النص المفهرس
صفحات 141-160
٠٠٠ ١٣٠ 1995 ١٤١ ٣ - كتاب العلم / باب (٢٤) - قلت: الجلال جمع: جل الفرس، ولا مناسبة لذكره مع: تجلاني، وإن كانا مشتركين في أصل المادة، لأن ذلك فعل من باب التفعيل، وهذا اسم، وهو جمع. ولو قال: ومنه جلال الشيء، كان لا بأس به، تنبيهاً على أنهما مشتركان في أصل المادة. وأيضاً لا يقال: جلال الشيء ما غطى به، بل الذي يقال: جل الشيء. قلت: ((الغشي))، بفتح الغين المعجمة وسكون الشين المعجمة وفي آخره ياء آخر الحروف، مخففة من غشى عليه غشية وغشياً وغشياناً فهو مغشي عليه، واستغشى بثوبه وتغشى أي: تغطى به. وقال القاضي: رويناه في مسلم وغيره بكسر الشين وتشديد الياء، وإسكان الشين والياء، وهما بمعنى: الغشاوة، وذلك لطول القيام وكثرة الحر، ولذلك قالت: فجعلت أصب على رأسي، أو على وجهي من الماء. قال الكرماني: الغشي، بكسر الشين وتشديد الياء: مرض معروف يحصل بطول القيام في الحر وغير ذلك، وعرفه أهل الطب بأنه تعطل القوى المحركة والحساسة لضعف القلب واجتماع الروح كله إليه. فإن قلت: إذا تعطلت القوى فكيف صبت الماء؟ قلت: أرادت بالغشي الحالة القريبة منه، فأطلقت الغشي عليها مجازا، أو كان الصب بعد الإفاقة منه. قال بعض الشارحين: ويروى بعين مهملة. قال القاضي: ليس بشيء. وفي (المطالع): الغشي، بكسر الشين وتشديد الياء: كذا قيده الأصيلي، ورواه بعضهم: الغشي، وهما بمعنى واحد يريد: الغشاوة وهو الغطاء. ورويناه عن الفقيه ابن محمد عن الطبري: العشي، بعين مهملة، وليس بشيء. قوله: ((تفتنون)) أي: تمتحنون. قال الجوهري: الفتنة الامتحان والاختبار. تقول: فتنت الذهب إذا أدخلته النار لتنظر ما جودته، ودينار مفتون، ويسمى الصائغ: الفتان. وأفتن الرجل وفتن فهو مفتون إذا أصابته فتنة فذهب ماله وعقله، وذلك إذا اختبر. قال الله تعالى: ﴿وفتناك فتونا﴾ [طه: ٤٠]. قوله: ((المسيح الدجال)، إنما سمي مسيحاً لأنه يمسح الأرض، أو لأنه ممسوح العين. قال في (العباب): المسيح الممسوح بالشوم. وقال ابن دريد: سمت اليهود الدجال مسيحاً لأنه ممسوح إحدى العينين. وبعض المحدثين يقولون فيه المسيح، مثال: سكيت، لأنه مسح خلقه، أي: شوه. وأما المسيح، بالفتح، فهو عيسى بن مريم، عليه السلام. وقال ابن ماكولا عن شيخه: الصواب هو بالخاء المعجمة: المسيخ، يقال مسحه الله، بالمهملة: إذا خلقه خلقاً حسناً. ومسخه، بالمعجمة: إذا خلقه خلقاً ملعوناً. والدجال على وزن فعال من الدجل، وهو الكذب والتمويه وخلط الحق بالباطل، وهو كذاب مموه خلاط. وقال أبو العباس: سمي دجالاً لضربه في الأرض وقطعه أكثر نواحيها. يقال: دجل الرجل إذا فعل ذلك. ويقال: دجل إذا لبس، ويقال: الدجل طلي البعير بالقطران وبغيره، ومنه سمي الدجال. ويقال لماء الذهب: دجال، بالضم، وشبه الدجال به لأنه يظهر خلاف ما يضمر، ويقال: الدجل السحر والكذب، وكل كذاب دجال، وقال ابن دريد: سمي به لأنه يغطي الأرض بالجمع الكثير، مثل دجلة تغطي الأرض بمائها، والدجل: التغطية. يقال: دجل فلان الحق بباطله أي: غطاه. يقال: دجل الرجل، بالتخفيف والتشديد مع فتح الجيم، ودجل أيضاً بالضم مخففاً. F ٢٠٠٠ P P P i i ١٤٢ /٣١ ٠ ٠٠، ٣ - كتاب العلم / باب (٢٤) بيان الإعراب: قوله: ((عائشة) منصوب بقوله: ((أتيت))، ومنع التنوين لأنه غير منصرف للعلمية والتأنيث، قوله: ((وهي تصلي)) جملة إسمية وقعت حالاً من: عائشة. قوله: ((فقلت)) جملة من الفعل والفاعل، وقوله: (ما شأن الناس)؟ جملة إسمية من المبتدأ والخبر وقعت مقول القول. قوله: ((فأشارت)) عطف على قوله: ((فقلت)). قوله: (فإذا)) للمفاجأة و: الناس، مبتدأ و: قيام خبره. قوله: ((فقالت)) أي: عائشة. ((سبحان الله)). فإن قلت: ينبغي أن يكون مقول القول جملة، و: سبحان الله، ليس بجملة. قلت: قالت: معناه ههنا ذكرت، وقال بعضهم: فقالت: سبحان الله. أي أشارت قائلة: سبحان الله. قلت: هذا التقدير فاسد، لأن: قالت، ههنا عطف بحرف الفاء، فكيف يقدر حالاً مفردة، و: سبحان، علم للتسبيح: كعثمان، علم للرجل، وهو مفعول مطلق التزم إضمار فعله، والتقدير: يسبح الله سبحان أي تسبيحاً، معناه: أنزهه من النقائص وسمات المخلوقين. فإن قلت: إذا كان علماً كيف أضيف؟ قلت: ينكر عند إرادة الإضافة. وقال ابن الحاجب: كونه علماً إنما هو في غير حالة الإضافة. قوله: ((آية)) بهمزة الاستفهام وحذفها، خبر مبتدأ محذوف، أي: هي آية. أي: علامة لعذاب الناس. قوله: (فأشارت)) عطف على: قلت. قوله: ((أي نعم)) تفسير لقوله: أشارت. قوله: ((حتى علاني)) حتى، ههنا للغاية بمعنى: إلى أن علاني. وعلاني، فعل ومفعول، و: الغشي، بالرفع فاعله. قوله: (فجعلت) من الأفعال الناقصة، والتاء اسمه، وقوله: ((أصب على رأسي الماء)) جملة من الفعل والفاعل وهو أنا المستتر في أصب، والمفعول وهو قوله: الماء، ومحله النصب، لأنها خبر: جعلت. قوله: (فحمد)) فعل ولفظة: ((الله))، مفعوله، ((والنبي)) فاعله. قوله: ((وأثنى عليه)) عطف على: حمد. قوله: ((ثم قال)) عطف على: حمد. قوله: (ما من شيء) كلمة: ما، للنفي، وكلمة: من، زائدة لتأكيد النفي و: شيء، اسم ما. وقوله: ((لم أكن أريته)) في محل الرفع لأنه صفة لشيء، وهو مرفوع في الأصل وإن كان جر بمن الزائدة، واسم: أكن، مستتر فيه، و: أريته، بضم الهمزة جملة في محل النصب على أنها خبر: لم أكن. وقوله: (إلاَّ رأيته)) استثناء مفرغ، وقالت النحاة: كل استثناء مفرغ متصل ومعناه أن ما قبلها مفرغ لما بعدها إذ الاستثناء من كلام غير تام فيلغى فيه إلاّ من حيث العمل لا من حيث المعنى نحو: ما جاءني إلاَّ زيد، وما رأيت إلاَّ زيداً، أو ما مررت إلاَّ بزيد. فالفعل الواقع ههنا قبل: إلاَّ، مفرغ لما بعدها، و: إلاَّ، ههنا بمنزلة سائر الحروف التي تغير المعنى دون الألفاظ، نحو: هل وغيره، ولا يجوز هذا إلاّ في المنفي. فافهم. وقال الكرماني: و: رأيته، في موضع الحال وتقديره: ما من شيء لم يكن أريته كائناً في حال من الأحوال إلاَّ في حال رؤيتي إياه. قلت: لا يصح هذا الكلام، لأن ذا الحال إن كان لفظه: شيء، وهو في الحقيقة مبتدأ يبقى بلا خبر، وإن كان هو الضمير الذي في: لم أكن، فلا يصح لذلك، بل محل رأيته في نفس الأمر رفع على الخبرية، لأن التقدير: إذا أزيل: ما وإلاّ، يكون هكذا: وشيء لم أكن أريته رأيته في مقامي هذا، و: شيء، وإن كان نكرة ولكنه تخصص بالصفة. قوله: ((في ١٤٣ ٣ - كتاب العلم / باب (٢٤) مقامي)) حال تقديره: حال كوني في مقامي هذا. فإن قلت: هذا، ما موقعه من الإعراب؟ قلت: خبر مبتدأ محذوف تقديره: في مقامي هو هذا. ويؤول بالمشار إليه. وقال الكرماني: لفظ المقام يحتمل المصدر والزمان والمكان. قلت: نعم يحتمل في غير هذا الموضع، ولكنه ههنا بمعنى المكان. قوله: ((حتى الجنة والنار)) يجوز فيهما الرفع والنصب والجر: أما الرفع فعلى أن تكون: حتى، ابتدائية و: الجنة، تكون مرفوعاً على أنه مبتدأ محذوف الخبر تقديره: حتى الجنة مرئية، و: النار، عطف عليه. كما في قوله: أكلت السمكة حتى رأسها، برفع الرأس أي: رأسها ماكولٌ، وهو أحد الأوجه الثلاثة فيه. وأما النصب فعلى أن تكون: حتى، عاطفة عطف الجنة في الضمير المنصوب في رأيته، وأما الجر فعلى أن تكون: حتى، جارة. قوله: ((فأوحي إلي)) على صيغة المجهول. قوله: ((أنكم) بفتح الهمزة، لأنه مفعول أوحي، قد ناب عن الفاعل. قوله: ((تفتنون)) جملة في محل الرفع على أنه خبر: أن. قوله: ((مثل أو قريباً) كذا روي في رواية بترك التنوين في: مثل، وبالتنوين في: قريباً. وروي في رواية أخرى: ((مثل أو قريب)) بغير تنوين فيهما، وروي في رواية أخرى: ((مثلاً أو قريباً)، بالتنوين فيهما. قال القاضي: رويناه عن بعضهم، وكذا روي: من فتنة المسيح بلفظة: من، قبل: فتنة المسيح. روي أيضاً بدون: من. أما وجه الرواية الأولى: فهو ما قاله ابن مالك إن أصله: مثل فتنة الدجال أو قريباً من فتنة الدجال، فحذف ما كان: مثل، مضافاً إليه، وترك على هيئته قبل الحذف، وجاز الحذف لدلالة ما بعده. قال: والمعتاد في صحة هذا الحذف أن يكون مع إضافتين، كقول الشاعر: كوال تروى عنه ما هو يحذر أمام وخلف المرء من لطف ربه وجاء أيضا في إضافة واحدة، كما هو في الحديث: مه عاذلي فهائما لن أبرحا كمثل أو أحسن من شمس الضحى وأما وجه الرواية الثانية: فهو أن يكون: مثل أو قريب، كلاهما مضافان إلى: فتنة المسيح، ويكون قوله: ((لا أدري أي ذلك قالت أسماء) معترضة بين المضافين والمضاف إليه، مؤكدة لمعنى الشك المستفاد من كلمة: أو، ومثل هذه لا تسمى أجنبية حتى يقال: كيف يجوز الفصل بين المضافين وبين ما أضيفا إليه؟ لأن المؤكدة للشيء لا تكون أجنبية منه، فجاز كما في قوله: ياتيم قيم عدي وقال الكرماني: فإن قلت: هل يصح أن یکون لشيء واحد مضافان؟ قلت: ليس ههنا مضافان، بل مضاف واحد، وهو أحدهما، لا على التعيين، ولئن سلمنا فتقديره: مثل المسيح أو قريب فتنة المسيح، فحذف أحد اللفظين منهما لدلالة الآخر عليه، نحو قول الشاعر: بين ذراعي وجبهة الأسد قلت: قوله: ليس هنا مضافان غیر صحیح، بل ههنا مضافان صريحاً، وقد جاء ذلك i i بجوج ١٤٤ ٣ - كتاب العلم / باب (٢٤) في كلام العرب كما مر في البيت المذكور. وأما وجه الرواية الثالثة: فهو أن يكون: مثلاً، منصوباً على أنه صفة لمصدر محذوف و: أو قريباً، عطف عليه، والتقدير: تفتنون في قبوركم فتنة مثلاً أي مماثلاً فتنة المسيح الدجال، أو فتنة قريباً من فتنة المسيح الدجال. أما وجه: من، في رواية من أثبتها قبل قوله: فتنة المسيح، على تقدير إضافة المثل أو القريب إلى فتنة المسيح، فعلى نوعين: أحدهما أن إظهار حرف الجر بين المضاف والمضاف إليه لا يمتنع عند قوم من النحاة، وذلك نحو قولك: ألا أبا لك، والآخر، ما قيل: إنهما ليسا بمضافين إلى فتنة المسيح على هذا التقدير، بل هما مضافان إلى فتنة مقدرة، والمذكورة بيان لتلك المقدرة. فافهم. قوله: ((لا أدري)) جملة من الفعل والفاعل. قوله: ((أي ذلك)) كلام إضافي و: أي، مرفوع على الابتداء، وخبره قوله: ((قالت أسماء)) وضمير المفعول محذوف، أي: قالته. ثم قوله: ((أي)) يجوز أن تكون استفهامية وموصولة، فإن كانت استفهامية يكون فعل الدراية معلقاً بالاستفهام لأنه من أفعال القلوب، ويجوز أن تكون: أي، مبنياً على الضم مبتدأ على تقدير حذف صدر صلته، والتقدير: لا أدري أي ذلك هو قالته أسماء، وإن كانت موصولة تكون: أي، منصوبة بأنها مفعول: لا أدري، ويجوز أن يكون انتصابها: بقالت، سواء كانت: أي، موصولة أو استفهامية. ويجوز أن تكون من شريطة التفسير بأن يشتغل: قالت، بضميره المحذوف. قوله: ((يقال) بيان لقوله: ((تفتنون)) ولهذا ترك العاطف بين الكلامين. قوله: ((ما علمك)؟ جملة من المبتدأ والخبر وقعت مقول القول. قوله: ((فأما المؤمن)) كلمة: أما، للتفصيل تتضمن معنى الشرط، فلذلك دخلت في جوابها الفاء، وهو قوله: ((فيقول: هو محمد)). قوله: ((أو الموقن)) شك من الرواي، وهي: فاطمة. قوله: ((لا أدري أيهما قالت أسماء)) جملة معترضة، أيضاً. قوله: ((هو محمد)) جملة من المبتدأ والخبر، وكذلك قوله: ((هو رسول الله)). قوله: (جاءنا) جملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل الرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي: هو جاءنا. قوله: ((فأجبنا))، عطف على: جاءنا. وقوله: ((واتبعنا)) عطف على: (أجبنا)). قوله: ((هو محمد)) مبتدأ وخبر. قوله: ((ثلاثاً) نصب على أنه صفة لمصدر محذوف، أي: يقول المؤمن: هو محمد. قوله: (قولاً ثلاثاً) أي: ثلاث مرات، مرتين بلفظ محمد، ومرة بصفته وهو رسول الله، عليه الصلاة والسلام. لا يقال: إذا قال هذا المذكور أي مجموعه ثلاثاً يلزم أن يكون هو محمد مقولاً تسع مرات، وليس كذلك، لأنا نقول لفظ ثلاثاً ذكر للتأكيد المذكور، فلا يكون المقول إلاَّ ثلاث مرات. قوله: ((فيقال)) عطف على قوله: فيقول. قوله: ((ثم صالحاً) جملة وقعت مقول القول، و: صالحاً، نصب على الحال من الضمير الذي في: نم، وهو أمر من نام ينام. قوله: (إن كنت)) كلمة: إن، هذه هي المخففة من الثقيلة، أي: إن الشأن كنت، وهي مكسورة، ودخلت اللام في قوله: ((لموقنا)) لتفرق بين: أن، هذه وبين: إن النافية، هذا قول البصريين. وقال الكوفيون: إن، بمعنى: ما. و: اللام، بمعنى: إلاَّ، مثل قوله تعالى: ﴿إن كل نفس لما عليها حافظ﴾ [الطارق: ٤] أي: ما كل نفس إلاّ عليها ١٤٥ ٣ - كتاب العلم / باب (٢٤) حافظ. ويكون التقدير ههنا: ما كنت إلاَّ موقنا. وحكى السفاقسي فتح: إن، على جعلها مصدرية، أي علمنا كونك موقناً به. ويرد ما قاله دخول اللام. قوله: ((وأما المنافق) عطف على قوله: «فأما المؤمن) وقوله: «فیقول: لا أدري» جواب: أما، ومفعوله محذوف. أي: ل أدري ما أقول. قوله: ((يقولون))، حال من: الناس، و: شيئاً، مفعوله. قوله: ((فقلته))، عطف على: يقولون. بيان المعاني: قوله: ((ما شأن الناس؟) أي: قائمين مضطربين فزعين. قوله: ((فأشارت)) أي: عائشة، رضي الله عنها، إلى السماء، تعني: انكسفت الشمس فإذا الناس قيام أي لصلاة الكسوف، والقيام جمع قائم كالصيام جمع صائم. قوله: ((آية)): علامة لعذاب الناس كأنها مقدمة له، قال الله تعالى: ﴿وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً﴾ [الإسراء: ٥٩] أو علامة لقرب زمان القيامة وأمارة من أماراتها، أو علامة لكون الشمس مخلوقة داخلة تحت النقص، مسخرة لقدرة الله تعالى ليس لها سلطنة على غيرها، بل لا قدرة لها على الدفع عن نفسها. فإن قلت: ماتقول فيما قال أهل الهيئة: إن الكسوف سببه حيلولة القمر بينها وبين الأرض؟ فلا يرى حينئذٍ إلاَّ لون القمر وهو کمد لا نور له، وذاك لا يكون إلاَّ في آخر الشهر عند كون النيرين في إحدى عقدتي الرأس والذنب، وله آثار في الأرض، هل جاز القول به أم لا؟ قلت: المقدمات كلها ممنوعة، ولئن سلمنا، فإن كان غرضهم أن الله تعالى أجرى سنته بذلك، كما أجرى باحتراق الحطب اليابس عند مساس النار له فلا بأس به، وإن كان غرضهم أنه واجب عقلاً، وله تأثير بحسب ذاته فهو باطل، لما تقرر أن جميع الحوادث مستندة إلى إرادة الله تعالى ابتداءً، ولا مؤثر في الوجود إلا الله تعالى. قوله: ((وأثنى عليه))، من باب عطف العام على الخاص، لأن الثناء أعم من الحمد، والشكر والمدح أيضاً ثناء. قوله: (ما من شيء لم أكن أريته إلا رأيته)) قال العلماء: يحتمل أن يكون قد رأى رؤية عين، بأن كشف الله تعالى له مثلاً عن الجنة والنار، وأزال الحجب بينه وبينهما، كما فرج له عن المسجد الأقصى حين وصفه بمكة للناس. وقد تقرر في علم الكلام أن الرؤية أمر يخلقه الله تعالى في الرائي، وليست مشروطة بمقابلة ولا مواجهة ولا خروج شعاع وغيره، بل هذه شروط عادية جاز الانفكاك عنها عقلاً وأن يكون رؤية علم ووحي باطلاعه وتعريفه من أمورهما تفصيلاً ما لم يعرفه قبل ذلك. وقال القرطبي: ويجوز على هذا القول أن الله تعالى مثل له الجنة والنار وصورهما له في الحائط، كما تمثل المرئيات في المرآة. ويعضده ما رواه البخاري من حديث أنس في الكسوف، فقال، عليه الصلاة والسلام: ((الجنة والنار ممثلتين في قبلة هذا الجدار)). وفي مسلم: (إني صورت لي الجنة والنار فرأيتهما بدور هذا الحائط)). ولا يستبعد هذا من حيث إن الانطباع كما في المرآة إنما هو في الأجسام الصقيلة، لأنا نقول: إن ذلك الشرط عادي لا عقلي، ويجوز أن تنخرق العادة خصوصاً للنبوة، ولو سلم أن تلك الأمور عقلية لجاز أن توجد تلك الصور في جسم الحائط، ولا يدرك ذلك إلاّ النبي، عليه الصلاة والسلام. قال: والأول أولى وأشبه بألفاظ الأحاديث، لقوله في بعض الأحاديث: ((فتناولت منها عنقوداً) عمدة القاري/ =١٠٣/٢ / 5 ٠٠٠٠ ١٤٦ ٣ - كتاب العلم / باب (٢٤) وتأخره مخافة أن يصيبه النار. قوله: (ما علمك))، الخطاب فيه للمقبور بدليل قوله: ((إنكم تفتنون في قبوركم))، ولكنه عدل عن خطاب الجمع إلى خطاب المفرد، لأن السؤال عن العلم يكون لكل واحد بانفراده واستقلاله. قيل: قد يتوهم أن فيه التفاتاً، لأنه انتقال من جمع الخطاب إلى مفرد الخطاب، كما قال المرزوقي في شرح (الحماسة) في