النص المفهرس

صفحات 361-380

/١٢
٣٦١
٤ - كِتابُ الوضوء / باب (١)
أهل السنة والجماعة: أن وظيفتهما الغسل، ولا يعتد بخلاف من خالف ذلك. الثاني: مذهب
الإمامية من الشيعة: أن الفرض مسحهما. الثالث: هو مذهب الحسن البصري ومحمد بن
جرير الطبري وأبي علي الجبائي: أنه مخير بين المسح والغسل. الرابع: مذهب أهل الظاهر،
وهو رواية عن الحسن، أن الواجب الجمع بينهما. وعن ابن عباس، رضي الله عنهما: هما
غسلتان ومسحتان. وعنه: أمر الله بالمسح وأبى الناس إلا الغسل. وروي أن الحجاج خطب
بالأهواز فذكر الوضوء فقال: إغسلوا وجوهكم وأيديكم، وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى
الكعبين، فإنه ليس شيء من ابن آدم أقرب من مسه من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما
وعراقيبهما. فسمع ذلك أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه، فقال: صدق الله وكذب
الحجاج. قال الله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم﴾. وكان عكرمة يمسح رجليه
ويقول: ليس في الرجلين غسل وإنما هو مسح. وقال الشعبي: نزل جبريل، عليه الصلاة
والسلام، بالمسح وقال قتادة: افترض الله غسلين ومسحين، ولأن قراءة الجر محكمة في
المسح لأن المعطوف يشارك المعطوف عليه في حكمه، لأن العامل ينصب عليهما انصبابة
واحدة بواسطة الواو عند سيبويه، وعند آخرين يقدر للتابع من جنس الأول، والنصب يحتمل
العطف على الأول على بعد، فإن أبا علي قال: قد أجاز قوم النصب عطفاً على وجوهكم،
وإنما يجوز شبهه في الكلام المعقد، وفي ضرورة الشعر، وما يجوز على مثله محبة العي
وظلمة اللبس، ونظيره: أعط زيداً وعمراً جوائزهما، ومر بيكر وخالد. فأي بيان في هذا وأي
لبس أقوى من هذا؟ ذكره المرسي حاكياً عنه في (ري الظمآن) ويحتمل العطف على محل:
برؤوسكم، وكقوله تعالى: ﴿يا جبال أَوَّبي معه والطيرَ﴾ [سبأ: ١٠] بالنصب عطفاً على
المحل لأنه مفعول به، وكقول الشاعر:
فلسنا بالجبال ولا الحديدا
معاوي إننا بشر فأسجح
بالنصب على محل الجبال، لأنه خبر: ليس، فوجب أن يحمل المحتمل على
المحکم.
ولنا الأحاديث الصحيحة المستفيضة في صفة وضوء النبي، عليه الصلاة والسلام، أنه
غسل رجليه، وهو: حديث عثمان المتفق على صحته، وحديث علي وابن عباس وأبي هريرة،
وعبد الله بن زيد والربيع بنت معوذ بن عفراء وعمرو بن عبسة رضي الله عنهم «وثبت أنه،
عليه الصلاة والسلام، رأى جماعة توضؤوا وبقيت أعقابهم تلوح، فلم يمسها الماء فقال: ويل
للأعقاب من النار)) ولم يثبت عنه، عليه الصلاة والسلام، أنه مسح رجليه بغير خف في حضر
ولا سفر، والآية قرئت بالحركات الثلاث: بالنصب وله وجهان. أحدهما: أن يكون معطوفاً
على: وجوهكم، فيشاركها في حكمها وهو الغسل، وإنما أخرت عن المسح بعد المغسولين
لوجوب تأخير غسلهما عن مسح الرأس عند قوم، ولاستحبابه عند آخرين. والثاني: أن يكون
عامله مقدراً. وهو: واغسلوا، لا بالعطف على: وجوهكم، كما تقول: أكلت الخبز واللبن أي:
شربته، وإن لم يتقدم للشرب ذكر، وههنا تقدم للغسل ذكر، فكان أولى بالإضمار. ومنه:
٠٠٠
١
i
i
٠٠٠٠
جدة

٣٦٢
٤ _ كِتابُ الوضوءِ / باب (١)
ـها تبناً وماء باردا
علفتـ
أي سقيتها. وقال:
متقلداً سيفاً ورمحاً
رأيت زوجك في الوغى
أي: وحاملاً رمحا. وقال:
شراب ألبان وتمر وأقط
أي: وآكل تمر وأقط. وبالجر، وعنه أجوبة: الأول: أنها جرت على مجاورة: رؤوسكم،
وإن كانت منصوبة كقوله تعالى: ﴿إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم﴾ [الأعراف: ٥٩،
هود: ٢٦، الشعراء: ١٣٥، الأحقاف: ٢١] على جوار يوم، وإن كان صفة للعذاب.
وكقولهم: هذا جحر ضب خرب، صفة جحر، وإن كان مرفوعاً. فإذا قلت: جحرا ضب
خربين، وجحرة ضباب خربة، لم يجزه الخليل في التثنية وأجازه في الجمع، واشترط أن
يكون الآخر مثل الأول. وأجازه سيبويه في الكل. الجواب الثاني: أنها عطفت على: الرؤوس،
لأنها تغسل بصب الماء عليها، فكانت مظنة لإسراف الماء المنهي عنه لا لتمسح، ولكن
لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها، فجيء بالغاية ليعلم أن حكمها مخالف
لحكم المعطوف عليه، لأنه لا غاية في الممسوح. قاله صاحب الكشاف. الجواب الثالث
هو محمول على حالة اللبس للخف، والنصب على الغسل عند عدمه، وروى همام بن
الحارث أن جرير بن عبد الله، رضي الله عنه، بال ثم توضأ. ومسح على خفيه، فقيل له:
أتفعل هذا؟ قال: وما يمنعني وقد رأيت رسول الله عَ لّه يفعله؟ و کان یعجبهم حديث جرير
لأن إسلامه كان بعد نزول المائدة. قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقال ابن العربي:
اتفق الناس على صحة حديث جرير، وهذا نص يرد ما ذكروه.
فإن قلت: روى محمد بن عمر الواقدي أن جريراً أسلم في سنة عشر في شهر
رمضان، وأن المائدة نزلت في ذي الحجة يوم عرفة. قلت: هذا لا يثبت، لأن الواقدي فيه
كلام، وإنما نزل يوم عرفة: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: ٣].
الجواب الرابع: أن المسح يستعمل بمعنى الغسل الخفيف. يقال: مسح على أطرافه
إذا توضأ، قاله أبو زيد وابن قتيبة وأبو علي الفارسي وفيه نظر، وما ذكر عن ابن عباس قال
محمد بن جرير: إسناده صحيح، والضعيف الثابت عنه أنه كان يقرأ: وأرجلكم، بالنصب
فيقول: عطف على المغسول، هكذا رواه الحفاظ عنه، منهم القاسم بن سلام والبيهقي
وغيرهما. وثبت في (صحيح البخاري) عنه أنه توضأ وغسل رجليه، وقال: هكذا رأيت رسول
الله، عليه الصلاة والسلام، وأما قوله: ﴿يا جبال أوبي معه والطير﴾ [سبأ: ١٠] بالنصب على
المحل فممنوع، لأنه مفعول معه، ولو سلم العطف على المحل، فإنما يجوز مثل ذلك عند
عدم اللبس. نقل ذلك عن سيبويه. وههنا: ليس، فلا يجوز، وأما البيت فغير مسلم، فإنه ذكر
في (العقد): أن سيبويه غلط فيه، وإنما قال الشاعر بالخفض والقصيدة كلها مجرورة، فما كان

١٣٢/١١٣٠
١٠٠
٤ - كِتابُ الوضوء / باب (١)
مضطراً إلى أن ينصب هذا البيت ويحتال بحيلة ضعيفة قال:
فلسنا بالجبال ولا الحديد
معاوي إننا بشر فأسجح
فهل من قائم أو من حصيد
أكلتم أرضنا وجزرتموها
وليس لنا ولا لك من خلود
أتطمع في الخلود إذا هلكنا
وقيل: هما قصيدتان مجرورة، ومنصوبة، وفيه بعد قلت: ملخص الكلام ههنا أنه ثبت
الأوجه الثلاثة في قوله: ((وأرجلكم)): الرفع قرأ به نافع رواه عنه الوليد بن مسلم وهو قراءة
الأعمش، والنصب قرأ به علي وابن مسعود وابن عباس في رواية إبراهيم والضحاك وابن عامر
والكسائي وحفص وعاصم وعلي بن حمزة، وقال الأزهري: وهي قراءة ابن عباس والأعمش
وحفص عن أبي بكر ومحمد بن إدريس الشافعي. والجر قرأ به ابن عباس في رواية والحسن
وعكرمة وحمزة وابن كثير، وقال الحافظ أبو بكر بن العربي: وقرأ أنس وعلقمة وأبو جعفر
بالخفض. والمشهور هو قراءة النصب والجر، وبينهما تعارض، والحكم في تعارض الروايتين
كالحكم في تعارض الآيتين، وهو أنه: إن أمكن العمل بهما مطلقاً يعمل، وإن لم يكن يعمل
بهما بالقدر الممكن وههنا لا يمكن الجمع بين الغسل والمسح في عضو واحد في حالة
واحدة لأنه لم يقل به أحد من السلف، ولأنه يؤدي إلى تكرار المسح، لأن الغسل يتضمن
المسح، والأمر المطلق لا يقتضي التكرار فيعمل في حالتين، فيحمل في قراءة النصب على
ما إذا كانت الرجلان باديتين، وتحمل قراءة الخفض على ما إذا كانتا مستورتين بالخفين،
توفيقاً بين القراءتين وعملاً بهما بالقدر الممكن. وقد يقال: إن قراءة من قرأ ((وأرجلكم)) بالجر
معارضة لمن نصبها فلا حجة إذاً لوجود المعارضة. فإن قلت: نحن نحمل قراءة النصب على
أنها منصوبة على المحل، فإذا حملناه على ذلك لم يكن بينهما تعارض بل يكون معناهما
النصب، وإن اختلف اللفظ فيهما، ومتى أمكن الجمع لم يجز الحمل على التعارض
والاختلاف. والدليل على جواز العطف على المحل قوله تعالى: ﴿واتقوا الله الذي تساءلون
به والأرحام﴾ [النساء: ١] وقال الشاعر:
ألاَ حي ندماني عمير بن عامر
إذا ما تلاقينا من اليوم أو غدا
فنصب غداً على المحل خلاف السنة وإجماع الصحابة رضي الله عنهم. أما السنة:
فحديث عمرو بن عبسة الذي أخرجه مسلم، وفيه: ثم يغسل قدميه إلى الكعبين. وأما
الإجماع: فهو ما روى عاصم عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: ((بينا يوم نحن والحسن يقرأ
على علي، رضي الله عنه، وجليس قاعد إلى جنبه يحادثه، فسمعته يقرأ (وأرجلكم) ففتح
عليه الجليس بالخفض، فقال علي وزجره: إنما هو ((فاغسلوا وجوهكم واغسلوا أرجلكم)) من
تقديم القرآن العظيم وتأخيره، وكذلك عن عروة ومجاهد والحسن ومحمد بن علي بن
الحسين وعبد الرحمن الأعرج والضحاك وعبد الله بن عمرو بن غيلان، زاد البيهقي: عطاء
ويعقوب الحضرمي وإبراهيم بن يزيد التيمي وأبا بكر بن عياش، وذكر ابن الحاجب في
i
i
٣٦٣
i
حدة

