النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
٣ - كتاب العلم / باب (١٥)
مرت في أوائل كتاب العلم.
قوله: ((صحبت ابن عمر رضي الله عنهما إلى المدينة)) اللام فيها للعهد، أي: مدينة
رسول الله عَّله، ولم يذكر مبتدأ الصحبة. قال الكرماني: والظاهر أنه من مكة، وفيه الدلالة
على أن ابن عمر كان متوقياً للحديث، وقد كان علم قول أبيه: أقلوا الحديث عن رسول الله
عَّ له، قاله ابن بطال. وقال الشيخ قطب الدين: قد يكون تركه لغير هذا الوجه، إما لعدم نشاط
الاشتغال. بمؤونة السفر وتعبه، أو لعدم السؤال. قلت: يمكن التوفيق بينهم بأنه كان يتوقى
الحديث ما لم يسأل، فإذا سئل أجاب، وأكثر الجواب عند كثرة السؤال فإنه كان من
) حال عن الضمير المنصوب في
المکثرین في الحديث. قوله: «یحدث عن رسول الله
لم أسمعه. قوله: ((إلا حديثاً) أراد به الحديث الذي بعده متصلاً به. قوله: ((فأتي»
بضم الهمزة. قوله: (بجمار))، بضم الجيم وتشديد الميم: وهو شحم النخيل، وهو الذي
يؤكل منه. وفي (العباب): ويقال له الجامور أيضاً. قوله: (مثلها))، بفتح الميم: أي صفتها
العجيبة، والمثل، وإن كان بحسب اللغة الصفة، لكن لا تستعمل إلاَّ عند الصفة العجيبة. قوله:
((فأردت أن أقول)) أي: في جواب الرسول، عليه الصلاة والسلام، حيث قال: حدثوني ما هي!
كما علم من سائر الروايات. قوله: ((فسكت))، بضم التاء على صيغة المتكلم، وسكوته كان
استحياء وتعظيماً للأكابر.
جوز
i
٦
١٥ - باب الاغْتباطِ في العِلْمِ والحِكْمَةِ
أي: هذا باب في بيان الاغتباط، وهو افتعال من: غبطه يغبطه، من باب: ضرب
يضرب، غبطاً وغبطةً، والغبطة أن يتمنى مثل حال المغبوط من غير أن يريد زوالها عنه، وليس
بحسد. والحسد أن: يتمنى زوال ما فيه. وقال ابن بزرج: غبط يغبط، مثال: سمع يسمع، لغة
فيه. وبناء باب الافتعال منها يدل على التصرف والسعي فيها، والحكمة معرفة الأشياء على ما
هي عليه، فهي مرادفة للعلم، فالعطف عليه من باب العطف التفسيري، إلاّ أن يفسر العلم
بالمعنى الأعم من اليقين المتناول للظن أيضاً، أو تفسر الحكمة بما يتناول سداد العمل أيضاً.
وجه المناسبة بين البابين من حيث إن في الباب الأول: الفهم في العلم، وفي هذا
الباب: الاغتباط في العلم، وكلما زاد فهم الرجل في العلم زادت غبطته فيه، لأن من زاد
فهمه وقوي يزداد نظره فيمن هو أقوى فهماً منه، ويتمنى أن يكون مثله، وهو الغبطة.
١/٠٠٠٦
وقال عُمَرُ: تَفَقَّهُوا قَبْلَ أن تُسَوَّدُوا
الكلام فيه على أنواع.
الأول: قال الكرماني: هو ليس من تمام الترجمة إذ لم يذكر بعده شيء يكون هذا
متعلقاً به، إلاَّ أن يقال: الاغتباط في الحكمة على القضاء لا يكون إلاَّ قبل كون الغابط
قاضياً، ويزول حينئذٍ. وقال عمر: بمعنى المصدر، أي: قول عمر، رضي الله عنه. قلت: كيف
التقارير
i
i

٨٢
٣ - كتاب العلم / باب (١٥)
يؤول الماضي بالمصدر وتأويل الفعل بالمصدر لا يكون إلاَّ بوجود أن المصدرية؟ وقال ابن
المنير: مطابقة قول عمر، رضي الله عنه، للترجمة أنه جعل السيادة من ثمرات العلم، وأوصى
الطالب باغتنام الزيادة قبل بلوغ درجة السيادة، وذلك يحقق استحقاق العلم بأن يغبط صاحبه،
فإنه سبب لسيادته. قلت: لا شك أن الذي يتفقه قبل السيادة يغبط في فقهه وعلمه، فيدخل
في قوله: باب الاغتباط في العلم.
الثاني: أن هذا الأثر الذي علقه أخرجه أبو عمر بإسناد صحيح عن أحمد بن محمد:
ثنا محمد بن عيسى، ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا أبو عبيد، ثنا ابن علية ومعاذ عن ابن عون
عن ابن سيرين عن الأحنف عن عمر، رضي الله عنه به. وأخرجه الحوزي في كتابه: ثنا
إسحاق بن القعنبي، ثنا بشر بن أبي الأزهر، ثنا خارجة بن مصعب عن ابن عون عن ابن
سيرين عن الأحنف عنه به، وخارجة ضعيف جداً. ورواه ابن أبي شيبة بسند منقطع عن وكيع
عن ابن عون به. وأخرجه البيهقي في كتابه (المدخل) عن الروذبازي عن الصفار عن سعدان
ابن نصر، ثنا و کیع عن ابن عون به.
الثالث: قوله: ((قبل أن تسودوا)) بضم التاء المثناة من فوق وفتح السين المهملة وتشديد
الواو، أي: قبل أن تصيروا سادة، وتعلموا العلم ما دمتم صغاراً قبل السيادة والرياسة، وقبل أن
ينظر إليكم، فإن لم تعلموا قبل ذلك استحييتم أن تعلموا بعد الكبر، فبقيتم جهلاء. وفي
(مجمع الغرائب): يحتمل أن معنى قول عمر، رضي الله عنه: ((قبل أن تزوجوا)) فتصيروا سادة
بالتحكم على الأزواج والاشتغال بهن لهواً، ثم تمحلاً للتفقه. ومنه الاستياد، وهو: طلب
التسيد من القوم. وجزم البيهقي في (مدخله) بهذا المعنى، ولم يذكر غيره. وقال: معناه قبل
أن تزوجوا فتصيروا أرباب بيوت. قاله شمر. ويقال: معناه لا تأخذوا العلم من الأصاغر فیزرى
بكم ذلك، وهذا أشبه بحديث عبد اللّه: ((لن يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم)) ثم
قوله: ((تسودوا)) من: سود يسود تسويداً، وثلاثيه: ساد يسود وفي (المحكم): سادهم سوداً
وسودداً وسيادة وسيدودة، فاستادهم كسادهم، وسوده هو. وقال: والسودد: الشرف، وقد
يهمز، وضم الدال لغة طائية، والسيد: الرئيس. وقال كراع: وجمعه سادة، ونظيره: قيم وقامة.
قلت: السادة جمع سائدة، والأنثى بالهاء، وفي (المخصص): ساودني فسدته. وقالوا: سيد
وسائد، وجمع السيد سادة. وحكى الزبيدي في كتاب (طبقات النحويين): أن أبا محمد
العذري الأعرابي قال لإبراهيم بن الحجاج الثابر بإشبيلية: تالله أيها الأمير ما سيدتك العرب،
إلّ بحقك، فقالها بالياء، فلما أنكر عليه قال: السواد السخام، وأصر على أن الصواب معه،
ومالأه على ذلك الأمير لعظم منزلته في العلم. وفي (الجامع): وهو مسود عليهم إذا جعل
سيدهم، والمسود هو الذي ساد غيره. وفي (الصحاح): يجمع السيد على سيائد، بالهمزة
على غير قياس، لأن جمع فيعل فياعل بلا همز، والدال في سودد زائدة للإلحاق. وقال ابن
الأنباري: العرب تقول: هو سيدنا، أي: رئيسنا والذي نعظمه فينا. وقال الصغاني: ساد قومه
يسودهم سيادة وسودداً وسؤددا، بالهمزة وضم الدال الأولى، وهي لغة طي، وسودا عن الفراء،

٨٣
٣ - كتاب العلم / باب (١٥)
وسيدودة. فهو سيدهم، وهم سادة. وتقديرها: فعلة بالتحريك، لأن تقدير: سيد فعيل، وهو
مثل: سري وسراة ولا نظير لها، يدل على ذلك أنه يجمع على سيائد، بالهمزة، مثال: أفيل
وأفائل، وتبيع وتبائع. وقال أهل البصرة: تقدير سيد فيعل، جمع على فعلة كأنهم جمعوا سائداً
مثال: قائد وقادة، وزائد وزادة. والدال في سودد زائدة للإلحاق ببناء فعلل مثال: برقع. وقال
الفراء: يقال: هذا سيد قومه اليوم، فإذا أخبرت أنه عن قليل يكون سيدهم، قلت: هو سائد
قومه عن قليل، وسيد. وقال الكسائي: السيد من المعز المسن، وقال ابن فارس: سمي السيد
سيداً لأن الناس يلتجئون إلى سواده، أي شخصه، وقال الله تبارك وتعالى: ﴿وألفيا سيدها
لدى الباب﴾ [يوسف: ٢٥] أي زوجها. وقال تعالى: ﴿وسيدا وحصورا﴾ [آل عمران: ٣٩]
السيد الذي يفوق في الخير قومه. ويقال: السيد الحليم. ((وجاء النبي عَّم رجل فقال: أنت
سيد قريش؟ فقال: السيد الله تعالى)). قال الأزهري: كره أن يمدح في وجهه، وأحب التواضع.
وقال عكرمة: السيد الذي لا يغلبه غضبه. وقال قتادة: السيد العابد. وقال الأصمعي: العرب
تقول: السيد كل مقهور مغمور بحلمه. وقال الفراء: السيد المالك، وفلان أسود من فلان أي
أعلى سودداً منه، وساودت الرجل من سواد اللون ومن السودد جميعاً أي غالبته.
الرابع: قال ابن بطال: قال عمر، رضي الله تعالى عنه، ذلك لأن من سوده الناس
يستحي أن يقعد مقعد المتعلم خوفاً على رياسته عند العامة. وقال يحيى بن معين: من عاجل
الرياسة فاته علم كثير. وقيل: إن السيادة تحصل بالعلم، وكلما زاد العلم زادت السيادة به.
وقال الكرماني: في بعض النسخ بدل: تفهموا تفقهوا، وكلاهما بمعنى الأمر. قلت: المشهور
من الرواية: تفقهوا، فإنه يحث به على تحصيل الفقه. وفي كتاب ابن عمر: قال ابن مسعود،
رضي الله عنه، قال رسول الله عَّله: ((أفضل الناس أفضلهم عملاً إذا فقهوا في دينهم)). وعن
علي، رضي الله تعالى عنه: قال رسول الله عَّله: ((ألا أنبؤكم بالفقيه كل الفقيه؟ قالوا: بلى،
قال: من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يؤيسهم من روح الله، ولم يؤمنهم من مكر الله،
ولا يدع القرآن رغبة عنه إلى ما سواه ألا لا خير في عبادة ليس فيها فقه، ولا علم ليس فيه
تفهم، ولا قراءة ليس فيها تدبر)). قال أبو عمر: لم يأت هذا الحديث مرفوعاً إلاَّ من هذا
الوجه، وأكثرهم يوقفونه على علي، رضي الله تعالى عنه، وعن شداد بن أوس يرفعه: ((لا يفقه
العبد كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله تعالى، ولا يفقه العبد كل الفقه حتى يرى
للقرآن وجوهاً كثيرة)). وقال أبو عمر: لا يصح مرفوعاً، وإنما الصحيح أنه من قول أبي الدرداء.
وصدقة السمين راويه مرفوعاً مجمع على ضعفه. وقال قتادة: من لم يعرف الاختلاف لم يشم
الفقه بأنفه. وقال ابن أبي عروبة: لا نعده عالماً، وكذا قاله عثمان بن عطاء عن أبيه. وقال
الحارث بن يعقوب: الفقيه من فقه في القراءة، وعرف مكيدة الشيطان.
i
i
i
i
i
i
قال أبوُ عبْدِ اللَّهِ: وبعدَ أنْ تُسوَّدُوا، وقدْ تَعَلَّمَ أصْحابُ النَّبِيِّ عَ ◌ّه فِي كِبْرِ سِنّهِمْ.
هذه زيادات جاءت في رواية الكشميهني فقط، وأراد البخاري بقوله: ((قال أبو عبد
اللَّه))، نفسه لأن كنيته أبو عبد اللَّه. وقال الكرماني: ولا بد من مقدر يتعلق به لفظ: وبعد،
i
i

