي عبد الله محمد بن أحمد الخوارزمي: هذه الحربة وتسمى العنزة، كان النجاشي أهدأها للنبي، عليه الصلاة والسلام، فكانت تقام بين يديه إذا خرج إلى المصلى، وتوارثها من بعده الخلفاء، رضي الله تعالى عنهم، وفي (الطبقات): أهدى النجاشي إلى النبي، عليه الصلاة والسلام، ثلاث عنزات، فأمسك واحدة لنفسه، وأعطى علياً واحدة، وأعطى عمر واحدة. وجه المناسبة بين البابين ظاهر لا يخفى. ٩٠٥٠٠٪ ١٠٠ ٤٤٥ ٤ - كِتابُ الوضوء / باب (١٧) ١٥٢/١٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قال: حدّثنا مُحمَّدُ بنُ جَعْفَرِ قال: حدّثنا شُعْبَةُ عَنْ عَطَاءِ بنِ أبي مَيْمُونَ سمع أنَسَ بنَ مالِكِ يَقُولُ: كان رسولُ اللَّهِ عَ لَّه يَدْخُلُ الخَلَءَ فَأَحْمِلُ أنَّا وغُلاَمٌ إِدَاوَةً مِنْ ماءٍ وَعَنْزَةً يَسْتَنْجِي بِالمَاءِ. [أنظر الحديث ١٥٠ وأطرافه]. مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((وعنزة يستنجي بالماء)). بیان رجاله: وهم خمسة، وقد ذكروا غير مرة، ومحمد بن بشار لقبه: بندار، ومحمد ابن جعفر لقبه غندر، وقد ذكرناه مبسوطاً. i بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة والسماع. ومنها: أن فيه: سمع أنس بن مالك، وفي الرواية السابقة: سمعت أنساً، والفرق بينهما من جهة المعنى أن الأول إخبار عن عطاء، والثاني حكاية عن لفظه، ومحصلهما واحد. ومنها: أن رواته أئمة أجلاء. بيان اللغات والإعراب والمعنى: قوله: ((الخلاء)) بالمد، هو: التبرز، والمراد به ههنا الفضاء، ويدل عليه الرواية الأخرى، كان إذا خرج لحاجته، ويدل عليه أيضاً حمل العنزة مع الماء، فإن الصلاة إليها إنما تكون حيث لا سترة غيرها، وأيضاً فإن الأخلية التي هي الكنف في البيوت يتولى خدمته فيها عادة أهله. قوله: ((يدخل الخلاء)) جملة في محل النصب على أنها خبر: كان، و: الخلاء، منصوب بتقدير: في، أي: في الخلاء، وهو من قبيل: دخلت الدار. قوله: ((وعنزة)) بالنصب، عطف على قوله: إداوة. قوله: ((يستنجي بالماء)) جملة استئنافية كأن قائلاً يقول: ما كان يفعل بالماء؟ قال: يستنجي به. قوله: ((سمع أنس بن مالك)) تقديره: أنه سمع، ولفظة: أنه تحذف في الخط وتثبت في التقدير. قوله: ((وعنزة)) أي: ونحمل أيضاً عنزة. وكانت الحكمة في حملها كثيرة. منها: ليصلي إليها في الفضاء. ومنها: ليتقي بها كيد المنافقين واليهود، فإنهم كانوا يرومون قتله واغتياله بكل حالة، ومن أجل هذا اتخذ الأمراء المشي أمامهم بها. ومنها: لاتقاء السبع والمؤذيات من الحيوانات. ومنها: لنبش الأرض الصلبة عند قضاء الحاجة خشية الرشاش، ومنها: لتعليق الأمتعة. ومنها: للتوكؤ عليها. ومنها: قال بعضهم: إنها كانت تحمل ليستتر بها عند قضاء الحاجة، وهذا بعيد، لأن ضابط السترة في هذا مما يستر الأسافل والعنزة ليست كذلك. تَابَعَهُ النَّضْرُ وَشَاذَانُ عَنْ شُعْبَةً أي: تابع محمد بن جعفر النضر بن شميل وحديثه موصول عند النسائي، والنضر، بفتح النون وسكون الضاد المعجمة: ابن شميل، بضم الشين المعجمة: المازني البصري، أبو الحسن، من تبع التابعين الساكن بمرو، وقال ابن المبارك: هو درة بين مروين ضائعة، يعني: كورة مرو وكورة مرو الروذ، وهو إمام في العربية والحديث، وهو أول من أظهر السنَّة بمرو وجميع خراسان، وكان أروى الناس عن شعبة، ألف كتباً لم يسبق إليها، مات آخر سنة ثلاث أو أربع ومائتين عن نيف وثمانين سنة. قوله: ((وشاذان)) بالرفع، عطف على النضر. أي: وتابع محمد بن جعفر بن شاذان، وحديثه موصول عند البخاري في الصلاة على ما يأتي، إن شاء i ٤٤٦ ١٣٩٢ ٤ - كِتابُ الوضوءِ / باب (١٨) الله تعالى. وشاذان، بالشين المعجمة والذال المعجمة وفي آخره نون: وهو لقب الأسود بن عامر الشامي البغدادي أبو عبد الرحمن، روى عن شعبة وخلق، وعنه الدارمي وخلق، مات سنة ثمان ومائتين، وشاذان أيضاً لقب عبد العزيز بن عثمان بن جبلة الأزدي، مولاهم المروزي، أخرج له البخاري والنسائي، وهو والد خلف بن شاذان، وكأنه معرب، ومعناه بالفارسية: فرحان. وقال الكرماني: ويحتمل أن البخاري روى عنه، أي بلا واسطة، أو روى له، أي: بالواسطة، فهو إما متابعة تامة أو متابعة ناقصة، وفائدتها التقوية. قلت: روى له البخاري كما ذكرنا بواسطة. فقال: حدثنا محمد بن حاتم بن بزيع قال: حدثنا شاذان عن شعبة عن عطاء بن أبي ميمونة. قال: سمعت أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه يقول: ((كان النبي، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، إذا خرج لحاجته تبعته أنا وغلام معنا عكازة أو عصا أو عنزة. ومعنا إداوة، فإذا فرغ من حاجته ناولناه الإدارة)). العَنَزَةُ عَصاً علیهِ زُجُ هذا التفسير وقع في رواية كريمة لا غير، والزج: بضم الزاي المعجمة وبالجيم المشددة: هو السنان، وفي (العباب) الزج نصل السهم والحديدة في أسفل الرمح، والجمع زججة وزجاج، ولا تقل أزجة، ثم اعلم أن العنزة هل هي قصيرة أو طويلة فيه اضطراب لأهل اللغة، صحح الأول القاضي تحياض، والثاني النووي في (شرحه)، وجزم القرطبي في: باب من قدم من سفر، بأنها عصاً مثل نصب الرمح أو أكثر، وفيها زج. ونقله ابن عبيد، وفي (غريب) ابن الجوزي أنها مثل الحربة. قال الثعالبي: فإن طالت شيئاً فهي النيزك ومطرد، فإذا زاد طولها، وفيها سنان عريض فهي آلة وحربة، وقال ابن التين: العنزة أطول من العصا وأقصر من الرمح، وفيه زج كزج الرمح، وعبارة الداودي العنزة: العكاز أو الرمح أو الحربة أو نحوها. يكون في أسفلها قرن أو زج. وقال الحربي، عن الأصمعي: العنزة ما دور نصله، والآلة والحربة العريضة النصل، وقيل: الحربة ما لم يعرض نصله. والله أعلم. ١٨ - بابُ التَّهْي عَنْ الاسْتِجَاءِ باليَمِين أي: هذا باب في بيان النهي عن الاستنجاء باليمين، أي: باليد اليمنى، وقال بعضهم: عبر بالنهي إشارة إلى أنه لم يظهر له أهو للتحريم أو للتنزيه، أو أن القرينة الصارفة للنهي عن التحريم لم تظهر له. قلت: هذا كلام فيه خبط، لأن في الحديث الذي عقد عليه الباب النهي عن ثلاثة أشياء، فلا بد من التعبير بالنهي. وأما أنه للتحريم أو للتنزيه فهو أمر آخر وليس تعبيره بالنهي لعدم ظهور ذلك، ولا لعدم القرينة الصارفة عن التحريم، فعلى أي حال يكون لا بد من التعبير بالنهي، فلا يحتاج