٣٦٤
٤ - كِتابُ الوضوء / باب (١)
(أماليه): أنه نصب على الاستئناف. وقيل: المراد بالمسح في حق الرجل الغسل، ولكن أطلق
عليه لفظ المسح للمشاكلة، كقوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ [الشورى: ٤٠] وقيل:
إنما ذكر بلفظ المسح لأن الأرجل من بين سائر الأعضاء مظنة إسراف الماء بالصب، فعطف
على الممسوح، وإن كانت مغسولة، للتنبيه على وجوب الاقتصاد في الصب لا للمسح،
وجيء بالغاية فقيل: إلى الكعبين، إماطة لظن ظان يحسبها أنها ممسوحة، إذ المسح لم
يصرف له غاية. فافهم.
فإن قلت: رويت أحاديث في مسح الرجلين. منها: حديث رفاعة بن رافع عن النبي،
عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((لا يتم صلاة لأحد حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى،
فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين))، حسَّنه أبو علي
الطوسي الحافظ وأبو عيسى الترمذي وأبو بكر البزار، وصححه الحافظ ابن حبان وابن حزم.
ومنها: حديث عبد الله بن زيد، أخرجه ابن أبي شيبة في (مسنده) عن أبي عبد الرحمن بن
المقري عن سعيد بن أبي أيوب، حدثني أبو الأسود عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد:
(أن النبي عَِّ توضأ ومسح بالماء على رجليه))، ورواه ابن خزيمة في (صحيحه) عن أبي
زهير عن المقري به. ومنها: حديث رجل من قيس رواه أبو مسلم الكجي في (سننه) عن
حجاج حدثنا حماد عن أبي جعفر الخطمي عمير بن يزيد عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن
رجل من قريش قال: ((تبعت النبي، عليه الصلاة والسلام، بقدح فيه ماء، فلما قضى حاجته
توضأ وضوءه للصلاة، قال فيه: ثم مسح على قدمه اليمنى، ثم قبض أخرى فمسح قدمه
اليسرى)). ومنها: حديث جابر بن عبد الله أخرجه الطبراني في (الأوسط). ومنها: حديث
عمر، رضي الله عنه، أخرجه ابن شاهين في كتاب (الناسخ والمنسوخ). ومنها: حديث أوس
ابن أوس أخرجه ابن شاهين أيضاً. ومنها: حديث ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، أخرجه
أبو داود مرفوعاً. ((فقبض قبضة من الماء فرش على رجله اليمنى - وفيها النعل ـ ثم مسحها
بيديه يد فوق القدم ويد تحت النعل ثم صنع باليسرى مثل ذلك)). ومنها: حديث عثمان،
رضي الله عنه، ذكره أحمد بن علي القاضي في كتابه (مسند عثمان) بسند صحيح: ((أنه
توضأ ثم مسح رأسه ثم ظهر قدميه ثم رفعه إلى النبي عَّه)).
قلت: أما حديث رفاعة فقد قال ابن القطام: في إسناده يحيى بن علي بن خلاد، وهو
مجهول، ولکن یخدشه قول من صححه أو حسنه کما ذكرناه، ویحیی ذكره ابن حبان في
(الثقات). وأما حديث عبد الله بن زيد فقد قال أبو عمر: إسناده لا تقوم به حجة، وقال
الجوزقاني في كتابه: هذا حديث منكر. وأما حديث رجل من قيس، فإن المسح فيه محمول
على الغسل الخفيف. وأما حديث جابر وعمر ففي إسنادهما عبد الله بن لهيعة. وأما حديث
أوس بن أوس فإنه كان في مبدأ الإسلام ثم نسخ. وأما حديث ابن عباس فإن أبا إسحاق
الحربي لما ذكره من جهة معمر قال: لو شئت لحدثتكم أن زيد بن أسلم حدثني عن عطاء
ابن يسار عن ابن عباس. قال أبو إسحاق: الحمد لله الذي لم يقدر على لسان عمر أن يحدث
جمع.

٣٦٥
٤ - كِتابُ الوضوء / باب (١)
به على حقيقته، إنما حدث به على حسبان، لأنه حديث منكر الإسناد والخبر جميعاً. وأما
حديث عثمان فإنه محمول على أن المسح فيه كان على الخف.
قالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَبَيَّنَ النَّبِيُّ عَ لِّ أَنَّ فَرْضَ الوضوء - مَرَّةً مَرَّةً، وَتَوضأَ أيْضاً مَرَّتِيْنِ
مَرَّتَيْنِ وَثَلاثاً ثَلاثَاً ولَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلاثٍ.
+جوز
مجTM
أبو عبد الله: هو البخاري نفسه. قوله: ((وبين النبي صَّلام)) تعليق، وسيذكره موصولاً في
باب مفرد لذلك، وكذا قوله: ((وتوضأ أيضاً) إلى آخره تعليق، وسيذكره موصولاً في باب
مفرد لذلك، وأشار بهما إلى أن الأمر من حيث هو لإيجاد حقيقة الشيء المأمور به لا يقتضي
المرة ولا التكرار، بل هو محتمل لهما، فبين النبي عَّ لِ أن المراد منه المرة حيث غسل مرة
واحدة واكتفى بها، إذ لو لم يكن الفرض إلاَّ مرة واحدة لم يجز الاجتزاء بها، وأشار أيضاً
بقوله: ((مرتين وثلاثاً) إلى أن الزيادة عليها مندوب إليها لأن فعل الرسول عَّله يدل على
الندب غالباً إذا لم يكن دليل على الوجوب لكونه بياناً للواجب مثلاً.
فإن قلت: في أين وقع بيان النبي عَّله بأن فرض الوضوء مرة مرة؟ قلت: هو في
حديث ابن عباس: ((أن النبي عَ لَّهِ توضأ مرة مرة)) وهو بيان بالفعل لمجمل الآية، وحديث
أبي بن كعب، رضي الله عنه: ((أن النبي عَ لِ دعا بماء فتوضأ مرة مرة، وقال: هذا وضوء لا
تقبل الصلاة إلاَّ به)). ففيه بيان بالقول والفعل، وهذا أخرجه ابن ماجه، ولكنه ضعيف وله طرق
أخرى كلها ضعيفة. وقال مهنى: سألت أبا عبد الله، يعني أحمد بن حنبل، عن الوضوء مرة
مرة فقال: الأحاديث فيه ضعيفة وفيه نظر، لأنه صح من حديث ابن عباس، رضي الله عنهما،
المذكور. وجميع ما ذكره البخاري وقع في حديث ابن ماجه عن عبد الله بن عامر: حدثنا
شريك عن ثابت البناني، قال: ((سألت أبا جعفر قلت له: حدثك جابر بن عبد الله أن النبي
مَّلِ توضأ مرة مرة؟ قال: نعم. قلت: مرتين مرتين وثلاثاً ثلاثاً؟ قال: نعم)). قلت قال الترمذي:
روى وكيع هذا عن ثابت. قلت لأبي جعفر: حدثك جابر أن النبي عَّهِ توضأ مرة مرة، وهذا
أصح من حديث شريك لأنه روي من غير وجه، هذا غير ثابت نحو رواية وكيع، وشريك
كثير الغلط.
وسئل البخاري عن الحديثين فيما ذكره في (العلل الكبير) فقال: الصحيح ما رواه
وكيع، وحديث شريك ليس بصحيح. ولما ذكر البزار حديث شريك قال: لا نعلمه يروى عن
جابر إلاّ بهذا الإسناد، ولا رواه عن محمد بن علي إلاَّ أبو حمزة الثمالي انتهى. وفيه نظر،
لما ذكره الإسماعيلي في (معجمه): حدثنا محمد بن علي بن حفص حدثنا عبد الله بن
هاشم الطوسي حدثنا الحارث بن عمران الجعفري عن جعفر بن محمد عن أبيه، قلت
لجابر ... فذكره. وقال ابن ماجه أيضاً: أنبأنا أبو بكر بن خلاد حدثني مرحوم بن عبد العزيز
حدثني عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه عن معاوية بن قرة عن ابن عمر، رضي الله عنهما،
قال: ((توضأ رسول الله عَّه واحدة واحدة، وقال: هذا وضوء من لا يقبل الله منه صلاة إلاّ
i.
(١
i
i
٠٠٠
i

