النص المفهرس
صفحات 1-20
: **** بُعْدَةُ القَري شَرْح ◌ِيح البُخَارِيْ تأليف الأَمَام العَلَّامَة بَدُر الدِّين أبي محمّد محمُود بن أحمد العيني المتوفى سنة ٨٥٥ هـ ضبطه وصحّه عبد الله محمود محمّد عَمَرَ طبعة جديدة مرقمة الكتب والأبواب والأحاديث حسب ترقيم المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي الشريف الجُزء الثَّاني المحتوى: كتاب العلم~ كتاب الوضوء من الحديث (٥٩) - إلى الحديث (١٥٦) منشوراتْ مد عَلى بيضون لِنِشِرَكْتُبِ السُنّةِوَ الجَمَاعَةِ دار الكتب العلمية بيروت - لبنان i i i i. i جميع الحقوق محفوظة Copyright @ All rights reserved Tous droits réservés جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً. Exclusive Rights by Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beirut - Lebanon No part of this publication may be translated, reproduced, distributed in any form or by any means, or stored in a data base or retrieval system, without the prior written permission of the publisher. Droits Exclusifs à Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beyrouth - Liban Il est interdit à toute personne individuelle ou morale d'éditer, de traduire, de photocopier, d'enregistrer sur cassette, disquette, C.D, ordinateur toute production écrite, entière ou partielle, sans l'autorisation signée de l'éditeur, الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م دار الكتب العلمية بيروت - لبنان رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت هاتف وفاكس : ٣٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ - ٣٧٨٥٤٢ (٩٦١١) صندوق بريد : ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beirut - Lebanon Ramel Al-Zarif, Bohtory St., Melkart Bldg, Ist Floor Tel. & Fax : 00 (961 1) 37.85.42 - 36,61.35 - 36.43.98 P.O.Box :: 1 1 - 9424 Beirut - Lebanon Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beyrouth - Liban Ramel Al-Zarif, Rue Bohtory, Imm. Melkart, lere Etage Tel. & Fax : 00 (961 1) 37.85.42 - 36.61.35 - 36.43.98 B.P. : 11 - 9424 Beyrouth - Liban ISBN 2-7451-2269-X 90000> 782746 122098 http://www.al-ilmiyah.com/ e-mail: sales@al-ilmiyah.com info@al-ilmiyah.com baydoun@al-ilmiyah.com ١٧٠ --...<< '+ بسم الله الرحمن الرحيم ٣ - كتاب العلم الكلام فيه على أنواع: الأول: أن لفظ: كتاب، مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف مضاف إلى العلم، والتقدير: هذا كتاب العلم. أي: في بيان ما يتعلق به، وليس هو في بيان ماهية العلم، لأن النظر في الماهيات وحقائق الأشياء ليس من فن الكتاب. الثاني: أنه قدم هذا الكتاب على سائر الكتب التي بعده لأن مدار تلك الكتب كلها على العلم، وإنما لم يقدم على كتاب الإيمان لأن الإيمان أول واجب على المكلف، أو لأنه أفضل الأمور على الإطلاق وأشرفها. وكيف لا وهو مبدأ كل خير علماً وعملاً؟ ومنشأ كل كمال دقاً وجلاً؟. فإن قلت: فَلِمَ قدم كتاب الوحي عليه؟ قلت: لتوقف معرفة الإيمان وجميع ما يتعلق بالدين عليه، أو لأنه أول خير نزل من السماء إلى هذه الأمة. وقد أشبعنا الكلام في كتاب الإيمان. فليعاود هناك. الثالث: أن العلم في اللغة مصدر: علمت وأعلم علماً. قال الجوهري: علمت الشيء أعلمه علماً: عرفته، بالكسر، فهذا كما ترى لم يفرق بين العلم والمعرفة، والفرق بينهما ظاهر، لأن المعرفة إدراك الجزئيات، والعلم إدراك الكليات، ولهذا لا يجوز أن يقال: الله عارف كما يقال: عالم. وقال ن سيده: العلم نقيض الجهل، علم علماً، وعلم هو نفسه، ورجل عالم وعليم من قوم علماء، وعلاَّم وعلامة من قوم علامين، والعلام والعلامة: النسابة. ويقال، إذا بولغ في وصف الشخص بالعلم، يقال له: علامة، وعلمه العلم وأعلمه إياه فتعلمه، وفرق سيبويه بينهما، فقال: علمت كأدبت، وأعلمت كأديت. وقال أبو عبيد عبد الرحمن: عالمني فلان فعلمته أعلمه، بالضم، وكذلك كل ما كان من هذا الباب بالكسر في: يفعل، فإنه في باب المغالبة يرفع إلى الضم: كضاربته فضربته أضربه. وعلم بالشيء: شعر، وقال يعقوب: إذا قيل لك: اعلم كذا. قلت: قد علمت. وإذا قيل: تعلم. لم تقل: قد تعلمت. وفي المخصص: علمته الأمر، وأعلمته إياه فعلمه وتعلمه. وقال أبو علي: سمي العلم علماً لأنه من العلامة، وهي الدلالة والإشارة، ومما هو ضرب من العلم. قولهم: اليقين، ولا ينعكس فنقول: كل يقين علم، وليس كل علم يقيناً، وذلك أن اليقين علم يحصل بعد استكمال استدلال ونظر لغموض فيه، والعلم: النظر والتصفح، ومن العلم الدراية، وهي ضرب منه مخصوص. ثم العلماء اختلفوا في حد العلم، فقال بعضهم: لا يحد، وهؤلاء اختلفوا في سبب عدم تحديده، فقال إمام الحرمين والغزالي: لعسر تحديده، وإنما تعريفه بالقسمة والمثال. وقال بعضهم، ومنهم الإمام فخر الدين: لأنه ضروري، إذ لو لم يكن ضرورياً لزم الدور، واللازم باطل، فالملزوم مثله. بيان الملازمة: أنه لو لم يكن ضرورياً لكان نظرياً، إذ لا واسطة، i i i ٦ ٤ ٦٫٤٢٧٠ ٣ - كتاب العلم / باب (١) ولو كان نظرياً لزم الدور، ينتج أنه لو لم يكن ضرورياً لزم الدور، وإنما قلنا: إنه لو كان نظرياً لزم الدور، لأنه لو كان نظرياً لعلم بغير العلم لامتناع اكتسابه من نفسه، وغير العلم لا يعلم إلا بالعلم، فليزم معرفة العلم بغير العلم الذي لا يعلم إلا بالعلم، فيلزم الدور، وهو محال لاستلزامه تقدم الشيء على نفسه، واستلزامه امتناع تصور العلم المتصور. وقال الآخرون: إنه يحد، ولهم فيه أقوال، وأصح الحدود أنه صفة من صفات النفس، توجب تمييزاً لا يحتمل النقيض في الأمور المعنوية، فقوله: صفة، جنس لتناوله لجميع صفات النفس. وقوله: توجب تمييزاً، احتراز عما لم يوجب تمييزاً كالحياة. وقوله: لا يحتمل النقيض، احتراز عن مثال الظن، وقوله: في الأمور المعنوية، يخرج إدراك الحواس، لأن إدراكها في الأمور الظاهرة المحسوسة. بسم الله الرحمن الرحيم ١ - بابُ فَضْلِ العِلْم كذا وقع في بعض النسخ، مصدراً بالبسملة بعدها: باب فضل العلم، وفي بعضها، لا يوجد ذلك كله، بل الموجود هكذا: كتاب العلم، وقول الله تعالى ... الخ. وفي بعضها البسملة مقدمة على لفظ كتاب العلم، هكذا: بسم الله الرحمن الرحيم كتاب العلم. وهي رواية أبي ذر، والأول رواية الأصيلي وكريمة وغيرهما، أعني أن روايتهما، أن البسملة بين الكتاب والباب. وقَوْلُ الله تَعالى: ﴿يَرْفَع الله الذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيْرٌ﴾ [المجادلة: ١١] وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه: ١١٤]. اكتفى البخاري في بيان العلم بذكر الآيتين الكريمتين، لأن القرآن من أقوى الحجج القاطعة، والاستدلال به في باب الإثبات والنفي أقوى من الاستدلال بغيره. ونقل الكرماني عن بعض الشاميين أن البخاري بوب الأبواب وذكر التراجم، وكان يلحق بالتدريج إليها الأحاديث المناسبة لها، فلم يتفق له أن يلحق إلى هذا الباب ونحوه شيئاً منها، إما لأنه لم يثبت عنده حديث يناسبه بشرطه، وإما لأمر آخر. ونقل أيضاً عن بعض أهل العراق أنه ترجم له، ولم يذكر شيئاً فيه قصداً منه، ليعلم أنه لم يثبت في ذلك الباب شيء عنده. قلت: هذا كله كلام غير سديد لا طائل تحته، والأحاديث والآثار الصحيحة كثيرة في هذا الباب، ولم يكن البخاري عاجزاً عن إيراد حديث صحيح على شرطه، أو أثر صحيح من الصحابة أو التابعين، مع كثرة نقله واتساع روايته، ولئن سلمنا أنه لم يثبت عنده ما يناسب هذا الباب، فكان ينبغي أن لا يذكر هذا الباب. فإن قلت: ذكره للإعلام بأنه لم يثبت فيه شيء عنده، كما قاله بعض أهل العراق. قلت: ترك الباب في مثل هذا يدل على الإعلام بذلك، فلا فائدة في ذكره حينئذٍ. ثم قال الكرماني: فإن قلت: فما تقول فيما يترجم بعد هذا بباب فضل العلم وينقل فيه حديثاً يدل على فضل العلم؟ قلتُ: المقصود بذلك الفضل غير هذا، الفضل إذ ذاك بمعنى: الفضيلة، أي الزيادة في العلم، وهذا بمعنى كثرة الثواب عليه. قلت: هذا فرق مر ٥ ٣ - كتاب العلم / باب (١) عجيب، لأن الزيادة في العلم تستلزم كثرة الثواب عليه. فلا فرق بينهما في الحقيقة، والتحقيق في هذا الموضع أن لفظ: باب العلم، لا يخلو إما أن يكون مذكوراً ههنا، وبعد باب رفع العلم وظهور الجهل، على ما عليه بعض النسخ، أو يكون مذكوراً هناك فقط. فإن كان الأول فهو تكرار في الترجمة بحسب الظاهر، وإن كان الثاني فلا يحتاج إلى الاعتذارات المذكورة، مع أن الأصح من النسخ هو الثاني، وإنما المذكور ههنا: كتاب العلم، وقول الله تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ الآية [المجادلة: ١١]. ولئن صح وجود: باب فضل العلماء، قلت: بيان فضل العلم في الموضعين فنقول: ليس بتكرار، لأن المراد من باب فضل العلم، هنا التنبيه على فضيلة العلماء بدليل الآيتين المذكورتين: فإنهما في فضيلة العلماء، والمراد من: باب فضل العلم، هناك التنبيه على فضيلة العلم، فلا تكرار حينئذٍ. فإن قلت: كان ينبغي أن يقول: باب فضل العلم يستلزم بيان فضل العلماء، لأن العلم صفة قائمة بالعالم. فذكر بيان فضل الصفة يستلزم بيان فضل من هي قائمة به، على أنا نقول: إن لم يكن المراد من هذا الباب بيان فضل العلماء، لا يطابق ذكر الآيتين المذكورتين الترجمة، ولهذا قال الشيخ قطب الدين رحمه الله في (شرحه) بعد الآيتين، ش: جاء في الآثار أن درجات العلماء تتلو درجات الأنبياء، والعلماء ورثة الأنبياء، ورثوا العلم وبينوه للأمة، وحموه من تحريف الجاهلين. وروى ابن وهب، عن مالك، قال: سمعت زيد بن أسلم، يقول في قوله تعالى: ﴿نرفع درجات من نشاء﴾ [الأنعام: ٨٣] قال: بالعلم. وقال ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم﴾ [المجادلة: ١١]. مدح الله العلماء في هذه الآية، والمعنى: يرفع الله الذين آمنوا وأوتوا العلم على الذين آمنوا فقط ولم يؤتوا العلم درجات في دينهم إذا فعلوا ما أمروا به. وقيل: يرفعهم في الثواب والكرامة، وقيل: يرفعهم في الفضل في الدنيا والمنزلة. وقيل: يرفع الله درجات العلماء في الآخرة على المؤمنين الذين لم يؤتوا العلم. وقيل: في قوله تعالى: ﴿وقل رب زدني علماً﴾ [طه: ١١٤] أي: بالقرآن، وكان كلما نزل شيء من القرآن ازداد به النبي، عليه السلام، علماً. وقيل: ما أمر الله رسوله بزيادة الطلب في شيء إلا في العلم، وقد طلب موسى، عليه السلام، الزيادة فقال: ﴿هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً﴾ [الكهف: ٦٦] وكان ذلك لما سئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا أعلم. فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه. وقوله: درجات، منصوب بقوله يرفع. فإن قلت: قوله: وقول الله تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم﴾ [المجادلة: ١١] ما حظه من الإعراب؟ قلت: الذي يقتضيه أحوال التركيب أن يكون مجروراً، عطفاً على المضاف إليه في قوله: باب فضل العلم، على تقدير: وجود الباب، أو على العلم في قوله: كتاب العلم، على تقدير عدم وجوده. وقال بعضهم: ضبطناه في الأصول بالرفع على الاستئناف. قلت: إن أراد بالاستئناف الجواب على السؤال فذا لا يصح، لأنه ليس في الكلام ما يقتضي هذا، وإن أراد ابتداء الكلام، فذا أيضاً لا يصح، لأنه على i. i i i i .w ا يج. ٣ - كتاب العلم / باب (٢) تقدير الرفع لا يتأتى الكلام، لأن قوله: وقول الله، ليس بكلام، فإذا رفع لا يخلو إما أن يكون رفعه بالفاعلية، أو بالابتداء، وكل منهما لا يصح، أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلعدم الخبر. فإن قلت: الخبر محذوف. قلت: حذف الخبر لا يخلو إما أن يكون جوازاً أو وجوباً. فالأول: فيما إذا قامت قرينة، وهي وقوعه في جواب الاستفهام عن المخبر به، أو بعد إذا المفاجأة، أو يكون الخبر قبل قول وليس شيء من ذلك ههنا. والثاني: إذا التزم في موضعه غيره، وليس هذا أيضاً كذلك، فتعين بطلان دعوى الرفع. ٢ - باب مَنْ سُئِلَ عِلْماً وَهوَ مُشْتَغِلٌ فِي حَدِيثِهِ فَتَّ الحَدِيثَ ثُمَّ أجابَ السَّائِلَ. الكلام فيه على وجهين: الأول: أن باب، مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف مضاف إلى قوله: من سئل، ومن، موصولة. قوله: سئل، على صيغة المجهول، جملة من الفعل والمفعول النائب عن الفاعل وقعت صلة لها. وقوله: علماً، نصب لأنه مفعول ثان، وقوله: وهو مشتغل في حديثه، جملة وقعت حالاً عن الضمير الذي في: سئل، وذكر قوله: فأتم، بالفاء وقوله: ثم أجاب، بكلمة: ثم، لأن إتمام الحديث حصل عقيب الاشتغال به. والجواب بعد الفراغ منه. الثاني: وجه المناسبة بين البابين على تقدير وجود الباب السابق في بعض النسخ، من حيث إن الباب الأول، وإن كان المذكور فيه فضل العلم، ولكن المراد التنبيه على فضل العلماء، كما حققنا الكلام فيه هناك، وهذا الباب فيه حال العلم المسؤول منه عن مسألة معضلة، ولا يسأل عن المسائل المعضلات إلا العلماء الفضلاء العاملون الداخلون في قوله تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ [المجادلة: ١١]. وأما على تقدير عدم الباب السابق في النسخ، فالابتداء بهذا الباب الإشارة إلى ما قيل من أن العلم سؤال وجواب، والسؤال نصف العلم، فتميز هذا الباب عن بقية الأبواب التي تضمنها كتاب العلم، فاستحق بذلك التصدير على بقية الأبواب. فافهم. ٥٩/١ - حدّثنا مُحمَّدُ بْنُ سِنَان قال: حدّثنا فُلَيْحٌ (ح) وحدَّثني إبْراهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قال: حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْح قال: حدّثني أبي قال: حدّثني هِلاَلُ بْنُ عَلَيٍّ عَنْ عَطَاءِ بنِ يَسَارِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: بَيْنَمَا النبيُّ عَ لّهِ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ القَوْمَ جاءَهُ أَعْرَابِيُّ فقالَ: مَتَّى الشَّاعَةُ؟ فَمَضَى رسولُ اللهِ عَ لِّ يُحَدِّثُ فقال بَعضُ القَوْمِ: سَمِعَ ما قال: فَكَرِةٍ ما قالَ: وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ. حَتَّى إذا قَضِى حَدِيثَهُ قال: ((أَيْنَ أَرَاهُ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ؟)) قالَ: ها أَنَا يا رَسُولَ الله قال: ((فَإِذَا ضُيَّعَتِ الأَمَانَةُ فانْتَظِرِ السَّاعَةَ)) قالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قالَ: (إِذَا وُسّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ)). [الحديث ٥٩ - طرفه في: ٦٤٩٦]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة. بيان رجاله: وهم ثمانية: الأول: محمد بن سنان، بكسر السين المهملة وبالنونين، أبو بكر الباهلي العوقي البصري، روى عنه البخاري وأبو داود وأبو حاتم الرازي. قال يحيى بن معين: ثقة مأمون، وروى أبو داود والنسائي وابن ماجة عن رجل عنه، توفي سنة ثلاث ١٣٠٠ ١٣٠٠ ٧ ٣ - كتاب العلم / باب (٢) وعشرين ومائتين. الثاني: فليح، بضم الفاء وفتح اللام وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره حاء مهملة، ابن سليمان بن أبي المغيرة، وهو حنين ابن أخي عبيد بن حنين، وكان اسمه عبد الملك، ولقبه فلیح واشتهر بلقبه، الخزاعي المدني، و کنیته أبو یحیی، روى عن نافع وعدة، وروى عنه عبد اللّه بن وهب ویحیی الوحاظي وابن أعين وشريح بن النعمان وآخرون، قال يحيى بن معين: هو ضعيف ما أقربه من ابن أبي أويس، وفي رواية عنه: ليس بقوي ولا يحتج به، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، وقال النسائي أيضاً: ليس بالقوي: وقال ابن عدي: هو عندي لا بأس به، وقد اعتمده البخاري في صحيحه، وقد روى عنه زید بن أبي أنيسة، روى له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي، وقال الحاكم: واجتماع البخاري ومسلم عليه في إخراجهما عنه في الأصول يؤكد أمره ويسكن القلب فيه إلى تعديل، توفي سنة ثمان وستين ومائة. الثالث: إبراهيم بن المنذر بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام بن خويلد القرشي الحزامي المدمي أبو إسحاق، روى عنه أبو حاتم وأبو زرعة وابن ماجه وغيرهم، وروى البخاري عنه، وروى أيضاً عن محمد بن غالب عنه، وروى النسائي عن رجل. عنه، وروى له الترمذي. قال النسائي: ليس به بأس. مات سنة ست، وقيل: خمس وثلاثين ومائتين بالمدينة. الرابع: محمد بن فليح المذكور، روى عن هشام بن عروة وغيره، روی عنه هارون بن موسى الفروي وغيره، لينه ابن معين: وقال أبو حاتم: ما به بأس ليس بذلك القوي، مات سنة سبع وتسعين ومائة. روى له البخاري والنسائي وابن ماجه. الخامس: أبو فليح المذكور. السادس: هلال بن علي، ويقال له: هلال بن أبي ميمونة، ويقال له: هلال ابن أبي هلال، ويقال له: هلال بن أسامة، نسبته إلى جده، وقد يظن أربعة والكل واحد. قال مالك: هلال بن أبي أسامة: تابعه على ذلك أسامة بن زيد الليثي، وقال: هو الفهري القرشي المدني، وهو من صغار التابعين، وشيخه في هذا الحديث من أوساطهم، سمع أنساً وغيره، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه وهو شيخ. قال الواقدي: مات في آخر خلافة هشام، وروى له الجماعة. السابع: عطاء بن يسار، مولى ميمونة بنت الحارث، وقد تقدم ذكره. الثامن: أبو هريرة، وقد تقدم ذكره أيضاً. بيان الأنساب: الباهلي، بالباء الموحدة نسبة إلى باهلة بنت صعب بن سعد العشيرة ابن مالك بن كذا، ومالك هو جماع مذحج. العوقي، بفتح العين المهملة والواو وبالقاف: نسبة إلى العوقة، وهم حي من عبد القيس، ولم يكن محمد بن سنان من العوقة، وإنما نزل فيهم، كان لهم محلة بالبصرة فنزل عندهم فنسب إلى العوقة. الخزاعي، بضم الخاء وبالزاي المعجمتين: نسبة إلى خزاعة، وهو عمرو بن ربيعة. وقال الرشاطي: الخزاعي في الأزد وفي قضاعة. فالذي في الأزد ينسب إلى خزاعة وهو عمرو بن ربيعة. وفي قضاعة بطن وهو خزاعة ابن مالك بن عدي. الحزامي، بكسر الحاء المهملة وبالزاي المعجمة: نسبة إلى حزام أحد الأجداد. وقال الرشاطي: الحزامي في أسد قريش وفي فزارة. فالذي في قريش: حزام بن خويلد بن أسد، والذي في فزارة: حزام بن سعد بن عدي بن فزارة. الفهري، بكسر الفاء نسبة i ٨ ٣٠: ١٫٠٠٠٠ ٣ - كتاب العلم / باب (٢) إلى فهر بن مالك بن النضر بن كنانة. بيان لطائف إسناده: منها: إن فيه التحديث بصيغة الجمع والتحديث بصيغة الإفراد، وهو قوله: حدثني إبراهيم بن المنذر، وفي بعض النسخ: حدثنا. والفرق بينهما ظاهر، وهو أن الشيخ إذا حدث له وهو السامع وحده يقول: ((حدثني))، وإذا حدث ومعه غيره، يقول: ((حدثنا)). وفيه العنعنة أيضاً. ومنها: أن هذا إسنادان. أحدهما: عن محمد بن سنان عن فليح عن هلال عن عطاء عن أبي هريرة. والآخر: عن إبراهيم بن المنذر عن محمد بن فليح عن أبيه عن هلال ... إلى آخره، وهذا أنزل من الأول بواحد. ومنها: أن رجال الإسناد الأخير كلهم مدنيون. ومنها: أن في غالب النسخ قبل قوله: وحدثني إبراهيم بن المنذر صورة (ح) وهي حاء مهملة مفردة. قيل: إنها مأخوذة من التحول لتحوله من إسناد إلى آخر، ويقول القارىء إذا انتهى إليها: حا، ويستمر في قراءة ما بعدها. وقيل: إنها من حال بين الشيئين إذا حجز لكونها حالة بين الإسنادين، وأنه لا يلفظ عند الانتهاء إليها بشيء. وقيل: إنها رمز إلى قوله: الحديث وأهل المغرب إذا وصلوا إليها يقولون الحديث. وقد كتب جماعة عن حفاظ عراق العجم موضعها صح، فيشعر بأنها رمز صحيح، وحسن هنا كتابة صح لئلا يتوهم أنه سقط متن الإسناد الأول، وهي كثيرة في (صحيح مسلم): قليلة في البخاري. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري ههنا كما ترى، وأخرجه أيضاً في (الرقاق) مختصراً عن محمد بن سنان عن فليح بن سلمان عن هلال بن علي به، ولم يخرجه من أصحاب الستة غيره. بيان اللغات: قوله: (أعرابي))، هو الذي يسكن البادية، وهو منسوب إلى الأعراب ساكني البادية، من العرب الذي لا يقيمون في الأمصار ولا يدخلونها إلا لحاجة، والعرب اسم لهذا الجيل المعروف من الناس، ولا واحد له من لفظه، سواء أقام بالبادية أو المدن، والنسبة إليه عربي، وليس الأعراب جمعاً لعرب، ولم يعرف اسم هذا الأعرابي. قوله: (الساعة)) قال الأزهري: الساعة: الوقت الذي تقوم فيه القيامة، وسميت بذلك لأنها تفجأ الناس في ساعة، فيموت الخلق كلهم بصيحة واحدة. وفي (العباب): الساعة القيامة. قلت: أصله: سوعة، قلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها. قوله: ((وسد))، من وسدته الشيء فتوسده إذا جعله تحت رأسه، والمعنى: إذا فوض الأمر وأسند، وفي (المطالع): إذا وسد الأمر إلى غير أهله، كذا لكافة الرواة، أي: أسند وجعل إليهم وقلدوه، وعند القابسي: أسد، وقال: الذي احفظ: وسد، وقال: هما بمعنى. قال القاضي: هو كما قال، وقد قالوا: وساد، وأساد، واشتقاقها واحد، والواو هنا بعد الألف، ولعلها صورة الهمزة. والوساد: ما يتوسد إليه للنوم. يقال: اساد وإسادة ووسادة. وفي (العباب): الوساد والوسادة والوسدة: المخدة والجمع: وسد ووسائد. وسدته كذا أي: جعلته له وسادة، وتوسد الشيء جعله تحت رأسه. وقال بعضهم: قوله وسد أي: جعل له غير أهله وساداً. قلت: ليس معناه. كذا، بل المعنى: إذا وضعت وسادة الأمر لغير أهلها، والمراد من الأمر جنس الأمر الذي يتعلق بالدين، فإذا وضعت وسادته ٤٠٠٠ ٠-, ٣ - كتاب العلم / باب (٢) ٩ لغير أهلها تهان وتحقر، على ما نبينه عن قريب. قوله: ((فانتظر)) أمر من الانتظار. i بيان الإعراب: قوله: ((بينما)): أصله: بين، فزيدت عليه: ما، وهو ظرف زمان بمعنى المفاجأة. قوله: ((النبي عَّ له)) مبتدأ، وقوله: ((يحدث القوم))، جملة من الفعل والفاعل والمفعول خبره، ويحدث يقتضي مفعولين، وأحد المفعولين ههنا محذوف لدلالة السياق عليه، والقوم: هم الرجال دون النساء، وقد تدخل النساء فيه على سبيل التبع، لأن قوم كل نبي رجال ونساء، جمعه أقوام، وجمع الجمع أقاوم. وقوله: ((في مجلس)) حال. قوله: ((جاءه أعرابي): جملة من الفعل والفاعل وهو: أعرابي، والمفعول وهو الضمير المنصوب في جاءه، العائد إلى النبي عَّ له، وهو جواب: بينما، وهو العامل في: بينما. وقال الأصمعي: الأفصح في جوابه أن لا يكون بإذ وإذا. وقال غيره: بالعكس، والصواب معه لورود الحديث هكذا. وقيل: بينما ظرف يتضمن معنى الشرط، فلذلك اقتضى جواباً، وفيه نظر. قوله: ((متى الساعة؟)) مبتدأ وخبر، وكلمة: متى، ههنا للاستفهام. قوله: ((يحدث)) أي: يحدث القوم، وفي بعض الروايات بحديثه، بحرف الجر وفي رواية المستملي والحموي: يحدثه، بزيادة الهاء، وليست في رواية الباقين. والضمير المنصوب فيه لا يعود على الأعرابي، وإنما التقدير: يحدث القوم الحديث الذي كان فيه. فإن قلت: ما محل: يحدث، من الإعراب؟ قلت: محلها النصب على الحال من الضمير الذي في مضى. قوله: ((فقال بعض القوم)) من ههنا إلى قوله: ((لم يسمع) جملة معترضة. فإن قلت: هل يجوز الاعتراض بالفاء؟ قلت: نعم جائز. قوله: (سمع)) أي بالنبي عَّهِ. قوله: ((ما قال)) أي الأعرابي، وما، موصولة. وقال: جملة صلته، والعائد محذوف أي: ما قاله. والجملة مفعول: سمع. ويجوز أن تكون ما مصدرية أي: سمع قوله، وكذا الكلام في قوله: ((فكره ما قال)). قوله: ((بل لم يسمع)) قال الكرماني: علام عطف: بل لم يسمع؟ إذ لا يصح أن يعطف على ما تقدم، إذ الإضراب إنما يكون عن كلام نفسه، بل لا يصح عطف أصلاً على كلام غير العاطف: قلت: لا نسلم امتناع صحة العطف، والإضراب بين كلام متكلمين، وما الدليل عليه سلمنا، لكن يكون الكل من كلام البعض الأول كأنه قال البعض الآخر للبعض الأول: قل بل لم يسمع، أو كلام البعض الآخر بأن يقدر لفظ: سمع، قبله كأنه قال: سمع بل لم يسمع. قلت: هذا كله تعسف نشأ من عدم الوقوف على أسرار العربية، فنقول: التحقيق هنا أن كلمة: بل، حرف إضراب، فإن تلاها جملة كان معنى الإضراب إما الإبطال وإما الانتقال عن غرض إلى غرض، وإن تلاها مفرد فهي عاطفة، وههنا تلاها جملة، أعني، قوله: لم يسمع، فكان الإضراب بمعنى الإبطال. قوله: ((حتى إذا قضی» يتعلق بقوله: فمضى يحدث، لا بقوله: لم يسمع. i i قوله: ((قال: أين أراه السائل؟)) أي: قال النبي عَ له. وقوله: ((أراه))، بضم الهمزة، معناه: أظن، وهو شك من محمد بن فليح، ورواه الحسن بن سفيان وغيره عن عثمان بن أبي شيبة عن يونس عن محمد بن فليح من غير شك. ولفظه: ((قال أين السائل؟)) فإن قلت: السائل، مرفوع بماذا؟ قلت: مرفوع على ابتداء، وخبره قوله: ((أين) مقدماً، وأين، سؤال عن المكان i : سويـ ٣ - كتاب العلم / باب (٢) بنيت لتضمنها حرف الاستفهام. وقول بعضهم: السائل، بالرفع على الحكاية خطأ، بل هو رفع على الابتداء كما قلنا. وقوله: ((أراه) جملة معترضة بين المبتدأ والخبر، والمعنى: أظن أنه قال: أين السائل. قوله: ((قال)). أي: الأعرابي: ها، حرف التنبية، وفي (العباب): هاء، بالمد تكون تنبيهاً بمعنى جواباً. وقال الجوهري: ها، قد تكون جواب النداء تمد وتقصر، وأيضاً: ها، مقصورة للتقريب إذا قيل لك: أين أنت؟ تقول: ها أناذا. قوله: ((أنا)) مبتدأ وخبره محذوف، أي: أنا سائل، وإنما ترك العاطف عند: قال، في الموضعين السؤال والجواب، لأن المقام كان مقام المقاولة، والراوي يحكي ذلك كأنه، لما قال الأعرابي ذلك، سأل سائل: ماذا قال النبي عَّهِ في جوابه؟ وبالعكس. قوله: ((فإذا ضيعت الأمانة) كلمة إذا، تضمن معنى الشرط، ولهذا جاء جوابها بالفاء، وهو قوله: ((فانتظر الساعة)). قوله: ((قال: كيف إضاعتها؟)) أي: قال الأعرابي: كيف إضاعة الأمانة؟ وفي بعض النسخ: ((فقال))، بالفاء، وما بعده من قال في الموضعين بلا فاء، ووجهه أن السؤال عن كيفية الإضاعة متفرع على ما قبله، فلهذا عقبه بالفاء، بخلاف أختيه. قوله: ((قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله)) جواب لقوله: ((كيف إضاعتها؟)). فإن قلت: السؤال إنما هو عن كيفية الإضاعة لقوله: كيف، والجواب هو بالزمان لا بيان الكيفية، فما وجهه؟ قلت: متضمن للجواب إذ يلزم منه بيان أن كيفيتها هي بالتوسد المذكور. قوله: ((فانتظر الساعة)) الفاء فيه للتفريع، أو جواب شرط محذوف يعني: إذا كان الأمر كذلك فانتظر الساعة. وليست هي جواب إذا التي في قوله: ((إذا وسد الأمر إلى غير أهله)) لأنها لا تتضمن ههنا معنى الشرط. فإن قلت: كان ينبغي أن يقال: لغير أهله. قلت: إنما قال: إلى غير أهله، ليدل على معنى تضمين الإسناد. بيان المعاني: قوله: ((متى الساعة؟) أي: متى يكون قيام الساعة. قوله: ((فكره ما قال): أي فكره رسول الله عَ له ما قاله الأعرابي، ولهذا لم يلتفت إلى الجواب. فلذلك حصل للصحابة، رضي الله عنهم، التردد، منهم من قال: (سمع فكره))، ومنهم من قال: ((لم يسمع)، وذلك لأنه معَِّ كان يكره السؤال عن هذه المسألة بخصوصها. قوله: ((أين السائل عن الساعة؟)) أي عن زمان الساعة. قوله: ((إذا وسد الأمر)) المراد به جنس الأمور التي تتعلق بالدين: كالخلافة والقضاء والإفتاء، ونحو ذلك. ويقال: أي بولاية غير أهل الدين والأمانات. ومن يعينهم على الظلم والفجور، وعند ذلك تكون الأئمة قد ضيعوا الأمانة التي فرض الله عليهم حتى يؤتمن الخائن ويخون الأمين، وهذا إنما يكون إذا غلب الجهل وضعف أهل الحق عن القيام به. فإن قلت: تأخر الجواب عن السؤال ههنا، وهل يجوز تأخيره فيما يتعلق بالدين؟ قلت: الجواب من وجهين: الأول: بطريق المنع، فنقول: لا نسلم استحقاق الجواب ههنا، لأن المسألة ليست مما يجب تعلمها، بل هي مما لا يكون العلم بها إلا لله تعالى. والثاني: بطريق التسليم فنقول: سلمنا ذلك، ولكنه يحتمل أن يكون، عليه السلام، مشتغلاً في ذلك الوقت بما كان أهم من جواب هذا السائل، ويحتمل أنه أخره انتظاراً للوحي، أو أراد أن يتم حديثه لئلا يختلط على السامعين، ويحتمل أن يكون في ذلك الوقت في جواب سؤال ١ ٣ - كتاب العلم / باب (٣) سائل آخر متقدم، فكان أحق بتمام الجواب. بيان استنباط الأحكام: وهو على وجوه. الأول: فيه وجوب تعليم السائل لقوله عَّهِ: (أين السائل) ثم إخباره عن الذي سأل عنه. الثاني: فيه أن من آداب المتعلم أن لا يسأل العالم ما دام مشتغلاً بحديث أو غيره، لأن من حق القوم الذين بدأ بحديثهم أن لا يقطعه عنهم حتى يتمه. الثالث: فيه الرفق بالمتعلم وإن جفا في سؤاله أو جهل، لأنه، عليه الصلاة والسلام، لم يوبخه على سؤاله قبل إكمال حديثه. الرابع: فيه مراجعة العالم عند عدم فهم السائل، لقوله: كيف إضاعتها؟ الخامس: فيه جواز اتساع العالم في الجواب أنه ينبغي منه، إذا كان ذلك لمعنى أو لمصلحة. السادس: فيه التنبيه على تقديم الأسبق في السؤال لأنا قلنا: إنه يحتمل أن يكون تأخير الرسول عَ لل الجواب لكونه مشغولاً بجواب سؤال سائل آخر، فنبه بذلك أنه يجب على القاضي والمفتي والمدرس تقديم الأسبق لاستحقاقه بالسبق. i ٣ - بابُ مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْعِلْم أي: هذا باب من رفع صوته، فالباب: خبر مبتدأ محذوف مضاف إلى: من، وهي موصولة، ورفع صوته، جملة صلتها. فإن قلت: كيف يتصور رفع الصوت بالعلم، والعلم صفة معنوية؟ قلت: هذا من باب إطلاق اسم المدلول على الدال، والتقدير: من رفع صوته بكلام يدل على العلم. فإن قلت: ما وجه المناسبة بين البابين؟ قلت: من حيث إن المذكور في الباب السابق سؤال السائل عن العلم، والعالم قد يحتاج إلى رفع الصوت في الجواب لأجل غفلة السائل ونحوها، لا سيما إذا كان سؤاله وقت اشتغال العالم لغيره، وهذا الباب يناسب ذاك الباب من هذه الحيثية. i ٦٠/٢ - حدثنا أبو النُّعْمانِ عَارِمُ بنُ الفَضْلِ قال: حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عَنْ أبي بِشْرٍ عَنْ يُوسُفَ بنِ ماهَكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قال: تَخَلَّفَ عَنَّا النبيُّ عَ لَّهِ فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاها فَأَذْرَكَنا وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلاةُ ونَحْنُ نَتَوضَّأُ فَجَعَلْنَا تَمسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلِى صَوْتِهِ: ((وثِلّ لْلأَعْقَابٍ مِنَ النَّارِ) مَرَّتَيْن أَوْ ثَلاَثاً [الحديث ٦٠ - طرفاه في: ٩٦، ١٦٣]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، وهي في قوله: ((فنادى بأعلى صوته))، وهو رفع الصوت. بيان رجاله: وهم خمسة: الأول: أبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي، وقد تقدم. الثاني: أبو عوانة، بفتح العين المهملة، الوضاح اليشكري، وقد تقدم. الثالث: أبو بشر، بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة، جعفر بن إياس اليشكري المعروف بابن أبي وحشية، والواسطي. وقيل: البصري. قال أحمد ويحيى وأبو حاتم: ثقة، وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث، مات سنة أربع وعشرين ومائة، روى له الجماعة. الرابع: يوسف بن ماهك بن بهزاد، بكسر الباء الموحدة، وقيل بضمها أيضاً، والأول أصح، وبالزاي المعجمة، الفارسي i i i i ١١ ٣ - كتاب العلم / باب (٣) المكي، نزلها. سمع ابن عمر وابن عمرو وعائشة وغيرها، وسمع أباه ماهك. قال يحيى: ثقة، توفي سنة ثلاث عشرة ومائة. روى له الجماعة. ويوسف فيه ستة أوجه، وقد ذكرناها. وماهك: بفتح الهاء، غير منصرف لأنه اسم اعجمي علم، وفي رواية الأصيلي منصرف، وقال بعضهم: فكأنه لحظ فيه الوصف ولم يبين ماذا الوصف، وقد أخذ هذا من كلام الكرماني، فإنه قال: فإن قلت: العجمة والعلمية فيه عقب قول الأصيلي إنه منصرف!؟ قلت: شرط العجمة مفقود. وهو العلمية في العجمية. لأن ماهك معناه القمير، فهو إلى الوصف أقرب. قلت: كل منهما لم يحقق كلامه، والتحقيق فيه أن من يمنعه الصرف يلاحظ فيه العلمية والعجمة، أما العلمية فظاهر، وأما العجمة فإن ماهك بالفارسية تصغير ماه، وهو القمر بالعربي، وقاعدتهم أنهم إذا صغروا الاسم أدخلوا في آخره الكاف، وأما من يصرفه فإنه يلاحظ فيه معنى الصفة، لأن التصغير من الصفات، والصفة لا تجامع العلمية، لآن بينهما تضاداً، فحينئذ يبقى الاسم بعلة واحدة فلا يمنع من الصرف، ولو جوز الكسر في الهاء يكون عربياً صرفاً، فلا يمنع من الصرف أصلاً لأنه حينئذ يكون اسم فاعل، من مهكت الشيء أمهكه مهكاً إذا بالغت في سحقه، قاله ابن دريد، وفي (العباب): مهكت الشيء إذا ملسته، أو يكون من مهكة الشباب، بالضم: وهو امتلاؤه وارتواؤه ونماؤه،، وذكر الصغاني هذه المادة، ثم قال عقيبها: ويوسف بن ماهك من التابعين الثقات، ويمكن أن يقال: إنه عربي مع كون الهاء مفتوحة بأن يكون علماً منقولاً من ماهك، وهو فعل ماض من المماهكة، وهو: الجهد في الجماع من الزوجين، فعلى هذا لا يجوز صرفه أصلاً للعلمية، ووزن الفعل. وقال الدارقطني: ماهك اسم أمه، والأكثر على أنه اسم أبيه، واسم أمه مسيكة. وعن علي بن المديني: أن يوسف بن ماهك، ويوسف بن ماهان واحد. قلت: فعلى قول الدارقطني يمنع من الصرف أصلاً للعلمية والتأنيث. فافهم. الخامس: عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وقد تقدم. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة. ومنها: أن رواته ما بين بصري وواسطي ومكي. ومنها: أن في رواية كريمة عن المستملي: حدثنا أبو النعمان عارم بن الفضل، واقتصر غيره على أبي النعمان. بيان تعدد موضعه ومن اخرجه غيره: أخرجه البخاري ههنا عن أبي النعمان، وفي العلم أيضاً عن مسدد، وفيه: ((وقد أرهقتنا الصلاة صلاة العصر)). وفي (الطهارة) عن موسى بن إسماعيل وفيه: ((فأدركنا وقد أرهقتنا العصر)). وأخرجه مسلم في (الطهارة) عن شيبان بن فروخ وأبي كامل الجحدري عن أبي عوانة. وأخرجه النسائي في (العلم) عن أبي داود الحراني عن أبي الوليد عن معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن المبارك عن أبي عوانة عن أبي بشر عنه، وأخرجه الطحاوي عن أحمد بن داود المكي عن سهل بن بكار عن أبي عوانة به. بيان اللغات: قوله: ((تخلف))، أي: تأخر خلفنا. قوله: ((فأدركنا)) أي لحق بنا، قوله: ((وقد أرهقتنا الصلاة)) أي: غشيتنا الصلاة، أي حملتنا الصلاة على أدائها. وقيل: قد أعجلتنا، لضيق وقتها؛ وقال القاضي: ومنه المراهق، بالفتح في الحج : هرو ١٣ ٣ - كتاب العلم / باب (٣) ويقال بالكسر، وهو الذي أعجله ضيق الوقت أن يطوف. وفي (الموعب): قال أبو زيد: رهقتنا الصلاة، بالكسر، رهوقاً: حانت، وأرهقنا عن الصلاة إرهاقاً: أخرناها عن وقتها. وقال صاحب (العين): استأخرنا عنها حتى يدنو وقت الأخرى، ورهقت الشيء رهقاً أي: دنوت منه. وفي (المحكم): أرهقنا الليل دنا منا. ورهقتنا الصلاة رهقاً: حانت وفي رهقتنا الصلاة: غشيتنا. وفي (الاشتقاق)، للرماني: أصل الرهق الغشيان، وكذ قاله الزجاج، وقال أبو النصر: رهقني دنا مني. وقال ابن الأعرابي: رهقته وأرهقته بمعنى: دنوت منه. وقال الجوهري: رهقه، بالكسر، ويرهقه رهقاً، أي: غشيه؛ قال الله تعالى: ﴿ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة﴾ [يونس: ٢٦] وقال أبو زيد: أرهقه عسراً: إذا كلفه إياه. يقال: لا ترهقني لاأرهقك، أي: لا تعسرني لا أعسرك. وقيل: في قوله تعالى: ﴿ولا ترهقني من أمري عسرا﴾ [الكهف: ٧٣] أي: لا تلحق بي، من قولهم: رهقه الشيء إذا غشيه، وقيل: لا تعجلني، ويجيء على قول أبي زيد: لا تكلفني. قوله: ((ويل))، يقابل ويح، ويقال لمن وقع فيما لا يستحقه ترحماً عليه. وعن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه: ويل: واد في جهنم لو أرسلت فيه الجبال لماعت من حره، وقيل: ويل: صديد أهل النار. قلت: ويل من المصادر التي لا أفعال لها، وهي كلمة عذاب وهلاك. قوله: ((للأعقاب)) جمع عقب مثال كبد، وهو المستأخر الذي يمسك مؤخر شراك النعل، وقال أبو حاتم: عقب وعقب مثال: كبد وصفر، وهي مؤنثة، ولم يكسروا العين كما في: كبد وكتف. وقال النضر بن شميل: العقب يكون في المتن والساقين مختلط باللحم، يمشق منه مشقاً ويهذب وينقى من اللحم ويسوى منه الوتر، وأما العصب فالعلياء الغليظ، ولا خير فيه. وقال الليث: العقب مؤخر القدم فهو من العصب لا من العقب. وقال الأصمعي: العقب ما أصاب الأرض مؤخر الرجل، إلى موضع الشراك. وفي (المخصص): عرش القدم أصوله سلامياتها المنتشرة القريبة من الأصابع، وعقبها مؤخرها الذي يفصل عن مؤخر القدم، وهو موقع الشراك من خلفها. 744 بيان الإعراب: قوله: ((تخلف)) فعل، وفاعله النبي عَّ له. قوله: (في سفرة)) في محل النصب على الحال. قوله: ((سافرناها))، جملة في محل الجر على أنها صفة: لسفرة، والضمير المنصوب فيه وقع مفعولاً مطلقاً، أي سافرنا تلك السفرة، وذلك نحو قولهم: زيداً أظنه منطلق، أي: زيد ينطلق أظن الظن، أو: ظنا. قوله: ((فأدركنا))، بفتح الكاف: جملة من الفعل، والفاعل وهو الضمير المرفوع فيه، والمفعول وهو قوله: نا. قوله: ((وقد أرهقتنا الصلاة))، جملة وقعت حالاً. قال عياض: روي برفع الصلاة على أنها الفاعل، وروي: أرهقنا الصلاة، بالنصب، على أنها مفعول. أي: أخرنا الصلاة. قلت: روي في وجه الرفع وجهان أيضاً، أحدهما: أرهقتنا بتأنيث الفعل بالنظر إلى لفظ الصلاة، والآخر: أرهقنا، بدون التاء لأن تأنيث الصلاة غير حقيقي. قوله: ((ونحن نتوضأ) جملة إسمية وقعت حالاً. قوله: ((فجعلنا)) هو من أفعال المقاربة، ويستعمل استعمال كاد، وهو أنه يرفع الاسم، وخبره فعل مضارع بغير أن، متأول باسم الفاعل، نحو: كاد زيد يخرج. أي: خارجاً. وإنما ترك: أن، مع i i i i i ١٤ ٣ - كتاب العلم / باب (٣) كاد، وأثبت مع عسى لأن: كاد، أبلغ في تقريب الشيء من الحال. ألا ترى أنك إذا قلت: كادت الشمس تغرب، كان المعنى قرب غروبها جداً. وعسى، أذهب