النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ ٤ - كِتابُ الوضوءِ / باب (١١) وابن نمير، وأبو داود أيضاً فيه عن مسدد، والترمذي فيه أيضاً عن سعيد بن عبد الرحمن، خمستهم عن سفيان به. وأخرجه النسائي فيه أيضاً عن محمد بن منصور عن سفيان به، وعن يعقوب بن إبراهيم عن غندر عن معمر عن الزهري بمعناه. وأخرجه ابن ماجه فيه أيضاً عن أبي الطاهر بن السرح عن ابن وهب عن يونس عن الزهري نحوه. بيان اللغات والإعراب: قوله: ((إذا أتى)) من الإتيان وهو المجيء، وقد أتيه أتياً وأتوتة وأتوة، لغة فيه، وكلمة: إذا، للشرط ولهذا دخلت الفاء في جوابها، وهو قوله: ((فلا يستقبل القبلة)). قوله: ((الغائط)) منصوب بقوله: ((أتى)). قوله: ((فلا يستقبل القبلة)) يجوز فيه الوجهان. أحدهما: أن يكون نهياً فتكون اللام مكسورة لأن الأصل في الساكن إذا حرك أن يحرك بالكسر. والآخر: أن يكون نفياً فتكون اللام مضمومة. قوله: ((ولا يولها)) نهي، ولهذا حدفت منه الياء، وأصله: ولايوليها، من: ولاه الشيء إذا استقبله، وفي (المطالع): وقد يكون التولي بمعنى الاستقبال: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ [البقرة: ١١٥] أي: تولوا وجوهكم، والهاء مفعوله الأول، وظهره مفعوله الثاني، وهو يستدعي مفعولين، ولهذا قال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿ولكل وجهة هو موليها﴾ [البقرة: ١٤٨] أي: موليها وجهه، فحذف أحد المفعولين، وقال الجوهري: ﴿ولكل وجهة هو موليها﴾ [البقرة: ١٤٨] أي: يستقبلها بوجهه، وههنا أيضاً المعنى لا يستقبل القبلة بظهره، وحاصل المعنى: لا يستدبر القبلة بظهره، أو لا يجعلها مقابل ظهره. قوله: ((شرقوا))، جملة من الفعل والفاعل، وكذلك: ((أو غربوا)) من التشريق: وهو الأخذ في ناحية المشرق، والتغريب: وهو الأخذ في ناحية المغرب. يقال: شتان بين مُشَّقٍ ومُغَرِّبٍ بيان المعاني: فيه: تقييد الفعل بالشرط، وقد علم الفرق بين تقييده بإذا، بأن أصل: عدم الجزم بوقوع الشرط، وأصل: إذا، الجزم بوقوعه، وغلب لفظ الماضي: بإذا، على المستقبل لأن لفظ الماضي أنسب إلى مدلول: إذا، من لفظ المستقبل، لكون الماضي أقرب إلى القطع بالوقوع من المستقبل نظراً إلى اللفظ لا إلى المعنى، فإنه يدل على الاستقبال لوقوعه في سياق الشرط. وفيه: أسلوب الالتفات إلى الخطاب، وإذا وقع الكلام على أساليب مختلفة يزداد رونقاً وبهجة وحسناً، سيما هو من كلام أفصح الناس. وقال الخطابي: قوله: (شرقوا أو غربوا) خطاب لأهل المدينة، ولمن كانت قبلته على ذلك السمت، وأما من قبلته إلى جهة المشرق أو المغرب فإنه لا يشرق ولا يغرب. وقال الداودي: اختلف في قوله: (شرقوا أو غربوا) فقيل: إنما ذلك في المدينة وما أشبهها: كأهل الشام واليمن، وأما من كانت قبلته من جهة المشرق أو المغرب فإنه يتيامن أو يتشاءم، وقال بعضهم: البيت قبلة لمن في المسجد، والمسجد قبلة لأهل مكة، ومكة قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لسائر أهل الأرض. وقالوا في قوله: ((ما بين المشرق والمغرب قبلة)) فيما يحاذي الكعبة أنه يصلى إليه من • جدة i ١ ١ i جوة i i ٤٢٢ ٤ - كِتابُ الوضوءِ / باب (١١) الجهتين ولا يشرق ولا يغرب يحاذي كل طائفة الأخرى في هذا، لأن الله سبحانه وتعالى، كرم البيت وجعله مصلىّ يصلَّى إليه من كل جهة. بيان استنباط الأحكام: الأول: احتج أبو حنيفة، رضي الله عنه بالحديث المذكور على عدم جواز استقبال القبلة واستدبارها بالبول والغائط، سواء كان في الصحراء أو في البنيان. آخذاً في ذلك بعموم الحديث، هو مذهب مجاهد وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وأبي ثور وأحمد في رواية، وهو مذهب الراوي أيضاً، وهو أبو أيوب الأنصاري، رضي الله تعالى عنه، ولأن المنع لأجل تعظيم القبلة، وهو موجود في الصحراء والبنيان، فالجواز في البنيان إن كان لوجود الحائل فهو موجود في الصحراء في البلاد النائية، لأن بينها وبين الكعبة جبالاً وأودية، وغير ذلك لا سيما عند من يقول بكروية الأرض، فإنه لا موازاة إذ ذاك بالكلية، وما ورد من قول الشعبي: أنه علل ذلك بأن الله خلقاً من عباده يصلون في الصحراء فلا تستقبلوهم ولا تستدبروهم، وأنه لا يوجد في الأبنية، فهو تعليل في مقابلة النص، ولهم في ذلك أحاديث أخرى كلها عامة في النهي. منها: حديث عبد الله بن الحارث بن جزء: أنا أول من سمع النبي عَّهِ يقول: ((لا يبولن أحدكم مستقبل القبلة)). وأنا أول من حدث الناس بذلك. قال ابن يونس في (تاريخه): وهو حديث معلول! قلت: لا التفات إلى قوله هذا، فإن ابن حبان قد صححه. ومنها: حديث معقل بن أبي معقل: ((نهى رسول الله، عليه الصلاة والسلام، أن تستقبل القبلتين ببول وغائط)) أخرجه ابن ماجه وأبو داود، وأراد بالقبلتين: الكعبة وبيت المقدس، ويحتمل أن يكون على معنى الاحترام لبيت المقدس، إذ كان مرة قبلة لنا، ويحتمل أن يكون ذلك من أجل استدبار الكعبة، لأن من استقبله فقد استدبر الكعبة. ومنها: حديث سلمان، رضي الله تعالى عنه: ((لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول ... )) الحديث أخرجه مسلم والأربعة. ومنها: حديث أبي هريرة: ((إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ... )) الحديث أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه. ٠٠٠٠ فإن قلت: حديث أبي أيوب في إسناده اختلاف، فرواه إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عبد الرحمن بن يزيد بن حارثة عن أبي أيوب، وقيل: عن إبراهيم عن الزهري عن رجل عن أبي أيوب، ورواه أيوب بن أبي تميمة عن الزهري عن رجلين لم يسمهما عن أبي أيوب، وأرسله نافع بن عمر الجمحي عن الزهري عن النبي عَّ له. قلت: رواه عن أبي أيوب جماعة منهم: رافع بن إسحاق وعمر بن ثابت وأبو الأحوص وعبد الرحمن بن يزيد بن حارثة، وعن الزهري ابن أبي ذئب ومعمر ويونس وابن أخي الزهري والنعمان بن راشد وسليمان بن كثير وعبد الرحمن بن إسحاق وأبو سعيد الخدري ومحمد بن أبي حفصة ويزيد بن أبي حبيب وعقيل. وقال الدارقطني: والقول قول ابن أبي ذئب ومن تابعه، وفي (مسنده الحميدي) تصريح الزهري بسماعه إياه من عطاء، وعطاء من أبي أيوب، رضي الله تعالى عنه. ثم اعلم أن حاصل ما للعلماء في ذلك أربعة مذاهب: أحدها: المنع المطلق. وقد "/ ٤٢٣ ٤ - كِتابُ الوضوء / باب (١١) ذ کرناه. الثاني: الجواز مطلقاً، وهو قول عروة بن الزبير وربيعة الرأي وداود ورأى هؤلاء أن حديث أبي أيوب منسوخ، وزعموا أن ناسخه حديث مجاهد عن جابر، رضي الله تعالى عنه: ((نهانا رسول الله، عليه الصلاة والسلام، أن نستقبل القبلة أو نستدبرها ببول، ثم رأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها)). أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وزعم أنه صحيح على شرط مسلم، وقال الترمذي: حديث حسن غريب. قلت: قول الحاكم صحيح على شرط مسلم، غير صحيح لأن أبان راويه عن مجاهد عن جابر لم يخرج له مسلم شيئاً، والحديث حديثه، وعليه يدور. نعم صححه البخاري فيما سأله الترمذي عنه، فقال: حديث صحيح، ذكره في (الخلافيات) للبيهقي، و (تقريب المدارك في الكلام على موطأ مالك). فإن قلت: قال ابن حزم: هذا حديث ضعيف لأنه رواه أبان بن صالح، وليس هو المشهور. قلت: هذا مردود بتصحيح البخاري وغيره. وقال يحيى ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم ويعقوب بن شيبة والعجلي: أبان بن صالح ثقة. وقال النسائي: كان حاكماً بالمدينة وليس به بأس، فأي شهرة أرفع من هذه؟ وقال البزار: هذا حديث لا نعرفه، ويروى عن جابر بهذا اللفظ بإسناد أحسن من هذا الإسناد. فإن قلت: قال أبو عمر في (التمهيد): رد أحمد بن حنبل حديث جابر، رضي الله عنه، هذا وهو حديث ليس بصحيح، فيعرج عليه لأن أبان ضعيف. قلت: إن أراد بقوله: رده أحمد، العمل به فمحتمل، وإن أراد به الرد الصناعي فغير مسلم لثبوته في (مسنده)، لم يضرب عليه كعادته فيما ليس بصحيح عنده أو مردود، على ما بينه الحافظ أبو موسى المديني في (خصائص مسنده)، وأما تضعيفه الحديث بأبان فغير موجه لثبوت توثيقه من الجماعة الذين ذكرناهم، وأما قول الترمذي: حسن غريب، فهو - وإن كان جمعاً بين الضدين بحسب الظاهر - ولكنه لعله أراد تفرد بعض رواته، وكأنه يشير إلى أن أبان هو المنفرد به فيما أرى، والله أعلم. وأما دعوى النسخ المذكور فليست بظاهرة بل هو استدلال ضعيف لأنه لا يصار إليه إلاّ عند تعذر الجمع، وهو ممكن كما سيجيء بيانه، إن شاء الله تعالى، على أن حديث جابر محمول على أنه رآه في بناء أو نحوه، لأن ذلك هو المعهود من حال النبي، عليه الصلاة والسلام، لمبالغته في التستر. المذهب الثالث: أنه لا يجوز الاستقبال في الأبنية والصحراء، ويجوز الاستدبار فيهما، وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة، رضي الله تعالى عنه. الرابع: أن يحرم الاستقبال والاستدبار في الصحراء دون البنيان، وبه قال مالك والشافعي وإسحاق وأحمد في رواية، وهو مروي عن ابن عباس وابن عمر، رضي الله عنهم، واستدلوا بحديث ابن عمر، رضي الله عنهما، الآتي ذكره عن قريب إن شاء الله تعالى. i i i جو. i i i. ـ90. F ٤٢٤ ١٣٠ ٤ - كِتابُ الوضوءِ / باب (١٢) وهذه المذاهب الأربعة مشهورة عن العلماء، ولم يذكر النووي في (شرح المذهب) غيرها، وكذلك عامة شراح البخاري، وههنا ثلاثة مذاهب أخرى: منها: جواز الاستدبار في البنيان فقط تمسكاً بظاهر حديث ابن عمر، وهو مروي عن أبي يوسف. ومنها: التحريم مطلقاً حتى في القبلة المنسوخة وهي بيت المقدس، وهو محكي عن إبراهيم وابن سيرين، عملاً بحديث معقل الأسدي المذكور عن قريب. ومنها: أن التحريم مختص بأهل المدينة ومن كان على سمتها، وأما من كانت قبلته في جهة المشرق أو المغرب فيجوز له الاستقبال والاستدبار مطلقاً لعموم قوله: عليه الصلاة والسلام: ((شرقوا أو غربوا)) قاله أبو عوانة صاحب المزني، وبعكسه قال البخاري، واستدل به على أنه ليس في المشرق ولا في المغرب قبلة كما سيأتي في: باب قبلة أهل المدينة في (كتاب الصلاة)، إن شاء الله تعالى. فإن قلت: ادعى الخطابي الإجماع على عدم تحريم استقبال بيت المقدس لمن لا يستدبر في استقباله الكعبة. قلت: فيه نظر لما ذكرناه عن إبراهيم ومحمد بن سيرين، وهو قول بعض الشافعية أيضاً. الثاني: من الأحكام: فيه إكرام القبلة عن المواجهة بالنجاسة مطلقاً تعظيماً لها، ولا سيما عند الغائط والبول. الثالث: فيه المحافظة على الأدب ومراعاته في كل حال. الرابع: استنبط ابن التين منه منع استقبال النيرين في حالة الغائط والبول، وكأنه قاسه على استقبال القبلة، وليس القياس بظاهر على ما لا يخفى. فروع: من آداب الاستنجاء الإبعاد إذا كان في براح من الأرض، أو ضرب حجابٍ أو ستر، وأعماق الآبار والحفائر، وأن لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض، جاء ذلك في حديث رواه أبو محمد الأعمش عن أنس عن أبي داود، وتغطية الرأس كما كان أبو بكر، رضي الله تعالى عنه، يفعله، وترك الكلام كفعل عثمان، رضي الله تعالى عنه، والاستنجاء باليسار وغسل اليد بعد الفراغ بالتراب، رواه ابن حبان في (صحيحه) والاستجمار واجتناب الروث والرمة، وأن لا يتوضأ في المغتسل لقوله، عليه الصلاة والسلام: ((لا يبولن أحدكم في مغتسله)) وينزع خاتمه إذا كان فيه اسم الله تعالى، رواه النسائي، وارتياد الموضع الدمث، وأن لا يستقبل الشمس والقمر، وأن لا يبول قائماً ولا في طريق الناس ولا ظلهم ولا في الماء الراكد ومساقط الثمار وصفة الأنهار وأن يتكى على رجله اليسرى، وينثر ذكره ثلاثاً. ١٢ - بابُ مَنْ تَبَرَّزِ عَلَى لَبِتَتَيْنِ أي: هذا باب في بيان حكم من تبرز على لبنتين، و: باب، مرفوع مضاف إلى ما بعده، وكلمة: من، موصولة، و: تبرز، صلتها على وزن تفعل من التبرز، وهو التغوط. وأصل التبرز الخروج إلى البراز للحاجة، والبراز، بفتح الموحدة: اسم للفضاء الواسع من الأرض، وكنوا به عن حاجة الإنسان. قوله: ((لبنتين)) تثنية لبنة، بفتح اللام وكسر الباء الموحدة ويجوز تسكينها أيضاً مع فتح اللام وكسرها، وكذا كل ما كان على هذا الوزن، أعني مفتوح الأول ٤٢٥ ٤ _ كِتابُ الوضوءِ / باب (١٢) مكسور الثاني، يجوز فيه الأوجه الثلاثة. ككتف، وإن كان ثانيه أو ثالثه حرف حلق جاز فيه وجه رابع وهو كسر الأول والثاني كفخذ. قال الجوهري: اللبنة واللبنة التي يبنى بها، والجمع لبن مثل كلمة وكلم. قيل: اللبنة هي الطوب، قاله ابن قرقول، وهو الطوب النيء، والذي توقد عليه النار يسمى بالآجر، وقال بعضهم: اللبنة هي ما يصنع من الطين أو غيره للبناء قبل أن يحرق. قلت: ليت شعري ما معنى قوله: أو غيره، فهل تصنع اللبنة من غير الطين عادة. وجه المناسبة بين البابين ظاهر، وهو أن حديث هذا الباب مخصص لحديث الباب الأول على رأي البخاري ومن ذهب إلى مذهبه في ذلك كما ذكرناه هناك. ١٤٥/١١ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قالَ: أَخْبَرَنا مالِكٌ عَنْ يَحْيَى بنِ سَعيدٍ عَنْ مُحَمَّدٍ بِنِ يَحْيِّى بِنِ حَبَّانَ عَنْ عَمِّهِ وَاسِعٍ بِنِ حَبَّان عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ ناساً يَقُولُونَ: إذا قَعَدْتَ عَلَى حاجَتِكَ فَلاَ تَسْتَقْبِلِ القبْلَةَ ولا بَيْتَ المَقْدِسِ. فقالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عُمرَ: لَقَدِ ارْتَقَيْتُ يَوْماً عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا، فَأَيْثُ رسولَ اللَّهِ عَ لَّهِ عَلَى لَبِنتَيْنْ مُسْتَقْبِلاً بَيْتَ المَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ، وقالَ: لَعَلَّكَ مِنَ الَّذِينَ يُصَلونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ. فَقُلتْ: لا أدرِي واللَّهِ. قالَ مالِكٌ: يَغْنِي الَّذِي يُصَلِّي ولا يَرْتَفِعُ عَنِ الأَرْضِ يَسْجُدُ وَهُوَ لاصِقٌّ بالأرْضِ. [الحديث ١٤٥ - أطرافه في: ١٤٨، ١٤٩، ٣١٠] مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((فرأيت رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، على لبنتين مستقبلاً بيت المقدس)). بيان رجاله: وهم ستة الأول: عبد الله بن يوسف التنيسي، وقد تقدم. الثاني: الإمام مالك بن أنس، وقد تكرر ذكره. الثالث: يحيى بن سعيد الأنصاري المدني، وقد تقدم. الرابع: محمد بن يحيى بن حبان، بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة: الأنصاري النجاري، بالنون والجيم: المازني، كان له حلقة في مسجد رسول الله، عليه الصلاة والسلام، وكان مفتياً ثقة كثير الحديث، مات بالمدينة سنة إحدى وعشرين ومائة. الخامس: عم محمد بن يحيى، وهو: واسع بن حبان، بالفتح: الأنصاري النجاري المازني الثقة، قيل: إن له رواية، فلذلك ذكر في الصحابة، رضي الله عنهم. وأبوه حبان، وهو ابن منقذ بن عمرو، له ولأبيه صحبة. السادس: عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما. بيان لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والإخبار. ومنها: أن هذا الإسناد كله على شرط الشيخين والأربعة إلاّ عبد الله بن يوسف فإنه من رجال البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. ومنها: أنهم كلهم مدنيون سوى عبد الله فإنه مصري تنيسي، بكسر التاء المثناة من فوق وتشديد النون. ومنها: أن فيه رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض: يحيى بن سعيد ومحمد بن يحيى وواسع بن حبان. ومنها: أن فيه رواية صحابي عن صحابي على قول من يعد واسعاً من الصحابة، رضي الله عنهم. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في (الطهارة) عن يعقوب بن ٠٠٠٠ ـاجود i i i . ـات. ١ ١٣٠ i ١٠٠٠ ,٣٠ ٤٢٦ ٤ - كِتَابُ الوضوءِ / باب (١٢) إبراهيم عن يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد. وفي (الخمس) أيضاً عن إبراهيم بن المنذر عن أنس بن عياض عن عبيد الله بن عمر عن محمد بن يحيى بن حبان به. وأخرجه مسلم في (الطهارة) عن القعنبي عن سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد به، وعن أبي بكر بن أبي شيبة عن محمد بن بشر عن عبيد الله به. وأبو داود فيه أيضاً عن القعنبي عن مالك به. والترمذي أيضاً فيه عن هناد عن عبدة بن سليمان عن عبيد الله. وقال: حسن صحيح. وللنسائي أيضاً فيه عن قتيبة عن مالك به. وابن ماجه أيضاً فيه عن أبي بكر بن خلاد ومحمد ابن يحيى كلاهما عن يزيد بن هارون به، وعن هشام بن عمار عن عبد الحميد بن حبيب عن الأوزاعي عن يحيى به، يزيد بعضهم على بعض. بيان اللغات: قوله: ((بيت المقدس)) فيه لغتان مشهورتان، فتح الميم وسكون القاف، وكسر الدال المخففة، وضم الميم وفتح القاف والدال المشددة، والمشدد معناه المطهر، والمخفف لا يخلو إما أن يكون مصدراً أو مكاناً، ومعناه بيت المكان الذي جعل فيه الطهارة، وتطهيره إخلاؤه من الأصنام وإبعاده منها أو من القلوب. قوله: (ارتقيت)) معناه: صعدت، من رقيت في السلم بالكسر رقياً ورقياً إذا صعدت، وهذه هي اللغة الفصيحة المشهورة، وحكى صاحب (المطالع) لغتين أخريين إحداهما: فتح القاف بغير همزة، والأخرى: فتحها مع الهمزة. قوله: ((أوراكهم)) جمع ورك، قال الكرماني: وهو ما بين الفخذين. قلت: ليس كذلك، بل الوركان ما قاله الأصمعي: الوركان العظمان على طرف عظم الفخذين. وفي (العباب): الورَك الؤُرك الورك كفَخذ وفُخذ وفِخذ، وهي مؤنثة. بيان الإعراب: قوله: ((كان)) في محل الرفع لأنه خبر: أن. وقوله: ((يقول)) في محل النصب لأنه خبر: كان. وقوله: ((إن ناساً)) بكسر الهمزة مقول القول. وقوله: ((يقولون)) في محل الرفع لأنه خبر: إن. قوله: ((ولا بيت المقدس)) بالنصب عطف على قوله: ((القبلة)، والإضافة فيه إضافة الموصوف إلى صفته نحو: مسجد الجامع. قوله: ((لقد ارتقيت)) اللام فيه جواب قسم محذوف. قوله: ((يوماً)) نصب على الظرف. وقوله: ((على ظهر بيت)) يتعلق بقوله: (ارتقيت)). قوله: ((فرأيت)) عطف على قوله: (ارتقيت)) وهو بمعنى: أبصرت، فلا يقتضي إلا مفعولاً واحداً. قوله: ((على لبنتين))، في محل النصب على الحال من رسول الله، عليه السلام، وكذا قوله: ((مستقبلاً))، حال منه، ويجوز أن يكونا حالين مترادفتين ومتداخلتين. قوله: (بيت المقدس)) كلام إضافي منصوب. بقوله: (مستقبل)) واللام في: ((لحاجته)) للتعليل، ويجوز أن تكون للتوقيت أي: وقت حاجته. قوله: ((يسجد)) جملة في محل النصب على الحال، وكذا قوله: ((وهو لاصق بالأرض)) جملة وقعت حالاً. بيان المعاني: قوله: ((أنه كان)) أي: واسعاً كان يقول: كذا قاله الكرماني، وقال ابن بطال: أما قول ابن عمر: إن ناساً يقولون إلى آخره، قلت: هذا يدل على أن الضمير في قوله: إنه كان، يعود إلى عبد الله بن عمر، وقال الكرماني أيضاً جعل ابن بطال: إن ناساً، مفعولاً لابن عمر لا لواسع، والسياق لا يساعده. قلت: الصواب مع ابن بطال على ما لا يخفى. :١٧ ٤٢٧ ٤ - كِتَابُ الوضوء / باب (١٢) وقال الخطابي: قد يتوهم السامع من قول ابن عمر: إن ناساً يقولون ... إلى آخره، فهذا أيضاً يؤيد تفسير ابن بطال. فافهم. قوله: ((إن ناساً كانوا يقولون)) أراد بالناس هؤلاء من كان يقول بعموم النهي عن استقبال القبلة واستدبارها عند الحاجة في الصحراء والبنيان، وهم أمثال أبي أيوب الأنصاري وأبي هريرة ومعقل الأسدي وغيرهم، رضي الله تعالى عنهم. قوله: ((إذا قعدت)) ذكر القعود لكونه الغالب وإلاَّ فحال القيام كذلك. قوله: ((على حاجتك)) كناية عن التبرز. قوله: ((على ظهر بيت لنا) وفي رواية يزيد عن يحيى الآتية: ((على ظهر بيتنا))، وفي رواية عبيد الله بن عمر الآتية: ((على ظهر بيت حفصة)) يعني أخته، كما صرح به في رواية مسلم. قوله: (مستقبلاً بيت المقدس)) وفي رواية تأتي عن قريب: ((مستقبل الشام مستدبر الكعبة))، ووقع في (صحيح ابن حبان) ((مستقبل القبلة مستدبر الشام))، وكأنه مقلوب، والله أعلم. فإن قلت: كيف نظر ابن عمر إلى رسول الله عَ ◌ّه وهو في تلك الحالة ولا يجوز ذلك؟ قلت: وقعت منه تلك اتفاقاً من غير قصد لذلك، فنقل ما رآه، وقصده ذلك لا يجوز، كما لا يتعمد الشهود النظر إلى الزنا، ثم يجوز أن يقع أبصارهم عليه ويتحملوا الشهادة بعد ذلك. وقال الكرماني: يحتمل أن يكون ابن عمر قصد ذلك ورأى رأسه دون ما عداه من بدنه، ثم تأمل قعوده فعرف كيف هو جالس ليستفيد فعله فنقل ما شاهد. قوله: ((وقال)) أي ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما. قوله: ((لعلك)) الخطاب فيه لواسع أي: لعلك من الذين لا يعرفون السنة إذ لو كنت عارفاً بالسنة لعرفت جواز استقبال بيت المقدس ولما التفت إلى قولهم، وإنما كنى عن الجاهلين بالسنة بالذين يصلون على أوراكهم، لأن المصلي على الورك لا يكون إلاَّ جاهلاً بالسنة، وإلا لما صلى عليه، والسنة في السجود التخوية أي: لا يلصق الرجل بالأرض،، بل يرفع عنها. قوله: ((فقلت لا أدري)) أي: قال واسع: لا أدري أنا منهم أم لا، ولا أدري السنة في استقبال بيت المقدس. قوله: ((قال مالك)» إلى آخره تفسير الصلاة على الورك، وهو اللصوق بالأرض حالة السجود. قوله: ((قال مالك» إلى آخره: إن كان من قول البخاري نقله عنه يكون تعليقاً، وإن كان من قول عبد الله يكون داخلاً تحت الإسناد المذكور. بيان استنباط الأحكام: الأول: احتج به مالك والشافعي وإسحاق وآخرون فيما ذهبوا إليه من جواز استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة فى البنيان، وإنه مخصص لعموم النهي كما ذكرناه في الباب السابق، ومنهم من رأى هذا الحديث ناسخاً لحديث أبي أيوب المذكور، واعتقد الإباحة مطلقاً وقاس الاستقبال على الاستدبار، وترك حكم تخصيصه بالبنيان، ورأى أنه وصف ملغي الاعتبار. ومنهم من رأى العمل بحديث أبي أيوب وما في معناه، واعتقد هذا خاصاً بالنبي عَّهِ. ومنهم من جمع بينهما وأعملهما. ومنهم من توقف في المسألة. قلت: دعوى النسخ غير ظاهرة لأنه لا يصار إليه إلاَّ عند تعذر الجمع، وهو ممكن كما قد ذكرناه. فإن قلت: قد ورد عن عائشة، رضي الله عنها، حديث بين فيه وجه النسخ مطلقاً، رواه ابن ماجه بسند صحيح عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد ثنا وكيع عن 1 i ١ ٤٠٠٠ / ٠٠٠ i ٤٢٨ ٤ - كِتابُ الوضوءِ / باب (١٢) حماد بن سلمة عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت عن عراك بن مالك عنها، قالت: (ذكر عند النبي عَّ الله قوم يكرهون أن يستقبلوا القبلة بفروجهم، فقال: أراهم قد فعلوا، استقبلوا بمقعدتي القبلة)). قلت: في (علل) الترمذي: قال محمد: هذا حديث فيه اضطراب، والصحيح عن عائشة قولها؛ وقال ابن حزم: هذا حديث ساقط، لأن خالد بن أبي الصلت مجهول لا يدرى من هو، وأخطأ فيه عبد الرزاق فرواه عن خالد الحذاء عن كثير بن أبي الصلت، وهذا أبطل وأبطل، لأن الحذاء لم يدرك كثيراً. انتهى كلامه. قوله: ابن أبي الصلت لا يدري من هو، غير مسلم، لأن ابن حبان ذكره في (الثقات)، ولأن بخشلاً ذكر أنه كان عيناً لعمر بن عبد العزيز، رضي اللَّه عنه، بواسط، وذكر من صلاحه ودينه. وقوله: كثير بن أبي الصلت ليس كذلك، وإنما المذكور عن البخاري في (تاريخه) عند ابن أبي حاتم في كتابه (الجرح والتعديل): كثير بن الصلت، وكذا ذكره أبو عبد الرزاق فيه. وقال الإمام أحمد، رحمه الله: أحسن ما روي في الرخصة حديث عراك، وإن كان مرسلاً، فإن مخرجه حسن. وفي (المراسيل) عنه: هذا حديث مرسل، وأنكر أن يكون عراك سمع عائشة، وقال: من أين سمع عائشة؟ ما له ولعائشة؟ إنما يروي عن عروة هذا خطأ، فمن روى هذا من قبل حماد بن سلمة عن خالد؟ فقال غير واحد: عن خالد ليس فيه: سمعت، وغير واجد أيضاً عن حماد وليس فيه: سمعت. قلت: أبو عبد الله لم يجزم بعدم سماعه منها، إنما ذكره استبعاداً. وأما روايته عن عروة عنها فلا يدل على عدم سماعه منها، لا سيما وقد جمعهما بلد وعصر واحد، فسماعه ممكن جائز، وقد صرح في (الكمال) و (التهذيب) بسماعه منها، وقد وجدنا متابعاً لحماد على قوله عن عراك: سمعت عائشة، رضي الله عنها، وهو: علي بن عاصم عند الدارقطني، (وصحيح ابن حبان) وهو منهما محمول على الاتصال حتى يقوم دليل واضح بعدم سماعه عنها والله أعلم. الثاني من الأحكام: استعمال الكناية بالحاجة عن البول والغائط، وجواز الإخبار عن مثل ذلك للاقتداء والعمل. الثالث: في قوله: (إن ناساً يقولون)) دليل على أن الصحابة، رضي الله عنهم، يختلفون في معاني السنن، وكان كل واحد منهم يستعمل ما سمع على عمومه، فمن ههنا وقع بينهم الاختلاف. وقال الخطابي: قد يتوهم السامع من قول ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما: إن ناساً يقولون ... الخ أنه يريد إنكار ما روي في النهي من استقبال القبلة عند الحاجة، نسخاً لما حكاه من رؤيته، عليه الصلاة والسلام، يقضي حاجته مستدبر القبلة، وليس الأمر في ذلك على ما يتوهم، لأن المشهور من مذهبه أنه لا يجوز الاستقبال والاستدبار في الصحراء، ويجيزهما في البنيان، وإنما أنكر قول من يزعم أن الاستقبال في البنيان غير جائز، ولذلك مثل لما شاهد من قعوده في الأبنية. قلت: ظاهر عبارة الكلام يدل على إنكار ابن عمر، رضي الله تعالى عنه، على من يزعم أن استقبال بيت المقدس عند الحاجة غير جائز، فمن ذلك قال أحمد بن حنبل، رضي الله تعالى عنه: حديث ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، ناسخ للنهي .ج-٠ ٠ جور ٠-٠ و۔۔۔ ٤٢٩ ٤ - كِتَابُ الوضوءِ / باب (١٣) عن استقبال بيت المقدس واستدباره، والدليل على هذا ما روى مروان الأصغر عن ابن عمر أنه أناخ راحلته مستقبل بيت المقدس، ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن! أليس قد نهى عن هذا؟ قال: إنما نهى عن هذا في الفضاء، وأما إذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس. الرابع: فيه تتبع أحوال النبي، عليه الصلاة والسلام، كلها ونقلها وأنها كلها أحكام شرعية. ١٣ - بابُ خُرُوج النِّسَاءِ إلَى البَرَازِ أي: هذا باب في بيان خروج النساء إلى البراز، وهو بفتح الباء الموحدة: اسم للفضاء الواسع من الأرض، ويكنى به عن الحاجة. وقال الخطابي: وأكثر الرواة يقولون بكسر الباء وهو غلط، لأن البراز بالكسر، مصدر بارزت الرجل مبارزة وبرازاً. وقال بعضهم: قلت: بل هو موجه لأنه يطلق بالكسر على نفس الخارج. قال الجوهري: البراز المبارزة في الحرب، والبراز أيضاً كناية عن ثقل الغذاء وهو الغائط، والبراز بالفتح الفضاء الواسع. انتهى. فعلى هذا من فتح أراد الفضاء وهو من إطلاق اسم المحل على الحال كما تقدم مثله في الغائط، ومن كسر أراد نفس الخارج. انتهى. قلت: الذي قاله غير موجه والتوجيه مع الخطابي. قال في (العباب): قال ابن الأعرابي: برز، بكسر الراء، إذا ظهر بعد خمول؛ وبرز، بفتحها، إذا خرج إلى البراز للغائط، وهو الفضاء الواسع. قال الفراء: هو الموضع الذي ليس فيه خمر من شجر ولا غيره، والبراز الحاجة سميت باسم الصحراء، كما سميت بالغائط. ومنه حديث النبي، عليه الصلاة والسلام: ((اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل). والمناسبة بين البابين ظاهرة، لأن في الأول حكم التبرز، وهنا حكم البراز. ١٤٦/١٢ - حدثنا يحيى بنُ بُكَيْرٍ قال: حدّثنا اللَّيْثُ قالَ: حدّثني تُقَيْلٌ عَنِ ابنِ شِهابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ عَّلِ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إِذَا تَبَرَّزْنَ إِلى المَنَاصِعِ، وَهُوَ صَعيدٌ أَفْيَحُ، فكان عُمَرُ يَقُولُ للنبيِّ عَ له: احْجُبْ نِسَاءَكَ. فَلَمْ يَكُنْ رسولُ اللهَ عَ ال يَفْعَلُ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، زَوْجُ النَّبِيِّ عَّهِ، لِيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي عِشاءً، وكانَتِ امْرأةً طَوِيْلَةً فَنَاداها عُمَرُ: أَلَا قَدْ عَرَفْنَاكِ يا سؤْدَةُ، حِرْصاً علَى أَنْ يُنْزَلَ الحِجَابُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الحِجَابِ. [الحديث ١٤٦ - أطرافه في: ١٤٧، ٤٧٩٥، ٥٢٣٧، ٦٢٤٠] مطابقة الحديث للترجمة في قوله: (إذا تبرزن إلى المناصع)) وأشار البخاري بهذا الباب إلى أن تبرز النساء إلى البراز كان أولاً لعدم الكنف في البيوت، وكان رخصة لهن، ثم لما اتخذت الكنف في البيوت منعن عن الخروج منها إلاّ عند الضرورة، وعقد على ذلك الباب الذي يأتي عقيب هذا الباب. بيان رجاله: وهم ستة تقدم ذكرهم بهذا الترتيب في كتاب الوحي، وعقيل، بضم i ٦ i مدر ٤٣٠ ٤ - كِتابُ الوضوء / باب (١٣) العين، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه صيغة التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة. ومنها: أن فيه تابعيين: ابن شهاب وعروة، وقرينين: الليث وعقيل. ومنها: أن رواته ما بين مصري ومدني. ومنها: أن هذا الإسناد على شرط الستة إلاَّ يحيى فإنه على شرط البخاري ومسلم. بيان من أخرجه غيره: أخرجه مسلم أيضاً في (الاستئذان) عن عبد الملك بن شعيب ابن اللیث بن سعد عن أبيه عن جده به. بيان اللغات: قوله: ((إذا تبرزن)) أي إذا خرجن إلى البراز للبول والغائط، فأصله من تبرز، بفتح عين الفعل، إذا خرج إلى البراز للغائط، وهو الفضاء الواسع. قوله: ((إلى المناصع)) جمع: منصع، مفعل من النصوع، وهو الخلوص. والناصع: الخالص من كل شيء. يقال: نصع ينصع نصاعة ونصوعاً. ويقال: أبيض ناصع، وأصفر ناصع. قال الأصمعي: كل ثور خالص البياض أو الصفرة أو الحمرة فهو ناصع. وفي (العباب) المناصع المجالس فيما يقال. وقال أبو سعيد: المناصع المواضع التي يتخلى فيها لبول أو الغائط، الواحد منصع بفتح الصاد. وقال الأزهري: أراها مواضع خارج المدينة. وقال ابن الجوزي: هي المواضع التي يتخلى فيها للحاجة، وكان صعيداً أفيح خارج المدينة يقال له: المناصع، والصعيد وجه الأرض، وقد فسره في الحديث بقوله: وهو صعيد أفيح، والأفيح، بالفاء وبالحاء المهملة: الواسع. وزاد فيحاً أي: وسعة. وقال الصغاني: بحر أفيح بين الفيح أي: واسع. وبحر فياح أيضاً، بالتشديد، وقال الأصمعي: إنه لجواد فياح بمعنى واحد. قلت: كأنه سمي بالمناصع لخلوصه عن الأبنية والأماكن. بيان الإعراب: قوله: ((كن)) جملة في محل الرفع على أنها خبر: أن. قوله: ((يخرجن) جملة في محل النصب على أنها خبر: كان و: الباء، في بالليل، ظرفية. وكلمة: إذا، ظرفية. قوله: (إلى المناصع) جار ومجرور يتعلق بقوله: ((يخرجن). قال الكرماني: ويحتمل أن يتعلق بقوله ((تبرزن)) قلت: احتمال بعيد. قوله: ((وهو)) مبتدأ. و وله: ((صعيد أفيح) صفة وموصوف خبره. قوله: ((يقول)) جملة في محل النصب أيضاً لأنها خبر: كان. قوله: (احجب نساءك)) مقول القول. قوله: ((يفعلوا)) جملة في محل النصب أيضاً لأنها خبر: كان قوله: ((بنت زمعة)) كلام إضافي مرفوع لأنه صفة لسودة. وقوله: ((زوج النبي، عليه الصلاة والسلام)) كلام إضافي أيضاً مرفوع لأنه صفة أخرى لسودة. قوله: ((ليلة)) نصب على الظرف. قوله: ((عشاء) هو بكسر العين وبالمد، نصب على أنه بدل من قوله: ((ليلة)). قوله: ((ألا)، بفتح الهمزة وتخفيف اللام: حرف