النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
٣ - كتاب العلم / باب (٤٧)
الله بن مسعود، رضي الله عنه.
بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة. ومنها: أن رواته ما بين بصريين
وثلاثة كوفيين. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين الحفاظ المتقنين يروي بعضهم عن بعض.
وهم: الأعمش وإبراهيم وعلقمة. ومنها: أن رواية الأعمش عن إبراهيم عن علقمة أصلح
الأسانيد فيما قيل.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في (التوحيد) عن موسى بن
إسماعيل عن عبد الواحد أيضاً، وفي (التفسير) عن عمر بن حفص عن أبيه، وفي (الاعتصام)
في: باب ما يكره من كثرة السؤال وتكليف ما لا يعنيه، عن محمد بن عبيد بن ميمون عن
عيسى بن يونس، وفي (التوحيد) عن يحيى عن وكيع، وأخرجه مسلم في (الرقاق) عن عمر
ابن حفص عن أبيه وعن أبي بكر والأشج عن وكيع وعن إسحاق وابن خشرم عن عیسی
كلهم عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله. وأخرجه الترمذي والنسائي جميعاً
في (التفسير) عن علي بن خشرم به. وقال الترمذي: حسن صحيح.
بيان اللغات: قوله: ((في خرب))، بكسر الخاء المعجمة وفتح الراء وفي آخره باء
موحدة: جمع خربة، ويقال بالعكس: أعني الخاء وكسر الراء، هكذا ضبط بعضهم أخذاً عن
بعض الشارحين. قلت: هذا مخالف لما قاله أهل اللغة. فقال الجوهري: الخراب ضد العمارة،
وقد خرب الموضع بالكسر فهو خرب، وفي (العباب): وقد خرب الموضع، بالكسر: فهو
خرب، ودار خربة، والجمع خرب مثال: كلمة وكلم، وخرّب الدار وأخربها وخرّبها، فعلم
من هذا أن الخرب، بفتح الخاء وكسر الراء تارة تكون مفردة، كما يقال: مكان خرب، وتارة
تكون جمعاً كما يقال: أماكن خرب، جمع خربة. وأما خرب، بكسر الخاء وفتح الراء: فليس
بجمع خربة. كما زعم هؤلاء الشارحون، وإنما جمع خربة: خرب ككلمة وكلم، كما ذكره
الصغاني. وقال القاضي: رواه البخاري في غير هذا الموضع: ((حرث))، بالحاء المهملة والثاء
المثلثة، وكذا رواه مسلم في جميع طرقه. وقال بعضهم: هو الصواب. قوله: ((يتوكأ) أي:
يعتمد، ومادته: واو وكاف وهمزة، ومنه يقال: رجل تكأة، مثال: تؤدة، كثير الاتكاء، وأصلها:
وكأة أيضاً. والمتكأة ما يتكأ عليه، هي المتكأ، قال الله تعالى: ﴿وأعتدت لهن متكاً﴾
[يوسف: ٣١]. قوله: ((على عسيب))، بفتح العين وكسر السين المهملتين وسكون الياء آخر
الحروف وفي آخره باء موحدة. قال الصغاني: العسيب من السعف فويق الكرب لم ينبت
عليه الخوص، وما ينبت عليه الخوص فهو السعف، والجمع: عسب. وقال غيره: العسيب
جريد النخل وهو عود قضبان النخل، كانوا يكشطون خوصها ويتخذونها عصياً، وكانوا
يكتبون في طرفه العريض منه، ومنه قوله: في الحديث: ((فجعلت أتتبعه في العسيب)) يريد
القرآن. قوله: ((بنفر))، بفتح الفاء: عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة، والنفير مثله، وكذلك النفر
والنفرة بالإسكان. قوله: (من اليهود)) هذا اللفظ مع اللام ودون اللام معرفة، والمراد به:
اليهوديون، ولكنهم حذفوا ياء النسبة كما قالوا: زنجي وزنج، للفرق بين المفرد والجماعة ..
١
٠ ٠٠٠
/٦-٠
تجوء

٣٠٢
٣ - كتاب العلم / باب (٤٧)
بيان الإعراب: قوله: ((بينا أنا) قد مر غير مرة أن أصل: بينا، بين، فأشبعت الفتحة
بالألف، والعامل فيه جوابه، وهو قوله: ((فمر بنفر من اليهود)) لا يقال الفاء الجزائية تمنع عمل
ما بعدها فيما قبلها، فلا يعمل: مر، في: بينا، لأنا نقول: لا نسلم أن الفاء هنا جزائية إذ ليس
في: بين، معنى المجازاة الصريحة، بل فيها رائحة منها، ولئن سلمنا، ولكن لا نسلم ما
ذكرتم من المنع، لأن النحاة قالوا في: أما زيداً فأنا ضارب، أن العامل في: زيداً، هو:
ضارب، سلمنا ذلك، فنقول: العامل فيه مر مقدراً، والمذكور يفسره. ولنا أن نقول بين الفاء
وإذا أخوة، حيث استعملت الفاء ههنا موضع إذا. والغالب أن جواب: بينا، يكون: بإذا وإذ.
وإن کان الأصمعي یستفصح تر کھما.
وقال الكرماني: السؤال مشترك الإلزام إذ هو بعينه وارد في إذ وإذا حيث يقع شي
منهما جواباً لبين. لأن إذ وإذا أنَّى كان هو مضاف إلى ما بعده، والمضاف إليه لا يعمل في
المضاف، فبالطريق الأولى لا يعمل في المقدم على المضاف، فما هو جوابكم في إذ، فهو
جوابنا في الفاء. قوله: ((مع النبي) حال، أي: مصاحباً معه. قوله: ((وهو يتوكأ) جملة إسمية
وقعت حالاً. قوله: ((معه)) صفة لعسب قوله: ((من اليهود)) بيان للنفر لعسيب. قوله: ((سلوه)
أصله: اسألوه، أي النبي عَ لَ﴾. قوله: ((لا تسلوه)) أصله: لا تسألوه. قوله: ((لا يجيء فيه)) يجوز
فيه ثلاثة أوجه. الأول: الجزم على جواب النهي، أي: لا تسألوه لا يجىء بمكروه. الثاني:
النصب على معنى: لا تسألوه إرادة أن لا يجيء فيه، ولا زائدة، وهذا ماشٍ على مذهب
الكوفيين. وقال السهيلي: النصب فيه بعيد لأنه على معنى: أن. الثالث: الرفع على القطع،
أي: لا يجيء فيه بشيء تكرهونه. قلت: المراد أنه رفع على الاستئناف. قوله: ((لنسألنه))
جواب لقسم محذوف. قوله: ((يابا القاسم) أصله يا أبا القاسم، حذفت الهمزة من الأب
تخفيفاً. قوله: ((فسكت))، أي: رسول الله عَّ﴾. قوله: ((فقمت)) عطف على: فقلت. قوله:
((قال)) جواب قوله: ((فلما انجلى)).
بيان المعاني: قوله: ((فقمت)): أي: حتى لا أكون مشوشاً عليه، أو قمت حائلاً بينه
وبينهم. قوله: ((فلما انجلى)) أي: فحين انكشف الكرب الذي كان يتغشاه حال الوحي، قال:
﴿ويسألونك عن الروح﴾ [الإسراء: ٨٥] وسؤالهم عن الروح بقولهم: ما الروح؟ مشكل إذ لا
يعلم مرادهم، لأن الروح جاء في القرآن على معان. قال الله تعالى: ﴿نزل به الروح الأمين﴾
[الشعراء: ١٩٣] وقال: ﴿تنزل الملائكة والروح فيها﴾ [القدر: ٤] وقال: ﴿روحاً من أمرنا﴾
[الشورى: ٥٢] ﴿يوم يقوم الروح﴾ [النبأ: ٣٨] فلو عينوا سؤالهم لأمكنه أن يجيبهم. قال هذا
القائل: ويمكن أن يكون سؤالهم عن روح بني آدم، لأنه مذكور في التوراة أنه لا يعلمه: إلا
الله. وقالت اليهود: إن فسر الروح فليس بنبي، فلذلك لم يجبهم. قال عياض وغيره: اختلف
المفسرون في الروح المسؤول عنها، فقيل: سألوه عن عيسى، عليه الصلاة والسلام. فقال
لهم: الروح من أمر الله، يعني: إنما هو شيء من أمر الله تعالى، كما تقول النصارى، وكان ابن
عباس يكتم تفسير الروح. وعن ابن عباس وعلي رضي الله عنهم: هو ملك من الملائكة يقوم
١٠٠٠
٠١

