النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ ٣ - كتاب العلم / باب (٢٠) أراد أن إسحاق قال: قيلت، بالياء آخر الحروف المشددة، مكان قبلت بالباء الموحدة، وقال الأصيلي: قيلت، تصحيف من إسحاق، وإنما هي: قبلت، كما ذكر في أول الحديث، وقال غيره: معنى قيلت: شربت القيل. وهو شرب نصف النهار، يقال: قيلت الإبل إذا شربت نصف النهار. وقيل: معنى: قيلت: جمعت وحبست. قال القاضي: وقد رواه سائر الرواة، غير الأصيلي: قبلت، يعني بالباء الموحدة في الموضعين في أول الحديث وفي قول إسحاق، فعلى هذا إنما خالف إسحاق في لفظة طائفة جعلها مكان نقية، قاله الشيخ قطب الدين وبنحوه قال الكرماني. قال إسحاق: وفي بعض النسخ بعده: عن أبي أسامة، يعني حماد بن أسامة، والمقصود منه أنه روى إسحاق عن حماد لفظ: طائفة، بدل ما روى محمد بن العلاء عن حماد لفظ: نقية. وأما إسحاق، فقد قال الشيخ قطب الدين: هذا من المواضع المشكلة في كتاب البخاري، فإنه ذكر جماعة في كتابه لم ينسبهم، فوقع من بعض الناس اعتراض عليه بسبب ذلك لما يحصل من اللبس وعدم البيان، ولا سيما إذا شاركهم ضعيف في تلك الترجمة، وأزال الحاكم ابن الربيع اللبس بأن نسب بعضهم، واستدل على نسبته. وذكر الكلاباذي بعضهم، وذكر ابن السكن بعضاً، ومن جملة التراجم المعترضة: إسحاق، فإنه ذكر هذه الترجمة في مواضع من كتابه مهملة، وهي كثيرة جداً. قال أبو علي الجياني: روى البخاري عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي وإسحاق بن إبراهيم بن نصر السعدي، وإسحاق بن منصور الكوسج عن أبي أسامة حماد بن أبي أسامة، وقد حدث مسلم أيضاً عن إسحاق بن منصور الكوسج عن أبي أسامة. قلت: إسحاق المذكور هنا لا يخرج عن أحد الثلاثة، ويترجح أن يكون إسحاق بن راهويه لكثرة روايته عنه، وقد حكى الجياني عن سعيد بن السكن الحافظ: أن ما كان فى كتاب البخاري عن إسحاق غير منسوب فهو ابن راهويه، وهو: بالهاء والواو المفتوحتين والياء آخر الحروف الساكنة، وهو المشهور، ويقال أيضاً: بالهاء المضمومة وبالياء آخر الحروف المفتوحة، وهو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد، بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح اللام، أبو يعقوب الحنظلي المروزي، سكن نيسابور، وقال عبد اللَّه بن طاهر له: لِمَّ قيل لك ابن راهويه؟ قال: إعلم أيها الأمير أن أبي ولد في طريق مكة، فقال المراوزة: راهوي، لأنه ولد في الطريق، وهو بالفارسية: راه، وهو أحد أركان المسلمين، وعلم من أعلام الدين، مات بنيسابور سنة ثمان وثلاثين ومائتين، قلت: يحتمل أن يراد به إسحاق بن إبراهيم بن نصر السعدي البخاري، بالخاء العجمة، نزيل المدينة، توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، أو: إسحاق بن منصور بن بهرام الكوسج المروزي، مات عام أحد وخمسين ومائتين، إذ البخاري في هذا الصحيح يروي عن الثلاثة عن أبي أسامة، قال الغساني في كتاب (تقييد المهمل) إن البخاري إذا قال: حدثنا إسحاق، غير منسوب، حدثنا أبو أسامة، يعني به أحد هؤلاء الثلاثة، ولا يخلو عن أحدهم. i i i i .- ١٢٢ ٣ - كتاب العلم / باب (٢١) قائٌ يَعْلُوهُ الماءُ. وَالصَّفْصَفُ: المُسْتَوِي من الأرض لما كان في الحديث لفظ: قيعان، أشار بقوله: ((قاع يعلوه) إلى شيئين: أحدهما: أن قيعان، المذكورة واحدها: قاع. والآخر: أن القاع هي الأرض التي يعلوها الماء ولا يستقر فيها، وذكر: الصفصف، معه بطريق الاستطراد، لأن من عادته تفسير ما وقع في الحديث من الألفاظ الواقعة في القرآن، ووقع في القرآن: ﴿قاعاً صفصفاً﴾ [طه: ١٠٦] قال أكثر أهل اللغة: الصفصف: المستوي من الأرض، مثل ما فسره البخاري، وقال ابن عباد: الصفصف، حرف الجبل. ووقع في بعض النسخ: والمصطف المستوي من الأرض، وهو تصحيف. ثم قوله: قاع ... إلى آخره، إنما هو ثابت في رواية المستملي، وفي رواية غيره ليس بموجود. ٢١ - باب رفْعِ العِلْمِ وظُهُورِ الجَهْلِ أي: هذا باب في بيان رفع العلم وظهور الجهل، وإنما قال: وظهور الجهل، مع أن رفع العلم يستلزم ظهور الجهل، لزيادة الإيضاح. ووجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول: فضل العالم والمتعلم، وفيه الترغيب في تحصيل العلم والإشارة إلى فضيلة العلم، وهذا الباب فيه ضد ذلك، لأن فيه: رفع العلم المستلزم لظهور الجهل، وفيه التحذير وذم الجهل وبالضد تتبين الأشياء. وقال رَبِيعَةُ لا يَنْتَغِي لِأَحَدٍ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ العِلْمِ أَنْ يُضَيِّعَ نَفْسَهُ. ربيعة: هو المشهور بربيعة الرأي، بإسكان الهمزة، إنما قيل له ذلك لكثرة اشتغاله بالرأي والاجتهاد، وهو ابن أبي عبد الرحمن فروخ، بالفاء والراء المشددة المضمومة وبالخاء المعجمة، المدني التابعي الفقيه، شيخ مالك بن أنس، روى عنه الأعلام منهم أبو حنيفة. توفي سنة ست وثلاثين ومائة بالمدينة، وقيل: بالأنبار، في دولة أبي العباس. فإن قلت: ما وجه مناسبة قول ربيعة هذا للتبويب في رفع العلم؟ قلت: من كان له فهم وقبول يلزم من فرض العلم ما لا يلزم غيره، فينبغي أن يجتهد فيه ولا يضيع علمه فيضيع نفسه، فإنه إذا لم يتعلم أفضى إلى رفع العلم، لأن البليد لا يقبل العلم، فهو عنه مرتفع. فلو لم يتعلم الفهم لارتفع العلم عنه أيضاً، فيرتفع عموماً، وذلك من أشراط الساعة. ويقال: معنى كلام ربيعة: الحث على نشر العلم، لأن العالم في قومه إذا لم ينشر علمه، ومات قبل ذلك، أدى ذلك إلى رفع العلم وظهور الجهل، وهذا المعنى أيضاً يناسب التبويب. ويقال: معناه: أنه لا ينبغي للعالم أن يأتي بعلمه أهل الدنيا. ولا يتواضع لهم إجلالاً للعلم. فعلى هذا فالمعنى في مناسبة التبويب ما يؤدي إليه من قلة الاشتغال بالعلم والاهتمام به لما يرى من ابتذال أهله وقلة الاحترام لهم. قوله: ((أن يضيع)) وفي بعض النسخ: يضيع، بدون: أن، معناه، بأن لا يفيد الناس ولا يسعى في تعليم الغير، وقد قيل: ومن منع المستوجبين فقد ظلم ١٣٤٠ ١٣٧٤٠ ١٢٣ ٣ - كتاب العلم / باب (٢١) وقال التيمي: قال الفقهاء: لزم معين البلد للقضاء طلبه لحاجة إلى رزقة من بيت المال أو الخمول ذكره وعدم شهرة فضيلته، يعني: إذا ولي القضاء انتشر علمه. فإن قلت: ما حال هذا التعليق؟ قلت: قد علم أن ما يذكر البخاري بصيغة الجزم يدل على صحته عنده، وما يذكره بصيغة التمريض يدل على ضعفه. وهذا بصيغة الجزم ووصله الخطيب في (الجامع) والبيهقي في (المدخل) من طريق عبد العزيز الأويسي عن مالك عن ربيعة. ٨٠/٢٢ - حدّثنا عِمْرَانُ بنُ مَيْسَرَةَ قال: حدّثنا عَبْدُ الوارِثِ عنْ أبي التَّيَّاحِ عنْ أَنَسٍ قال: قال رسولُ اللهِ عَ لَّهِ: ((إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ العِلْمُ وَيَثْبُتَ الجَهْلُ وَيُشْرَبَ الخَمْرُ وَيَظْهَرَ الرِّنا)). [الحديث ٨٠ - أطرافه في: ٨١، ٥٢٣١، ٥٥٧٧، ٦٨٠٨]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة. بيان رجاله: وهم أربعة. الأول: عمران، بكسر العين: ابن ميسرة، بفتح الميم، ضد الميمنة: أبو الحسن المنقري البصري، روى عنه أبو زرعة وأبو حاتم والبخاري وأبو داود، مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين. الثاني: عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان التيمي البصري، وقد تقدم. الثالث: أبو التياح، بفتح التاء المثناة من فوق وتشديد الياء آخر الحروف والحاء المهملة: اسمه يزيد بن زيادة بن حميد الضبعي، من أنفسهم، وليس في الكتب الستة من يشترك معه في هذه الكنية، وربما كني بأبي حماد، وهو ثقة ثبت صالح: مات سنة ثمان وعشرين ومائة، روى عنه الجماعة. الرابع: أنس بن مالك، رضي الله عنه. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة: ومنها: أن رواته كلهم بصريون. ومنها: أن إسناده رباعي. بيان من أخرجه غيره: أخرجه البخاري هنا عن عمران بن ميسرة، ومسلم في (القدر) عن شيبان بن فروخ، والنسائي في (العلم) عن عمران بن موسى القزاز، ثلاثتهم عن عبد الوارث عنه به. بيان اللغات: قوله: ((من أشراط الساعة))، بفتح الهمزة: أي: علاماتها، وهو جمع شرط، بفتح الشين والراء، وبه سميت: شرط السلطان، لأنهم جعلوا لأنفسهم علامات يعرفون بها. وقد مر زيادة الكلام فيه في الإيمان. قوله: ((ويثبت الجهل))، من الثبوت، بالثاء المثلثة وهو ضد النفي. وفي رواية لمسلم: ((ويبث))، من البث، بالباء الموحدة والثاء المثلثة. وهو الظهور والفشو. وقال بعضهم: وغفل الكرماني فعزاها إلى البخاري، وإنما حكاها النووي في (شرح مسلم). قلت: لم يقل الكرماني: وفي رواية للبخاري، ولا قال: روى، وإنما قال: وفي بعض النسخ: بيث من البث، وهو النشر، ولا يلزم من هذه العبارة نسبته إلى البخاري، لأنه يمكن أن تكون هذه الرواية من غير البخاري وقد كتب في كتابه، وكذا قال الكرماني: وفي بعضها: ينبت من النبات، بالنون. والمعترض المذكور قال ولا يلزم من عدم اطلاعه على ذلك نفيه بالكلية، وربما ثبت ذلك عند أحمد من نقله (الصحيحين)، فنقله ثم جعل ذلك نسخة، والمدعي بالفن لا يقدر على إحاطة جميع ما فيه، ولا سيما علم الرواية، فإنه علم واسع لا i ١٢٤ ٣ - كتاب العلم / باب (٢١) يدرك ساحله. **. قوله: ((ويشرب الخمر)) قال بعضهم: المراد كثرة ذلك واشتهاره، ثم أكد كلامه بقوله: وعند المصنف في النكاح من طريق هشام عن قتادة: ((ويكثر شرب الخمر)). أو العلامة مجموع ذلك. قلت: لا نسلم أن المراد كثرة ذلك، بل شرب الخمر مطلقاً هو جزء العلة من أشراط الساعة، وقوله في الرواية الأخرى: ((ويكثر شرب الخمر)) لا يستلزم أن يكون نفي مطلق الشرب من أشراطها، لأن المقيد بحكم لا يستلزم نفي الحكم المطلق، والأصل إجراء كل لفظ على مقتضاه، ولا تنافي بين حكم يمكن حصوله معلقاً بشرط تارة، وبغيره أخرى، ونظيره: الملك، فإنه يوجد بالشراء وغيره، وهذا القائل أخذ ما قاله من كلام الكرماني حيث قال: فإن قلت: شرب الخمر كيف يكون من علاماتها، والحال أنه كان واقعاً في جميع الأزمان، وقد حد رسول الله عَ ليه بعض الناس لشربه إياها؟ قلت: المراد منه أن يشرب شرباً فاشياً، أو أن نقس الشرب وحده ليس علامة، بل العلامة مجموع الأمور المذكورة. قلت: هذا السؤال غير وارد لأنه لا يلزم من وقوعها في جميع الأزمان، وحد النبي، عليه الصلاة والسلام، شاربها أن لا يكون من علامات الساعة، نعم. قوله: بل العلامة مجموع الأمور المذكورة هو كذلك، لأنه، عليه الصلاة والسلام، جمع بين الأشياء الأربعة بحرف الجمع، والجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظ الجمع، ووجود المجموع هو العلامة لوقوع الساعة، وكل منها جزء العلة، فحينئذٍ تقييد الشرب بالكثرة لا يفيد. وقد قلنا: إن ما ورد من قوله: ((ويكثر شرب الخمر))، لا ينافي كون مطلق الشرب جزء علة، وكل من الشرب المطلق والشرب المقيد بالكثرة والشهرة جزء علة لأن العلة الدالة على وقوع الحكم هي العلة المركبة من وجود الأشياء الأربعة. ثم الخمر في اللغة من التخمير، وهو: التغطية. سميت به لأنها تغطي العقل. ومنه الخمار للمرأة، وفي (العباب): يقال: خمرة وخمر وخمور. مثال تمرة وتمر وتمور، ويقال: خمرة صرف، وفي الحديث: ((الخمرة ما خامر العقل)). وقال ابن الأعرابي: سميت الخمرة خمراً لأنها تركت فاختمرت، واختمارها تغيير ريحها، وعند الفقهاء: الخمر هي النيء من ماء العنب إذا غلا واشتد وقذف بالزبد، ويلحق بها غيرها من الأشربة إذا أسكر. قوله: ((ويظهر الزنا)) أي: يفشو وينتشر، وفي رواية مسلم: ((ويفشو الزنا))، والزنا: يمد ويقصر، والقصر لأهل الحجاز قال الله تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنا﴾ [الإسراء: ٣٢] والمد لأهل نجد، وقد زنى يزني وهو من النواقص اليائية، والنسبة إلى المقصور: زنوي، وإلى المدود: زنائي. بيان الإعراب: قوله: ((أن)): حرف من الحروف المشبهة بالفعل يرفع وينصب فقوله: ((أن يرفع العلم)) في محل النصب إسمها، و: أن، مصدرية تقريره: رفع العلم. وخبرها قوله: ((من أشراط الساعة)) وفي رواية النسائي: ((من أشراط الساعة أن يرفع العلم))، من غير أن في أوله، فعلى هذه الرواية يكون محل ((أن يرفع العلم) الرفع على الابتداء، وخبره مقدماً ((من أشراط الساعة)). وقال بعضهم: وسقطت: أن، من رواية النسائي حيث أخرجه عن عمران شيخ . ١٢٥ ٣ - كتاب العلم / باب (٢١) البخاري. قلت: هذا غفلة وسهو، لأن شيخ البخاري هو عمران بن ميسرة، وشيخ النسائي هو عمران بن موسى. قوله: ((ويثبت)) بالنصب عطفاً على: ((أن يرفع)، وكذلك: ((ويشرب ويظهر)) منصوبان بالعطف على المنصوب، و: أن، مقدرة في الجمع، و: يرفع ويشرب، مجهولان، و: ويثبت ويظهر، معلومان. بيان المعاني: قوله: (أن يرفع العلم)) فيه إسناد مجازي، والمراد: رفعه بموت حملته وقبض العلماء، وليس المراد محوه من صدور الحفاظ وقلوب العلماء، والدليل عليه ما رواه البخاري في باب: كيف يقبض العلم؟ عن عبد اللَّه بن عمر، قال: سمعت رسول الله عَليه يقول: (إن الله عز وجل لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالاً فيسألوا، فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا). وبين بهذا الحديث أن المراد برفع العلم هنا قبض أهله وهم العلماء لا محوه من الصدور، لكن بموت أهله واتخاذ الناس رؤساء جهالاً فيحكمون في دين الله تعالى برأيهم ويفتون بجهلهم، قال القاضي عياض: وقد وجد ذلك في زماننا، كما أخبر به، عليه الصلاة والسلام. قال الشيخ قطب الدين: قلت: هذا قوله مع توفر العلماء في زمانه، فكيف بزماننا؟ قال العبد الضعيف: هذا قوله مع كثرة الفقهاء والعلماء من المذاهب الأربعة والمحدثين الكبار في زمانه، فكيف بزماننا الذي خلت البلاد عنهم، وتصدرت الجهال بالإفتاء والتعين في المجالس والتدريس في المدارس؟ فنسأل السلامة والعافية. ٨١/٢٣ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال: حدّثنا يَحيَى عنْ شُعْبَةَ عنْ قَتادَةَ عنْ أَنَسٍ قالَ: لأحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثاً لا يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي، سَمِعْتُ رسولَ اللهِ عَ ◌ّهِ يَقُولُ: ((منْ أَشْراطِ السَّاعَةِ أَنْ يَقلِّ العِلْمُ، وَتَظْهَرَ الجَهلُ، وَيَظْهَرَ الزُّنا، وتَكْثُرَ النِّساءُ ويَقِلَّ الرَّجَالُ حَتَّى يَكُونَ لِخَفْسینَ امْرَأَةُ القَيِّمُ الوَاحِدُ)). [انظر الحديث ٨٠، وأطرافه]. مطابقة هذا أيضاً للترجمة ظاهرة، ففي الترجمة: رفع العلم، من لفظ الحديث الأول، وفيها: ظهور الجهل من لفظ هذا الحديث. بيان رجاله: وهم خمسة، والكل قد ذكروا غير مرة، ويحيى هو ابن سعيد القطان، والكل بصريون، وبهذا الترتيب وقع في باب الإيمان: ((أن يحب لأخيه)). وفي إسناده تحديث وعنعنة وسماع. قوله: ((عن أنس))، وفي رواية الأصيلي: عن أنس بن مالك. بيان من أخرجه غيره: أخرجه مسلم أيضاً في(القدر) عن أبي موسى وبندار كلاهما عن غندر عن شعبة عن قتادة عن أنس به. وأخرجه الترمذي في (الفتن) عن محمود بن غيلان عن النضر بن شميل عن شعبة عنه به، وقال: حسن صحيح. وأخرجه النسائي في (العلم) عن عمرو بن علي وأبي موسى، وابن ماجه في (الفتن) عن أبي موسى وبندار، ثلاثتهم عن غندر عن شعبة به. بيان اللغات والإعراب: قوله: ((أن يقل))، بكسر القاف: من القلة ضد الكثرة. قوله: 1 i i i i ١٢٦ /وجـ ٣ - كتاب العلم / باب (٢١) ((القيم الواحد))، بفتح القاف وكسر الياء المشددة، وهو القائم بأمور النساء، وكذا القيام والقوام. يقال: فلان قوام أهل بيته وقيامه، وهو الذي يقيم شأنهم. ومنه قوله: تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما﴾ [النساء: ٥] وقوام الأمر أيضاً: ملاكه الذي يقوم به، وأصل: قيم قيوم على