النص المفهرس

صفحات 261-280

٠٠٠,
Lim:
٢٦١
٣ - كتاب العلم / باب (٤٠)
بالرفع، وروي به، ووجهه أن يكون استئنافاً. وقد جرت عادة ابن عيينة يحدث بحذف صيغة
الأداء. قوله: ((ويحيى)) عطف على عمرو في الوجهين. وقال الشيخ قطب الدين: وقد أخرجه
البخاري في السند الأول متصلاً، فذكر فيه هنداً، وفي السند الثاني عن امرأة لم يسمها، وقد
سماها في بقية الأبواب، والاعتماد فيه على المتصل. وقال الكرماني: ويحتمل أن يكون -
أي الإسناد الثاني - تعليقاً من البخاري عن عمرو، ثم قال: والظاهر الأصح هو الأول أي
الإسناد الأول قلت: كلاهما صحيحان متصلان كما ذكرنا.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في(صلاة الليل) عن محمد
ابن مقاتل عن عبد الله بن المبارك عن معمر، وفى (اللباس) عن عبد الله بن محمد عن هشام
ابن يوسف عن معمر، وفي(علامات النبوة) في موضعين من (كتاب الأدب) عن أبي اليمان
عن شعيب وفي الفتن عن إسماعيل عن أخيه عن سليمان بن بلال عن محمد بن أبي عتيق،
كلهم عن الزهري عن هند به. قال الحميدي: هذا الحديث مما انفرد به البخاري عن مسلم.
وأخرجه الترمذي في (الفتن) عن سويد بن نصر عن ابن المبارك به، وقال: صحيح، وأخرجه
مالك عن یحیی بن سعید عن ابن شهاب مرسلاً.
بيان الإعراب والمعاني: قوله: (استيقظ)) بمعنى تيقظ. وليس السين فيه للطلب، كما
في قوله عليه السلام: ((إذا استيقظ أحدكم من منامه)). ومعناه انتبه من النوم، وهو فعل، وفاعله
النبي عَّهِ. قوله: ((ذات ليلة)) أي: في ليلة، ولفظة: ذات، مقحمة للتأكيد. وقال الزمخشري:
هو إضافة المسمى إلى اسمه. وقال الجوهري: أما قولهم: ذات مرة، و: ذو صباح، فهو من
ظروف الزمان التي لا تتمكن تقول: لقيته ذات يوم وذات ليلة. قلت: إنما لم يتصرف: ذات
مرة. وذات يوم، و: ذات صباح، و: ذو مساء، لأمرين: أحدهما: أن إضافتها من قبيل إضافة
المسمى إلى الاسم، لأن قولك: لقيتك ذات مرة وذات يوم، قطعة من الزمان ذات مرة وذات
يوم، أي: صاحبة هذا الاسم، وكذا: ذو صباح وذو مساء. أي: وقت ذو صباح أي صاحب هذا
الاسم، فحذفت الظروف وأقيمت صفاتها مقامها فأعربت بإعرابها، وإضافة المسمى للإسم قليلة
لأنها تفيده بدون المضاف ما تفيد معه. الثاني: أن ذات وذو من ذات مرة وأخواتها ليس لهما
تمكن من ظروف الزمان لأنهما ليسا من أسماء الزمان. وزعم السهيلي أن ذات مرة وذات يوم
لا يتصرفان في لغة خثعم ولا غيرها. قوله: ((فقال)) عطف على: استيقظ. قوله: ((سبحان الله))
مقول القول، وسبحان، علم للتسبيح: كعثمان، علم للرجل، وانتصابه على المصدرية،
والتسبيح في اللغة التنزيه، والمعنى هنا: أنزه الله تنزيهاً عما لا يليق به، واستعماله هنا
للتعجب، لأن العرب قد تستعمله في مقام التعجب. قوله: ((ماذا)) فيه أوجه: الأول: أن يكون
ما، استفهاماً، و: ذا، إشارة، نحو: ماذا الوقوف؟، الثاني: أن تكون ما، استفهاماً، وذا، موصولة
بمعنى: الذي. الثالث: أن تكون: ماذا كلمة استفهام على التركيب، كقولك: لماذا جئت؟
الرابع: أن تكون: ما، نكرة موصوفة بمعنى شيء. الخامس: أن تكون: ما، زائدة، و: ذا
للإشارة. السادس: أن تكون: ما، استفهاماً وذا، زائدة أجازه جماعة منهم ابن مالك.
جوم
i
P
٠٠٠٠
هو .

:٦٠٧٧
٢٦٢
٣ - كتاب العلم / باب (٤٠)
قوله: (أنزل) على صيغة المجهول. وفي رواية الكشميهني: ((أنزل الله))، والإنزال في
اللغة إما بمعنى الإيواء كما يقال: أنزل الجيش بالبلد، ونزل الأمير بالقصر، وإما بمعنى تحريك
الشيء من علو إلى أسفل، كقوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء﴾ [المؤمنون: ١٨، الفرقان:
٤٨، لقمان: ١٠] وهذان المعنيان لا يتحققان في: أنزل الله، فهو مستعمل في معنى مجازي
بمعنى: أعلم الله الملائكة بالأمر المقدر، وكذلك المعنى في أنزل الله القرآن، فمن قال: إن
القرآن معنى قائم بذات الله تعالى، فإنزاله أن يوجد الكلمات والحروف الدالة على ذلك
المعنى، ويثبتها في اللوح المحفوظ. ومن قال: القرآن هو الألفاظ، فإنزاله مجرد إثباته في
اللوح المحفوظ، لأن الإنزال إنما يكون بعد الوجود، والمراد بإنزال الكتب السماوية أن يتلقاها
الملك من الله تلقياً روحانياً أو يحفظها من اللوح المحفوظ وينزل بها فيلقيها على
الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام. وكأن النبي، عليه الصلاة والسلام، أوحي إليه في يومه ذلك
بما سيقع بعده من الفتن، فعبر عنه بالإنزال.
قوله: ((الليلة) بالنصب على الظرفية. قوله: ((وما فتح من الخزائن) الكلام فيه من جهة
الإعراب مثل الكلام فيما أنزل، وعبر عن الرحمة بالخزائن، كقوله: ((خزائن رحمة ربي)، وعن
العذاب بالفتن لأنها أسباب مؤدية إلى العقاب. وقال المهلب: فيه دليل على أن الفتن تكون
في المال وفي غيره لقوله: (ماذا أنزل من الفتن! وماذا فتح من الخزائن!)). وقال الداودي:
قوله: ((مذا أنزل الليلة من الفتن) وهو ما فتح من الخزائن. قال: وقد يعطف الشيء على نفسه
تأكيداً، لأن ما يفتح من الخزائن يكون سبباً للفتنة، واحتج الأول بقول حذيفة، رضي الله
عنه: فتنة الرجل في أهله وماله ويكفرها الصلاة والصدقة. قلت: المعنى أنه، عليه الصلاة
والسلام، رأى في تلك الليلة المنام، وفيه أنه سيقع بعده فتن. وأنه يفتح لأمته الخزائن.
وعرف عند الاستيقاظ حقيقته إما بالتعبير أو بالوحي إليه في اليقظة قبل النوم أو بعده. وقد
وقعت الفتن كما هو المشهور، وفتحت الخزائن حيث تسلطت الصحابة، رضي الله عنهم،
على فارس والروم وغيرهما، وهذا من المعجزات حيث أخبر بأمر قبل وقوعه فوقع مثل ما أخبر.
قوله: ((أيقظوا) بفتح الهمزة لأنه أمر من الإيقاظ بكسر الهمزة. قوله: ((صواحب الحجر) كلام
إضافي مفعوله، وأراد بها زوجاته، عليه الصلاة والسلام، وهو جمع: صاحبة. والحجر، بضم
الحاء المهملة وفتح الجيم: جمع حجرة، وأراد بها منازل زوجاته، وإنما خصهن بالإيقاظ
لأنهن الحاضرات حينئذ أخبرت بذلك أم سلمة، رضي الله عنها. كانت تلك الليلة ليلتها وهو
الظاهر. وقال الكرماني: يجوز أيقظوا، بكسر الهمزة أي: انتبهوا أو الصواحب منادى لو
صحت الرواية به. قلت: هذا ممنوع من وجهين: أحدهما: من جهة الرواية حيث لم يروونه
هكذا. والآخر: من جهة اللفظ، وهو أنه لو كان كذلك كان يقال: أيقظن، لأن الخطاب
للنساء. قوله: ((قرب كاسية)) أصل: رب، للتقليل، وقد تستعمل للتكثير كما في رب ههنا،
والتحقيق فيه أنه ليس معناه التقليل دائماً خلافاً للأكثرين، ولا التكثير دائماً خلافاً لابن درستويه
وجماعة، بل ترد للتكثير كثيراً، وللتقليل قليلاً. فمن الأول: ﴿ربما يود الذين كفروا لو كانوا