قوله: أحمى أباكن باليلى الأماديح إنه التفات، وكما في قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء﴾ [الطلاق: ١] قلت: الجمهور من أهل المعاني على خلاف ذلك، ولا يسمى هذا التفاتاً إلاّ على قول من يقول: إن الالتفات هو انتقال من صيغة إلى صيغة أخرى، سواء كان من الضمائر بعضها إلى بعض، أو من غيرها، والتفسير المشهور أن الالتفات هو التعبير عن معنى بطريق من الطرق الثلاثة بعد التعبير عنه بطريق آخر من الطرق الثلاثة، وهي التكلم والخطاب والغيبة. أما الشعر فإن فيه تخصيص الخطاب بعد التعميم لكون المقصود الأعظم هو خطاب ليلى، وأما الآية فقد قال الزمخشري: خص النبي، عَّله، بالنداء، وعم بالخطاب لأن النبي، عَ لَّه، إمام أمته وقدوتهم، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان إفعلوا كيت وكيت، إظهاراً لتقدمه واعتباراً لترؤسه، وأنه مدرة قومه ولسانهم، والذي يصدر عنهم رأيه ولا يستبدون بأمر دونه، فكان هو وحده في حكم كلهم وساداً مسد جميعهم. قوله: ((بهذا الرجل)) أي: بمحمد، عليه الصلاة والسلام. وإنما لم يقل: بي، لأنه حكاية عن قول الملائكة للمقبور. والقائل هما الملكان السائلان المسميان بمنكر ونكير. فإن قلت: لِمَ لا يقولان رسول الله؟ قلت: لئلا يتلقن المقبور منهما إكرام الرسول ورفع مرتبته فيعظمه تقليداً لهما لا اعتقاداً. قوله: ((أو الموقن)) أي: المصدق بنبوة محمد، عليه الصلاة والسلام، أو الموقن بنبوته. قوله: ((جاءنا بالبينات)) أي: بالمعجزات الدالة على نبوته، و: الهدى، أي: الدلالة الموصلة إلى البغية أو الإرشاد إلى الطريق الحق الواضح. قوله: ((فأجبنا)) أي: قبلنا نبوته معتقدين حقيتها معترفين بها، واتبعناه فيما جاء به إلينا. ويقال: الإجابة تتعلق بالعلم والاتباع بالعمل. قوله: (صالحاً)) أي: منتفعاً بأعمالك وأحوالك، إذ الصلاح كون الشيء في حد الانتفاع. ويقال: لا روع عليك مما يروع به الكفار من عرضهم على النار أو غيره من عذاب القبر، ويجوز أن يكون معناه صالحاً لأن تكرم بنعيم الجنة. قوله: (إن كنت لموقنا)) قال الدراوردي: معناه أنك مؤمن، كما قال تعالى: ﴿كنتم خير أمة﴾ [آل عمران: ١١٠] أي: أنتم. قال القاضي: والأظهر أنه على بابها، والمعنى: أنك كنت مؤمناً. يكون معناه: إن كنت مؤمناً في علم الله تعالى، وكذلك قيل في قوله: ﴿كنتم خير أمه﴾ [آل عمران: ١١٠] أي: في علم الله. قوله: ((وأما المنافق)) أي: غير المصدق بقلبه لنبوته، وهو في مقابلة المؤمن. قوله: ((والمرتاب)) أي: الشاك، وهو في مقابلة الموقن. وهذا اللفظ يشترك فيه الفاعل والمفعول، والفرق بالقرينة، وأصله: مرتيب، بفتح الياء في المفعول، وكسرها في الفاعل من الريب، وهو الشك. قوله: ((فقلته)) أي: قلت ما كان الناس يقولونه، وفي بعض النسخ بعده: وذكر الحديث إلى آخره، وهو كما جاء في بعض ١٤٧ ٣ - كتاب العلم / باب (٢٤) الروايات الأخر أنه يقال: ((لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطارق من حديد ضربة فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين)). نسأل الله العافية. بيان استنباط الأحكام: وهو على وجوه: الأول: فيه كون الجنة والنار مخلوقتين اليوم، وهو مذهب أهل السنة، ويدل عليه الآيات والأخبار المتواترة، مثل قوله تعالى: ﴿وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة﴾ [الأعراف: ٢٢، طه: ١٢١] وقوله: ﴿عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى﴾ [النجم: ١٥]: ﴿وجنة عرضها السموات والأرض﴾ [آل عمران: ١٣٣] إلى غير ذلك من الآيات، وتواتر الأخبار في قصة آدم، عليه الصلاة والسلام، عن الجنة ودخوله إياها وخروجه منها، ووعده الرد إليها، كل ذلك ثابت بالقطع. قال إمام الحرمين: أنكر طائفة من المعتزلة خلقهما قبل يوم الحساب والعقاب، وقالوا: لا فائدة في خلقهما قبل ذلك، وحملوا قصة آدم على بستان من بساتين الدنيا. قال: وهذا باطل وتلاعب بالدين وانسلال عن إجماع المسلمين. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: الجنة مخلوقة مهيأة بما فيها، سقفها عرش الرحمن وهي خارجة من أقطار السموات والأرض، وكل مخلوق يفنى ويجدد أو لا يجدد إلاَّ الجنة والنار، وليس للجنة سماء إلاَّ ما جاء في الصحيح. يعني قوله: ((وسقفها عرش الرحمن))، ولها ثمانية أبواب. وروي: أنها كلها مغلقة إلاّ باب التوبة مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها. وأما من قال بأن قوله: ﴿وجنة عرضها السموات والأرض﴾ [آل عمران: ١٣٣] يدل على أنها مخلوقة فغير مستقيم لما تقدم من أنها في عالم آخر، والمعنى: عرضها كعرض السموات والأرض، كما جاء في موضع آخر فحذف ههنا. وسألت اليهود عمر، رضي الله عنه، عن هذه الآية، وقالوا: أين تكون النار؟ فقال لهم عمر، رضي الله عنه: أرأيتم إذا جاء الليل، فأين يكون النهار؟ وإذا جاء النهار فأين يكون الليل؟ فقالوا له: لقد نزعت مما في التوراة. وعن ابن عباس، رضي الله عنه: تقرن السموات السبع والأرضون السبع كما تقرن الثياب بعضها ببعض، فذلك عرض الجنة، ولا يصف أحد طولها لاتساعه. وقيل: عرضها سعتها، ولم يرد العرض الذي هو ضد الطول، والعرب تقول: ضربت في أرض عريضة، أي: واسعة. الثاني: فيه إثبات عذاب القبر مع غيره من الأدلة، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، وإحياء الميت. قال الإمام أبو المعالي: تواترت الأخبار بذلك، وباستعاذة النبي عَ لِ من عذاب القبر. الثالث: فيه سؤال منكر ونكير، وهما ملكان يرسلهما الله تعالى يسألان الميت عن الله تعالى وعن رسول الله، عليه الصلاة والسلام. الرابع: فيه خروج الدجال. الخامس: فيه أن الرؤية ليست مشروطة بشيء عقلاً من المواجهة ونحوها، ووقوع رؤية الله تعالى له عَّله وأن من ارتاب في صدق الرسول عَّ له وصحة رسالته فهو كافر. السادس: فيه جواز التخصيص بالمخصصات العقلية والعرفية. السابع: فيه جواز وقوع الفعل مستثنى صورة. الثامن: فيه تعدد المضافين لفظاً إلى مضاف واحد. التاسع: فيه جواز إظهار حرف الجر بين المضاف والمضاف إليه. العاشر: فيه سنية صلاة الكسوف وتطويل القيام فيها. الحادي عشر: فيه مشروعية هذه الصلاة للنساء أيضاً. الثاني عشر: فيه جواز حضورهن وراء الرجال B i i ١٠٧٠ مسوى ١٣٤٧ ١٤٨ ٣ - كتاب العلم / باب (٢٥) في الجماعات. الثالث عشر: فيه جواز السؤال من المصلي. الرابع عشر: فيه امتناع الكلام في الصلاة. الخامس عشر: فيه جواز الإشارة، ولا كراهة فيها إذا كان لحاجة. السادس عشر: فيه جواز العمل اليسير في الصلاة، وإنه لا يبطلها. السابع عشر: فيه جواز التسبيح للنساء في الصلاة. فإن قلت: لهن التصفيح لا التسبيح إذا نابهن شيء. قلت: المقصود من تخصيص التصفيح بهن أن لا يسمع الرجال صوتهن، وفيما نحن فيه القصة جرت بين الأختين، أو التصفيح هو الأولى لا الواجب. الثامن عشر: فيه استحباب الخطبة بعد صلاة الكسوف. التاسع عشر: فيه أن الخطبة يكون أولها التحميد والثناء على الله، عز وجل. العشرون: قال النووي: فيه أن الغشي لا ينقض الوضوء ما دام العقل باقياً. الأسئلة والأجوبة: منها ماقيل: إن لفظة الشيء في قوله: ((ما من شيء» أعم العام، وقد وقع نكرة في سياق النفي أيضاً، ولكن بعض الأشياء مما لا يصح رؤيته. أجيب: بأن الأصوليين قالوا: ما من عام إلاَّ وقد خص، إلاَّ: ﴿والله بكل شيء عليم﴾ [البقرة: ٢٣١ و٢٨٢، النساء: ١٧٦، المائدة: ٩٧، الأنفال: ٧٥، التوبة: ١١٥، النور: ٣٥ و٦٤، الحجرات: ١٦، المجادلة: ٧، التغابن: ١١] والمخصص قد يكون عقلياً أو عرفياً، فخصصه العقل بما صح رؤيته، والعرف بما يليق أيضاً بأنه مما يتعلق بأمر الدين والجزاء ونحوهما. ومنها ما قيل: هل فيه دلالة على أنه، عليه الصلاة والسلام، رأى في هذا المقام ذات الله سبحانه وتعالى؟ أجيب: نعم، إذ: الشيء يتناوله والعقل لا يمنعه والعرف لا يقتضي إخراجه. ومنها ما قيل: من أين علم الغشي وصب الماء كانا في الصلاة. أجيب: بأنه من حيث جعل ذلك مقدماً على الخطبة، والخطبة متعقبة للصلاة لا واسطة بينهما بدليل الفاء في: فحمد الله تعالى. ومنها ما قيل: هذان فعلان يفسدان الصلاة. أجيب: بأنه محمول على أنه لم تكن أفعالها متوالية، وإلاَّ بطلت الصلاة. ٢٥ - باب تخرِيضِ النَّبيِّ عَّهِ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ عَلَى أَنْ يَحْفَظُوا الإِيمانَ والعِلْمَ وَيُخْبِرُوا مَنْ وَرَاءَهُمْ أي: هذا باب في بيان تحريض النبي عَّهِ. والتحريض، بالضاد المعجمة، على الشيء: الحث عليه. قال الكرماني: والتحريص، بالمهملة بمعناه أيضاً. وقال بعضهم: من قالها بالمهملة فقد صحف. قلت: إذا كان كلاهما يستعمل في معنى واحد لا يكون تصحيفاً، فإن أنكر هذا القائل استعمال المهملة بمعنى المعجمة فعليه البيان. والوفد: هم الذين يقدمون أمام الناس، جمع: وافد، وعبد القيس قبيلة. وقد مر تفسير أكثر ما في هذا الباب في: باب أداء الخمس من الإيمان. وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول هو السؤال والجواب، وهما غالباً لا يخلوان عن التحريض لأنهما تعليم وتعلم، ومن شأنهما التحريض. ١٤٩ ٣ - كتاب العلم / باب (٢٥) وقال مالِكُ بنُّ الحُوَّيْرِثِ: قال لنا النَّبِيُّ عَّهُ: ((ارْجِعُوا إِلَى أَعْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ)). الكلام فيه على أنواع. الأول: أن هذا التعليق طرف من حديث مشهور أخرجه البخاري في (الصلاة والأدب) وخبر الواحد كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وأخرجه مسلم أيضاً. الثاني: أن مالك بن الحويرث، مصغر الحارث، بالمثلثة: ابن حشيش، بفتح الحاء المهملة وبالشين المعجمة المكررة، وقيل: بضم الحاء، وقيل: بالجيم: ابن عوف بن جندع الليثي، يكنى أبا سليمان، قدم على رسول الله عَّله في ستة من قومه فأسلم وأقام عنده أياماً، ثم أذن له في الرجوع إلى أهله، روي له عن رسول الله عَ ل خمسة عشر حديثاً، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بحديث. وهذا أحد الحديثين المتفق عليه، والآخر في: الرفع والتكبير. نزل البصرة وتوفي بها سنة أربع وتسعين، روى له الجماعة. الثالث: قوله: ((إلى أهليكم)) جمع الأهل، وهو يجمع مكسراً نحو: الأهال والأهالي، ومصححا بالواو والنون. نحو: الأهلون، وبالألف والتاء نحو: الأهلات. الرابع: فعلموهم، وفي بعض النسخ: فعظوهم. ٨٧/٢٩ - حدثنا مُحمَّدُ بنُ بشّارٍ قال: حدّثنا غُنْدَرٌ قال: حدّثناِ شُعْبَةُ عنْ أبي جَمْرَةَ قال كُنْتُ أَتَرْجِمُ بَيْنَ ابنِ عَبَّاسٍ وبَيْنَ النَّاسِ، فقال: إنَّ وَقْدَ عَبْدِ القَيْسِ أَتُوا النَّبِيَّ عَلَه فقال: (مَنِ الوَقْدُ؟ - أوْ: مَنِ القَوْمُ - قَالُوا: رَبِيعَةُ. فقال: (مَرْحَباً بالْقَوْم) - أَوْ: بِالوَقْدِ ((غَيْرَ خَزَايَا ولا نَدَامَى)). قالُوا: إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُفَّةٍ بَعِيدَةٍ وبَيْنَا وَبِيْنَك هَذَا الحَيُّ مِنْ كُفَّارٍ مُضَرَ ولا نَسْتَطِيعُ أنْ نَأْتِيَّكَ إلاَّ فِي شَهْرٍ حَرَامٍ، فَهُوْنا بِأَمْرٍ نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنا نَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ. فَأمَرَهُمْ بِأَرْبَعِ ونَهَاهُمْ عَنْ أرْبَعٍ، أمَرَهُمْ بالإِيمانَ بالله عَزَّ وجَلَّ وخدَهُ. قال: ((هَلْ تَدِرُونَ ما الإِيمانُ بالله وحدَهُ؟)) قالُوا: الله ورسولُهُ أَعْلَمُ. قال: ((شَهادَةُ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ الله وأنّ مُحمَّداً رسولُ الله، وإقامُ الصَّلاةِ، وإيتاءُ الزّكاةِ، وَصَوْمُ رَمَضانَ، وتُعْطُوا الخُمُسَ مِنَ المغْتَم)، ونَهَاهُمْ عنِ الدُّبَّاءِ والحَنْتَمِ والمُزَقَّتِ - قال شُعْبَةُ: رُبّما قال: النَّقِيرِ، وَرُبّما قالَ: المُقَيَّرِ. قال: ((احْفَظُوهُ وأُخْبِرُوهُ مَنْ وَرَاءَكُمْ)). [انظر الحديث: ٥٣ وأطرافه]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة. بيان رجاله: وهم خمسة ذكروا جميعاً، وغندر اسمه محمد بن جعفر، وأبو جمرة بالجيم اسمه نصر بن عمران، وهذا الحديث ذكره البخاري فى تسعة مواضع قد ذكرناها في باب: أداء الخمس من الإيمان، أخرجه هناك عن علي بن الجعد عن شعبة عن أبي جمرة، وهذا ثاني المواضع عن محمد بن بشار عن غندر عن شعبة عن أبي جمرة، فلنتكلم ههنا على الألفاظ التي ليست هناك. فقوله: ((كنت أترجم) أي: أعبر للناس ما أسمع من ابن عباس، وبالعكس. قوله: ((قالوا: ربيعة) إنما قالوا: نحن ربيعة، لأن عبد القيس من أولاده، وما قال التيمي من قوله، لأن ربيعة بطن من عبد القيس، فهو سهو منه. قوله: ((من شقة بعيدة))، بضم الشين المعجمة، وهو السفر البعيد، وربما قالوه بكسره. وفي (العباب): الشق، بالضم: البعد. قال تعالى: ﴿بعدت عليهم ١ ٠٠٠ ٠جو. ٣ - كتاب العلم / باب (٢٦). ١٥٠ الشقة﴾ [التوبة: ٤٢] وقال ابن عرفة: أي الناحية التي تدنو إليها. قال الفراء: وجمعها شقق، وحكي عن بعض قيس: شقق. وقال البرندي: إن فلاناً لبعيد الشقة، أي: بعيد السفر، قوله: ((ندخل به الجنة))، وقع هنا بغير الواو، وهناك بالواو، ويجوز فيه الرفع والجزم، أما الرفع فعلى أنه حال أو استئناف أو بدل أو صفة بعد صفة. وأما الجزم فعلى أنه جواب الأمر. فإن قلت: الدخول ليس هيئة لهم فكيف يكون حالاً؟ قلت: حال مقدرة: والتقدير: نخبر مقدرين دخول الجنة، وفي بعض النسخ: نخبر، بالجزم أيضاً، وعلى هذه الرواية: تدخل، بدل منه، أو هو جواب للأمر بعد جواب. قوله: ((وتعطوا) كذا وقع بدون النون، لأنه منصوب بتقدير: أن، لأن المعطوف عليه اسم، وروى أحمد عن غندر، فقال: ((وأن تعطوا))، فكأن الحذف من شيخ البخاري. قوله: ((قال شعبة)) وربما قال: أي أبو جمرة النقير، بفتح النون وكسر القاف: وهو الجذع المنقور. قوله: ((وربما قال: المقير)) أي: وربما قال أبو جمرة: المقير. قال الكرماني: فإن قلت: فإذا قال المقير يلزمُ التكرار، لأنه هو المزفت. قلت: حيث قالوا: المزفت هو المقير تجوزوا، إذ الزفت هو شيء يشبه القار. انتهى. قلت: تحرير هذا الموضع أنه ليس المراد أنه كان يتردد في هاتين اللفظتين ليثبت إحداهما دون الأخرى لأنه على هذا التقدير يلزم التكرار المذكور، بل المراد أنه كان جازماً بذكر الألفاظ الثلاثة الأول، شاكاً في الرابع، وهو: النقير، فكان تارة يذكره وتارة لا يذكره، وكان أيضاً شاكاً في التلفظ بالثالث: أعني: المزفت، فكان تارة يقول: المزفت، وتارة يقول: المقير، والدليل عليه أنه جزم بالنقير في الباب السابق، ولم يتردد إلاَّ في المزفت والمقير فقط. قوله: ((وأخبروا)) بفتح الهمزة بدون الضمير في آخره في رواية الكشميهني، وعند غيره: ((وأخبروه)) بالضمير. وقال ابن بطال: وفيه أن من علم علماً أنه يلزمه تبليغه لمن لا يعلمه، وهو اليوم من فروض الكفاية لظهور الإسلام وانتشاره، وأما في أول الإسلام فإنه كان فرضاً معيناً أن يبلغه حتى يكمل الإسلام ويبلغ مشارق الأرض ومغاربها، وفيه أنه يلزم تعليم أهل الفرائض لعموم لفظ: ((من وراءكم))، والله سبحانه وتعالى أعلم. ٢٦ - باب الرَّحْلةِ في المَسْألَةِ النَّازِلِةِ وتَعْلِيم أَهْلِهِ أي: هذا باب في بيان الرحلة، وهو بكسر الراء: الارتحال، من: رحل يرحل إذا مضى في سفر، ورحلت البعير أرحله رحلاً: إذا شددت عليه الرحل، وهو للبعير أصغر من القتب، وهو من مراكب الرجال دون النساء. وقال بعضهم: الرحلة، بالكسر، من الارتحال. قلت: المصدر لا يشتق من المصدر وقال ابن قرقول: الرحلة، بكسر الراء، ضبطناه عن شيوخنا، ومعناه: الارتحال. وحكى أبو عبيدة ضمها قلت: الرحلة بالضم، الوجه الذي تريده. قال: أبو عمرو: يقال أنتم رحلتي أي: الذي أرتحل إليهم. وقال الأموي: الرحلة، بالضم: جودة الشيء. وفي (العباب): بعير مرحل، بكسر الميم، و: ذو رحلة إذا كان قوياً على السير، قاله الفراء. قوله: ((وتعليم أهله)، بالجر عطف على الرحلة، وهذا اللفظ في رواية كريمة، وليس في رواية .. .