٣٠٣
٣ - كتاب العلم / باب (٤٧)
صفاً، وتقوم الملائكة صفاً. قال تعالى: ﴿يوم يقوم الروح والملائكة صفاً﴾ [النبأ: ٣٨] وقيل:
جبرائيل، عليه السلام وقيل: القرآن، لقوله تعالى: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا﴾
[الشورى: ٥٢] وقال أبو صالح: هو خلق كخلق بني آدم ليسوا ببني آدم لهم أيد وأرجل.
وقيل: طائفة من الخلق لا ينزل ملك إلى الأرض إلاَّ نزل معه أحدهم. وقيل: ملك له أحد
عشر ألف جناح وألف وجه يسبح الله تعالى إلى يوم القيامة. وقيل: علم الله أن الأصلح لهم
أن لا يخبرهم ما هو، لأن اليهود قالوا: إن فسر الروح فليس بنبي، وهذا معنى قوله: ((لا
تسألوه لا يجيء فيه بشيء تكرهونه))، فقد جاءهم بذلك لأن عندهم في التوراة كما ذكر لهم
أنه من أمر الله تعالی، لن يطلع علیه أحد.
وذكر ابن إسحاق أن نفراً من اليهود قالوا: يا محمد! أخبرنا عن أربع نسألك عنهن ...
وذكر الحديث، وفيه: ((فقالوا يا محمد! أخبرنا عن الروح. قال: أنشدكم بالله هل تعلمون
جبرائيل، عليه الصلاة والسلام، وهو الذي يأتيني؟ قالوا: اللهم نعم، ولكنه يا محمد هو لنا عدو
وهو ملك يأتي بالشدة وسفك الدماء، ولولا ذلك لاتبعناك. فأنزل الله تعالى: ﴿من كان عدواً
لجبريل﴾ [البقرة: ٩٧] قال بعضهم: هذا يدل على أن سؤالهم عن الروح الذي هو جبريل،
والله أعلم.
وأما روح بني آدم فقال المازري: الكلام على الروح مما يدق، وقد ألفت فيه التآليف،
وأشهرها ما قاله الأشعري: إنه النفس الداخل والخارج. وقال القاضي أبو بكر: هو متردد بين
ما قاله الأشعري وبين الحياة. وقيل: جسم مشارك للأجسام الظاهرة والأعضاء الظاهرة. وقيل:
جسم لطيف خلقه الباري سبحانه، وأجرى العادة بأن الحياة لا تكون مع فقده فإذا شاء الله
موته أعدم هذا الجسم منه عند انعدام الحياة، وهذا الجسم وإن كان حياً فلا يحيى إلا بحياة
تختص به، وهو مما يصح عليه البلوغ إلى جسم ما من الأجسام، ويكون في مكان في
العالم، أو في حواصل طير خضر إلى غير ذلك مما وقع في الظواهر، إلى غيره من جواهر
القلب، والجسم الحياة. وقال غيرهما: هو الدم. وقد ذكر بعضهم في الروح سبعين قولاً.
واختلف هل الروح والنفس واحد أم لا؟ والأصح أنهما متغايران، فإن النفس الإنسانية
هي الأمر الذي يشير إليه كل واحد منا بقوله: أنا، وأكثر الفلاسفة لم يفرقوا بينهما. قالوا:
النفس هو الجوهر البخاري اللطيف الحامل لقوة الحياة والحس والحركة الإرادية، ويسمونها:
الروح الحيوانية، وهي الواسطة بين القلب الذي هو النفس الناطقة،، وبين البدن. وقال بعض
الحكماء والغزالي: النفس مجردة، أي: غير جسم ولا جسماني. وقال الغزالي: الروح جوهر
محدث قائم بنفسه غير متحيز، وإنه ليس بداخل الجسم ولا خارجاً عنه، وليس متصلاً به
ولا منفصلاً عنه، وذلك لعدم التحيز الذي هو شرط الكون في الجهات، واعترض عليه بوجوه
قد عرفت في موضعها. وقيل: الروح عرض لأنه لو كان جوهراً، والجواهر متساوية في
الجوهرية، للزم أن يكون للروح روح آخر وهو فاسد. وقيل: إنه جوهر فرد متحيز وإنه خلاف
الحياة القائمة بالجسم الحيواني، وإنه حامل للصفات المعنوية. وقيل: إنه صورة لطيفة على
وحدة
i
i
i
i.

٣٠٤
٣ - كتاب العلم / باب (٤٨)
صورة الجسم لها عينان وأذنان ويدان ورجلان في داخل الجسم يقابل كل جزء منه عضو
نظيره من البدن وهو خيال. وقيل: إنه جسم لطيف في البدن سار فيه سريان ماء الورد فيه،
وعليه اعتمد عامة المتكلمين من أهل السنة.
جور
وقد كثر الاختلاف في أمر الروح بين الحكماء والعلماء المتقدمين قديماً وحديثاً،
وأطلقوا أعنة النظر في شرحه، وخاضوا في غمرات ماهيته، فأكثرهم تاهوا في التيه، فالأكثرون
منهم على أن الله تعالى أبهم علم الروح على الخلق واستأثره لنفسه حتى قالوا: إن النبي
علـ
لم يكن عالماً به. قلت: جل منصب النبي عَّله، وهو حبيب الله وسيد خلقه، أن يكون غير
عالم بالروح، وكيف وقد منَّ الله عليه بقوله: ﴿وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله
عليك عظيماً﴾ [النساء: ١١٣]. وقد قال أكثر العلماء: ليس في الآية دليل على أن الروح لا
يعلم ولا على أن النبي عَّلِ لم يكن يعلمها.
قوله: ((قال الأعمش)) أي: سليمان بن مهران. قوله: ((هكذا في قراءتنا)) رواية
الكشميهني وفي رواية غيره: ((كذا في قراءتنا)) يعني أوتوا بصيغة الغائب، وليست هذه القراءة
في السبعة ولا في المشهورة في غيرها، وقد أغفلها أبو عبيد في (كتاب القراءات) له من قراءة
الأعمش. وقال النووي: أكثر نسخ البخاري ومسلم: وما أوتوا. وذكر مسلم الاختلاف في
هذه اللفظة عن الأعمش، فرواه وكيع على القراءة المشهورة. ورواه عيسى بن يونس عنه: وما
أوتوا. قال القاضي عياض: اختلف المحدثون فيما وقع من ذلك، فذهب بعضهم إلى أن
الإصلاح على الصواب، واحتج أنه إنما قصد به الاستدلال على ما سيقت بسببه، ولا حجة
إلاّ في الصحيح الثابت في المصحف. وقال قوم: تترك على حالها وينبه عليها، لأن من
البعيد خفاء ذلك على المؤلف ومن نقل عنه وهلم جراً، فلعلها قراءة شاذة. قال عياض: هذا
ليس بشيء لأنه لا يحتج به في حكم ولا يقرأ في صلاة. قال: واختلف أصحاب الأصول
فيما نقل أحاداً، ومنه القراءة الشاذة كمصحف ابن مسعود وغيره، هل هو حجة أم لا؟ فنفاه
الشافعي، وأثبته أبو حنيفة وبنى عليه وجوب التتابع في صوم كفارة اليمين بما نقل عن مصحف
ابن مسعود من قوله: (ثلاث أيام متتابعاتٍ). وبقول الشافعي قال الجمهور، واستدلوا بأن الراوي
له إن ذكره على أنه قرآن فخطأ وإلاَّ فهو متردد بين أن يكون خبراً أو مذهباً له، فلا
يكون حجة بالاحتمال ولا خبراً، لأن الخبر ما صرح الراوي فيه بالتحديث عن النبي
عَّ، فيحمل على أنه مذهب له. وقال أبو حنيفة، إذا لم يثبت كونه قرآناً فلا أقل من
كونه خبراً. وقال الغزالي والفخر الرازي: خبر الواحد لا دليل على كونه كذباً، وهذا
خطأ قطعاً، والخبر المقطوع بكذبه لا يجوز أن يعمل به، ونقله قرآناً خطأ. قلت: لا
نسلم أن هذا خطأ قطعاً، لأنه خبر صحابي أو خبر عنه، وأي دليل قام على أنه خبر مقطوع
بكذبه، وقول الصحابي حجة عنده؟.

٣٠٥
٣ - كتاب العلم / باب (٤٨)
٤٨ - بابُ مَنْ تَرَكَ بَعْضَ الاخْتِيَارِ مَخَافَةً أَنْ يَقْصُرَ فَهْمُ بَعْض النَّاسِ
عَنْهُ فَيَقعُوا فِي أَشَدَّ مِنْهُ
أي: هذا باب في بيان من ترك ... الخ. وكلمة: من، موصولة، وأراد بالاختيار: المختار،
والمعنى: من ترك فعل الشيء المختار والإعلام به، و: مخافة، نصب على التعليل أي لأجل خوف
أن يقصر. و: أن، مصدرية في محل الجر بالإضافة، و: فهم بعض الناس، بالرفع فاعل يقصر. قوله:
((فيقعوا)) عطف على قوله: ((يقصر))، فلذلك سقط منه النون علامة للنصب. قوله: ((في أشد
منه)) أي من ترك الاختيار، وفي بعض النسخ: ((في أشر منه)) وفي بعضها: ((في شر منه)).
وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول ترك الجواب للسائل
لحكمة اقتضت ذلك، وههنا أيضاً ترك بعض المختار لحكمة اقتضت ذلك، وهو أن بناء الكعبة كان
جائزاً، ولكنه ترك إعلام جوازه لكونهم قريب العهد بالكفر، فخشي أن تنكر ذلك قلوبهم، فتركه . .
١٢٦/٦٧ - حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أبي إسْحَاقَ عَنِ الأسْوَدِ قال:
قال لِي ابنُ الزُّبَيْرِ: كانَتْ عَائِشَةُ تُسِرُ إِلَيْكَ كَثِيراً فَمَا حَدَّثَتْكَ فِي الْكَعْبَةِ؟ قُلْتُ: قَالَتْ لِي:
قالَ النّبيُّ عَ لِّ: ((يا عَائِشَةُ لَوْلاَ قَوْمُكِ حَديثٌ عَهْدُهُمْ). قالَ ابنُ الزُّبَيْرِ: بِكُفْرٍ - (لَنَقَضْتُ
الكَعْبَةَ فَجَعَلْتُ لَهَا بابَيْنٍ: بابٌ يَدْخِلُ النَّاسُ وبابٌ يَخْرُجُونَ)) فَفَعَلَهُ ابنُ الزُّبَيْر. [الحديثُ
١٢٦ - أطرافه في: ١٥٨٣، ١٥٨٤، ١٥٨٥، ١٥٨٦، ٣٣٦٨، ٤٤٨٤، ٧٢٤٣].
مطابقة الحديث للترجمة من جهة المعنى وهو أنه معَّ له ترك نقض الكعبة الذي هو الاختيار
مخافة أن تتغير عليه قريش لأنهم كانوا يعظمونها جداً، فيقعون بسبب ذلك في أمر أشد من ذلك الاختيار.
بيان رجاله: وهم ستة تقدم ذكرهم ما خلا إسرائيل والأسود. أما إسرائيل: فهو ابن
يونس بن أبي إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، أبو يوسف. قال أحمد: كان شيخاً ثقة،
وجعل يتعجب من حفظه؛ سمع جده أبا إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، بفتح السين
المهملة وكسر الباء الموحدة: نسبة إلى سبيع بن سبع بن صعب بن معاوية بن كثير بن مالك
ابن جشم بن حاشد، ولد إسرائيل في سنة مائة، ومات في سنة ستين ومائة. وأما الأسود: فهو
ابن يزيد بن قيس النخعي، خال إبراهيم، أدرك زمن النبي عَّ ◌ُلِّ ولم يره، مات سنة خمس
وسبعين بالكوفة، سافر ثمانين حجة وعمرة ولم يجمع بينهما، وكذا ابنه عبد الرحمن بن
الأسود سافر ثمانين حجة وعمرة ولم يجمع بينهما، قال ابن قتيبة: كان يقول في تلبيته:
لبيك أنا الحاج ابن الحاج، وكان يصلي كل يوم سبعمائة ركعة، وصار عظماً وجدداً، وكانوا
يسمون آل الأسود: أهل الجنة. مات سنة خمس وتسعين، روى له الجماعة، وفي
(الصحيحين) الأسود جماعة غير هذا، منهم: الأسود بن عامر شاذان.
١
بيان لطائف إسناده: ومنها: أن فيه التحديث والعنعنة. ومنها: أن رواته إلى الأسود
كوفيون. ومنها: أن فيه صحابيين والحديث دائر بينهما.
عمدة القاري
٦٠
· جهاز
، صواف
١٣٠٠
١٣٣٥
٠-١