٨٤
٣ - كتاب العلم / باب (١٥)
والمناسب أن يقدر: لفظ تفهموا، يعني الماضي، فيكون لفظ: ((تسودوا)) بفتح التاء ماضياً
كما أنه يحتمل أن يكون: تسودوا، من التسويد الذي من السواد، أي: بعد أن يسودوا لحيتهم
مثلاً، أي: في كبرهم، أو أي: بعد زوال السواد أي في الشيب. والله أعلم بحقيقة الحال.
قلت: هذا كله تعسف خارج عن مقصود البخاري، إذ مقصوده الأمر بالتفقه قبل
السيادة وبعدها. فقوله: ((وبعد أن تسودو)) عطف على قول عمر، رضي الله عنه: قبل أن
تسودوا، وهو أيضاً، بضم التاء كما في قول عمر: رضي الله عنه، والمعنى: تفقهوا قبل أن
تسودوا وتفقهوا بعد أن تسودوا، إذ لا يجوز ترك التفقه بعد السيادة، إذا فاته قبلها، والدليل
على صحة ما قلنا أن البخاري أكد ذلك بقوله: وقد تعلم أصحاب النبي، عليه السلام، في
كبر سنهم، لأن الناس الذين آمنوا بالنبي، عليه السلام، وهم كبار ما تفقهوا إلاَّ في كبر
سنهم.
٧٣/١٥ - حدّثنا الحُمَّيْدِيُّ قال: حدثنا سُفيانُ قال: حدثني إِسْماعِيلُ بنُ أبي خالِدٍ
عَلى غيْرِ ما حدثناهُ الزُّهريُّ قال: سَمِعْتُ قَيْسَ بنَ أبي حازِمٍ قال: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بنَ مَسْعُودٍ
قال: قال النَّبِيُّ عَ لِ: ((لاَ حَسَدَ إلاَّ في اثْتَقَيْنِ: رَبُجُلٌ آتاهُ الله مالاً فَسُلِّطَ عَلى مَلَكَتهِ في
الحَقِّ، ورَجُلٌ آتاهُ الله الحكْمَةِ فَهْوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُها)). [الحديث ٧٣ - أطرافه في:
١٤٠٩، ٧١٤١، ٧٣١٦].
مطابقة الحديث للترجمة من حيث إن البخاري حمل ما وقع في الحديث من لفظ
الحسد على الغبطة، فأخرجه عن ظاهره وحمله على الغبطة، وتمني الأعمال الصالحة. وترجم
الباب علیه.
بيان رجاله: وهم ستة، والكل قد ذكروا، والحميدي: هو أبو بكر عبد الله بن الزبير
ابن عيسى المكي، صاحب الشافعي، أخذ عنه ورحل معه إلى مصر، ولما مات الشافعي رجع
إلى مكة. وسفيان هو ابن عيينة، والزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب، وقيس بن أبي
حازم بالحاء المهملة والزاي.
بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والسماع. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين.
ومنها: أن رواته ما بين مكي وكوفي. ومنها: أن فيه سفيان بن عيينة، وقد ذكر أن الزهري
حدثه بهذا الحديث بلفظ غير اللفظ الذي حدثه به إسماعيل، وهو معنى قوله: حدثنا إسماعيل
بن أبي خالد على غير ما حدثناه الزهري، برفع الزهري، لأنه فاعل: حدث، وننا، مفعوله،
والضمير يرجع إلى الحديث الذي يدل عليه: حدثنا، والغرض من هذا الإشعار بأنه سمع ذلك
من إسماعيل على وجه غير الوجه الذي سمع من الزهري، إما مغايرة في اللفظ، وإما مغايرة
في الإسناد، وإما غير ذلك. وفائدته: التقوية والترجيح بتعداد الطرق، ورواية سفيان عن الزهري
أخرجها البخاري في (التوحيد) عن علي بن عبد اللَّه عنه، قال: قال الزهري عن سالم، ورواها
مسلم عن زهير بن حرب، وغيره عن سفيان بن عيينة، قال: ثنا الزهري عن سالم عن أبيه،
١٠

٨٥
٣ - كتاب العلم / باب (١٥)
ساقه مسلم تاماً، واختصره البخاري. وأخرجه البخاري أيضاً تاماً في (فضائل القرآن) من طريق
شعيب عن الزهري، قال: حدثني سالم بن عبد الله بن عمر، فذكره.
• جوة
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري ههنا عن الحميدي عن سفيان.
وأخرجه أيضاً في (الزكاة) عن محمد بن المثنى عن يحيى القطان. وفي (الأحكام)
وفي (الاعتصام) عن شهاب بن عباد عن إبراهيم بن حميد الرواسي. وأخرجه مسلم
في (الصلاة) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع، وعن محمد بن عبد الله بن نمير عن أبيه،
ومحمد بن بشر. وأخرجه النسائي في (العلم) عن إسحاق بن إبراهيم عن جرير ووكيع وعن
سويد بن نصر بن عبد الله بن المبارك، ثمانيتهم عن إسماعيل بن أبي خالد عنه به. وأخرجه
ابن ماجه في (الزهد) عن محمد بن عبد اللَّه بن نمير به.
بيان اللغات: قوله: ((لا حسد))، الحسد: تمني الرجل أن يحول الله إليه نعمة الآخر أو
فضيلته، ويسلبهما عنه. وفي (مجمع الغرائب): الحد أن يرى الإنسان لأخيه نعمة فيتمنى
أن تكون له وتزول عن أخيه، وهو مذموم. والغبط: أن يرى النعمة فيتمناها لنفسه من غير أن
تزول عن صاحبها، وهو محمود. وقال ثعلب: المنافسة أن يتمنى مثل ما له من غير أن يفتقر
وهو مباح. ويقال: الحسد تمني زوال النعمة عن المنعم عليه، وبعضهم خصه بأن يتمنى ذلك
لنفسه، والحق أنه أعم. وقال ابن سیده: يقال: حسده یحسده ویحسده حسداً، ورجل حاسد
من قوم حسد والأنثى بغير هاء، وهم يتحاسدون. وحسده على الشيء وحسده إياه. وفي
(الصحاح): يحسده حسوداً. وقال الأخفش: وبعضهم يقول: يحسده بالكسر، والمصدر
حسد بالتحريك، وحسادة، وهم قوم حسدة مثل: حامل وحملة. وقال ابن الأعرابي: الحسد
مأخوذ من الحسود، وهو القراد، فهو يقشر القلب كما يقشر القراد الجلد فيمص الدم. قوله:
(آتاه الله)) بالمد في أوله، أي: أعطاه الله من الإيتاء وهو الإعطاء. قوله: ((على هلكته))، بفتح
اللام، أي: هلاكه. وفي (العباب): هلك الشيء يهلك بالكسر هلاكاً وهلوكاً ومهلكاً ومهلكاً
وتهلوكاً وهلكة وتهلكةً وتهلكة. قال الله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة:
١٩٥] وقرأ الخليل: إلى التهلكة، بالكسر. قال اليزيدي: التهلكة، بضم اللام، من نوادر
المصادر وليست مما يجري على القياس. وهلك يهلك مثال: شرك يشرك لغة فيه. قوله:
((الحكمة) المراد بها القرآن، والله أعلم. كما جاء في حديث أبي هريرة: ((لا حسد إلاَّ في
اثنتين: رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل والنهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو يهلكه)).
وفي رواية: ((ينفقه في الحق)). وفي مسلم نحوه من حديث ابن عمر، رضي الله عنهما.
بيان الإعراب: قوله: ((لا حسد))، كلمة: لا، لنفي الجنس، و: حسد، اسمه مبني على
الفتح، وخبره محذوف أي: لا حسد جائز، أو صالح، أو نحو ذلك. قوله: ((رجل))، يجوز فيه
الأوجه الثلاثة من الإعراب: الرفع على تقدير إحدى الاثنين خصلة رجل، فلما حذف
المضاف اكتسى المضاف إليه إعرابه. والنصب على إضمار: أعني رجلاً، وهي رواية ابن
ماجه. والجر على أنه بدل من اثنين. وأما على رواية اثنتين بالتاء فهو بدل أيضاً على تقدير
i
ـة جـ مـ