استفتاح ينبه بها على تحقق ما بعدها. قوله: (يا سودة)) منادى مفرد معرفة، ولهذا يبنى على الضم. قوله: ((حرصاً) نصب على أنه مفعول له، والعامل فيه قوله: ((فناداها)). قوله: ((على أن ينزل)) على صيغة المجهول، و: أن، مصدرية. بيان المعاني: قوله: ((وهو صعيد أفيح) تفسير لقوله: ((إلى المناصع)). وقال بعضهم: ٤٣١ ٤ - كِتَابُ الوضوء / باب (١٣) الظاهر أن التفسير مقول عائشة، رضي الله عنها. قلت: لا دليل على الظاهر، وإنما هو يحتمل أن يكون منها أو من عروة أو ممن دونه من الرواة. قوله: ((احجب نساءك)) أي: امنعهن من الخروج من البيوت، وسياق الكلام يدل على هذا المعنى. وقال بعضهم: يحتمل أن يكون أراد أولاً الأمر بستر وجوههن، فلما وقع الأمر بوفق ما أراد أحب أيضاً أن يحجب أشخاصهن مبالغة في التستر، فلم يجب لأجل الضرورة، وهذا أظهر الاحتمالين. قلت: ليس الأظهر إلاَّ ما قلنا بشهادة سياق الكلام، والاحتمال الذي ذكره لا يدل عليه هذا الحديث، وإنما الذي عليه هو حديث آخر، وذلك لأن الحجب ثلاثة. الأول: الأمر بستر وجوههن يدل عليه قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ الآية [الأحزاب: ٥٩]. قال القاضي عياض: والحجاب الذي خص به خلاف أمهات المؤمنين هو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذلك لشهادة ولا لغيرها. الثاني: هو الأمر بإرخاء الحجاب بينهن وبين الناس، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب﴾ [الأحزاب: ٥٣] الثالث: هو الأمر بمنعهن من الخروج من البيوت إلاّ لضرورة شرعية، فإذا خرجن لا يظهرن شخصهن كما فعلت حفصة يوم مات أبوها سترت شخصها حين خرجت، وزينب عملت لها قبة لما توفيت. وكان لهن في التستر عند قضاء الحاجة ثلاث حالات. الأولى: بالظلمة، لأنهن كن يخرجن بالليل دون النهار، كما قالت عائشة، رضي الله عنها، في هذا الحديث: ((كن يخرجن بالليل)) وسيأتي في حديث عائشة في قصة الإفك: ((فخرجت معي أم مسطح قبل المناصع، وهو متبرزنا، وكنا لا نخرج إلاَّ ليلا ... )) الحديث، ثم نزل الحجاب فتسترن بالثياب، لكن ربما كانت أشخاصهن تتميز، ولهذا قال عمر، رضي الله تعالى عنه: ((قد عرفناك يا سودة))، وهذه هي: الحالة الثانية، ثم لما اتخذت الكنف في البيوت منعن عن الخروج منها، وهي: الحالة الثالثة: فدل عليه حديث عائشة، رضي الله عنها، في قصة الإفك، فإن فيها: ((وذلك قبل أن تتخذ الكنف))، وكانت قصة الإفك قبل نزول آية الحجاب، والله أعلم. قوله: ((سودة بنت زمعة)): بالزاي والميم والعين المهملة المفتوحتين، وقال ابن الأثير: وأكثر ما سمعنا من أهل الحديث والفقهاء يقولونه بسكون الميم: ابن قيس، القريشية العامرية، أسلمت قديماً وبايعت، وكانت تحت ابن عم لها يقال له السكران بن عمرو أسلم معها وهاجرا جميعاً إلى الحبشة، فلما قدم مكة مات زوجها فتزوجها النبي عَّه ودخل بها بمكة، وذلك بعد موت خديجة، قبل عائشة، رضي الله عنهما، وهاجرت إلى المدينة، فلما كبرت أراد طلاقها فسألته أن لا يفعل وجعلت يومها لعائشة فأمسكها، روي لها خمسة أحاديث أخرج البخاري منها حديثين، توفيت آخر خلافة عمر، رضي الله عنه. وقيل: زمن معاوية سنة أربع وخمسين بالمدينة. قوله: ((فأنزل الله الحجاب)) وفي رواية المستملي: ((فأنزل الله آية الحجاب)، وزاد أبو عوانة في (صحيحه) من طريق الزبيدي عن ابن شهاب: فأنزل الله الحجاب: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي﴾ الآية [الأحزاب: ٥٣]. وقال وحدة جم . i i i i ٦٧44 F ٤٣٢ ٤ - كِتابُ الوضوءِ / باب (١٣) الكرماني: الحجاب أي: حكم الحجاب يعني: حجاب النساء عن الرجال، فأنزل الله آية الحجاب، ويحتمل أن يراد بآية الحجاب الجنس، فيتناول الآيات الثلاث قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهم من جلابيبهن﴾ الآية [الأحزاب: ٥٩] وقوله تعالى: ﴿وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب﴾ [الأحزاب: ٥٣] وقوله تعالى: ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ الآية [النور: ٣١]. وأن يراد به العهد من واحدة من هذه الثلاث. قلت: رواية أبي عوانة المذكورة فسرت المراد من آية الحجاب صريحاً كما ذكرنا، وسبب نزولها قصة زينب بنت جحش لما أولم عليها وتأخر النفر الثلاثة في البيت، واستحيى النبي، عليه الصلاة والسلام، أن يأمرهم بالخروج، فنزلت آية الحجاب، وسيأتي في تفسير الأحزاب، وسيأتي أيضاً حديث عمر، رضي الله تعالى عنه: ((قلت يا رسول الله إن نساءك يدخلن عليهن البر والفاجر فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب)). وروى ابن جرير في (تفسيره) من طريق مجاهد، قال: ((بينا النبي، عليه الصلاة والسلام، يأكل ومعه بعض أصحابه، وعائشة تأكل معهم إذ أصابت يد رجل منهم يدها، فكره النبي، عليه الصلاة والسلام، ذلك فنزلت آية الحجاب)). فإن قلت: ما طريقة الجمع بين هذه؟ قلت: أسباب نزول الحجاب تعددت، وكانت قصة زينب آخرها للنص على قصتها في الآية، وقال التيمي: الحجاب هنا استتارهن بالثياب حتى لا يرى منهن شيء عند خروجهن، وأما الحجاب الثاني فهو، إرخاؤهن الحجاب بينهن وبين الناس. قلت: رواية أبي عوانة تخدش هذا الكلام على ما لا يخفى. ثم اعلم أن الحجاب كان في السنة الخامسة في قول قتادة، وقال أبو عبيد: في الثالثة، وقال ابن إسحاق: بعد أم سلمة، وعند ابن سعيد: في الرابعة في ذي القعدة. بيان استباط الأحكام: الأول: قال ابن بطال: فيه مراجعة الأدون للأعلى في الشيء الذي یتبین له. الثاني: فيه فضل المراجعة إذا لم يقصد بها التعنت فإنه قد يتبين فيها من العلم ما خفي، فإن نزول الآية وهي قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين﴾ الآية [الأحزاب: ٥٩] كان سببه المراجعة. " .. الثالث: فيه فضل عمر، رضي الله تعالى عنه، فإن الله تعالی أید به الدین. وقال الكرماني: وهذه من إحدى الثلاث التي وافق فيها نزول القرآن. قلت: هذه إحدى ما وافق فيها ربه، والثانية: في قوله: ﴿عسى ربه إن طلقكن﴾ [التحريم: ٥]. والثالثة: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ [البقرة: ١٢٥] وهذه الثلاثة ثابتة في الصحيح. والرابعة: موافقة في أسرى بدر. والخامسة: في منع الصلاة على المنافقين، وهاتان في (صحيح مسلم). والسادسة: موافقته في آية المؤمنين، وروى أبو داود الطيالسي في (مسنده) من حديث علي ابن زيد: ((وافقت ربي لما نزلت: ﴿ثم أنشأناه خلقاً آخر﴾ [المؤمنون: ١٤] فقلت: أنا ﴿تبارك الله أحسن الخالقين﴾ [المؤمنون: ١٤] فنزلت)) والسابعة: موافقته في تحريم الخمر، ٤٣٣ ٤ - كِتابُ الوضوءِ / باب (١٣) كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. والثامنة: موافقته في قوله: ﴿من كان عدواً لله وملائكته﴾ الآية [البقرة: ٩٨] ذكره الزمخشري. وقال ابن العربي: قدمنا في الكتاب الكبير أنه وافق ربه تعالى تلاوةً ومعنىّ في أحد عشر موضعاً، وفي جامع الترمذي مصححاً عن ابن عمر، رضي الله عنهما: (ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه وقال عمر فيه إلاَّ نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر، رضي الله عنه)). الرابع: فيه كلام الرجال مع النساء في الطرق. الخامس: فيه جواز وعظ الإنسان أمه في البر، لأن سودة من أمهات المؤمنين. السادس: فيه جواز الإغلاظ في القول والعتاب إذا كان قصده الخير، فإن عمر، رضي الله عنه، قال: قد عرفناك يا سودة، وكان شديد الغيرة، لا سيما في أمهات المؤمنين. السابع: في التزام النصيحة لله ولرسوله في قول عمر، رضي الله عنه: ((احجب نساءك)) وكان، عليه الصلاة والسلام، يعلم أن حجبهن خير من غيره، لكنه كان يترقب الوحي، بدليل أنه لم يوافق عمر، رضي الله عنه، حين أشار بذلك، وكان ذلك من عادة العرب. ٦ i • جدة الثامن: فيه جواز تصرف النساء فيما لهن حاجة إليه، لأن الله تعالى أذن لهن في الخروج إلى البراز بعد نزول الحجاب، فلما جاز ذلك لهن جاز لهن الخروج إلى غيره من مصالحهن، وقد أمر النبي، عليه الصلاة والسلام، بالخروج إلى العيدين، ولكن في هذا الزمان لما كثر الفساد، ولا يؤمن عليهن من الفتنة، ينبغي أن يمنعن من الخروج إلاّ عند الضرورة الشرعية، والله تعالى أعلم. ١٤٧/١٣ - حدّثنا زَكَرَيَّاءُ قال: حدّثنا أبُو أُسَامَةَ عَنْ هشامِ بنِ عُزْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ عَ لِّ قال: ((قَدْ أُذِنَ أَنْ تَخْرُجْنَ فِي حَاجَتِكْنَّ)). قال هِشَامٌ: يَعْني البَرَازَ. [انظر الحديث ١٤٦ وأطرافه]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، لأن الباب معقود في خروجهن إلى البراز، وفي هذا الحديث بيان أن الله تعالى قد أذن لهن بالخروج عن بيوتهن إلى البراز، كما يجيء هذا الحديث في التفسير مطولاً: ((أن سودة خرجت بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها، وكانت عظيمة الجسم، فرآها عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فقال: يا سودة، أما والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين، فرجعت فشكت ذلك للنبي، عليه الصلاة والسلام، وهو يتعشى فأوحي إليه، فقال: إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن)) بیان رجاله: وهم خمسة: الأول: زكريا بن يحيى بن صالح اللؤلؤي، أبو يحيى البلخي الحافظ الفقيه المصنف في السنّة، مات ببغداد ودفن عند قتيبة بن سعيد سنة ثلاثين ومائتين. الثاني: أبو أسامة حماد بن أسامة الكوفي، وقد مر. الثالث: هشام بن عروة. الرابع: أبو عروة ابن الزبير بن العوام. الخامس: عائشة أم المؤمنين، رضي الله عنها. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة. ومنها: أن رواته ما بين بلخي عمدة القاري/ ج٢٨٥/٢ ٠١/٠٠٠/ ة ٤٣٤ .-. ٤ _ كِتابُ الوضوءِ / باب (١٤) وكوفي ومدني. ومنها: أن فيه رواية الابن عن الأب. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في (التفسير) عن زكريا بن يحيى المذكور، وأخرجه مسلم في (الاستئذان) عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كريب كلاهما عن أبي أسامة به. بيان ما فيه من الإعراب والمعنى: قوله: ((قد أذن)) مقول القول، وفي بعض النسخ: ((أَذِن)) بلا لفظة: قد، وهو على صيغة المجهول، والآذن هو الله تعالى، وبني الفعل على صيغة المجهول للعلم بالفاعل. قوله: ((أن تخرجن)) أصله: بأن تخرجن، و: أن مصدرية والتقدير: بخروجكن، وكلمة: في، متعلق به. قوله: ((قال هشام)) يعني ابن عروة المذكور، وهو إما تعليق من البخاري، وإما من مقول أبي أسامة. قال الكرماني: قلت: لِمَ لا يجوز أن يكون مقول هشام أو عروة؟ قوله: ((تعني البراز)) مقول القول، والضمير في: تعني، يرجع إلى عائشة، رضي الله تعالى عنها، أراد أن عائشة تقصد من قولها: تخرجن في حاجتكن البراز الخروج إلى البراز وانتصابه بقوله: تعني؛ وقال الداودي: قوله: ((قد أذن أن تخرجن)) دال على أنه لم يرد هنا حجاب البيوت، فإن ذلك وجه آخر، إنما أراد أن يستترن بالجلباب حتى لا يبدو منهن. إلا العين. قالت عائشة: كنا نتأذى بالكنف، وكنا نخرج إلى المناصع. ١٤ - بابُ التََّرُّزِ فِي الْبُيُوتِ أي: هذا باب في بيان التبرز في البيوت، عقب الباب السابق بهذا الباب، لما ذكرنا من أن خروج النساء إلى الصحراء لقضاء الحاجة إنما كان لأجل عدم الكنف في البيوت، فلما اتخذت بعد ذلك الأخلية والكنف منعن عن الخروج إلا للضرورة الشرعية. والمناسبة بين البابين ظاهرة لا تخفى. ١٤ / ١٤٨ - حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قال: حدّثنا أنَسُ بنُ عِيَاضِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّد بنِ يَحْيَى بِنِ حَبَّانَ عَنْ وَاسِعِ بنِ حَبَّانِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عُمَّرَ قال: ارْتَقَبْتُ فَوْقَ ظَهْرٍ بَيْتِ حَفْصَة لِبَعْضِ حَاجَتِي، فَرَأيْتُ رسولَ اللَّهِ عَ لَّهِ يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ القِبْلَةِ مُسْتَقْبِلَ الشَّأم. [انظر الحديث ١٤٥ وأطرافه]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة. بيان رجاله: وهم ستة: الأول: إبراهيم بن المنذر، بلفظ اسم الفاعل من الإنذار، وقد مر في أول كتاب العلم. الثاني: أنس بن عياض أبو ضمرة الليثي المدني، ثقة عالم، روى عن شعبة وعدة، وعنه أحمد وأمم، مات سنة مائتين عن ست وتسعين سنة، وهو من الأفراد ليس في الكتب الستة أنس بن عياض سواه. الثالث: عبيد الله، بالتصغير، ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، أبو عثمان القريشي المدني، روى عن أبيه والقاسم وسالم وعدة، ويقال: إنه أدرك أم خالد بنت خالد، وعنه خلق آخرهم عبد الرزاق، مات سنة سبع ١٣٠ ٤٣٥ ٤ - كِتابُ الوضوءِ / باب (١٤) وأربعين ومائة. الرابع: محمد بن يحيى بن حبان، بفتح الحاء وتشديد الباء الموحدة. الخامس: عمه واسع بن حبان، كلاهما تقدما في: باب من تبرز على لبنتين. السادس: عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهما. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة. ومنها: أن رواته كلهم مدنيون. ومنها: أن في رواته ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض، وهم: عبيد الله بن عمر فإنه تابعي صغير من فقهاء أهل المدينة وأثباتهم، ومحمد بن يحيى، وواسع بن حبان. ومنها: أن فيه رواية الصحابي عن الصحابي على قول من يعد واسعاً من الصحابة. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: قد ذكرنا في: باب من تبرز على لبنتين، تعدد موضعه ومن أخرجه غيره من قريب. بيان ما فيه من اللغة والإعراب والمعنى: قوله: (ارتقيت)) أي: صعدت. قوله: ((يقضي حاجته)) جملة في محل النصب على الحال، ورأيت، بمعنى: أبصرت. فلا يقتضي إلاَّ مفعولاً واحداً. قوله: ((مستدبر القبلة))، نصب على الحال لا يقال شرط الحال أن تكون نكرة، لأنا نقول إضافته لفظية لا تفيد التعريف، وفائدة ذكره التأكيد والتصريح به، وإلاّ فمستقبل الشام في المدينة مستدبر القبلة قطعاً. فإن قلت: قد قال ههنا فوق ظهر بيت حفصة، وفي الرواية الآتية عن قريب: ((على ظهر بيتنا))، وفي رواية أخرى: ((وقد مضيت على ظهر بيت لنا)). فما وجه ذلك؟ قلت: بيت حفصة بيته، أو كان لها بيت في بيت عمر، رضي الله تعالى عنه، يعرف بها، أو صار إليها بعد. فإن قلت: في الرواية الماضية: ((مستقبلاً بيت المقدس))، وكذا في الرواية الآتية: ((مستقبل الشام)؟ قلت: العبارة مختلفة، والمعنى واحد، لأنهما في جهة واحدة. فافهم. ١٤٩/١٥ - حدثنا يَعْقُوبُ بنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حدّثنا يَزِيدُ بنُ هارُونَ قال: أَخْبَرَنا يَحْيَى عَنْ مُحمَّدٍ بنِ يَحْيَى بِنِ حَبَّنِ أَنَّ عَمَّهَ وَاسِعَ بنَ حَبَّانَ أَخْبَرَهُ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنِ عُمَرَ أَخْبَرَهُ قالَ: لَقَدْ ظهَرْتُ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى ظَهْرِ بَيْتِنا، فَرَأيْتُ رسولَ اللَّهِ عَلِ قاعِداً عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ بَيْتٍ المقْدِسِ. [أنظر الحديث ١٤٥ وأطرافه]. الكلام فيه کالكلام فیما قبله. بيان رجاله: وهم ستة: الأول: يعقوب بن إبراهيم أبو يوسف الدورقي، وقد تقدم في: باب حب الرسول من الإيمان. الثاني: يزيد بن هارون، وكذا وقع في رواية أبي ذر والأصيلي، وهو الحافظ المتقن أحد الأعلام. روى عنه الذهلي وخلق، مات وقد عمي سنة ست ومائتين بواسط عن ثمان وثمانين سنة، وليس في الكتب الستة مشارك له في اسمه واسم أبيه. الثالث: يحيى بن سعيد الأنصاري المدني، روى مالك عنه هذا الحديث كما تقدم. الرابع و الخامس والسادس: تکرر ذکرهم. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة. ومنها: أن رواته أجلاء أعلام. جو. i i i i ٤٣٦ ٤ - كِتابُ الوضوء / باب (١٥) ومنها: أن فيه رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض. بيان بقية الكلام: قوله: ((لقد ظهرت)) أي: علوت وارتقيت، و: اللام وقد، فيه للتأكيد. قوله: ((ذات يوم) معناه: يوماً، وهو من باب إضافة المسمى إلى اسمه، أي: ظهرت في زمان، هو مسمى لفظ: اليوم وصاحبه، ويحتمل أن يكون من إضافة العام إلى الخاص، أي: ظهرت نفس اليوم، فيفيد التأكيد أي: اليوم في نفسه. وإنما لم يتصرف: ذات يوم وذات مرة، لأمرين. أحدهما: أن إضافتهما من قبيل إضافة المسمى إلى الاسم كما ذكرنا، لأن معنى: لقيتك ذات مرة وذات يوم قطعة من الزمان. والآخر: أن ذات مرة وذات يوم ليس لهما تمكن من ظروف الزمان لأنهما ليسا من أسماء الزمان. وزعم السهيلي: أن ذات مرة وذات يوم لا يتصرفان في لغة خثعم ولا غيرها، وحكى عن سيبويه أنه ادعى جواز التصرف في ذات في لغة خثعم. قوله: ((مستقبل بيت المقدس)) نصب على الحال ولم يقع في هذه الرواية مستدبر القبلة أي الكعبة، كما في رواية عبد الله بن عمر، لأن ذلك من لازم من استقبل الشام بالمدينة، وأما ذكره في رواية عبد الله فقد ذكرنا عن قريب وجهه. فافهم. ١٥ - بابُ الاستِتْجَاءِ بالمَاءِ أي: هذا باب في بيان حكم الاستنجاء بالماء. قال الخطابي: الاستنجاء في اللغة: الذهاب إلى النجوة من الأرض لقضاء الحاجة، والنجوة: المرتفعة من الأرض، كانوا يستترون بها إذا قعدوا للتخلي. وفي (المطالع): الاستنجاء إزالة النجو، وهو: الأذى الباقي في فم المخرج. وأكثر ما يستعمل في الماء، وقد يستعمل في الأحجار. وأصله من النجو، وهو القشر والإزالة. وقيل: من النجوة لاستتارهم به. وقيل: لارتفاعهم وتجافيهم عن الأرض، عند ذلك. وقال الأزهري عن شمر: الاستنجاء بالحجارة مأخوذ من نجوت الشجرة وأنجيتها واستنجيتها إذا قطعتها، كأنه يقطع الأذى عنه بالماء أو بحجر يتمسح به. وقال: ويقال استنجيت العقب إذا خلصته من اللحم ونقيته منه، وقال الجوهري: استنجى: مسح موضع النجو أو غسله، والنجو: ما يخرج من البطن، واستنجى الوتر أي: مد القوس، وأصله الذي يتخذ أوتار القسي، لأنه يخرج ما في المصارين من النجو. ويقال: أنجى أي: أحدث، ونجوت الجلد من البعير وأنجيته: إذا سلخته. وفلان في أرض نجاة يستنجي من شجرها العصي والقسي، واستنجى الناس في كل وجه أي: أصابوا الرطب. وقال الأصمعي: استنجيت النخلة، إذا التقطت رطبها. قال: ونجوت غصون الشجرة أي: قطعتها، وأنجيت غيري. وقال أبو زيد: استنجيت الشجر قطعته من أصله، وأنجيت قضيباً من الشجر أي: قطعت. وفي اصطلاح الفقهاء: الاستنجاء: إزالة النجو من أحد المخرجين بالحجر أو بالماء. فإن قلت: الاستفعال للطلب، فيكون معناه: طلب النجو. قلت: الاستفعال قد جاء أيضاً لطلب المزيد فيه، نحو: الاستعتاب، فإنه ليس لطلب العتب بل لطلب الإعتاب، والهمزة فيه ٤٣٧ ٤ - كِتابُ الوضوء / باب (١٥) للسلب، فكذا هذا هو لطلب الإنجاء، وتجعل الهمزة للسلب والإزالة. وجه المناسبة بين البابين ظاهر لا يخفى. ١٥٠/١٦ - حدّثنا أبُو الوَلِيدِ هِشامُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ قالَ: حدّثنا شُعْبَةُ عَنْ أبي مُعَاذٍ - واسْمُهُ عَطَاءُ ابنُ أبي مَيْمُونَةَ - قال: سَمِعْتُ أَنَسَ بنَ مالِكِ يَقُولُ: كان النبيُّ عَ لَّه إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ أَجِيءُ أنَا وَغُلاَمٌ مَعَنَا إِدَاوَةٌ مِنْ ماءِ، يَغْنِي يَسْتَنْجِي بِهِ. [الحديث ١٥٠ - أطرافه في: ١٥١، ١٥٢، ٢١٧، ٥٠٠]. مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((يعني يستنجي به)) لأن البخاري قصد بهذه الترجمة الرد على من كره الاستنجاء بالماء على من نفى وقوعه من النبي، عليه الصلاة والسلام، وهؤلاء قد ذهبوا في ذلك إلى ما روى ابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة عن حذيفة بن اليمان أنه سئل عن الاستنجاء بالماء، فقال: إذن لا يزال في يدي نتن. وعن نافع عن ابن عمر: كان لا يستنجي بالماء. وعن ابن الزبير قال: ما كنا نفعله. ونقل عن ابن التين عن مالك أنه أنكر أن يكون النبي، عليه الصلاة والسلام، استنجى بالماء. وعن ابن حبيب من المالكية أنه منع الاستنجاء بالماء لأنه مطعوم. قلت: ليس في الحديث ما يطابق الترجمة، لأن الأصيلي زعم فيما ذكره المهلب: أن الاستنجاء بالماء ليس بالبين في هذا الحديث، لأن قوله: ((فيستنجي به)) ليس من قول أنس بن مالك، وإنما هو من قول أبي الوليد، وقد رواه سليمان بن حرب عن شعبة لم يذكر: فيستنجي به، فيحتمل أن يكون الماء لطهوره أو الوضوء به. وقال السفاقسي مثله: زاد. وقال أبو عبد الملك: هو قول ابن معاذ الرازي عن أنس، قال: وذلك أنه لم يصح أن النبي، عليه الصلاة والسلام، استنجى بالماء. قلت: ذكر البخاري، فيما يأتي من طريق ابن بشار عن غندر عن شعبة بلفظ: ((يستنجي بالماء)» ثم ذكر من تابعه على لفظة: فيستنجي، بخلاف لفظ أبي الوليد، وفي رواية الإسماعيلي من طريق عمرو بن مرزوق عن شعبة: ((فأنطلق أنا وغلام من الأنصار معنا إداوة فيها ماء يستنجي منها النبي، عليه الصلاة والسلام)). وفي رواية البخاري أيضاً من طريق روح بن القاسم عن عطاء بن ميمونة: ((إذا تبرز لحاجته أتيته بماء فيغتسل به)). وفي رواية مسلم من طريق خالد الحذاء عن عطاء عن أنس: ((فخرج علينا وقد استنجى بالماء))، وكذا عند أبي عوانة في (صحيحه): ((فيخرج عليها وقد استنجى بالماء». وتبين بهذه الروايات أن حكاية الاستنجاء من قول أنس، راوي الحديث، وقال بعضهم: ووقع هنا في نكت البدر الزركشي تصحيف، فإنه نسب التعقيب المذكور إلى الإسماعيلي، وإنما هو للأصيلي وأقره، فكأنه ارتضاه وليس بمرضي، وكذا نسبه الكرماني إلى ابن بطال وأقره عليه، وابن بطال إنما أخذه عن الأصيلي. قلت: مثل هذا لا يسمى تصحيفاً، لأن التصحيف الخطأ في الصحيفة بأن يذكر موضع الحاء المهملة مثلاً الخاء المعجمة، وموضع العين المهملة الغين المعجمة ونحو ذلك. وأصل التعقيب المذكور ليس للأصيلي ١ i i i i i / .. /im i ٤٣٨ 2.98/ ٤ _ كِتابُ الوضوءِ / باب (١٥) أيضاً، وإنما هو للمهلب كما ذكرناه. وابن بطال وغيره نقلوه. هكذا ولم يذكروا المقول منه. فبهذا لا يتوجه عليهم التشنيع. ثم اعلم أن الأحاديث قد تظاهرت بالأخبار عن استنجاء النبي، عليه الصلاة والسلام، بالماء وبالأمر به، فمنها: ما رواه البخاري من حديث ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما: ((أن النبي، عليه الصلاة والسلام، دخل الخلاء فوضعت له وضوءاً ... )) الحديث، وقد مر بيانه. ومنها: ما وراه مسلم في (صحيحه) لما عد الفطرة عشرة، عد منها انتقاص الماء، وفسر بالاستنجاء. ومنها: ما رواه ابن خزيمة في (صحيحه) من حديث إبراهيم بن جرير عن أبيه: ((أن النبي عَ لّ دخل الغيضة فقضى حاجته، فأتاه جرير بإدارة من ماء فاستنجى منها ومسح يده بالتراب)). ومنها: ما رواه ابن حبان في (صحيحه) عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، قالت: (ما رأيت رسول الله عَّ له، خرج من غائط قط إلاَّ مس ماء)). ومنها: ما رواه الترمذي من حديث أبي عوانة عن قتادة عن معاذ عن عائشة، أنها قالت: ((مرن أزواجكن أن يغسلوا أثر الغائط والبول، فإن النبي عَّهِ كان يفعله)). وقال: حسن صحيح. فإن قلت: سأل حرب أبا عبد الله عنه، قال: لا يصح في الاستنجاء بالماء حديث، قال: فحديث عائشة؟ قال: لا يصح، لأن غير قتادة لا يرفعه. قلت: فيه نظر، لأن قتادة إمام حافظ إذا انفرد برفع حديث قبل منه إجماعاً، ورفعه غیر قتادة أيضاً، وهو ابن شوذب عن يزيد وإبراهيم بن طهمان، وأبو زيد عن أيوب، كذا في (العلل) لأبي إسحاق الحربي. فإن قلت: قال الحربي: والحديث عندي موقوف لكثرة من أجمع على ذلك. قلت: قد رفعه من ذكرناهم وهم حجة ولا سيما فيهم قتادة وبه الكفاية. وأما قول أحمد بن حنبل: لم يصح في الاستنجاء بالماء حديث، مردود بما ذكرنا من الأحاديث، وبما رواه ابن حبان أيضاً في (صحيحه) من حديث أبي هريرة: ((أن النبي، عليه الصلاة والسلام، قضى حاجته ثم استنجى من تور). رواه عن إسحاق بن إبراهيم وإسماعيل بن مبشر قالا: حدثنا عبيد بن آدم بن أبي إياس حدثنا أبي ثنا شريك عن إبراهيم بن جرير عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عنه. فإن قلت: قال أبو الحسن بن القطان في كتابه (الوهم والإيهام): إنه لا يصح لعلتين: إحداهما: شريك فإنه سيء الحفظ مشهور التدليس، وهو في سوء الحفظ مثل ابن أبي ليلى وقيس بن الربيع، وكلهم اعتراهم سوء الحفظ لما ولوا القضاء. الثانية: إبراهيم لا يعرف حاله، وهو كوفي يروي عن أبيه مرسلاً، ومنهم من يقول: حدثني أبي. قلت: تدليس شريك المخوف زال بحديث آدم عنه المصرح فيه بحدثنا عن إبراهيم كما مر، وتسويته بين شريك وقيس وابن أبي ليلى في سوء الحفظ غير جيد، لأنه ممن قال فيه يحيى: ثقة وهو أحب إلي من أبي الأحوص، وجرير ليس يقاس هؤلاء به. وقال أحمد فيه نحو ذلك، وزاد: وهو في أبي إسحاق أثبت من زهير وإسرائيل. وقال وكيع: لم نر أحداً من الكوفيين مثله. وقال ابن سعد: ثقة مأمون كثير الحديث، وثقه وعظمه غير هؤلاء، فكيف يقاس بمن قيل فيه كثير الخطأ رديء الحفظ كثير المناكير فاستحق الترك؟ تركه أحمد ويحيى وزائدة، يعني ابن أبي ٤٣٩ ٤ - كِتابُ الوضوءِ / باب (١٥) ليلى، وقال ابن طاهر: أجمعوا على ضعفه. وقال أحمد في قيس: ترك الناس حديثه! وأساء الثناء عليهما غير واحد. وقوله: في إبراهيم لا يعرف حاله، مردود برواية جماعة عنهم، منهم: أبان بن عبد الله وحميد بن مالك وزياد بن سفيان وقيس بن أسلم وداود بن عبد الجبار وغيرهم. وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه، وذكره ابن حبان في (كتاب الثقات)، وقال ابن عدي: أحاديثه مستقيمة تكتب، وقوله: ومنهم من يقول حدثني أبي، وأغضى على ذلك هو لا يستقيم، وأنَّى له السماع من أبيه مع قول الآجري والحربي وابن سعد: ولد بعد موت أبيه؟. ومنها: ما رواه ابن ماجه عن عائشة من طريق ضعيفة: ((أن النبي، عليه الصلاة والسلام، كان يغسل مقعدته ثلاثاً)). وفي لفظ: (استنجوا بالماء البارد فإنه مصحة للبواسير)). ومنها: ما رواه ابن حبيب في (شرح الموطأ): حدثنا أسيد بن موسى وغيره عن السري بن يحيى عن أبان بن أبي عياش أن النبي، عليه الصلاة والسلام قال: ((استنجوا بالماء فإنه أطهر وأطيب)). وأبان هذا متروك. بيان رجاله: وهم أربعة. الأول: أبو الوليد هشام، بكسر الهاء: ابن عبد الملك الطيالسي البصري، مر في كتاب علامة الإيمان حب الأنصار. الثاني: شعبة بن الحجاج، وقد مر. الثالث: أبو معاذ، بضم الميم وبالذال المعجمة: واسمه عطاء بن ميمونة البصري التابعي، مولى أنس. وقيل: مولى عمران بن حصين، مات بعد الثلاثين ومائة، وكان يرى القدر. الرابع: أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه. / .iNS F بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة والسماع. ومنها: أن رواته كلهم بصريون. ومنها: أنهم كلهم من فرسان (الصحيحين) والأربعة إلاّ عطاء، فإن الترمذي لم يخرج له. ومنها: أنه من رباعيات البخاري. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضاً في (الطهارة) عن سليمان بن حرب وعن بندار عن غندر، وفي (الصلاة) أيضاً عن محمد بن حاتم بن بزيغ عن أسود بن عامر شاذان، ثلاثتهم عن شعبة، وفي (الطهارة) أيضاً عن يعقوب الدورقي عن إسماعيل بن علية عن روح بن القاسم، كلاهما عنه به. وأخرجه مسلم في (الطهارة) عن أبي بكر بن شيبة عن وكيع وغندر، وعن أبي موسى محمد بن المثنى عن غندر، كلاهما عن شعبة به، وعن زهير بن حرب، وأبي كريب كلاهما عن إسماعيل بن علية به، وعن يحيى بن يحيى عن خالد بن عبد الله الواسطي عن خالد هو الحذاء عنه به، وأخرجه أبو داود في (الطهارة) عن وهب بن بقية عن خالد الواسطي به. وأخرجه النسائي فيه عن إسحاق بن إبراهيم عن النضر ابن شميل عن شعبة به. بيان اللغات: قوله: ((وغلام)) هو الذي طرّ شاربه. وقيل: هو من حين يولد إلى أن يشب. وزعم الزمخشري: أن الغلام هو الصغير إلى حد الالتحاء، فإن أجري عليه بعد ما صار ملتحياً اسم الغلام فهو مجاوز، ويروى عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه في بعض أراجيزه: i i i ٤٤٠ ٤ - كِتابُ الوضوءِ / باب (١٥) أنا الغلام الهاشمي المكي وقالت ليلى الأخيلية في الحجاج: غلام إذ هز القناة تباهيا. قال: وقال بعضهم: يستحق هذا الاسم إذا ترعرع وبلغ حد الاحتلام بشهوة النكاح، كأنه يشتهي النكاح ذلك الوقت، ويسمى الغلام قبل ذلك تفاؤلاً، وبعد ذلك مجازاً. وفي (المخصص): هو غلام من لدن فطامه إلى سبع سنين، وعن أبي عبيد: هو المترعرع المتحرك، والجمع: أغلمة وغلمة وغلمان، والأنثى غلامة. وفي (الصحاح): استغنوا بغلمة عن أغلمة، وتصغير الغلمة: أغيلمة على غير مكبرة، كأنهم صغروا: أغلمة، وإن لم يقولوه. وقال الخليل: الغلومة والغلامية والغلام الذي طر شاربه، وفي (الموعب) لابن التياني: لا يقال للأنثى: غلامة إلاَّ في كلام قد ذهب في ألسنة الناس. وفي (الجمهرة): غلام رعرع ورعراع، ولا يكون ذلك إلاّ مع حسن الشباب. قوله: ((إداوة)) بكسر الهمزة: وهي إناء صغير من جلد تتخذ للماء كالسطيحة ونحوها، والجمع إداوى. قال الجوهري: الإدارة المطهرة، والجمع: إداری. بيان الإعراب: قوله: ((كان رسول الله، عليه الصلاة والسلام)) ارتفاع: رسول الله، بكان، وخبره: جملة قد حذف منها العائد، وهو قوله: ((أجيء أنا)) تقديره: أجيئه أنا وغلام معي، ويدل عليه الرواية الآتية: ((كان رسول الله عَ لَ﴾ إذا خرج لحاجته تبعته أنا وغلام منا)). وكلمة: إذا، للظرف المحض، ويحتمل أن يكون فيها معنى الشرط وجوابه. قوله: ((أجيء))، والجملة تكون في محل النصب على أنها خبر: كان. قوله: (أنا)) ضمير مرفوع أبرز ليصح عطف غلام على ما قبله، لئلا يلزم عطف اسم على فعل، ويجوز: وغلاماً، بالنصب على أن تكون الواو بمعنى: مع. قوله: ((إداوة)) مرفوع بالابتداء، وخبره قوله: ((معنا)) مقدماً، والجملة في محل النصب على الحال بدون الواو، كما في قوله تعالى: ﴿اهبطوا بعضكم لبعض عدو﴾ [البقرة: ٣٦، الأعراف: ٢٤] وكلمة: من، في قوله: ((من ماء))، للبيان. بيان المعاني: قوله: ((كان رسول الله عَ﴾)) هذه اللفظة مشعرة باستمرار ذلك واعتياده له. قوله: ((لحاجته)) أراد بها ههنا الغائط أو البول. قوله: ((أجيء أنا وغلام)) وصرح الإسماعيلي في روايته: ((وغلام منا))، أي: من الأنصار، وكذا في الرواية الآتية للبخاري، وفي رواية مسلم: ((وغلام نحوي)) أي: مثلي، أراد مقارب لي في السن. قوله: (معنا)) أي: في صحبتنا إداوة. قال صاحب (المحكم): مع: اسم معناه الصحبة متحركة وساكنة، غير أن المتحركة العين تكون إسماً وحرفاً، والساكنة العين تكون حرفاً لا غير. وههنا يجوز تسكين العين، وكذا في: معكم، وعند اجتماعه بالألف واللام تفتح العين وتكسر، فيقال: مع القوم، فتحاً وكسراً. وقال الجوهري: مع للمصاحبة، وقد تسكن وتنون، فيقال: جاؤوا معاً. قوله: ((يعني يستنجي به) من كلام أنس، رضي الله تعالى عنه، وفاعل: يستنجي، رسول الله عَّهِ، والرواية الثالثة للبخاري الآتية عن قريب تدل على هذا، وبهذا يرد على عبد الملك البوني في قوله: هذا *-. ٠٠٠٠