٣٠٦
٣ - كتاب العلم / باب (٤٨)
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: وأخرجه البخاري أيضاً في (الحج)، وفي (التمني)
عن مسدد عن أبي الأحوص. ومسلم في (الحج) عن سعيد بن منصور عن أبي الأحوص،
وعن أبي بكر بن أبي شيبة عن عبيد الله بن موسى عن شيبان، كلاهما عن أشعث بن أبي
الشعثاء عن الأسود عن عائشة. وأخرجه ابن ماجه في (الحج) عن أبي بكر بن أبي شيبة به.
وأخرجه البخاري أيضاً من حديث عروة وحديث عبد الله بن الزبير، وفيه: سمعت عائشة
رضي الله عنها. وأخرجه مسلم أيضاً فيما انفرد به: أن عبد الملك بن مروان، بينما هو يطوف
بالبيت، قال: قاتل الله ابن الزبير حيث يكذب على أم المؤمنين، يقول: سمعتها تقول: قال
رسول الله عَّ له: يا عائشة لولا حدثان قومك بالكفر لنقضت البيت حتى أزيد فيه من الحجر،
فإن قومك اقتصروا في البناء. فقال الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة: لا تقل هذا يا أمير
المؤمنين إني سمعتها تحدث بهذا. قال: لو كنت سمعته قبل أن أهدمه لتركته على بناء ابن
الزبير.
بيان اللغات والإعراب: قوله: ((تسر)) من الإسرار خلاف الإعلان. فإن قلت: قوله:
((كانت)) للماضي، ((وتسر)) للمضارع، فكيف اجتمعا؟ قلت: تسر بمعنى أسررت، وذكر بلفظ
المضارع استحضاراً لصورة الإسرار، وهو جملة في محل النصب لأنها خبر كانت. قوله:
((كثيراً) نصب على أنه صفة لمصدر محذوف أي: إسراراً كثيراً. قوله: ((فما حدثتك))،
كلمة: ما، استفهامية في محل الرفع على الابتداء و((حدثتك)) جملة من الفعل والفاعل، وهو
الضمير الذي فيه الراجع إلى عائشة، والمفعول هو الكاف، وهي أيضاً في محل الرفع لأنها
خبر المبتدأ. قوله: ((في الكعبة)) أي: في شأن الكعبة، واشتقاقها من الكعوب وهو النشوز،
وهي أيضاً ناشرة من الأرض. وقال الجوهري: سميت بذلك لتربيعها. يقال: برد مكعب أي
فيه وشي مربع. قوله: ((قلت)) قائله الأسود. قوله: ((لولا قومك)) كلمة: لولا، ههنا لربط ا
تناع الثانية بوجود الأولى، نحو: لولا زيد لأكرمتك أي: لولا زيد موجود لأكرمتك. وقوله:
((قومك)) كلام إضافي مبتدأ، وقوله: ((حديث عهدهم)) خبر المبتدأ. فإن قلت: قالت النحاة:
يجب كون خبر لولا كوناً مطلقاً محذوفاً، فما باله ههنا لم يحذف؟ قلت: إنما يجب الحذف
إذا كان الخبر عاماً، وأما إذا كان خاصاً فلا يجب حذفه، قال الشاعر:
لكنتُ اليوم أشعَرَ من لبيدٍ
ولولا الشعر بالعلماء يزري
وقوله: ((حدیث)) بالتنوین، (وعهدهم)، کلام إضافي مرفوع بإسناد: حديث، إليه لأن:
حديثاً، صفة مشبهة وهو أيضاً يعمل عمل فعله، وفي بعض النسخ: ((لولا أن قومك)) بزيادة:
أن، وليس بمشهور. قوله: ((قال ابن الزبير)) جملة من الفعل والفاعل. قوله: ((بكفر)) يتعلق بقوله:
((حديث عهدهم)، ولكنه من كلام ابن الزبير. قوله: ((لنقضت الكعبة)) جواب: لولا. قوله:
((فجعلت)) عطف على: ((نقضت)). قوله: ((باب)) يجوز فيه الوجهان: أحدهما النصب على أنه
بدل أو بيان لبابين، وهو رواية أبي ذر في الموضعين. الآخر: رفع على أنه خبر مبتدأ
محذوف تقديره: أحدهما باب. قوله: ((يدخل الناس)) جملة وقعت صفة لباب وضمير
١٣/١٣
ser

٣٠٧
٣ - كتاب العلم / باب (٤٨)
المفعول تقديره: يدخله الناس، وفي بعض النسخ: يدخل الناس منه. فعلى هذا لا يقدر شيء،
وكذا، يخرجون منه، في بعض النسخ.
بيان المعاني: قوله: ((قال ابن الزبير)) وفي رواية الأصيلي: ((فقال ابن الزبير بكفر)). أراد
أنه أذكره ابن الزبير: بقولها بكفر، كأن الأسود نسي ذلك، وأما ما بعدها، وهو قوله:
(لنقضت)) إلى آخره فيحتمل أن يكون مما نسي أيضاً، أو مما ذكر. وقد رواه الترمذي من
طريق شعبة عن أبي إسحاق عن الأسود بتمامه إلا قوله: ((بكفر))، فقال بدلها: ((بجاهلية)).
وكذا البخاري في الحج، من طريق أخرى عن الأسود. ورواه الإسماعيلي من طريق زهير بن
معاوية عن أبي إسحاق ولفظه: قلت: ((حدثني حديثاً حفظت أوله ونسيت آخره))، ورجحها
الإسماعيلي على رواية إسرائيل، وعلى قوله يكون في رواية شعبة إدراج، وقال الكرماني: في
قوله: قال ابن الزبير.
فإن قلت: هذا الكلام لا دخل له في البيان لصحة أن يقال: لولا قومك حديث
عهدهم بكفر لنقضت، بل ذكره مخل لعدم انضباط الكلام معه. قلت: ليس مخلاً إذ غرض
الأسود: إني كما وصلت إلى لفظ عهدهم، فسر ابن الزبير الحداثة بالحداثة إلى الكفر،
فيكون لفظ: بكفر، فقط من كلام ابن الزبير، والباقي من تتمة الحديث، أو غرضه: إني لما
رويت أول الحديث بادر ابن الزبير إلى رواية آخره، إشعاراً بأن الحديث معلوم أيضاً، أو أن
الأسود أشار إلى أول الحديث، كما يقال: قرأت: ﴿الم ذلك الكتاب﴾ [البقرة: ١ و٢]
وأراد به السورة بتمامها، فبين ابن الزبير أن آخره ذلك. قلت: هذه ثلاثة أجوبة وليس الصواب
منها إلاَّ الجواب الثاني، لأن عبد الله بن الزبير روى الحديث أيضاً عن عائشة، رضي الله
عنها، ثم قال أيضاً: فإن قلت: فالقدر الذي ذكره ابن الزبير هل هو موقوف عليه؟
قلت: اللفظ يقتضي الوقوف إذ لم يسنده إلى رسول الله عَ ليه، لكن السياق يدل على
أنه مرفوع، والروايات الأخر أيضاً دالة على رفعه. قلت: من علم أن ابن الزبير أيضاً روى هذا
الحديث عن عائشة، رضي الله عنها، لا يحتاج إلى هذا السؤال ولا إلى جوابه. قوله: ((ففعله
ابن الزبير)) أي: فعل المذكور من النقض، وجعل البابين. قال الشيخ قطب الدين: قالوا: بني
البيت خمس مرات بنته الملائكة، ثم إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، ثم قريش في الجاهلية،
وحضر النبي عَّلِ هذا البناء وهو ابن خمس وثلاثين، وقيل: خمس وعشرين، وفيه سقط على
الأرض حين رفع إزاره، ثم بناه ابن الزبير، ثم بناه حجاج بن يوسف واستمر. ويروى أن هارون
سأل مالكاً عن هدمها وردها إلى بناء ابن الزبير للأحاديث المذكورة، فقال مالك: نشدتك
الله يا أمير المؤمنين أن لا تجعل هذا البيت لعبة للملوك، لا يشاء أحد إلاَّ نقضه وبناه،
فتذهب هيبته من صدور الناس. انتهى. قلت: بنته الملائكة أولاً، ثم إبراهيم، عليه الصلاة
يومئذ رجل شاب، ثم ابن الزبير،
والسلام، ثم العمالقة، ثم جرهم، ثم قريش ورسول الله
ثم حجاج.
بيان استنباط الأحكام: الأول: قال ابن بطال: فيه أنه قد يترك يسير من الأمر بالمعروف
i
i
ـةقــ

.-.
٣ - كتاب العلم / باب (٤٩)
٣٠٨
إذا خشي منه أن يكون سبباً بفتنة قوم ينكرونه. الثاني: فيه أن النفوس تحب أن تساس كلها
لما تأنس إليه في دين الله من غير الفرائض. الثالث: قال النووي: فيه أنه إذا تعارضت مصلحة
ومفسدة، وتعذر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة بدأ بالأهم، لأن النبي معَ الله أخبر
أن رد الكعبة إلى قواعد إبراهيم، عليه السلام، مصلحة. ولكن يعارضه مفسدة أعظم منه وهي
خوف فتنة بعض من أسلم قريباً لما كانوا يرون تغييرها عظيماً فتركها النبي عَ له. الرابع: فيه
فكر ولي الأمر في مصالح رعيته، واجتناب ما يخاف منه تولد ضرر عليهم في دين أو دنيا
إلاَّ الأمور الشرعية: كأخذ الزكاة وإقامة الحد. الخامس: فيه تأليف قلوبهم وحسن حياطتهم،
وأن لا ينفروا ولا يتعرض لما يخاف تنفيرهم بسببه ما لم يكن فيه ترك أمر شرعي. السادس:
استدل به أبو محمد الأصيلي منه في مسائل من النكاح في جارية يتيمة غنية كان لها ابن
عم وكان فيه ميل إلى الصباء، فخطب ابنة عمه وخطبها رجل غني فمال إليه الوصي،
وكانت اليتيمة تحب ابن عمها ويحبها، فأبى وصيها أن يزوجها منه، ورفع ذلك إلى القاضي
وشاور فقهاء بلده فكلهم أفتى أن لا يزوج ابن عمها، وأفتى الأصيلي أن تزوج منه خشية أن
يقعا في المكروه استدلالاً بهذا الحديث، فزوجت منه.
٤٩ - بابُ مَنْ خَصَّ بالعِلْم قَوْماً دُونَ قَوْم كَرَاهِيَةَ أنْ لا يَفْهَمُوا
أي: هذا باب في بيان من خص، وكلمة: من، موصولة. وقوله: ((دون قوم)) بمعنى غير
قوم. قوله: ((كراهية)) بالنصب على التعليل مضاف إلى قوله: ((أن لا يفهموا)) و: أن مصدرية،
والتقدير: لأجل كراهية عدم فهم القوم الذين هم غير القوم الذين خصهم بالعلم، والكراهية
بتخفيف الياء مصدر الكراهة، من: كره الشيء يكرهه كراهة وكراهية.
١٠
وجه المناسبة بين البابين من حيث إن في الباب الأول ترك بعض المختار مخافة قصور
فهم بعض الناس، وههنا أيضاً ترك بعض الناس من التخصيص بالعلم لقصور فهمهم،
والترجمتان متقاربتان، غير أن الأولى في الأفعال، وهذه في الأقوال.
وقالَ عَلِيٍّ: حَدِّثُوا النَّاسَ بَمَا يَغْرِفُونَ، أَتِّحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟
أي: علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، كذا وقع هذا الأثر مبتدأ به بصورة التعليق في
أصل الهروي والدمياطي، ثم عقب بالإسناد وسقط كله في رواية أبي ذر عن الكشميهني.
قوله: ((حدثوا)) بصيغة الأمر أي: كلموا الناس بما يعرفون، أي: بما يفهمون. والمراد: كلموهم
على قدر عقولهم. وفي (كتاب العلم) لآدم بن أبي إياس عن عبد الله بن داود عن معروف
في آخره: ((ودعوا ما ينكرون)) أي ما يشتبه عليهم فهمه، وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي
أن يذكر عند العامة، ومثله قول ابن مسعود، رضي الله عنه، ذكره مسلم في مقدمة كتابه
بسند صحيح، قال: ((ما أنت بمحدث قوماً حديث لا يبلغه عقولهم إلاَّ كان لبعضهم فتنة).
قوله: ((أتحبون)) الهمزة للاستفهام، وتحبون، بالخطاب. قوله: ((أن يكذب)) بصيغة المجهول،
وذلك لأن الشخص إذا سمع ما لا يفهمه وما لا يتصور إمكانه يعتقد استحالته جهلاً، فلا
١٠٠٪
مرة
١٠