٨٦
٣٠ - كتاب العلم / باب (١٥)
حذف المضاف أي خصلة رجل لأن الاثنتين معناه خصلتين، على ما يجيء. قوله: «آتاه الله
مالاً) جملة من الفعل والفاعل، والمفعولين أحدهما الضمير المنصوب والآخر: مالاً، وهي في
محل الرفع أو الجر أو النصب على تقدير إعراب الرجل، لأنها وقعت صفته. قوله: ((فسلط))
على صيغة المجهول، وهي رواية أبي ذر، ورواية الباقين، فسلطه عطفاً على: آتاه. وعبر
بالتسليط لدلالته على قهر النفس المجبولة على الشح. قوله: ((ورجل)) عطف على رجل
الأول، وإعرابه في الأوجه كإعرابه. قوله: (آتاه الله الحكمة)) مثل: ((آتاه الله مالاً)). قوله: ((فهو
يقضي بها)) جملة من المبتدأ والخبر عطف على ما قبلها.
بيان المعاني: قوله: ((لا حسد إلا في اثنتين)) أي: لا حسد في شيء إلاَّ في اثنتين،
أي: في خصلتين، وكذا هو في معظم الروايات بالتاء. ويروى: ((إلا في اثنين))، أي: شيئين.
فإن قلت: الحسد موجود في الحاسد لا في اثنتين، فما معنى هذا الكلام؟ قلت: المعنى لا
حسد للرجل إلا في شأن اثنتين، لا يقال: قد يكون الحسد في غيرهما فكيف يصح الحصر؟
لأنا نقول: المراد لا حسد جائز في شيء من الأشياء إلاّ في اثنتين، أو المعنى: لا رخصة في
الحسد في شيء إلاّ في اثنتين. فإن قلت: ما في هذين الاثنين غبطة، وهو غير الحسد،
فكيف يقال: لا حسد؟ قلت: أطلق الحسد وأراد الغبطة، من قبيل إطلاق اسم المسبب على
السبب. وقال الخطابي: معنى الحسد ههنا شدة الحرص والرغبة، كنى بالحسد عنهما،
لأنهما سببه والداعي إليه، ولهذا سماه البخاري اغتباطاً.
وقد جاء في بعض طرق هذا الحديث ما يبين ذلك، فقال فيه: ((ليتني أوتيت مثل ما
أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل)). ذكره البخاري في (فضائل القرآن) في: باب اغتباط صاحب
القرآن، من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، فلم يتمن السلب، وإنما تمنى أن يكون مثله. وقد
تمنى ذلك الصالحون والأخيار، وفيه قول بأنه تخصيص لإباحة نوع من الحسد. وإخراج له
عن جملة ما حظر منه كما رخصٍ في نوع من الكذب. وإن كانت جملته محظورة، فالمعنى
لا إباحة في شيء من الحسد إلاَّ فيما كان هذا سبيله، أي: لا حسد محمود إلاَّ هذا، وقيل:
إنه استثناء منقطع بمعنى: لكن في اثنتين، وقال الكرماني: ويحتمل أن يكون من قبيل قوله
تعالى: ﴿لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى﴾ [الدخان: ٥٦] أي: لا حسد إلاَّ في
هذين الاثنين، وفيهما: لا حسد أيضاً، فلا حسد أصلاً. قلت: المعنى في الآية: ((لا يذوقون
فيها الموت البتة))، فوقع قوله: ((إلاَّ الموتة الأولى))، موقع ذلك، لأن الموتة الماضية محال
ذوقها في المستقبل، فهو من باب التعليق بالمحال، كأنه قيل: إن كانت الموتة الأولى
يستقيم ذوقها في المستقبل، فإنهم يذوقونها في المستقبل، ولا يتأتى هذا المعنى في قوله:
((لا حسد إلا في اثنين))، فكيف يكون من قبيل الآية المذكورة، وفي الآية جميع الموت
منفي. بخلاف الحسد، فإن جميعه ليس بمنفي، فإن الحسد في الخيرات ممدوح، ولهذا
نكر الحاسد في قوله تعالى: ﴿ومن شر حاسد إذا حسد﴾ [الفلق: ٥] لأن كل حاسد لا
يضر. قال أبو تمام:
،بهو

٨٧
٣ - كتاب العلم / باب (١٦)
وما حاسد في المكرمات بحاسد
وكذلك نكر الغاسق، لأن كل غاسق لا يكون فيه الشر، وإنما يكون في بعض دون
بعض، بخلاف النفاثات، فإنه عرف، لأن كل نفاثة شريرة. قوله: (مالاً))، إنما نكره وعرف
الحكمة، لأن المراد من الحكمة معرفة الأشياء التي جاء الشرع بها، يعني الشريعة، فأراد
التعريف بلام العهد، أو المراد منه القرآن كما ذكرنا، فاللام للعهد أيضاً بخلاف المال، فلهذا
دخل صاحبه بأي قدر من المال أهلكه في الحق تحت هذا الحكم. قوله: ((فسلط على
هلكته)، في هذه العبارة مبالغتان: إحداهما: التسليط فإنه يدل على الغلبة وقهر النفس
المجبولة على الشح البالغ، والأخرى: لفظ: على هلكته، فإنه يدل على أنه لا يبقي من المال
شيئاً، ولما أوهم اللفظان التبذير، وهو صرف المال فيما لا ينبغي، ذكر قوله: ((في الحق))،
دفعاً لذلك الوهم. وكذا القرينة الأخرى اشتملت على مبالغتين إحداهما: الحكمة، فإنها تدل
على علم دقيق محكم. والأخرى: القضاء بين الناس وتعليمهم، فإنها من خلافة النبوة، ثم
إن لفظ الحكمة إشارة إلى الكمال العلمي ويفضي إلى الكمال العملي، وبكليهما إلى
التكميل. والفضيلة إما داخلية، وإما خارجية. وأصل الفضائل الداخلية العلم، وأصل الفضائل
الخارجية المال. ثم الفضائل، إمّا تامة، وإمَّا فوق التامة، والأخرى أفضل من الأولى لأنها
كاملة متعدية، وهذه قاصرة غير متعدية.
i
وقال الخطابي: ومعنى الحديث الترغيب في طلب العلم وتعلمه والتصدق بالمال،
وقيل: إنه تخصيص لإباحة نوع من الحسد، کما رخص في نوع من الكذب. قال
... (إن الكذب لا يحل إلا في ثلاث)) الحديث. والحسد على ثلاثة أضرب: محرم ومباح
ومحمود، فالمحرم: تمني زوال النعمة المحسود عليها عن صاحبها وانتقالها إلى الحاسد.
وأما القسمان الآخران فغبطة، وهو أن يتمنى ما يراه من خير بأحدٍ أن يكون له مثله، فإن كانت
في أمور الدنيا فمباح، وإن كانت من الطاعات فمحمود. قال النووي: الأول حرام بالإجماع.
وقال بعض الفضلاء: إذا أنعم الله تعالى على أخيك نعمة، فكرهتها وأحببت زوالها، فهو حرام
بكل حال، إلاّ نعمة أصابها كافر أو فاجر، أو من يستعين بها على فتنة أو فساد.
i
i
وقال ابن بطال: وفيه من الفقه أن الغني إذا قام بشروط المال، وفعل ما يرضي ربه
تبارك وتعالى فهو أفضل من الفقير الذي لا يقدر على مثل هذا، والله أعلم.
١٦ - باب ما ذُكِرَ فِي ذَهابٍ مُوسَى صَلَّى الله عَلَيْهِ وسلم
فِي البخرِ إِلى الخضِرِ
i
i
i
i
الكلام فيه على أنواع:
i
الأول: أن التقدير: هذا باب في ما ذكر ... إلى آخره، وارتفاع: باب، على أنه خبر
مبتدأ محذوف، وهو مضاف إلى ما بعده: والذهاب، الفتح مصدر ذهب. قال الصغاني:
٠٠٠

٨٨
« ایواء
٢٥,٠٠
٠١٠٣٧
٣ - كتاب العلم / باب (١٦)
وذهب مر ذاهباً ومذهباً وذهوباً. وذهب مذهباً حسناً.
الثاني: وجه المناسبة بين البابين أن المذكور في الباب الأول هو الاغتباط في العلم،
وهذا الباب في الترغيب في احتمال المشقة في طلب العلم، وما يغتبط فيه يتحمل فيه
المشقة، ووجه آخر وهو: أن المغتبط شأنه الاغتباط، وإن بلغ المحل الأعلى من كل
الفضائل. وهذا الباب فيه أن موسى، عليه الصلاة والسلام، لم يمنعه بلوغه من السيادة المحل
الأعلى من طلب الفضيلة والكمال حتى قاسى تعب البر وركوب البحر.
الثالث: أن هذا التركيب يفيد أن موسى، عليه الصلاة والسلام، ركب البحر لما توجه
في طلب الخضر، مع أن الذي ثبت عند البخاري وغيره أنه خرج إلى البر، وإنما ركب البحر
في السفينة هو والخضر بعد أن التقيا، ويمكن أن يوجه هذا بتوجيهين: أحدهما: أن المقصود
من الذهاب إنما حصل بتمام القصة، ومن تمامها أنه ركب مع الخضر البحر. فأطلق على
جميعها ذهاباً مجازاً من قبيل إطلاق اسم الكل على البعض، أو من قبيل تسمية السبب باسم
ما تسبب عنه. الآخر: أن الظرف، وهو قوله: في البحر، في قوله: ((وكان يتبع أثر الحوت في
البحر)، يحتمل أن يكون لموسى، ويحتمل أن يكون للحوت، وإذا كان كذلك فلعله قوى
عنده أحد الاحتمالين بما روى عبد بن حميد عن أبي الغالية: أن موسى، عليه الصلاة
والسلام، التقى بالخضر في جزيرة من جزائر البحر. انتهى. والتوصل إلى جزيرة في البحر لا
يقع إلاّ بسلوك البحر، وبما رواه أيضاً من طريق الربيع بن أنس قال: انجاب الماء عن مسلك
الحوت، فصار طاقة مفتوحة، فدخلها موسى، عليه الصلاة والسلام، على أثر الحوت حتى
انتهى إلى الخضر، فهذان الأثران الموقوفان برجال ثقات يوضحان أنه ركب البحر إليه. وعن
هذا قال ابن رشيد: يحتمل أن يكون ثبت عند البخاري أن موسى، عليه الصلاة والسلام،
توجه في البحر لما طلب الخضر، وحمل ابن المنير كلمة: إلى، بمعنى: مع، يعني: مع
الخضر، وقال بعضهم: يحمل قوله: إلى الخضر، على أن فيه حذفاً، أي: إلى قصد الخضر،
لأن موسى، عليه الصلاة والسلام، لم يركب البحر لحاجة نفسه، وإنما ركبه تبعاً للخضر.
قلت: هذا لا يقع جواباً عن الإشكال المذكور، وإنما هو كلام طائح، ولا يخفى ذلك.
الرابع: أن موسى عليه السلام هو ابن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب
ابن إسحاق بن إبراهيم، عليه السلام، ولد وعُمر عمران سبعون سنة، وعمر عمران مائة وسبعاً
وثلاثين سنة، وعمر موسى، عليه السلام، مائة وعشرين سنة. وقال الفربري: مات موسى
وعمره مائة وستون سنة، وكانت وفاته في التيه في سابع آذار لمضي ألف سنة وستمائة
وعشرين سنة من الطوفان في أيام منوجهر الملك، وكان عمره لما خرج ببني إسرائيل من
مصر ثمانين سنة، وأقام بالتيه أربعين سنة. ولما مات الريان بن الوليد الذي ولّى يوسف على
خزائن مصر، وأسلم على يديه ملك بعده قابوس بن مصعب، فدعاه يوسف إلى الإسلام فأبى،
وكان جباراً، وقبض الله يوسف، عليه السلام، وطال ملكه. ثم هلك وملك بعده أخوه الوليد
بن مصعب بن ريان بن أراشة بن شروان بن عمرو بن فاران بن عملاق بن لاوذ بن سام بن