م جرو
٣٦٦
٤ - كِتابُ الوضوء / باب (١)
به، ثم توضأ مرتين مرتين، وقال: هذا وضوء القدر من الوضوء، وتوضأ ثلاثاً ثلاثاً وقال: هذا
أسبغ الوضوء وهو وضوئي ووضوء الخليل إبراهيم، عليه الصلاة والسلام)). قال المقدسي: هذا
حديث غير ثابت. وقال أبو حاتم في (العلل) لا يصح هذا عن النبي عَّ له. وقال أبو زرعة: هو
عندي حديث واهٍ، ومعاوية بن قرة لم يلحق ابن عمر. قال الدارقطني في (كتاب العلل): رواه
إسرائيل الملائي عن العمي عن نافع عن ابن عمر ووهم فيه، والصواب قول من قال عن
معاوية بن قرة، ورواه أبو عروبة الحراني في كتاب (الطبقات الكبير) عن المسيب بن واضح
حدثنا جعفر بن ميسرة عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، ولما
رواه الدارقطني في (سننه) قال: تفرد به المسيب وهو ضعيف. وقال البيهقي: هذا الحديث
من هذا الوجه تفرد به المسيب وليس بالقوي. وقال في (المعرفة): والمسيب غير محتج به،
وروي من أوجه كلها ضعيفة. قلت: قال أبو حاتم: فيه صدوق وكان يخطىء كثيراً، فإذا قيل
لم يقبل. وقال أبو عروبة: كان لا يحدث إلاَّ بشيء يعرفه يقف عليه. وقال أبو نصر بن فاخر:
كان شيخاً جليلاً ثقة، يخطىء. وكان النسائي حسن الرأي فيه ويقول: الناس يؤذوننا فيه.
وقال ابن عدي: لا بأس به وهو ممن یکتب حديثه.
قوله: ((مرة مرة) روي فيهما الرفع والنصب؛ أما الرفع: فعلى الخبرية لـ: ((أن))، وهو
أقرب الأوجه. وأما النصب فعلى أوجه. الأول: مفعول مطلق، أي: فرض الوضوء غسل
الأعضاء غسلةً واحدة. الثاني: أنه ظرف، أي فرض الوضوء ثابت في الزمان المسمى بالمرة،
وهذا ذكره الكرماني وفيه بعد. الثالث: أنه حال قد سدت مسد الخبر، كقراءة بعضهم.
﴿ونحن عصبة﴾ [يوسف: ٨ و ١٤] بنصب: عصبة. الرابع: أنه نصب على لغة من ينصب
الجزئين لأن، فإن قلت: ما فائدة تكرار لفظ: مرة؟ قلت: إما التأكيد وإما إرادة التفصيل أي
فرض الوضوء غسل الوجه مرة، وغسل اليدين مرة، وغسل الرجل مرة، نحو: بوبت الكتاب
باباً باباً، أو فرض الوضوء في كل الوضوء مرة في هذا الوضوء ومرة في ذاك الوضوء.
فالتفصيل إما بالنظر إلى أجزاء الوضوء، وإما بالنظر إلى جزئيات الوضوء.
قوله: ((مرتين مرتين))، كذا في رواية أبي ذر بالتكرار. وفي رواية غيره بلا تكرار،
ووجه انتصابهما مثل انتصاب: مرة. قوله: ((وثلاثاً) أي: وتوضأ أيضاً ثلاثاً، أي: ثلاث مرات.
وفي رواية الأصيلي: ((وثلاثاً ثلاثاً). وفي بعض النسخ: وثلاثة، بالهاء. قوله: ((ولم يزد على
ثلاث))، أي: ولم يزد النبي عَّه في وضوئه على ثلاث مرات. وقال بعض الشارحين: ولم
يزد على ثلاثة، كذا ثبت وكأن الأصل ثلاث. كما تقول: عندي ثلاث نسوة. قلت: بل
النسخ الصحيحة على ثلاث على الأصل، ولا يحتاج إلى التعسف المذكور. وحاصل المعنى
لم يأت في شيء من الأحاديث المرفوعة في صفة وضوء النبي، عليه الصلاة والسلام، أنه زاد
على ثلاث، بل ورد عنه، عليه الصلاة والسلام، ذمّ من زاد عليها، وهو فيما رواه أبو داود من
طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ((أن النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، توضأ ثلاثاً
ثلاثاً، ثم قال: من زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم)): وقال الشيخ تقي الدين في

٠٠٠
٤ - كِتابُ الوضوءِ / باب (١)
٣٦٧
(الإمام): هذا الحديث صحيح عند من يصحح حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
لصحة الإسناد إلى عمرو. فإن قلت: كيف يكون ظالماً في النقصان وقد ورد في الأحاديث
الوضوء مرة مرة ومرتين مرتين كما ذكر؟ قلت: أجيب عنه بأجوبة: الأول: فيه حذف تقديره
أو نقص من واحدة، ويؤيده ما رواه أبو نعيم بن حماد من طريق المطلب بن حنطب مرفوعاً:
((الوضوء مرة ومرتين وثلاثاً، فإن نقص من واحدة أو زاد على ثلاث فقد أخطأ)). وهو مرسل
ورجاله ثقات. الثاني: أن الرواة لم يتفقوا على ذكر النقص فيه بل أكثرهم اقتصروا على قوله:
فمن زاد ... ، فقط. كذا رواه ابن خزيمة في (صحيحه) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جده، قال: ((جاء أعرابي إلى النبي، عليه الصلاة والسلام، فسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثاً،
ثم قال: هذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم)). ثم قال: لم يوصل هذا
الخبر غير الأشجعي ويعلى، وزعم أبو داود في كتاب (التفرد) أنه من منفردات أهل الطائف،
ورواه ابن ماجه في (سننه) كذلك. ورواه أحمد في (مسنده)، والنسائي في (سننه) بلفظ:
((فقد أساء وتعدى وظلم)). الثالث: أنه يكون ظالماً لنفسه في ترك الفضيلة والكمال، وإن كان
يجوز مرة مرة أو مرتين مرتين. الرابع: أنه إنما يكون ظالماً إذا اعتقد خلاف السنية في الثلاث،
ويقال: معنى أساء في الأدب بتركه السنة والتأدب بآداب الشريعة، ومعنى ظلم أي: ظلم نفسه
بما نقصها من الثواب، وفي تركه الفضيلة والكمال، ويقال: إنما يكون ظالماً إذا اعتقد خلاف
السنية في الثلاث، ويقال الإساءة ترجع إلى الزيادة والظلم إلى النقصان لأن الظلم وضع
الشيء في غير محله قلت: الزيادة على الثلاث أيضاً وضع الشيء في غير محله، وأيضاً إنما
يتمشى هذا في رواية تقديم الإساءة على النقصان. وفي (البدائع): اختلف في تأويله، فقيل:
زاد على موضع الوضوء ونقص عن مواضعه. وقيل: زاد على ثلاث مرات ولم ينو ابتداء
الوضوء، ونقص عن الواحدة، والصحيح أنه محمول على الاعتقاد دون نفس العمل، معناه:
فمن زاد على الثلاث أو نقص ولم ير الثلاث سنة، لأن من لم ير سنة النبي، عليه الصلاة
والسلام، فقد ابتدع فيلحقه الوعيد حتى لو زاد على الثلاث أو نقص، ورأى الثلاث سنة لا
يلحقه هذا الوعيد لأن الزيادة على الثلاث من: باب الوضوء على الوضوء إذا نوى به، وأنه نور
على نور على لسان النبي، عليه الصلاة والسلام، ثم اعلم أن الثلاث سنة، والواحدة تجزىء.
وقال أصحابنا: الأولى فرض، والثانية مستحبة، والثالثة سنة. وقيل: الأولى فرض، والثانية سنة،
والثالثة إكمال السنة. وقيل: الثانية والثالثة سنة. وقيل: الثانية سنة والثالثة نفل، وقيل عكسه.
وعن أبي بكر الإسكاف: أن الثلاث تقع فرضاً كما إذا أطال الركوع والسجود. وقال
بعض أصحابنا: إن الزائد على الثلاث لا يقع طهارة ولا يصير الماء به مستعملاً إلا إذا قصد
به تجديد الوضوء، وما ذكر في (الجامع) أن ماء الرابعة في غسل الثوب النجس طهور، وفي
العضو النجس مستعمل محمول على ما إذا نوى به القربة. وفي العتابي: وماء الرابعة مستعمل
في العضو النجس، لأن الظاهر هو قصد القربة حتى يقوم الدليل على خلافه. وفي (شرح
النسفي): فيه لأنه وجد فيه معنى القربة، لأن الوضوء على الوضوء نور على نور، ولهذا صار
سے

١٣٠
٣٦٨
٤ - كِتابُ الوضوءِ / باب (١)
الماء مستعملاً به. وفي (المحيط) والاسبيجاني: أن ماء الرابعة لا يصير مستعملاً إلاَّ بالنية.
وعند الشافعية خمسة أوجه. أصحها: إن صلى بالوضوء الأول فرضاً أو نفلاً استحب،
وإلاّ فلا، وبه قطع البغوي. وثانيها: إن صلى فرضاً استحب وإلاَّ فلا، وبه قطع الفوراني.
وثالثها: مستحب إن فعل بالوضوء الأول ما يقصد له الوضوء، وإلاّ فلا، ذكره الشاشي.
ورابعها: إن صلى بالأول أو سجد لتلاوة أو شكر، أو قرأ القرآن في مصحف استحب وإلاّ
فلا، وبه قطع أبو محمد الجويني. وخامسها: مستحب، وإن لم يفعل بالوضوء الأول شيئاً
أصلاً، حكاه إمام الحرمين، قال: وهذا إنما يصح إذا تخلل بين الوضوء والتجديد زمن يقع
بمثله تفريق، فأما إذا وصله بالوضوء فهو في حكم غسلة رابعة.
وكَرِهَ أَهْلُ العِلْمِ الإِسْرَافَ فِيهِ وَأَنْ يُجَاوِزُوا فِعْلَ النبيِّ عَليه.
كره: مشتق من الكراهة، وهي اقتضاء الترك مع عدم المنع من النقيض، وقد يعرف
المكروه بأنه ما يمدح تاركه ولا يذم فاعله، كذا قاله الكرماني. قلت: هذا لا يمشي على
إطلاقه، وإنما هذا في كراهة التنزيه، وأما في كراهة التحريم فلا. قوله: ((الإسراف)): هو صرف
الشيء فيما ينبغي زائداً على ما ينبغي بخلاف التبذير، فإنه صرف الشيء فيما لا ينبغي. قوله:
((فيه)) أي: في الوضوء وأشار بذلك إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة في (مصنفه) من طريق هلال
ابن يساف، أحد التابعين، قال: كان يقال في الوضوء إسراف ولو كنت على شاطىء نهر،
وأخرج نحوه عن أبي الدرداء وابن مسعود، رضي الله عنهما، وروي في معناه حديث مرفوع
أخرجه ابن ماجه بإسناد لين: حدثنا ابن مصفى، حدثنا بقية عن محمد بن الفضل عن سالم
عن ابن عمر، رضي الله عنهما: ((رأى النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، رجلاً يتوضأ، فقال:
لا تسرف! لا تسرف!)) قال: وحدثنا محمد بن يحيى، حدثنا قتيبة حدثنا ابن لهيعة عن يحيى
بن عبد الله عن الجباني: ((عن ابن عمرو أن رسول الله، عليه الصلاة والسلام، مر بسعد وهو
يتوضأ، فقال: ما هذا السرف؟ قال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: نعم. وإن كنت على نهر
جار). وقال بعض الشارحين: قول البخاري هذا إشارة إلى نقل الإجماع على منع الزيادة على
الثلاث. قلت: فيه نظر، فإن الشافعي، رضي الله عنه، قال في (الأم): لا أحب الزيادة عليها،
فإن زاد لم أكره إن شاء الله تعالى. وحاصل ما ذكره الشافعية في المسألة ثلاثة أوجه:
أصحها: أن الزيادة عليها مكروهة كراهة تنزيه. وثانيها: أنها حرام. وثالثها: أنها خلاف
الأولى. وأبعد قوم فقالوا: إنه إذا زاد على الثلاث يبطل الوضوء، كما لو زاد في الصلاة،
حكاه الدارمي في استذكاره عنهم، وهو خطأ ظاهر، وخلاف ما عليه العلماء.
قوله: ((وأن يجاوزوا)) عطف على قوله: ((الإسراف فيه)، وهو عطف تفسيري للإسراف
إذ ليس المراد بالإسراف إلاّ المجاوزة عن فعل النبي، عليه الصلاة والسلام، أي: الثلاث. وروى
ابن أبي شيبة في (مصنفه) عن ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه، قال: ليس بعد الثلاث شيء.
وقال أحمد وإسحاق: لا تجوز الزيادة على الثلاث. وقال ابن المبارك: لا آمن أن يأثم.