i
P
٣ - كتاب العلم / باب (٤٩)
٣٠٩
یصدق وجوده، فإذا أسند إلى الله ورسوله يلزم تكذيبهما.
... / ١٢٧ - حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بن موسَى عَنْ مَعْروفٍ بن خَرَّبُوذٍ عَنْ أبي الطُّفَيْل عنْ
عَلِيٍّ بذَلِكَ.
أي: حدثنا بالأثر المذكور عن علي عبيد الله بن موسى بن باذام عن معروف بن
خربوذ، بفتح الخاء المعجمة وتشديد الراء وضم الباء الموحدة وفي آخره ذال معجمة. وقد
روى بعضهم بضم الخاء، المكي، مولى قريش: قال يحيى بن معين: ضعيف. وقال أبو حاتم:
یکتب حديثه، وليس له في البخاري سواه. وأخرج له مسلم حديثاً في(الحج) وروى له أبو
داود وابن ماجه، وهو يروي عن أبي الطفيل، بضم الطاء وفتح الفاء: عامر بن واثلة. وقيل:
عمرو بن واثلة، بالثاء المثلثة: ابن عبد الله بن عمرو بن جحش بن جرير بن سعد بن بكر بن
عبد مناة بن كنانة الكناني الليثي، ولد عام أحد، كان يسكن الكوفة ثم انتقل إلى مكة. وعن
سعيد الجريري عن أبي الطفيل قال: لا يحدثك أحد اليوم على وجه الأرض أنه رأى النبي،
عليه الصلاة والسلام، غيري، وكان من أصحاب عليّ المحبين له، وشهد معه مشاهده كلها،
وكان ثقة ثقة مأموناً يعترف بفضل أبي بكر وعمر، رضي الله تعالى عنهما، وروي له عن
رسول الله، عليه الصلاة والسلام، تسعة أحاديث، وهو آخر من مات من أصحاب النبي، عليه
الصلاة والسلام، على الإطلاق. أخرج له البخاري هذا الأثر خاصة عن علي، رضي الله عنه،
وأخرج له مسلم في (الحج) و(صفة النبي) عليه الصلاة والسلام، وعن معاذ وعمر وابن عباس
وحذيفة وغيرهم. سكن الكوفة ثم أقام بمكة إلى أن مات بها سنة عشر ومائة، وروى له أبو
داود والنسائي وابن ماجه، وقال ابن عبد البر في (كتاب الكنى) له: كان من كبار التابعين،
وكان صاحب بلاغة وبيان، شاعراً محسناً ثقة فاضلاً بليغاً عاقلاً، إلاَّ إنه كان فيه تشيع.
وذكر ابن دريد في كتاب (الاشتقاق الكبير) عن عكراش بن ذؤيب، قال: لقي النبي عَّه وله
حديث، وشهد الجمل مع عائشة، رضي الله عنها. فقال الأحنف: كأنكم به وقد أتي به قتيلاً
وبه جراحة لا تفارقه حتى يموت، فضرب يومئذ ضربة على أنفه، فعاش بعدها مائة سنة، وأثر
الضربة به فعلى هذا تكون وفاته بعد سنة خمس وثلاثين ومائة.
ووقع في بعض النسخ: حدثنا عبد الله، هو ابن موسى، عن معروف بن خربوذ عن أبي
الطفيل عن علي، رضي الله عنه بذلك، أي: بالأثر المذكور، وهذا الإسناد من عوالي البخاري
لأنه ملحق بالثلاثيات من حيث إن الراوي الثالث منه صحابي، وهو أبو الطفيل المذكور،
وعلى قول من يقول: إنه تابعي ليس منها. وقال الكرماني: فإن قلت: لم أخر الإسناد عن ذكر
المتن؟ قلت: إما للفرق بين طريقة إسناد الحديث وإسناد الأثر، وإما لأن المراد ذكر المتن
داخلاً تحت ترجمة الباب، وإما لضعف في الإسناد بسبب ابن خربوذ، وإما للتفنن وبيان جواز
الأمرين بلا تفاوت في المقصود، ولهذا وقع في بعض النسخ مقدماً على المتن. قلت: وإما
لأنه لم يظفر بالإسناد إلا بعد وضع الأثر معلقاً، وهذا أقرب من كل ما ذكره، وأبعده جوابه
الأول لعدم اطراده، والأبعد من الكل جوابه الأخير على ما لا يخفى.
لات.
P
P
٦

ـ هردد
م.عيوب
٣ - كتاب العلم / باب (٤٩)
٣١٠
٦٧م/١٢٨ - حدثنا إسحاقُ بنُ إِبْراهِيمَ قالَ: حدّثنا مُعاذُ بنُ هِشَامٍ قال: حدّثني أبي
عَنْ قَتَادَةَ قالَ: حدّثنا أَنَسُ بنُ مالِكِ أنّ النَّبِيَّ عَ لَّه ومُعَاذَّ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِّ قال: ((يا مُعَاذُ بنَ
بجيل! قالَ: لَكَيْكَ يا رسولَ اللَّهِ وَسَعْدْكَ، قال: يا مُعَاذُ)). قال: لَبَيْكَ يا رسولَ اللَّهِ وَسَعْدئِكَ،
ثَلاَثًاً. قال: (ما مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أنْ لا إِلَهَ إلاَّ اللَّهُ وأنّ مُحمّداً رسولُ الله صِدْقاً مِنْ قَلْبِهِ إِلاَّ
حَوَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ) قال: يا رسولَ اللَّهِ! أَفَلاَ أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قال: ((إذاً يَتَّكِلُوا))،
وأخْبَرَ بِها مُعَادٍّ عِنْدَ مَوْتِهِ تأثُّماً. [الحديث ١٢٨ - طرفه في: ١٢٩].
مطابقة الحديث للترجمة من حيث المعنى: وهو أنه، عليه السلام، خص معاذاً بهذه
البشارة العظيمة دون قوم آخرين مخافة أن يقصروا في العمل متكلين على هذه البشارة. فإن
قلت: ترجمة الباب لتخصيص قوم، وما في الحديث دل على تخصيص شخص واحد وهو
معاذ؟ قلت: المقصود جواز التخصيص إما بشخص وإما بأكثر، وأما أمر اختلاف العبارة
فسهل، أو نقول: ليس ههنا مخصوصاً بشخص لأن أنساً أيضاً سمعه من رسول الله، عليه
الصلاة والسلام، كما دل عليه السياق. وأقل اسم الجمع اثنان. أو معاذ كان أمة قانتاً لله
حنيفاً. قال ابن مسعود، رضي الله عنه: وقيل له: يا أبا عبد الرحمن! ﴿إن إبراهيم كان أمة
قانتاً﴾ [النحل: ١٢]. فقال: إنا كنا نشبه معاذاً بإبراهيم، عليه السلام.
بيان رجاله: وهم خمسة: الأول: إسحاق بن إبراهيم وهو المشهور بابن راهويه، وتقدم
ذكره في: باب فضل من علم وعلم. الثاني: معاذ، بضم الميم: ابن هشام، بكسر الهاء
وتخفيف المعجمة: ابن أبي عبد الله الدستوائي: بالهمزة. وقيل: بالنون. وقيل: بالياءِ آخر
الحروف البصري. روى عن أبيه وابن عون، وعنه أحمد وغيره. قال ابن معين: صدوق وليس
بحجة، وعنه: ثقة ثقة. وعن ابن عدي: ربما يغلط في الشيء، وأرجو أنه صدوق. مات
بالبصرة سنة مائتين. الثالث: أبو هشام، تقدم في زيادة الإيمان ونقصانه. الرابع: قتادة بن
دعامة. الخامس: أنس بن مالك، رضي الله عنه.
بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد. وفيه: الإخبار
a
والعنعنة. ومنها: أن رواته بصريون ما خلا إسحاق. وهو أيضاً دخل البصرة. ومنها: أن فيه
رواية الأبناء عن الآباء.
بيان من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الإيمان عن إسحاق بن منصور عن معاذ بن
هشام عن أبيه به.
بيان اللغات: قوله: ((رديفه)) أي: راكب خلفه. قال ابن سيده: ردف الرجل وأردفه
وارتدفه: جعله خلفه على الدابة. ورديفك الذي يرادفك، والجمع: ردفاء وردافى، والردف:
الراكب خلفك، والرداف موضع مركب الرديف، وفي (الصحاح): كل شيء تبع شيئاً فهو
ردفه. وفي (مجمع الغرائب) ردفته، أي: ركبت خلفه. وأردفته: أركبته خلفي، وفي (الجامع)
للقزاز: أنكر بعضهم الرديف، وقال: إنما هو الردف. وحكي: ردفت الرجل وأردفته إذا ركبت