٢٦٣
٣- كتاب العلم / باب (٤١)
مسلمين﴾ [الحجر: ٢] ((ورب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة)). ومن الثاني: قول الشاعر:
أُلا رب مولود ولیس له أُب
وفيها لغات قد ذكرناها مرة، وفعلها الذي تتعلق هي به ينبغي أن يكون ماضياً ويحذف
غالباً. والتقدير: رب كاسية عارية عرفتها، والمراد: إما اللاتي تلبس رقيق الثياب التي لا تمنع
من إدراك البشرة معاقبات في الآخرة بفضيحة التعري، وإما اللابسات للثياب الرقيقة النفيسة
عاريات من الحسنات في الآخرة، فندبهن على الصدقة وحضهن على ترك السرف في
الدنيا، يأخذن منها أقل الكفاية ويتصدقن بما سوى ذلك، وهذه البلوى عامة في هذا الزمان لا
سيما في نساء مصر، فإن الواحدة منهن تتغالى في ثمن قميص إما من عندها أو بتكليفها
زوجها حتى تفصل قميصاً بأكمام هائلة وذيل سابلة جداً، منجرة وراءها أكثر من ذراعين،
وكل كم من كميها يصلح أن يكون قميصاً معتدلاً، ومع هذا إذا مشت يرى منها أكثر بدنها
من نفس كمها، فلا شك أنهن ممن يدخلن في هذا الحديث، وهو من جملة معجزات
النبي، عليه الصلاة والسلام، حيث أخبر بذلك قبل وقوعه، لما علم بإطلاع الله تعالى إياه أن
مثل هذا سيقع في أمته من فتح الخزائن وكثرة الأموال المؤدية إلى مثل هذه الجريمة وغيرها،
ولكن لما أمر النبي، عليه الصلاة والسلام، بإيقاظ نسائه خص تذكيره ووعظه لهن بهذا
الوصف تحذيراً لهن عن مباشرة الإسراف المنهي عنه، ولأنه من الأمور المؤدية إلى فساد
عظيم على ما لا يخفى. وقال الطيبي: ((رب كاسية)) كالبيان لموجب استيقاظ الأرواح، أي:
لا ينبغي لهن أن يتغافلن ويعتمدن على كونهن أهالي رسول الله، عليه الصلاة والسلام، أي:
رب كاسية حلى الزوجية المشرفة بها وهي عارية عنها في الآخرة لا تنفعها إذا لم تضمها مع
العمل. قال تعالى: ﴿فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون﴾ [المؤمنون: ١٠١] قوله:
((كاسية)) على وزن: فاعلة، من: كسا، ولكن بمعنى مكسوة، كما في قول الحطيئة.
واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
قال الفراء: يعني المكسو. كقولك: ماء دافق، وعيشة راضية. لأنه يقال: كسي
العريان، ولا يقال: كسا. قوله: ((عارية) بتخفيف الياء. قال القاضي. أكثر الروايات بخفض
عارية على الوصف. وقال السهيلي: الأحسن عند سيبويه الخفض على النعت لأن: رب،
عنده حرف جر يلزم صدر الكلام، ويجوز الرفع كما تقول: رب رجل عاقل على إضمار
مبتدأ، والجملة في موضع النعت أي: هي عارية، والفعل الذي يتعلق به: رب، محذوف.
واختار الكسائي أن يكون رب اسماً مبتدأ، والمرفوع خبرها. يستفاد من هذا الحديث أن
للرجل أن يوقظ أهله بالليل للصلاة ولذكر الله تعالى، لا سيما عند آية تحدث أو رؤيا مخوفة،
وجواز قول: سبحان الله، عند التعجب واستحباب ذكر الله بعد الاستيقاظ وغير ذلك.
٤١ - بابُ السَّمَر في العِلْم
أي: هذا باب في بيان السمر في العلم، هذه رواية أبي ذر بإضافة الباب إلى السمر،
F

٢٦٤
٣ - كتاب العلم / باب (٤١)
وفي رواية غيره باب السمر في العلم بتنوين الباب، وقطع الإضافة، وارتفاعه على أنه خبر
مبتدأ محذوف، كما ذكرنا. والسمر، مبتدأ: وفي العلم، في محل الصفة، والخبر محذوف
تقديره: هذا باب في السمر بالعلم أي: بيان السمر بالعلم، و: السمر، بفتح الميم، هو
الحديث بالليل، ويقال: السمر بإسكان الميم، وقال عياض: الأول هو الرواية. قال ابن سراج:
الإسكان أولى، وضبطه بعضهم به، وأصله لون القمر، لأنهم كانوا يتحدثون إليه، ومنه الأسمر
لشبهه بذلك اللون. وقال غيره: السمر، بالفتح: الحديث بالليل، وأصله لا أكلمه السمر
والقمر، أي: الليل والنهار. وفي (العباب) السمر المسامرة أي: الحديث بالليل، وقد سمر
يسمر وهو سامر والسامر أيضاً السمار وهم القوم يسمرون، كما يقال للحجاج: حاج كما قال
الله تعالى: ﴿سامراً تهجرون﴾ [المؤمنون: ٦٧] أي: سماراً يتحدثون، والسمر الليل والسمير
الذي يسامرك، وابنا سمير: الليل والنهار لأنه يسمر فيهما، ويقال: أفعله ما سمر ابنا سمير أي:
أبداً. ويقال: السمر الدهر، وابناه الليل والنهار. ولا أفعله سمير الليالي، وسجين الليالي، أي ما
دام الناس يسمرون في ليلة قمراء.
وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول العلم والعظة بالليل،
وقد كان التحدث بعد العشاء منهياً، وهو السمر. والمذكور في هذا الباب هو السمر بالعلم،
ونبه بهما على أن السمر المنهي عنه إنما هو فيما لا يكون من الخير، وأما السمر بالخير
فليس بمنهي بل مرغوب. فافهم.
١١٦/٥٧ - حدّثنا سَعِيدُ بنُ غُفَيْرٍ قال: حدّثني اللَّيْثُ قال: حدّثني عَبْدُ الرَّحْمن بنُ
خالِدٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ سالِمٍ وأبي بَكْرِ بن سُلَيْمَانَ بنِ أبي حَثْمَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بِنَ عُمَرَ قالَ:
صِلَّى بِنَا النبيُّ عََّّةُ العِشَاءَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قامَ فقال: ((أرأيتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فإنَّ
رَأْسَ مائَةٍ سَنَةٍ مِنْهَا لا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ أَحَدٌ)). [الحديث ١١٦ - طرفاه في:
٥٦٤، ٦٠١].
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، وهو أن النبي عَّ الم حدث الصحابة بهذا الحديث بعد
صلاة العشاء وهو سمر بالعلم.
بيان رجاله: وهم سبعة: الأول: سعيد بن عفير، بضم العين المهملة وفتح الفاء، وقد
مر. الثاني: الليث بن سعد. الثالث: عبد الرحمن بن خالد بن مسافر أبو خالد، ويقال: أبو
الوليد الفهمي، مولى الليث بن سعد أمير مصر لهشام بن عبد الملك. قال ابن سعد: كانت
ولايته على مصر سنة ثمان عشرة ومائة، وقال يحيى بن معين: كان عنده من الزهري کتاب
فيه مائنا حديث أو ثلاثمائة، كان الليث يحدث بها عنه، وكان جده شهد فتح بيت المقدس
مع عمر بن الخطاب، رضي الله عنه. وقال أبو حاتم: صالح. وقال ابن يونس: كان ثبتاً في
الحديث، توفي سنة سبع وعشرين ومائة، روى له البخاري ومسلم والترمذي والنسائي. الرابع:
محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. الخامس: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وقد
١٠٠

.-.
١٣٤
٢٦٥
٣ - كتاب العلم / باب (٤١)
تقدم. السادس: أبو بكر بن سليمان بن أبي حثمة، بفتح الحاء المهملة وسكون الثاء المثلثة،
واسمه عبد الله بن حذيفة، وقيل: عدي بن كعب بن حذيفة بن غانم بن عبد الله بن عويج بن
عدي بن كعب القريشي العدوي. وقال ابن عبد البر: أبو بكر هذا ليس له اسم، أخرج له
البخاري هذا الحديث خاصة مقروناً بسالم كما ترى، ومسلم غير مقرون، وكان من علماء
قريش، روى عن سعيد بن زيد وأبي هريرة أيضاً، وروى عنه الزهري وغيره. أخرجوا له خلا
ابن ماجه. وقال ابن حبان: ثقة، وليس له حديث عند مسلم والترمذي أيضاً سواه. السابع:
عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله عنهما.
بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث بصيغة الجمع وصيغة الإفراد والعنعنة.
ومنها: أن فيه أربعة من التابعين، وهم: عبد الرحمن وابن شهاب وسالم وأبو بكر. ومنها: أن
أبا بكر ليس له حديث عند البخاري غير هذا، ومع هذا روى له مقروناً بسالم.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في (الصلاة) عن عبد الله
عن ابن المبارك عن يونس عن الزهري عن سالم، وعن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري عن
سالم وأبي بكر بن أبي حثمة. وأخرجه مسلم في (الفضائل) عن عبد الله بن عبد الرحمن عن
أبي اليمان عن شعيب، وعن أبي رافع وعبد بن حميد عن عبد الرزاق عن معمر، قال: ورواه
اللیث عن عبد الرحمن بن خالد.
بيان الإعراب والمعاني: قوله: ((حدثني الليث قال: حدثني عبد الرحمن)) وفي رواية
أبي ذر: ((حدثني الليث حدثه عبد الرحمن)) أي: أنه حدثه عبد الرحمن. قوله: ((صلى لنا،
عليه الصلاة والسلام)) وفي رواية: ((صلى بنا)) ومعنى اللام: صلى إماماً لنا وإلاّ فالصلاة لله لا
لهم. قوله: ((العشاء)) أي: صلاة العشاء، وهي الصلاة التي وقتها بعد غروب الشفق، وهو بكسر
العين وبالمد، والعشاء بالفتح وبالمد: الطعام. قوله: ((في آخر حياته))، وجاء في رواية جابر أن
ذلك كان قبل موته، صلى الله تعالى عليه وسلم، بشهر. قوله: ((قام)) جواب: لما. قوله:
((أرأيتكم؟)) بهمزة الاستفهام وفتح الراء وبالخطاب للجمع والكاف ضمير ثان ولا محل لها
من الإعراب، والرؤية بمعنى الإبصار، و((ليلتكم)) بالنصب مفعوله، وليس الرؤية ههنا بمعنى العلم
لأنها إذا كانت بمعنى العلم تقتضي مفعولين، وليس ههنا إلاَّ مفعول واحد وهو الليلة كما
ذكرنا، و: كم، لا تصلح أن تكون مفعولاً آخر حتى تكون بمعنى العلم لأنه حرف لا محل
لها من الإعراب كما ذكرنا، ولو كان اسماً لوجب أن يقال: أرأيتموكم لأن الخطاب
لجماعة، فإذا كان لجماعة يجب أن يكون بالتاء والميم كما في علمتوكم، رعاية للمطابقة.
فإن قلت: فهذا يلزمك أيضاً في التاء، فإن التاء اسم فينبغي أن يكون: أرأيتموكم. قلت: لما
كان الكاف والميم لمجرد الخطاب اختصرت عن التاء والميم بالتاء وحدها للعلم بأنه جمع،
تقول: كم، والفرق بين حرف الخطاب واسم الخطاب أن الاسم يقع مسنداً ومسنداً إليه،
والحرف علامة تستعمل مع استقلال الكلام واستغنائه عنها باعتبار المسند والمسند إليه،
فوزانها وزان التنوين وياء النسبة، وأيضاً اسم الخطاب يدل على عين ومعنى الخطاب، وحرفه
i
i
1-
٠٠٠٠
.٣,
٠٠٠٠
٠ ٠٠٠