وزن فيعل، اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فأبدلت من الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء. ولم يعكس الأمر ههنا هرباً من الالتباس: بقوم، الذي هو ماضٍ من التقويم. قوله: ((لأحدثنكم) اللام فيه مفتوحة، وهو جواب قسم محذوف، أي والله لأحدثنكم، ولهذا جاز دخول النون المؤكدة عليه، وصرح به أبو عوانة من طريق هشام عن قتادة، وفي رواية مسلم عن غندر عن شعبة: ((ألا أحدثكم)). فيحتمل أن يكون قال لهم أولاً: ألا أحدثكم، فقالوا: نعم. فقال: لأحدثنكم. قوله: ((حديثاً)) قائم مقام أحد المفعولين: لأحدثنكم. قوله: ((لا يحدثكم أحد)) جملة من الفعل والمفعول والفاعل في محل النصب على أنها صفة لقوله: ((حديثًا)). قوله: ((بعدي))، كلام إضافي صفة: لأحد، وفي رواية مسلم: ((لا يحدث أحد بعدي)). بحذف المفعول، وفي رواية ابن ماجه عن غندر عن شعبة: ((لا يحدثكم به أحد بعدي)). وفي رواية البخاري من طريق هشام: ((لا يحدثكم به غيري)). وفي رواية أبي عوانة من هذا الوجه: ((لا يحدثكم أحد سمعه من رسول الله عليه الصلاة والسلام بعدي)). قوله: (سمعت)) بيان أو بدل لقوله: ((لأحدثنكم)) وقد مر توجيه كيفية جعل الذات مسموعاً. قوله: ((يقول)) جملة وقعت حالاً. قوله: ((أن يقل العلم)) في محل الرفع على الابتداء، وأن: مصدرية. قوله: (من أشراط الساعة)) خبر مقدم، والتقدير: من أشراط الساعة قلة العلم. قوله: ((ويظهر)) في الموضعين، و: تكثر ويقل، في الأخير كلها منصوبات بتقدير: أن، لأنها عطف على قوله: (أن يقل العلم)) والكل على صيغة المعلوم. قوله: ((حتی یکون) حتى، ههنا للغاية، بمعنى إلى، و: أن، بعدها مقدرة. قوله: ((القيم) مرفوع لأنه اسم: يكون، و: الواحد، صفته. بيان المعاني: قوله: ((وتكثر النساء ويقل الرجال)) قال القاضي والنووي وغيرهما: يقل الرجال بكثرة القتل فيموت الرجال فتكثر النساء، وبقتلهم يكثر الفساد والجهل. وقال أبو عبد الملك: هو إشارة إلى كثرة الفتوح فتكثر السبايا، فيتخذ الرجل الواحد عدة موطوآت. وقال بعضهم: فيه نظر، لأنه صرح بالعلة في حديث أبي موسى الآتي في الزكاة عند المصنف. فقال: ((من قلة الرجال وكثرة النساء)). والظاهر أنها علامة محضة لا لسبب آخر. قلت: ليس في حديث أبي موسى شيء من التنبيه على العلة، لا صريحاً ولا دلالة، وإنما معنى قوله: ((من قلة الرجال وكثرة النساء)) مثل معنى قوله في هذا الحديث: ((وتكثر النساء ويقل الرجال))، والعلة لهذا لا تطلب إلاّ من خارج، وقد ذكروا هذين الوجهين، ويمكن أن يقال: يكثر في آخر الزمان ولادة الإناث، ويقل ولادة الذكور، وبقلة الرجال يظهر الجهل ويرفع العلم، ويكفي كثرتهن في قلة العلم وظهور الجهل والزنا، لأن النساء حبائل الشيطان وهن ناقصات عقل ودين. قوله: ((لخمسين امرأة) يحتمل أن يراد بها حقيقة هذا العدد، وأن يراد بها كونها مجازاً ١٠٠/١ ١٢٧ ٣ - كتاب العلم / باب (٢١) عن الكثرة، ولعل السر فيه أن الأربعة في كمال نصاب الزوجات، فاعتبر الكمال مع زيادة واحدة عليه، ثم اعتبر كل واحدة بعشر أمثالها ليصير فوق الكمال مبالغة في الكثرة، أو لأن الأربعة منها يمكن تألف العشرة، لأن فيها واحد أو اثنين وثلاثة وأربعة، وهذا المجموع: عشرة، ومن العشرات المآت، ومن المآت الألوف، فهي أصل جميع مراتب الأعداد، فزيد فوق الأصل واحد آخر ثم اعتبر كل واحدة منها بعشر أمثالها أيضاً تأكيداً للكثرة، ومبالغة فیھا. الأسئلة والأجوبة: منها ما قيل: من أين عرف أنس، رضي الله عنه، أن أحداً لا يحدث بعده؟ أجيب: بأنه لعله عرفه بإخبار الرسول، عليه الصلاة والسلام، أو قال بناء على ظنه أنه لم يسمع الحديث غيره من رسول الله، عليه الصلاة والسلام. وقال ابن بطال: يحتمل أن أنساً، رضي الله عنه، قال ذلك لأنه لم يبق من أصحاب رسول الله عَ لَّم غيره، أو لما رأى من التغير ونقص العلم فوعظهم بما سمع من النبي عَّله في نقص العلم أنه من أشراط الساعة، ليحضهم علی طلب العلم، ثم أتی بالحدیث علی نصه. قلت: يحتمل أن يكون الخطاب بذلك لأهل البصرة خاصة، لأنه آخر من مات بالبصرة، رضي الله عنه. ومنها ما قيل: إن قلة العلم تقتضي بقاء شيء منه، وفي الحديث السابق: ((يرفع العلم)، والرفع عدم بقائه، فبينهما تناف. أجيب: بأن القلة قد تطلق ويراد بها العدم، أو كان ذلك باعتبار الزمانين، كما يقال مثلاً: القلة في ابتداء أمر الإشراط والعدم في انتهائه، ولهذا قال ثمة: ((يثبت الجهل))، وههنا ((يظهر)) ومن الدليل على إطلاق القلة وإرادة العدم والرفع أنه وقع ههنا في رواية مسلم عن غندر، وغيره عن شعبة: أن يرفع العلم. وكذا في رواية سعيد عند ابن أبي شيبة، وهمام عند البخاري في (الحدود)، وهشام عنده في (النكاح)، كلهم عن قتادة، وهو موافق لرواية أبي التياح. وفي رواية للبخاري أيضاً في (الأشربة)، من طريق هشام: أن يقل، فافهم. ومنها ما قيل: ما فائدة التعريف في قوله: ((القيم))، وكان حق الظاهر أن يقال: قيم واحد؟ أجيب: بأن فائدة الإشعار بما هو معهود من: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ [النساء: ٣٤] فاللام للعهد. ومنها ما قيل: ما فائدة تخصيص هذه الأشياء الخمسة بالذكر؟ أجيب: بأن فائدة ذلك أنها مشعرة باختلال الضرورات الخمس الواجبة رعايتها في جميع الأديان التي بحفظها صلاح المعاش والمعاد ونظام أحوال الدارين، وهي: الدين والعقل والنفس والنسب والمال، فرفع العلم مخل بحفظ الدين، وشرب الخمر بالعقل وبالمال أيضاً، وقلة الرجال سبب الفتن بالنفس وظهور الزنا بالنسب، وكذا بالمال. ومنها ما قيل: لِمَ كان اختلال هذه الأمور من علاماتها؟ أجيب: لأن الخلائق لا يتركون سدى ولا نبي بعد هذا الزمان، فتعين خراب العالم، وقرب القيامة. وقال القرطبي: في هذا الحديث علم من أعلام النبوة، إذ أخبر عن أمور ستقع فوقعت، خصوصاً في هذه الأزمان. والله المستعان. i i i i i i جدة جدة i i F i i ١٢٨ جبر -٩٠ الركو٢ ------ 4% مرور ليوجير لق الجناوسر زامل عدود جشرارة يجيز اريلاوموا٢ ٣ - كتاب العلم / باب (٢٢) ٢٢ - بابُ فَضْلِ العِلْمِ أي: هذا باب في بيان فضل العلم، وجه المناسبة بين البابين ظاهر، لأن المذكور في كل منهما العلم، ولكن في كل واحد بصفة من الصفات، ففي الأول: بيان رفعه، وفي هذا بيان فضله. ولا يقال: إن هذا الباب مكرر لأنه ذكره مرة في أول كتاب العلم، لأنا نقول: هذا الباب بعينه ليس بثابت في أول كتاب العلم في عامة النسخ، ولئن سلمنا وجوده هناك فالمراد التنبيه على فضيلة العلماء، وههنا التنبيه على فضيلة العلم، وقد حققنا الكلام هناك كما ينبغي. وقال بعضهم: الفضل ههنا بمعنى: الزيادة أي: ما فضل عنه، والفضل الذي تقدم في أول كتاب العلم بمعنى: الفضيلة، فلا يظن أنه كرره. قلت: لم يبوب البخاري هذا الباب لبيان أن الفضل بمعنى الزيادة، ولم يقصد به الإشارة إلى معناه اللغوي، بل قصده من التبويب بيان فضيلة العلم، ولا سيما الباب من جملة أبواب كتاب العلم، فإن كان القائل أخذ ما قاله من قوله، عليه السلام، في الحديث: ((ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب))، فإنه لا دخل له في الترجمة، فإنها ليست في بيان إعطاء النبي، عليه السلام، فضله لعمر، رضي الله عنه. وإنما ترجمته في بيان فضل العلم وشرف قدره، واستنبط البخاري بأن إعطاءه، عليه السلام، فضله لعمر عبارة عن العلم، وهو عين الفضيلة، لأنه جزء من النبوة، وما فضل عنه، عليه السلام، فضيلة وشرف، وقد فسره: بالعلم، فدل على فضيلة العلم. ٨٢/٢٤ - حدّثنا سَعيدُ بنُ عُفَيْرٍ قال: حدّثني اللَّيْثُ قال: حدّثني عُقَيْلٌ ع ابن شهابٍ عنْ حَمْزَةَ بن عَبْدِ اللَّه بنِ عُمَرَ أنَّ ابنَ عُمَرَ قال: سَمِعْتُ رَسولَ الله عَ لِّ قال: (بَهْنا أنا نائِمٌ أَتِتُ بِقَدّحِ لَبٍّ فَشَرِئْتُ حَتَّى أَنِّي لأُرى الرَّيَّ يَخْرُجُ فِي أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلي عُمَرَ بن الخَطَّابٍ)). قالُوا: فمَا أَوَّلْتَهُ يا رسولَ الله؟ قال: (العِلْمَ)). [الحديث ٨٢ - أطرافه في: ٣٦٨١، ٧٠٠٦، ٧٠٠٧، ٧٠٢٧، ٧٠٣٢]. مطابقة الحديث للترجمة من الوجه الذي ذكرناه الآن. بيان رجاله: وهم ستة. الأول: سعيد بن عفير، بضم العين المهملة وفتح الفاء وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره راء، وقد مر. الثاني: ليث بن سعد، الإمام الكبير المصري، وقد تقدم. الثالث: عقيل، بضم العين وفتح القاف وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره لام: ابن خالد الأيلي، بفتح الهمزة وسكون الياء آخر الحروف، وقد تقدم. الرابع: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. الخامس: حمزة بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، رضي الله عنهم، المكنى: بأبي عمارة، بضم العين؛ القرشي المدني العدوي التابعي، سمع أباه وعائشة. قال أحمد بن عبد الله: تابعي ثقة. وقال ابن سعد: أمه أم ولد، وهي أم سالم وعبيد الله، وكان ثقة قليل الحديث، روى له الجماعة. السادس: عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله عنهما. بيان لطائف إسناده: ومنها: أن في إسناده التحديث بصيغة الجمع وصيغة الإفراد ١٢٩ ٣ - كتاب العلم / باب (٢٢) والعنعنة والسماع، وفي رواية الأصيلي وكريمة: حدثني الليث حدثني عقيل، وللبخاري في التعبير: أخبرني، حمزة. ومنها: أن نصف رواته مصريون ونصفهم مدنيون. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري ههنا عن سعيد بن عفير، وفي (تعبير الرؤيا) عن يحيى بن بكير وقتيبة، ثلاثتهم عن ليث عن عقيل. وفيه عن أبي جعفر محمد بن الصلت الكوفي، وفي (فضل عمر)، رضي الله عنه، عن عبدان، كلاهما، عن ابن المبارك عن يونس، وفيه عن علي بن عبد اللَّه عن يعقوب بن إبراهيم عن أبيه عن صالح، ثلاثتهم عن الزهري عنه به. وأخرجه مسلم في (الفضائل) عن قتيبة به، وعن حسن الحلواني وعبد ابن حميد كلاهما عن يعقوب به، وعن حرملة عن ابن وهب عن يونس به. وأخرجه الترمذي في (الرؤيا)، وفي (المناقب) عن قتيبة به، وقال: حسن غريب. وأخرجه النسائي عن قتيبة به، وعن عبد الله بن سعد عن عمه يعقوب به، وفي (المناقب) عن عمرو بن عثمان عن الزبيدي عن الزهري به، وأعاده في (العلم) عن قتيبة. قهوة بيان اللغات: قوله: ((بقدح))، القدح، بفتحتين واحد الأقداح التي هي للشرب فيها، و: القدح؛ بكسر القاف وسكون الدال: السهم قبل أن يراش ويركب نصله، وقدح الميسر أيضاً، والقدح بالكسر: ما يقدح به النار، والقدح: المغرفة. والمقديح: المغرف، والقدوح: الذباب. قوله: ((الري))، بكسر الراء وتشديد الياء آخر الحروف: مصدر، يقال: رويت من الماء، بالكسر، أروي رياً بالكسر، وحكى الجوهري الفتح أيضاً وقال: ريا وريا، وروي أيضاً مثل: رضى رضى، وارتويت وترويت كله بمعنى. وقال غيره: يقال: روي من الماء والشراب، بكسر الواو ويروى بفتحها: رياً، بالكسر في الاسم والمصدر، قال القاضي: وحكى الداودي الفتح في المصدر، وأما في الرواية فعكسه، تقول: رويت الحديث أرويه رواية، بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل، والرواء من الماء ما يروي إذا مددت فتحت الراء، وإذا كسرت قصرت. قلت: الري: أصله الروي اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فأبدلت الياء من الواو وأدغمت الياء في الياء. قوله: ((في أظفاري)): جمع ظفر. وقال ابن دريد: الظفر ظفر الإنسان، والجمع أظفار، ولا تقول: ظفر، بالكسر. وإن كانت العامة قد أولعت به، وتجمع أظفار على أظافير. قال: وقال قوم: بل الأظافر جمع أظفور، والظفر والأظفور سواء، وأظفار الإبل مناسمها، وأظفار السباع براثنها. بيان الإعراب: قوله: ((بينا))، قد مر غير مرة أن أصله: بين، فأشبعت الفتحة فصارت ألفاً، وقد تدخل عليها: ما، فيقال: بينما. وقوله: أنا، مبتدأ، و: نائم، خبره. قوله: ((أتيت))، على صيغة المجهول، وهو جواب: بينا، وعامل فيه. والأصمعي لا يستفصح إلاّ طرح إذ وإذا منه، كما ذكرناه. قوله: ((بقدح لبن)) كلام إضافي يتعلق بأتيت. قوله: ((فشربت)) عطف على: أتيت. قوله: ((حتى) إما ابتدائية وإما جارة، فعلى الأول: أتى بكسر الهمزة، وعلى الثاني بفتحها، وياء المتكلم اسم: إن، وخبره قوله: لأرى الري))، واللام فيه للتأكيد. وقال بعضهم: عمدة القاري/ ج٩٥/٢ ٠٥٠. (١ ١٣٠ ٣ - كتاب العلم / باب (٢٢) اللام جواب قسم محذوف. قلت: هذا ليس بصحيح، ليس هنا قسم صريح ولا مقدر، ولا يصح التقدير، وإنما هذه اللام هي اللام الداخلة في خبر إن للتأكيد، كما في قولك: إن زيداً القائم. وقوله: أرى، إن كان من الرؤية، بمعنى: العلم يقتضي مفعولين، أحدهما هو قوله: الري، والآخر هو قوله ((يخرج في اظفاري)). وإن كان من الرؤية، بمعنى: الإبصار، لا يقتضي إلاَّ مفعولا واحداً وهو قوله: ((الري)). وقوله: ((يخرج) حينئذٍ يكون حالاً من: اللبن، ويكون الضمير فيه راجعاً إليه، ويجوز أن يكون حالاً من: الري، تجوزاً، ويكون الضمير راجعاً إليه. قوله: ((وفي اظفاري)) وفي رواية ابن عساكر: ((من أظفاري))، وفي رواية البخاري في التعبير: ((من أطرافي))، والكل بمعنى: في الحقيقة، فإن قلت: يخرج من أظفاري ظاهر، فما معنى قوله: يخرج في أظفاري؟ قلت: يجوز أن تكون: في، ههنا بمعنى: على، أي: على أظفاري، كما في قوله تعالى: ﴿ولأصلبنكم في جذوع النخل﴾ [طه: ٧١] أي: عليها، ويكون بمعنى: يظهر عليها، والظفر إما منشأ الخروج أو ظرفه. قوله: ((ثم أعطيت)) عطف على قوله: ((فشربت))، وهي جملة من الفعل والفاعل. وقوله: ((فضلي) كلام إضافي، مفعوله الأول، وقوله: عمر بن الخطاب، مفعوله الثاني. قوله: ((فما أولته)) كلمة ما استفهامية، وأولته جملة من الفعل والفاعل والمفعول، وهو الضمير الذي يرجع إلى شرب اللبن الذي يدل عليه قوله: ((فشربت)). قوله: ((يا رسول الله)) منادى منصوب. فإن قلت: ما الفاء في قوله: ((فما أولته))؟ قلت: زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿هذا فليذوقوه﴾ [ص: ٥٧] قوله: ((العلم) بالنصب والرفع روايتان، أما وجه النصب فعلى المفعولية، والتقدير: أولته العلم. وأما وجه الرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: المؤول به العلم. بيان المعاني: فيه: حذف المفعول من قوله: (فشربت))، للعلم به والتقدير: فشربت اللبن، يعني: منه، لأنه شرب حتى روي ثم أعطى فضله لعمر بن الخطاب، رضي الله عنه. وفيه: استعمال المضارع موضع الماضي، وهو قوله: ((يخرج))، وإن حقه أن يقال: خرج، ولكنه أراد استحضار صورة الرؤية للسامعين قصداً إلى أن يبصرهم تلك الحالة وقوعاً وحدوثاً. قوله: ((ثم أعطيت فضلي)) أي: ما فضل من اللبن الذي هو في القدح الذي شربت منه. قوله: ((فما أولته))؟ أي: فما عبرته؟ والتأويل في اللغة: تفسير ما يؤول إليه الشيء. وههنا المراد به تعبير الرؤيا. وفيه: تأكيد الكلام بصوغه جملة إسمية، وتأكيدها بأن واللام في الخبر، وهو قوله: (إني لأرى الري)). فإن قلت: لم تكن الصحابة منكرين ولا مترددين في أخباره، فما فائدة هذه التأكيدات؟ قلت: قوله: ((أر الري يخرج في أظفاره)) أورثهم حيرة في خروج اللبن من الأظفار، فأزال تلك الحيرة بهذه التأكيدات، كما في قوله تعالى: ﴿وما أبرىء نفسي إن النفس الأمارة بالسوء﴾ [يوسف: ٥٣] لأن: ما أبرىء، أي: ما أزكي، أورث المخاطب حيرة في أنه كيف لا ينزه نفسه عن السوء مع كونها مطمئنة زكية، فأزال تلك الحيرة بقوله: ﴿إن قوله: النفس الأمارة بالسوء﴾ [يوسف: ٥٣] في جميع الأشخاص إلاّ من عصمه الله. ((العلم)، تفسير اللبن بالعلم لكونهما مشتركين في كثرة النفع بهما، وفي أنهما سببا الصلاح، ١٣١ ٣ - كتاب العلم / باب (٢٣) فاللبن غذاء الإنسان وسبب صلاحهم وقوة أبدانهم، والعلم سبب الصلاح في الدنيا والآخرة وغذاء الأرواح. وقال المهلب: رؤية اللبن في النوم تدل على السنة والفطرة والعلم والقرآن، لأنه أول شيء يناله المولود من طعام الدنيا، وبه تقوم حياته كما تقوم بالعلم حياة القلوب، فهو يناسب العلم من هذه الجهة، وقد يدل على الحياة لأنها كانت في الصغر، وقد يدل على الثواب لأنه من نعيم الجنة، إذ روى ((نهر من اللبن))، وقد يدل على المال والحلال. قال: وإنما أوله النبي عَّهُ بالعلم في عمر، رضي الله عنه، لصحة فطرته ودينه، والعلم زيادة في الفطرة. فإن قلت: رؤيا الأنبياء، عليهم السلام، حق، فهل كان هذا الشراب وما يتعلق به واقعاً حقيقة، أو هو على سبيل التخيل؟ قلت: واقع حقيقة ولا محذور فيه إذ هو ممكن، والله على كل شيء قدير. بيان البيان: فيه: الاستعارة الأصلية، وهي قوله: (إني لأري الري))، لأن الري لا يرى، ولكنه شبه بالجسم، وأوقع عليه الفعل ثم أضيف إليه ما هو من خواص الجسم، وهو كونه مرئيا. ومما يستفاد منه فضيلة عمر، رضي الله عنه، وجواز تعبير الرؤيا، ورعاية المناسبة بين التعبير. وما له التعبير. ٢٣ - باب الفُتْيا وهوَ واقِفٌ عَلَى الدَّابَّةِ وغَيْرِها الكلام فيه على أنواع. الأول: أن الباب مرفوع بأنه خبر مبتدأ محذوف مضاف إلى ما بعده، وفيه حذف تقديره: هذا باب في بيان ما يستفتى به الشخص وهو واقف، أي: والحال أنه واقف على ظهر الدابة أو غيرها. الثاني: أن الفتيا، بضم الغاء: إسم، وكذلك الفتوى، وهو الجواب في الحادثة. يقال: استفتيت الفقيه في مسألة فأفتاني، وتفاتوا إلى الفقيه: ارتفعوا إليه في الفتيا، وفي (المحكم): أفتاه في الأمر أبانه له، والفتى والفتيا والفتوى ما أفتى به الفقيه، الفتح لأهل المدينة. وقال الشيخ، قطب الدين: الفتيا اسم، ثم قال: ولم يجىء من المصادر على: فعلى، غير الفتيا والرجعي وبقيا ولقيا. قلت: فيه نظران إحدهما: أنه قال أولاً: الفتيا اسم، ثم قال: مصدر. الثاني: أنه قال: لم يجىء من المصادر على فعلى، يعني بضم الفاء، غير هذه الأمثلة الأربعة، وقد جاء: العذرى بمعنى العذر، والعسرى بمعنى العسر، واليسرى بمعنى اليسر، والعتبى: بمعنى العتاب، والحسنى بمعنى الإحسان، والشورى بمعنى المشورة، والرغبى بمعنى الرغبة، والنهبى بمعنى الانتهاب، وزلفى بمعنى التزلف، وهو التقرب، والبشرى بمعنى البشارة. قوله: ((على ظهر الدابة))، وفي بعض النسخ: على الدابة، من دب على الأرض يدب دبيباً، وكل ماش على الأرض دابة ودبيب، والدابة التي تركب، قاله في (العباب). وقال الكرماني: الدابة لغة: الماشية على الأرض، وعرفاً الخيل والبغل والحمار، وقال بعضهم: وبعض أهل العرف خصها بالحمار. قلت: ليس كما قالا، وإنما الدابة في العرف اسم لذات الأربع من الحيوان، ولكن مراد البخاري ما قاله الصغاني، وهي: الدابة التي تركب. وأشار رة /١٣٢٦ ١٣٢ ٣ - كتاب العلم / باب (٢٣) بهذا إلى جواز سؤال العالم، وإن كان مشتغلاً راكباً وماشياً وواقفاً وعلى كل أحواله، ولو كان في طاعة. وقال بعض الشارحين: وليس في الحديث الذي أخرجه في الباب لفظ الدابة ليطابق ما بوب عليه. وأجاب بعضهم: بأنه أحال به على الطريق الأخرى التي أوردها في الحج، فقال: كان على ناقته. قلت: بعد هذا الجواب كبعد الثرى من الثريا، وكيف يعقد باب بترجمة، ثم يحال ما يطابق ذلك على حديث يأتي في باب آخر؟ ويمكن أن يجاب: بأن بين قوله: وغيرها، أي: وغير الدابة، وبين حديث الباب مطابقة، لأن ما فيه وهو قوله: ((وقف في حجة الوداع بمنى للناس))، أعم من أن يكون وقوفه على الأرض أو على الدابة، ويكون ذكر لفظ الدابة إشارة إلى أنه في حديث الباب طريق أخرى فيها ذكر الدابة، وهي قوله: كان على ناقته. الثالث: وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول هو فضل العلم، والمذكور في هذا الباب هو الفتيا، وهو أيضاً من العلم. ٨٣/٣٥ - حدثنا إِسْماعِيلُ قال: حدّثني مالِكٌ عن ابنِ شِهابٍ عنْ عِيَسی بن طَلْحَةَ ابن ◌ُبَيْدِ اللَّهِ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عَمْرِو بنِ العَاص أنّ رسولَ الله عَ لَّه وَقَفَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ يمنى للنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فقال: لَمْ أشْعُرْ فَحَلِقْتُ قَبْلَ أنْ أَذْبَحَ! فقال: ((اذْبَحْ ولاَ حَرَجَ)) فَجَاءَ آخرُ فقال: لَمْ أَشْعُرْ فَنحَرْتُ قَبْلَ أنْ أَرْمِيَ! قال: ((ازْمٍ ولا حَرِجَ) فمَا سُئِلَ النبيُّ عنْ شَيْءٍ قُدِّمَ ولاَ أَخِرَ إلا قال: (افْعَلْ ولاً حَرَجَ)). [الحديث ٨٣ - أطرافه في: ١٢٤، ١٧٣٦، ١٧٣٧، ١٧٣٨، ٦٦٦٥]. مطابقة الحديث للترجمة من حيث إن المذكور في الحديث هو الاستفتاء والإفتاء، والترجمة هي الفتيا. بيان رجاله: وهم خمسة. الأول: إسماعيل بن أبي أويس، ابن أخت مالك. الثاني: مالك بن أنس الإمام. الثالث: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. الرابع: عيسى بن طلحة ابن عبيد اللَّه القرشي التيمي تابعي، ثقة من أفاضل أهل المدينة وعقلائهم، أخو موسى ومحمد، مات سنة مائة، روى له الجماعة. الخامس: عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، رضي الله عنهما. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث بصيغة الجمع وصيغة الإفراد والعنعنة. ومنها: أن رواته كلهم مدنيون. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري هنا عن إسماعيل عن مالك، وفي (العلم) أيضاً عن أبي نعيم عن عبد العزيز بن أبي سلمة، وفي (الحج) عن عبد اللَّه بن يوسف عن مالك، وعن إسحاق عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن صالح، وعن سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي عن أبيه عن ابن جريج، وفي (النذور): وحدثني عثمان بن الهيثم عن ابن جريج، أربعتهم عن الزهري عنه به. وأخرجه مسلم في (الحج) عن يحيى بن يحيى عن مالك به، وعن الحسن بن علي الحلواني عن يعقوب بن إبراهيم به، وعن سعيد ·جو, ١٠٠ ٠٣٤ ١٣٣ ٣ - كتاب العلم / باب (٢٣) ابن يحيى عن أبيه، وعن علي بن خشرم عن عيسى بن يونس، وعن عبد بن حميد عن محمد ابن بكر، ثلاثتهم عن ابن جريج به، وعن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب كلاهما عن سفيان بن عيينة، وعن حرملة بن يحيى عن ابن وهب عن يونس، وعن ابن عمرو عبد بن حميد كلاهما عن عبد الرازق عن معمر، وعن محمد بن عبد اللَّه بن قهزاد عن علي بن الحسن عن ابن شقيق عن ابن المبارك عن محمد بن أبي حفصة، أربعتهم عن الزهري به. وأخرجه أبو داود في (الحج) عن القعنبي عن مالك به، وأخرجه الترمذي فيه أيضاً عن سعيد ابن عبد الرحمن المخزومي وابن أبي عمر كلاهما عن سفيان به، وقال: حسن صحيح. وأخرجه النسائي فيه أيضاً عن قتيبة عن سفيان به، وعن يعقوب بن إبراهيم الدورقي عن غندر عن معمر به، وعن عمرو بن علي عن یحیی بن سعید عن مالك به، وعن أحمد بن عمرو بن السرح عن ابن وهب عن مالك ويونس به، وأخرجه ابن ماجه فيه أيضاً عن علي بن محمد عن سفيان به مختصراً: أن النبي عَّةِ ((سئل عمن ذبح قبل أن يحلق أو حلق قبل أن يذبح؟ قال: لا حرج)). بيان اللغات: قوله: ((العاصي)): الجمهور على كتابته بالياء، وهو الفصيح عند أهل العربية، ويقع في كثير من الكتب بحذفها، وقد قرىء في السبع نحوه ﴿كالكبير المتعال﴾ [الرعد: ٩] و: ﴿الداع﴾ [البقرة: ٨٦، والقمر: ٦ و٨] قال الكرماني: وقيل: أجوف، وجمعه الأعياص. قلت: العاصي من العصيان وجمعه عصاة، كالقاضي يجمع على قضاة. والأعياص جمع عيص، بكسر العين: وهو الشجر الكثير الملتف. وقال عمار: العيص من السدر والعوسج والسلم من العصاة، كلها إذا اجتمع وتدانى والتف. وفي (العباب): والجمع عيصان وأعياص، وفيه: والأعياص من قريش أولاد أمية بن عبد شمس الأكبر، وهم أربعة: العاص، وأبو العاص، والعيص وأبو العيص. وقال أبو عمرو: العيصان من معادن بلاد العرب. قوله: ((في حجة الوداع»، بكسر الحاء وفتحها، والمعروف في الرواية الفتح، قال الجوهري: الحجة، بالكسرة: المرة الواحدة، وهو الشواذ، لأن القياس الفتح. وفي (العباب): الحج، بالكسر، الاسم. والحجة: المرة الواحدة، وهذا من الشواذ. قلت: يعني القياس في المرة الفتح، قالوا. المفعل للموضع، والمفعل للآلة. والفعلة للمرة والفعلة للحالة. والحجة أيضاً: السنة، والجمع: الحجج. وذو الحجة: شهر الحج، والجمع: ذوات الحجة، كذوات القعدة، ولم يقولوا: ذووا على واحده. والحجة، أيضاً: شحمة الأذن، و: الوداع، بفتح الواو، اسم التوديع: كالسلام بمعنى التسليم. وقال الكرماني: جاز الكسر بأن يكون من باب المفاعلة، وتبعه على هذا بعضهم، وما أظن هذا صحيحاً لأنه بالكسر يتغير المعنى، لأن الموادعة معناها المصالحة، وكذا الوداع بالكسر، والمعنى هو التوديع، وهو عند الرحيل معروف، وهو تخليف المسافر الناس خافضين وادعين وهم يودعونه إذا سافر تفاؤلاً بالدعة التي يصير إليها إذا نقل، أو يتركونه وسفره. قوله: ((بمنى))؛ هو قرية بالقرب من مكة تذبح فيها الهدايا، وترمى فيها الجمرات، وهو مقصور مذكر مصروف. قوله: ((لم أشعر))، بضم العين، أي: لم أعلم، أي: لم ٠٠٠ ١ ١ i i + هوة جدة ١٣٤ جديد . ٣. ٣ - كتاب العلم / باب (٢٣) أفطنه. يقال شعر يشعر من باب: نصر ينصر، شعراً وشعرة وشعرى، بالكسر فيهن، وشعرة وبالفتح، وشعوراً ومشعوراً ومشعورة. قال الصغاني: شعرت بالشيء أعلمت به، وفطنت له، ومنه قولهم: ليت شعري: معناه: ليتني أشعر، والشعر واحد الأشعار. قوله: ((ولا حرج)) أي: ولا إثم. قوله: ((فنحرت))، النحر في اللبة مثل الذبح في الحلق، وتستعمل بمعنى الذبيح. بيان الإعراب: قوله: ((وقف))، جملة في محل الرفع لأنها خبر: إن. قوله: ((بمنى)، في محل النصب على الحال. قوله: ((يسألونه)) في محل النصب على الحال من الضمير الذي في: وقف، ويجوز أن يكون: من الناس، أي: وقف لهم حال كونهم سائلين عنه، ويجوز أن يكون استئنافاً بيانياً لعلة الوقوف. قوله: ((فجاء رجل))، عطف على قوله: وقف. قوله: (فحلقت)) الفاء فيه سببية، وكذلك الفاء في: فنحرت، كأنه جعل الحلق والنحر كلاً منهما مسبباً عن عدم شعوره، كأنه يعتذر لتقصيره. قوله: ((قبل أن أذبح)) أن: فيه مصدرية، أي: قبل الذبح. قوله: ((ولا حرج))، كلمة: لا، للنفي. وقوله: ((حرج)) اسمه، مبني على الفتح، وخبره محذوف والتقدير: لا حرج عليك. قوله: ((فجاء آخر)) أي: رجل آخر. قوله: (أن أرمي) أن: فيه أيضاً مصدرية، أي: قبل الرمي. قوله: ((فما سئل)) على صيغة المجهول، و: النبي، مفعول ناب عن الفاعل، و: عن شيء، يتعلق بالسؤال. قوله: ((قدم)) على صيغة المجهول، جملة في محل الجر لأنها صفة: لشيء. قوله: ((ولا أخر)) أيضاً على صيغة المجهول، عطف على: قدم، والتقدير: لا قدم ولا أخرّ، لأن الكلام الفصيح قل ما يقع: لا، الداخلة على الماضي فيه إلاَّ مكررة، وحسن ذلك هنا لأنه وقع في سياق النفي، ونظيره قوله تعالى: ﴿وما أدري ما يفعل بي ولا بكم﴾ [الأحقاف: ٩] وفي رواية مسلم: ((ما سئل عن شيء قدم أو أخر إلاّ قال: إفعل ولا حرج)). بيان المعاني: فيه: حذف المفاعيل من قوله: ((فحلقت)) و((أن أذبح)) و((أذبح)) و((فنحرت)) و((أن أرمي) و((أرم)) للعلم بها بقرينة المقام. قوله: ((عن شيء) أي، مما هو من الأعمال يوم العيد، وهي: الرمي والنحر والحلق والطواف. قوله: ((افعل ولا حرج)) قال القاضي: قيل: هذا إباحة لما فعل وقدم، وإجازة له لا أمر بالعيادة، كأنه قال: إفعل ذلك كما فعلته قبل، أو متى شئت ولا حرج عليك، لأن السؤال إنما كان عما انقضى وتم. بيان استنباط الأحكام: الأول: فيه جواز سؤال العالم راكباً وماشياً وواقفاً. الثاني: فيه جواز الجلوس على الدابة للضرورة بل للحاجة، كما كان جلوسه، عليه الصلاة والسلام، عليها ليشرف على الناس، ولا يخفى عليهم كلامه لهم. الثالث: في ترتيب الأعمال المذكورة في الحديث، هل هو سنة ولا شيء في تركه، أو واجب يتعلق الدم بتركه؟ فإلى الأول ذهب الشافعي وأحمد، وإلى الثاني ذهب أبو حنيفة ومالك. وقال عياض: أجمع العلماء على أن سنة الحاج أن يرمي جمرة العقبة يوم النحر، ثم يطوف وقال غيره فلو خالف وقدم بعضها على بعض جاز، ولا إثم عليه ولا فدية لهذا الحديث، ولعموم قوله: ((ولا حرج))، وهذا ١٣٥ ٣ - كتاب العلم / باب (٢٣) مذهب عطاء وطاوس ومجاهد. وقول أحمد وإسحاق، والمشهور من قول الشافعي، وحملوا قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ [البقرة: ١٩٦] على المكان الذي يقع فيه النحر. وللشافعي قول ضعيف أنه إذا قدم الحلق على الرمي والطواف لزمه الدم، بناء على قوله الضعيف عند أصحابه أن الحلق ليس بنسك. قال النووي: وبهذا القول قال أبو حنيفة ومالك، ويروى عن سعيد بن جبير والحسن والنخعي وقتادة، ورواية شاذة عن ابن عباس: أن من قدم بعضها على بعض لزمه الدم. وقال المازري: لا فدية عليه عند مالك، يعني: في تقديم بعضها على بعض إلاّ الحلق على الرمي فعليه الفدية. وقال عياض: وكذا إذا قدم الطواف الإفاضة على الرمي عنده، فقيل: يجزئه، وعليه الهدي. وقيل: لا يجزئه، وكذلك قال: إذا رمى ثم أفاض قبل أن يحلق. وأجمعوا على أن من نحر قبل الرمي لا شيء عليه. واتفقوا على أنه لا فرق بين العامد والساهي في وجوب الفدية وعدمها، وإنما اختلفوا في الإثم وعدمه عند من منع التقديم. قلت: إذا حلق قبل أن يذبح فعليه دم عند أبي حنيفة، وإن كان قارناً فعلية دمان. وقال زفر: إذا حلق قبل أن ينحر عليه ثلاثة دماء: دم للقران، ودمان للحلق قبل النحر. وقال إبراهيم: من حلق قبل أن يذبح أهرق دماً. وقال أبو عمر: لا أعلم خلافاً فيمن نحر قبل أن يرمي أنه لا شيء عليه. قال: واختلفوا فيمن أفاض قبل أن يحلق بعد الرمي، فكان ابن عمر يقول: يرجع فيحلق أو يقصر، ثم يرجع إلى البيت فيفيض. وقال عطاء ومالك والشافعي وسائر الفقهاء: يجزئه الإفاضة ويحلق أو يقصر، ولا شيء عليه. قلت: احتج الشافعي وأحمد ومن تبعهما فيما ذهبوا إليه بظاهر الحديث المذكور، فإن معنى قوله: ((ولا حرج)) أي: لا شيء عليك مطلقاً من الإثم، لا في ترك الترتيب ولا في ترك الفدية، واحتجت الحنفية فيما ذهبوا إليه بما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنه قال: من قدم شيئاً من حجه أو أخره فليهرق لذلك دماً. وتأويل الحديث المذكور: لا إثم عليكم فيما فعلتموه من هذا، لأنكم فعلتموه على الجهل منكم، لا القصد منكم خلاف السنة. وكانت السنة خلاف هذا، وأسقط عنهم الحرج، وأعذرهم لأجل النسيان وعدم العلم. والدليل عليه قول السائل: ((فلم أشعر))، وقد جاء ذلك مصرحاً في حديث علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، أخرجه الطحاوي بإسناد صحيح: ((أن رسول الله، عليه الصلاة والسلام، سأله رجل في حجته فقال: إني رميت وأفضت ونسيت فلم أحلق. قال: فاحلق ولا حرج. ثم جاء رجل آخر فقال: إني رميت وحلقت ونسيت أن أنحر. فقال: انحر ولا حرج)). فدل ذلك على أن الحرج الذي رفعه الله عنهم، إنما كان لأجل نسيانهم ولجهلهم أيضاً بأمر المناسك، لا لغير ذلك. وذلك أن السائلين كانوا ناساً أعراباً لا علم لهم بالمناسك، فأجابهم رسول الله عَ لّه بقوله: ((لا حرج) يعني: فيما فعلتم بالنسيان وبالجهل، لا أنه أباح لهم ذلك فيما بعد ومما يؤيد هذا ويؤكده قول ابن عباس، رضي الله عنهما، المذكور. والحال أنه أحد رواة الحديث المذكور، فلو لم يكن معنى الحديث عنده على ما i i i i i i ٠۵٦ ١٣٦ :**: ٣ - كتاب العلم / باب (٢٤) ذكرنا لما قال بخلافه. ومن الدليل على ما ذكرنا أن ذلك كان بسبب جهلهم ما رواه أبو سعيد الخدري، أخرجه الطحاوي قال: ((سئل رسول الله، عليه الصلاة والسلام، وهو بين الجمرتين، عن رجل حلق قبل أن يرمي. قال: لا حرج. وعن رجل ذبح قبل أن يرمي، قال: لا حرج، ثم قال: عباد الله، وضع