٨٩
٣ - كتاب العلم / باب (١٦)
نوح، عليه السلام، وكان أعتى من قابوس، وامتدت أيام ملكه حتى كان فرعون موسى عليه
السلام الذي بعثه الله إليه، ولم يكن في الفراعنة أعتى منه ولا أطول عمراً في الملك منه،
عاش أربع مائة سنة. وموسى معرب: موشى، بالشين المعجمة، سمته به آسية بنت مزاحم امرأة
فرعون لما وجدوه في التابوت، وهو اسم اقتضاه حاله، لأنه وجد بين الماء والشجر. فمو،
بلغة القبط الماء، و: شى، الشجر فعرب فقيل: موسى، وقال الصغاني: هو عبراني عرب،
وقال أبو عمرو بن العلاء: موسى اسم رجل، وزنه مفعل، فعلى هذا يكون مصروفاً في النكرة.
وقال الكسائي: وزنه: فعلی، وهو لا ينصرف بحال. قلت: إن كان عربياً يكون اشتقاقه من
الموس، وهو حلق الشعر، فالميم أصلية. ويقال من: أوسيت رأسه، إذا حلقته بالموسى، فعلى
هذا: الميم، زائدة. وقال ابن فارس: النسبة إليه موسي، وذلك لأن الياء فيه زائدة، كذا قال
الكسائي، وقال ابن السكيت في كتاب (التصغير): تصغير اسم رجل مويسي، كأن موسى
فعلى. وإن شئت قلت: مويسى، بكسر السين، وإسكان الياء غير منونة. ويقال في النكرة: هذا
مويسى ومويس آخر، فلم تصرف الأول لأنه أعجمي معرفة، وصرفت الثاني لأنه نكرة.
وموسى في هذا التصغير مفعل. قال: فأما موسى الحديدة فتصغيرها: مويسية، فمن قال: هذه
موسى ومويس، قال: وهي تذكر وتؤنث، وهي من الفعل: مفعل، والياء أصلية.
ومؤة
الخامس: البحر خلاف البر، قيل: سمي بذلك لعمقه واتساعه، والجمع أبحر وبحار
وبحور. وقال ابن السكيت: تصغير بحور وبحار أبيحر. ولا يجوز أن تصغر بحار على لفظها،
فتقول: بحير لأن ذلك مضارع الواحد فلا يكون بين تصغير الواحد وتصغير الجمع إلاَّ
التشديد، والعرب تنزل المشدد منزلة المخفف، والتركيب يدل على البسط والتوسع. واختلفوا
في البحرين في قوله تعالى: ﴿لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين﴾ [الكهف: ٦٠] فقيل: هو
ملتقى بحري فارس والروم. مما يلي المشرق. وقيل: طنجة. وقيل: أفريقية. وذكر السهيلي:
أنها بحر الأردن وبحر القلزم. وقيل: بحر المغرب وبحر الزقاق. قلت: بحر فارس ينبعث من
بحر الهند شمالاً بين مكران، وهي على فم بحر فارس من شرقيه، وبين عمان وهي على فم
بحر فارس من غربيه، وبحر الروم هو بحر أفريقية والشام، يمتد من عند البحر الأخضر إلى
المشرق، ويتصل بطرسوس، وبحر طنجة بينها وبين سبتة وغيرهما من بر العدوة من الأندلس.
وبحر أفريقية هو بحر طرابلس الغرب يمتد منها شرقاً حتى يتجاوز حدود أفريقية، وهو الذي
يتصل بإسكندرية، والكل يسمى بحر الروم. وإنما يضاف إلى البلاد عند الاتصال إليها، وبحر
القلزم يأخذ من القلزم، وهي بلدة للسودان على طرفه الشمال جنوباً بميله إلى المشرق، حتى
يصير عند القصير، وهي فرصة قوس، والأردن: بضم الهمزة وسكون الراء وضم الدال
المهملتين، وتشديد النون في آخرها، بلدة من بلاد الغور من الشام، ولا أعرف بحراً ينسب
إليها وإنما نسب إليها نهر كبير يسمى نهر الأردن، وهو نهر الغور، ويسمى الشريعة أيضاً،
وآخره ينتهي إلى البحيرة المنتنة، وهي بحيرة زغر. وبحر الزقاق بين طنجة وبر الأندلس، هناك
يسمى بحر الزقاق، وهو يضيق هناك و: وبحر الغرب: وهو البحر الأخضر، الذي لا يعرف إلاَّ
LIN
ريو

٩٠
٣ - كتاب العلم / باب (١٦)
ما يلي الغرب من أقاصي الحبشة إلى خلف بلاد الرومية، وهي بحيث لا يدرك آخرها، لأن
المراكب لا تجري فيها، وله خليج إلى الأندلس وطنجة.
السادس: الخضر، والكلام فيه على أنواع. الأول: في اسمه: فذكر ابن قتيبة في
(المعارف): عن وهب بن منبه أنه: بليا، بفتح الباء الموحدة وسكون اللام وبالياء آخر
الحروف. ويقال: إبليا، بزيادة الهمزة في أوله، وقيل اسمه: خضرون، ذكره أبو حاتم
السجستاني. وقيل: ارميا، وقيل: اسمه: اليسع قاله مقاتل، ويسمى بذلك لأن علمه وسع
ست سموات وست أرضين، ووهاه ابن الجوزي، واليسع اسم أعجمي ليس بمشتق. وقيل
اسمه: أحمد، حكاه القشيري، ووهاه ابن دحية، فإنه لم يسم أحد قبل نبينا، عليه السلام،
بذلك. وقيل: عامر، حكاه ابن دحية في كتابه (مرج البحرين)، والأول هو المشهور،
والخضر، بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمة، لقبه. ويجوز إسكان الضاد مع كسر الخاء
وفتحها كما في نظائره.
الثاني: في سبب تلقيبه بذلك: وهو ما جاء في الصحيح في كتاب الأنبياء، عليهم
الصلاة والسلام، قال: إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه
خضراء، والفروة وجه الأرض. وقيل: النبات المجتمع اليابس، وقيل: سمي به لأنه كان إذا
صلى اخضر ما حوله، قاله مجاهد. وقال الخطابي: إنما سمي به لحسنه وإشراق وجهه،
وكنيته أبو العباس. الثالث في نسبه: فقال ابن قتيبة: هو بليا بن ملكان، بفتح الميم وسكون
اللام، ابن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، عليه الصلاة والسلام. وقيل:
ضخرون بن عماييل بن الفتر بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم، عليه الصلاة والسلام. وقيل:
هو ابن حلقيا، وقيل: ابن قابيل بن آدم، وذكره أبو حاتم السجستاني. وقيل: إنه كان ابن
فرعون صاحب موسى ملك مصر. وهذا غريب جداً. قال ابن الجوزي: رواه محمد بن أيوب
عن أبي لهيعة وهما ضعيفان. وقيل: إنه ابن ملك، وهو أخو الياس، قاله السدي. وقيل: ابن
بعض من آمن بإبراهيم الخليل وهاجر معه، وروى الحافظ ابن عساكر عن سعيد بن المسيب
أنه قال: الخضر أمه رومية، وأبوه فارسي. وروى أيضاً بإسناده إلى الدارقطني: حدثنا محمد
ابن الفتح القلانسي، حدثنا العباس بن عبد اللَّه، حدثنا داود بن الجراح، حدثنا مقاتل بن
سليمان عن الضحاك عن ابن عباس قال: الخضر ابن آدم لصلبه، ونسىء له في أجله حتى
يكذّب الدجال، وهذا منقطع غريب. وقال الطبري: قيل: إنه الرابع من أولاده، وقيل: إنه من
ولد عيصوا، حكاه ابن دحية. وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه من سبط
هارون، وكذا قال ابن إسحاق. وقال عبد الله بن مؤدب: إنه من ولد فارس. وقال بعض أهل
الكتاب: إنه ابن خالة ذي القرنين.
الرابع. في أي وقت كان: قال الطبري: كان في أيام أفريدون، قال: وقيل: كان مقدمة
ذي القرنين الأكبر الذي كان أيام إبراهيم الخليل، عليه الصلاة والسلام، وذو القرنين عند قوم
هو أفريدون. ويقال: إنه كان وزير ذي القرنين، وإنه شرب من ماء الحياة. وذكر الثعلبي
٤٣٠٠