٣١١
٣ - كتاب العلم / باب (٤٩)
وراءه، وإذا جئت بعده. وأرداف الملوك في الجاهلية هم الذين كانوا يخلفون الملوك
كالوزراء، وعند ابن حبيب: يركب مع الملك عديله أو خلفه، وإذا قام الملك جلس مكانه،
وإذا سقي الملك سقي بعده، وقد جمع ابن منده أرداف النبي عَِّ فبلغوا نيفاً وثلاثين ردفاً.
قوله: ((على الرحل))، بفتح الراء وسكون الحاء المهملتين، وهو للبعير، وهو أصغر من القتب
ولكن معاذاً، رضي الله عنه، كان في تلك الحالة رديفه عَّ على حمار، كما سيأتي في
الجهاد إن شاء الله تعالى. وفي (العباب): الرحل رحل البعير وهو أصغر من القتب، وهو من
مراكب الرجال دون النساء، وثلاثة أرحل، والكثير: رحال، ورحلت البعير أرحله رحلاً: إذا
شددت على ظهره رحلاً. والقتب، بالتحريك: رحل صغير على قدر السنام.
قوله: ((لبيك))، بفتح اللام تثنية: لب، ومعناه: الإجابة. وقال الخليل: لب بالمكان:
أقام به حكاه عنه أبو عبيدة. قال الفراء: ومنه قولهم: لبيك، أي: أنا مقيم على طاعتك، وكان
حقه أن يقال: لبالك، فثنى على معنى التأكيد أي إلباباً لك بعد إلباب، وإقامة بعد إقامة. قال
الخليل: هذا من قولهم: دار فلان تلب داري أي تحاذيها، أي: مواجهك بما تحب إجابة
لك. والياء للتثنية. وقال ابن الأنباري: في لبيك أربعة أقوال. أحدها: إجابتي لك، مأخوذ من:
لب بالمكان وألب به إذا أقام به. وقالوا: لبيك، فثنوا لأنهم أرادوا إجابة بعد إجابة، كما قالوا:
حنانيك: أي رحمة بعد رحمة. وقال بعض النحويين: أصل لبيك لبيبك فاستثقل الجمع بين
ثلاث بآت فابدلوا من الثالثة باء، كما قالوا: تظنيت أصله: تظننت. والثاني: اتجاهي يا رب
وقصدي لك، فثني للتأكيد أخذاً من قولهم: داري تلب دارك أي: تواجهها. والثالث: محبتي
لك يا رب، من قول العرب: امرأة لبة إذا كانت محبة لولدها عاطفة عليه. والرابع: إخلاصي
لك يا رب، من قولهم: حسب لباب، إذا كان خالصاً محضاً. ومن ذلك: لب الطعام ولبابه.
قوله: ((وسعديك))، بفتح السين، تثنية سعد. والمعنى إسعاداً بعد إسعاد، أي: أنا مسعد
طاعتك إسعاداً بعد إسعاد فثنى للتأكيد كما في لبيك. قوله: ((يتكلوا)) بتشديد التاء المثناة من
فوق، من الاتكال، وهو الاعتماد. وأصله: الأوتكال، لأنه من: وكل أمره إلى آخر، فقلبت
الواو تاء وأدغمت التاء في التاء، وفي رواية الأصيلي والكشميهني: ((ينكلوا))، بسكون النون:
من النكول، وهو الامتناع، يعني: يمتنعوا عن العمل اعتماداً على مجرد القول بلا إله إلاّ اللَّهُ
محمد رسول الله عَ ◌ّه وقال الكرماني: وفي بعض الرواية: ينكلوا، بالنون من: النكال. قلت:
ليس بصحيح، وإنما هو من النكول كما ذكرناه، والنكال: العقوبة التي تنكل الناس عن فعل ما
جعلت له جزاء، وقال تعالى: ﴿فجعلناها نكالاً﴾ [البقرة: ٦٦] قال الزمخشري: أي جعلنا
المسخة عبرة تنكل من اعتبر بها، أي: تمنعه. ومنه النكل للقيد. قلت: النكل بكسر النون.
قوله: ((تأثماً)، بفتح التاء المثناة من فوق والهمزة وتشديد الثاء المثلثة: أي تجنباً عن الإثم،
يقال: تأثم فلان إذا فعل فعلاً خرج به عن الإثم، والإثم الذي يخرج به كتمان ما أمر الله
بتبليغه، حيث قال: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾ [آل
عمران: ١٨٧] وقال الجوهري: تأثم أي: تحرج عنه وكف. قلت: هذا من باب تفعل، وله
١
هوة
١

٣١٢
٣ - كتاب العلم / باب (٤٩)
معان: منها التجنب، يعني ليدل على أن الفاعل جانب أصل الفعل، نحو: تأثم، وتحرج أي:
جانب الإثم والحرج.
١:٣٠
بيان الإعراب قوله: ((ومعاذ))، بالرفع: مبتدأ و: رديف، خبره أو الجملة: حال. قوله: (
لى الرحل)) حال أيضاً. قوله: ((قال: يا معاذ)) في محل الرفع لأنه خبر: إن، أعني: إن النبي،
عليه الصلاة والسلام. قوله: (يا معاذ بن جبل)، يجوز في معاذ، وجهان من الإعراب:
أحدهما: النصب على أنه مع ما بعده كاسم واحد مركب، والمنادى المضاف منصوب.
والآخر: الرفع على أنه منادى مفرد علم. وأما: ابن، فهو منصوب بلا خلاف، واختار ابن
الحاجب النصب في: معاذ. وقال ابن مالك: الاختيار فيه الضم لأنه لا يحتاج إلى اعتذار.
وقال ابن التين: يجوز النصب على أن قوله: معاذ، زائد. فالتقدير: يا بن جبل، وفيه ما فيه.
قوله: ((لبيك)) من المصادر التي يجب حذف فعلها ونصبها، وكان حقه أن يقال: لبالك، كما
ذكرنا، ولكنه ثنى على معنى التأكيد. وكذا قوله: ((وسعديك)) مثله، وقال الأزهري: معنى:
لبيك، أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة أصلها: لبين، فحذفت النون للإضافة. قال الفراء:
نصب على المصدرية. وقال ابن السكيت: كقولك: حمداً وشكراً. قوله: ((ثلاثاً)، يتعلق بقول
كل واحد من النبي، عليه الصلاة والسلام، ومعاذ. أي: ثلاث مرات، يعني: النداء والإجابة
قيلا ثلاثاً. وصرح بذلك من رواية مسلم. وقال الكرماني: ويحتمل أن يتعلق بقول النبي عدّله:
يا معاذ ثلاث مرات. وقال: معاذ لبيك ثلاث مرات، فيكون من باب تنازع العاملين. قلت: لا
معنى لذكر الاحتمال، بل المعنى على ما ذكرنا، وأراد بتنازع لفظ: قال، في الموضعين. أعني
قوله: قال: يا معاذ، وقوله: قال لبيك، فإن كلاً منهما يقتضي العمل في: ثلاثاً.
قوله: (ما من أحد)) كلمة: ما، للنفي، وكلمة: من، زائدة لتأكيد النفي و: أحد، اسم:
ما. و: يشهد، خبرها. وكلمة: أن مفسرة. قوله: ((صدقاً) يجوز في انتصابه وجهان: أحدهما:
أن يكون حالاً بمعنى صادقاً. والآخر: أن يكون صفة مصدر محذوف، أي: شهادة صدقاً.
قوله: (من قلبه) يجوز أن يتعلق بقوله: (صدقاً)، فالشهادة لفظية، ويجوز أن يتعلق بقوله:
يشهد، فالشهادة قلبية. قوله: ((إلاَّ حرمه الله)). استثناء من أعم عام الصفات، أي: ما أحد
يشهد كائناً بصفة التحريم. قوله: ((أفلا أخبر؟)) الهمزة للاستفهام، ومعطوف: الفاء، محذوف
تقديره: أقلت ذلك؟ فلا أخبر، وبهذا يجاب عما قيل: إن الهمزة تقتضي الصدارة، والفاء
تقتضي عدم الصدارة، فما وجه جمعهما؟ واعلم أن همزة الاستفهام إذا كانت في جملة
معطوفة بالواو أو بالفاء أو بثم قدمت على العاطف تنبيهاً على أصالتها في التصدر نحو:
﴿أولم ينظروا﴾ [الأعراف: ١٨٥]. ﴿أفلم يسيروا﴾ [يوسف: ١٠٩، الحج: ٤٦، غافر: ٨٢،
محمد: ١٠]. ﴿أثم إذا ما وقع آمنتم به﴾ [يونس: ٥١]. وأخواتها، وتتأخر عن حروف
العطف كما هو قياس جميع أجزاء الكملة المعطوفة، نحو: ﴿و كيف تكفرون﴾ [آل عمران:
١٠١]. ﴿فأين تذهبون﴾ [التكوير: ٢٦]. ﴿فأنى تؤفكون﴾ [الأنعام: ٩٥، يونس: ٣٤، فاطر:
٣، غافر: ٦٢]. ﴿فهل يهلك إلا القوم الفاسقون﴾ [الأحقاف: ٣٥]. ﴿فأي الفريقين﴾