٤٠٠
٣ - كتاب العلم / باب (٤١)
٢٦٦
لا يدل إلاَّ على الثاني.
وقال بعضهم: الرؤية بمعنى العلم أو البصر، والمعنى: أعلمتم، أو أبصرتم ليلتكم؟
قلت: قد بينا أنه لا يصح أن تكون من الرؤية بمعنى العلم، وهذا تصرف من لا يد له في
العربية، ويقال: أرأيتكم كلمة تقولها العرب إذا أرادت الاستخبار، وهو بفتح التاء للمذكر
والمؤنث والجمع والمفرد، تقول: أرأيتَكَ، أرأيتَكِ، وأرأيتَكُما وأرأيتَكُم. والمعنى: أخبر
وأخبري وأخبراني وأخبروني، فإن أردت معنى الرؤية أنثت وجمعت. وقال بعضهم: الجواب
محذوف تقديره: قالوا نعم، قال: فاضبطوه. قلت: كأن هذا القائل أخذ كلامه من الزركشي
في حواشيه، فإنه قال: والجواب محذوف تقديره: أرأيتكم ليلتكم هذه احفظوها، أو احفظوا
تاريخها، فإن بعد انقضاء مائة سنة لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد، انتهى، وهذا
ليس بشيء، لأن المعنى: أبصرتم ليلتكم هذه، ولا يحتاج فيه إلى جواب لأن هذا ليس
باستفهام حقيقي.
قوله: ((فإن رأس)) وفي رواية الأصيلي: ((فإن على رأس مائة)). فإن قلت: ما اسم إن؟
قلت: فيه ضمير الشأن. وقوله: ((لا يبقى)) خبرها. قوله: ((منها)) أي: من تلك الليلة، وقد
استدل بعض اللغويين بقوله: منها، أن: من، تكون لابتداء الغاية في الزمان: كمنذ، وهو قول
الكوفيين. وقال البصريون: لا تدخل: من إلاَّ على المكان ومنذ، في الزمان نظيرة: من، في
المكان، وتأولوا ما جاء بخلافه، واحتج من نصر قول الكوفيين بقوله تعالى: ﴿من أول يوم﴾
[التوبة: ١٠٨] وبقول عائشة رضي الله عنها: ((ولم يجلس عندي من يوم قيل فيَّ ما قيل)).
وقول أنس، رضي الله عنه: ((وما زلت أحب الدباء من يومئذ)). وقول بعض الصحابة: ((مطرنا
من الجمعة إلى الجمعة)). وأجاب أبو علي الفارسي عن قوله: ﴿من أول يوم﴾ [التوبة: ١٠٨]
بأن التقدير، من تأسيس أول يوم، وضعفه بعضهم بأن التأسيس ليس بمكان. وقال الزمخشري:
التقدير من أول يوم من أيام وجوده. قلت: هذا جنوح إلى مذهب الكوفيين. وقال النووي:
المراد أن كل من كان تلك الليلة على الأرض لا يعيش بعدها أكثر من مائة سنة، سواء قل
عمره قبل ذلك أم لا، وليس فيه نفي عيش أحد بعد تلك الليلة فوق مائة سنة. ويقال: معنى
الحديث أنه عَّلل وعظهم بقصر أعمارهم بخلاف غيرهم من سالف الأمم، وقد احتج
البخاري ومن قال بقوله على موت الخضر، والجمهور على خلافه. ومن قال به أجاب عن
الحديث بأنه من ساكني البحر فلا يدخل في الحديث. ومن قال: إن معنى الحديث: لا
يبقى ممن ترونه وتعرفونه، فالحديث عام أريد به الخصوص. وقيل: أراد النبي عَِّ بالأرض
البلدة التي هو فيها، وقد قال تعالى: ﴿ألم تكن أرض الله واسعة﴾ [النساء: ٩٧] يريد
المدينة. وقوله: ممن هو على وجه الأرض احتراز عن الملائكة. قال الكرماني: فإن قلت: ما
تقول في عيسى عليه السلام؟ قلت: فهو ليس على وجه الأرض بل في السماء، أو هو من
النوادر. فإن قلت: فما قولك في إبليس؟ قلت: هو ليس على ظهر الأرض بل في الهواء أو
في النار، أو المراد من لفظ من هو الإنس والله أعلم. قلت: هذه كلها تعسفات، ولا يرد

٢٦٧
٣ - كتاب العلم / باب (٤١)
على هذا لا بعيسى، عليه الصلاة والسلام، ولا بإبليس. فإن مراده عٍَّ ممن هو على ظهر
الأرض أمته، والقرائن تدل على ذلك، منها قوله: ((أرأيتكم ليلتكم هذه؟))، وكل من على وجه
الأرض من المسلمين والكفار أمته، أما المسلمون فإنهم أمة إجابة، وأما الكفار فإنهم أمة
دعوة. وعيسى والخضر، عليهما السلام، ليسا داخلين في الأمة. وأما الشيطان فإنه ليس من
بني آدم. وقال ابن بطال: إنما أراد، عليه الصلاة والسلام، أن هذه المدة تخترم الجيل الذي
هم فيه، فوعظهم بقصر أعمارهم، وأعلمهم أن أعمارهم ليست كأعمار من تقدم من الأمم
ليجتهدوا في العبادة. وقد أخرج البخاري، فيما انفرد به عن أبي برزة الأسلمي: أن رسول
الله، عليه الصلاة والسلام، كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها، فهذا يدل على المنع
مطلقاً، والحديث المتقدم يدل على جواز السمر في العلم والخير، فنخص العموم فيما
عداهما. وأما ما عدا ذلك فذهب الأكثر إلى كراهته، منهم أبو هريرة وابن عباس، وكتب
عمر، رضي الله عنه، أن لا ينام قبل أن يصليها فمن نام فلا نامت عينه. وهو قول عطاء
وطاوس وإبراهيم، وقول مجاهد ومالك والكوفيين والشافعي، ورخص طائفة فيه، روي ذلك
عن علي، رضي الله عنه، أنه كان ربما غفى قبل العشاء، وكان ابن عمر ينام ويوكل من
يوقظه، وعن أبي موسى مثله، وعن عروة وابن سيرين أنهما كانا ينامان نومة قبل العشاء،
واحتج لهم بأن الكراهة إنما كرهت لمن خشي عليه تفويتها، أو تفويت الجماعة فيها. وقال
ابن بطال: اختلف قول مالك، فقال مرة: الصلاة أحب إلي من مذاكرة الفقه. وقال في موضع
آخر: العناية بالعلم، إذا صحت النية، أفضل. وقال سحنون: يلتزم أثقلهما عليه.
١١٧/٥٨ - حدثنا آدم قال: حدثنا شُغْبَةُ قال: حدثنا الحَكَمُ قالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بنَ
مُجْبَيْرٍ عَنِ ابْنَ عَبَّاسٍ قال: بِتُّ في بَيْتِ خالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الحَارِثِ زَوْجِ النَّبِيَّ عَّهِ، وكانَ
النَّبِيُّ عَ ◌ّهِ عِنْدَها فِي لَيْلَتْهَا، فَصَلَّى النَّبِيُّ عَّهِ العِشَاءَ ثُمَّ جَاءَ إِلى مَنْزِلِهِ فَّصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعاتٍ،
ثُمَّ قَامَ ثُمَّ قالَ: ((نامَ الغُلَيِّمُ؟) أَوْ كَلِمَةُ تُشْبِهُهَا، ثُمَّ قام فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ،
فَصَلَّى خَمسَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ نَامَ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ - أَوْ خَطِيطَهُ - ثُمَّ خَرَجَ
إلى الصَّلاَةِ. [الحديث ١١٧ - أطرافه في: ١٣٨، ١٨٣، ٦٩٧، ٦٩٨، ٦٩٩، ٧٢٦،
٧٢٨، ٨٥٩، ٩٢٤، ١١٩٨، ٤٥٦٩، ٤٥٧٠، ٤٥٧١، ٤٥٧٢، ٥٩١٩، ٦٢١٥،
٦٣١٦، ٧٤٥٢].
مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((نام الغليم))، قاله ابن المنير، ويقال: ارتقاب ابن
عباس، رضي الله عنهما، لأحوال النبي، عليه الصلاة والسلام، إذ لا فرق بين التعلم من القول
والتعلم من الفعل، فقد سمر ابن عباس ليلته في طلب العلم. وقال الكرماني: الذي فيه من
الدلالة على الترجمة هو ما يفهم من جعله على يمينه كأنه، عليه السلام، قال لابن عباس: قف
على يميني. فقال: وقفت. ويجعل الفعل بمنزلة القول، أو الغالب أن الأقارب إذا اجتمعوا لا بد
أن يجري بينهما حديث للمؤانسة، وحديث النبي، عليه الصلاة والسلام، كله فائدة وعلم،
ويعد من مكارمه أن يدخل بيته بعد صلاة العشاء بأصحابه، ويجد ابن عباس مبايتاً له ولا
i
i
i
i
i
i