1005
٩١
٣ - كتاب العلم / باب (١٦)
اختلافاً أيضاً: هل كان في زمن إبراهيم، عليه السلام، أم بعده بقليل أم بكثير، وذكر بعضهم
أنه كان في زمن سليمان. عليه السلام. وأنه المراد بقوله: ﴿قال الذي عنده علم من
الكتاب﴾ [النمل: ٤٠] حكاه الداودي: ويقال: كان في زمن كستاسب بن لهراسب. قال
ابن جرير: والصحيح أنه كان مقدماً على زمن أفريدون حتى أدركه موسى، عليه السلام.
الخامس: هل كان ولياً أو نبياً؟ وبالأول جزم القشيري، واختلف أيضاً هل كان نبياً
مرسلاً أم لا؟ على قولين. وأغرب ما قيل: إنه من الملائكة. والصحيح أنه نبي، وجزم به
جماعة. وقال الثعلبي: هو نبي على جميع الأقوال معمر محجوب عن الأبصار، وصححه ابن
الجوزي أيضاً في كتابه، لقوله تعالى حكاية عنه: ﴿وما فعلته عن أمري﴾ [الكهف: ٨٢]
فدل على أنه نبي أوحي إليه، ولأنه كان أعلم من موسى في علم مخصوص، ويبعد أن يكون
ولي أعلم من نبي وإن كان يحتمل أن يكون أوحي إلى نبي في ذلك العصر يأمر الخضر
بذلك، ولأنه أقدم على قتل ذلك الغلام، وما ذلك إلاّ للوحي إليه في ذلك. لأن الولي لا
يجوز له الإقدام على قتل النفس بمجرد ما يلقى في خلده، لأن خاطره ليس بواجب العصمة.
السادس: في حياته: فالجمهور على أنه باق إلى يوم القيامة. قيل: لأنه دفن آدم بعد
خروجهم من الطوفان فنالته دعوة أبيه آدم بطول الحياة. وقيل: لأنه شرب من عين الحياة.
وقال ابن الصلاح: هو حي عند جماهير العلماء والصالحين والعامة معهم في ذلك، وإنما شذ
بإنكاره بعض المحدثين، ونقله النووي عن الأكثرين. وقيل: إنه لا يموت إلاّ في آخر الزمان
حتى يرتفع القرآن. وفي (صحيح مسلم)، في حديث الدجال: أنه يقتل رجلاً ثم يحييه. قال
إبراهيم بن سفيان، راوي كتاب مسلم: يقال له: إنه الخضر، وكذلك قال معمر في مسنده،
وأنكر حياته جماعة منهم البخاري وإبراهيم الحربي وابن المناوي وابن الجوزي. فإن قيل:
خضر علم، فكيف دخل عليه آلة التعريف؟ قيل له: قد يتأول العلم بواحد من الأمة المساوية،
فيجري مجرى رجل وفرس، فيجري على إضافته وعلى إدخال اللام عليه، ثم بعض الأعلام
دخول لام التعريف عليه لازم نحو: النجم والثريا، وبعضها غير لازم نحو: الحارث والخضر
من هذا القسم. قلت: العلم إذا لوحظ فيه معنى الوصف يجوز إدخال اللام عليه، كالعباس
والحسن، وغيرهما.
وقولِهِ تعالَى ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِى مِمّا عُلِّمْتَ رُشدًا﴾ [الكهف: ٦٦]
وقوله، مجرور عطفاً على المضاف إليه في قوله: باب ما ذكر ... الخ وهذا أيضاً من
الترجمة. وأشار بهذه الترجمة إلى شرف العلم حتى جازت المخاطرة في طلبه بركوب البحر،
وركبه الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، في طلبه بخلاف ركوب البحر في طلب الدنيا، فإنه
يكره عند جماعة، وإلى اتباع العلماء لأجل تحصيل العلوم التي لا توجد إلاَّ عندهم. قوله:
((هل أتبعك)) حكاية عن خطاب موسى الخضر، عليهما الصلاة والسلام، سأله أن يعلمه من
العلم الذي عنده، مما لم يقف عليه موسى، وكان له ذلك ابتلاء حيث لم يكل العلم إلى
جدة
١ .
P
i
i

٩٢
٣ - كتاب العلم / باب (١٦)
الله تعالى. قوله: ((الآية)) بالنصب على تقدير: تذكر الآية، ويجوز الرفع على أن يكون مبتدأ
محذوف الخبر، أي: الآية بتمامها. وذكر الأصيلي في روايته باقي الآية، وهو قوله: ﴿مما
علمت رشداً﴾ [الكهف: ٦٦] .
٧٤/١٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ غُرَيْرِ الزُّهْرِيُّ قال: حدّثنا يَعْقُوبُ بنُ إِبراهِيمَ قال: حدّثنی
أبي عنْ صالِحِ عنِ ابنِ شِهابٍ حَدَّثَ أنّ عُبَيْدَ اللَّه بنَ عَبْدِ اللَّه أَخْبَرَهُ عن ابنٍ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَارَى
هوَ والِحُرُّ بنُ قَيْسٍٍ بنِ حِصْنِ الفَزَارِيُّ في صاحِبٍ مُوسَى، قال ابنُ عَبَّاسٍ: هُوَ خَضِرٌ، فَمَرَّ
بِهِما أَتَيُّ بنُ كَغْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقال: إِنِّي تَارَيْتُ أنا وصاحِبِي هَذَا في صاحِبٍ مُوسَى
الَّذِي سأل مُوسَى السَّبِيلَ إِلى لُقيّهِ، هلْ سَمِعْتَ النبيُّ عَّلْ يَذْكُرُ شأَنَهُ؟ قال: نَعمْ! سَمِعْتُ
رسولَ الله عَّهِ يَقُولُ: ((بَيْتَمَا مُوسَى في مَلٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ جَاءَهُ رَمجُلٌ فَقالٍ: هلْ تَعْلَمُ أَحَداً
أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قال: مُوسَى: لاَ فَاؤْحَى الله إلى مُوسَى: بَلَى! عَبْدُنا خَضِرٌ. فسأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ
إِلَيْهِ، فَجَعَلَ الله لَهُ الحُوتَ آيَةً، وقِيلَ لَهُ: إذا فَقَدْتَ الحُوتَ فَارْجِعْ فإِنّكَ سَتَلْقَاهُ، وكانَ يَتَّبِعُ
أَثَرَ الحُوتِ فِي البَخْرِ، فَقال لِمُوسَى فَتَاهُ ﴿أَرَّأَيْتَ إِذْ أَوْنَا إِلى الصَّخْرَةِ فَإِنّي نَسِيتُ الحُوتَ
ومَا أَنْسَانِيهُ إِلَّ الشَّيْطانُ أنْ أَذْكُرَهُ، قال: ذَلكَ ما كُنَّا نَبْغَى فَارْتَدَّا عَلَى آثارِهِما قَصَصاً﴾
[الكهف: ٦٤،٦٣] فَوَجَدا خَضِراً فكانَ منْ شَأْنِهما الَّذِي قَصَّ الله عَز وجلَّ في كتَابِهِ)).
[الحديث ٧٤ - أطرافه في: ٧٨، ١٢٢، ٢٢٦٧، ٢٧٢٨، ٣٢٧٨، ٣٤٠٠، ٣٤٠١،
٤٧٢٥، ٤٧٢٦، ٤٧٢٧، ٦٦٧٢، ٧٤٧٨].
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة لأنها في ذهاب موسى، عليه السلام، إلى الخضر
وركوبه البحر وسؤاله منه الاتباع لأجل التعلم، والحديث يبين ذلك كله.
بيان رجاله: وهم تسعة: الأول: محمد بن غرير، بغين معجمة مضمومة وراء مكررة
بينهما ياء آخر الحروف ساكنة، ابن الوليد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أبو عبد اللَّه،
القرشي الزهري المدني، نزيل سمرقند، يعرف بالفربري، روى عن يعقوب بن إبراهيم ومطرف
ابن عبد اللَّه النيسابوري، روى عنه البخاري وأبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر الترمذي،
وعبد الله بن شبيب المكي. قال الكلاباذي: أخرج ه البخاري في (الكتاب) في ثلاثة مواضع
هنا، وفي (الزكاة)، وفي (بني إسرائيل). وليس في الكتب الستة من اسمه على هذا المثال
وهو من الأفراد. الثاني: يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، أبو
یوسف القرشي المدني الزهري، ساکن بغداد، روی عن أبيه وغيره، وروى عنه أحمد ویحیی
بن معين وعلي بن المديني وإسحاق ومحمد بن يحيى الذهلي. وقال ابن سعد: كان ثقة
مأموناً ولم يزل ببغداد، ثم خرج إلى الحسن بن سهل بفم الصلح، فلم يزل معه حتى توفي
هناك في شوال سنة ثمان ومائتين. قلت: فم الصلح، بفتح الفاء وتخفيف الميم وكسر الصاد
المهملة وسكون اللام وفي آخره حاء مهملة، وهي بلدة على دجلة قريبة من واسط. وقيل:
هو نهر ميسان. الثالث: أبوه، أعني أبا يعقوب بن إبراهيم المذكور، وهو إبراهيم بن سعد بن
إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وهو من جملة شيوخ الشافعي، رحمه الله. وقد مر ذكره
/١٩٠
1