.٣.
٣١٣
٣ - كتاب العلم / باب (٤٩)
[الأنعام: ٨١]. ﴿فمالكم في المنافقين فئتين﴾ [النساء: ٨٨] هذا هو مذهب سيبويه
والجمهور. قوله: ((الناس))، بالنصب لأنه مفعول أخبر. قوله: ((فيستبشروا))، بحذف النون لأن
الفعل ينصب بعد الفاء المجاب بها بعد: النفي، والاستفهام، والعرض. والتقدير: فإن
يستبشروا، وفي رواية أبي ذر: ((يستبشرون))، بإثبات النون، والتقدير: فهم يستبشرون. قوله:
(إذا) جواب وجزاء، أي، إن أخبرتهم يتكلوا، كأنه قال: لا تخبرهم لأنهم حينئذ يتكلون على
الشهادة المجردة فلا يشتغلون بالأعمال الصالحة. قوله: ((تأثماً)) نصب على أنه مفعول له،
أي: مخافة التأثم.
بيان المعاني: قوله: ((ومعاذ)) هو معاذ بن جبل، رضي الله عنه. قوله: ((صدقاً من قلبه))
احترز به عن شهادة المنافقين، وقال بعضهم الصدق كما يعبر به قولاً عن مطابقة القول
المخبر عنه قد يعبر به فعلاً عن تحري الأفعال الكاملة. قال الله تعالى: ﴿والذي جاء بالصدق
وصدق به﴾ [الزمر: ٣٣] أي: حقق ما أورده قولاً بما تحراه فعلاً.
قلت: أشار إلى هذا المعنى أيضاً الطيبي، حيث قال: قوله: (صدقاً) هنا أقيم مقام
الاستقامة، وأشار بهذا إلى دفع ما قيل في أن ظاهر الخبر يقتضي عدم دخول جميع من شهد
الشهادتين النار، لما فيه من التعميم والتأكيد، وذلك لأن الأدلة القطعية قد دلت عند أهل
السنة والجماعة أن طائفة من عصاة الموحدين يعذبون ثم يخرجون من النار بالشفاعة. قال
الطيبي: ولأجل خفاء ذلك لم يؤذن لمعاذ، رضي الله عنه في التبشير به. وقد أجيب عن هذا
بأجوبة أخرى. منها: هذا مقيد بمن يأتي بالشهادتين تائباً ثم مات على ذلك. ومنها: أنه خرج
مخرج الغالب إذ الغالب أن الموحد يعمل الطاعة ويجتنب المعصية. ومنها: أن المراد بتحريمه
على النار تحريم خلوده فيها، لا أصل دخوله فيها. ومنها: أن المراد تحريم جملته لأن النار لا
تأكل مواضع السجود من المسلم، وكذا لسانه الناطق بالتوحيد. ومنها: أن ذلك لمن قال
الكلمة وأدى حقها وفريضتها، وهو قول الحسن. ومنها: ما قيل: إن هذا كان قبل نزول
الفرائض، والأمر والنهي، وهو قول سعيد بن المسيب وجماعة.
وقال بعضهم: فيه نظر لأن مثل هذا الحديث وقع لأبي هريرة، كما رواه مسلم،
وصحبته متأخرة عن نزول أكثر الفرائض، وكذا ورد نحوه من حديث أبي موسى، رواه أحمد
ابن حنبل بإسناد حسن، وكان قدومه في السنة التي قدم فيها أبو هريرة، رضي الله عنه. قلت:
في النظر نظر، لأنه يحتمل أن يكون ما رواه أبو هريرة وأبو موسى عن أنس، رضي الله عنه،
كلاهما قد رويا عنه ما رواه قبل نزول الفرائض، ووقعت روايتها بعد نزول أكثر الفرائض.
قوله: (إلا حرمه الله على النار) معنى التحريم المنع، كما في قوله تعالى: ﴿وحرام على
قرية أهلكناها﴾ [الأنبياء: ٩٥] فإن قلت: هل في المعنى فرق بين حرمه الله على النار وحرم
الله عليه النار؟ قلت: لا اختلاف إلا في المفهومين، وأما المعنيان فمتلازمان. فإن قلت: هل
تفاوت بين ما في الحديث وما ورد في القرآن: ﴿حرم الله عليه الجنة﴾ [المائدة: ٧٢].
قلت: يحتمل أن يقال: النار منصرفة والجنة منصرف منها، والتحريم إنما هو على المنصرف
i
٥١٥٠/
٠ جدة
i

٣١٤
٠٠٠٣:٠.
٨٩- ٣٠١٩- 479224
٣ - كتاب العلم / باب (٤٩)
أنسب، فروعي المناسبة. قوله: ((قال: إذا يتكلوا)) قد قلنا إن معناه: إن أخبرتهم يمتنعوا عن
العمل اعتماداً على الكلمة. وروى البزار من حديث أبي سعيد الخدري، في هذه القضية: ((أن
النبي، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، أذن لمعاذ، رضي الله عنه، في التبشير. فلقيه عمر،
رضي الله عنه، فقال: لا تعجل، ثم دخل فقال: يا نبي الله! أنت أفضل رأياً، إن الناس إذا
سمعوا ذلك اتكلوا عليها. قال: فرده، فرده)). وهذا معدود من موافقات عمر، رضي الله عنه.
قلت: فيه جواز الاجتهاد بحضرته معَّله. قوله: ((عند موته)) أي: عند موت معاذ، رضي الله
عنه. وقال الكرماني: الضمير في موته يرجع إلى معاذ، وإن احتمل أن يرجع إلى رسول الله
عَّهِ، والعندية على هذا الاحتمال باعتبار التأخر عن الموت، وعلى الأول أي: على ما هو
الظاهر باعتبار التقدم على الموت. وقال بعضهم: أغرب الكرماني. فقال: يحتمل أن يرجع
الضمير إلى رسول الله عَ لّم قلت: ويرده ما رواه أحمد في (مسنده) بسند صحيح عن جابر
بن عبد الله، رضي الله عنهما، قال: أخبرني من شهد معاذاً حين حضرته الوفاة يقول: سمعت
من رسول الله عَّ حديثاً لم يمنعني أن أحدثكموه إلاَّ مخافة أن يتكلوا ... فذكر الحديث.
انتهى كلامه. قلت: الحديث المذكور لا يرد ما قاله الكرماني ولا ينافيه، لأنه يحتمل
أن يكون أخبر به الناس عند موت النبي عَّه، والآخرين عند موت نفسه، ولا منافاة بينهما،
ثم إن صنيع معاذ، رضي الله عنه، أن النهي عن التبشير كان على التنزيه لا على التحريم، وإلاّ
لما كان يخبر به أصلاً، وقد قيل: إن النهي كان مقيداً بالاتكال فأخبر به من لا يخشى عليه
ذلك، وبهذا خرج الجواب عما قيل: هب أنه تأثم من الكتمان، فكيف لا يتأثم من مخالفة
رسول الله عَّه في التبشير؟ وقيل: إن المنع لم يكن إلاَّ من العوام، لأنه من الأسرار الإلهية لا
يجوز كشفها إلاّ للخواص خوفاً من أن يسمع ذلك من لا علم له فيتكل عليه، ولهذا لم
يخبر النبي عَّله إلاّ من أمن عليه الاتكال من أهل المعرفة. وسلك معاذ أيضاً هذا المسلك
حيث أخبر به من الخاص من رآه أهلاً لذلك، ولا يبعد أيضاً أن يقال: نداء رسول الله عَّه
معاذاً ثلاث مرات كان للتوقف في إفشاء هذا السر عليه أيضاً. وقال عياض: لعل معاذاً لم
يفهم النهي، لكن كسر عزمه عما عرض له من تبشيرهم. وقال بعضهم: الرواية الآتية صريحة
في النهي. قلت: لا نسلم أن النهي صريح في الحديث الآتي، وإنما فهم النهي من الحديثين
كليهما بدلالة النص، وهي فحوى الخطاب. قوله: ((وأخبر بها ... )) الخ، مدرج من أنس، رضي
الله عنه.
بيان استنباط الأحكام: الأول: فيه أنه يجب أن يخص بالعلم قوم فيهم الضبط وصحة
الفهم، ولا يبذل المعنى اللطيف لمن يستأهله من الطلبة ومن يخاف عليه الترخص والاتكال
لتقصير فهمه. الثاني: فيه جواز ركوب الاثنين على دابة واحدة. الثالث: فيه منزلة معاذ، رضي
الله عنه، وعزته عند رسول الله عَ به. الرابع: فيه تكرار الكلام لنكتة وقصد معنى. الخامس:
فيه جواز الاستفسار من الإمام عما يتردد فيه، واستئذانه في إشاعة ما يعلم به وحده. السادس:
فيه الإجابة: بلبيك وسعديك. السابع: فيه بشارة عظيمة للموحدين.
٠

٣١٥
٣ - كتاب العلم / باب (٤٩)
١٢٩/٦٨ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال: حدّثنا مُعْتَمِرٌ قال: سَمعْتُ أبي قال: سَمِعتُ أَنَساً
قال: ذُكِرَ لي أنَّ النَّبيَّ عَلِ قَالَ لِمُعَاذٍ: ((مَنْ لَقِي اللَّهَ لاَ يُشْركُ بِهِ شَيئاً دَخَلَ الجَنَّةَ). قالَ: أَلاَ
أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قال: ((لا! إنِّي أخافُ أنْ يُنْكلوا)). [انظر الحديث ١٢٨].
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة مثل مطابقة الحديث السابق.
بيان رجاله: وهم أربعة. الأول: مسدد بن مسرهد. الثاني: معتمر بن سليمان بن
طرخان التيمي البصري لم يكن من بني تيم، وإنما كان نازلاً فيهم، وهو مولى بني مرة، روى
عن أبيه ومنصور وغيرهما، وعنه ابن مهدي وغيره. وكان ثقة صدوقاً رأساً في العلم والعبادة
كأبيه، ولد سنة ست ومائة، ومات سنة سبع وثمانين ومائة بالبصرة. ويقال: كان أكبر من
سفيان بن عيينة بسنة، روى له الجماعة. الثالث: أبوه سليمان التيمي، وكان ينزل في بني
مرة، فلما تكلم بالقدر أخرجوه فقبله بنو تيمم وقدموه، وصار إماماً لهم. قال شعبة: ما رأيت
أصدق من سليمان، كان إذا حدث عن النبي عَِّ تغير لونه، وكان من العباد المجتهدين
يصلي الليل كله بوضوء العشاء الآخرة، كان هو وابنه معتمر يدوران بالليل في المساجد
فيصليان في هذا المسجد مرة وفي ذلك أخرى مات بالبصرة سنة ثلاث وأربعين ومائة، وكان
مائلاً إلى علي، رضي الله تعالى عنه. الرابع: أنس بن مالك، رضي الله عنه.
بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والسماع مكرراً. ومنها: أن رواته كلهم
بصريون. ومنها: أن فيه رواية الابن عن الأب. ومنها: أنه من الرباعيات العوالي، وهذا حديث
لم يخرجه غير البخاري.
بيان الإعراب والمعاني: قوله: ((قال: ذكر لي)) الضمير في: قال، يرجع إلى أنس، وهي
جملة في محل النصب على الحال. وقوله: ((ذكر)) على صيغة المجهول، ولم يسم أنس من
ذكر له ذلك، رواه عن معاذ، رضي الله عنه، وكذلك جابر بن عبد الله قال: أخبرني من شهد
معاذاً حين حضرته الوفاة ... ، الحديث كما بيناه عن قريب، ولم يسم من ذكر له، وذلك لأن
معاذاً، رضي الله عنه، إنما حدث به عند موته بالشام، وجابر وأنس حينئذ كانا بالمدينة ولم
يشهداه، وقد حضر في ذلك من معاذ عمرو بن ميمون الأودي، أحد المخضرمين، كما
سيأتي في (كتاب الجهاد) إن شاء الله تعالى، ورواه النسائي من طريق عبد الرحمن بن سمرة
الصحابي أنه سمع ذلك من معاذ أيضاً، فيحتمل أن يكون الذاكر لأنس، رضي الله عنه، إما
عمرو بن ميمون، وإما عبد الرحمن بن سمرة. والله أعلم. وقال الكرماني: فإن قلت:
لفظ ((ذكر)) يقتضي أن يكون هذا تعليقاً من أنس، ولما لم يكن الذاکر له معلوماً كان من باب
الرواية عن المجهول، فهل هو قادح في الحديث؟ قلت: التعليق لا ينافي الصحة إذا كان
المتن ثابتاً من طريق آخر، وكذا الجهالة، إذ معلوم أن أنساً لا يروي إلاّ عن العدل، سواء رواه
عن الصحابي أو غيره، ففي الجملة يحتمل في المتابعات والشواهد ما لا يحتمل في
الأصول. قلت: هذا ليس بتعليق أصلاً، والذاكر له معلوم عنده، غير أنه أبهمه عند روايته
وليس ذلك قادحاً في رواية الصحابي. قوله: ((من لقي الله)) مقول القول. وكلمة: من،
i
:
i
i
خجوة
١
٠٥٠٠٠٠
i