٢٦٨
٣ - كتاب العلم / باب (٤١)
يكلمه أصلاً. واعترض بعضهم على هذا كله، فقال: كل ما ذكروه معترض، لأن من يتكلم
بكلمة واحدة لا يسمى سامراً، وصنيع ابن عباس يسمى سهراً لا سمراً إذ السمر لا يكون إلا
بتحدث وأبعدها الأخير لأن ما يقع بعد الانتباه من النوم لا يسمى سمراً، ثم قال: والأولى من
هذا كله أن مناسبة الترجمة مستفادة من لفظ آخر في هذا الحديث بعينه من طريق أخرى،
وهذا يصنعه المصنف كثيراً، يريد به تنبيه الناظر في كتابه على الاعتناء بتتبع طرق الحديث،
والنظر في مواقع ألفاظ الرواة، لأن تفسير الحديث بالحديث أولى من الخوض فيه بالظن،
وإنما أراد البخاري هنا ما وقع في بعض طرق هذا الحديث مما يدل صريحاً على حقيقة
السمر بعد العشاء وهو ما أخرجه في (التفسير) وغيره من طريق كريب عن ابن عباس قال:
(بت في بيت ميمونة، فتحدث رسول الله عَّ ه مع أهله ساعة ثم رقد)» فصحت الترجمة
بحمد الله تعالى من غير حاجة إلى تعسف ولا رجم بالظن انتهى.
قلت: اعتراض هذا المعترض كله معترض، أما قوله: لأن من يتكلم بكلمة واحدة لا
يسمى سامراً، فغير صحيح، لأن حقيقة السمر التحدث بالليل، ويطلق ذلك على التحدث
بكلمة، وقد بين ذلك ابن المنير بقوله: إن أصل السمر ثبت بهذه الكلمة وهي قوله: ((نام
الغليم)). والذي قاله صحيح، لأن أحداً لم يشترط أن لا يكون السمر إلاَّ بكلمات متعددة،
وأهل اللغة قاطبة لم يقولوا إلاَّ أن السمر هو التحدث بالليل، وهو يطلق على القليل والكثير.
وأما قوله: وصنيع ابن عباس يسمى سهراً لا سمراً، فنقول: إن السمر كما يطلق على القول
يطلق على الفعل يقال: سمر القوم الخمر إذا شربوها. قال القطامي:
سمروا الغبوق من الطلاء المعرق
ومصرَّعين من الكلال وإنما
وسامر الإبل ما رعى منها بالليل، يقال: إن إبلنا تسمر أي ترعى ليلاً. وأما قوله:
وأبعدها الأخير، فهو أبعد اعتراضاته، بل هو الأقرب، لأن قوله: لأن ما يقع بعد الانتباه من
النوم لا يسمى سمراً، مخالف لما قاله أهل اللغة، وبيان قرب الأخير الذي ادعى أنه أبعدها أن
النبي، عليه الصلاة والسلام، كان وقت جعله ابن عباس عن يمينه في مقام التعليم له، ولا
شك أنه لم يكتف وقتئذ بمجرد الفعل، بل علكمه أيضاً بالقول لزيادة البيان، ولا سيما كان
ابن عباس حينئذ صغيراً ولم يكن عالماً بموقف المقتدي من الإمام. وأما قوله: والأولى من هذا
کله أن مناسبة الترجمة إلى آخره ... فکلام لیس له توجیه أصلا، فضلاً عن أن یکون أولى من
غيره، لأن من يعقد باباً بترجمة ويضع فيه حديثاً، وكان قد وضع هذا الحديث بعينه في باب
آخر، ولكن بطريق أخرى وألفاظ متغايرة، هل يقال مناسبة الترجمة في هذا الباب يستفاد من
ذلك الحديث الموضوع في الباب الآخر؟ فما أبعد هذا الكلام وأبعد من هذا النعيد أنه علل ما
قال بقوله: لأن تفسير الحديث بالحديث أولى من الخوض فيه بالظن فسبحان الله، هؤلاء ما
فسروا الحديث ههنا، بل ذكروا مطابقة الحديث للترجمة بالتقارب، وما ذكره هو الرجم بالظن.
بيان رجاله: وهم خمسة. ذكروا ما عدا الحكم بين عتيبة، وهو بالحاء المهملة

٤ -
•جدة
٣ - كتاب العلم / باب (٤١)
٢٦٩
والكاف المفتوحتين. وعتيبة، بضم العين المهملة وفتح التاء المثناة من فوق وسكون الياء آخر
الحروف وفتح الباء الموحدة وفي آخره هاء، ابن النهاس. واسمه عبد الكندي، يقال: كنيته
أبو عبد الله، وقيل: أبو عمر الكوفي مولى عدي بن عدي الكندي، ويقال: مولى امرأة من
كندة. قال يحيى بن معين وعبد الرحمن بن مهدي وأبو حاتم: ثقة. وكان فقيه الكوفة مع
حماد. روى عن ابن أبي أوفى وأبي جحيفة، وعنه شعبة وغيره، وكان عابداً قانتاً ثقة صاحب
سنة، مات سنة أربع عشرة، وقيل: خمس عشرة ومائة، روى له الجماعة.
بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والسماع والعنعنة. ومنها: أن رواته كلهم
أئمة أجلاء. ومنها: أن فيه رواية التابعي عن التابعي، والحكم المذكور من التابعين الصغار.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري ههنا عن آدم، وفي (الصلاة) أيضاً
عن سليمان بن حرب، كلاهما عن شعبة عن الحكم عن سعيد بن جبير عنه به. وأخرجه أبو
داود في (الصلاة) عن ابن المثنى عن ابن أبي عدي عن شعبة به، وعن عثمان بن أبي شيبة
عن و کیع عن محمد بن قیس الأسدي عنه به. وأخرجه النسائي فیه عن عمرو بن یزید عن
بهز بن أسد عن شعبة به. وأخرجه البخاري أيضاً في مواضع في كتابه عن كريب وعطاء ابن
أبي رباح وأبي جمرة وطاووس وغيرهم عن ابن عباس، رضي الله عنهما.
بيان اللغات والإعراب: قوله: ((بت)) بكسر الباء الموحدة وتشديد التاء المثناة من فوق
من البيتوتة، أصله: بيتت، بفتح الباء والياء فقلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار:
باتت، فالتقى ساكنان فحذفت الألف فصار: بنت، فأدغمت التاء في التاء، ثم أبدلت كسرة
من فتحة الباء ليدل على الياء المحذوفة، فصار: بت على وزن: قلت. وهذه جملة من الفعل
والفاعل وقعت مقول القول. قوله: (ميمونة)) عطف بيان من قوله: ((خالتي)).
قوله: ((بنت الحارث)) مجرور لأنه صفة ميمونة، وهو مجرور، ولكنه غير منصرف للعلمية
والتأنيث. قوله: ((زوح النبي، عليه الصلاة والسلام)) مجرور أيضاً لأنه صفة بعد صفة. قوله:
((وكان النبي، عليه الصلاة والسلام)) الواو فيه للحال. وقوله: ((عندها)) خبر: كان. قوله:
((فصلى النبي، عليه الصلاة والسلام)) الفاء، فيه هي الفاء التي تدخل بين المجمل والمفصل،
لأن التفصيل إنما هو عقيب الإجمال، لأن صلاة النبي، عليه الصلاة والسلام، ومجيئه إلى
منزله كانت قبل كونه عند ميمونة، ولم يكونا بعد الكون عندها. قوله: ((العشاء)» بالنصب،
وفيه حذف المضاف تقديره: صلاة العشاء. قوله: ((فصلى أربع ركعات)) الفاء فيه للتعقيب،
ثم عطف عليه بقوله: ((ثم نام)) بكلمة: ثم، ليدل على أن نومه لم يكن عقيب الصلاة على
الفور. قوله: ((أو كلمة)) منصوب بفعل محذوف أي: أو قال كلمة، فإن قلت: مقول القول
يجب أن يكون كلاماً لا كلمة. قلت: قد تطلق الكلمة على الكلام مجازاً نحو: كلمة
الشهادة. قوله: ((فقمت)). عطف على قوله: ((ثم قام)). قوله: ((عن يساره)) بفتح الياء وكسرها.
وقال ابن عربي: ليس في كلام العرب كلمة أولها ياء مكسورة. وفي (العباب) قال ابن دريد:
اليد اليسار ضد اليمين بفتح الياء وكسرها، قال: وزعموا أن الكسر أفصح. قال: وقال بعض
i
i
٠٠٦٠
وجدة
i

٢٧٠
٣ - كتاب العلم / باب (٤١)
أهل اللغة اليسار بكسر الياء شبهوها بالشمال، إذ ليس في كلامهم كلمة مكسورة الياء إِلاَّ:
يسار، وقال ابن عباس: اليسار، بالتشديد لغة في اليسار. قوله: ((حتى سمعت)) حتى ههنا
للغاية تقديره: إلى أن سمعت. قوله: ((غطيطه)) بفتح الغين المعجمة وكسر الطاء على وزن:
فعيل، هو صوت يخرجه النائم مع نفسه عند استثقاله. وفي (العباب) غطيط النائم والمخنوق:
نخيرهما. قلت: هذا يرد تفسير بعضهم الغطيط: نفس النائم، والنخير: أقوى منه، فإنه جعل
النخير غير الغطيط، وصاحب (العباب) جعله عينه:
إذا قالت حذام فصدقوها
وأيضاً: فإن الغطيط لا بد فيه من الصوت، وما فسره به بعضهم ليس فيه صوت، لأن
مجرد النفس لا صوت فيه. قوله: (أو خطيطه)) بفتح المعجمة وكسر الطاء، وقال الداودي:
هو بمعنى الغطيط. وقال ابن بطال: لم أجده بالخاء المعجمة عند أهل اللغة، وتبعه القاضي
عياض، فقال: هو هنا وهم. قلت: الصواب مع الداودي، فإن صاحب (العباب) قال: وخط
في نومه خطيطاً أي: غط. وفي حديث النبي، عليه الصلاة والسلام: ((إنه أوتر بسبع أو تسع
ثم اضطجع حتى سمع خطيطه)). ويروى: ((غطيطه))، ويروى: ((فخيخه))، ويروى: ((ضفيزه))،
ويروى: ((صغيره)). ومعنى الخمسة واحد وهو: نخير النائم. قلت: الضفيز، بالضاد والزاي
المعجمتين وبالفاء والصفير: بالصاد والراء المهملتين، والفخيخ، بالفاء والخاءين المعجمتين.
بيان المعاني: قوله: ((في ليلتها) أي: المختصة بها بحسب قسم النبي، عليه الصلاة
والسلام بين الأزواج. قوله: ((ثم جاء)) أي من المسجد إلى منزله في تلك الليلة المراد به:
بيت ميمونة بنت الحارث الهلالية، أم المؤمنين، تزوجها رسول الله عَ ليه سنة ست أو سبع
من الهجرة، وتوفيت سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة ست وستين بسرف، في المكان الذي
تزوجها فيه رسول الله عَ له، وهو بفتح السين وكسر الراء المهملتين وبالفاء. وصلى عليها
عبد الله بن عباس قيل: إنها آخر أزواج النبي عَّةٍ، إذ لم يتزوج بعدها. وهي أخت لبابة،
بضم اللام وتخفيف الباء الموحدة وبعد الألف باء أخرى، بنت الحارث زوجة العباس وأم
أولاده عبد الله والفضل وغيرهما، وهي أول امرأة أسلمت بعد خديجة، رضي الله تعالى عنها،
وكان النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، يزورها، وهي لبابة الكبرى وأختها لبابة الصغرى أم
خالد بن الوليد، رضي الله عنه. قوله: ((نام الغليم)) يحتمل الإخبار لميمونة، ويحتمل الاستفهام
عن ميمونة، وحذف الهمزة بقرينة المقام، وهذا أظهر. و ((الغليم)) بضم الغين وفتح اللام
وتشديد الياء، تصغير غلام، من باب تصغير الشفقة، نحو: يا بني، وأراد به عبد الله بن
عباس، وروي: يا أم الغليم، بالنداء والأول هو الصواب، ولم تثبت بالثاني الرواية. قوله: ((أو
كلمة)) شك من الراوي. وقال الكرماني: شك من ابن عباس. قلت: لا يلزم التعيين لأنه
يحتمل أن يكون من أحد ممن دونه، أي أو قال كلمة تشبه قوله: نام الغليم، والثانية باعتبار
الكلمة أو باعتبار كونها جملة، وفي رواية: ((نام الغلام)). قوله: ((فصلى أربع ركعات))، الجملة
في هذه الطريق أنه صلى إحدى عشرة ركعة أربعاً ثم خمساً ثم ركعتين، وجاء في موضع من