٣٦٩
٤ - كِتابُ الوضوءِ / باب (٢)
فإن قلت: المذكور في هذا الباب كله ترجمة، فأين الحديث؟ قلت: لا نسلم ذلك،
لأن قوله: ((وبين النبي، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، أن فرض الوضوء مرة مرة ... ))،
حديث لأن المراد من الحديث أعم من قول الرسول عَّهِ. غاية ما في الباب أنه ذكره على
سبيل التعليق، وكذا قوله: ((وتوضأ أيضاً مرتين مرتين ... )) حديث، لما ذكرنا، ولا شك أن
كلاً منهما بيان للسنة وهو المقصود من الباب، وهذا الذي ذكرناه على ما وجد في بعض
النسخ من ذكر لفظ: باب، ههنا وأما على بعض النسخ التي ليس فيها ذكر لفظ باب، فلا
يحتاج إلى هذا التكلف.
٢ - بابٌ لا تُقْبَلُ صَلاةٌ بِغَيْرِ ظُهُورِ
باب: منون غير مضاف، خبر مبتدأ محذوف أي: هذا باب، وفي بعض النسخ: ((لا
يقبل الله صلاة بغير طهور))، وهو بضم الطاء وهو الفعل الذي هو المصدر، والمراد به ههنا
أعم من الوضوء والغسل، وليس كما قاله الكرماني: والمراد به ههنا الوضوء، وأما بفتح الطاء
فهو: الماء الذي يتطهر به، وتقديم هذا الباب على ما بعده من الأبواب ظاهر، لأن الكتاب في
أحكام الوضوء والغسل اللذين لا تجوز الصلاة أصلاً إلاَّ بأحدهما، وهذه الترجمة لفظ حديث
رواه مسلم وغيره من حديث ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما. بزيادة قوله: ((ولا صدقة من
غلول)) وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه من طريق أبي المليح عن أبيه عن النبي، صلى
الله تعالى عليه وآله وسلم، قال: ((لا يقبل الله تعالى صدقة من غلول ولا صلاة بغير طهور))
وله طرق كثيرة لكن ليس فيها شيء على شرط البخاري، فلهذا عدل عنه إلى ما ذكره من
حديث أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، مع أن حديث ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما،
مطابق لما ترجم له، وحديث أبي هريرة يقوم مقامه.
١٣٥/١ - حدّثنا إسحاقُ بنُ إِبْراهِيمَ الحَنْظَلِيُّ قالَ: أخبرنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قال: أُخْبرنا
مِعْمَرْ عنْ هَمَّامٍ بِنِ منَبِّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قال رسولُ اللَّهِ عََّّهِ: (لا تُقْبَلُ صَلاةُ مَنْ
أُخْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ). قال رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ: ما الحَدَثُ يا أبا هُرَيْرَةَ؟ قال: فُسَاءٌ أو ضُراطٌ.
[الحديث ١٣٥ - طرفه في: ٦٩٥٤].
قيل: إن الحديث ليس بمطابق للترجمة، لأن الترجمة عام والحديث خاص، وجوابه أنه
وإن كان خاصاً ولكنه يستدل به على أن الأعم منه نحوه، بل أولى على أنا قلنا: إن
الأحاديث التي تطابق الترجمة بحسب الظاهر ليست على شرطه، فلذلك لم يذكرها،
وحديث أبي هريرة هذا على شرطه فذكره عوضاً عنها لأنه يقوم مقامها من الوجه الذي
ذ کرناه الآن.
بيان رجاله: وهم خمسة كلهم ذكروا وأخرج أصحاب الستة للجميع إلا إسحاق بن
راهويه فإن ابن ماجه لم يخرج له وإسحاق بن إبراهيم هو المشهور بابن راهويه، وعبد الرزاق هو
ابن همام، ومعمر هو ابن راشد، ومنبه بضم الميم وفتح النون وتشديد الباء الموحدة المكسورة.
عمدة القاري/ ج٢٤٢/٢
i.
i
i
٠٠٠٠
/١٧
١٠٠٠

14:
٠٠٠.
٣٧٠
٤ _ كِتابُ الوضوءِ / باب (٢)
بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة. ومنها: أن رواته كلهم
يمانيون إلاّ إسحاق. ومنها: أنهم كلهم أئمة أجلاء أصحاب مسانيد.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في (ترك الحيل) عن
إسحاق بن نصر. وأخرجه مسلم في (الطهارة) عن محمد بن رافع وأبو داود فيه عن أحمد بن
حنبل والترمذي فيه عن محمود بن غيلان كلهم عن عبد الرزاق به، وقال الترمذي: حديث
حسن صحيح.
بيان اللغات: قوله: ((أحدث)) أي: وجد منه الحدث، أو أصابه الحدث، أو دخل في
الحدث، من الحدوث، وهو كون شيء لم يكن. قال الصغاني: أحدث الرجل من الحدث
فأما قول الفقهاء: أحدث أي أتى منه ما نقض طهارته، فلا تعرفه العرب. قوله: ((من
حضرموت))، بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة وفتح الميم: وهو اسم بلد باليمن
وقبيلة أيضاً، وهما اسمان جعلا اسماً واحداً، والاسم الأول منه مبني على الفتح على الأصح
إن قيل بينائهما، وقيل: بإعرابهما. فقال: حضرموت، برفع الراء وجر التاء، وقال الزمخشري:
فيه لغتان: التركيب ومنع الصرف. والثانية الإضافة، فإذا أضيف جاز في المضاف إليه
الصرف وتركه. وفي (المطالع): حضرموت من بلاد اليمن وهذيل. ويقال: حضرموت بضم
الميم، والنسبة إليه: حضرمي، والتصغير: حضيرموت، يصغر المصدر منهما، وكذلك الجمع
فيقال: فلان من الحضارمة. قوله: ((فساء)) بضم الفاء وبالمد، و((الضراط)) بضم الضاد، وهما
مشتركان في كونهما ريحاً خارجاً من الدبر، ممتازان يكون الأول بدون الصوت، والثاني مع
الصوت. وفي (الصحاح): فسا يفسو فسواً، والاسم الفساء بالمد، وتفاست الخنافس إذا
أخرجت أستها لذلك. وفي (العباب): قال ابن دريد: الضراط معروف، يقال: ضرط يضرط
ضرطاً وضروطاً وضريطاً وضراطاً.
بيان الإعراب: قوله: ((يقول)) جملة وقعت حالا. قوله: ((لا يقبل الله ... ))
إلى آخره، مقول القول. قوله: ((صلاة)): منصوب أو مرفوع على اختلاف الروايتين، مضاف
إلى قوله: ((من))، وهي موصولة، و((أحدث)) جملة صلتها. قوله: ((حتى))
لغاية بمعنى إلى، والمعنى: عدم قبول الصلاة مغيا بالتوضىء. قوله: ((قال رجل)) فعل وفاعل.
وقوله: (من حضرموت)) جملة في محل الرفع على أنها صفة الرجل. قوله: ((ما الحدث))
جملة من المبتدأ والخبر وقعت مقول القول. قوله: ((يابا هريرة)) حذفت الهمزة للتخفيف.
قوله: ((فساء)) مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي: هو فساء، أي: الحدث فساء أو ضراط.
بيان المعاني: قوله: ((لا يقبل الله صلاة من أحدث)) كذا وقع في بعض النسخ، وهكذا
هو في رواية البخاري في (ترك الحيل) عن إسحاق بن نصر، وكذا روى أبو داود عن أحمد
ابن حنبل، كلاهما عن عبد الرزاق. وفي أكثر النسخ: ((لا تقبل صلاة من أحدث)) على البناء
لما لم يسم فاعله، والمراد بالقبول هنا ما يرادف الصحة وهو الإجزاء، وحقيقة القبول وقوع
الطاعة مجزئة رافعة لما في الذمة، ولما كان الإتيان بشروطها مظنة الإجزاء الذي هو القبول،