إلى الاعتذار عنه في ذلك. ووجه المناسبة بين البابين، بل بين هذه الأبواب، ظاهر. لأن جميعها معقود في أمور الاستنجاء. ٤٤٧ ٤ - كِتابُ الوضوءِ / باب (١٨) ١٥٣/١٩ - حدثنا مُعَاذُ بنُ فَضَالَةَ قالَ: حدّثنا - هِشَامٌ هُوَ الدَّسْتَوائِيُّ - عَنْ یخیی بنِ أبي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أبي قَتَادَةَ عنْ أَبِيهِ قال: قال رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ: ((إِذَا شَرِبَ أحَدُكُمْ فَلاَّ يَتَتَفَّ فِي الإِنَاءِ، وَإذا أتى الخَلاءِ فَلاَ يَمَسَّ ذَكّرَهُ بِیمینه ولا يتمسّخ پِیمینه)). [الحدیث ١٥٣ - طرفاه في: ١٥٤، ٥٦٣٠]. مطابقة الحديث في قوله: ((ولا يتمسح بيمينه). بيان رجاله: وهم خمسة. الأول: معاذ، بضم الميم وبالذال المعجمة: ابن فضالة، بفتح الفاء والضاد المعجمة: البصري الزهراني، أبو زيد، روى عن الثوري وغيره، وعنه البخاري وآخرون. الثاني: هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، بفتح الدال وسكون السين المهملتين والتاء المثناة من فوق وبهمزة بلا نون، وقيل: بالقصر وبالنون، وقد مر تحقيقه في: باب زيادة الإيمان. الثالث: يحيى بن أبي كثير، أبو نصر الطائي، وقد مر في: باب كتابة العلم. الرابع: عبد الله بن أبي قتادة أبو إبراهيم البلخي، روى عن أبيه وعنه يحيى وغيره، مات سنة خمس وتسعين، روى له الجماعة. الخامس: أبو قتادة الحارث أو النعمان، أو عمرو بن ربعي بن بلدمة بن خناس بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة، بكسر اللام: السلمي بفتحها ويجوز في لغة كسرها، المدني، فارس رسول الله عَ لَّهِ، شهد أحداً والخندق وما بعدها، والمشهور أنه لم يشهد بدراً، روي له مائة حديث وسبعون حديثاً وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بثمانية، واتفقا على أحد عشر، ومناقبه جمة، مات بالمدينة، وقيل: بالكوفة سنة أربع وخمسين على أحد الأقوال، عن سبعين سنة، ولا يعلم في الصحابة من يكنى بهذه الكنية سواه. وربعي، بكسر الراء وسكون الباء الموحدة وكسر العين المهملة. وبلدمة: بفتح الباء الموحدة وسكون اللام وفتح الدال المهملة، ويقال: بضم الياء وبضم الذال المعجمة. وخناس، بكسر الخاء المعجمة وبالنون المخففة. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة. ومنها: أن رواته ما بين بصري ومدني. ومنها: أن قوله: هو الدستوائي، قيد لإخراج هشام بن حسان، لأنهما بصريان ثقتان مشهوران من طبقة واحدة، فقيد به لدفع الالتباس وغرض التعريف. وقال الكرماني: وإنما قال بهذه العبارة اقتصاراً على ما ذكره شيخه، واحترازاً عن الزيادة على لفظه. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في (الطهارة) عن محمد بن یوسف عن الأوزاعي عن یحیی بن أبي کثیر به، وعن یحیی بن یحیی عن وکیع بن هشام به، وفيه وفي (الأشربة) أيضاً عن أبي نعيم عن شيبان عن يحيى به. وأخرجه مسلم في (الطهارة) أيضاً عن يحيى بن يحيى عن عبد الرحمن بن مهدي عن همام بن يحيى عن يحيى بن أبي کثیر به، وعن يحيى بن يحيى عن وكيع عن هشام به، وفيه وفي (الأشربة) عن ابن أبي عمر عن عبد الوهاب الثقفي عن أيوب عن يحيى بن أبي كثير. وأخرجه أبو داود في (الطهارة) عن مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل، كلاهما عن أبان بن يزيد عن يحيى بن أبي كثير. وأخرجه الترمذي فيه أيضاً عن ابن أبي عمر عن سفيان عن معمر عن يحيى بن أبي كثير به، وحدة. i ،جدة i ٠۵ ٠۵۵٦ ١١٠ ٤٤٨ ٤ - كِتابُ الوضوء / باب (١٨) وقال: حسن صحيح. وأخرجه النسائي فيه أيضاً عن يحيى بن درستويه عن أبي إسماعيل القناوي عن يحيى بن أبي كثير به، وعن هناد بن السري عن وكيع به، وعن إسماعيل بن مسعود عن خالد بن الحارث عن هشام به، وعن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري عن عبد الوهاب الثقفي به. وأخرجه ابن ماجه فيه أيضاً عن هشام بن عمار عن عبد الحميد ابن حبيب بن أبي العشرين وعن دحيم نحوه عن الوليد بن مسلم، كلاهما عن الأوزاعي به، ولم يذكر التنفس في الإناء. بيان اللغات: قوله: ((فلا يتنفس)) من باب التفعل، يقال: تنفس يتنفس تنفساً، والتنفس له معنيان أحدهما: أن يشرب ويتنفس في الإناء، من غير أن يبينه عن فيه وهو مكروه، والآخر: أن يشرب الماء وغيره من الإناء بثلاثة أنفاس، فيبين فاه عن الإناء في كل نفس، وأصل التركيب يدل على خروج النسيم كيف كان من ريح أو غيرها، وإليه ترجع فروعه، والتنفس خروج النفس من الفم، وكل ذي رئة يتنفس، وذوات الماء لا ريات لها، كذا قاله الجوهري. قوله: ((في الإناء)) وهي الوعاء، وجمعها: آنية، وجمع الآنية، الأواني مثل: سقاء وأسقية وأساقي، وأصله غير مهموز، ولهذا ذكره الجوهري في باب أنى، فعلى هذا أصله: إناي، قلبت الياء همزة لوقوعها في الطرف بعد ألف ساكنة. قوله: ((الخلاء)) ممدود: المتوضأ، ويطلق على الفضاء أيضاً. قوله: ((فلا يمس) من مسست الشيء بالكسر أمس مساً ومسيساً ومسيسى، مثال خصيصى، هذه هي اللغة الفصيحة. وحكى أبو عبيدة: مسسته، بالفتح. أمسه. بالضم. وربما قالوا: أمست الشيء يحذفون منه السين الأولى ويحولون كسرتها إلى الميم، ومنهم لا يحول ويترك الميم على حالها مفتوحة، وهو مثل قوله: ﴿فظلتم تفكهون﴾ [الواقعة: ٦٥] بكسر الظاء وتفتح، وأصله: ظللتم، وهو من شواذ التخفيف، ويجوز فيه ثلاثة أوجه من حيث القاعدة: فتح السين لخفة الفتحة، وكسرها لأن الساكن إذا حرك حرك بالكسر، وفك الإدغام على ما عرف في موضعه. قوله: ((ولا يتمسح)) أي: ولا يستنجي، وهو من باب التفعل، أشار به إلى أنه لا يتكلف المسح باليمين، لأن باب التفعل للتكلف غالباً. بيان الإعراب: قوله: ((فلا يتنفس)) بجزم السين لأنه صيغة النهي، وكذا قوله: ((فلا يمس) و ((لا يتمسح)، وروي بالضم في هذه الألفاظ الثلاثة على صيغة النفي، والفاء في قوله: ((فلا یتنفس» و «فلا يمس) جواب الشرط، وقوله: ((ولا يتمسح)) بالواو عطف على قوله: ((فلا يمس)، وإنما لم يظهر الجزم في: فلا يمس، لأجل الإدغام، وعند الفك يظهر الجزم تقول: فلا يمس. بيان المعاني: قوله: (فلا يتنفس)) قد ذكرنا أنه نهي، ويحتمل النفي، وعلى كل تقدير هو نهي أدب، وذلك أنه إذا فعل ذلك لم يأمن أن يبرز من فيه الريق، فيخالط الماء فيعافه