٩٣
٣ - كتاب العلم / باب (١٦)
في: باب تفاضل أهل الإيمان. الرابع: صالح بن كيسان التابعي، تقدم ذكره في آخر قصة
هرقل، توفي وهو ابن مائة ونيف وستين سنة، ابتدأ بالتعلم وهو ابن تسعين سنة. الخامس:
محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، تقدم غير مرة. السادس: عبيد بن عبد اللَّه، بتصغير الابن
وتكبير الأب، ابن عيينة بن مسعود، أحد الفقهاء السبعة. وقد مر ذكره. السابع: عبد اللَّه بن
عباس، رضي الله تعالى عنهما. الثامن: الحر، بضم الحاء المهملة وتشديد الراء، ابن قيس،
بفتح القاف وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره سين مهملة، ابن حصن بكسر الحاء
وسكون الصاد المهملتين، ابن حذيفة بن بدر الفزاري، بفتح الفاء والزاي، نسبة إلى فزارة بن
شيبان بن بغيض بن ريث بن غطفان، وهو ابن أخي عيينة بن حصن، كان أحد الوفد الذين
قدموا على النبي عَ له مرجعه من تبوك، وكان من جلساء عمر، رضي الله عنه. التاسع: أبي
ابن كعب بن المنذر الأنصاري، أقرأ هذه الأمة، شهد العقبة وبدراً، وكان عمر، رضي الله عنه
يقول: أبي سيد المسلمين. روي له عن رسول عَّ له مائة وأربعة وستون حديثاً، اتفقا منها على
ثلاثة أحاديث، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بسبعة. مات سنة تسع عشرة، وقيل: عشرين،
وقيل: ثلاثين بالمدينة، روى له الجماعة.
بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة. ومنها: أن فيه رواية
صحابي عن صحابي. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض. ومنها: أن فيه
أربعة زهريين، وهم: محمد بن غرير، ويعقوب، وأبوه إبراهيم، وابن شهاب. ومنها: أنه ستة
منهم مدنيون، وهم الرواة إلى ابن عباس، رضي الله عنهما. ومنها: أنه قال عن ابن شهاب:
حدث، وبعده قال: أخبره إن لوحظ الفرق بأن التحديث عند قراءة الشيخ، والإخبار عند
القراءة على الشيخ، فذاك. وإلاَّ فتغيير العبارة للتفنن في الكلام، و: حدث، بغير هاء رواية
الكشميهني، وفي رواية غيره: حدثه، بالهاء. وبغير الهاء أيضاً محمول على السماع، لأن
صالحاً غير مدلس. وقوله: حدثنا محمد بن غرير، هكذا بصيغة الجمع في رواية الأكثرين،
وفي رواية الأصيلي حدثني: بصيغة الإفراد.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري في مواضع فوق العشرة، هنا كما
ترى، وفي (أحاديث الأنبياء)، عليهم الصلاة والسلام، عن عمرو بن محمد، وفي (العلم) أيضاً
عن خالد بن خلي عن محمد بن حرب، وفي (التوحيد) عن عبد الله بن محمد عن أبي
عمر، وكلاهما عن الزهري به، وفي (أحاديث الأنبياء) أيضاً عن علي بن المديني، وفي (النذور
والتفسير) عن الحميدي، وفي التفسير أيضاً عن قتيبة، وفي (العلم) أيضاً عن عبد اللَّه بن
محمد عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مختصراً.
وفي (التفسير والإجارة والشروط) عن إبراهيم بن موسى عن هشام بن يوسف عن ابن جريج
عن يعلى بن مسلم، وعمرو بن دينار عن سعيد به. وأخرجه مسلم في (أحاديث الأنبياء) عن
حرملة عن ابن وهب عن يونس عن الزهري به، وعن عمرو بن محمد الناقد وابن راهويه
وعبيد اللَّه بن سعيد وابن أبي عمر عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن جبير وعن الناقد
i
٠٠.
i
i

٩٤
٣ - كتاب العلم / باب (١٦)
أيضاً، وهو محمد بن عبد الأعلى عن معتمر عن أبيه عن رقية عن أبي إسحاق عن ابن جبير
به، وعن عبد اللَّه بن عبد الرحمن الدارمي عن محمد بن يوسف وعن عبد بن حميد عن
عبيد اللَّه بن موسى، كلاهما عن إسرائيل عن أبي إسحاق به. وأخرجه الترمذي في (التفسير)
عن محمد بن يحيى بن أبي عمر به، وقال: حسن صحيح، وعن محمد بن عبد الأعلى به.
وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة به، وعن محمد بن عبد الأعلى وعن عمران بن يزيد عن
إسماعيل بن عبد اللَّه بن سماعة عن الأوزاعي به، وفي (العلم) عن أبي الحسين أحمد بن
سليمان الرهاوي عن عبيد اللَّه بن موسى.
بيان اللغات: قوله: ((تماريت)) أي: تجادلت، من التماري وهو: التجادل والتنازع، وهو
بمعنى: ماريت، لأن باب المفاعلة لمشاركة اثنين، وباب التفاعل لأكثر منهما. يقال: ماريت
الرجل أماريه مراء أي: جادلته، ومادته: الميم والراء والياء آخر الحروف. قوله: ((لقيه))، بضم
اللام وكسر القاف وتشديد الياء آخر الحروف، مصدر بمعنى اللقاء. يقال: لقيته لقاء، بالمد،
ولقى، بالضم، والقصر، ولقيا بالتشديد، ولقياناً ولقيانة واحد، ولقية واحدة، ولقاة واحدة. ولا
تقل: لقاة، بالفتح فإنها مولدة وليست من كلام العرب، وهذه سبع مصادر. قوله: ((شأنه)) أي
قصته. قوله: ((في ملأً)) بالقصر، هي الجماعة قاله عياض. وقال غيره: الملأ الأشراف. وفي
(العباب): الملأ بالتحريك الجماعة، والملأ أيضاً: الخلق. ويقال: ما أحسن ملاء بني فلان،
أي: عشرتهم وأخلاقهم. والجمع: وأملاء. والملأ أيضاً الأشراف. قوله: ((من بني إسرائيل)) هم
أولاد يعقوب، عليه الصلاة والسلام، لأن إسرائيل هو اسم يعقوب، وأولاده إثنا عشر نفساً
وهم: يوسف وبنيامين وداني ويفتالي وزابلون وجاد ويستاخر وأشير وروبيل ويهوذا وشمعون
ولاوي، وهم الذين سماهم الأسباط، وسموا بذلك لأن كل واحد منهم والد قبيلة، والأسباط
في كلام العرب الشجر الملتف الكثير الأغصان، والأسباط من بني إسرائيل كالشعوب من
العجم، والقبائل من العرب، وجميع بني إسرائيل من هؤلاء المذكورين.
قوله: ((الحوت)) السمكة، والجمع: الحيتان والأحوات والحوتة. وقوله: ((آية)) علامة.
قوله: ((وكان يتبع أثر الحوت)) أي: ينتظر فقدانه. قوله: ((فتاه)) أي: صاحبه، وهو يوشع بن
نون، وإنما قال: فتاه، لأنه كان يخدمه ويتبعه. وقيل: كان يأخذ العلم عنه. قلت: يوشع بن
نون بن الیشامع ابن عم يهوذا ابن بارص بن بعدان بن ناخر بن تالخ بن راشف بن راقخ بن
بريعا بن افراثيم بن يوسف بن يعقوب، عليهم الصلاة والسلام، ويوشع، بضم الياء آخر
الحروف وفتح الشين المعجمة. ونون مصروف كنوح. قوله: ((إذ أوينا)) بالقصر من: أوى فلان
إلى منزله يأوي أوياً. قوله: ((إلى الصخرة))، هي التي دون نهر الزيت بالمغرب، قاله
الزمخشري. والصخرة في اللغة الحجر الكبير، والجمع: صخر وصخر وصخور وصخورة
وصخرات. قوله: ((نبغي) أي: نطلب، من: بغيت الشيء طلبته. قوله: ((فارتدا)) أي: رجعا.
((على آثارهما))، هو جمع أثر، بفتح الهمزة وفتح الثاء المثلثة، وأثر الشيء ما شخص منه.
قوله: ((قصصا)) من قص أثره يقص قصاً وقصصاً أي: تتبعه. قال الله تعالى: ﴿وقالت لأخته

٩٥
٣ - كتاب العلم / باب (١٦)
قصيه﴾ [القصص: ١١] أي: تتبعي أثره. وقال الصغاني: قال تعالى: ﴿فارتدا على آثارهما
قصصاً﴾ [الكهف: ٦٤] أي: رجعا من الطريق الذي سلكاه يقصان الأثر.
بيان الإعراب: قوله: ((تمارى هو)، أي: ابن عباس، وأتى بضمير الفصل لأنه لا يعطف
على الضمير المرفوع المتصل إلا إذا أكد بالمنفصل. فقوله: ((والحر بن قيس))، عطف على
الضمير الذي في: تمارى، وحسن ذلك تأكيده بقوله: هو، لأنه بدونه يوهم عطف الاسم على
الفعل. قوله: ((في صاحب موسى))، يتعلق بقوله: ((تمارى)). قوله: ((هو خضر)) جملة اسمية
وقعت مقول القول. قوله: (تماريت أنا وصاحبي))، مثل: تمارى هو والحر بن قيس، حيث أكد
المعطوف عليه بالضمير المفصل لتحسين العطف، ويجوز أن ينتصب على أن يكون مفعولاً
معه. وأراد بقوله: ((صاحبي)، هو: الحر بن قيس. قوله: ((هل سمعت؟)) استفهم به ابن عباس
عن أبي بن كعب، رضي الله عنهم. قوله: ((يذكر شأنه)) جملة حالية. قوله: ((يقول)) أيضاً
جملة حالية. قوله: ((بينما))، قد مر غير مرة أن أصله: بين، زيدت فيه: ما. والفصيح في جوابه
ترك إذا وإذا وجوابه: هو قوله: ((جاءه رجل))، وفي بعض الروايات: ((إذ جاءه رجل)). قوله:
((أعلم) بالنصب لأنه صفة أحداً. قوله: ((بل عبدنا خضر))، أي: هو أعلم، هكذا هو في أكثر
الروايات. وفي رواية الكشميهني: ((بلى عبدنا خضر)، و: بل، للإضراب، وهو من حروف
العطف. فإن قلت: ما المعطوف عليه المضروب عنه؟ قلت: مقدر تقديره: أوحى الله إليه لا
تقل ((لا)) بل عبدنا خضر. أي قل: الأعلم عبدك خضر.
فإن قلت: فعلى هذا كان ينبغي أن يقول: بل عبد اللَّه، أو عبدك. قلت: ورد على
طريقة الحكاية عن قول الله تعالى. قوله: ((فسأل موسى)) أي: سأل موسى الله تعالى عن
السبيل إلى خضر. و: الفاء، في: فجعل، للتعقيب. قلت: ((له)) أي لأجله. و: الحوت وآية،
منصوبان على أنهما مفعولا جعل. قوله: ((فتاه)) فاعل فقال. قوله: ((أرأيت)) أي: أخبرني، وهو
مقول القول. قوله: (إذ)) بمعنى حين، وهنا حذف تقديره أرأيت ما دهاني: ﴿إِذ أوينا إلى
الصخرة﴾ [الكهف: ٦٣]. قوله: ((فإني))، الفاء فيه تفسيرية، يفسر بها ما دهاه من نسيان
الحوت حين أويا إلى الصخرة. قوله: ((وما أنسانيه)) أي: أنساني ذكره إلاَّ الشيطان. قوله: ((أن
أذكره))، بدل من الهاء في: أنسانيه. قوله: ((ذلك))، في محل الرفع على الابتداء. وقوله: ((ما
كنا نبغي)). خبره. وكلمة: ما، موصولة. وقوله: ((كنا نبغي)) صلتها، أي: ذلك الذي كنا
نطلب، والعائد إلى الموصول محذوف، أي: ما كنا نبغيه. ويجوز حذف الياء من نبغي
للتخفيف، وهكذا قرىء أيضاً في القرآن، وإثباتها أحسن، وهي قراءة أبي عمرو. قوله:
((قصص))، نصب على تقدير قصص. أعني النصب على المصدرية. قوله: (ما قص الله))، في
محل الرفع لأنه اسم كان، وقوله: ((من شأنهما))، مقدماً خبره، وفي بعض الرواية: ((فكان من
شأنهما الذي قص الله)).
بيان المعانى: قوله: ((تمارى هو والحر بن قيس))، وكان لابن عباس فى هذه القصة
تماريان: تمار بينه وبين الحر بن قيس أهو الخضر أم غيره؟ وتمار بينه وبين نوف البكالي في
ـةجوة
i
i
٢٢٧٠
:w.5