1.50 g
٣٧١
٤ - كِتابُ الوضوء / باب (٢)
عبر عنه بالقبول مجازاً. وأما القبول المنفي ففي مثل قوله، عليه الصلاة والسلام: ((من أتى
عرافاً لم تقبل له صلاة)). فهو الحقيقي، لأنه قد يصح العمل، ولكن يتخلف القبول المانع،
ولهذا كان يقول بعض السلف: لأن تقبل لي صلاة واحدة أحب إلي من جميع الدنيا.
والتحقيق ههنا أن القبول يراد به شرعاً حصول الثواب وقد تخلف عن الصحة بدليل صحة
صلاة العبد الآبق وشارب الخمر ما دام في جسده شيء منها، والصلاة في الدار المغصوبة
على الصحيح عند الشافعية أيضاً. وأما ملازمة القبول للصحة ففي قوله عليه الصلاة والسلام:
((لا يقبل الله صلاة حائض إلاَّ بخمار))، والمراد بالحائض من بلغت سن الحيض، فإنها لا
تقبل صلاتها إلا بالسترة، ولا تصح ولا تقبل مع انكشاف العورة، والقبول يفسر بترتب الغرض
المطلوب من الشيء على الشيء، فقوله، عليه الصلاة والسلام: ((لا يقبل الله صلاة من أحدث
حتى يتوضأ))، عام في عدم القبول في جميع المحدثين في جميع أنواع الصلاة، والمراد
بالقبول: وقوع الصلاة مجزئة بمطابقتها للأمر، فعلى هذا يلزم من القبول الصحة ظاهراً وباطناً،
وكذلك العكس، ونقل عن بعض المتأخرين أن الصحة عبارة عن ترتب الثواب والدرجات
على العبادة، والإجزاء عبارة عن مطابقة الأمر، فهما متغايران أحدهما أخص من الآخر، ولا
يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، فالقبول على هذا التفسير أخص من الصحة، فكل مقبول
صحيح ولا عكس.
قوله: (من أحدث)) قد قلنا: إن معناه من وجد منه الحدث، وهو عبارة عما نقض
الوضوء، وهو بموضوعه يطلق على الأكبر: كالجنابة والحيض والنفاس، والأصغر: كنواقض
الوضوء. وقد يسمى المنع المرتب عليه حدثاً، وبه يصح قولهم: رفعت الحدث، ونويت رفعه
وإلّ استحال ما يرفع أن لا يكون رافعاً. وكأن الشارع جعل أمد المنع المرتب على خروج
الخارج إلى استعمال المطهر، وبهذا يقوى قول من يرى أن التيمم يرفع الحدث لكون
المرتفع هو المنع، وهو مرتفع بالتيمم، لكنه مخصوص بحالة ما أو بوقت ما، وليس ذلك
ببدع، فإن الأحكام قد تختلف باختلاف محلها، وقد كان الوضوء في صدر الإسلام واجباً
لكل صلاة، فقد ثبت أنه كان مختصاً بوقت مع كونه رافعاً للحدث اتفاقاً، ولا يلزم من
انتهائه في ذلك الوقت بانتهاء وقت الصلاة ألاَّ يكون رافعاً للحدث، ثم زال ذلك الوجوب
كما عرف. وقد ذكر الفقهاء أن الحدث وصف حكمي مقدر قيامه بالأعضاء على معنى
الوصف الحسي، وينزلون الوصف الحكمي منزلة الحسي في قيامه بالأعضاء. فمن يقول بأن
التيمم لا يرفع الحدث يقول إن الأمد المقدر الحكمي باق لم يزل، والمنع الذي هو مرتب
عليه التيمم زائل.
قوله: ((حتى يتوضأ)) نفي القبول إلى غاية: وهو الوضوء، وما بعد الغاية مخالف لما
قبلها، فاقتضى قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقاً، ودخل تحته الصلاة الثانية قبل الوضوء لها
ثانياً، وتحقيقه أن لفظ صلاة اسم جنس فيعم. ثم اعلم أن معنى قوله: ((حتى يتوضأ) بالماء
أو ما يقوم مقامه، لأنه قد أتى بما أمر به، على أن التيمم من أسمائه الوضوء. قال، عليه
i
١
i
i

٢٠٠٠
٣٧٢
٤ - كِتابُ الوضوء / باب (٢)
الصلاة والسلام: ((الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين)، رواه النسائي
بإسناد صحيح عن أبي ذر، رضي الله تعالى عنه، فأطلق الشارع على التيمم أنه وضوء لكونه
قام مقامه، وإنما اقتصر على ذكر الوضوء نظراً إلى كونه الأصل، وههنا قيد آخر ترك ذكره
للعلم به، وهو حتى يتوضأ مع باقي شروط الصلاة. والضمير في قوله: ((حتى يتوضأ) يرجع
إلى قوله: ((من أحدث))، وسماه محدثاً، وإن كان طاهراً باعتبار ما كان، كما في قوله تعالى:
﴿وآتوا اليتامى أموالهم﴾ [النساء: ٢] وقوله: ((حتى يتوضأ) هو آخر الحديث، والباقي إدراج،
والظاهر أنه من همام. قوله: ((فساء أو ضراط)) قال ابن بطال: إنما اقتصر على بعض الإحداث
لأنه أجاب سائلاً سأله عن المصلي يحدث في صلاته، فخرج جوابه على ما سبق المصلي
من الإحداث في صلاته، لأن البول والغائط ونحوهما غير معهود في الصلاة. وقال الخطابي:
لم يرد بذكر هذين النوعين تخصيصهما وقصر الحكم عليهما، بل دخل في معناه كل ما
يخرح من السبيلين، والمعنى: إذا كان أوسع من الحكم كان الحكم للمعنى، ولعله أراد به
أن يثبت الباقي بالقياس عليه للمعنى المشترك بينهما. قلت: ولعل ذلك لأن ما هو أغلظ من
الفساء بالطريق الأولى، ويحتمل أن يقال: المجمع عليه من أنواع الحدث ليس إلاَّ الخارج
النجس من المعتاد، وما يكون مظنة له: كزوال العقل، فأشار إليه على سبيل المثال، كما
يقال الاسم زيد أو كزيد، ويسمى مثله تعريفاً بالمثال، أو يقال: كان أبو هريرة يعلم أنه عارف
بسائر أنواع الحدث جاهل بكونهما حدثاً، فتعرض لحكمهما بياناً لذلك، كذا قال بعض
الشارحين، وفيه بعد، والأقرب أن يقال: إنه أجاب السائل بما يحتاج إلى معرفته في غالب
الأمر، كما ورد نحو ذلك في حديث آخر: ((لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً)).
بيان استنباط الأحكام: الأول: فيه الدلالة على أن الصلوات كلها مفتقرة إلى الطهارة،
ويدخل فيها صلاة الجنازة والعيدين وغيرهما، وحكي عن الشعبي ومحمد بن جرير الطبري
أنهما أجازا صلاة الجنازة بغير وضوء، وهو باطل لعموم هذا الحديث والإجماع، ومن الغريب
أن قولهما قال به بعض الشافعية، فلو صلى محدثاً متعمداً بلا عذر أثم، ولا يكفر عند
الجمهور، وبه قالت الشافعية، وحكي عن أبي حنيفة أنه يكفر لتلاعبه. الثاني: فيه الدليل على
بطلان الصلاة بالحدث، سواء كان خروجه اختيارياً أو اضطرارياً لعدم التفرقة في الحديث
بين حدث وحدث في حالة دون حالة. الثالث: قال بعض الشارحين: هذا الحديث رد على
من يقول: إذا سبقه الحدث يتوضأ وييني على صلاته. قلت: هذا قول أبي حنيفة، رحمه الله،
وحكي عن مالك، وهو قول الشافعي في القديم، وهو ليس يرد عليهم أصلاً، لأن من سبقه
الحدث إذا ذهب وتوضأ وبنى على صلاته يصدق عليه أنه توضأ وصلى بالوضوء، وإن كان
القياس يقتضي بطلان صلاته على أنه ورد الأثر فيه. الرابع: قال الكرماني: فيه أن الطواف لا
يجزىء بغير طهور لأن النبي عَلَيهِ، سماه صلاة، فقال: ((الطواف صلاة))، إلاَّ أنه أبيح فيه
الكلام. قلت: اشتراط الطهارة للطواف بخبر الواحد زيادة على النص وهي نسخ فلا يثبت به،
وهو قوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت﴾ [الحج: ٢٩] غير أنا نقول بوجوبها لخبر الواحد،
.

٠٠٠
٤ - كِتَابُ الوضوء / باب (٣)
٣٧٣
ومعنى الحديث: ((الطواف كالصلاة))، والتشبيه في الثواب دون الحكم، لأن التشبيه لا عموم
له. ألا ترى أن الانحراف والمشي فیه لا یفسده؟
٣ - بابُ فَضْلِ الوُضُوءِ، والغُرُّ المُحَجَّلُونَ مِنْ آثارِ الؤُضُوءِ
أي: هذا باب في بيان فضل الوضوء، والباب مضاف إلى قوله: فضل الوضوء. قوله:
((والغر المحجلين)) بالجر في رواية المستملي عطفاً على الوضوء، والتقدير: وفضل الغر
المحجلين، وصرح به الأصيلي في روايته، وفي أكثر الروايات: ((والغر المحجلون)) بالرفع.
وذكر في وجهه أقوال. فقال الكرماني: وجهه أن يكون: الغر، مبتدأ وخبره محذوفاً، أي:
مفضلون على غيرهم ونحوه أو يكون من آثار الوضوء. وقال بعضهم: الواو استثنائية، والغر
المحجلون مبتدأ، وخبره محذوف تقديره: لهم فضل. قلت: بل الواو عاطفة لأن التقدير:
باب فضل الوضوء، وباب هذه الجملة. وقال بعض الشراح: والغر المحجلون: بالرفع، وإنما
قطعه عما قبله لأنه ليس من جملة الترجمة. قلت: ليس الأمر كما قاله، بل هو من جملة
الترجمة لأنه هو الذي يدل عليها صريحاً لمطابقة ما في حديث الباب إياها على ما نذكره
عن قريب، إن شاء الله تعالى. وقال الكرماني: ويحتمل أن يكون مرفوعاً على سبيل الحكاية
مما ورد هكذا: ((أمتي الغر المحجلون من آثار الوضوء)). قلت: وقع في رواية مسلم: ((أنتم
الغر المحجلون».
٠٠٠٠
فإن قلت: ما وجه المناسبة بين البابين؟ قلت: من حيث إن المذكور في الباب السابق
عدم قبول الصلاة، إلاّ بالوضوء، والمذكور في هذا الباب فضل هذا الوضوء الذي يحصل به
القبول ويفضل به على غيره من الأمم.
١٣٦/٢ - حدثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قال: حدّثنا اللَّيْثُ عنْ خالدٍ عنْ سَعِيد بنِ أبي
هِلاَلٍ عنْ نُعَيْمِ المُجْمِرِ قالَ رَقِيتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ عِلَى ظَهْرِ المَسْجِدِ، فَتَوضاً فقال: إِنِّي
سمِعْتُ النّبِيَِّّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ أَمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرّاً مُحَجّلِينَ مِنْ آثار الوُضُوءِ، فمَنٍ
استَطاع منْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ)).
مطابقة الحديث للترجمتين ظاهرة، أما مطابقته للأولى وهي قوله: ((فضل الوضوء)
فبطريق سوق الكلام له. وأما مطابقته للثانية وهي قوله: ((والغر المحجلين من آثار الوضوء)
فبطريق التصريح في لفظ الحديث.
بيان رجاله: وهم ستة: الأول: يحيى بن بكير، بضم الباء الموحدة وفتح الكاف:
المصري وقد تقدم. الثاني: الليث بن سعد المصري، وقد تقدم غير مرة. الثالث: خالد بن
يزيد، من الزيادة، الإسكندراني البربري الأصل، أبو عبد الرحمن المصري الفقيه المفتي
التابعي الثقة، مات سنة تسع وثلاثين ومائة. الرابع: سعيد بن أبي هلال الليثي، مولاهم أبو
العلاء المصري، ولد بمصر ونشأ بالمدينة، ثم رجع إلى مصر في خلافة هشام، وتوفي في
٠٠٠
i
i
i
i