الشارب، وربما يروح بنكهة المتنفس إذا كانت فاسدة، والماء للطفه ورقة طبعه تسرع إليه الروائح، ثم أنه يعد من فعل الدواب إذا كرعت في الأواني جرعت ثم تنفست فيها ثم عادت فشربت، وإنما السنَّة أن يشرب الماء في ثلاثة أنفاس، كلما شرب نفساً من الإناء نحاه عن فمه ثم عاد مصاً له غير عب إلى أن يأخذ ريه منه، والتنفس خارج الإناء أحسن في الأدب ـالة ٠٣٠ i ٤٤٩ ٤ - كِتابُ الوضوء / باب (١٨) وأبعد عن الشره وأخف للمعدة، وإذا تنفس فيه تكاثر الماء في حلقه وأثقل معدته، وربما شرق وآذى كبده، وهو فعل البهائم. وقد قيل: إن في القلب بابين يدخل النفس من أحدهما ويخرج من الآخر فيبقى ما على القلب من هم أو قذى، ولذلك لو احتبس النفس ساعة هلك الآدمي، ويخشى من كثرة التنفس في الإناء أن يصحبه شيء مما في القلب فيقع في الماء، ثم يشربه فيتأذى به. وقيل: علة الكراهة أن كل عبة شربة مستأنفة، فيستحب الذكر في أولها والحمد في آخرها، فإذا وصل ولم يفصل بينهما فقد أخل بعدة سنن. فإن قلت: لم يبين في الحديث عدد التنفس خارج الإناء، غاية ما في الباب أنه نهى عن التنفس فيها. قلت: قد بينه في الحديث الآخر بالتثليث، وقد اختلف العلماء في أي هذه الأنفاس الثلاثة أطول على قولين: أحدهما: الأول، والثاني: أن الأول أقصر والثاني أزيد منه، والثالث أزيد منهما، فيجمع بين السنة والطب، لأنه إذا شرب قليلاً قليلاً وصل إلى جوفه من غير إزعاج، ولهذا جاء في الحديث: ((مصوا الماء مصاً ولا تعبوه عباً فإنه أهناً وأمراً وأبرأ)). فإن قلت: قد صح عن أنس، رضي الله عنه، أن النبي، عليه الصلاة والسلام: ((كان يتنفس في الإناء ثلاثاً). قلت: المعنى يتنفس في مدة شربه عند إبانة القدح عن الفم لا التنفس في الإناء، لا سيما مع قوله: ((هو أهنأً وأمرأ وأبرأ)). أو فعله بياناً للجواز أو النهي خاص بغيره، لأن ما يتقذر من غيره يستطاب منه. فإن قلت: هل الحكم مقصور على الماء أم غيره من الأشربة مثله؟ قلت: النهي المذكور غير مختص بشرب الماء، بل غيره مثله، وكذلك الطعام مثله، فكره النفخ فيه. والتنفس في معنى النفخ. وفي (جامع الترمذي) مصححاً عن أبي سعيد الخدري: ((أَنه عَّلّ نهى عن النفخ في الشراب، فقال رجل: القذاة أراها في الإناء! قال: أهرقها. قال فإني لا أروى من نفس واحد، قال فأبن القدح إذاً عن فيك)). فإن قلت: ما الدليل على العموم؟ قلت: حذف المفعول في قوله: ((وإذا شرب))، وذلك لأن حذف المفعول ينبىء عن العموم. قوله: ((فلا يمس ذكره بيمينه)) النهي فيه تنزيه لها عن مباشرة العضو الذي يكون فيه الأذى والحدث، وكان النبي عَّ له يجعل يمناه لطعامه وشرابه ولباسه مصونة عن مباشرة الثقل ومماسة الأعضاء التي هي مجاري الأثقال والنجاسات، ويسراه لخدمة أسافل بدنه وإماطة ما هناك من القاذورات وتنظيف ما يحدث فيها من الأدناس. فإن قلت: الحديث يقتضي النهي عن مس الذكر باليمين حالة البول وكيف الحكم في غير هذه الحالة؟ قلت: روى أبو داود بسند صحيح من حديث عائشة، رضي الله عنها، قالت: ((كانت يد رسول الله عَّلله اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى)). وأخرجه بقية الجماعة أيضاً، وروي أيضاً من حديث حفصة، زوج النبي عليه الصلاة والسلام، قالت: ((كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه ولباسه، ويجعل شماله لما سوى ذلك». وظاهر هذا يدل على عموم الحكم على أنه قد روي النهي عن مسه باليمين مطلقاً غير مقيد بحالة البول، فمن الناس من أخذ بهذا المطلق، ومنهم من حمله على الخاص بعد عمدة القاري/ ج٢/م٢٩ i ٤٥٠ ٤ - كِتابُ الوضوءِ / باب (١٩) أن ينظر في الروايتين: هل هما حديثان أو حديث واحد؟ فإن كانا حديثاً واحداً مخرجه واحد واختلفت فيه الرواة، فينبغي حمل المطلق على المقيد لأنها تكون زيادة من عدل في حديث واحد فتقبل، وإن كانا حديثين فالأمر في حكم الإطلاق والتقييد على ما ذكر. فإن قلت: النهي فيه تنزيه أو تحريم؟ قلت: للتنزيه عند الجمهور، لأن النهي فيه لمعنيين: أحدهما: لرفع قدر اليمين، والآخر: أنه لو باشر النجاسة بها يتذكر عند تناوله الطعام ما باشرت يمينه من النجاسة فينفر طبعه من ذلك، وحمله أهل الظاهر على التحريم حتى قال الحسين بن عبد الله الناصري، في كتابه (البرهان على مذهب أهل الظاهر): ولو استنجى بيمينه لا يجزيه، وهو وجه عند الحنابلة وطائفة من الشافعية. قوله: ((ولا يتمسح بيمينه)) النهي فيه للتنزيه عند الجمهور، خلافاً للظاهرية كما ذكرنا، وقد أورد الخطابي ههنا أشكالاً، وهو أنه متى استجمر بيساره استلزم مس ذكره بيمينه، ومتى مسه بيساره استلزم استجماره بيمينه، وكلاهما قد شمله النهي. ثم أجاب عن ذلك بقوله: إنه يقصد الأشياء الضخمة التي لا تزول بالحركة: كالجدار ونحوه من الأشياء البارزة، فيستجمر بها بيساره، فإن لم يجد فليلصق مقعدته بالأرض ويمسك ما يستجمر به بين عقبيه وإبهامي رجليه ويستجمر بيساره، فلا يكون متصرفاً في شيء من ذلك بيمينه، وقال الطيبي: النهي عن الاستنجاء باليمين مختص بالدبر، والنهي عن المس مختص بالذكر، فلا إشكال فيه. قلت: قوله، عليه الصلاة والسلام، في الحديث الآتي: ((ولا يستنجي بيمينه)) يرد عليه في دعواه الاختصاص على ما لا يخفى، وقال بعضهم: الذي ذكره الخطابي هيئة منكرة، بل قد يتعذر فعلها في غالب الأوقات، والصواب ما قاله إمام الحرمين ومن بعده: كالغزالي في (الوسيط) والبغوي في (التهذيب) أنه يمر العضو بيساره على شيء يمسكه بيمينه، وهي قارة غير متحركة فلا يعد مستجمراً باليمين، ولا ماساً بها، فهو كمن صب الماء بيمينه على يساره حالة الاستنجاء. قلت: دعواه بأن هذه هيئة منكرة فاسدة، لأن الاستجمار بالجدار ونحوه غير بشيع، وهذا ظاهر وتصويبه ما قاله هؤلاء: إنما يمشي في استجمار الذكر، وأما في الدبر فلا، على ما لا يخفى. بيان استنباط الأحكام: الأول: كراهة التنفس في الإناء وقد ذكرناه مفصلاً. الثاني: فيه جواز الشرب من نفس واحد لأنه إنما نهى عن التنفس في الإناء، والذي شرب في نفس واحد لم يتنفس فلا يكون مخالفاً للنهي، وكرهه جماعة، وقالوا: هو شرب الشيطان. وفي الترمذي محسناً من حديث ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، مرفوعاً: ((لا تشربوا واحداً كشرب البعير، ولكن اشربوا مثنى