٢٧١
٣ - كتاب العلم / باب (٤١)
البخاري: ((فكانت صلاته ثلاث عشرة ركعة)). وجاء في باب قراءة القرآن أنها كانت ثلاث
عشرة ركعة غير ركعتي الفجر، فإن فيه: ((فصلى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين
ثم ركعتين ثم أوتر. ثم اضطجع حتى أتاه المؤذن فقام فصلى ركعتين ثم خرج فصلى
الصبح)). وهذا هو الأكثر في الروايات، ويجمع بينهما بأن من روى إحدى عشرة أسقط
الأوليين وركعتي الفجر، ومن أثبت الأوليين عدها ثلاث عشرة. وقد وقع هذا الاختلاف في
(صحيح مسلم) من حديث واصل وغيره. وأجاب القاضي في الجمع بمثله، وقد استدرك
الدارقطني حديث واصل على مسلم لكثرة اختلافه. وقال الداودي: أكثر الروايات أنه لم
يصل قبل النوم وأنه صلى بعده ثلاث عشرة ركعة، فيحتمل أن نوم ابن عباس، رضي الله
عنهما، عند النبي عَّدٍ كان وقوعاً، فذكر ذلك بعض من سمعه. قلت: المشهور أنها كانت
واقعة واحدة. قوله: ((ثم صلى ركعتين)) قال الكرماني: فإن قلت: ما فائدة الفصل بينه وبين
الخمس ولِمَ ما جمع بينهما بأن يقال: فصلى سبع ركعات؟ قلت: أما لأنه معَّه صلى
الخمس بسلام والركعتين بسلام، وأن الخمس باقتداء ابن عباس به، والركعتين بعد اقتدائه.
وقال بعضهم: أغرب الكرماني في هذا وكأنه ظن أن الركعتين من جملة صلاة الليل وهو
محتمل، لكن حملها على سنة الفجر أولى ليحصل الختم بالوتر. قلت: قط ما ظن هو أن
الركعتين من صلاة الليل. غاية ما في الباب وقع السؤال عن تفصيل ابن عباس في أخباره
حيث لم يجمل، وجوابه عن وجه ذلك. ولئن سلمنا أنه ظن أن الركعتين من صلاة الليل ففيه
أيضاً الختم بالوتر حاصل. قوله: ((ثم خرج إلى الصلاة)) هذا من خصائص النبي عَّه، إذ نومه
مضطجعاً لا ينقض الوضوء لأن عينيه تنامان ولا ينام قلبه، فلو خرج حدث لأحس به،
بخلاف غيره من الناس. وفي بعض الروايات في الصحيح: ((ثم اضطجع فنام حتى نفخ فخرج
فصلى الصبح ولم يتوضأ)). قال الكرماني: ويحتمل أن يكون فيه محذوف أي: ثم توضأ، ثم
خرج قلت: قوله في الصحيح: ولم يتوضأ يرد هذا الاحتمال.
بيان استنباط الأحكام: وهوعلى وجوه. الأول: من فضل ابن عباس وحذقه على صغر
سنه حيث أرصد النبي عَّ له طول ليلته. وقيل: إن العباس أوصاه بمراعاة النبي عَ ل ليطلع على
عمله بالليل. الثاني: قال محيي السنة: فيه جواز الجماعة في النافلة. الثالث: فيه جواز العمل
اليسير في الصلاة. الرابع: فيه جواز الصلاة خلف من لم ينو الإمامة. الخامس: فيه جواز
بيتوتة الأطفال عند المحارم، وإن كانت عند زوجها. السادس: فيه الإشعار بقسمه عَ لِّ بين
زوجاته. السابع: فيه جواز التصغير على وجه الشفقة، والذكر بالصفة حيث لم يقل: نام عبد
الله. الثامن: فيه أن موقف المأموم الواحد عن يمين الإمام، فإذا وقف عن يساره يحوله إلى
يمينه. التاسع: فيه أن صلاة الصبي صحيحة. العاشر: فيه أن صلاة الليل إحدى عشرة ركعة.
قال الكرماني: قلت: ينبغي أن يكون تسع ركعات، فإن الركعتين الأخيرتين سنة الصبح،
والست منها نافلة، وختمها بالوتر ثلاث ركعات. الحادي عشر: فيه جواز نوم الرجل مع امرأته
من غير مواقعة بحضرة بعض محارمها وإن كان مميزاً، وجاء في بعض الروايات: إنها كانت
١

٢٧٢
٣ - كتاب العلم / باب (٤٢)
حائضاً ولم يكن ابن عباس ليطلب المبيت في ليلة فيها حاجة، إلى أهله، ولا يرسله أبوه
العباس. الثاني عشر: فيه أن نومه عَّ له مضطجعاً غير ناقض للوضوء، لأن قلبه لا ينام بخلاف
عينيه، وكذا سائر الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام. كما أخرجه البخاري في حديث الإسراء.
وأما نومه، عليه الصلاة والسلام، في الوادي إلى أن طلعت الشمس فلا ينافي هذا، لأن الفجر
والشمس إنما يدركان بالعين لا بالقلب. وأبعد من قال إنه كان في وقت ينام قلبه فصادف
ذلك. الثالث عشر: فيه جواز الرواية عند الشك في كلمة بشرط التنبيه عليه.
٤٢ - بابُ حِفْظِ العِلْمِ
أي هذا باب في بيان حفظ العلم.
وجه المناسبة بين البابين من حيث إن من يسمر بالعلم فما يسمر لأجل الحفظ غالباً،
وذكر هذا الباب عقيب ذلك مناسب.
١١٨/٥٩ - حدّثنا عَبْدُ العَزِيز بنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حدّثني مَالِكٌ عَن ابنِ شِهَابٍ عَن
الأَعْرَجَ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، ولَوْلاَ آيَتَانِ في كِتابِ اللَّهِ ما
حَدَّثْتَّ حَدِيثاً، ثُمَّ يَثْلُو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ والهُدَىِ إِلَى قَوْلِهِ الرَّحِيمُ﴾
[البقرة: ١٥٩ و١٧٤] إنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ المُهَاجِرِينَ كانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بالأَسْوَاقِ، وإِنَّ إِخْوَانَتَا
مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمُ العَمَلُ فِي أُمْوَالِهِمْ وإِنَّ أَبا هُرَيْرَةً كَانَ يَلْزِمُ رسولَ الله عَ لّه بِشَبَعِ
بَطْنِهِ وَيَحْضُرُ ما لا يَحْضُرُونَ ويَحْفَظُ ما لا يَحْفَظُونَ. [الحديث ١١٨ - أطرافه في: ١١٩،
٢٠٤٧، ٢٣٥٠، ٣٦٤٨، ٧٣٥٤].
مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((ويحفظ ما لا يحفظون)). وقوله: «أكثر أبو هريرة))
لأن الإكثار لا يكون إلا عن حفظ.
بيان رجاله: وهم خمسة قد ذكروا كلهم، وابن شهاب: هو محمد بن مسلم الزهري،
والأعرج: هو عبد الرحمن بن هرمز. وقالوا: يجوز ذكر الراوي بلقبه أو صفته التي يكرهها إذا
كان المراد تعريفه لا نقصه، كما يجوز جرحهم للحاجة.
بيان لطائف إسناده: ومنها: أن فيه التحديث بصيغة الجمع وصيغة الإفراد والعنعنة.
ومنها: أن رواته كلهم مدنيون. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في (المزارعة) عن إبراهيم،
وفي (الاعتصام) عن علي عن سفيان. وأخرجه مسلم في (الفضائل) عن قتيبة وأبي بكر وزهير
عن سفيان، وعن عبد الله بن جعفر عن يحيى عن مالك، وعن عبد الرزاق عن معمر، كلهم
عن الزهري وله طرق من غير رواية الأعرج. وأخرجه النسائي في (العلم) عن محمد بن
منصور عن سفيان به، وعن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم عن إسحاق بن عيسى عن مالك
به. وأخرجه ابن ماجه في (السنة) عن أبي مروان العثماني عن إبراهيم بن سعد به مختصراً.
.990

٢٧٣
٣ - كتاب العلم / باب (٤٢)
بيان اللغات والإعراب: قوله: ((إن الناس)) مقول: قال. وقوله: ((يقولون))
جملة في محل الرفع خبر: إن، قوله: ((أكثر أبو هريرة)) جملة من الفعل والفاعل مقول
يقولون. قوله: ((ولولا آيتان)» مقول. قال، لا مقول: يقولون. وحذف اللام من جواب لولا وهو
جائز، والأصل: لولا آيتان موجودتان في كتاب الله لما حدثت. قوله: ((حديثاً)) نصب على
المفعولية. قوله: ((ثم يتلو)) مقول: الأعرج، وفي بعض النسخ: ((ثم تلا)). قوله: ((إن إخواننا))
استئناف كالتعليل للإكثار، كأنّ سائلاً سأل: لم كان أبو هريرة مكثراً دون غيره من الصحابة؟
فأجاب بقوله: ((لأن إخواننا)) كذا وكذا، فلأجل ذلك ترك العاطف بين الجملتين. قوله: ((من
المهاجرين)) كلمة: من، بيانية. قوله: ((كان يشغلهم الصفق)) جملة في محل الرفع لأنها خبر:
إن. وقوله: ((يشغلهم)) من باب: شغل يشغل كفتح يفتح بفتح، عين الفعل فيهما من الشغل،
ويقال بضم حرف المضارعة من الإشغال، وهو غريب. وفي (العباب) يقال شغلته أشغله.
وقال ابن دريد: لا يقال أشغلته. وقال ابن فارس: لا يكادون يقولون: أشغلت، وهو جائز. وقال
الليث: اشتغلت أنا، والفعل اللازم: اشتغل. وقال أبو حاتم وابن دريد: لا يقال: اشتغل. وقال
ابن فارس في (المقاييس): جاء عنهم: اشتغل فلان بالشيء وهو مشتغل. وقوله: ((الصفق))
بالرفع فاعل: يشغل، وهو بفتح الصاد كناية عن التبايع. يقال: صفقت له بالبيع صفقاً، أي:
ضربت يدي على يده للعقد. قال الهروي: يقال: أصفق القوم على الأمر، وصفقوا بالبيع
والبيعة. وقال غيره: أصله من تصفيق الأيدي بعضها على بعض من المتابعين، أي: عاقدي
البيعة عند عقدهم، والسوق يؤنث ويذكر، سميت به لقيام الناس فيها على سوقهم. قوله:
((بشبع بطنه)) بالباء الموحدة في رواية الأصيلي، وفي رواية غيره: ((الشبع بطنه)) باللام، وهو
الثابت في غير البخاري أيضاً، وكلاهما للتعليل، أي: لأجل شبع بطنه، وروي: ليشبع بطنه،
بلام كي، ويشبع، يصيغة المضارع المنصوب، والشبع، بكسر الشين وفتح الباء الموحدة.
وفي (العباب): الشبع مثال عنب، والشبع بالفتح، وهذه عن ابن عباد، نقيض الجوع. يقال:
شبعت خبزاً ولحماً، ومن خبز ولحم شبعاً، وهو من مصادر الطبائع. وقال ابن دريد: الشبع
والشبع بإسكان الباء وتحريكها. وقال غيره: الشبع بالإسكان اسم ما أشبعك من شيء. وفي
الحديث: ((آجر موسى عَّ له نفسه من شعيب عَ لّ بشبع بطنه وعفة فرجه)). قوله: ((ما لا
يحضرون))، في محل النصب على أنه مفعول: ((يحضر)) وكذلك قوله (ما لا يحفظون)) مفعول
(يحفظ)).
بيان المعاني: قوله: ((أكثر أبو هريرة)) أي من رواية الحديث. وهو من باب حكاية
كلام الناس أو وضع المظهر موضع المضمر، إذ حق الظاهر أن يقول: أكثرت، وفي رواية
البخاري في البيوع من طريق شعيب عن الزهري: ((أكثر أبو هريرة من الحديث)). وفي روايته
وفي فيه المزارعة من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري هنا، زيادة وهي: ((ويقولون ما
للمهاجرين والأنصار لا يحدثون مثل أحاديثه؟)) وهذه الزيادة تدلك على النكتة في ذكر أبي
هريرة المهاجرين والأنصار. قوله: ((لولا آيتان)) المراد من الآيتين ﴿إن الذين يكتمون﴾ [البقرة:
عمدة القاري/ ج٢ /١٨٥
i

٢٧٤
٣ - كتاب العلم / باب (٤٢)
١٥٩ و١٧٤] إلى آخر الآيتين، والمعنى: لولا أن الله تعالى ذم الكاتمين للعلم لما حدثتكم
أصلاً، لكن لما كان الكتمان حراماً وجب الإظهار والتبليغ، فلهذا حصل مني الإكثار لكثرة
ما عندي منه. ثم ذكر سبب الكثرة بقوله: ((إن إخواننا ... )) إلى آخره. قوله: ((ثم يتلو)) أي: قال
الأعرج: ثم يتلو أبو هريرة، وذكر بلفظ المضارع استحضاراً لصورة التلاوة كأنه فيها. قوله:
(إن إخواننا): الإخوان جمع أخ، هذا يدل على أن أصل أخ: أخو، بالتحريك، ويجمع أيضاً
على: آخاء، مثل: آباء. والذاهب منه واو. وعلى: إخوة بالضم عن الفراء، وفيه سؤالان:
الأول: كان حق الظاهر أن يقول: إن إخوانه، ليرجع الضمير إلى أبي هريرة. وأجيب:
بأنه عدل عنه لغرض الالتفات، وهو فن من محاسن الكلام. الثاني: قال: إخواننا، ولم يقل:
إخواني. وأجيب: لأنه قصد نفسه وأمثاله من أهل الصفة، والمراد الإخوان في الإسلام لا في
النسب، والمراد من: ((المهاجرين))، الذين هاجروا من مكة إلى رسول الله، صلى الله تعالى
عليه وآله وسلم، ومن ((الأنصار)) أصحاب المدينة الذين آووا رسول الله، عليه الصلاة والسلام،
ونصروه بأنفسهم وأموالهم. قوله: ((العمل في أموالهم) يريد به: الزراعة والعمل في الغيطان.
وفي رواية مسلم: ((كان يشغلهم عمل أرضهم)). وفي رواية ابن سعد: ((كان يشغلهم القيام
على أراضيهم)). قوله: ((وإن أبا هريرة)) فيه التفات أيضاً، لأن حق الظاهر أن يقول: وإني. قوله:
((بشبع بطنه)) يعني أنه كان يلازم قانعاً بالقوت لا مشتغلاً بالتجارة ولا بالزارعة، وفي رواية
البخاري في البيوع: ((كنت امرأً مسكيناً من مساكين الصفة)). قوله: ((ويحضر)) بالرفع عطفاً.
على قوله: ((يلزم))، ويجوز بالنصب أيضاً على رواية من روى: ليشبع بطنه، بلام كي، و:
يشبع، بصورة المضارع إن صحت هذه الرواية. قوله: (ما لا يحضرون)) أي: من أحوال
الرسول، عليه الصلاة والسلام، و((يحفظ ما لا يحفظون)) من أقواله، وهذا إشارة إلى
المسموعات وذاك إشارة إلى المشاهدات. لا يقال: هذا الحديث يعارضه ما تقدم من حديث
أبي هريرة: ((ما من أصحاب النبي عَِّ أحد أكثر حديثاً عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن
عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب))، لأنا نقول: إن عبد الله كان أكثر تحملاً، وأبو هريرة كان
أكثر رواية. فإن قلت: كيف يكون الأكثر تحملاً وهو داخل تحت عموم المهاجرين؟ قلت:
هو أكثر من جهة ضبطه بالكتابة وتقييده بها، وأبو هريرة أكثر من جهة مطلق السماع.
بيان استنباط الأحكام: فيه: حفظ العلم والمواظبة على طلبه. وفيه: فضيلة أبي هريرة
وفضل التقلل من الدنيا وإيثار طلب العلم على طلب المال. وفيه: جواز الإخبار عن نفسه
بفضيلته إذا اضطر إلى ذلك وأمن الإعجاب. وفيه: جواز إكثار الأحاديث وجواز التجارة
والعمل وجواز الاقتصار على الشبع، وقد تكون مندوبات، وقد تكون واجبات بحسب
الأشخاص والأوقات.
١١٩/٦٠ - حدّثنا أحمَدُ بْنُ أبِي بَكْرِ أَبُو مُصْعَبٍ قالَ: حدّثنا مَحَمَّدُ بنُ إِبْرَاهِيمَ بنِ
دِينَارٍ عَنِ ابنِ أبي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قُلْتُ: يا رسولَ اللَّهِ! إنِّي أسْمعُ
مِنْكَ حَدِيثاً كَثِيراً أَنْسَاهُ، قالَ: (بشُطْ رِدَاءَكَ)) فَبَسَطْتُهُ، قَالَ: فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ ثُمَّ قالَ: ((ضئَّهُ))،

٢٧٥
٣ - كتاب العلم / باب (٤٢)
فَضَمِعْتُهُ فَمَا نَسِيتُ شَيئاً بَعْدَهُ. [أنظر الحديث ١١٨ وأطرافه].
مطابقة هذا الحديث للترجمة بطريق الالتزام، والحديث الماضي بطريق المطابقة،
وأحاديث الباب ثلاثة كلها عن أبي هريرة، والحديث الثالث يدل على أنه لم يحدث بجميع
محفوظه. ودلالته على الترجمة بالمطابقة.
بيان رجاله: وهم خمسة. الأول: أحمد بن أبي بكر، واسم أبي بكر: القاسم، وقيل:
زرارة بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف، أبو مصعب الزهري
العوفي، قاضي المدينة وعالمها، وهو أحد من حمل (الموطأ) عن مالك، روى عنه الستة،
لكن النسائي بواسطة. وأخرج مسلم حديث أبي هريرة: ((السفر قطعة من العذاب)) فقط، قال
أبو حاتم وأبو زرعة: صدوق، مات سنة اثنتين وأربعين ومائتين، عن اثنتين وتسعين سنة. الثاني:
محمد بن إبراهيم بن دينار المدني، ويقال: الأنصاري، كان مفتي أهل المدينة مع مالك
وعبد العزيز بن يزيد بن سلمة، فقيهاً فاضلاً له بالعلم عناية. قال البخاري: هو معروف
بالحديث. وقال أبو حاتم: ثقة، روى له الجماعة. الثالث: محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة
ابن الحارث بن أبي ذئب، بكسر الذال المعجمة، القرشي العامري الثقة. كبير الشان. وقال
أحمد: كان ابن أبي ذئب أفضل من مالك إلا أن مالكاً كان أشد تنقية للرجال منه، وأقدمه
المهدي بغداد حتى حدث بها، ثم رجع يريد المدينة فمات بالكوفة سنة تسع وخمسين
ومائة. ولد سنة ثمانين. الرابع: سعيد بن أبي سعيد المقبري المدني. الخامس: أبو هريرة،
رضي الله تعالى عنه.
بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة. ومنها: أن رواته كلهم مدنيون.
ومنها: أن كلهم أئمة أجلاء.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في (علامات النبوة) عن
إبراهيم بن المنذر عن ابن أبي فديك. وأخرجه الترمذي في (المناقب) عن محمد بن المثنى
عن عثمان بن عمر، كلاهما عن ابن أبي ذئب عن سعيد عن أبي هريرة، وقال الترمذي:
حسن صحيح، قد روي من غير وجه عن أبي هريرة.
بيان الإعراب والمعاني: قوله: ((قلت: يا رسول الله)) ويروى: ((قلت: لرسول الله عَلِّ)).
قوله: ((كثيراً) صفة لقوله: حديثاً، لأنه باعتبار كونه اسم جنس يطلق على الكثير والقليل. قوله:
((أنساه) جملة في محل النصب لأنها صفة أخرى لقوله: ((حديثاً)، والنسيان جهل بعد العلم.
والفرق بينه وبين السهو أن النسيان زوال عن الحافظة والمدركة، والسهو زوال عن
الحافظة فقط. والفرق بين السهو والخطأ أن السهو ما يتنبه صاحبه بأدنى تنبيه، والخطأ ما لا
يتنبه به. ويقال المأتي به إن كان على جهة ما ينبغي فهو الصواب، وإن كان لا على ما ينبغي
ينظر، فإن كان مع قصد من الآتي به يسمى الغلط، وإن كان من غير قصد منه فإن كان يتنبه
بأيسر تنبيه فهو السهو، وإلاّ فهو الخطأ والنسيان حالة تعتري الإنسان من غير اختياره توجب
i.
٠٥/
i
i
:/
i
٥٠