٣٧٤
٤ - كِتابُ الوضوءِ / باب (٣)
سنة خمس وثلاثين ومائة. الخامس: نعيم، بضم النون وفتح العين وسكون الياء آخر الحروف:
ابن عبد الله. وقيل: محمد المدني العدوي من آل عمر، روى عن أبي هريرة وجابر وغيرهما،
وعنه ابنه محمد ومالك وجماعة، وثقه أبو حاتم وآخرون، وجالس أبا هريرة عشرين سنة. قوله:
(المجمر)) اسم فاعل من الإجمار على الأشهر، ويقال: المجمر، بتشديد الميم: من التجمير،
وهو التبخير. سمي به نعيم وأبوه أيضاً بذلك لأنهما كانا يبخران مسجد النبي معَّله. قال
النووي: المجمر صفة لعبد الله، ويطلق على ابنه نعيم مجازاً. وقال بعضهم: فيه نظر، فقد
جزم إبراهيم الحربي بأن نعيماً كان يباشر ذلك. قلت: كل منهما كان يبخر المسجد، نقل
ذلك عن جماعة، فحينئذ إطلاق المجمر على كل منهما بطريق الحقيقة فلا يصح دعوى
المجاز في نعيم.
فائدة: في الصحابة: نعيم بن عبد الله النحام، وهو من الأفراد، وفيهم: نعيم جماعة
بدون ابن عبد الله. السادس: أبو هريرة، رضي الله عنه.
بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة والسماع. ومنها: أن نصف الإسناد
مصري ونصفه مدني. ومنها: أن فيه رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض. ومنها: أن فيه
من باب رواية الأقران، وهي رواية خالد عن سعيد. ومنها: أن رجاله كلهم من فرسان الكتب
الستة إلاَّ يحيى بن بكير، فإنه من رجال البخاري ومسلم وابن ماجه فقط.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه مسلم أيضاً في (الطهارة) عن هارون بن
سعيد الأيلي عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال، وعن أبي كريب
والقاسم بن زكريا وعبد بن حميد، ثلاثتهم عن خالد بن مخلد عن سليمان بن بلال عن
عمارة بن غزية كلاهما عن نعيم المجمر به، وقال بعض الشارحين: هذا الحديث رواه مع
أبي هريرة سبعة من الصحابة، رضي الله عنهم، ذكرهم ابن منده في (مستخرجه): ابن مسعود
وجابر بن عبد الله وأبو سعيد الخدري وأبو أمامة الباهلي وأبو ذر الغفاري وعبد الله بن بسر
المازني وحذيفة بن اليمان، رضي الله تعالى عنهم. قلت: ورواه أيضاً: أبو الدرداء. أخرجه
أحمد والطبراني بإسناد فيه ابن لهيعة، فقال أبو الدرداء: قال رسول الله عَّه: ((أنا أول من
يؤذن له بالسجود يوم القيامة، وأول من يرفع رأسه فأنظر بين يدي فأعرف أمتي من بين سائر
الأمم، ومن خلفي مثل ذلك، وعن يميني مثل ذلك، وعن شمالي مثل ذلك)). فقال رجل:
كيف تعرف أمتك يا رسول الله من بين سائر الأمم فيما بين نوح إلى أمتك؟ قال: هم غر
محجلون من أثر الوضوء، ليس لأحد كذلك غيرهم، وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم،
وأعرفهم تسعی بین أیدیھم ذريتهم».
بيان اللغات: قوله: ((رقيت))، بكسر القاف أي: صعدت، وحكى صاحب (المطالع)
فتح القاف بالهمز، وبدون الهمز: قلت: فهذه ثلاث لغات، واللغة الصحيحة المشهورة كسر
القاف. وقال كراع: الهمز أجود، وخالفه صاحب (الجامع) فقال: عدمه أصح. وقال
الزمخشري: لا أعلم صحة الفتح، وهذا من الرقى، أما من الرقية فرقيت بالفتح، كما اختاره
١٠

٣٧٥
٤ - كِتابُ الوضوء / باب (٣)
ثعلب في (فصيحه). وقال الجوهري: رقيت في السلم، بالكسر، رقياً ورقيا: إذا صعدت
وارتقيت مثله. وفي (العباب): رقأت الدرجة لغة في رقيت. قوله: ((غراً) بضم الغين المعجمة
وتشديد الراء، وهو جمع أغر، أي: ذو غرة، بالضم. قال ابن سيده: الغرة بياض في الجبهة،
فرس أغر وغراء، وقيل: الأغر من الخيل الذي غرته أكثر من الدرهم قد وسطت جبهته ولم
تصب واحدة من العينين ولم تمل على واحدة من الخدين ولم تسل سفلى وهي أفشى من
القرحة. وقال بعضهم: بل يقال للأغر: أقرح، لأنك إذا قلت: أغر، فلا بد من أن تصف الغرة
بالطول والعرض والصغر والعظم والدقة، وكلهن غرر، فالغرة جامعة لهن، وغرة الفرس: بياض
يكون في وجهه، فإن كانت مؤزرة فهي وتيرة، وإن كانت طويلة فهي شادخة، وعندي أن
الغرة نفس القدر الذي يشغله البياض، والأغر: الأبيض من كل شيء، وقد غر وجهه يغر،
بالفتح، غراً وغرة وغرارة: صار ذا غرة. قوله: (محجلين)) جمع: محجل، بتشديد الجيم
المفتوحة، من التحجيل. قال ابن سيده: هو بياض يكون في قوائم الفرس كلها قال:
ذو ميعة محجل القوائم
وقيل: هو أن يكون البياض في ثلاث قوائم منهن دون الأخرى في رجل ويدين. قال:
تعادى من قوائمـهـا ثلاث
بتحجيل وقائمة بهيم
ولا يكون التحجيل في اليدين خاصة إلاَّ مع الرجلين، ولا في يد واحدة دون الأخرى
إلاَّ مع الرجلين، والتحجيل: بياض قل أو كثر حتى يبلغ نصف الوظيف، ولون سائره ما كان.
وفي (الصحاح): يجاوز الأرساغ ويجاوز الركبتين والعرقوبين. وفي (المغيث): فإذا كان
البياض في طرف اليد فهو العصمة، ويقال: فرس أعصم. وفي (العباب): التحجيل بياض في
قوائم الفرس، أو في ثلاث منها، أو في رجلين قل أو كثر بعد أن يجاوز الأرساغ، ولا يجاوز
الركبتين والعرقوبين لأنها مواضع الأحجال، وهي: الخلاخيل والقيود. يقال فرس: محجل،
وحجلت قوائمه تحجيلاً، فإذا كان البياض في قوائمه الأربع فهو محجل أربع، وإن كان في
الرجلين جميعاً فهو محجل الرجلين، وإن كان بإحدى رجليه وجاوز الأرساغ فهو محجل
الرجل اليمنى أو اليسرى، وإن كان البياض في ثلاث قوائم دون رجل أو دون يد فهو محجل
ثلاث مطلق يد أو رجل، فإن كان محجل يد ورجل من شق، فهو ممسك الأيامن مطلق
الأياسر، أو ممسك الأياسر مطلق الأيامن، وإن كان من خلاف قل أو كثر فهو مشكول.
انتهى. قلت: الأحجال: جمع حجل، بالفتح: وهو القيد والخلخال أيضاً، والحجل بالكسر
والحجل لغة فيهما، والأصل فيه: القيد،، والحجلان: مشية المقيد.
%٠٠
i
بيان الإعراب: قوله: ((على ظهر المسجد)) يتعلق بقوله: ((رقيت)).
قوله: ((فتوضأ)، هكذا وقع لجمهور الرواة بلفظ: توضأ، ووقع في رواية الكشميهني: يوماً،
بدل: توضأ. وهو تصحيف، ثم هو: فتوضأ، بالفاء في غالب النسخ. وقد رواه الإسماعيلي
وغيره من الوجه الذي أورده البخاري بلفظ: ((ثم توضأ)، ووقع في بعض النسخ: توضأ، بدون
i
F
P