وثلاث، وسموا إذا أنتم شربتم، واحمدوا إذا أنتم رفعتم)). الثالث: فيه النهي عن مس الذكر باليمين. الرابع: فيه النهي عن الاستنجاء باليمين. الخامس: فيه فضل الميامن. والله أعلم بالصواب. ١ ١٩ - بابٌ لا يُمْسِكُ ذكَرَه بِيَمِينه إِذا بالَ أي: هذا باب فيه بيان حكم مس الذكر باليمين وقت البول، وباب: منون غير ١ ١٣٠ ٤٥١ ٤ - كِتابُ الوضوء / باب (١٩) مضاف. i مي ووجه المناسبة بين البابين ظاهر. وقال بعضهم: أشار بهذه الترجمة إلى أن النهي المطلق عن مس الذكر باليمين كما في الباب الذي قبله محمول على المقيد بحالة البول، فيكون ما عداه مباحاً. قلت: هذا كلام فيه خباط، لأن الحاصل من معنى الحديثين واحد، وكلاهما مقيد. أما الأول: فلأن إتيان الخلاء في قوله: ((إذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه))، كناية عن التبول، والمعنى: إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه، والجزاء قيد الشرط. وأما الثاني: فهو صريح بالقيد، وكلاهما واحد في الحقيقة، فكيف يقول هذا القائل: إن ذلك المطلق محمول على المقيد والمفهوم منهما جميعاً عن مس الذكر باليمين عند البول، فلا يدل على منعه عند غير البول؟ ولا سيما جاء في الحديث ما يدل على الإباحة وهو قوله عليه الصلاة والسلام لطلق بن علي حين سأله عن مس الذكر: ((إنما هو بضعة منك)). فهذا يدل على الجواز فى كل حال، ولكن خرجت حالة البول بهذا الحديث الصحيح، وما عدا ذلك فقد بقي على الإباحة فافهم. فإن قلت: فما فائدة تخصيص النهي بحالة البول؟ قلت: ما قرب من الشيء يأخذ حكمه، ولما منع الاستنجاء باليمين منع مس آلته حسماً للمادة. فإن قلت: إذا كان الأمر على ما ذكرت من الرد على القائل المذكور، فما فائدة ترجمة البخاري بالحديث في بابين ولم يكتف بباب واحد؟ قلت: فائدته من وجوه: الأول: التنبيه على اختلاف الإسناد. الثاني: التنبيه على الاختلاف الواقع في لفظ المتن، فإن في السند الأول: ((إذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه))، وفي الإسناد الثاني: ((إذا بال أحدكم فلا يأخذن ذكره بيمينه)). ولا يخفى التفاوت الذي بين: إذا أتى الخلاء، وبين إذا بال، وبين: فلا يمس ذكره، وفلا يأخذن ذكره أيضاً. ففي الحديث الأول: ((ولا يتمسح بيمينه)) وفي هذا الحديث: ((ولا يستنجي بيمينه))، وهذا يفسر ذاك فافهم. الثالث: أنه عقد الباب الأول على الحكم الثالث من الحديث وهو كراهة الاستنجاء باليمين، وعقد هذا الباب على الحكم الأول وهو كراهة مس الذكر عند البول، ومن أبين الدلائل على هذا الوجه أنه عقد باباً آخر في الأشربة على الحكم الأول وهو كراهة التنفس في الإناء. ١٥٤/٢٠ - حدثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قال: حدثنا الأوزاعِيُّ عَنْ یخیتی بنِ أبي کثیرٍ عَنْ عَبدِ اللَّهِ بن أبي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ عَ لَّه قال: ((إِذَا بالَ أَحَدُكُمْ فَلاَ يَأْخُذَنَّ ذَكَرَةُ بِيَمِينِهِ وَلا يَسْتَنْجِي بِيَمِينِهِ ولا يَتَتَفَّسْ فِي الإِنَاءِ». [أنظر الحديث ١٥٣ وطرفه]. مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((إذا بال أحدكم فلا يأخذن ذكره بيمينه)). فإن قلت: كان ينبغي أن يقال باب لا يأخذ ذكره بيمينه إذا بال، للتطابق. قلت: أشار البخاري إلى دقيقة تخفى على كثير من الناس، وهي أن في رواية همام عن يحيى بن كثير عن عبد الله: ((فلا يمسكن ذكره بيمينه))، وكذا أخرجه مسلم من هذه الرواية بهذا اللفظ، والبخاري ٠٠٠ /٠٠ ٤٥٢ ٤ - كِتابُ الوضوء / باب (٣٠) أخرجه ههنا من رواية الأوزاعي عن يحيى باللفظ المذكور، فذكر في الترجمة اللفظ الذي أخرجه مسلم من رواية همام، وفي الحديث اللفظ الذي رواه الأوزاعي عن يحيى. وقال بعضهم. ووقع في رواية الإسماعيلي: لا يمس، فاعترض على ترجمة البخاري بأن المس أعم من المسك، يعني فكيف يستدل بالأعم على الأخص؟ قلت: ليت شعري ما وجه هذا الاعتراض، وهذا كلام واه ولو أعم، إذ ليس في حديث البخاري لفظ المس، فكيف يعترض عليه؟ فإنه ترجم المسك والمس أعم من المسك، وهذا كلام فيه خباط. بيان رجاله: وهم خمسة، وقد ذكرو كلهم، والأوزاعي عبد الرحمن بن عمر وإمام أهل الشام. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة. ومنها: أن رواته ما بين شامي وبصري ومدني. ومنها: أنهم أئمة أجلاء. ذكر بقية الكلام قوله: ((فلا يأخذن)) جواب الشرط، وهو بنون التأكيد في رواية أبي ذر، وفي رواية غيره بدون النون. قوله: ((ولا يستنجي بيمينه)) أعم من أن يكون بالقبل أو بالدبر، وبه يرد على من يقول في الحديث السابق لفظ: لا يتمسح بيمينه مختص بالدبر. قوله: ((ولا يتنفس)) يجوز فيه الوجهان: أحدهما: أن تكون: لا، فيه نافية، فحينئذ تضم السين. والآخر: أن تكون ناهية، فحينئذ تجزم السين. فإن قلت: هذه الجملة عطف على ماذا؟ قلت: عطف على الجملة المركبة من الشرط والجزاء مجموعاً، ولهذا غير الأسلوب حيث لم يذكر بالنون، ولا يجوز أن يكون معطوفاً على الجزاء لأنه مقيد بالشرط، فيكون المعنى إذا بال أحدكم فلا يتنفس في الإناء، وهو غير صحيح، لأن النهي مطلق. وذهب السكاكي إلى أن الجملة الجزائية جملة خبرية مقيدة بالشرط، فيحتمل على مذهبه أن تكون عطفاً على الجزائية، ولا يلزم من كون المعطوف عليه مقيداً بقيد أن يكون المعطوف مقيداً به على ما هو عليه أكثر النحاة. ٢٠ _ بابُ الاسْتِتْجَاءِ بالحِجَارَةِ أي: هذا باب في بيان حكم الاستنجاء بالحجارة. ونبه بهذه الترجمة على الرد على من زعم اختصاص الاستنجاء الماء. وجه المناسبة بين هذا الباب والأبواب التي قبله ظاهر. ٢١/ ١٥٥ - حدثنا أحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ المَكِّيُ قال: حدّثنا عَمْرُو بنُ يَحْيِى بنِ سَعِيدِ بنِ عَمْرٍو المَكَيُّ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال: اتَّبَعْتُ النبيَّ عَّهِ وَخَرَجَ لِحَاجَتِهِ، فَكانَ لا يَلْتَفِتُ. فَدَنَوْتُ مِنْهُ فقالَ: (أَبْغِني أُحْجَاراً أُسْتَنْفِضْ بِها)) - أَوْ نَحْوَهُ - ((ولا تَأْتِي بِعَظُم ولا رؤْثٍ)) فَأَتَّيْتُهُ بِأَخْجَارٍ بِطَرَفٍ ثِيابي فَوَضعْتُهَا إِلى جَنْبِهِ وأَعْرَضْتُ عنهُ، فَلَمَّا قَضَى أَتْبَعَهُ بِهِنَّ. [الحديث ١٥٥ - طرفه في: ٣٨٦٠]. ٤٥٣ ٤ - كِتابُ الوضوء / باب (٢٠) مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((أبغني أحجاراً أستنفض بها)) لأن معناه: أستنجي بها، كما سيأتي عن قريب إن شاء الله تعالى. بيان رجاله: وهم أربعة. الأول: أحمد بن محمد بن عون، بالنون، أبو الوليد الغساني الأزرقي المكي، جد أبي الوليد محمد بن عبد الله صاحب (تاريخ مكة)، في طبقته أحمد ابن محمد المكي أيضاً، لكن كنيته أبو محمد وجده عون يعرف بالقواس، وقد وهم من زعم أن البخاري روى عن أبي محمد الذي في طبقته إنما روى عن أبي الوليد، وهم أيضاً من جعلهما واحداً، روى أبو الوليد المذكور عن مالك وغيره، وروى عنه البخاري، وحفيده مؤرخ مكة محمد بن عبد الله وأبو جعفر الترمذي وآخرون، مات سنة اثنتين وعشرين ومائتين. الثاني: عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاصي، أبو أمية القريشي المكي الأموي، وعمرو بن سعيد هو المعروف بالأشدق الذي ولي إمرة المدينة، وكان يجهز البعوث إلى مكة، وكان عمرو هذا قد تغلب على دمشق في زمن عبد الملك بن مروان، فقتله عبد الملك وسير أولاده إلى المدينة، وسكن ولده مكة لما ظهرت دولة بني العباس، فاستمروا بها. وعمرو بن یحیی روی عن أبيه وجده، وعنه سوید وغيره، روى له البخاري وابن ماجه. الثالث: جده سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاصي بن أبي أحيحة التابعي الثقة، روى عن ابن عباس وغيره، وعنه ابناه إسحاق وخالد، وحفيده عمرو بن يحيى، روى له الجماعة سوى الترمذي. الرابع: أبو هريرة عبد الرحمن، رضي الله تعالى عنه. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة. ومنها: أن فيه مكيين ومدنيين. ومنها: أنه من رباعيات البخاري. ومنها: أن فيه رواية الابن عن الجد. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً مطولاً في(ذكرالجن) عن موسى بن إسماعيل عن عمرو بن يحيى بن سعيد عن جده به، ولم يخرجه مسلم ولا الأربعة. وأخرجه رزين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله عَّله: ((أبغني أحجاراً أستنفض بها، ولا تأتني بعظم ولا بروثة)). قلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: ((هما من طعام الجن، وأنه أتاني وفد جن نصیبین، ونعم الجن، فسألوني عن الزاد فدعوت الله تعالى لهم أن لا يمروا بعظم ولا بروث إلا وجدوا عليهما طعاماً). بيان اللغات: قوله: ((اتبعت النبي صَ ل) بتشديد التاء المثناة من فوق، أي: سرت وراءه، وقد أشبعنا الكلام فيه في باب من حمل الماء لطهوره عن قريب. قوله: ((ابغني)) يجوز في همزته الوصل إذا كان من الثلاثي معناه. اطلب لي، يقال: بغيتك الشيء أي طلبته لك، والقطع إذا كان من المزيد، معناه أعني على الطلب، يقال: أبغيتك الشيء إذا أعنتك على طلبه، وكلاهما روايتان. وقال الجوهري: بغيت الشيء طلبته، وبغيتك الشيء طلبته لك، وأبغيته الشيء: أعنته على طلبه. وقال ابن التين: رويناه بالوصل. قال الخطابي: معناه: اطلب لي، من بغيت الشيء: طلبته، وبغيتك الشيء: طلبته لك، وأبغيتك الشيء جعلتك طالباً له، قال تعالى: ﴿يبغونكم الفتنة﴾ [التوبة: ٤٧] أي: يبغونها لكم. وقال أبو علي الهجري في (أماليه): i ٤٥٤ ٤ - كِتابُ الوضوء / باب (٢٠) بغيت الخير بغاء، قلت: بكسر الباء، وقال أبو الحسن اللحياني في (نوادره): يقال بغى الرجل الحاجة والعلم والخير، وكل شيء يطلب يبغى بغاء. قلت: بضم الباء، وبغية: بكسر الباء، وبغى كذلك، وبغية بالضم وبغى كذلك، واستبغى القوم فيغوه وبغوا له أي: طلبوا له. وفي (المحكم): المعروف بغاء. قلت: بالضم، والاسم البغية والبغية. وقال ثعلب: بغى الخير بغية وبغية، فجعلهما مصدرين، والبغية والبغية والبغية ما ابتغى، وأبغاه الشيء طلبه له أو أعانه على طلبه، والجمع، بغاة وبغيان. وابتغى الشيء: تيسر وتسهل، وبغى الشيء بغواً نظر إليه كيف هو. وفي (الجامع) للقزاز: أبغني كذا أي أعني عليه واطلبه معي. وفي (الواعي) لعبد الحق الإشبيلي: البغاء الطلب، قلت: بالضم، وفي (الصحاح): كل طلبة بغاء، بالضم وبالمد، وبغاية أيضاً. وابتغيت الشيء وتبغيته: إذا طلبته. قال ساعدة بن جوية الهذلي: سباع تبغي الناس مثنى وموحد قوله: ((أستنفض)) على وزن أستفعل من النفض بالنون والفاء والضاد المعجمة، وهو أن يهز الشيء ليطير غباره، أو يزول ما عليه. ومعناه ههنا: أستنظف بها، أي: أنظف بها نفسي من الحدث. وفي (المطالع): أبغي أحجاراً أستنفض بها، أي: أستنج بها مما هنالك. ونفاضة كل شيء ما نفضته فسقط منه. وفي (الواعي): أستنفض بها أي: أستنجي بها، وهو أن ينفض عن نفسه أذى الحدث. فقال: هذا موضع مستنفض أي: متبرز. وفي كتاب ابن طريف: نفضت الأرض تتبعت مغانيها، ونفضت الشيء نفضاً حركته ليسقط عنه ما علق به. وقال المطرزي: الاستنفاض الاستخراج، ويكنى به عن الاستنجاء. وقال: ومن رواه بالقاف والصاد المهملة فقد صحف. قلت: قال الصغاني في (العباب): استنفاض الذكر وانتقاضه وانتقاصه استبراؤه مما فيه من بقية البول. قلت: الأول بالفاء والضاد المعجمة؛ والثاني: بالقاف والضاد المعجمة أيضاً، والثالث: بالقاف والمهملة. وذكر أيضاً في باب نقص، بالقاف والمهملة. وقال أبو عبيد: انتقاص الماء: غسل الذكر بالماء لأنه إذا غسل بالماء ارتد البول ولم ينزل. وإن لم يغسل نزل منه الشيء بعد الشيء حتى يستبرىء. بيان الإعراب: قوله: ((اتبعت النبي، عليه الصلاة والسلام))، جملة وقعت مقول القول. قوله: ((وخرج لحاجته))» جملة وقعت حالاً بتقدير: قد، والتقدير: وقد خرج، وقد علم أن الفعل الماضي، إذا وقع حالاً فلا بد فيه من: قد، إما ظاهرة أو مقدرة، ويجوز فيه: الواو، وتركه كما في قوله تعالى: ﴿أو جاؤوكم حصرت صدورهم﴾ [النساء: ٩٠] والتقدير: قد حصرت، وقد وقع بدون الواو. قوله: ((فكان لا يلتفت))، بفاء العطف في رواية أبي ذر وفي رواية غيره، وكان، بالواو. فإن قلت: ما وجه الواو فيه؟ قلت: للحال. وقول بعضهم: وكان، استئنافية غير صحيح على ما لا يخفى. قوله: ((فقال: ابغني)) بوصل الهمزة وقطعها كما ذكرناه. قوله: ((أحجاراً) نصب على أنه مفعول ثان: لأبغني. قوله: ((استنفض)) مجزوم ل نه جواب الأمر، ويجوز رفعه على الاستئناف. قوله: ((أو نحوه)) بالنصب لأنه مقول القول، وهو في المعنى جملة، والتقدير: أو قال نحو قوله: ((أُستنفض بها))، وذلك نحو قوله: أُستنجي .