في الدلالة على الاستقبال، ألا ترى تقول: عسى الله أن يدخلني الجنة، وإن لم يكن هذا شديد القرب من الحال، فلما كان الأمر على ذا، حذف علم الاستقبال مع كاد، وأثبت مع عسى، وقد شبهه بعسى من قال: قد كان من طول البلاء أن يمصحا ثم قوله: (نا)) في: فجعلنا، اسم جعل، وقوله: نمسح، خبره. قوله: ((ويل) مرفوع على الابتداء، والمخصص كونه مصدراً في معنى الدعاء كما في ((سلام عليكم))، وخبره قوله: للاعقاب، قوله: ((من النار)): كلمة من، للبيان كما في قوله: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾ [الحج: ٣٠] ويجوز أن تكون بمعنى: في، كما في قوله: تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ [الجمعة: ٩] أي: في يوم الجمعة. قوله: ((مرتين)): تثنية مرة، وتجمع على مرات، وانتصاب: كلها، على الظرفية. قوله: ((أو ثلاثا) شك من عبد اللَّه بن عمرو. بيان المعاني: قوله: ((تخلف عنا النبي عليه السلام في سفرة)) هذه السفرة قد جاءت مبينة في بعض طرق روايات مسلم: ((رجعنا مع رسول الله عَّلهم من مكة إلى المدينة حتى إذا كنا في الطريق تعجل قوم عند العصر، فتوضؤوا وهم عجال، فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء. فقال النبي، عليه السلام: ((ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء)). قوله: ((وقد أرهقتنا الصلاة))، وهي: صلاة العصر، على ما جاء في رواية مسلم مصرحة. وكذا في رواية البخاري من طريق مسدد، على ما ذكرنا. قوله: ((ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا)) قال القاضي عياض: معناه نغسل كما هو المراد في الآية، بدليل تباين الروايات، وليس معناه ما أشار إليه بعضهم أنه دليل على أنهم كانوا يمسحون، فنهاهم النبي عَّهِ عن ذلك، وأمرهم بالغسل. وقالوا أيضاً: لو كان غسلاً لأمرهم بالإعادة لما صلوا، وهذا لا حجة فيه لقائله، لأنه، عليه السلام، قد أعلمهم بأنهم مستوجبون النار على فعلهم، بقوله: ((ويل للأعقاب من النار)). وهذا لا يكون إلاّ في الواجب. وقد أمرهم بالغسل، بقوله: ((أسبغوا الوضوء)). ولم يأت أنهم صلوا بهذا الوضوء، ولا أنها كانت عادتهم قبلُ، فيلزم أمرهم بالإعادة. وقال الطحاوي، ما ملخصه: أنهم كانوا يمسحون عليها مثل مسح الرأس، ثم إن رسول الله عَ لم منعهم عن ذلك وأمرهم بالغسل، فهذا يدل على انتساخ ما كانوا يفعلونه من المسح، وفيه نظر، لأن قوله: نمسح على أرجلنا، يحتمل أن يكون معناه: نغسل غسلاً خفيفاً مبقعاً. حتى يرى كأنه مسح، والدليل عليه ما في الرواية الآخرى، ((رأى قوماً توضؤوا وكأنهم تركوا من أرجلهم شيئاً). فهذا يدل على أنهم كانوا يغسلون، ولكن غسلاً قريباً من المسح، فلذلك قال لهم:(أسبغوا الوضوء)، وأيضاً إنما يكون الوعيد على ترك الفرض، ولو لم يكن الغسل في الأول فرضاً عندهم لما توجه الوعيد، لأن المسح لو كان هو المشمول فيما بينهم كان يأمرهم بتركه وانتقالهم إلى الغسل بدون الوعيد، ولأجل ذلك قال القاضي عياض: معناه: ١٥ ٣ _ كتاب العلم / باب (٣) نغسل كما ذكرناه آنفاً، والصواب أن يقال: إن أمر رسول الله عَ ليه بإسباغ الوضوء، ووعيده وإنكاره عليهم في ذلك الغسل يدل على أن وظيفة الرجلين هو الغسل الوافي لا الغسل المشابه بالمسح كغسل هؤلاء. وقول عياض: وقد أمرهم بالغسل بقوله: ((أسبغوا الوضوء))، غير مسلم لأن الأمر بالإسباغ أمر بتكميل الغسل، والأمر بالغسل فهم من الوعيد لأنه لا يكون إلاّ في ترك واجب، فلما فهم ذلك من الوعيد أكده بقوله: ((أسبغوا الوضوء)، ولهذا ترك العاطف، فوقع هذا تأكيداً عاماً يشمل الرجلين وغيرهما من أعضاء الوضوء، لأنه لم يقل: أسبغوا الرجلين: بل قال: ((أسبغوا الوضوء))، والوضوء هو غسل الأعضاء الثلاثة، ومسح الرأس، ومطلوبية الإسباغ غير مختصة بالرجلين، فكما أنه مطلوب فيهما، فكذلك مطلوب في غيرهما. فإن قلت: لم ذكر الإسباغ عاماً والوعيد خاصاً. قلت: لأنهم ما قصروا إِلاَّ في وظيفة الرجلين، فلذلك ذكر لفظ الأعقاب، فيكون الوعيد في مقابلة ذلك التقصير الخاص. i P بيان استنباط الأحكام: الأول: فيه دليل على وجوب غسل الرجلين في الوضوء، لأن المسح لو كان كافياً لما أوعد من ترك غسل العقب بالنار، وسيأتي الكلام فيه في بابه مستوفى. الثاني: فيه وجوب تعميم الأعضاء بالمطهر، وإن ترك البعض منها غير مجزىء. الثالث: تعليم الجاهل وإرشاده. الرابع: أن الجسد يعذب، وهو مذهب أهل السنة. الخامس: جواز رفع الصوت في المناظرة بالعلم. السادس: أن العالم ينكر ما يرى من التضييع للفرائض والسنن، ويغلظ القول في ذلك، ويرفع صوته للإنكار. السابع: تكرار المسألة تأكيداً لها ومبالغة في وجوبها، وسيأتي ذكره في باب: من أعاد الحديث ثلاثاً ليفهم. الأسئلة والأجوبة: منها ما قيل: إن الرجل له رجلان وليس له أرجل، فالقياس أن يقال على رجلينا. أجيب: بأن الجمع إذا قوبل بالجمع يفيد التوزيع، فتوزع الأرجل على الرجال. ومنها ما قيل: فعلى هذا يكون لكل رجل رجل. أجيب: بأن جنس الرجل يتناول الواحد والإثنين، والعقل يعين المقصود، سيما فيما هو محسوس. ومنها ما قيل: إن المسح على ظهر القدم لا على الرجل كلها. أجيب: بأنه أطلق الرجل، وأريد البعض أي: ظهر القدم، ولقرينة العرف الشرعي إذ المعهود مسح ذلك، وهذا فيه نظر، لأنهم ما كانوا يمسحون مثل مسح الرأس، وإنما كانوا يغسلون، ولكن غسلاً خفيفاً، فلذلك أطلقوا عليه المسح وقد حققناه عن قريب. ومنها ما قيل: لم خص الأعقاب بالعذاب؟ أجيب: لأنها العضو التي لم تغسل. وفي (الغريبين): وفي الحديث: ((ويل للعقب من النار))، أي: لصاحب العقب المقصر عن غسلها، كما قال: ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢] أي: أهل القرية، وقيل: إن العقب يخص بالمؤلم من العقاب إذا قصر في غسلها، وفي (المنتهى في اللغة): وفي الحديث: ((ويل للأعقاب من النار)). أراد التغليظ في إسباغ الوضوء، وهو التكميل والإتمام والسبوغ: الشمول. ومنها ما قيل: ما الألف واللام في: الأعقاب؟ أجيب: بأنها للعهد، أي: للأعقاب التي رآها كذلك لم تمسها الماء، أو يكون المراد: الأعقاب التي صفتها هذه، لا كل الأعقاب. ومنها ما قيل: إن اللام للاختصاص النافع إذ المشهور أن اللام تستعمل في الخير، وعلى في i i i i ١٦ ٣ - كتاب العلم / باب (٤) الشر، نحو: ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ [البقرة: ٢٨٦] وأجيب: بأنها للاختصاص ههنا نحو: ﴿وإن أسأتم فلها﴾ [الإسراء: ٧] ونحو: ﴿ولهم عذاب أليم﴾ [البقرة: ١٠، ١٧٤، آل عمران: ٧٧، ٩١، ١٧٧، ١٨٨، المائدة: ٣٦، التوبة: ٦١، ٧٩، إبراهيم، ٢٢، النحل: ٦٣، ١٠٤، ١١٧، الشورى: ٢١، ٢٤٢، الحشر: ١٥، التغابن: ٥] قلت: وقد تستعمل اللام في موضع: على. وقالوا: إن اللام في: ﴿وإن أسأتم فلها﴾ [الإسراء: ٧] بمعنى: عليها. ومنها ما قيل: كيف أخرت الصحابة، رضي الله عنهم، الصلاة عن الوقت الفاضل؟ أجيب: بأنهم إنما أخروها عنه طمعاً أن يصلوها مع النبي، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، لفضل الصلاة معه، فلما خافوا الفوات استعجلوا، فأنكر عليهم النبي، عليه الصلاة والسلام. ومنها ما قيل: روى مسلم عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن النبي، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، رأى رجلاً لم يغسل عقبه، فقال: ((ويل للأعقاب من النار)). وكذلك حديث مسلم عن عبد الله بن عمرو الذي مضى ذكره عن قريب، وفيه: ((فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء، فقال، عليه الصلاة والسلام: ويل للأعقاب من النار)). وهذان الحديثان تصريح بأن الوعيد وقع على عدم استيعاب الرجل بالماء، وحديث البخاري يدل على أن المسح لا يجزىء عن الغسل في الرجل، وأجيب: بأنه ترد الأحاديث إلى معنى واحد، ويكون معنى قوله: ((لم يمسها الماء))، أي: بالغسل، وإن مسها بالمسح فيكون الوعيد وقع على الاقتصار على المسح دون الغسل. قلت: هذا الجواب يؤيد ما قاله الطحاوي الذي ذكرناه عن قريب، وهو لا يخلو عن نظر، والله أعلم. ٤ - باب قَوْلِ المُحَدِّثِ: حدّثنا أوْ أَخْبَرَنَا وَأَنْبأَنَا أي: هذا باب في بيان قول المحدث: حدثنا وأخبرنا وأنبأنا، هل فيه فرق أم الكل واحد؟ والمراد بالمحدث اللغوي، وهو الذي يحدث غيره، لا الاصطلاحي، وهو الذي يشتغل بالحديث النبوي. فإن قلت: ما وجه ذكر هذا الباب في كتاب العلم؟ وما وجه المناسبة بينه وبين الباب الذي قبله؟ قلت: أما ذكره مطلقاً فللتنبيه على أنه بنى كتابه على المسندات المروية عن النبي، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. وأما ذكره في كتاب العلم فظاهر لأنه من جملة ما يحتاج إليه المحدث في معرفة الفرق بين الألفاظ المذكورة لغة واصطلاحاً، وأما وجه المناسبة بين البابين فهو من حيث إن المذكور في الباب السابق: رفع العالم صوته بالعلم ليتعلم الحاضرون ذلك، ويعلمون غيرهم بالرواية عنه، فعند الرواية والنقل عنه لا بد من ذكر لفظة من الألفاظ المذكورة، فحينئذٍ ظهر الاحتياج إلى معرفتها لغةً واصطلاحاً. ومن حيث الفرق بينها وعدمه، وفي بعض النسخ: أخبرنا وحدثنا وأنبأنا. وقال لَّنَا الحُمَّيْدِيَّ كانَ عِنْدَ ابنِ عُيَيْنَةَ: حدّثنا وأُخْبَرَنَا وَأَنْبَانًا، وسَمِعْتُ واحِداً. الحميدي، بضم الحاء، هو أبو بكر عبد الله بن الزبير القرشي الأسدي المكي، أحد مشايخ البخاري، وقد مر ذكره. وتصدير الباب بقوله تنبيه على أنه اختار هذا القول في عدم ١٧ ٣ - كتاب العلم / باب (٤) الفرق بين هذه الألفاظ الأربعة، نقل هذا عن شيخه الحميدي، والحميدي أيضاً نقل ذلك عن شيخه سفيان بن عينية، وهو أيضاً قد ذكر. وفي بعض النسخ: وقال الحميدي، وهي رواية كريمة والأصيلي. وكذا ذكر أبو نعيم في (المستخرج) وليس في رواية كريمة: وأنبأنا، والكل في رواية أبي ذر. ثم اعلم أن قوله: قال الحميدي، لا يدل جزماً على أنه سمعه منه، فيحتمل الواسطة، وهو أحط مرتبة من: حدثنا ونحوه، سواء كان بزيادة: لنا، أو لم يكن، لأنه يقال على سبيل المذاكرة، بخلاف نحو: حدثنا، فإنه يقال على سبيل النقل والتحمل. وقال جعفر ابن حمدان النيسابوري: كلما قال البخاري فيه: قال لي فلان، فهو عرض ومناولة. وقال القاضي عياض: لا خلاف أنه يجوز في السماع من لفظ الشيخ أن يقول السامع فيه: حدثنا، وأخبرنا، وانبأنا، وسمعته يقول، وقال لنا فلان، وذكر لنا فلان؛ وإليه مال الطحاوي. وصحح هذا المذهب ابن الحاجب، ونقل هو وغيره عن الحاكم أنه مذهب الأئمة الأربعة، وهو مذهب جماعة من المحدثين منهم الزهري ويحيى القطان. وقيل: إنه قول معظم الحجازيين والكوفيين فلذلك اختاره البخاري بنقله عن الحميدي عن سفيان بن عيينة، وقال آخرون بالمنع في القراءة على الشيخ إلاَّ مقيداً مثل: حدثنا فلان قراءة عليه، وأخبرنا قراءة عليه، وهو مذهب المتكلمين. وقال آخرون بالمنع في: حدثنا، وبالجواز في أخبرنا، وهو مذهب الشافعي وأصحابه، ومسلم بن الحجاج وجمهور أهل المشرق، ونقل عن أكثر المحدثين منهم ابن جريج والأوزاعي والنسائي وابن وهب. وقيل: إن عبد اللَّه بن وهب أول من أحدث هذا الفرق بمصر، وصار هو الشائع الغالب على أهل الحديث، والأحسن أن يقال فيه: إنه اصطلاح منهم أرادوا به التمييز بين النوعين، وخصصوا قراءة الشيخ: بحدثنا، لقوة إشعاره بالنطق والمشافهة، وأحدث المتأخرون تفصيلاً آخر وهو أنه متى سمع وحده من لفظ الشيخ أفرد، فقال: حدثني أو أخبرني أو سمعت، ومتى سمع مع غيره جمع فقال: حدثنا أو أخبرنا، ومتى قرأ بنفسه على الشيخ أفرد فقال: أخبرني. وخصصوا الإنباء بالإجازة التي يشافه بها الشيخ من يخبره، وكل هذا مستحسن، وليس بواجب عندهم، لأن هذا اصطلاح ولا منازعة فيه. وقال بعضهم: التحديث والإخبار والإنباء سواء وهذا لا خلاف فيه عند أهل العلم بالنسبة إلى اللغة. قلت: لا نسلم ذلك، لأن الحديث هو القول، والخبر من الخبر، بضم الخاء وسكون الباء، وهو العلم بالشيء من خبرت الشيء أخبره خبراً وخبرة، ومن أين خبرت هذا أي: علمته، وإنما استواء هذه الألفاظ بالنسبة إلى الاصطلاح، وكل ما جاء من لفظ الخبر وما يشتق منه في القرآن والحديث وغيرهما فمعناه الأصلي هو العلم. فافهم. i i i i وقال ابنُ مَسْعُودٍ: حدّثنا رسولُ الله ◌َّ ◌َّهِ وَهَوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ، وقال شَقِيقٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهُ: سَمِعْتُ النبيُّ عََّلِ كَلِمَةً، وقال حذَيْفَةُ: حدّثنا رسول اللـه عَلِ حَدِيثَيْنِ. هذه ثلاث تعاليق أوردها تنبيهاً على أن الصحابي تارة كان يقول: حدثنا، وتارة كان يقول: سمعت، فدل ذلك على أنه لا فرق بينهما. التعليق الأول: الذي رواه عبد اللّه بن مسعود طرف من الحديث المشهور، أوصله البخاري في (كتاب القدر)، وسيجيء الكلام عليه ـة القاري/ ٣H ta ١٨ ٣ - كتاب العلم / باب (٤) هناك إن شاء الله تعالى. الثاني: رواه أبو وائل شقيق عن عبد اللَّه هو ابن مسعود، أوصله البخاري في(كتاب الجنائز). الثالث: رواه حذيفة ابن اليمان رضي الله عنه، أوصله البخاري في (كتاب الرقاق)، وسيأتي إن شاء الله تعالى. واسم اليمان: حسل، بكسر الحاء وسكون السين المهملة، ويقال: حسيل، بالتصغير ابن جابر بن عمرو بن ربيعة بن جروة، بالجيم المكسورة، ابن الحارث بن مازن بن قطيعة بن عبس بن بغيض، بفتح الموحدة وغين وضاد معجمتين، ابن ريث، بفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره ثاء مثلثة، ابن غطفان ابن سعد بن قيس بن غيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان العبسي، حليف بني عبد الأشهل من الأنصار. قالوا: واليمان، لقب حسل. وقال الكلبي وابن سعد: هو لقب جروة، وإنما لقب اليمان لأن جروة أصاب دماً في قومه فهرب إلى المدينة، فحالف بني عبد الأشهل من الأنصار، فسماه قومه: اليمان، لأنه حالف اليمانية، أسلم هو وأبوه وشهدا أحداً، وقتل أبوه يومئذ، قتله المسلمون خطأ، فوهب لهم دمه، وأسلمت أم حذيفة وهاجرت، وأرادا أن يشهدا بدراً فاستحلفهما المشركون أن لا يشهدا مع النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، فحلفا لهم ثم سألا النبي، عليه السلام، فقال النبي، عليه السلام: ((نفي لهم بعهدهم ونستعين بالله عليهم). وكان صاحب سر النبي عَّه في المنافقين، يعلمهم وحده. وسأله عمر، رضي الله عنه: هل في عمالهم أحد منهم؟ قال: نعم، واحد. قال: من هو؟ قال: لا أذكره، فعزله عمر، رضي الله تعالى عنه، كأنما دل عليه. وكان عمر، رضي الله تعالى عنه، إذا مات ميت، فإن حضر الصلاة عليه حذيفة صلى عليه عمر، رضي الله عنه، وإلاَّ فلا. وحديثه ليلة الأحزاب مشهور فيه معجزات، وكان فتح همدان والري والدينور على يده، ولاه عمر، رضي الله عنه، : عن الفتن والشر ليجتنبهما، ومناقبه كثيرة، روي المدائن، وكان كثير السؤال لرسول الله له عن رسول الله عَ لَه عشرون حديثاً. قاله الكرماني في شرحه، وقال الشيخ قطب الدين في شرحه: أخرجا له اثني عشر حديثاً اتفقا عليها وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بسبعة عشر. قلت: فهذا يدل على سقط عدد من الكرماني إما منه وإما من النساخ، توفي حذيفة بالمدائن سنة ست وثلاثين بعد قتل عثمان، رضي الله عنه، بأربعين ليلة، روى له الجماعة. وقالَ أَبُو العَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: عَنِ النَّبِيِّ عَلِّ فيمَا يَزْوِي عَنْ رَبِّهِ، وِقالَ أنَسٌ: عَنِ النَّبِيِّ عَّهِ يَرْوِيِهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ عَّه يَرْوِيِهِ عَنْ رَبِّكُمْ عَزَّ وجَلْ. هذه ثلاث تعاليق أخرى أوردها تنبيهاً على حكم العنعنة، وأن حكمها الوصل عند ثبوت اللقى، وفيه تنبيه آخر وهو أن رواية النبي، عليه الصلاة والسلام، إنما هي عن ربه، سواء صرح بذلك الصحابي أم لا، والدليل عليه أن ابن عباس، رضي الله عنهما، روى عنه حديثه المذكور في موضع آخر، ولم يذكر فيه: عن ربه، لا يقال: ذكر العنعنة لا تعلق له بالترجمة، وكذا ذكر الرواية، لأنا نقول: لفظ الرواية شامل لجميع الأقسام المذكورة، وكذا لفظ العنعنة، لاحتماله كلاً من هذه الألفاظ الثلاثة، وهذه التعاليق وصلها البخاري في(کتاب التوحيد)، وهؤلاء الصحابة قد ذكروا فيما مضى، وأما أبو العالية فقد قال الشيخ قطب الدين في شرحه: ١٩ ٣ - كتاب العلم / باب (٤) هو البراء، بالراء المشددة، واسمه زياد بن فيروز البصري القرشي مولاهم، وقيل: اسمه أذينة، وقيل: كلثوم، وقيل: زياد بن أذينة، سمع ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وغيرهم، قال أبو زرعة: ثقة توفي سنة تسعين، روى له البخاري ومسلم، وإنما قيل له: البراء، لأنه كان يبري النبل، ومثله: أبو معشر البراء، واسمه يوسف، وكان يبري النبل. وقيل يبري العود، ومن عداهما البراء مخفف، وكله ممدود، وقال الكرماني: أبو العالية، بالمهملة والتحتانية، والظاهر أنه رفيع، بضم الراء وفتح الفاء، ابن مهران الرياحي، أعتقته امرأة من بني رياح، أدرك الجاهلية وأسلم بعد موت رسول الله، عَّ هِ، بسنتين، مات سنة تسعين. ورياح، بالمثناة التحتانية، حي من بني تميم، وقال بعضهم: أبو العالية المذكور ههنا هو الرياحي، وهو رفيع، بضم الراء، ومن زعم أنه: البراء، بالراء المثقلة فقد وهم، فإن الحديث المذكور معروف برواية الرياحي دونه. قلت: كل واحد من أبي العالية البراء، وأبي العالية رفيع من الرواة عن ابن عباس، وترجيح أحدهما على الآخر في رواية هذا الحديث عن ابن عباس يحتاج إلى دليل. وقوله: فإن الحديث المذكور معروف برواية الرياحي دونه، يحتاج إلى نقل عن أحد ممن يعتمد عليه. i ٦١/٣ - حدّثنا قُتَئِبَةُ حدّثنا إسماعيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قال قالَ رسولُ اللهِ عَلِ: إِنّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لاَ يَسْقُطُ ورَقُّهَا وإِنَّها مَثَلُ المُسْلِمِ فَحَدِّثوني مَا هِيَ) فَوقَعَ النَّاسُ في شَجَرِ البَوْادِي، قال عَبْدُ اللَّه: ووقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ فَاسْتَخْيَيْتُ، ثُمَّ قالُوا: حدّثنا مَا هِيَ يا رَسُولَ اللَّه: ((قال هِيَ النَّخْلَةُ)). [الحديث ٦١ - أطرافه في: ٦٢، ٧٢، ١٣١، ٢٢٠٩، ٤٦٩٨، ٥٤٤٤، ٥٤٤٨، ٦١٣٢، ٦١٤٤]. مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله)) وفي قوله: (فحدثوني ما هي). فإن قلت: الترجمة بثلاثة ألفاظ، وهي التحديث والإخبار والإنباء، وليس في الحديث إلا لفظ التحديث، قلت: ألفاظ الحديث مختلفة، فإذا جمعت طرقه يوجد ذلك كله، ففي رواية عبد الله بن دينار المذكورة ههنا لفظ: حدثوني ما هي، وفي رواية نافع عنه في التفسير عند البخاري أيضاً: أخبروني، وفي رواية الإسماعيلي عن نافع عنه: أنبؤني، فاشتمل الحديث المذكور على هذه الألفاظ الثلاثة التي هي الترجمة. بیان رجاله: وهم خمسة، والكل ذکروا. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري في (كتاب) العلم هذا في ثلاثة مواضع عن قتيبة عن إسماعيل بن جعفر عن ابن دينار عن ابن عمر وعن خالد بن مخلد عن سليمان عن ابن دينار به، وعن علي عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، وعن إسماعيل عن مالك عن ابن دينار به، وفيه: ((فقالوا: يا رسول الله أخبرنا بها)). وأخرجه في (البيوع) في: باب بيع الجمار وأكله، عن أبي عوانة عن أبي بشر عن مجاهد عن ابن عمر، (وفي الأطعمة) عن عمر بن حفص عن أبيه عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر، وعن أبي نعيم عن محمد بن طلحة عن زبيد عن مجاهد عن ابن عمر، ولفظ حديث عمر بن •جدة ١ i i أجود ٠٠٠٠ ٢٠ ٣ - كتاب العلم / باب (٤) حفص: ((بينا نحن عند النبي، عليه الصلاة والسلام، جلوس، إذ أتي بجمار نخلة، فقال عليه الصلاة والسلام: إن من الشجر لما بركته كبركة المسلم، فظننت أنه يعني النخلة، فأردت أن أقول: هي النخلة يا رسول الله! ثم التفت فإذا أنا عاشر عشرة أنا أحدثهم، فسكت، فقال النبي عَّه: هي النخلة)). وفي أول بعض طرقه: ((كنت عند النبي عَّة. وهو يأكل الجمار))، وأخرجه(في الأدب) في: باب لا يستحي من الحق، عن آدم عن شعبة عن محارب عن بن عمر، قال رسول الله، عليه الصلاة والسلام: ((مثل المؤمن كمثل شجرة خضراء لا يسقط ورقها ولا يتحات، فقال القوم: هي شجرة كذا، فأردت أن أقول: هي النخلة، وأنا غلام شاب فاستحييت، فقال: هي النخلة)). وعن شعبة عن خبيب عن حفص عن ابن عمر مثله، وزاد: ((فحدثت به عمر، فقال: لو كنت قلتها لكان أحب إلي من كذا وكذا)). وأخرجه مسلم في تلو كتاب التوبة عن محمد بن عبيد عن حماد عن أيوب عن أبي الجليل، وعن أبي بكر وابن أبي عمر عن سفيان عن أبي نجيح، وعن أبي نمير عن أبيه عن سيف بن سليمان، وقال ابن أبي سليمان: كلهم عن مجاهد به، وعن قتيبة، وأبي أيوب، وابن حجر عن إسماعيل بن جعفر عن ابن دينار عن ابن عمر به، وفي بعضها قال ابن عمر: ((فألقى الله تعالى في روعي أنها النخلة)). الحديث. بيان اللغات: قوله: ((من الشجر))، قال الصغاني في (العباب): الشجر والشجرة ما كان على ساق من نبات الأرض، وقال الدينوري: من العرب من يقول: شجَرَة وشِجَرة، فيكسر الشين ويفتح الجيم، وهي لغة لبني سليم، وأرض شجراء كثيرة الأشجار، ولا يقال: واد شجر، وواحد الشجراء شجرة، ولم يأت على هذا المثال إلاَّ أحرف يسيرة، وهي شجرة وشجراء، وقصبة وقصباء، وطرفة وطرفاء، وحلفة وحلفاء. وقال سيبويه: الشجراء واحد وجمع، وكذلك: القصباء والطرفاء والحلفاء. وقال الزمخشري: الشجرة، بكسر الشين، والشيرة، بكسر الشين والياء، وعن أبي عمرو أنه كرهها، وقال: يقرأ بها برابر مكة وسودانها. قوله: «البوادي)، جمع بادية وهي خلاف الحاضرة، والبدو مثل البادية، والنسبة إليهما بدوي، وعن أبي زيد: بداوي، وأصلها باء ودال وواو، من البدو، وهو الظهور، وهو ظاهر في معنى البادية، وفي بعض الروايات البواد، بحذف الياء، وهي لغة. قوله: ((النخلة))، واحدة النخل وفي (العباب): النخل والنخيل بمعنى واحد، الواحدة نخلة. بيان الإعراب: قوله: ((شجرة)) نصب لأنه اسم: إن، وخبرها قوله: (من الشجرة) وكلمة: من، للتبعيض، ويجوز أن يكون المعنى من جنس الشجرة. قوله: ((لا يسقط ورقها)»، جملة من الفعل والفاعل في محل النصب على أنها صفة لشجرة. قوله: ((وأنها))، بفتح: أن لأنها فاعل وقع، والنخلة، مرفوع لأنها خبر ان. قوله: ((حدثنا ما هي)) مبتدأ وهي خبره، والجملة سدت مسد المفعولين أيضاً، وقوله: ((هي النخلة) مبتدأ وخبر وقعت مقول القول. بيان المعاني: قوله: ((إن من الشجر شجرة))، مخرج على خلاف مقتضى الظاهر، لأن المخاطبین فیه كانوا مستشرفين كاستشراف الطالب المتردد، فلذلك حسن تأكيده: بأن، /٢٠