٩٦
٣ - كتاب العلم / باب (١٦)
موسى، أهو موسى بن عمران الذي أنزلت عليه التوراة، أم موسى بن ميشا، بكسر الميم
وسكون الياء آخر الحروف بعدها شين معجمة؟ هكذا قاله الكرماني في التماري الثاني،
وليس كذلك، فإن هذا التماري كان بين سعيد بن جبير وبين البکالي على ما يجيء في
التفسير، وسياق سعيد بن جبير للحديث عن ابن عباس أتم من سياق عبيد اللَّه بن عبد الله
هذا بشيء كثير، وسيأتي مبيناً إن شاء الله تعالى. قوله: ((في صاحب موسى)) أي: الذي ذهب
موسى، عليه الصلاة والسلام، إليه. وقال له: هل أتبعك، لفتاه الذي كان رفيقه عند الذهاب.
قوله: ((فدعاه ابن عباس)) أي: فناداه. وقال ابن التين: فيه حذف تقديره: فقام إليه فسأله، لأن
المعروف عن ابن عباس التأدب مع من يأخذ عنه، وأخباره في ذلك مشهورة. قوله: ((فسأل
موسى السبيل إليه)) أي: قال: فادللني اللهم إليه. قوله: ((فقال: هل تعلم أحداً أعلم منك؟ قال
موسى: لا)). وجاء في كتاب التفسير وغيره: ((فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله
عليه إذ لم يرد العلم إليه))، وكذا جاء في مسلم وفيه أيضاً: ((بينا موسى عَ له في قومه
يذكرهم أيام الله، وأيام الله نعماؤه وبلاؤه، إذ قال: ما أعلم في الأرض رجلاً خيراً وأعلم مني،
فأوحى الله إليه أن في الأرض رجلاً هو أعلم منك)).
وقال المازري: أما على رواية من روى: هل تعلم أحداً أعلم منك؟ فقال: أنا، فلا
عتب عليه إذ أخبر عما يعلم. وأما على رواية: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا أعلم، أي فيما
يقتضيه شاهد الحال ودلالة النبوة، ويظهر لي أن موسى عَ ل كان من النبوة بالمكان الأرفع،
والعلم من أعظم المراتب، فقد يعتقد أنه أعلم الناس بهذه المرتبة، فإذا كان مراده بقوله: أنا
أعلم في اعتقادي، لم يكن خبره كذباً. وقيل: قول المازري: فلا عتب عليه، مردود بقوله
عليه السلام: ((فعتب الله عليه)). لكن ينبغي له أن لا ينفي العتب مطلقاً، بل عتب مخصوص.
وقال القاضي عياض: مراد موسى عَّله بقوله: أنا أعلم، أي: بوظائف النبوة وأمور الشريعة
وسياسة الأمر، والخضر أعلم منه بأمور أخر من علوم غيبية، كما ذكر من خبرهما، وكان
موسى عَّ أعلم على الجملة والعموم، مما لا يمكن جهل الأنبياء بشيء منه، والخضر أعلم
على الخصوص مما أعلم من الغيوب، وحوادث القدر مما لا يعلم الأنبياء منه إلاَّ ما أعلموا
من غيبه، ولهذا قال له الخضر: ((إنك على علم من علم الله علمك لا أعلمه، وأنا على علم
من علم الله علمنيه لا تعلمه)). ألا تراه لم يعرف موسى بني إسرائيل حتى عرفه بنفسه إذا لم
يعرف الله به؟ وهذا مثل قول نبينا محمد عَّله: (إني لا أعلم إلاّ ما علمني ربي)).
ومعنى قوله: (فعتب الله عليه)) أي: لم يرض قوله وآخذه به، وأصل العتب المؤاخذة.
يقال: منه عتب عليه، إذا واخذه وذكره له، فالمؤاخذة والعتب في حق الله محال، فمعنى
قوله: ((فعتب الله عليه)) لم يرض قوله شرعاً وديناً، وقد عتب الله عليه إذ لم يرد رد الملائكة:
﴿لا علم لنا إلاّ ما علمتنا﴾ [البقرة: ٣٢] وقيل: جاء هذا تنبيهاً لموسى عَ لمه وتعليماً لمن
بعده، ولئلا يقتدي به غيره في تزكية نفسه، والعجب بحاله فيهلك، وإنما ألجىء موسى
للخضر للتأديب لا للتعليم. قوله: ((فجعل الله له الحوت آية)) أي: علامة لمكان الخضر
قهوة .
١٧٥٠
..... ٤٥

٩٧
٣ - كتاب العلم / باب (١٧)
ولقائه، وذلك أنه لما قال موسى: أين أطلبه؟ قال الله له: على الساحل عند الصخرة. قال: يا
رب كيف لي به؟ قال: تأخذ حوتاً في مكتل، فحيث فقدته فهو هناك. فقيل: أخذ سمكة
مملوحة، قال لفتاه: إذا فقدت الحوت فأخبرني، وكان يمشي ويتبع أثر الحوت، أي ينتظر
فقدانه، فرقد موسى، صلى الله تعالى عليه وسلم، فاضطرب الحوت ووقع في البحر. قيل: إن
يوشع حمل الخبز والحوت في المكتل، فنزلا ليلة على شاطىء عين تسمى: عين الحياة،
فلما أصاب السمكة روح الماء وبرده، عاشت. وقيل: توضأ يوشع من تلك العين فانتضح
الماء على الحوت فعاش، ووقع في الماء. قوله: ((نسيت الحوت)) أي: نسيت تفقد أمره، وما
يكون منه مما جعل أمارة على الظفر بالطلبة من لقاء الخضر، عليه السلام. قوله: ((قال)): أي:
موسى عليه الصلاة والسلام، ذلك، أي: فقدان الحوت هو الذي كنا نبغي، أي: نطلب، لأنه
علامة وجدان المقصود. قوله: ((فارتدا)) أي: رجعا على آثارهما يقصان قصصاً، أي: يتبعان
آثارهما اتباعاً. قوله: ((من شأنهما)) أي: شأن الخضر وموسى، عليهما السلام، والذي قص الله
تعالى في كتابه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً﴾
[الكهف: ٦٦] إلى قوله: ﴿ويسألونك عن ذي القرنين﴾ [الكهف: ٨٣] .
بيان استنباط الأحكام: الأول: قال ابن بطال: فيه جواز التماري في العلم إذا كان كل
واحد يطلب الحق ولم يكن تعنتا. الثاني: فيه الرجوع إلى قول أهل العلم عند التنازع.
الثالث: فيه أنه يجب على العالم الرغبة في التزيد من العلم والحرص عليه، ولا يقنع بما
عنده: كما لم يكتف موسى عليه الصلاة والسلام بعلمه. الرابع: فيه وجوب التواضع، لأن الله
تعالى عاتب موسى عليه السلام حين لم يرد العلم إليه، وأراه من هو أعلم منه. قلت: يعني
في علم مخصوص. الخامس: فيه حمل الزاد وإعداده للسفر بخلاف قول الصوفية. السادس:
قول النووي فيه أنه لا بأس على العالم والفاضل أن يخدمه المفضول، ويقضي له حاجته، ولا
يكن هذا من أخذ العوض على تعليم العلم والآداب، بل من مروآت الأصحاب وحسن
العشرة، ودليله إتيان فتاه غداءهما. السابع: فيه الرحلة والسفر لطلب العلم براً وبحراً. الثامن:
فيه قبول خبر الواحد الصدوق، والله أعلم بالصواب.
١٧ - باب قول النَّبيِّ عَلِ:(اللَّهُمَّ عَلُمْهُ الكِتَابَ))
أي: هذا باب في قول النبي، عليه الصلاة والسلام، هذا لفظ الحديث، وضعه ترجمة
على صورة التعليق، ثم ذكره مسنداً، وهل يقال لمثله مرسل أم لا؟ فيه خلاف. فإن قلت: ما
أراد من وضع هذا ترجمة؟ قلت: أشار به إلى أن هذا لا يختص جوازه بابن عباس، رضي الله
عنهما. فإن قلت: ما وجه المناسبة بين البابين؟ قلت: من حيث إن من جملة المذكور في
الباب الأول غلبة ابن عباس على حر بن قيس في تماريهما في صاحب موسى، عليه السلام،
وذاك من كثرة علمه وغزارة فضله، وفي هذا الباب إشارة إلى أن علمه الغزير وفضيلته الكاملة
عمدة القاري/ج٧٥/٢
٠٠٠٠
مركثير