٣٧٦
٤ _ كِتابُ الوضوءِ / باب (٣)
حرف العطف، وإلى هذا ذهب الكرماني، ولهذا قال: توضأ استئناف. كأن قائلاً يقول: ماذا
فعل؟ قال: توضأ. ثم قال، ولهذا لم يذكر فيه: واو العطف، ثم قال: وفي بعض النسخ:
وتوضأ، بالواو. قلت: في أكثر النسخ: فتوضأ، بالفاء التعقيبية، كما ذكرنا. قوله: ((قال))
استئناف، ولهذا لم يذكر فيه حرف العطف، كأن قائلاً قال: ثم ماذا قال؟ فقال: قال: إني
سمعت النبي ◌َّهِ. قوله: ((يقول)) جملة وقعت حالاً من النبي. قوله: (إن أمتي)) الخ، مقول
القول. وقوله: (أمتي)) كلام إضافي: اسم إن. وقوله: ((يدعون)) على صيغة المجهول في محل
الرفع على أنه خبر: إن. قوله: ((يوم القيامة)) نصب على الظرف. قوله: ((غراً) في انتصابه
وجهان. أحدهما: أن يكون حالاً من الضمير الذي في: يدعون. والمعنى: يدعون يوم القيامة
وهم بهذه الصفة، ويدعون يتعدى في المعنى بالحرف، والتقدير: يدعون إلى يوم القيامة.
كما في قوله تعالى: ﴿يدعون إلى كتاب الله﴾ [آل عمران: ٢٣] والوجه الآخر: أن يكون
مفعولاً ثانياً: ليدعون، على تضمنه معنى: يسمون بهذا الاسم. كما يقال: فلان يدعى زيداً.
وأصل: يدعون، يدعوون بواوين تحركت الأولى وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفاً، فاجتمع
ساكنان: الألف والواو بعدها، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار: يدعون. قوله:
(محجلين))، يحتمل الوجهين المذكورين. قوله: ((من آثار الوضوء) كلمة: من، تصلح أن
تكون للتعليل، أي: لأجل آثار الوضوء. قوله: ((فمن))، كلمة، من، موصولة تتضمن معنى
الشرط في محل الرفع على الابتداء وخبره قوله: ((فليفعل))، ودخلت الفاء فيه لتضمن المبتدأ
معنى الشرط. قوله: (استطاع) جملة صلة الموصول. قوله: ((أن يطيل) في محل النصب قوله:
(استطاع) و: أن، مصدرية. والتقدير: فمن استطاع منكم إطالة غرته فليفعل، ومفعول فليفعل
محذوف للعلم به أي: فليفعل الغرة أو الإطالة.
بيان المعاني: قوله: ((المسجد)) الألف واللام فيه للعهد، أي مسجد النبي، عليه الصلاة
والسلام. قوله: ((يقول)) بصورة المضارع لأجل الاستحضار للصورة الماضية. أو لأجل
الحكاية عنها، وإلاَّ فالأصل أن يقال: قال، بلفظ الماضي قوله: (إن أمتي)). الأمة في اللفظ
واحد، وفي المعنى جمع، وهي في اللغة: الجماعة، وكل جنس من الحيوان أمة وفي
الحديث: ((لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها)). وتستعمل في اللغة لمعان كثيرة:
الطريقة والدين، يقال: فلان لا أمة له، أي: لا دين له، ولا تحلة له والحين قال تعالى:
﴿واذكر بعد أمة﴾ [يوسف: ٤٥] أي: بعد حين، والملك والرجل الجامع للخير، والرجل
المنفرد بدينه لا يشركه فيه أحد، والأمة أتباع الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، وأمة محمد
حَّةٍ تطلق على معنيين: أمة الدعوة، وهي من بعث إليهم، وأمة الإجابة وهي من صدقه وآمن
به، وهذه هي المرادة منها. قوله: ((يدعون)) إما من الدعاء بمعنى: النداء، أي: يدعون إلى
موقف الحساب أو إلى الميزان أو إلى غير ذلك، وإما من الدعاء بمعنى: التسمية، نحو:
دعوت ابني زيداً، أي: سميته به.
قوله: ((يوم القيامة)) يوم من الأسماء الشاذة لوقوع الفاء والعين فيه حرفي علة فهو من
..

٣٧٧
٤ - كِتاب الوضوء / باب (٣)
باب: ويح وويل، وهو اسم لبياض النهار، وهو من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس.
و: القيامة: فعالة من: قام يقوم، وأصلها: قوامة، قلبت الواو ياءً لانكسار ما قبلها. قوله: ((من
آثار الوضوء) الآثار جمع أثر وأثر الشيء هو بقيته، ومنه أثر الجرح. و: الوضوء، بضم الواو
ويجوز فتحها أيضاً، فإن الغرة والتحجيل نشأ عن الغسل بالماء، فيجوز أن ينسب إلى كل
منهما. قوله: ((فمن استطاع)) أي: قدر أن يطيل غرته، أي: يغسل غرته بأن يوصل الماء من
فوق الغرة إلى تحت الحنك طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً. وفيه الاختصار حيث حذف
المفعول في قوله: ((فليفعل)) لأنا قلنا إن التقدير: فليفعل الغرة أو الإطالة. وفيه أيضاً الإحتراز
عن التكرار، والإشعار بأن أصل هذا الفعل مهتم به، وفيه باب الاكتفاء حيث اقتصر على ذكر
الغرة ولم يذكر التحجيل، وذلك للعلم به. كما في قوله تعالى: ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾
[النحل: ٨١] والمراد: الحر والبرد، ولم يذكر البرد للعلم به، والدليل على أن المراد كلاهما
ما جاء في رواية مسلم بذكر كليهما مصرحاً من طريق عمارة بن غزية. وهو قوله: ((فليطل
غرته وتحجيله)). وإنما اقتصر على ذكر الغرة وهي مؤنثة دون التحجيل وهو مذكر لأن محل
الغرة أشرف أعضاء الوضوء، وأول ما يقع عليه النظر من الإنسان.
وقال الشيخ تقي الدين القشيري: كان ذلك من باب التغليب بالذكر لأحد الشيئين
على الآخر وإن كانا بسبيل واحد للترغيب فيه، وقد استعمل الفقهاء ذلك فقالوا: يستحب
تطويل الغرة، ومرادهم الغرة والتحجيل. قلت: هذا ليس بتغليب حقيقي إذ لم يؤت فيه إلاّ
بأحد الاسمين والتغليب اجتماع الإسمين أو الأسماء ويغلب أحدهما على الآخر، نحو:
القمرين والعمرين ونحوهما. ورد عليه بعض الشارحين بأن القاعدة في التغليب أن يغلب
المذكر على المؤنث لا بالعكس، والأمر هنا بالعكس لتأنيث الغرة وتذكير التحجيل. قلت:
نقل عن ابن بابشاد أنه قال: تغليب المؤنث على المذكر وقع في موضعين. أحدهما: ضبعان،
للخفة. والآخر: في باب التاريخ، وأن التاريخ عند العرب من الليل لا من النهار، فغلبوا الليلة
على النهار. والثاني مردود لما ذكرنا أن حقيقة التغليب أن يجتمع شيئان ويغلب أحدهما
على الآخر، وهذا لم يجتمع فيه شيئان، وإنما جعلت التاريخ بالليلة دون النهار لأن أشهر
العرب قمرية. فافهم.
ثم اعلم أن هذا كله على تقدير أن يكون قوله: ((فمن استطاع منكم ... )) إلى آخره من
الحديث لأن المرفوع منه إلى قوله: (من آثار الوضوء» وباقي ذلك من قول أبي هريرة أدرجه
في آخر الحديث، وقد أنكر ذلك بعض الشارحين. فقال: وفي هذه الدعوى بُعدّ عندي.
قلت: ليس فيها بعد، وكيف وقد رواه أحمد، رحمه الله، من طريق فليح عن نعيم، وفي آخره
قال نعيم: لا أدري. قوله: (من استطاع ... )) إلى آخره من قول النبي، عليه الصلاة والسلام، أو
من قول أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه؟ وقد روى هذا الحديث عشرة من الصحابة وليس
في رواية واحد منهم هذه الجملة، وكذا رواه جماعة عن أبي هريرة وليس في رواية أحد
منهم غير ما وجد في رواية نعيم عنه. فهذا كله أمارة الإدراج، والله أعلم.
تمور
i
١

١٣٠
جموع
هاتف+
٠-٢
٤ - كِتابُ الوضوءِ / باب (٣)
٣٧٨
بيان البيان: فيه: تشبيه بليغ حيث شبه النور الذي يكون على موضع الوضوء يوم
القيامة بغرة الفرس وتحجيله، ويجوز أن يكون كناية بأن يكون كنى بالغرة عن نور الوجه،
وقد علم أن الأصول في هذا الباب ثلاثة: التشبيه والمجاز والكناية. فالتشبيه: هو الدلالة على
مشاركة أمر لأمر في وصف من أوصاف أحدهما في نفسه، كالشجاعة في الأسد، والنور في
الشمس. واللفظ المراد به لازم ما وضع له إن قامت قرينة على عدم إرادته فمجاز، كقوله:
رأيت أسداً يرمي. وإن لم تقم قرينة على عدم إرادة ما وضع له فهو كناية، كقولك: زيد
طويل النجاد. ومعنى المجاز كجزء معنى الكناية من حيث إن الكناية لا تنافي إرادة الحقيقة،
فلا يمتنع أن يراد من قولهم: فلان طويل النجاد طول نجاده من غير ارتكاب تأول مع إرادة
طول قامته، بخلاف المجاز فإنه ينافي الحقيقة فيمتنع أن يراد معنى الأسد من غير تأويل في
نحو: رأيت أسداً في الحمام، فالحقيقة جائزة الإرادة مع الكناية، غير جائزة الإرادة مع
المجاز، فإن المجاز بهذا الاعتبار جزء من الكناية. فافهم.
بيان استنباط الأحكام: وهو على وجوه. الأول: فيه تطويل الغرة وهو غسل شيء من
مقدم الرأس وما يجاوز الوجه زائداً على القدر الذي يجب غسله لاستيقان كمال الوجه، وفيه
تطويل التحجيل وهو غسل ما فوق المرفقين والكعبين، وادعى ابن بطال، ثم القاضي عياض،
ثم ابن التين اتفاق العلماء على أنه لا يستحب الزيادة فوق المرفق والكعب وهي دعوى
باطلة، فقد ثبت ذلك عن فعل رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، وأبي هريرة، وعمل
العلماء وفتواهم عليه فهم محجوجون بالإجماع، وقد ثبت عن ابن عمر، رضي الله عنهما،
من فعله. أخرجه ابن أبي شيبة وأبو عبيد بإسناد حسن، ثم اختلف العلماء في القدر
المستحب من التطويل في التحجيل، فقيل: إلى المنكب والركبة، ثبت عن أبي هريرة رواية
ورأياً، وقيل: المستحب الزيادة إلى نصف العضد والساق وقيل: إلى فوق ذلك، ونقل ذلك
عن البغوي. وقال بعض الشافعية: حاصلها ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يستحب الزيادة فوق المرفقين والكعبين من غير توقيت. وثانيها: إلى
نصف العضد والساق. وثالثها: إلى المنكب والركبتين. قال: والأحاديث تقتضي ذلك كله.
وقال الشيخ تقي الدين القشيري: ليس في الحديث تقييد ولا تحديد لمقدار ما يغسل من
العضدين والساقين، وقد استعمل أبو هريرة الحديث على إطلاقه وظاهره: من طلب إطالة الغرة
فغسل إلى قريب من المنكبين، ولم ينقل ذلك عن النبي عٍَّ ولا كثر استعماله في الصحابة
والتابعين، فلذلك لم يقل به الفقهاء، ورأيت بعض الناس قد ذكر أن حد ذلك نصف العضد
والساق. انتهى:
قلت: قوله لم يقل به الفقهاء مردود بما ذكرناه، ومن أوهام ابن بطال والقاضي عياض
إنكارهما على أبي هريرة بلوغه الماء إلى إبطيه، وأن أحداً لم يتابعه عليه فقد قال به القاضي
حسين وآخرون من الشافعية، وفي (مصنف ابن أبي شيبة): حدثنا وكيع عن العمري عن نافع
عن ابن عمر، رضي الله عنهما، أنه كان ربما بلغ بالوضوء إبطه في الصيف. فإن قلت: روى
ـمجديد
مے