- ١٥١ ٣ - كتاب العلم / باب (٢٦) i غيرها، والصواب حذفه لأنه يأتي في باب آخر. فإن قلت: قد تقدم: باب الخروج في طلب العلم، وهذا الباب أيضاً بهذا المعنى، فيكون تكراراً. قلت: ليس بتكرار بل بينهما فرق، لأن هذا لطلب العلم في مسألة خاصة وقعت للشخص ونزلت به، وذاك ليس كذلك. فإن قلت: ما وجه المناسبة بين البابين؟ قلت: من حيث إن المذكور في الباب الأول التحريض على العلم، والمحرض من شدة تحرضه قد يرحل إلى المواضع لطلب العلم، ولا سيما لنازلة تنزل به. ٠٠ ٨٨/٣٠ - حدّثنا مُحمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ أبو الحَسَنِ قال: أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ قالَ: أخبرنا عُمَرُ ابنُّ سَعِيدٍ بن أبي محُسَيْنٍ قال: حدّثني عَبْدُ اللَّهِ بنُ أبي مُلَيْكَةَ عنْ عُقْبَةَ بنِ الحَارِثِ أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابنَةً لأبي إِهابٍ بِنِ عَزِيزٍ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرضَعْتُ عُقْبَةَ والَّتِي تَزَوَّجَ بها، فقالَ لَهَا عُقْبَةُ: ما أعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي وَلا أُخْبَرْتِنِي، فَرَكِبَ إِلى رسول الله عَ لِّ بِالمَدِينَة فَسَأَلَهُ، فقال رسولُ اللهِ عَلَّهِ: ((كَيْفَ وقَدْ قِيلَ)). فَفَارَقَها عُقْبَةُ ونَكَحَتْ زَوْجاً غَيَرَهُ. [الحديث ٨٨ - أطرافه في: ٢٠٥٢، ٢٦٤٠، ٢٦٥٩، ٢٦٦٠، ٥١٠٤]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة في قوله: ((فركب إلى رسول الله عَلٍَّ))، وليس فيه ما يطابق قوله: ((وتعليم أهله)) فلهذا قلنا: والصواب حذفه، لأنه يأتي في باب آخر. بيان رجاله: وهم خسمة: الأول: محمد بن مقاتل المروزي، وقد تقدم. الثاني: عبد اللَّه بن المبارك المروزي، وقد تقدم: الثالث: عمر بن سعيد بن أبي حسين النوفلي المكي، روى عن طاوس وعطاء وعدة، وعنه يحيى القطان وروح وخلق، وهو ثقة، روى له الجماعة وأبو داود في المراسيل، وهو ابن عم عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي حسين. الرابع: عبد اللَّه ابن عبيد الله بن أبي مليكة، بضم الميم: زهير بن عبد اللَّه التيمي القرشي الأحول المكي، وقد تقدم. الخامس: عقبة، بضم العين المهملة وسكون القاف وفتح الباء الموحدة: ابن الحارث بن عامر بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي المكي، أبو سروعة بكسر السين المهملة وحكي فتحها، أسلم يوم الفتح وسكن مكة، هذا قول أهل الحديث. وأما جمهور أهل النسب فيقولون: عقبة هذا هو أخو أبي سروعة، وأنهما أسلما جميعاً يوم الفتح. وقال الزبير بن بكار: وأبو سروعة هو قاتل حبيب بن عدي، أخرج لعقبة البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي، ولم يخرج له مسلم شيئاً، روى له البخاري ثلاثة أحاديث في العلم والحدود والزكاة عن ابن أبي مليكة عنه أحدها هذا، وأخرجه معه هؤلاء الثلاثة. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث بصيغة الجمع وصيغة الإفراد والإخبار والعنعنة. ومنها: أن في رواته مروزيان وثلاثة مكيون. ومنها: أن هذا من أفراد البخاري عن مسلم، وانفرد عنه أيضاً بعقبة بن الحارث. فإن قلت: قال أبو عمر: ابن أبي ملكية لم يسمع من عقبة، بينهما عبيد بن أبي مريم، فعلى هذا يكون الإسناد منقطعا. قلت: هذا سهو منه، وسيجيء في كتاب النكاح في: باب شهادة المرضعة، أن ابن أبي ملكية قال: حدثنا عبيد بن ٢.٥٠ ١٥٢ ٣ - كتاب العلم / باب (٢٦) أبي مريم عن عقبة بن الحارث. قال: وسمعته من عقبة، لكني لحديث عبيد أحفظ، فهذا صريح في سماعه من عقبة. جور. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في (الشهادات) عن حبان عن ابن المبارك، وعن أبي عاصم كلاهما عن عمر بن سعيد بن أبي حسين، وفي (البيوع) في: باب تفسير الشهادات، عن محمد بن كثير عن الثوري عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي حسين، وفي الشهادات عن علي عن يحيى بن أبي سعيد عن ابن جريج، ثلاثتهم عن ابن أبي مليكة عن عقبة به، وفي (النكاح) عن علي عن إسماعيل بن علي عن أيوب عن ابن أبي مليكة عن عبيد بن أبي مريم عن عقبة، كما ذكرناه. وأخرجه أبو داود في (القضايا) عن عثمان بن أبي شيبة عن إسماعيل بن علية به، وعن أحمد بن شعيب الحراني عن الحارث بن عمير البصري عن أيوب به، وعن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن أيوب عن ابن أبي مليكة عن عقبة بن الحارث به. قال ابن أبي مليكة: وحدثنيه صاحب لي عنه، وأنا لحديث صاحبي أحفظ. وأخرجه الترمذي في (الرضاع) عن علي بن حجر عن إسماعيل بن علية به، وقال: حسن صحيح. وأخرجه النسائي في (النكاح)، عن علي بن حجر به، وفي (القضاء) عن محمد بن أبان ويعقوب بن إبراهيم كلاهما عن إسماعيل بن علية به، وعن محمد بن عبد الأعلى عن خالد ابن الحارث عن ابن جريج به، وفيه وفي (العلم) عن إسحاق بن إبراهيم عن عيسى بن يونس عن عمر بن سعيد به. بيان ما فيه من اللغة والإعراب: قوله: ((أرضعت)) مزيد: رضع الصبي أمه يرضعها رضاعاً، مثل: سمع يسمع سماعاً، وأهل نجد يقولون: رضع يرضع رضعاً، مثال: ضرب يضرب ضرباً، وكذلك الرضاع والرضاعة. قال الله تعالى: ﴿أن يتم الرضاعة﴾ [البقرة: ٢٣٣] وقرأ أبو حيوة وأبو رجاء والجارود وابن أبي عبلة: ((أن يتم الرضاعة))، بكسر الراء. قال في (العباب): قالوا: رضع الرجل، بالضم: رضاعة كأنه كالشيء يطبع عليه. وقال ابن عباد: رضع الرجل من الرضاعة، بالفتح أيضاً، مثله رضع فهو راضع ورضيع ورضاع، وجمع الراضع: رضع، کراکع وركع، ورضاع أيضاً: ككافر وكفار. ثم قال: والتركيب يدل على شرب اللبن من الضرع أو الثدي. قوله: ((تزوج ابنة)) جملة في محل الرفع على أنها خبر: أن. قوله: ((لأبي إهاب)) صفة ابنة. قوله: ((فأتته أمرأة)) عطف على تزوج. قوله: ((عقبة)) بالنصب مفعول: أرضعت. قوله: ((والتي تزوج بها)) عطف على: عقبة. قوله: (ما أعلم)) جملة منفية من الفعل والفاعل. وقوله: (إنك أرضعتني)) إن مع اسمها وخبرها سدت مفعولي: أعلم. وفي بعض النسخ: (أرضعتيني وأخبرتيني)) بالياء فيهما، الحاصلة من إشباع الكسرة. قوله: (ولا أخبرتني) عطف على قوله: لا أعلم. فافهم. وإنما قال: أعلم بصيغة المضارع، و: أخبرت، بصيغة الماضي لأن نفي العلم حاصل في الحال بخلاف نفي الإخبار فإنه كان في الماضي فقط. قوله: ((بالمدينة))، يتعلق بمحذوف، لا بقوله: فركب، ومحلها النصب على الحال، والتقدير: فركب إلى رسول الله عَّل حال كونه بالمدينة، أي فيها. وكان ركوبه من مكة لأنها دار ١١٣٠ ١٥٣ ٣ - كتاب العلم / باب (٢٦) إقامته. قوله: ((فسأله) أي: فسأل عقبة رسول الله عَّله عن الحكم في المسألة النازلة لذاته. قوله: ((كيف؟) هو ظرف يسأل به عن الحال. قوله: ((وقد قيل؟» أيضاً حال، وهما يستدعيان عاملاً يعمل فيهما، والتقدير: كيف تباشرها وتفضي إليها وقد قيل إنك أخوها؟ أي إن ذلك بعيد من ذي المروءة والورع. قوله: ((عقبة)) فاعل: فارقها، قوله: ((ونكحت)) جملة من الفعل والفاعل. و: زوجاً، مفعوله، و: غيره، بالنصب: صفته. جوة i ! فيه من المبهمات أربعة: الأول: قوله: ((ابنة))، قال الكرماني كنيتها أم يحيى، ولم يعلم اسمها. قلت: يعلم، واسمها: غنية، بفتح الغين المعجمة وكسر النون وتشديد الياء آخر الحروف. الثاني: قوله: أبو إهاب، بكسر الهمزة. وفي آخره باء موحدة: ابن عزيز، بفتح العين المهملة وكسر الزاي وَسكون الياء آخر الحروف وفي آخره زاي أيضاً، وقال الشيخ قطب الدين: وليس في البخاري: عزيز بضم العين. وقال الكرماني: وفي بعض الروايات: عزيز، بضم المهملة وبالزاي المفتوحة الراء، وقال بعضهم: ومن قال بضم أوله فقد حرف. قلت: إن كان مراده بضم الأول وفي آخره زاي معجمة فيمكن ذلك، وإن كان مراده الغمز على الكرماني في قوله: وفي بعض الروايات، فإنه يحتاج إلى بيان وليس نقله أرجح من نقله، وأبو إهاب هذا لا يعرف اسمه، وهو ابن عزيز بن قيس بن سويد بن ربيعة بن زيد بن عبد اللَّه بن دارم التميمي الدارمي، قاله خليفة، وأمه فاختة بنت عامر بن نوفل بن عبد مناف ابن قصي، وهو حليف لبني نوفل روى