١٣ ١٠ ٠٣٠ ٤٥٥ ٤ _ كِتابُ الوضوء / باب (٢٠) بها، وكذا وقع في رواية الإسماعيلي: أستنجي بها، والتردد فيه من بعض الرواة. قوله: ((بطرف ثيابي)) الباء: ظرفية. بيان المعاني: قوله: ((فكان لا يلتفت)) أي: فكان النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، إذا مشى لا يلتفت وراءه، وكان هذا عادة مشيه، عليه الصلاة والسلام. قوله: ((فدنوت منه) أي: قربت منه لأستأنس به وأقضي حاجته. وفي رواية الإسماعيلي: أستأنس، فقال: من هذا؟ قلت: أبو هريرة. قوله: ((فقال: أبغني أحجاراً) وفي رواية الإسماعيلي: ((ائتني)). قوله: ((ولا تأتني بعظم)، كأنه، عليه الصلاة والسلام، خشي أن يفهم أبو هريرة من قوله: ((أُستنفض بها)) أن كل ما يزيل الأثر وينقي كافٍ، ولا اختصاص لذلك بالأحجار، فنبه باقتصاره في النهي على العظم والروث، على أن ما سواهما يجزىء، ولو كان ذلك مختصاً بالأحجار كما يقول أهل الظاهر وبعض الحنابلة: لم يكن لتخصيص هذين بالنهي معنى. قال الخطابي: وفي النهي عنهما دليل على أن أعيان الحجارة غير مختصة بهذا المعنى، وذلك لأنه لما أمر بالأحجار ثم استثنى هذين وخصهما بالنهي دل على أن ما عداهما قد دخل في الإباحة، ولو كانت الحجارة مخصوصة بذلك لم يكن لتخصيصهما بالذكر معنى، وإنما جرى ذكر الحجارة، وسيق اللفظ إليها لأنها كانت أكثر الأشياء التي يستنجى بها وجوداً وأقربها تناولاً. وقال أهل الظاهر: الحجر متعين لا يجزىء غيره. وقال أصحابنا: الذي يقوم مقام الحجر كل جامد طاهر مزيل للعين ليس له حرمة. وقال ابن بطال: لما نهى عنهما دل على أن ما عداهما بخلافهما، وإلا لم يكن لتخصيصها فائدة تدبر. فإن قيل: إنما نص عليهما تنبيهاً على أن ما عداهما في معناهما. قلنا: هذا لا يجوز، لأن التنبيه إنما يفيد إذا كان في المنبه على المنبه له وزيادة، كقوله تعالى: ﴿ولا تقل لهما أف﴾ [الإسراء: ٢٣] وليس في سائر الطاهرات معناهما، فلم يقع التنبيه عليهما، انتهى. قلت: التعليل في العظم والروث، إن كان هو كونهما من طعام الجن على ما سيجيء في رواية البخاري في المبعث في هذا الحديث، أن أبا هريرة قال للنبي عٍَّ لما إن فرغ ((ما بال العظم والروث؟ قال: هما من طعام الجن))، فيلحق بهما سائر المطعومات للآدميين بطريق القياس، وكذا المحترمات: كأوراق كتب العلم، وإن كان هو النجاسة في الروث فيلحق به كل نجس، وفي العظم هو كونه لزجاً فلا يزيل إزالة تامة فيلحق به ما في معناه كالزجاج الأملس. وقال الخطابي: قيل: المعنى في ذلك أن العظم لزج لا يكاد يتماسك فيقلع النجاسة وينشف البلة، وقيل: إن العظم لا يكاد يعرى من بقية دسم قد علق به، ونوع العظم قد يتأتى فيه الأكل لبني آدم، لأن الرخو الرقيق منه قد يتمشش في حال الرفاهية، والغليظ الصلب منه يدق ويستف منه عند المجاعة والشدة، وقد حرم الاستنجاء بالمطعوم. قلت: هذان وجهان، والثالث: كونه طعام الجن. وأما الروث فلأنه نجس كما ذكرناه أو لأنه طعام دواب الجن. وقال الحافظ أبو نعيم في (دلائل النبوة): إن الجن سألوا هدية منه عَ لّهِ فأعطاهم العظم والروث، فالعظم لهم والروث لدوابهم، فإذاً لا يستنجى بهما رأساً، وأما لأنه طعام جدة. i جوة ٠٠٠٠ ١ i ٤٥٦ .. ٤ - كِتابُ الوضوءِ / باب (٢٠) للجن أنفسهم، روى أبو عبد الله الحاكم في (الدلائل): ((أن رسول الله مَّه قال لابن مسعود، رضي الله تعالى عنه، ليلة الجن: أولئك جن نصيبين جاؤوني فسألوني الزاد فمتعتهم بالعظم والروث، فقال له: وما يغني منهم ذلك يا رسول الله؟ قال: إنهم لا يجدون عظماً إلاّ وجدوا عليه لحمه الذي كان عليه يوم أخذ، ولا وجدوا روثاً إلاَّ وجدوا فيه حبه الذي كان يوم أكل، فلا يستنجي أحد لا بعظم ولا بروث)). وفي رواية أبي داود: ((أنهم قالوا: يا محمد إِنْهِ أمتك لا يستنجوا بعظم ولا بروثٍ أو محُمَّمَةٍ، فإن الله تعالى جعل لنا رزقاً فيها. فنهى رسول الله عَّالله عنه)) قلت: الحممة، بضم الحاء المهملة وفتح الميمين: وهي الفحم وما احترق من الخشب والعظام ونحوها، وجمعها: حمم. قوله: ((بطرف ثيابي)) أي: في جانب ثيابي (وفي صحيح الإسماعيلي): (في طرف ملائي)) وقال الكرماني: والثياب يحتمل أن يراد به الجمع وأن يراد به الجنس، كما يقال: فلان يركب الخيول. قلت: فيه نظر، لأن ما ذكره إنما يمشي في الجمع المحلى بالألف واللام، كما في المثال المذكور. قوله: ((وأعرضت عنه) كذا في أكثر الروايات، وفي رواية الكشميهني: واعترضت، بزيادة التاء المثناة من فوق بعد العين. قوله: ((فلما قضى) أي: رسول الله عَّةٍ، والمفعول محذوف تقديره: فلما قضى حاجته. قوله: ((أتبعه بهن)) أي: بالأحجار، وهمزة: أتبعه، همزة قطع، والضمير المنصوب فيه يرجع إلى القضاء الذي يدل عليه. قوله: ((فلما قضى)) وكنى بذلك عن الاستنجاء. بيان استنباط الأحكام: الأول: فيه جواز الاستنجاء بالأحجار، وفيه الرد على من أنكر ذلك، كما بيناه مستقصىّ. الثاني: فيه مشروعية الاستنجاء، وقد اختلف العلماء فيه، فمنهم من قال بوجوبه واشتراطه في صحة الصلاة، وبه قال الشافعي وأحمد وأبو ثور وإسحاق وأبو داود ومالك في رواية، ومنهم من قال بأنه سنة، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ومالك في رواية، والمزني من أصحاب الشافعي، واحتجوا في ذلك بما رواه أبو داود: حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي قال: أخبرنا عيسى بن يونس عن ثور عن الحصين الحمراني عن أبي سعيد عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي، عليه الصلاة والسلام، قال: (من اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج، ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج)). الحديث. وأخرجه أحمد أيضاً في (مسنده): حدثنا شريح حدثنا عيسى بن يونس عن ثور عن الحصين، كذا قال عن أبي سعيد الخير، وكان من أصحاب عمر عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله عَ اله ... إلى آخره ونحوه، وأخرجه الطحاوي في (الآثار): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا يحيى بن حسن، قال: حدثنا عيسى بن يونس، قال: حدثنا ثور بن يزيد عن حصين الحمراني عن أبي سعيد الخير عن أبي هريرة إلى آخره ... نحوه، فالحديث