٩٨
٣ - كتاب العلم / باب (١٧)
ببركة دعاء النبي عَ حيث قال له: ((اللهم علمه الكتاب)). ووجه آخر: أن في الباب الأول
بيان استفادة موسى، عليه الصلاة والسلام، من الخضر من العلم الذي لم يكن عنده من ذلك
شيء، وفي هذا الباب بيان استفادة ابن عباس علم الكتاب من النبي عَ لَّه.
٧٥/١٧ - حدّثنا أبُو مَعْمَرٍ قال: حدّثنا عَبْدُ الوَارثِ قال: حدثنا خالِدٌ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ
ابنِ عَبَّاسٍ قال: ضَمَّني رسولُ الله عَّهِ وقال: ((اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتابَ)). [الحديث ٧٥ - أطرافه
في: ١٤٣، ٣٧٥٦، ٧٢٧٠].
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، بل هو عين الترجمة.
بيان رجاله: وهم خمسة: الأول: أبو معمر، بفتح الميمين: عبد الله بن عمرو بن أبي
الحجاج ميسرة، البصري المقعد، بضم الميم وفتح العين، المنقري الحافظ الحجة، سمع
عبد الوارث الدراوردي وغيرهما، روى عنه أبو حاتم الرازي والبخاري، وروى أبو داود
والترمذي والنسائي عن رجل عنه. قال يحيى بن معين: هو ثقة عاقل، وفي رواية: ثبت، وكان
يقول بالقدر، توفي سنة تسع وعشرين ومائتين. الثاني: عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان
التميمي العنبري أبو عبيدة البصري، روى عن أيوب السختياني وغيره، قال ابن سعد: كان ثقة
حجة. توفي بالبصرة في المحرم سنة ثمانين ومائة، روى له الجماعة. الثالث: خالد بن مهران
الحذاء، أبو المنازل، بضم الميم، كذا ذكره أبو الحسن، وقال عبد الغني: ما كان من منازل
فهو بضم الميم إلاّ يوسف بن منازل فإنه بفتح الميم. قال الباجي: قرأت على الشيخ أبي ذر،
يعني الهروي، في كتاب (الأسماء والكنى) لمسلم: خالد بن مهران أبو المنازل، بفتح الميم،
وكذا ذكره في سائر الباب، والضم أظهر. وقال محمد بن سعد: هو مولى لأبي عبد اللَّه
عامر بن كريز القرشي، ولم يكن بحذّاء إنما كان يجلس إليهم. يقال إنه ما حذا نعلاً قط، وإنما
كان يجلس إلى صديق له حذاء. وقيل: إنه كان يقول: أخذوا على هذا النحو، فلقب به.
تابعي، رأى أنس بن مالك، قال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال يحيى
وأحمد: ثقة، توفي سنة إحدى وأربعين ومائة، روى له الجماعة.
الرابع: عكرمة مولى عبد اللَّه بن عباس، أبو عبد اللَّه المدني. أصله من البربر من أهل
المغرب، سمع مولاه وعبد اللَّه بن عمر وخلقاً من الصحابة، وكان من العلماء في زمانه
بالعلم والقرآن، وعنه أيوب وخالد الحذاء وخلق، وتكلم فيه برأيه، رأي الخوارج، وأطلق نافع
وغيره عليه الكذب، وروى له مسلم مقروناً بطاوس وسعيد بن جبير، واعتمده البخاري في
أكثر ما يصح عنه من الروايات، وربما عيب عليه إخراج حديثه، ومات ابن عباس وعكرمة
مملوك فباعه علي ابنه من خالد بن معاوية بأربعة آلاف دينار، فقال له عكرمة: بعت علم
أبيك بأربعة آلاف دينار؟ فاستقاله فأقاله وأعتقه. وكان جوالاً في البلاد، ومات بالمدينة سنة
خمس، أو ست، أو سبع ومائة، ومات معه في ذلك اليوم كُثَيِّر الشاعر، فقيل: مات اليوم أفقه
الناس وأشعر الناس. وقيل: مات عكرمة سنة خمس عشرة ومائة، وقد بلغ ثمانين. واجتمع

٩٩
٣ - كتاب العلم / باب (١٧)
حفاظ ابن عباس على عكرمة، فيهم عطاء وطاوس وسعيد بن جبير فجعلوا يسألون عكرمة عن
حديث ابن عباس، فجعل يحدثهم. وسعيد كلما حدث بحديث وضع أصبعه الإبهام على
السبابة، أي سوى، حتى سألوه عن الحوت وقصة موسى، فقال عكرمة: كان يسايرهما في
ضحضاح من الماء، فقال سعيد: أشهد على ابن عباس أنه قال: يحملانه في مكتل، يعني
الزنبيل. قال أيوب: ورأيي، والله أعلم، أن ابن عباس حدث بالخبرين جميعاً. الخامس: عبد
اللَّه بن عباس.
بيان الأنساب: المنقري، بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف بعدها راء، نسبة إلى
منقر بن عبيد بن الحارث، وهو مقاعس بن عمرو بن كعب بن سعيد بن زيد مناة بن تميم.
قال ابن دريد: من نقرت عن الأمر: كشفت عنه. التميمي: في مضر ينسب إلى تميم بن مر
ابن أد بن طابخة بن الياس. العنبري، بفتح العين المهملة وسكون النون وفتح الباء الموحدة
بعدها راء، في تميم ينسب إلى العنبر بن عمرو بن تميم.
بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث، والعنعنة. ومنها: أن رواته بصريون خلا
عكرمة وابن عباس. وهما أيضاً سكنا البصرة مدة. ومنها: أن إسناده على شرط الأئمة الستة،
قاله بعض الشارحين. وفيه نظر. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه هنا عن أبي معمر، وأخرجه أيضاً في
(فضائل الصحابة) عن أبي معمر ومسدد عن عبد الوارث وعن موسى عن وهيب، كلاهما عن
خالد، قال أبو مسعود الدمشقي: هو عند القواريري عن عبد الوارث، وأخرجه أيضاً
في (الطهارة) عن عبد الله بن محمد، حدثنا هاشم بن القاسم. وأخرجه مسلم في (فضائل ابن
عباس)، حدثنا زهير وأبو بكر بن أبي النصر، حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا ورقاء عن عبيد
اللَّه بن أبي يزيد عن ابن عباس، رضي الله عنهما. وأخرجه الترمذي في (المناقب) عن محمد
ابن بشار عن الثقفي عن عبد الوارث به، وقال: حسن صحيح، وأخرجه النسائي فيه عن عمر
ابن موسى عن عبد الوارث به. وأخرجه ابن ماجه في (السنة) عن محمد بن المثنى وأبي بكر
ابن خلاد، كلاهما عن الثقفي به.
بيان اللغات: قوله: ((ضمني): من ضم يضم ضماً، وضممت الشيء إلى الشيء فانضم
إليه، وهو من باب: نصر ينصر. قوله: ((اللهم)) أصله: يا الله، فحذف حرف النداء وعوض عنه
الميم، ولذلك لا يجتمعان. وأما قول الشاعر:
وما عليك أن تقول كلما
سبحت أو صليت يا اللهما
اردد علينا شيخنا مسلماً
فليس يثبت، وهذا من خصائص اسم الله تعالى، كما اختص بالباء في القسم، وبقطع
همزته في: يا الله، وبغير ذلك. وكأنهم لما أرادوا أن يكون نداؤه باسمه متميزاً عن نداء عباده
بأسمائهم من أول الأمر، حذفوا حرف النداء من الأول وزادوا الميم لقربها من حرف العلة،
P
i
سے
.جدة
ديدة
٤ جدة
i
جمام

٠٠
٠: 5.2٧ 7
٣ - كتاب العلم / باب (١٧)
كالنون في الآخر، وخصت لأن النون كانت ملتبسة بضمير النساء صورة، وشددت لأنها
خلف من حرفين، واختار سيبويه أن لا توصف، لأن وقوع خلف حرف النداء بين الموصوف
والصفة، كوقوع حرف النداء بينهما، ومذهب الكوفيين أن أصله: يا الله أم، أي: أقصد بخير،
فتصرف فيه، ورجح الأكثرون قول البصريين، ورجح الإمام فخر الدين الرازي قول الكوفيين
من وجه وكأن الأصل أن: يا، الذي هو حرف النداء لا يدخل على ما فيه الألف واللام إلاَّ
بواسطة، كقوله تعالى: ﴿يا أيها المزمل﴾ [المزمل: ١] وشبهه، وإنما أدخلوها هنا لخصوصية
هذا الاسم الشريف بالله تعالى، واللام فيه لازمة غير مفارقة لأنها عوض عما حذف منه، وهي
الهمزة.
بيان الإعراب: قوله: ((ضمني)) فعل ومفعول، و: ((رسول الله)) فاعله، والجملة مقول
القول. قوله: ((وقال))، عطف على: ((ضمني). قوله: ((اللهم علمه الكتاب))، مقول القول، والهاء
في: علمه، مفعول أول لعلم، و: الكتاب، مفعول ثان. فإن قلت: هذا الباب، أعني: التعليم،
يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، ومفعوله الأول كمفعول أعطيت، والثاني والثالث كمفعولي:
علمت، يعني لا يجوز حذف الثاني أو الثالث فقط، فكيف ههنا؟ قلت: علمه بمعنى عرفه،
فلا يقتضي إلاّ مفعولين.
بيان المعاني: قوله: ((ضمني)) فيه حذف تقدیره ضمني إلى نفسه، أو إلى صدره، وقد
جاء بذلك مصرحاً في روايته الأخرى عن مسدد عن عبد الوارث: ((إلى صدره)). قوله:
(الكتاب)) أي: القرآن، لأن الجنس المطلق محمول على الكامل، ولأن العرف الشرعي عليه،
أو لأن اللام للعهد. فإن قلت: المراد نفس القرآن أي: لفظه، أو معانيه أي: أحكام الدين؟
قلت: اللفظ، فاعتبار دلالته على معانيه، ووقع في رواية مسدد: ((الحكمة)) بدل: ((الكتاب)).
وذكر الإسماعيلي أن ذلك هو الثابت في الطرق كلها عن خالد الحذاء، وفيه نظر، لأن
البخاري أخرجه أيضاً من حديث وهيب عن خالد بلفظ: ((الكتاب))، أيضاً فيحمل على أن
المراد بالحكمة أيضاً القرآن، فيكون بعضهم رواه بالمعنى. وقال جماعة من الصحابة والتابعين
في قوله تعالى: ﴿يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة﴾ الآية [البقرة: ٢٦٩]. إن
الحكمة القرآن. فإن قلت: روى الترمذي والنسائي من طريق عطاء عن ابن عباس قال: دعا لي
رسول الله عَ ل أن أُوتى الحكمة مرتين. قلت: يحتمل تعدد الواقعة فيكون المراد بالكتاب
القرآن، وبالحكمة السنة، وقد فسرت الحكمة بالسنة في قوله تعالى: ﴿ويعلمهم الكتاب
والحكمة﴾ [البقرة: ١٢٩] قالوا: المراد بالحكمة هنا السنة التي سنها رسول الله، عليه
الصلاة والسلام، بوحي من الله تعالى، ويؤيد ذلك رواية عبد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس،
رضي الله عنهما، التي أخرجها الشيخان بلفظ: ((اللهم فقهه))، وزاد البخاري في رواية: ((في
الدين)). وذكر الحميدي في (الجمع): أن أبا مسعود ذكر في (أطراف الصحيحين)، بلفظ:
((اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)).
قال الحميدي: هذه الزيادة ليست في الصحيحين، وهي في رواية سعيد بن جبير عند