٢٧٦
١٠
٣ - كتاب العلم / باب (٤٢)
غفلته عن الحفظ. والغفلة ترك الالتفات بسبب أمر عارض.
قوله: ((قال) أي: قال النبي عَّله لأبي هريرة: ((ابسط رداءك)). قوله: ((فبسطته)) عطف
على: ((ابسط)). وعطف الخبر على الإنشاء فيه خلاف، والذي يمنعه يقدر شيئاً، والتقدير: لما
قال: ابسط رداءك امتثلت أمره فبسطته. ((فغرف)) أي رسول الله عَّلِ ((بيده))، ولم يذكر
المغروف ولا المغروف منه، لأنه لم يكن إلا إشارة محضة. قوله: ((ضمه)) بالهاء رواية
الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: ضم، بلا هاء. والضمير يرجع إلى الحديث يدل عليه ما
روي في غير الصحيح: ((فغرف بيديه، ثم قال: ضم ... ) الحديث، وفي بعض طرقه عند
البخاري: ((لن يبسط أحد منكم ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه، ثم يجمعها إلى صدره فينسى
من مقالتي شيئاً أبداً. فبسطت نمرة ليس علي ثوب غيرها حتى قضى النبي عَ له مقالته، ثم
جمعتها إلى صدري، فوالذي بعثه بالحق ما نسيب من مقالته تلك إلى يومي هذا)). وفي
مسلم: ((أيكم يبسط ثوبه فيأخذ)) فذكره بمعناه، ثم قال: ((فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئاً
حدثني به)). ففي قوله: بعد ذلك اليوم دليل على العموم، وعلى أنه بعد ذلك لم ينس شيئاً
سمعه من النبي عَّه، لا أن ذلك خاص بتلك المقالة، كما يعطيه ظاهر قوله: ((من مقالته
تلك))، ويعضد العموم ما جاء في حديث أبي هريرة: ((إنه شكى إلى النبي عَِّ أنه ينسى)).
ففعل ما فعل ليزول عنه النسيان. قلت: تنكير: شيئاً، بعد النفي يدل على العموم، لأن النكرة
في سياق النفي تدل عليه، فدل على العموم في عدم النسيان لكل شيء من الحديث وغيره.
فإن قلت: قوله: ((فوالذي بعثه بالحق ما نسيت من مقالته تلك إلى يومي هذا))، يدل على
تخصيص عدم النسيان بتلك المقالة فقط. وقوله: ((فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئاً حدثني
به)، يدل على تخصيص عدم النسيان بالحديث فقط. قلت: الجواب يفهم مما ذكرناه الآن،
وكيف لا وأبو هريرة استدل بذلك على كثرة محفوظه من الحديث، فلا يصح حمله على
تلك المقالة وحدها، أو نقول: ويحتمل أن يكون قد وقعت له قضيتان: إحداهما خاصة.
والأخرى: عامة. فإن قلت: ما هذه المقالة؟
قلت: هي مبهمة في جميع طرق الحديث من رواية الزهري، غير أنه صرح بها في
طريق أخرى عن أبي هريرة، أخرجها أبو نعيم في (الحلية) قال: قال رسول الله عَّ له: (ما من
رجل يسمع كلمة أو كلمتين مما فرض الله تعالى فيتعلمهن ويعلمهن إلاّ دخل الجنة)). وقال
الشيخ قطب الدين: وقوله: ((وضمه)) فيه ثلاث لغات في الميم: الفتح والكسر والضم، وقال
بعضهم: لا يجوز إلاّ الضم لأجل الهاء المضمومة بعده، واختار الفارسي، وجوزه صاحب
(الفصيح) وغيره: قلت: مثل هذه الكلمة يجوز فيه أربعة أوجه من حيث قواعد الصرفيين:
الأول: ضم الميم تبعاً للضاد. والثاني: فتحها لأن الفتحة أخف الحركات. والثالث: كسرها
لأن الساكن إذا حرك حرك بالكسر. والرابع: فك الإدغام، أعني: أضمم. وقال بعضهم:
ويجوز ضمها. وقيل: يتعين لأجل ضمة الهاء. قلت: دعوى التعيين غير صحيحة، ولا كون
الضمة لأجل الهاء، وإنما هو لأجل ضمة الضاد، كما ذكرنا. وقال: ويجوز كسرها لكن مع
١٠

١٣
٢٧٧
٣ - كتاب العلم / باب (٤٢)
إسكان الهاء. قلت: إن أراد بالإسكان في حالة الوقف فمسلم، وإن أراد مطلقاً فممنوع،
فافهم، فإن مثل هذا لا يحققه إلاَّ من أمعن في النظر في العلوم الآلية. قوله: ((بعد)) بضم الدال
لأنه قطع من الإضافة فيبنى على الضم، وفي بعض النسخ: ((بعده))، أي بعد هذا الضم.
ومما يستفاد منه: معجزة النبي، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، حيث رفع من أبي
.هريرة النسيان الذي هو من لوازم الإنسان حتى قيل: إنه مشتق منه، وحصول هذا من بسط
الرداء وضمه أيضاً معجزة، حيث جعل الحفظ كالشيء الذي يغرف منه، فأخذ غرفة منه
ورماها في ردائه، ومثل بذلك في عالم الحس.
حدثنا إبراهيمُ بنُّ المُنْذِرِ قالَ: حدّثنا ابنُ أبي قُدَيْكِ بِهَذَا، أو قالَ: غَرَفَ بِيَدِهِ فِيه.
ساق البخاري الحديث المذكور بهذا السند بعينه في علامات النبوة، فقال: حدثني
إبراهيم بن المنذر، حدثنا ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة، رضي
الله عنه قال: ((قلت: يا رسول الله! إني سمعت منك حديثاً كثيراً فأنساه. قال: ابسط رداءك،
فبسطت، فغرف بيده فيه، ثم قال: ضمه، فضممته فما نسيت حديثاً بعد)).
والاختلاف بين الحديثين في بعض الألفاظ. ففي الأول: (إني أسمع منك))، وفي هذا:
((سمعت منك)). وهناك: ((أنساه))، وههنا: ((فأنساه))، بالفاء. وهناك: ((فبسطته))، وهنا: ((فبسطت))
بدون ضمير المفعول. وهناك: ((فغرف بيديه))، وههنا: ((بيده))، وهناك: ((فما نسيت شيئاً))،
وهنا: ((فما نسيت حديثاً)). وفي رواية الأكثرين في حديث الباب: ((فغرف)» ووقع في رواية
المستملي وحده: يحذف. وقال صاحب (المطالع) في باب حفظ العلم، في رواية
المستملي قوله: ((ابسط رداءك)) قول ابن أبي فديك. وقال: يحذف فيه، أي: كأنه يرمي بيده
في رداء أبي هريرة شيئاً لما كان قبل ذلك، فغرف بيده ثم قال: ضمه. انتهى كلامه. وادعى
بعضهم أن هذا تصحيف، ولم يُقِم عليه برهاناً، غير أنه قال: لما وضح من سياقه في علامات
النبوة، وقد رواه ابن سعد في (الطبقات) عن ابن أبي فديك، فقال: فغرف، وهذا ليس يقوم به
دليل على ما لا يخفى، ولو كان تصحيفاً لنبه عليه صاحب (المطالع).
وإبراهيم بن المنذر مر في أول كتاب العلم، وابن أبي فديك هو أبو إسماعيل محمد
ابن إسماعيل بن أبي فديك المدني، وأبو فديك، بضم الفاء وفتح الدال المهملة اسمه: دينار،
مات سنة مائتين.
قوله: ((بهذا) أي: بهذا الحديث. قوله: ((قال)) أي ابن أبي فديك يحذف بيده إلى فيه،
من الحذف بالحاء المهملة والذال المعجمة وبالفاء. وفي (العباب) في فصل الحاء المهملة:
حذفته بالعصا أي: رميته. وهو بين كل حاذف وقاذف: فالحاذف بالعصا، والقاذف بالحجر.
وقال الليث: الحذف الرمي عن جانب والضرب عن جانب. وقال في فصل الخاء المعجمة.
الخذف، رميك بحصاة أو نواة أو نحوهما تأخذه بين سبابتيك تخذف به. قلت: ومن هذا
قال بعضهم: الحذف، بالمهملة بالعصا، والخذف بالمعجمة بالحصى. وقال الكرماني: وقد
i
i'm.
جدة:
i
i
i