عن النبي عَِّ أنه نهى أن يأكل أحدنا وهو متكىء، أخرجه أبو موسى في الصحابة، ولم يذكره أبو عمر، ولا ابن منده. الثالث: قوله: ((فأتته امرأة)) ما سماها أحد. الرابع: قوله: ((زوجاً غيره))، اسمه: ظريب، بضم الظاء المعجمة وفتح الراء وفي آخره باء موحدة: ابن الحارث. قال بعض الشارحين: ضريب بن الحارث تزوجها بعد عقبة فولدت له أم قبال، زوجة جبير بن مطعم ومحمداً ونافعاً، ورأيت في موضع نقل عن خط الحافظ الدمياطي: نافع بن ضريب بن عمرو بن نوفل، والله أعلم. بيان استنباط الأحكام: الأول: فيه أن الواجب على المرء أن يجتنب مواقف التهم وإن كان نقي الذيل بريء الساحة. الثاني: فيه الحرص على العلم وإيثار ما يقربهم إلى الله تعالى. قال الشعبي: لو أن رجلاً سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن لحفظ كلمة تنفعه فيما بقي من عمره لم أر سفره يضيع. الثالث: احتج بظاهره من أجاز شهادة المرضعة وحدها، ومن منع حمله على الورع دون التحريم، وقال ابن بطال: قال جمهور العلماء: إن النبي عَّ له أفتاه بالتحرز عن الشبهة، وأمره بمجانبة الريبة خوفاً من الإقدام على فرج قام فيه دليل على أن المرأة أرضعتهما، لكنه لم يكن قاطعاً ولا قوياً، لإ جماع العلماء على أن شهادة المرأة الواحدة لا تجوز في مثل ذلك، لكن أشار عليه النبي عَّ له بالأحوط. وقال غيره: لم يأمره النبي عَّه. وعلى وجه القضاء، وإنما كان احتياطاً لما بوب عليه البخاري في (البيوع) باب: تفسير الشبهات، ومنهم من حمل حديث عقبة على الإيجاب، وقال: تقبل شهادة المرأة الواحدة على الرضاع، وهو قول أحمد. ويروى عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، أن شهادتها i i i ٠٢/١ ١٥٤ ٣ - كتاب العلم / باب (٢٧ ) تقبل إذا كانت مرضعة، وتستحلف مع شهادتها. وقال مالك: يقبل قولها بشرط أن يفشو ذلك في الأهل والجيران، فإن شهدت امرأتان شهادة فاشية فلا خلاف في الحكم بها عنده، وإن شهدتا من غير فشو، أو شهدت واحدة مع الفشو، ففيه قولان. ومن قال بالوجوب قال: لو كان أمره لعقبة على الورع أو التنزه لأمره بطلاقها لتحل لغيره، ويكون قوله: «كيف وقد قيل؟) على هذا ليهون عليه الأمر، ويؤيده تبسمه عَ لّه، ومنع أبو حنيفة عن شهادة النساء متمحضات في الرضاع. وأما مذهب الشافعي ففصل أصحابه، وقالوا: إذا شهدت المرضعة وادعت مع شهادتها أجرة الرضاع فلا تسمع شهادتها، لأنها تشهد لنفسها فتتهم، وإن أطلقت الشهادة ولم تدع أجرة بأن قالت: أشهد أني أرضعته، ففيه خلاف عندهم. منهم من قال: لا تقبل لأنها تشهد على فعل نفسها، فأشبهت الحاكم إذا شهد على حكمه بعد العزل. ومنهم من قبلها، وهو الأصح عندهم، لأنها لا تجر بها نفعاً وتدفع بها ضراراً. قلت: وقد ظهر لك الخلل في نقل ابن بطال الإجماع على أن شهادة المرأة الواحدة لا تجوز في الرضاع وشبهه من الذي ذكرنا، لأن مذهب أحمد وغيره أن شهادة الواحدة في كل ما لا يطلع عليه الرجال من الرضاع وغيره تقبل، ومما نقل عن مالك من شهادة الواحدة على الشياع. قلت: روي عن الحسن وإسحاق أيضاً نحو مذهب أحمد، وكذا قال الاصطخري: وإنما يثبت بالنساء المتمحضات. وقال أصحابنا: يثبت الرضاع بما يثبت به المال، وهو شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، ولا تقبل شهادة النساء المنفردات، لأن ثبوت الحرمة من لوازم الملك في باب النكاح، ثم الملك لا يزول بشهادة النساء المنفردات، فلا تثبت الحرمة. وعند الشافعي: تثبت بشهادة أربع نسوة. وعند مالك بامرأتين. وعند أحمد بمرضعة. وقال التيمي: معنى الحديث: الأخذ بالوثيقة في باب الفروج، وليس قول المرأة الواحدة شهادة تجوز بها الحكم في أصل من الأصول، وفي: ((كيف وقد قيل؟)) الاحتراز من الشبهة، ومعنى: فارقها: طلقها. فإن قلت: النكاح ما انعقد صحيحاً على تقدير ثبوت الرضاع، والمفارقة كانت حاصلة، فما معنى فارقها؟ قلت: إما أن يراد بها المفارقة الصورية، أو يراد الطلاق في مثل هذه الحالة هو الوظيفة ليحل للغير نكاحها قطعاً. ٢٧ - باب التََّاؤُبِ فِي العِلْم أي: هذا باب في بيان التناوب في العلم، والتناوب: تفاعل من ناب لي ينوب نوباً ومناباً، أي: قام مقامي. ومعناه: أن تتناوب جماعة لوقت معروف يأتون بالنوبة. وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول: الرحلة في طلب العلم. وهي لا تكون إلاّ من شدة الحرص في طلب العلم، وفي التناوب أيضاً هذا المعنى، لأنهم لا يتناوبون إلاَّ لطلب العلم والباعث عليه شدة حرصهم. ١٥٥ ٣ - كتاب العلم / باب (٢٧) ٨٩/٣١ - حدّثنا أبو اليَمانِ أُخْبرنا شُعَيْبُ عنِ الزُّهْرِيّ. (ح) قالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وقال ابنُ وهْبٍ: أخبرنا يُونُسُ عن ابنِ شِهابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أبي ثَوْرٍ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَّاسٍ عنْ عُمَرَ قال: كُنْتُ أنا وجارٌ لِي مِنَ الأَنْصارِ فِي بَنِي أَمَيَّةَ بِنِ زَيْدٍ، وَهْيَ مِنْ عَوالِي المَدِينَةِ، وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رسولِ اللهِعَ لَّهِ، يَنْزِلُ يَوْماً وأَنْزِلُ يَوْماً، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرٍ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الوَخِي وَغَيِرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذلِكَ، فَتَزَّلَ صَاحِبِي الأَنْصَارِيُّ يَوْمَ نَوْيَتِهِ فَضَربَ بَابِي ضَرْباً شديداً فقالَ: أَثَمَّ هُوَ؟ فَفَزِعْتُ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، فَقالَ: قَدْ حَدثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ! قالَ: فَدَخِلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَإِذَا هِيَ تَبْكِي، فَقُلْتُ طَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللهِ عَّلَهِ؟ قَالَتْ: لا أدْرِي، ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ عَلَّهِ، فَقُلْتُ وأَنَا قائِمٌ: أطلَّقْتَ نِساءَكَ؟ قال: ((لا))، فَقُلْتُ: الله أَكْبَرُ. [الحديث ٨٩ - أطرافه في: ٢٤٦٨، ٤٩١٣، ٤٩١٤، ٤٩١٥، ٥١٩١، ٥٢١٨، ٥٨٤٣، ٧٢٥٦، ٧٢٦٣]. P مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، وهي في قوله: ((كنا نتناوب النزول)). بيان رجاله: وهم تسعة، لأنه أخرجهم من طريقين: الأولى: عن أبي اليمان: الحكم ابن نافع عن شعيب بن أبي جمرة عن محمد بن مسلم الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، بالمثلثة، القرشي النوفلي التابعي الثقة، روى له الجماعة. وقد اشترك معه في اسمه واسم أبيه في الرواية عن ابن عباس، وفي رواية الزهري عنهما عبيد اللَّه بن عبد الله بن عتبة ابن مسعود الهذلي المدني، لكن روايته عن ابن عباس كثيرة في (الصحيحين)، وليس لابن أبي ثور عن ابن عباس غير هذا الحديث. الطريق الثانية: من التعليقات حيث قال: قال أبو عبد اللَّه، أراد به البخاري نفسه. قال ابن وهب، أي: عبد الله بن وهب المصري، أخبرنا يونس، وهو ابن يزيد الأيلي عن ابن شهاب، وهو الزهري، وهذا التعليق وصله ابن حبان في (صحيحه) عن ابن قتيبة، عن حرملة عن عبد الله بن وهب بسنده، وليس في روايته قول عمر، رضي الله عنه: ((كنت أنا وجار لي من الأنصار نتناوب النزول))، وهو المقصود من هذا الباب، وإنما وقع ذلك في رواية شعيب وحده عن الزهري، نص على ذلك الذهلي والدارقطني والحاكم وآخرون. فإن قلت: لم ذكر ههنا رواية يونس؟ قلت: لينبه أن الحديث كله من أفراد شعيب. i بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة. ومنها: أن فيه رواية التابعي عن التابعي. ومنها: أن فيه رواية الصحابي عن الصحابي. ومنها: أنه ذكر في الموصول: الزهري، وفي التعليق: ابن شهاب، تنبيهاً على قوة محافظة ما سمعه من الشيوخ. ومنها: أن فيه كلمة (ح) مهملة، إشارة إلى تحويل الإسناد. i بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في (النكاح) عن أبي اليمان، كما أخرجه ههنا عن عنه، وفي (المظالم) عن يحيى بن بكير عن ليث عن عقيل عن الزهري به، وأخرجه مسلم في (الطلاق) عن إسحاق بن إبراهيم وابن عمر كلاهما عن عبد 75%. ٢٫٠٠ ١٠ ١٥٦ ٣ - كتاب العلم / باب (٢٧ ) الرزاق عن معمر عن الزهري به. وأخرجه الترمذي في (التفسير) عن عبد بن حميد عن عبد الرزاق بطوله. وأخرجه النسائي في (الصوم) عن عمرو بن منصور عن الحكم بن نافع به، وعن عبيد اللَّه بن سعد بن إبراهيم بن سعد عن عمه يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن صالح ابن كيسان عن الزهري به، وفي (عشرة النساء) عن محمد بن عبد الأعلى عن محمد بن ثور عن معمر به. بيان اللغات: قوله: ((من الأنصار)) جمع ناصر أو نصير، وهم عبارة عن الصحابة الذين آووا ونصروا رسول الله، عليه السلام، من أهل المدينة، رضي الله عنهم، وهو اسم إسلامي سمى الله تعالى به الأوس والخزرج. ولم يكونوا يدعون الأنصار قبل نصرتهم رسول الله، عليه السلام، ولا قبل نزول القرآن بذلك. قوله: ((في بني أمية بن زيد)» أي: في هذه القبيلة، ومواضعهم يعني: في ناحية بني أمية. سميت البقعة باسم من نزلها. قوله: ((من حوالي المدينة) هو جمع: عالية، وعوالي المدينة عبارة عن قرى بقرب مدينة رسول الله، عليه الصلاة والسلام، من فوقها من جهة الشرق، وأقرب العوالي إلى المدينة على ميلين أو ثلاثة أميال وأربعة، وأبعدها ثمانية. وفي (الصحاح): العالية ما فوق نجد إلى أرض تهامة، وإلى أرض مكة وهي الحجاز وما والاها، والنسبة إليها: عالي، ويقال أيضاً: علوي، على غير قياس، ويقال: عالى الرجل، وأعلى: إذا أتى عالية نجد. قوله: ((ففزعت))، بكسر الزاي: أي خفت، لأن الضرب الشديد كان على خلاف العادة. بيان الإعراب: قوله: ((وجار))، بالرفع: لأنه عطف على الضمير المنفصل المرفوع. أعني قوله: أنا، وإنما أظهر أنا لصحة العطف حتى لا يلزم عطف الاسم على الفعل، هذا قول البصرية. وعند الكوفية: يجوز من غير إعادة الضمير، ويجوز فيه النصب على معنى المعية. قوله: ((لي)): جار ومجرور في محل الرفع، أو النصب على الوصفية لجار. قوله: ((من الأنصار)) كلمة: من، بيانية. قوله: ((في بني أمية)) في محل نصب لأنه خبر: كان، أي: مستقرين فيها، أو نازلين أو كائنين، ونحو ذلك. قوله: ((وهو)) مبتدأ، وخبره قوله: ((من عوالي المدينة)). قوله: ((نتناوب)) جملة في محل النصب على أنها خبر: كان، و: النزول، بالنصب على أنه مفعول: نتناوب. قوله: ((ينزل))، جملة في محل الرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي: جاري ينزل يوماً، وهو نصب على الظرفية. قوله: ((وأنزل)) عطف على: ينزل. قوله: ((فإذا) للظرفية، لكنه تضمن معنى الشرط. وقوله: ((جئته)) جوابه. قوله: ((من الوحي) بيان للخبر. قوله: ((وإذا نزل)) أي: جاري. قوله: ((الأنصاري)) بالرفع صفة لقوله: ((صاحبي)، وهو مرفوع لأنه فاعل: نزل. فإن قلت: الجمع إذا أريد النسبة إليه يرد إلى المفرد، ثم ينسب إليه. قلت: الأنصاري ههنا صار علماً لهم، فهو كالمفرد، فلهذا نسب إليه بدون الرد. قوله: ((فضرب بابي)) عطف على مقدر أي: فسمع اعتزال الرسول، عليه الصلاة والسلام، عن زوجاته، فرجع إلى العوالي، فجاء إلى بابي فضرب .. ومثل هذه الفاء تسمى بالفاء الفصيحة، وقد ذكرناها غير مرة. قوله: ((أثم؟)) هو: بفتح الثاء المثلثة وتشديد الميم، وهو اسم يشار به إلى المكان ١٥٧ ٣ - كتاب العلم / باب (٢٧) البعيد، نحو قوله: ﴿وأزلفنا ثم الآخرين﴾ [الشعراء: ٦٤] وهو ظرف لا يتصرف، فلذلك غلط من أعربه مفعولاً: لرأيت، في قوله تعالى: ﴿وإذا رأيت ثم رأيت نعيما﴾ [الإنسان: ٢٠] ولا يتقدمه حرف التنبيه ولا يتأخر عنه كاف الخطاب. قوله: ((ففزعت»: الفاء فيه للتعليل، أي لأجل الضرب الشديد فزعت، والفاء في فخرجت: للعطف، ويحتمل السببية، لأن فزعه كان سبباً لخروجه. والفاء في: فقال، للعطف. قوله: ((قد حدث أمر عظيم))، جملة وقعت مقول القول. قوله: (فدخلت)) أي: قال عمر، رضي الله عنه: دخلت. ويفهم من ظاهر الكلام أن: دخلت، من كلام الأنصاري وليس كذلك، وإنما الداخل هو عمر، رضي الله عنه، وإنما وقع هذا من الاختصار وإلاّ ففي أصل الحديث بعد قوله: ((أمر عظيم طلق رسول الله عليه السلام نساءه)). قلت: قد كنت أظن أن هذا كائن حتى إذا صليت الصبح شددت علي ثيابي، ثم نزلت. فدخلت على حفصة، أراد أم المؤمنين بنته، رضي الله عنهما. وفي رواية الكشميهني: ((قد حدث أمر عظيم فدخلت)) بالفاء. فإن قلت: ما هذه الفاء؟ قلت: الفاء الفصيحة، تفصح عن المقدر. لأن التقدير نزلت من العوالي فجئت إلى المدينة فدخلت. قوله: ((فإذا» للمفاجأة، وهي متبدأ: وتبكي، خبره. قوله: ((طلقكن؟)) وفي رواية: ((أطلقكن؟))، بهمزة الاستفهام. قوله: ((قالت)) أي: حفصة: ((لا أدري)) أي: لا أعلم، ومفعوله محذوف. قوله: ((وأنا قائم): جملة اسمية وقعت حالاً. قوله: ((طلقت)) أي: أطلقت، والهمزة محذوفة منه. بيان المعاني: قوله: ((وجار لي من الأنصار)): هذا الجار هو عتبان بن مالك بن عمرو ابن العجلان الأنصاري الخزرجي، رضي الله عنه. قوله: ((ينزل يوماً) أي: ينزل صاحبي يوماً من العوالي إلى المدينة وإلى مسجد رسول الله عَ ليه لتعلم العلم من الشرائع ونحوها. قوله: (يوم نوبته)) أي: يوماً من أيام نوبته. قوله: ((ففزعت)) إنما كان فزع عمر، رضي الله عنه، بسبب ما يجيء في كتاب التفسير مبسوطاً، قال عمر، رضي الله عنه: ((كنا نتخوف ملكاً من ملوك غسان ذكر لنا أنه يريد أن يسير إلينا وقد امتلأت صدورنا منه، فتوهمت لعله جاء إلى المدينة، فخفت لذلك)). قوله: ((أمر عظيم)) أراد به اعتزال الرسول، عليه الصلاة والسلام،، عن أزواجه الطاهرات، رضي الله عنهن. فإن قلت: ما العظمة فيه؟ قلت: كونه مظنة الطلاق، وهو عظيم لاسيما بالنسبة إلى عمر، رضي الله تعالى عنه، فإن بنته إحدى زوجاته. قوله: ((الله أكبر)) وقع في موقع التعجب. فإن قلت: ما ذاك التعجب؟ قلت: كأن الأنصاري ظن اعتزاله، عليه الصلاة والسلام، عن نسائه طلاقاً أو ناشئاً عن الطلاق، فالخبر لعمر، رضي الله تعالى عنه، بالطلاق بحسب ظنه، ولهذا سأل عمر، رضي الله عنه، عن رسول الله، عليه الصلاة والسلام، عن الطلاق. فلما رأى عمر أن صاحبه لم يصب في ظنه تعجب منه لفظ: الله أكبر. بيان استنباط الأحكام: الأول: فيه الحرص على طلب العلم. الثاني: فيه أن الطالب العلم أن ينظر في معيشته وما يستعين به على طلب العلم. الثالث: فيه قبول خبر الواحد والعمل بمراسيل الصحابة. الرابع: فيه أن الصحابة، رضي الله عنهم، كان يخبر بعضهم بعضاً بما يسمع من النبي، عليه الصلاة والسلام، ويقولون: قال رسول الله، عليه الصلاة والسلام. ـدر i i i i i وحدة ١٥٨ ٣ - كتاب العلم / باب (٢٨ ) ويجعلون ذلك كالمسند، إذ ليس فى الصحابة من يكذب ولا غير ثقة. الخامس: فيه جواز ضرب الباب ودقه. السادس: فيه جواز دخول الآباء على البنات بغير إذن أزواجهن، والتفتيش عن الأحوال، سيما عما يتعلق بالمزاوجة. السابع: فيه السؤال قائماً. الثامن: فيه التناوب في العلم والاشتغال به. ٢٨ - باب الغَضَبِ فِي المَوْعِظَةِ والتَّعْلِيم إِذَا رَأى ما يَكْرَهُ أي: هذا باب في بيان الغضب، وهو انفعال يحصل من غليان الدم لشيء دخل في القلب. قوله: ((في الموعظة)) أي: الوعظ، وهو مصدر ميمي. ((والتعليم)) أي: وفي التعليم، أراد في حالة الوعظ وحالة التعليم. قوله: (إذا رأى)) الواعظ أو المعلم: (ما يكره)) أي: ما يكرهه، لأن: ما، موصولة، فلا بد لها من عائد، والعائد قد يحذف. ويقال: أراد البخاري الفرق بين قضاء القاضي وهو غضبان، وبينُ تعليم العلم وتذكير الواعظ، فإنه بالغضب أجدر، وخصوصاً بالموعظة. وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول التناوب في العلم، وهو من جملة صفات المتعلمين، ومن جملة المذكور في هذا الباب أيضاً بعض صفاتهم، هو أن المعلم إذا رأى منهم ما يكرهه يغضب عليهم، وينكر عليهم، فتناسق البابان من هذه الحيثية. ٩٠/٣٢ - حدّثنا مُحمَّدُ بنُ كَثِيرِ قالَ: أَخْبرنا سُفْيانُ عنِ ابنِ أبي