١٠٠
٣١٦
٠٠٠٠
٣ - كتاب العلم / باب (٥٠)
موصولة في محل الرفع على الابتداء. وقوله: ((دخل الجنة)) خبره، والمعنى: من لقي الأجل
الذي قدره الله، يعني: الموت.
قوله: ((لا يشرك به شيئاً) جملة وقعت حالاً، والمعنى: من مات حال كونه موحداً
حين الموت، وبهذا يجاب عما قيل: الإشراك لا يتصور في القيامة، وحق الظاهر أن يقال:
ولم يشرك به أي في الدنيا، وجواب آخر: أن أحكام الدنيا مستصحبة إلى الآخرة، فإذا لم
يشرك في الدنيا عند الانتقال إلى الآخرة صدق أنه لا يشرك في الآخرة. فإن قلت: التوحيد
بدون إثبات الرسالة كيف ينفعه، فلا بد من انضمام: محمد رسول الله، إلى قوله: لا إله إلا
الله؟ قلت: هو مثل: من توضأ صحت صلاته، أي عند حصول شرائط الصحة، فمعناه: من
لقي الله موحداً عند الإيمان بسائر ما يجب الإيمان به، أو علم رسول الله عَ لِ أن من الناس
من يعتقد أن المشرك أيضاً يدخل الجنة، فقال رداً لذلك الاعتقاد الفاسد: من لقي الله لا
يشرك به شيئاً دخل الجنة. فإن قلت: هل يدخل الجنة وإن لم يعمل عملاً صالحاً؟ قلت:
يدخل، وإن لم يعمل، إما قبل دخول النار وإما بعده، وذلك بمشيئة الله تعالى إن شاء عفا عنه،
وإن شاء عذبه ثم أدخله الجنة.
وقال بعضهم: قوله: ((لا يشرك به) اقتصر على نفي الإشراك لأنه يستدعي التوحيد
بالاقتضاء، ويستدعي إثبات الرسالة باللزوم، إذ من كذب رسل الله فقد كذب الله، ومن كذب
الله فهو مشرك. قلت: هذا تصور لا يوجد معه التصديق، فإن أراد بالاقتضاء، على اصطلاح
أهل الأصول، فليس كذلك على ما لا يخفى، وإن أراد به على اصطلاح غير أهل الأصول،
فلم يذهب أحد منهم إلى هذه العبارة في الدلالات. وقوله أيضاً: ومن كذب الله فهو مشرك،
ليس كذلك، فإن المكذب لا يقال له إلاَّ كافر. قوله: ((قال)) أي: معاذ. ((أَلاَ أَبشر الناس!))
أي: بذلك، و: أَلاَ، للتنبيه، و: أبشر الناس، جملة من الفعل والفاعل والمفعول. قوله: ((قال))
أي النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، ((إني أخاف أن يتكلوا))، وهذه رواية كريمة، أعني:
بإثبات: إني، وفي رواية غيرها: ((قال: لا! أخاف)) بغير: إني، فكلمة: لا، للنهي، وليست
داخلة على أخاف، وإنما المعنى لا تبشر، ثم استأنف فقال: أخاف. وفي رواية الحسن بن
سفيان في مسنده عن عبيد الله بن معاذ بن عن معتمر، ((قال: لا! دعهم فليتنافسوا في
الأعمال، فإني أخاف أن يتكلوا)) وكلمة: أن، مصدرية، والتقدير: إني أخاف اتكالهم على
مجرد الكلمة.
٥٠ - بابُ الحَيَاءِ في العِلْم
أي: هذا باب في بيان الحياء في العلم، والحياء ممدود، وهو تغير وانكسار يعتري
الإنسان عند خوف ما يعاب أو يذم، وقد مر الكلام فيه مستوفيّ. فإن قلت: ما مراده بالحياء
في العلم؟ استعماله فيه أو تركه؟ قلت: مراده كلاهما ولكن بحسب الموضع فاستعماله
مطلوب في موضع، وتركه مطلوب في موضع، فالأول: هو الذي أشار إليه بحديث أم سلمة،
١٠

٣١٧
٣ - كتاب العلم / باب (٥٠)
رضي الله عنها، وحديث ابن عمر، رضي الله عنهما. والثاني: هو الذي أشار إليه بالأثر
المروي عن مجاهد وعائشة رضي الله عنهما. فالحياء في القسم الأول ممدوح وفي الثاني
مذموم، ولكن إطلاق الحياء على هذا القسم بطريق المجاز لأنه ليس بحياء حقيقة، وإنما هو
عجز وكسل، وسمي حياء لشبهه بالحياء الحقيقي في الترك فافهم.
فإن قلت: ما المناسبة بين البابين؟ قلت: من حيث إنه لما كان المذكور في الباب
السابق تخصيص قوم دون قوم بالعلم لمعنى ذكر فيه، ذكر هذا الباب عقيبه تنبيهاً على أنه لا
ينبغي لأحد أن يستحي من السؤال مما له فيه حاجة، زاعماً أن العلم مخصوص بقوم دون
قوم، بل عليه أن يسأل عن كل ما لا يعلمه من أمر دينه ودنياه.
وقال مُجَاهِدُ: لاَ يَتَعَلَّمُ العِلْمَ مُسْتَخِي ولا مُسْتَكْبِرٌ
مطابقة هذا الأثر الذي أخرجه معلقاً على مجاهد بن جبر التابعي الكبير لترجمة الباب
في الوجه الثاني من الوجهين اللذين ذكرناهما في الحياء، وهو الوجه الذي فيه: ترك الحياء
مطلوب، وهذا التعليق رواه ....
i
قوله: ((مستحي)، بإسكان الحاء وباليائين ثانيهما ساكنة: من استحى يستحي فهو
مستحي على وزن: مستفعل، ويجوز فيه مستحي بياء واحدة من استحى يستحي فهو
مستحي على وزن مستفع، ويجوز مستح أيضاً بدون الياء على وزن: مستفٍ، ويكون الذاهب
فيه عين الفعل ولامه وفاؤه باق، وكذلك يقال في: استحييت استحيت، بياء واحدة فأعلوا
الياء الأولى، وألقوا حركتها على الحاء قبلها استثقالاً لما دخلت علیه الزوائد. قال سیبویه:
حذفت لالتقاء الساكنين، لأن الياء الأولى تقلب ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها. قال: وإنما
فعلوا ذلك حيث كثر في كلامهم. وقال المازري: لم تحذف لالتقاء الساكنين، لأنها لو
حذفت لذلك لردوها، إذا قالوا: هو يستحي، ولقالوا: يستحي كما قالوا: يستبيع. وقال
الأخفش: استحى بياء واحدة لغة تميم، وبيائين لغة أهل الحجاز وهو الأصل لأن ما كان
موضع لامه معتلاً لم يعلوا عينه. ألا ترى أنهم قالوا: حييت وحويت، ويقولون: قلت وبعت،
فيعلون العين لما لم تعتل اللام، وإنما حذفوا الياء لكثرة استعمالهم لهذه الكلمة، كما قالوا: لا
أدرٍ في: لا أدري. قوله: ((ولا مستكبر)) أي: مستعظم في نفسه، وهو الذي يتعاظم ويستنكف
أن يتعلم العلم. والاستكبار والتكبر هو التعظم، وللعلم آفات، فأعظمها الاستنكاف وثمرته
الجهل والذلة في الدنيا والآخرة. وسئل أبو حنيفة، رضي الله عنه: بم حصلت العلم العظيم؟
فقال: ما بخلت بالإفادة، ولا استنكفت عن الاستفادة.
١
i
وقَالَتْ عَائِشَةُ: نِعْمَ النَّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ لَمْ يَتَعْهُنَّ الحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ
مطابقة هذا الأثر المعلق أيضاً مثل مطابقة الأثر المروي عن مجاهد. وقال الكرماني:
(وقالت)): عطف على: وقال مجاهد، ويحتمل أن يكون عطفاً على: لا يتعلم، فيكون من
i