الله عز وجل الحرج والضيق، وتعلموا مناسككم فإنها من دينكم)). قال الطحاوي: أفلا يرى إلى أنه أمرهم بتعلم مناسكهم لأنهم كانوا لا يحسنونها، فدل ذلك أن الحرج الذي رفعه الله عنهم هو لجهلهم بأمر مناسكهم، لا لغير ذلك. فإن قلت: قد جاء في بعض الروايات الصحيحة: ولم يأمر بكفارة، قلت: يحتمل أنه لم يأمر بها لأجل نسيان السائل، أو أمر بها وذهل عنه الراوي. ٢٤ - باب مَنْ أجاب الفُتْيا بإشارَةِ اليَدِ والرَّأْسِ أي: هذا باب في بيان المفتي الذي أجاب المستفتي في فتياه بإشارة بيده أو رأسه. وجه المناسبة بين البابين ظاهر. ٨٤/٢٦ - حدّثنا مُوسَى بنُ إِسْماعِيلَ قال: حدّثنا وُهَيْبٌ قال: حدّثنا أُيُّوبُ عنْ ◌ِكْرِمَةَ عن ابن عَبَّاسٍ أنَّ النبيَّ عَِّ سُئِلَ في حَبَّتِّهِ فقال: ذَبَحْتُ قَبْلَ أنْ أَرْمِيَّ، فَأْوَمَا بِيدِهِ قال: (ولا حَرَجٌ)). قال: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، فَأُوْماً بِيَدِهِ ولاَ«حَرَجَ)). [الحديث ٨٤ - أطرافه في: ١٧٢١، ١٧٢٢، ١٧٢٣، ١٧٣٤، ١٧٣٥، ٦٦٦٦]. مطابقة الحديث للترجمة من حيث إن فيه الإشارة باليد في جواب الفتيا، وهو قوله: (فأومأ بيده)) في الموضعين. بيان رجاله: وهم خمسة. الأول: موسى بن إسماعيل أبو سلمة، بفتح اللام: التبوذكي الحافظ البصري. وقد مر ذكره. الثاني: وهيب، بضم الواو وفتح الهاء وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره باء موحدة: ابن خالد الباهلي البصري. الثالث: أيوب السختياني البصري. الرابع: عكرمة، مولى ابن العباس. الخامس: عبد اللَّه بن عباس، رضي الله عنهما. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة. ومنها: أن رواته كلهم بصريون. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في (الحج) عن علي بن محمد الطنافسي عن سفيان بن عيينة عن أيوب به نحوه. وأخرجه أيضاً في (الحج) عن موسى ابن إسماعيل عن وهيب عن عبد اللَّه بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس. وأخرجه مسلم فيه عن محمد بن حاتم عن بهز بن أسد عن وهيب عنه به. وأخرجه النسائي فيه أيضاً عن عمرو بن منصور عن المعلى بن أسد عن وهيب به. بيان اللغات والإعراب: قوله ((فأوماً) أي: أشار، وثلاثيه: ومأت إليه أميء وماً، وأَومات إليه وأومأته أيضاً، وومأت تومئة: أشرت. قوله: ((سئل))، بضم السين. قوله: ((فقال)) أي السائل: ١٣٧ ٣ - كتاب العلم / باب (٢٤) ذبحت قبل أن أرمي، أي: فما حكمك فيه هل يصح؟ وهل علي فيه حرج؟ قوله: ((فأومأ) أي: رسول الله، عليه الصلاة والسلام، بيده. قوله: ((قال: ولا حرج)): أي: قال النبي، عليه الصلاة والسلام: ولا حرج عليك. فإن قلت: ما محل: قال، من الإعراب؟ قلت: محله النصب على الحال. أي: فأومأ بيده حال كونه قد قال: ولا حرج عليك، والأحسن أن يكون بياناً لقوله: ((فأوما))، ولهذا ذكر بدون الواو العاطفة حيث لم يقل: فأومأ بيده، وقال: وأما الواو في: ((ولا حرج)). ففي رواية الأصيلي وغيره، وليست بموجودة في رواية ابن ذر. وأما في ((ولا حرج)) الثاني فهي موجودة عند الكل. وقال الكرماني: فإن قلت: لم ترك الواو أولاً في: ((ولا حرج)): وذكر ثانياً فيه؟ قلت: لأن الأول كان في ابتداء الحكم، والثاني عطف على المذكور أولاً. قلت: هذا إنما يتمشى على رواية أبي ذر على ما لا يخفى. قوله: ((وقال: حلقت)) أي: قال سائل آخر، أو ذلك السائل بعينه. قوله: ((قبل أن أذبح)) أن، فيه مصدرية أي: قبل الذبح. قوله: ((فأوما)) أي: رسول الله، عليه الصلاة والسلام، بيده ولا حرج. ولم يذكر ههنا: قال: ولا حرج. وإنما قال: فأومأ بيده ولا حرج. ولم يحتج إلى ذكر: قال، ههنا لأنه أشار بيده بحيث فهم من تلك الإشارة أنه لا حرج، سيما وقد سئل عن الحرج، أو يقدر لفظة قال. والتقدير: فأومأ بيده، قال: ولا حرج، أو قائلاً: ولا حرج. وقال الكرماني: وفي بعض النسخ: ((فأومأ بيده أن لا حرج))، ثم قال: ان، إما صلة لقوله: ((أوما)). وإما تفسيرية، إذ في الإيماء معنى القول. ٨٥/٢٧ - حدّثنا المَكِّيُ بنُ إِبْراهِيمَ قال: أخبرنا خَنْظَلةُ بنُ أبي سُفْيانَ عنْ سالِم قال: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عن النَّبِيِّ عَ لَّهِ قال: ((يُقْبَضُ العِلْمُ وَيَظْهَرُ الجَهْلُ والفِتَنُ وَيَكْثُرُ الهَرْبُ) قِيلَ: يا رسول الله! ومَا الهَرْجُ؟ فقال هَكَذَا بِيَدِهِ فَحَرَّفَها كأنَّهُ يُرِيدُ القَتْلَ. [الحديث ٨٥ - أطرافه فى: ١٠٣٦، ١٤١٢، ٣٦٠٨، ٣٦٠٩، ٤٦٣٥، ٤٦٣٦، ٦٠٣٧، ٦٥٠٦، ٦٩٣٥، ٧٠٦١، ٧١١٥، ٧١٢١]. مطابقة هذا الحديث للترجمة من حيث إن فيه الإشارة باليد كما في الحديث السابق. بيان رجاله: وهم أربعة: الأول: المكي بن إبراهيم بن بشر، بفتح الباء الموحدة وكسر الشين المعجمة وبالراء، ابن فرقد أبو السكن البلخي أخو إسماعيل ويعقوب، سمع حنظلة وغيره من التابعين، وهو أكبر شيوخ البخاري من الخراسانيين لأنه روى عن التابعين، وروى عنه أحمد ويحيى بن معين، وروى عنه البخاري في (الصلاة والبيوع) وغير موضع، وأخرج في (البيوع) عن محمد بن عمرو عنه عن عبد اللَّه بن سعيد، وروى مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن رجل عنه، وقال أحمد: ثقة. وقال ابن سعد: ثقة ثبت، وقال أبو حاتم: محله الصدق. وقال النسائي: لا بأس به. ولد سنة ست وعشرين ومائة، وتوفي سنة أربع عشرة ومائتين ببلخ، وليس في الكتب الستة مكي بن إبراهيم غيره، و: مكي، بتشديد الياء على وزن النسبة. وليس بنسبة، وإنما هو اسمه. الثاني: حنظلة بن أبي سفيان بن عبد الملك، وقد مر في: باب الحياء من الإيمان. الثالث: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله i i : ١٣٨ ٣ - كتاب العلم / باب (٢٤) عنهم. الرابع: أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر، رضي الله عنه. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة والسماع، ووقع في رواية الإسماعيلي من طريق إسحاق بن سليمان الرازي عن حنظلة قال: سمعت سالماً، وزاد فيه: لا أدري كم رأيت أبا هريرة واقفاً في السوق يقول: يقبض العلم ... فذكره موقوفاً، لكن ظهر في آخره أنه مرفوع. ومنها: أن رواته ما بين بلخي ومكي ومدني. ومنها: أن إسناده من الرباعيات العوالي. بيان اللغات والإعراب: قوله: ((الهرج))، بفتح الهاء وسكون الراء وفي آخره جيم: قال في (العباب): الهرج الفتنة والاختلاط، وقد هرج الناس يهرجون، بالكسر، هرجاً. ومنه حديث النبي، عَ له: ((يتقارب الزمان وينقص العلم ويلقى الشح وتظهر الفتن ويكثر الهرج. قيل: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: القتل القتل)). ثم قال الصغاني: وأصل الهرج الكثرة في الشيء، ومنه قولهم في الجماع: بات يهرجها ليلته جمعاء. ويقال للفرس: مر يهرج، وإنه لمهرج ومهراج إذا كان كثير الجري، وهرج القوم في الحديث إذا أفاضوا فيه فأكثروا، والهراجة: الجماعة يهرجون في الحديث. وقال في آخر الفصل: والتركيب يدل على اختلاط وتخليط. وقال ابن دريد: الهرج الفتنة في آخر الزمان. وقال القاضي: الفتن بعض الهرج، وأصل الهرج والتهارج الاختلاط والقتال، ومنه قوله: فلن يزال الهرج إلى يوم القيامة. ومنه: يتهارجون تهارج الحمر، قيل: معناه: يتخالطون رجالاً ونساء ويتناكحون مزاناة. ويقال: هرجها يهرجها إذا نكحها، و: يهرجها، بفتح الراء وضمها وكسرها. وقال الكرماني: إرادة القتل من لفظ الهرج إنما هو على طريق التجوز، إذ هو لازم معنى الهرج، اللهم إلاّ أن يثبت ورود الهرج بمعنى القتل لغة. وقال بعضهم: وهي غفلة عما في البخاري في كتاب الفتن. والهرج القتل بلسان الحبشة. قلت: هذا غفلة، لأن كون الهرج بمعنى القتل بلسان الحبشة لا يستلزم أن يكون بمعنى القتل في لغة العرب، غير أنه لما استعمل بمعنى القتل وافق اللغة الحبشية، وأما في أصل الوضع فالعرب ما استعملته إلاَّ لمعنى الفتنة