٢٧٨
٣ - كتاب العلم / باب (٤٢)
وجد في بعض النسخ ههنا: حدثنا إبراهيم بن المنذر ... الخ، ثم قال: والظاهر أن ابن أبي
فديك يرويه أيضاً عن ابن أبي ذئب، فيتفق معه إلى آخر الإسناد الأول مع احتمال روايته عن
غيره. قلت: هذا غفلة منه، ولو اطلع على ما رواه البخاري في علامات النبوة لما تردد ههنا،
ولجزم برواية ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب.
٦١ /١٢٠ - حدّثنا إسماعيلُ قالَ: حدّثني أخِي عَن ابنٍ أبي ذِئْبٍ عنْ سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ
عنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: حَفظْتُ مِنْ رَسولِ اللَّهِ عَ لَه وعاءَيْنِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَتَثْتُهُ وَأَمَّا الْآخَرُ فَلَوْ
بَنْتُهُ قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ.
مطابقته للترجمة ظاهرة.
بيان رجاله: وهم خمسة ذكروا كلهم، وإسماعيل هو ابن أبي أويس، وأخوه عبد
الحميد بن أبي أويس الأصبحي المدني القرشي، أبو بكر الأعمش. مات سنة اثنتين ومائتين.
وابن أبي ذئب هو محمد بن عبد الرحمن وقد مر عن قريب.
بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث بصيغة الجمع وصيغة الإفراد والعنعنة.
ومنها: أن فيه رواية الأخ عن الأخ. ومنها: أن رواته مدنيون، وهذا الحديث انفرد به البخاري
عن الجماعة.
٠٠٠٠
بيان اللغات: قوله: ((وعاءين)) تثنية وعاء، بكسر الواو وبالمد، وهو الظرف الذي يحفظ
فيه الشيء، ويجمع على: أوعية، ويؤخذ منه الفعل. يقال: أوعيت الزاد والمتاع إذا جعلته في
الوعاء، قال عبيد بن الأبرص:
والشر أخبث ما أوعيت من زاد
الخير يبقى ولو طال الزمان به
قوله: (فبثته)) أي: نشرته، يقال: بث الخير: وأبثه بمعنى. قال ذو الرمة:
غیلان وأسقیه حتى كاد مما أبثه
وبثئت الغبار: إذا هيجته، وبثثت الخبر: شدد للمبالغة، وبثثت الخبر: كشفته ونشرته،
والتركيب يدل على تفريق الشيء وإظهاره.
بيان الإعراب: قوله: ((حفظت عن رسول الله عَ﴾﴾)) هكذا رواية الكشميهني، وفي
رواية الباقين: ((حفظت من رسول الله عَّله))، وهي أصرح لتلقيه من النبي، عليه الصلاة
والسلام، بلا واسطة. قوله: ((وعاءين))، منصوب لأنه مفعول: حفظت. قوله: ((فأما أحدهم))
كلمة: أما، هي التفصيلية. وقوله: ((وأما الآخر)). أي: وأما الوعاء الآخر، وجوابه قوله: ((فلو
بثثته))، وقوله: ((لقطع هذا البلعوم)) جواب: لو، ويروى قطع بدون اللام، و: ((البلعوم)) مرفوع
بإسناد قطع، إليه وهو مفعول ناب عن الفاعل.
بيان المعنى: فيه ذكر المحل وإرادة الحال، وهو ذكر الوعاء، وإرادة ما يحل فيه.
والحاصل أنه أراد به نوعين من العلم، وأراد بالأول: الذي حفظه من السنن المذاعة لو كتبت

٢٧٩
٣ - كتاب العلم / باب (٤٢)
لاحتمل أن يملأ منها وعاءً. وبالثاني: ما كتمه من أخبار الفتن، كذلك. وقال ابن بطال: المراد
من الوعاء الثاني أحاديث أشراط الساعة، وما عرف به النبي، عليه الصلاة والسلام، من فساد
الدين على أيدي أغيلمة سفهاء من قريش، وكان أبو هريرة يقول: لو شئت أن أسميهم
بأسمائهم، فخشي على نفسه فلم يصرح، وكذلك ينبغي لكل من أمر بمعروف إذ خاف على
نفسه في التصريح أن يعرض، ولو كانت الأحاديث التي لم يحدث بها في الحلال والحرام
ما وسعه كتمها بحكم الآية. ويقال: حمل الوعاء الثاني الذي لم ينبه على الأحاديث التي
فيها تبيين أسامي أمراء الجور وأحوالهم وذمهم، وقد كان أبو هريرة يكني عن بعضهم ولا
يصرح به خوفاً على نفسه منهم، كقوله: أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان، يشير
بذلك إلى خلافة يزيد بن معاوية لأنها كانت سنة ستين من الهجرة، فاستجاب الله دعاء أبي
هريرة، فمات قبلها بسنة.
٠ ٠٠٠
فإن قيل: الوعاء في كلام العرب الظرف الذي يجمع فيه الشيء، فهو معارض لما
تقدم مما قال: إني لا أكتب، وكان أي عبد الله بن عمرو - يكتب. أجيب: بأن المراد أن
الذي حفظه من النبي، عليه الصلاة والسلام، من السنن التي حدث بها وحملت عنه، لو
كتبت لاحتمل أن يملأ منها وعاء، وما كتمه من أحاديث الفتن التي لو حدث بها لقطع منه
البلعوم، يحتمل أن يملأ وعاء آخر، ولهذا المعنى قال: وعاءين، ولم يقل: وعاءً واحداً
لاختلاف حكم المحفوظ في الإعلام به والستر له. وقالت المتصوفة: المراد بالأول: علم
الأحكام والأخلاق. وبالثاني: علم الأسرار، المصون عن الأغيار، المختص بالعلماء بالله من
أهل العرفان. وقال آخرون منهم: العلم المكنون والسر المصون علمنا، وهو نتيجة الخدمة
وثمرة الحكمة، لا يظفر بها إلاَّ الغواصون في بحار المجاهدات، ولا يسعد بها إلاّ
المصطفون بأنوار المجاهدات والمشاهدات، إذ هي أسرار متمكنة في القلوب لا تظهر إلاّ
بالرياضة وأنوار لامعة في الغيوب لا تنكشف إلاّ للأنفس المرتاضة. قلت: نعم ما قال، لكن
بشرط أن لا تدفعه القواعد الإسلامية ولا تنفيه القوانين الإيمانية إذ ما بعد الحق إلاَّ الضلال.
فإن قلت: قد وقع في مسند أبي هريرة: حفظت ثلاثة أجربة. فبثئت منها جرابين، وهذا
مخالف لحديث الباب؟ قلت: يحمل على أن الجرابين منها كانا من نوع واحد وهو
الأحكام، وما يتعلق بظواهر الشرع، والجراب الآخر الأحاديث التي لو نشرها لقطع بلعومه،
ولا شك أن النوع الأول كان أكثر من النوع الثاني، فلذلك عبر عنه بالجرابين، والنوع الثاني
بجراب واحد فبهذا حصل التوفيق بين الحديثين. ولقد أبعد بعضهم في قوله: يحمل على أن
أحد الوعاءين كان أكبر من الآخر بحيث يجيء ما في الكبير في جرابين، وما في الصغير في
واحد. قوله: ((فبثته)) زاد الإسماعيلي: ((في الناس)).
قالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: الْبَلْعُومُ مَجْرَى الطَّعَام
هذا ثبت في رواية المستملي، وأبو عبد الله هو البخاري نفسه. و: ((البلعوم)) بضم الباء
i
أجور

٢٨٠
٣ - كتاب العلم / باب (٤٣)
الموحدة مجرى الطعام في الحلق، وهو المريء كما فسره القاضي الجوهري، وكذا البلعم.
وقال الفقهاء: الحلقوم مجرى النفس، والمريء مجرى الطعام والشراب، وهو تحت الحلقوم،
والبلعوم تحت الحلقوم. وقال ابن بطال: البلعوم الحلقوم، وهو مجرى النفس إلى الرئة،
والمريء مجرى الطعام والشراب إلى المعدة متصل بالحلقوم، والمقصود: كنى بذلك عن
القتل. وفي رواية الإسماعيلي: (لقطع هذا))، يعني رأسه.
٤٣ - بابُ الإِنْصَاتِ لِلْعُلَمَاءِ
أي: هذا باب في بيان الإنصات لأجل العلماء، واللام، فيه للتعليل، و: الإنصات،
بكسر الهمزة: السكوت والاستماع للحديث. يقال: نصت نصتاً وأنصت إنصاتاً إذا سكت
واستمع للحديث. يقال: أنصتوه وأنصتوا له. وانتصت سكت.
وجه المناسبة بين البابين من حيث إن العلم إنما يحفظ من العلماء، ولا بد فيه من
الإنصات لكلام العالم حتى لا يشذ عنه شيء، فبهذه الحيثية تناسبا في الاقتران.
١٢١/٦٢ - حدّثنا حَجَّاجٌ قال: حدّثنا شُعْبَةُ قالَ: أخبرني عليٌّ بنُ مُدْرِكٍ عَنْ أبي
زُرْعَةَ عَنْ جَرِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّه قالَ لَهُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ: (اسْتَنْصِتِ النَّاسَ))، فقالَ: ((لاَ تَرْجِعُوا
بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)). [الحديثَ ١٢١ - أطرافه في: ٤٤٠٥، ٦٨٦٩،
٧٠٨٠].
مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((استنصت الناس)).
بيان رجاله: وهم خمسة: الأول: حجاج بن منهال الأنماطي. وقد تقدم. الثاني: شعبة
ابن الحجاج، وقد تقدم غير مرة. الثالث: علي بن مدرك، بضم الميم وكسر الراء: أبو مدرك
النخعي الكوفي الصالح الصدوق الثقة، مات سنة عشرين ومائة، روى له الجماعة. الرابع: أبو
زرعة، اسمه هرم، بفتح الهاء وكسر الراء، ابن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي، كان سيداً
مطاعاً بديع الجمال كبير القدر، طويل القامة يصل إلى سنام البعير، وكان نعله ذراعاً مر في:
باب الدين النصحية.
بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والإخبار بصيغة المفرد والجمع والعنعنة.
ومنها: أن رواته ما بين كوفي وواسطي وبصري. ومنها: أن فيه رواية ابن الابن عن جده.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري هنا عن الحجاج، وفي(المغازي)
عن حفص بن عمرو، وفي(الفتن) عن سليمان، كلهم عن شعبة عن علي بن مدرك به، وفي
(الديات) عن بندار عن غندر عن شعبة، وعن عبيد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة به. وأخرجه
مسلم في (الإيمان) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن غندر عن شعبة، وعن ابن المثنى وابن بشار
عن غندر به. وأخرجه النسائي في (العلم) عن محمد بن عثمان بن أبي صفوان عبد الرحمن
ابن مهدي عن شعبة به، وفي (المحاربة) عن بندار عن غندر وابن مهدي به. وأخرجه ابن ماجه
.-.