٣١٨
٣ _ كتاب العلم / باب (٥٠)
مقول مجاهد أيضاً والأصح أن مجاهداً سمع من عائشة، رضي الله عنها. قلت: هذا تعسف،
والصواب ما قاله أولاً من أنه عطف على: قال مجاهد، فهذا من كلام مجاهد، وهذا من
كلام عائشة، وليس لأحدهما تعلق بالآخر، وهذا التعليق رواه أبو داود عن عبيد الله بن معاذ:
حدثنا أبي حدثنا شعبة عن إبراهيم بن مهاجر عن صفية بنت شيبة عن عائشة، رضي الله
عنها، قال: (نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يسألن عن الدين ويتفقهن فيه)).
قوله: ((نعم النساء)) كلمة: نعم، من أفعال المدح، كما أن بئس من أفعال الذم، وهي ما وضع
لإنشاء مدح أو ذم، وشرطها أن يكون الفاعل معرفاً باللام، أو مضافاً إلى المعرف بها، وهما
فعلان بدليل جواز اتصال تاء التأنيث الساكنة بهما في كل اللغات، ويجوز حذفها. وإن كان
الفاعل مؤنثاً حقيقياً لأنه غير متصرف، فأشبه الحرف. ومنه قول عائشة حيث قالت: ((نعم
النساء))، ولم تقل: نعمت النساء، فارتفاع النساء على الفاعلية، وارتفاع النساء الثانية على أنها
مخصوصة بالمدح. كما في قولك: نعم الرجل زيد فهو مبتدأ، وما قبله من الجملة خبره.
قوله: ((الحياء)) فاعل ((لم يمنعهن). قوله: ((أن يتفقهن) تقديره: ع
أن يتفقهن، و: أن مصدرية. والتقدير: عن التفقه في أمور الدين، والمراد من نساء الأنصار:
نساء أهل المدينة.
١٣٠/٦٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَم قال: أخبرنا أَبُو مُعاويَّةَ قال: حدّثنا هِشَامٌ عَنْ أَبِیهِ
عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمُّ سَلَمَةً عَنْ أَمّ سَلَمَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسولِ اللَّهِ صَ لِّ فقالَتْ: يا
رسولَ اللَّهِ! إِنَّ اللَّهَ لا يَشْتَحِيْي مِنَ الحَقِّ فَهَلْ عَلَى المَرْأَةِ مِّنْ غُسْلٍ إِذَا اخْتَلَمَتْ؟ قالَ النَّبيُّ
عَ لَهُ: (إِذَا رَأْتِ المَاءَ) فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ - تَعْنِي وَجْهَهَا - وقالَتْ: يا رسولَ اللَّهِ! وتَحْتَلِمُ
المَوْأَةُ؟ قالَ: (نَعَمْ . - تَرِبَتْ يَمِينُكِ - فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا)). [الحديث ١٣٠ - أطرافه في:
٢٨٢، ٣٢٢٨، ٦٠٩١، ٦١٢١].
مطابقة الحديث للترجمة من حيث الوجه الأول من وجهي الحياء اللذين ذكرناهما في
أول الباب.
بيان رجاله: وهم ستة. الأول: محمد بن سلام، بتخفيف اللام على الأكثر،
البيكندي. الثاني: أبو معاوية محمد بن حازم، بالمعجمتين، الضرير التيمي. الثالث: هشام بن
عروة. الرابع: أبوه عروة بن الزبير بن العوام. الخامس: زينب بنت أم سلمة، وهي زينب بنت
عبد الله بن عبد الأسد المخزومي أبي سلمة، ونسبت إلى الأم التي هي أم المؤمنين بياناً
لشرفها لأنها ربيبة رسول الله، عليه الصلاة والسلام، وإشعاراً بأن روايتها عن أمها، واسمها
كان برة فغيره النبي، عليه الصلاة والسلام، إلى زينب، وكانت من أفقه نساء زمانها، ولدتها
أمها بأرض الحبشة، وقدمت بها، وهي أخت عمر وسلمة ودرة، روى لها البخاري حديثاً
واحداً، ومسلم آخر، ماتت سنة ثلاث وسبعين، وروى لها الجماعة. السادس: أم سلمة زوج
النبي، عليه الصلاة والسلام، واسمها هند بنت أبي أمية، وقد تقدم ذكرها في: باب العلم
والعظة بالليل.
٠١٧٣

4++٢
٫٠٠
٣١٩
٣ - كتاب العلم / باب (٥٠)
بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة. ومنها: أن فيه رواية
الصحابية عن الصحابية. ومنها: فيه أن رواية البنت عن الأم.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في (الطهارة) عن عبد الله
ابن يوسف، وفي (الأدب) عن إسماعيل، كلاهما عن مالك، وفيه أيضاً: عن محمد بن المثنى
عن يحيى، وفي (خلق آدم) عن زهير، ثلاثتهم عن هشام بن عروة عن أبيه. وأخرجه مسلم
في (الطهارة) عن يحيى بن يحيى عن أبي معاوية به، وعن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن
حرب، كلاهما عن وكيع، وعن ابن أبي عمر عن سفيان، كلاهما عن هشام بن عروة به.
وأخرجه الترمذي في (الطهارة) عن ابن أبي عمر به، وقال: حسن صحيح. وأخرجه النسائي
فيه، وفي (العلم) عن شعيب بن يوسف عن يحيى بن سعيد به. وأخرجه ابن ماجه في
(الطهارة) عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد، كلاهما عن وكيع به. وأخرجه أبو
داود في (الطهارة) من حديث عائشة عن أحمد بن صالح عن عنبسة عن يونس عن ابن
شهاب عن عروة عن عائشة، أن أم سليم الأنصارية، وهي أم أنس بن مالك، قالت: يا رسول
الله إن الله لا يستحي من الحق ... الحديث.
بيان اللغات: قوله: ((لا يستحيي)) فيه لغتان أفصحهما بالياءین، وقد ذكرناه عن قريب
مستوفى. قوله: (من الحق) وهو ضد الباطل. قوله: ((من غسل))، بضم الغين: وهو اسم للفعل.
المشهور، بفتح الغين المصدر، وأما الغسل بالكسر فهو اسم ما يغسل به كالسدر ونحوه، وفي
(المحكم): غسل الشيء يغسله غَسلاً وغُسلاً. وقيل: الغَسل المصدر والغُسل الاسم. قلت:
الحاصل أن الغسل بالفتح والضم مصدران عند أكثر أهل اللغة، وبعضهم فرق بينهما فقالوا:
بالفتح المصدر وبالضم الاسم. قوله: ((إذا احتلمت)) مشتق من الحلم، بالضم، وهو ما يراه
النائم. تقول منه: حلم، بالفتح، واحتلم. تقول: حلمت بكذا وحلماته أيضاً، والحلم بالكسر
الأناة. تقول منه: حلم الرجل، بالضم، وتحلم: تكلف الحلم، بالكسر. وتحلم إذا ادعى
الرؤيا كاذباً. قوله: ((تربت يمينك))، بكسر الراء من ترب الرجل إذا افتقر، أي لصق بالتراب
وأترب إذا استغنى، وهذه الكلمة جارية على ألسنة العرب، لا يريدون بها الدعاء على
المخاطب ولا وقوع الأمر بها كما يقولون: قاتله الله. وقيل: معناه لله درك. وقيل: أراد بها
المثل ليرى المأمور بذلك الجد وأنه إن خالفه فقد أساء. وقال بعضهم: هو دعاء على
الحقيقة وليس بصحيح، وكثيراً ما يرد للعرب ألفاظ ظاهرها الذم وإنما يريدون بها المدح،
كقولهم: لا أب لك! و: لا أم لك! وهوت أمه، ولا أرض لك. ونحو ذلك. قال الهروي:
ومنه قوله في حديث حزيمة: ((أنعم صباحاً تربت يداك)). فأراد الدعاء له ولم يرد الدعاء عليه،
والعرب تقول: لا أم لك ولا أب لك يريدون: لله درك. وقال عياض: هذا خطاب على عادة
العرب في استعمال هذه الألفاظ عند الإنكار للشيء والتأنيس أو الإعجاب أو الاستعظام، لا
يريدون معناها الأصلي. قلت: ولذوي الألباب في هذا الباب أن ينظروا إلى اللفظ وقائله، فإن
كان ولياً فهو الولاء وإن خشن، وإن كان عدواً فهو البلاء وإن حسن.
٠ جوة
١
i

٣٢٠
٣ - كتاب العلم / باب (٥٠)
بيان الإعراب: قوله: ((لا يستحي) جملة في محل الرفع على أنها خبر: إن. قوله: ((
هل) للاستفهام، وكلمة: من، في: (من غسل)) زائدة، أي: هل غسل يجب على المرأة؟ قوله:
(إذا رأت الماء)) كلمة إذا، ظرفية تقديره: عليها غسل حين رأت المني إذا انتبهت، ويجوز أن
تكون شرطية تقديره: إذا رأت وجب عليها غسل، والماء، منصوب بقوله: ((رأت)) من رؤية
العين. قوله: ((فغطت)) فعل، وأم سلمة فاعله و((وجهها)) مفعوله. قوله:
((وتحتلم المرأة)) عطف على مقدر يقتضيه السياق أي: أتقول ذلك؟ أو: أترى على المرأة
الماء وتحتلم؟ ونحوه. وروي: ((أو تحتلم المرأة)) بهمزة الاستفهام. قوله: ((تربت)) فعل
(ويمينك)) كلام إضافي فاعله، والجملة خبرية في الأصل ولكنها دعاء في الاستعمال، وقيل
على حالها خبر لأنه لا يراد حقيقتها. قوله: (فبم)) أصله فبما، فحذفت الألف. قوله: ((يشبهها)
فعل ومفعول، والضمير يرجع إلى المرأة. قوله: ((ولدها)) بالرفع فاعل.
بيان المعاني: قوله: ((إن الله لا يستحي)) أي: لا يمتنع من بيان الحق، فكذا أنا لا أمتنع
من سؤالي عما أنا محتاجة إليه مما تستحي النساء في العادة من السؤال عنه، لأن نزول
المني منهن يدل على شدة شهوتهن للرجال، وإنما فسرناه هكذا لأن الحياء تغير وانكسار
يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب به أو يذم، وهذا محال على الله تعالى، فيكون هذا جارياً
على سبيل الاستعارة التبعية التمثيلية، كما في حديث سلمان، قال: قال رسول الله عَ لَّهِ: ((إن
الله حي كريم يستحي إذا رفع العبد يديه أن يردهما صفراً حتى يضع فيهما خيراً). شبه ترك
الله إجابة العبد ورد يديه إليه صفراً بترك الكريم ورده المحتاج حياء، فقيل: ترك الله الرد حياء،
كما قيل: ترك الكريم رد المحتاج حياء، فأطلق الحياء ثمة كما أطلق الحياء ههنا، فلذلك
استعير ترك الله المستحيي لترك الحق ثم نفي عنه. قوله: ((فعطت أم سلمة)) الظاهر أن هذا
من كلام زينب، فالحديث ملفق من رواية صحابيتين، ويحتمل أن يكون من أم سلمة على
سبيل الالتفات كأنها جردت من نفسها شخصاً فأسندت إليه التعظية إذ أصل الكلام: فغطيت
وجهي وقلت: يا رسول الله. قوله: ((يعني وجهها)) هذا الإدراج من عروة ظاهراً، ويحتمل أن
يكون من راوٍ آخر، وهذا إدراج في إدراج. قوله: ((فبم يشبهها ولدها))؟ وفي الصحيح من
حديث أنس: فمن أين يكون الشبه؟ ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فمني
أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه، وفي حديث عائشة: وهل يكون الشبه إلاّ من قبل ذلك،
إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الولد أخواله، وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه. وقال
بعضهم: فيه رد على من يقول: إن ماء الرجل يخالط دم المرأة، وإن ماء الرجل كالأنفحة،
ودمها كاللبن الحليب.
فائدة: جاء عن جماعة من الصحابيات أنهن سألن كسؤال أم سليم. منهن خولة بنت
حكيم، أخرجه ابن ماجه، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان. وبسرة، ذكره ابن أبي شيبة.
وسلهة بنت سهيل، رواه الطبراني في (الأوسط) وفي إسناده ابن لهيعة، والأحاديث فيه عن أم
سلمة وعائشة وأنس، رضي الله عنهم، ولم يخرج البخاري غير حديث أم سلمة، وأخرج