٣٧٩
٤ - كِتابُ الوضوءِ / باب (٣)
ابن أبي شيبة أيضاً عن وكيع عن عقبة بن أبي صالح عن إبراهيم أنه كرهه. قلت: هذا مردود
بذاك. فإن قلت: استدل ابن بطال فيما ذهب إليه، ومن تبعه أيضاً، بقوله عَّ اله: (من زاد على
هذا أو نقص فقد أساء وظلم)). قلت هذا استدلال فاسد، لأن المراد به الزيادة في عدد
المرات أو النقص الواجب أو الثواب المرتب على نقص العدد، لا الزيادة على تطويل الغرة أو
التحجيل، وكذلك تأويل ابن بطال الاستطاعة في الحديث على إطالة الغرة والتحجيل
بالمواظبة على الوضوء لكل صلاة، فتطول غرته بتقوية نور أعضائه، وبأن الطول والدوام
معناهما متقارب فاسد، ووجهه ظاهر، وكذلك قوله: الوجه لا سبيل إلى الزيادة في غسله، إذ
استيعاب الوجه بالغسل واجب فاسد لإمكان الإطالة في الوجه بأن يغسل إلى صفحة العنق
مثلاً. الثانى: فيه استحباب المحافظة على الوضوء وسننه المشروعة فيه وإسباغه. الثالث: فيه
ما أعد الله من الفضل والكرامة لأهل الوضوء يوم القيامة. الرابع: فيه دلالة قطعية على أن
وظيفة الرجلين غسلهما ولا يجزىء مسحهما. الخامس: فيه ما أطلع الله نبيه معَّ له من
المغيبات المستقبلة التي لم يطلع عليها نبياً غيره من أمور الآخرة وصفات ما فيها. السادس:
فيه قبول خبر الواحد وهو مستفيض في الأحاديث. السابع: فيه الدليل على كون يوم القيامة
والنشور. الثامن: فيه جواز الوضوء على ظهر المسجد، وهو من باب الوضوء في المسجد،
وقد كرهه قوم وأجازه آخرون. ومن كرهه كرهه لأجل التنزيه، كما ينزه عن البصاق والنخامة
وحرمة أعلى المسجد كحرمة داخله، وممن أجازه في المسجد: ابن عباس وابن عمر وعطاء
والنخعي وطاوس وهو قول ابن القاسم وأكثر العلماء. وكرهه: ابن سيرين، وهو قول مالك
وسحنون. وقال ابن المنذر: أباح كل من يحفظ عنه العلم الوضوء فيه إلاَّ أن يبله ويتأذى به
الناس، فإنه يكره. وصرح جماعة من الشافعية بجوازه فيه. وأن الأولى أن يكون في إناء. قال
البغوي: ويجوز نضحه بالماء المطلق، ولا يجوز بالمستعمل، لأن النفس تعافه. وقال أصحابنا
الحنفية: يكره الوضوء في المسجد إلاَّ أن يكون في موضع منه قد أعد له. التاسع: استدل به
جماعة من العلماء على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة، وبه جزم الحليمي في (منهاجه)،
وفي (الصحيح) أيضاً: ((لكم سيماء ليست لأحد من الأمم تردون عليَّ غراً محجلين من أثر
الوضوء). وقال الآخرون ليس الوضوء مختصاً بهذه الأمة، وأما الذي اختصت به الغرة
والتحجيل، وادعوا أنه المشهور من قول العلماء، واحتجوا بقوله عَ له: ((هذا وضوئي ووضوء
الأنبياء قبلي)).
وأجاب الأولون عن هذا بوجهين: أحدهما: أنه حديث ضعيف، والآخر: أنه لو صح
لاحتمل اختصاص الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، في هذه الخصوصية، وامتازت بالغرة
والتحجيل، ولكن ورد في حديث جريج، كما سيأتي في موضعه: أنه قام فتوضأ وصلى، ثم
كلم الغلام. وثبت أيضاً عند البخاري في قصة سارة، عليها السلام، مع الملك الذي أعطاها
هاجر: أن سارة لما هم الملك بالدنو منها قامت تتوضأ وتصلي، وفيهما دلالة على أن
الوضوء كان مشروعاً لهم، وعلى هذا فيكون خاصة هذه الأمة الغرة والتحجيل الناشئين عن
● مدة
٠٠٠٠
١
i
نوم

رقم:
لديكغير أفوابيادد ديلرول
٣٨٠
٤ - كِتابُ الوضوء/ باب (٤)
الوضوء، لا أصل الوضوء. ونقل الزناتي المالكي، شارح (الرسالة) عن العلماء: أن الغرة
والتحجيل حكم ثابت لهذه الأمة من توضأ منهم ومن لم يتوضأ، كما قالوا: لا يكفر أحد من
أهل القبلة، كل من آمن به من أمته سواء صلى أو لم يصلِّ، وهذا نقل غريب؛ وظاهر
الأحاديث يقتضي خصوصية لك لمن توضأ منهم، وفي (صحيح ابن حبان): ((يا رسول الله!
كيف تعرف من لم يرك من أمتك؟ قال: غر محجلون بلق من آثار الوضوء).
٤ - بابٌ لا يَتَوَضَّأُ مِنَ الشَّكِّ حَتَّى يَسْتَثْقِنَ
أي: هذا باب، وهو منون غير مضاف. قوله: ((لا يتوضأ))، بفتح أوله على البناء للفاعل،
وكلمة: من، للتعليل. أي: لأجل الشك، كما في قوله تعالى: ﴿مما خطيئاتهم أغرقوا﴾
[نوح: ٢٥] وقول الشاعر:
وذلك من نبأ جاءني
الشك: في اللغة خلاف اليقين، واليقين. العلم وزوال الشك. قاله الجوهري وغيره.
وفي اصطلاح الفقهاء: الشك فيه ما يستوي فيه طرف العلم والجهل، وهو الوقوف بين
الشيئين بحيث لا يميل إلى أحدهما، فإذا قوى أحدهما وترجح على الآخر لم يأخذ بما ترجح
ولم يطرح الآخر وفهو ظن، وإذا عقد القلب على أحدهما وترك الآخر فهو أكبر الظن وغالب
الرأي. ويقال: الشك ما استوى فيه طرفا العلم والجهل، فإذا ترجح أحدهما على الآخر
فالطرف الراجح ظن، والطرف المرجوح وهم. قوله: ((حتى يستيقن) أي: حتى يتيقن. يقال:
يقنت الأمر، بالكسر: يقيناً، وأيقنت واستيقنت وتيقنت، كله بمعنى.
فإن قلت: ما وجه المناسبة بين البابين؟ قلت: من حيث اشتمال كل واحد منهما على
حكم من أحكام الوضوء. أما الأول: فلأنه في فضل الوضوء، وهو حكم من أحكامه. وأما
الثاني: فلأنه في حكم الوضوء الذي يقع فيه الشك، ولا يؤثر فيه ما لم يحصل اليقين،.
فتناسبا من حيث إن كلاً منهما حكم من أحكام الوضوء، وإن كانت الجهة مختلفة.
١٣٧/٣ - حدثنا عَلِيٍّ قالَ: حدّثنا سُفْيانُ قالَ: حدّثنا الزُّهْرِيُّ عِنْ سَعِيدٍ بن
المُسَيَّبِ وعنْ عِبَادٍ بنِ تِيم عنْ عَمِّهِ أَنَّهُ شَكا إلى رسول اللَّهِ صَ لّهِ الرَّجلُ الَّذِي يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ
يَجْدُ الشَّيْءَ في الصَّلاةِ، فَقَالَ: ((لا يَنْفِتِلْ)) أو: لاَ يَنْصَرِفْ ((حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً أو يَجدَ رِيحاً».
[الحديث ١٣٧ - طرفاه في: ٢٠٥٦، ٢٠٥٦]
مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((لا ينفتل ... )) إلى آخره، لأنه يفهم منه ترك الوضوء
من الشك حتى يستيقن، وهو معنى قوله: ((حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً).
بيان رجاله: وهم ستة: الأول: علي بن عبد الله المشهور بابن المديني، وقد مر.
الثاني: سفيان بن عيينة، وقد مر غير مرة. الثالث: محمد بن مسلم الزهري، كذلك. الرابع:
سعيد بن المسيب، بفتح الياء، وقد تقدم. الخامس: عباد، بفتح العين المهلة وتشديد الباء