خالِدٍ عنْ قَيْسِ بنِ أبي حازم عن أبي مَسْعُودِ الأنْصَارِيّ قال: قال رَجُلٌ: يا رسولَ الله! لا أكادُ أَدْرِكُ الصَّلاةِ مَعَّا يُطَوّلُ بِنَا فُلانٌ، فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيُّ عَّ ◌َلَّهِ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَباً مِنْ يؤمِئذٍ، فقال: (أَّها النَّاسُ، إِنَّكُمْ مُتَفِّرُونَ، فَمِنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّف فإِنَّ فِيهِمُ المَرِيضَ والضَّعيفَ وذَا الحاجَةِ)). [الحديث ٩٠ - أطرافه في: ٧٠٢، ٧٠٤، ٦١١٠، ٧١٥٩]. مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((في موعظة أشد غضباً من يومئذٍ)). بيان رجاله: الأول: محمد بن كثير، بفتح الكاف وبالمثلثة: العبدي، بسكون الباء الموحدة، البصري أخو سليمان بن كثير، وسليمان أكبر منه بخمس سنين، روى عن أخيه سليمان وشعبة والثوري، وروى عنه البخاري وأبو داود وغيرهما، وروى مسلم والترمذي والنسائي عن رجل عنه. قال أبو حاتم: صدوق. وقال يحيى بن معين: لا تكتبوا عنه لم يكن بالثقة. مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين، عن تسعين سنة، أخرج له مسلم حديثاً في الرؤيا أنه، عليه الصلاة والسلام، كان يقول لأصحابه: ((من رأى منكم رؤيا)) عن الدارمي عنه عن أخيه سليمان، وليس في (الصحيحين) محمد بن كثير غير هذا. وفي (سنن أبي داود) والترمذي والنسائي: محمد بن كثير الصغاني روى عن الدارمي وهو ثقة اختلط بأخره. الثاني: سفيان الثوري. الثالث: إسماعيل بن أبي خالد البجلي الكوفي الأحمسي التابعي، الطحان المسمى ١٥٩ ٣ - كتاب العلم / باب (٢٨ ) بالميزان. الرابع: قيس بن أبي حازم، بالمهملة والزاي، أبو عبد اللَّه الأحمسي الكوفي البجلي المخضرم، روى عن العشرة، وقد تقدم. الخامس: أبو مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري الخزرجي البدري، وقد تقدم. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والإخبار بصيغة المفرد والعنعنة. ومنها: أن رواته ما بين بصري وكوفي، بل ثلاثة منهم كوفيون. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي. ومنها: أن فيه راوياً وهو ابن كثير العبدي ليس في البخاري غيره. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في (الصلاة) عن محمد بن یوسف عن الثوري، وفيه عن أحمد بن يونس عن زهیر،، وفي(الأدب) عن مسدد عن یحیی، وفي (الأحكام) عن محمد بن مقاتل عن عبد اللَّه عن ابن أبي خالد وأخرجه مسلم في (الصلاة) عن يحيى بن يحيى عن هيثم، وعن أبي بكر عن هيثم ووكيع، وعن محمد بن عبد اللَّه بن نمير عن أبيه، وعن ابن أبي عمر عن سفيان بن عيينة، أربعتهم عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس به. وأخرجه النسائي في (العلم) عن يعقوب بن إبراهيم عن يحيى القطان به. وأخرجه ابن ماجه عن محمد بن عبد الله بن نمير به. بيان اللغات والإعراب والمعاني: قوله: ((لا أكاد أدرك الصلاة)): قد علم أن: كاد، معناه: قرب، ولهذا عدوه من أفعال المقاربة، وهو لمقاربة الشيء فعل أو لم يفعل، فمجرده ينبىء عن نفي الفعل، ومقرونه ينبىء عن وقوع الفعل. وقال ابن الحاجب: إذا دخل النفي على: كاد، فهو كالأفعال على الأصح. وقيل: يكون في الماضي للإثبات، وفي المستقبل كالأفعال، وهو يرفع الاسم وخبره فعل مضارع بغير أن، متأول باسم الفاعل، نحو: كاد زيد يخرج، أي خارجاً، إلاَّ أنهم تركوا استعماله، لأن: كاد، موضوع للتقريب من الحال. فالتزم بعده ما يدل بصيغته على الحال، أعني المضارع، ليكون أدل على مقتضاه. وههنا اسمه الضمير المستتر فيه، وخبره قوله: (أدرك الصلاة)). وقال القاضي عياض: ظاهر هذا مشكل، لأن التطويل يقتضي الإدراك لا عدمه. قال: فكأن الألف زيدت بعد: لا، وكأن: أدرك، كانت أترك. وأجيب: عنه بما قال أبو الزناد: معناه أنه كان به ضعف، فكان إذا طول به الإمام في القيام لا يبلغ الركوع إلاَّ وقد ازداد ضعفه، فلا يكاد يتم معه الصلاة، ورد بأن البخاري روى عن الفريابي عن سفيان بهذا الإسناد بلفظ: لأتأخر عن الصلاة: وجاء في غير البخاري: إني لا أدع الصلاة، والأحاديث يفسر بعضها بعضاً، فيكون المعنى: إني لا أكاد أدرك الصلاة في الجماعة، وأتأخر عنها أحياناً من أجل التطويل. قلت: هذا ليس فيه إشكال، والمعنى صحيح. وقد قلنا: إن الأحاديث يفسر بعضها بعضاً، وهاتان الروايتان تنبئان أن معنى هذا أني أتأخر عن الصلاة مع الجماعة ولا أكاد أدركها لأجل تطويل فلان. قوله: لأن التطويل يقتضي الإدراك: إنما يسلم إذا طلب الإدراك، وأما إذا تأخر خوفاً من التطويل، لا يكاد يدرك مع التطويل فافهم. قوله: (مما يطول) كلمة: من، للتعليل، و: ما، مصدرية. وفي بعض الروايات: (مما يطول لنا)) باللام، وفي رواية أخرى: ((مما يطيل))، فالأولى من التطويل، وهذه من الإطالة. قوله: ((فلان)) ـة جود i i أجود i ١٦٠ ٣ - كتاب العلم / باب (٢٨) فاعله، كناية عن اسم سمي به المحدث عنه، ويقال في غير الآدمي: الفلان، معرفاً باللام، قوله: ((أشد غضباً من يومئذٍ) وفي بعض النسخ: ((أشد غضباً منه من يومئذٍ))، ولفظه: منه، صلة: أشد. فإن قلت: الضمير راجع إلى رسول الله، عليه الصلاة والسلام، فيلزم أن يكون المفضل والمفضل عليه شيئاً واحداً. قلت: جاز ذلك باعتبارين: فهو مفضل باعتبار يومئذٍ ومفضل عليه باعتبار سائر الأيام. و: غضبا، نصب على التمييز. قوله: ((فقال)) أي: النبي، عليه الصلاة والسلام: ((أيها الناس)): يا أيها الناس، فحذف حرف النداء والمقصود بالنداء هو الناس، وإنما جاؤوا بأي ليمكن وصله إلى نداء ما فيه الألف واللام لأنهم كرهوا الجمع بين التخصيص بالنداء ولام التعريف، فكان المنادى هو الصفة، والهاء مقحمة للتنبيه. قوله: ((منفرون)) خبر: أن، أي: منفرون عن الجماعات وفي بعض الروايات: ((إن منكم منفرين)). فإن قلت: كان المقتضى أن يخاطب المعلول. قلت: إنما خاطب الكل ولم يعين المطول كرماً ولطفاً عليه. وكانت هذه عادته حيث ما كان يخصص العتاب والتأديب بمن يستحقه حتى لا يحصل له الخجل، ونحوه على رؤوس الأشهاد. قوله: (((فمن صلى بالناس))، كلمة: من شرطية. قوله: (فيخفف)) جوابها، فلذلك دخلها الفاء. قوله: ((فإن فيهم)) الفاء فيه تصلح للتعليل. (والمريض))، نصب لأنه اسم: إن، وما بعده عطف عليه، وخبرها هو قوله: فيهم، مقدماً. قوله: ((بالناس)) أي: ملتبساً بهم إماماً لهم. قوله: ((وذا الحاجة) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية القابسي: ((وذو الحاجة)). وجهه أن يكون معطوفاً على محل اسم: إن، وهو رفع مع الخلاف فيه، وقال بعضهم: أو هو استئناف. قلت: لا يصح أن يكون استئنافاً لأنه في الحقيقة جواب سؤال، وليس هذا محله. ويجوز أن يكون المبتدأ محذوف الخبر، وتكون الجملة معطوفة على الجملة الأولى، والتقدير: وذو الحاجة كذلك، والفرق بين الضعف والمرض أن الضعف أعم من المرض، فالمرض ضد الصحة. يقال: مرض يمرض مرضاً ومرضاً فهو مريض ومارض. ويقال: المرض، بالإسكان، مرض القلب خاصة. قال الصغاني: وأصل المرض الضعف، وكلما ضعف مرض. وقال ابن الأعرابي: أصل المرض النقصان. يقال: بدن مريض أي: ناقص القوة، وقلب مريض أي: ناقص الدين. وقيل: المرض اختلال الطبيعة واضطرابها بعد صفائها واعتدالها، والضعف خلاف القوة، وقد ضعف وضعف، والفتح عن يونس: فهو ضعيف، وقوم ضعاف وضعفة. وفرق بعضهم بين الضعف والضعف. فقال: الضعف بالفتح في العقل والرأي، والضعف بالضم في الجسد. ورجل ضعوف أي ضعيف. فإن قيل: لم ذكر هذا لثلاثة؟ قلت: لأنه متناول لجميع الأنواع المقتضية. للتخفيف، فإن المقتضى له إما في نفسه أو لا، والأول إما بحسب ذاته، وهو الضعف أو بحسب العارض وهو المرض. بيان استنباط الأحكام: الأول: قال النووي: فيه جواز التأخر عن صلاة الجماعة إذا علم من عادة الإمام التطويل الكثير. الثاني: فيه جواز ذكر الإنسان بفلان ونحوه في معرض الشكوى. الثالث: فيه جواز الغضب لما ينكر من أمور الدين. الرابع: فيه جواز الإنكار على 509