والاختلاط، واستعملوه بمعنى القتل تجوزاً. فإن قلت: قال صاحب (المطالع): فسر الهرج في الحديث بالقتل بلغة الحبشة، ثم قال: وقوله: بلغة الحبشة وهم من بعض الرواة، وإلا فهي عربية صحيحة. قلت: لا يلزم من تفسيره في الحديث بالقتل أن يكون معناه القتل في أصل الوضع. قوله: ((يقبض العلم) على صيغة المجهول، وقد مر أن قبضه بقبض العلماء، كما جاء مبيناً في الحديث. وجاء في مسلم: ((وينقص العلم ويظهر الجهل))، على صيغة المعلوم، وظهور الجهل من لوازم قبض العلم، وذكره لزيادة الإيضاح والتأكيد. قوله: (الفتن) بالرفع عطفاً على: الجهل، وفي رواية الأصيلي: ((وتظهر الفتن)). قوله: ((ويكثر الهرج))، على صيغة المعلوم. قوله: ((فقال هكذا بيده)، معناه: أشار بيده محرفا، وفيه إطلاق القول على الفعل، وهو كثير. ومنه قول العرب: قالوا بزيد وقلنا به، أي: قتلناه، قاله ابن الأعرابي، وقال الرجل بالشيء، أي: غلب. وقال الصغاني: وفي دعاء النبي، عليه الصلاة والسلام: سبحان من ١٣٩ ٣ - كتاب العلم / باب (٢٤) تعطف بالعز وقال به، وهذا من المجاز الحكمي كقولهم: نهاره صائم. والمراد وصف الرجل بالصوم، ووصف الله تعالى بالعز. قوله: ((وقال به)) أي: وغلب به كل عزيز، وملك عليه أمره. وفي (المطالع): وفي حديث الخضر: ((فقال بيده فأقامه)). أي: أشار أو تناول. وقوله: ((في الوضوء فقال بيده هكذا)) أي: نفضه. قوله: ((فقال بإصبعه السبابة والوسطى)) أي: أشار. وفي حديث دعاء الوالد: ((وقال بيده نحو السماء)) أي: رفعها. قوله: ((فحرفها)) من التحريف. تفسير لقوله: ((فقال هكذا بيده)) كأن الراوي بين أن الإيماء كان محرفاً، ومثل هذه الفاء تسمى الفاء التفسيرية. نحو: ﴿فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم﴾ [البقرة: ٥٤] إذ القتل هو نفس التوبة على أحد التفاسير. قوله: ((كأنه يريد القتل)) الظاهر أن هذا زيادة من الراوي عن حنظلة، فإن أبا عوانة رواه عن عباس الدوري عن أبي عاصم عن حنظلة، وقال في آخره: وأرانا أبو عاصم كأنه يضرب عنق الإنسان، وكأن الراوي فهم من تحريك اليد وتحريفها أنه يريد القتل. قلت: وقع في بعض النسخ: فحركها بالكاف، موضع: فحرفها. فالظاهر أنه غير ثابت، وفيه دليل على أن الرجل إذ أشار بيده أو برأسه أو بشيء يفهم منه إرادته أنه جائز عليه، وسيأتي في كتاب الطلاق حكم الإشارة بالطلاق واختلاف الفقهاء فيه إن شاء الله تعالى. ٠٠٠ ٨٦/٢٨ - حدّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ قال: حدّثنا وُهَيْبٌ قال: حدّثنا هِشامٌ عنْ فاطِمَةَ عنْ أَسْماءَ قالَتْ: أَتَيْتُ عائِشَةَ وَهْيَ تُصَلِّي فَقُلْتُ: ما شأنُ النَّاسِ؟ فَأَشارَتْ إلَى السَّماءِ فَإِذَا النَّاسُ قِيامٌ، فقالَتْ: سُبْحانَ الله! قُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأُشارَتْ بِرَأْسِهَا أَيْ: نَعَمْ، فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلاَّبِي الغَشْيُ فَجَعَلْتُ أصُبُّ عَلَى رَأْسِي الماءَ، فَحَمِدَ الله عَزَّ وَجَلَّ النَّبيُّ عَّهِ وَأَثْنَى عَلِيْهِ ثُمَّ قال: «ما مِنْ شَيْءٍ لَمْ أُكُنْ أرِيتُه إلاَّ رَأَيْتُهُ في مَقامِي حَتَّى الجَنَّةُ وَالنَّارُ فَأُوحِيَّ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ مِثْلَ - أَوْ قَرِيبَ، لا أدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قالَتْ أسْماءُ -. مِنْ فِتْتَةِ المَسِيحِ الدَّجَالِ، يُقالُ: ما عِلْمُكَ بِهِذَا الرَّجُلِ؟ فَأمَّا المُؤْمنُ)) - أو المُوقِنُ، لا أُدْرِي بِأَيِّهِما قالتْ أسْماءُ - فَيَقولُ: ((هُوَ مُحمَّدَ رسولُ الله جَاءَنا بالبَيَّنَاتِ والهُدَى فَأَجَبْنَا واتَّبَعْنا، هو مُحمَّدٌ ثَلاثاً، فَيُقالُ: نَمْ صالِحاً قَد عَلِمْنا إِنْ كُنْتَ لُموقِناً بِهِ، وأَمَّا المُنَافِقُ)) - أو المُرْتابُ، لا أُدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قالتْ أسْماءُ ((فَيَقولُ: لا أدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيئاً فَقُلْتُهُ)). [الحديث ٨٦ - أطرافه في: ١٨٤، ٩٢٢، ١٠٥٣، ١٠٥٤، ١٠٦١، ١٢٣٥، ١٣٧٣، ٢٥١٩، ٢٥٢٠، ٧٢٨٧]. مطابقة هذا الحديث للترجمة من حيث إن فيه الإشارة بالرأس، لكنه من فعل عائشة، رضي الله عنها، وقال بعضهم: فيكون موقوفاً، لكن له حكم المرفوع لأنها كانت تصلي خلف النبي عَّه، وكان في الصلاة يرى من خلفه. قلت: لا يحتاج إلى هذا التكلف، بل وجود شيء في حديث الباب مما هو مطابق للترجمة كافٍ. وقال الكرماني: فإن قلت: هذا الحديث لا يدل إلاَّ على بعض الترجمة، وهو الإشارة بالرأس، كما أن الأولين لا يدلان أيضاً إلاَّ على البعض الآخر، وهو الإشارة باليد. قلت: لا يلزم أن يدل كل حديث في الباب على تمام الترجمة، بل إذا دل البعض على البعض بحيث دل المجموع على المجموع صحت الترجمة، ومثله مر في كتاب بدء الوحي. i i i ١ ١٤٠ ٣ - كتاب العلم / باب (٢٤) بيان رجاله: وهم خمسة: الأول: موسى بن إسماعيل. الثاني: وهيب بن خالد، وقد ذكرا الآن. الثالث: هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، رضي الله عنهم، وقد تقدم. الرابع: فاطمة بنت المنذر بن الزبير بن العوام، وهي زوجة هشام بن عروة، وبنت عمه. روت عن جدتها أسماء، روى عنها زوجها هشام ومحمد بن إسحاق. وقال أحمد بن عبد اللَّه: تابعية ثقة، روى لها الجماعة. الخامس: أسماء بنت أبي بكر الصديق، زوجة الزبير، رضي الله عنهم، وكان عبد اللَّه بن أبي بكر شقيقها، وعائشة وعبد الرحمن أخواها لأبيها، وهي ذات النطاقين، ولدت قبل الهجرة بسبع وعشرين سنة، وأسلمت بعد سبعة عشر إنساناً، روي لها عن رسول الله عَّلل ستة وخمسون حديثاً، انفرد البخاري بأربعة، ومسلم بمثلها، واتفقا على أربعة عشر، توفيت بمكة في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين بعد قتل ابنها عبد اللَّه بن الزبير، وقد بلغت المائة ولم يسقط لها سن ولم يتغير عقلها، رضي الله تعالى عنها. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة، ومنها: أن فيه رواية تابعية عن صحابية مع ذكر صحابية أخرى. ومنها: أن رواته ما بين بصري ومدني. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الطهارة عن إسماعيل، وفي (الكسوف) عن عبد اللَّه بن يوسف، وفي (الاعتصام) عن القعنبي، ثلاثتهم عن مالك، وفي (كتاب الجمعة) في: باب من قال في الخطبة: أما بعد، وقال فيه محمود: حدثنا أبو أسامة، وفي كتاب الخسوف: وقال أبو أسامة، وفي (كتاب السهو) في: باب الإشارة في الصلاة، عن يحيى بن سليمان عن ابن وهب عن الثوري مختصراً، وفي (الخسوف) مختصراً عن الربيع بن يحيى عن زائدة وعن موسى بن مسعود عن زائدة مختصراً، وتابعه علي عن الدراوردي وعن محمد المقدمي عن تمام في العتاقة. وأخرجه مسلم في الخسوف عن أبي كريب عن ابن نمير، وعن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب عن أبي أسامة كلهم عن هشام بن عروة عن امرأته فاطمة. بيان اللغات: قوله: ((حتى علاني))، بالعين المهملة، من: علوت الرجل غلبته، تقول: علاه يعلوه علواً، وعلا في المكان يعلو علواً أيضاً، وعلا بالكسر في الشرف يعلي علاء، ويقال أيضاً: بالفتح يعلى، قال رؤية: دفعك داواني وقد جويت لما علا كعبك لي عليت فجمع بين اللغتين، هذا رواية الأكثرين، أعني: علاني. وفي رواية كريمة: تجلاني، بفتح التاء المثناة والجيم وتشديد اللام، وأصله: تجللني، أي: علاني. قال في (العباب): تجلله أي: علاه. قلت: هذا مثل: تقضي البازي، أصله: تقضض، فاستثقلوا ثلاث ضادات، فابدلوا من إحداهن ياء، فصار ياء. وكذلك استثقلوا ثلاث لامات فأبدلوا من إحداهن ياء فسار: تجلي. وربما يظنه من لا خبرة له من مواد الكلام أن هذا من النواقص، وهو من المضاعف. وقال بعضهم: تجلاني، بمثناة وجيم ولام مشددة: وجلال الشيء ما غطي به. ! ٠٣٠