صحيح، ورجاله ثقات. فإن قلت: قال أبو عمرو بن حزم والبيهقي: ليس إسناده بالقائم، مجهولان يعنون حصيناً فيه الحمراني وأبا سعيد الخير. قلت: هذا كلام ساقط، لأن أبا زرعة الدمشقي قال ١٣. ٤٥٧ ٤ - كِتابُ الوضوءِ / باب (٢٠) في حصين: هذا شيخ معروف. وقال يعقوب بن سفيان في (تاريخه): لا أعلم إلاَّ خيراً. وقال أبو حاتم الرازي: شيخ، وذكره ابن حبان في (الثقات)، وأما أبو سعيد الخير فقد قال أبو داود ويعقوب بن سفيان والعسكري وابن بنت منيع في آخرين: إنه من الصحابة، والحديث أخرجه ابن حبان أيضاً في (صحيحه) وذكر أبا سعيد في كتاب (الصحابة) وسماه عامراً، وسماه البغوي عمراً، وسماه صاحب (التهذيب) زياداً، وسماه البخاري سعداً. وقال أيضاً: إنه كدم البراغيث لأنه نجاسة لا تجب إزالة أثرها، فكذا عينها لا يجب إزالتها بالماء فلا يجب بغيره. وقال المزنيّ: لأنا أجمعنا على جواز مسحها بالحجر فلم تجب إزالتها كالمني. فإن قلت: استدلالهم بالحديث غير تام لأن المراد: لا حرج في ترك الإيتار أي الزائد على ثلاثة أحجار، وليس المراد ترك أصل الاستنجاء. وقال الخطابي: معنى الحديث التمييز بين الماء الذي هو الأصل، وبين الأحجار التي هي للترخيص، لكنه إذا استجمر بالحجارة فليجعل وتراً، وإلاَّ فلا حرج إلى تركه إلى غيره، وليس معناه ترك التعبد أصلاً، بدليل حديث سلمان: ((نهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار)). قلت: الشارع نفى الحرج عن تارك الاستنجاء، فدل على أنه ليس بواجب، وكذلك ترك الإيتار لا يضر، لأن ترك أصله لما لم يكن مانعاً فما ظنك بترك وصفه؟ فدل الحديث على انتفاء المجموع. فإن قلت: قال الخطابي: فيه وجه آخر، وهو رفع الحرج في الزيادة على الثلاث، وذلك أن مجاوزة الثلاث في الماء عدوان وترك للسنَّة، والزيادة في الأحجار ليست بعدوان، وإن صارت شفعاً. قلت: هذا الوجه لا يفهم من هذا الكلام على ما لا يخفى على الفطن، وأيضاً مجاوزة الثلاث في الماء كيف تكون عدواناً، إذا لم تحصل الطهارة بالثلاث. والزيادة في الأحجار، وإن كانت شفعاً، كيف لا يصير عدواناً وقد نص على الإيتار؟ فافهم. وأهل المقالة الأولى احتجوا بظاهر الأوامر الواردة في حديث أبي هريرة: ((وليستنج بثلاثة أحجار))، وفي حديث عائشة الذي أخرجه ابن ماجه وأحمد أن رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، قال: (إذا ذهب أحدهم إلى الغائط فليذهب بثلاثة أحجار ويستطيب بهن)). وأحاديث غيرهما؟ وأجيب: بأن الأمر يحتمل أن يكون على وجه الاستحباب، والمحتمل لا يصلح حجة إلاّ بمرجح لأحد المعاني، وفيما ذكر أهل المقالة الثانية أيضاً إعمال الأحاديث كلها، وفيما قاله هؤلاء إهمال لبعضها، والعمل بالكل أولى على ما لا يخفى. الثالث: أن الأحجار لا تتعين للاستنجاء، بل يقوم مقامها كل جامد طاهر قالع غير محترم، وتنصيصه، عليه الصلاة والسلام، عليها لكونها الغالب الميسر وجودها بلا مشقة ولا كلفة في تحصيلها، كما ذكرناه مبسوطاً. الرابع: فيه النهي عن الاستنجاء بالعظم والروث، واختلف العلماء فيه، فقال الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق والظاهرية: لا يجوز الاستنجاء بالعظام، واحتجوا فيه بظاهر الحديث. وقال ابن قدامة في (المغني): والخشب والخروق وكل ما أنقي به كالأحجار إلاَّ الروث والعظام والطعام مقتاتاً أو غير مقتات، فلا يجوز الاستنجاء به ولا بالروث والعظام طاهراً i ج ** i i ة i. i i i ٠٣٠ ٤ - كِتابُ الوضوءِ / باب (٢١) ٤٥٨ كان أو غير طاهر. وبه قال الثوري والشافعي وإسحاق، وقال ابن حزم في (المحلى): وممن قال: لا يجزىء بالعظام ولا باليمين، الشافعي وأبو سليمان. وقال القاضي: واختلفت الرواية عن مالك في كراهية هذا، يعني الاستنجاء بالعظم، والمشهور عنه النهي عن الاستنجاء به على ما جاء في الحديث، وعنه أيضاً أنه أجاز ذلك وقال: ما سمعت في ذلك بنهي عام. وذهب بعض البغداديين إلى جواز ذلك إذا وقع بمكان، وهو قول أبي حنيفة. وفي (البدائع): فإن فعل ذلك - يعني الاستنجاء بالعظم - يعتد به عندنا، فيكون مقيماً سُنَّة ومرتكباً كراهية. قلت: ذكر ابن جرير الطبري أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، كان له عظم يستنجي به ثم يتوضأ ويصلي، وشذ ابن جرير، فأجاز الاستنجاء بكل طاهر ونجس، ويكره بالذهب والفضة عند أبي حنيفة، وعند الشافعي في قوله: لا يكره. وكره بعض العلماء الاستنجاء بعشرة أشياء: العظم والرجيع والروث والطعام والفحم والزجاج والورق والخرق وورق الشجر والسعتر، ولو استنجى بها أجزأه مع الكراهة. وقال بعض الشافعية: يجوز الاستنجاء بالعظم إن كان طاهراً لا زهومة عليه لحصول المقصود، ولو أحرق العظم الطاهر بالنار وخرج عن حال العظم فوجهان عند الشافعية، حكاهما الماوردي. أحدهما: يجوز الاستنجاء به لأن النار أحالته. والثاني: لا، لعموم النهي عن الرمة، وهي العظم البالي، ولا فرق بين البلى بالنار أو بمرور الزمان، وهذا أصح. الخامس: فيه كراهة الاستنجاء بجميع المطعومات، فإنه، عليه الصلاة والسلام، نبه بالعظم على ذلك، ويلتحق بها المحترمات كأجزاء الحيوان وأوراق كتب العلم وغير ذلك. السادس: فيه إعداد الأحجار للاستنجاء كي لا يحتاج إلى طلبها بعد قيامه، فلا يأمن من التلوث. السابع: فيه جواز اتباع السادات بغير إذنهم. الثامن: فيه استخدام المتبوعين الأتباع. التاسع: فيه استحباب الإعراض عن قاضي الحاجة. العاشر: فيه جواز الرواية بالمعنى حيث قال: أو نحوه ... ٢١ - بابٌ لا يُسْتَنْجَی پِرؤٹ باب: مرفوع منون، خبر مبتدأ محذوف. وقوله: ((لا يستنجى)) على صيغة المجهول، وليس في بعض النسخ ذكر الباب، وإنما ذكر حديث عبد الله مع حديث أبي هريرة، وفي بعض النسخ: باب الاستنجاء بروث. والمناسبة بين البابين ظاهرة. ١٥٦/٢٢ - حدّثنا أَبُو نُعَيْمٍ قال: حدّثنا زُهَيْرٌ عَنْ أبي إِسْحاقَ قالَ: لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ، وَلَكِنْ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الأَسْوَدِّ عَنْ أبيهِ أنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ يَقُولُ: أَتَى النبيُّ عَ لِ الغَائِطَ ٠٠: ٤٥٩ ٤ _ كِتَابُ الوضوء / باب (٢١) فأمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثلاثَةٍ أحْجارٍ، فَوَجَدْتُ حجَرَيْنِ والْتَمَسْتُ القَّالثَ فَلَمْ أجدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً فأتيته بها، فأخَذَ الحَجْرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وقال: ((هَذَا رِكْسٌ)). مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((وألقى الروثة، وقال: هذا ركس))، لأن إلقاءه إنما کان لأنه لا یستنجی به. بيان رجاله: وهم ستة. الأول: أبو نعيم، بضم النون: الفضل بن دكين، وقد مر. الثاني: زهير بن معاوية الجعفي الكوفي، وقد مر. الثالث: أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، بفتح السين المهملة وكسر الباء الموحدة، وقد مر في: باب الصلاة من الإيمان. الرابع: عبد الرحمن بن الأسود، أبو حفص النخعي، كوفي عالم عامل، روى عن أبيه وعائشة، وعنه الأعمش وغيره، كان يصلي كل يوم سبعمائة ركعة، وكان يصلي العشاء والفجر بوضوء واحد، مات سنة تسع وتسعين، وفي البخاري أيضاً: عبد الرحمن بن الأسود عبد يغوث زهري تابعي، وليس فيه غيرهما. وفي شيوخ الترمذي والنسائي: عبد الرحمن بن الأسود الوراق، وليس في الكتب الستة عبد الرحمن بن الأسود غير هؤلاء. ووقع في كتاب الداودي وابن التين: أن عبد الرحمن الواقع في رواية البخاري هو ابن عبد يغوث، وهو وهم فاحش منهما، إذ الأسود الزهري لم يسلم، فضلاً أن يعيش حتى يروي عن عبد الله بن مسعود. الخامس: الأسود بن يزيد - من الزيادة - ابن قيس الكوفي النخعي، وقد مر في: باب من ترك بعض الاختيار في كتاب العلم. السادس: عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة والسماع. ومنها: أن رواته كلهم ثقات كوفيون. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وهم: أبو إسحاق وعبد الرحمن بن الأسود وأبوه الأسود بن يزيد. ومنها: نفي أبو إسحاق روايته ههنا عن أبي عبيدة وتصريحه بأنه لا يروي هذا الحديث ههنا إلاَّ عن عبد الرحمن بن الأسود، وهو معنى قوله: قال: ليس أبو عبيدة ذكره، أي: قال أبو إسحاق: ليس أبو عبيدة ذكره لي، ولكن عبد الرحمن بن الأسود هو الذي ذكره لي، بدليل قوله في الرواية الآتية المعلقة: حدثني عبد الرحمن. وقال بعضهم: وإنما عدل أبو إسحاق عن الرواية عن أبي عبيدة إلى الرواية عن عبد الرحمن مع أن الرواية عن أبي عبيدة أعلى له لكون أبي عبيدة لم يسمع من أبيه على الصحيح، فتكون منقطعة، بخلاف رواية عبد الرحمن، فإنها موصولة. i i قلت: قول أبي إسحاق هذا، يحتمل أن يكون نفياً لحديثه وإثباتاً لحديث عبد الرحمن، ويحتمل أن يكون إثباتاً لحديثه أيضاً وأنه كان غالباً يحدثه به عن أبي عبيدة. فقال يوماً: ليس هو حدثني وحده، ولكن عبد الرحمن أيضاً. وقال الكرابيسي في (كتاب المدلسين): أبو إسحاق يقول في هذا الحديث مرة: حدثني عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله، ومرة: حدثني علقمة عن عبد الله، ومرة: حدثني أبو عبيدة عن عبد الله، ومرة يقول: ليس أبو عبيدة حدثنيه وإنما حدثني عبد الرحمن عن عبد الله، وهذا دليل واضح أنه رواه عن عبد الرحمن بن الأسود سماعاً، فافهم. i وج٢٠ هدى :mr ١:٠٠/ ٤ - كِتابُ الوضوءِ / باب (٢١) ٤٦٠ وأما قول هذا القائل: لكون أبي عبيدة لم يسمع من أبيه فمردود بما ذكر في (المعجم الأوسط) للطبراني من حديث زياد بن سعد عن أبي الزبير، قال: حدثني يونس بن عتاب الكوفي، سمعت أبا عبيدة بن عبد الله يذكر أنه سمع أباه يقول: كنت مع النبي، عليه الصلاة والسلام في سفر ... الحديث، وبما أخرج الحاكم في (مستدر كه) حديث أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن أبيه في ذكر يوسف، عليه السلام، وصحح إسناده، وربما حسن الترمذي عدة أحاديث رواها عن أبيه، منها: لما كان يوم بدر وجيء بالأسرى، ومنها: كان في الركعتين الأوليين كأنه على الرصف. ومنها قوله: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله﴾ [آل عمران: ١٦٩] ومن شرط الحديث الحسن أن يكون متصل الإسناد عند المحدثين. ذكر رجال هذا الحديث: وهو صحيح كما ترى إذ لو لم يكن صحيحاً لما أخرجه ههنا، ويؤيده أن ابن المديني لما سئل عنه لم يقض فيه بشيء، فلو كان منقطعاً أو مدلساً لبينه. فإن قلت: قال ابن الشاذكوني: هذا الحديث مردود لأنه مدلس، لأن السبيعي لم يصرح فيه بسماع ولم يأت فيه بصيغة معتبرة، وما سمعت بتدليس أعجب من هذا ولا أخفى. فقال أبو عبيدة: لم يحدثني ولكن عبد الرحمن عن فلان، ولم يقل: حدثني، فجاز الحديث وسار. قلت: أبو إسحاق سمعه من جماعة، ولكنه كان غالباً إنما يحدث به عن أبي عبيدة، فلما نشط يوماً قال: ليس أبو عبيدة الذي في ذهنكم أني حدثتكم عنه حدثني وحده، ولكن عبد الرحمن بن الأسود. ولعل البخاري لم يرد ذلك متعارضاً، وجعلهما إسنادين أو أسانيد. فإن قلت: قال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: اختلفوا في هذا الحديث، والصحيح عندي حديث أبي عبيدة بن عبد الله عن أبيه، وزعم الترمذي أن أصح الروايات عنده حديث قيس بن الربيع وإسرائيل عن أبي عبيدة عن عبد الله. قال: لأن إسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق من هؤلاء، وتابعه على ذلك قيس وزهير عن أبي إسحاق ليس بذلك لأن سماعه منه بآخرة، سمعت أحمد بن الحسن سمعت أحمد بن حنبل يقول: إذا سمعت الحديث عن زائدة وزهير فلا تبال أن لا تسمعه من غيرهما إلاَّ حديث أبي إسحاق. ورواه زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله، وهذا حديث فيه اضطراب. قال: وسألت الدارمي: أي الروايات في هذا أصح عن أبي إسحاق؟ فلم يقض فيه بشيء. وسألت محمداً عن هذا فلم يقض بشيء، وكأنه رأى حديث زهير أشبه، ووضعه في (جامعه). قلت: كون حديث أبي عبيدة عن أبيه صحيحاً عند أبي زرعة لا ينافي صحة طريق البخاري، وأما ترجيح الترمذي حديث إسرائيل على حديث زهير فمعارض بما حكاه الإسماعيلي في (صحيحه)، لأنه رواه من حديث يحيى بن سعيد، ويحيى بن سعيد لا يرضى أن يأخذ عن زهير عن أبي إسحاق ما ليس بسماع لأبي إسحاق. وقال الآجري: سألت أبا داود عن زهير وإسرائيل في أبي إسحاق، فقال زهير: فوق إسرائيل بكثير، وتابعه إبراهيم بن يوسف عن أبيه وابن حماد الحنفي وأبو مريم وشريك وزكريا بن أبي زائدة فيما ذكره الدار قطني. + ب۔۔ ۔ هوو