النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٤١) ومن أبى قاتلناه. قال: ((صدقت، إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة)). وجاء في (مسند أبي يعلى) الموصلي: ((أكانا في أم حدثا؟ قال: بل قديم. قلت: الحمد لله الذي جعلني على خلقين يحبهما الله تعالى)). والأناة، بفتح الهمزة مقصورة قال الجوهري: الأناة على وزن: قناة، يقال: تأنَّى في الأمر، أي: توقف وانتظر، ورجل آنٍ على وزن فاعل، أي: كثير الأناة. وقال القاضي: آنيت، ممدوداً، و: أنيت وتأنيت، وزاد غيره: استأنيت؛ وأصل الحلم، بالكسر، العقل. بيان استنباط الأحكام: وهو على وجوه. الأول: فيه وفادة الرؤساء إلى الأئمة عند الأمور المهمة. الثاني: قال ابن التين: يستنبط من قوله: ((أجعل لك سهماً من مالي)، على جواز أخذ الأجرة على التعليم. الثالث: استعانة العالم في تفهيم الحاضرين والفهم عنهم، کما فعله ابن عباس، رضي الله عنهما. الرابع: فيه استحباب قول: مرحباً للزوار. الخامس: فيه أنه ينبغي أن يحث الناس على تبليغ العلم. السادس: فيه الأمر بالشهادتين. السابع: فيه الأمر بالصلاة. الثامن: فيه الأمر بأداء الزكاة. التاسع: فيه الأمر بصيام شهر رمضان. العاشر: فيه وجوب الخمس في الغنيمة، قلَّت أم كثُرت، وإن لم يكن الإمام في السرية الغازية. الحادي عشر: النهي عن الانتباذ في الأواني الأربع، وهي أن تجعل في الماء حباً من تمر أو زبيب أو نحوهما ليحلو ويشرب، لأنه يسرع فيها الإسكار، فيصير حراماً، ولم ينه عن الانتباذ في أسقية الأدم، بل أذن فيها لأنها، لرقتها، لا يبقى فيها المسكر، بل إذا صار مسكراً شقها غالباً ثم إن هذا النهي كان في ابتداء الإسلام، ثم نسخ. ففي (صحيح مسلم) من حديث بريدة، رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله عَ ل قال: «كنت نهيتكم عن الانتباذ إلاّ في الأسقية، فانتبذوا في كل وعاء، ولا تشربوا مسكراً)). وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي والجمهور، وذهبت طائفة إلى أن النهي باقٍ، منهم: مالك وأحمد وإسحاق، حكاه الخطابي عنهم، قال: وهو مروي عن عمر وابن عباس، رضي الله عنهم، وذكر ابن عباس هذا الحديث لما استفتي دليل على أنه يعتقد النهي ولم يبلغه الناسخ، والصواب الجزم بالإباحة لتصريح النسخ. الثاني عشر: فيه دليل على عدم كراهة قول: رمضان، من غير تقييد بالشهر. الثالث عشر: فيه أنه لا عيب على الطالب للعلوم أو المستفتي أن يقول للعالم: أوضح لي الجواب، ونحو هذه العبارة. الرابع عشر: فيه ندب العالم إلى إكرام الفاضل. الخامس عشر: فيه أن الثناء على الإنسان في وجهه لا يكره، إذا لم يخف فيه بإعجاب ونحوه. السادس عشر: فيه دليل على أن الإيمان والإسلام بمعنى واحد، لأنه فسر الإسلام فيما مضى بما فسر الإيمان ههنا. السابع عشر: فيه أن الأعمال الصالحة إذا قبلت، تدخل صاحبها الجنة. الثامنة عشر: فيه أنه يبدأ بالسؤال عن الأهم. التاسع عشر: فيه دليل على العذر عند العجز عن توفية الحق واجباً أو مندوباً. قاله ابن أبي جمرة. العشرون: فيه الاعتماد على أخبار الآحاد، كما ذكرناه. الأسئلة والأجوبة: منها ما قيل: إن قوله: كنت، فعل ماض، وقوله: أقعد، للحال أو للاستقبال، فما وجه الجمع بينهما؟ أجيب: بأن: أقعد، حكاية عن الحال الماضية، فهو i i - عمدة القاري / ج٢ - ٣٢٢ ٤٨٢ ٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٤٢) ماضٍ، وذكر بلفظ الحال استحضاراً لتلك الصورة للحاضرين. كيف قال: أمرهم بأربع، ثم قال: أمرهم بالإيمان؟ أجيب: بأن الإيمان، باعتبار الأجزاء الأربعة، صح إطلاق الأربع عليه. ومنها ما قيل: لِمَ لَّمْ يذكر الحج وهو أيضاً من أركان الدين؟ أجيب: بأجوبة: الأول: إنما ترك ذكره لكونه على التراخي، وهذا ليس بجيد، لأن كونه على التراخي لا يمنع من الأمر به، وفيه خلاف بين الفقهاء، فعند أبي يوسف وجوبه على الفور، وهو مذهب مالك أيضاً. ومذهب أحمد أنه على التراخي. وهو مذهب الشافعي، لأن فرض الحج كان بعد الهجرة، وأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، كان قادراً على الحج في سنة ثمان وفي سنة تسع، ولم يحج إلاّ في سنة عشر. وأجيب: بأنه - عليه السلام - كان عالماً بإدراكه، فلذلك أخره بخلاف غيره، مع ورود الوعيد في تأخيره بعد الوجوب. الثاني: إنما تركه لشهرته عندهم، وهذا أيضاً ليس بجيد، لأنه عند غيرهم أشهر منه عندهم. الثالث: إنما تركه لأنه لم يكن لهم سبيل إليه من أجل كفار مضر؛ وهذا أيضاً ليس بجيد، لأنه لا يلزم من عدم الاستطاعة ترك الإخبار به ليعمل به عند الإمكان، على أن الدعوى أنهم كانوا لا سبيل لهم إلى الحج باطلة، لأن الحج يقع في الأشهر الحرم، وقد ذكروا أنهم كانوا يأمنون فيها، لكن يمكن أن يقال: إنما أخبرهم ببعض الأوامر لكونهم سألوه أن يخبرهم بما يدخلون به الجنة، فاقتصر لهم على ما يمكنهم فعله في الحال، ولم يقصد إعلامهم بجميع الأحكام التي تجب عليهم فعلاً وتركاً، ولهذا اقتصر في المناهي على الانتباذ في الأوعية لكثرة تعاطيهم لها. الرابع: وهو المعتمد عليه، ما أجاب به القاضي عياض من أن السبب في كونه لم يذكرالحج لأنه لم يكن فُرِضَ، لأن قدومهم كان في سنة ثمان، قبل فتح مكة، والحج فرض في سنة تسع. فإن قلت: أخرج البيهقي في (السنن الكبير) من طريق أبي قلابة عن أبي زيد الهروي عن قرة في هذا الحديث، وفيه ذكر الحج، ولفظه: ((وتحجوا البيت الحرام))، ولم يتعرض لعدد. قلت: هذه رواية شاذة، وقد أخرجه البخاري ومسلم ومن استخرج عليهما، والنسائي وابن خزيمة من طريق قرة، ولم يذكر أحد منهم الحج. ومنها ما قيل: لم عدل عن لفظ المصدر الصريح في قوله: ((وأن تعطوا من المغنم)) إلى ما في معنى المصدر، وهي: أن مع الفعل؟ أجيب: بأنه للإشعار بمعنى التجدد الذي للفعل، لأن سائر الأركان كانت ثابتة قبل ذلك، بخلاف إعطاء الخمس، فإن فرضيته كانت متجددة. ومنها ما قيل: لم خصصت الأوعية المذكورة بالنهي؟ أجيب: بأنه يسرع إليه الإسكار فيها، فربما شربه بعد إسكاره من لم يطلع عليه. ومنها ما قيل: ما الحكمة في الإجمال بالعدد قبل التفسير في قوله: بأربع، و: عن أربع؟ أجيب: لأجل تشويق النفس إلى التفصيل لتسكن إليه، ولتحصيل حفظها للسامع، حتى إذا نسي شيئاً من تفاصيل ما أجمل طلبته نفسه بالعدد، فإذا لم يستوفِ العدد الذي حفظه، علم أنه قد فاته بعض ما سمع، فافهم، والله أعلم بالصواب. ٤٢ - باب ما جاءَ أنّ الأَعْمَال بالنِّيَّةِ والحِسْبَةِ، ولِكَلُ آمرىء ما نَوَى الكلام فيه على وجوه. الأول: أن التقدير: هذا باب بيان ما جاء، وارتفاع الباب على ١٣٢٠ ٤٨٣ ٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٤٢) أنه خبر مبتدأ محذوف، وهو مضاف إلى كلمة: ما، التي هي موصولة، وأن، مفتوحة في محل الرفع على أنها فاعل جاء، والمعنى: ما ورد في الحديث ((الأعمال بالنية)). أخرجه البخاري ههنا بهذا اللفظ على ما يأتي الآن، وكذلك أخرجه بهذا اللفظ في باب هجرة النبي مَِّ، وقد ذكرنا في أول الكتاب أنه أخرج هذا الحديث في سبعة مواضع عن سبعة شيوخ. وقوله: ((ولكل امرىء ما نوى)) من بعض هذا الحديث. وقوله: ((والحسبة)) ليس من لفظ الحديث أصلاً، لا من هذا الحديث ولا من غيره، وإنما أخذه من لفظة: يحتسبها، التي في حديث أبي مسعود، رضي الله عنه، الذي ذكره في هذا الباب، فإن قلت: والحسبة، عطف على قوله: بالنية، وداخل في حكمه، وقوله: ما جاء يشمل كليهما، وكل منهما يؤذن بأنه من لفظ الحديث وليس كذلك. قلت: لا نسلم. أما المعطوف فلا يلزم أن يكون مشاركاً للمعطوف عليه في جميع الأحكام، وأما شمول قوله: ما جاء كلا اللفظين، فإنه أعم أن يكون باللفظ المروي بعينه، أو بلفظ يدل عليه مأخوذ منه، وقوله: الحسبة، إسم من قوله: يحتسبها، الذي ورد في حديث أبي مسعود، رضي الله عنه، فحينئذ دخلت هذه اللفظة تحت قوله: ما جاء. فإن قلت: سلمنا ذلك، ولكن قوله: ((ولكل امرىء ما نوى)) من تتمة قوله: ((الأعمال بالنية))، وقوله: ((والحسبة)) ليس منه ولا من غيره بهذا اللفظ، فكان ينبغي أن يقول: باب ما جاء أن الأعمال بالنية ولكل امرىء ما نوى والحسبة. قلت: نعم كان هذا مقتضى الظاهر، ولكن لما كان لفظ: الحسبة، من الاحتساب، وهو: الإخلاص، كان ذكره عقيب النية أمس من ذكره عقيب قوله: ((ولكل امرئ ما نوى))، لأن النية إنما تعتبر إذا كانت بالإخلاص. قال الله تعالى: ﴿مخلصين له الدين﴾ [الأعراف: ٢٩، يونس: ٢٢، العنكبوت: ٦٥، لقمان: ٣٢، غافر: ٦٥، البينة: ٥] وجواب آخر، وهو: أنه عقد هذا الباب على ثلاث تراجم: الأولى: هي أن الأعمال بالنية، والثانية: هي الحسبة، والثالثة: هي قول: ((ولكل امرىء ما نوی)». ولهذا أخرج في هذا الباب ثلاثة أحاديث، لكل ترجمة حديث، فحديث عمر، رضي الله عنه، لقوله: ((الأعمال بالنية)) وحديث أبي مسعود، رضي الله تعالى عنه، لقوله: ((والحسبة)) وحديث سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه لقوله: ((ولكل امرىء ما نوى)). فلو أخر لفظ: الحسبة، إلى آخر الكلام، وذكره عقيب قوله: ((ولكل امرىء ما نوى))، كان يفوت قصده التنبيه على ثلاث تراجم، وإنما كان يفهم منه ترجمتان: الأولى: من قوله ((الأعمال بالنية ولكل امرىء ما نوى)) والثانية: من قوله ((والحسبة)) فانظر إلى هذه النكات، هل ترى شارحاً ذكرها أو حام حولها؟ وكل ذلك بالفيض الإلهي والعناية الرحمانية. الوجه الثاني: وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور فى الباب الأول هو الأعمال التي يدخل بها العبد الجنة، ولا يكون العمل عملاً إلاّ بالنية والإخلاص، فلذلك ذكر هذا الباب عقيب الباب المذكور. وأيضاً فالبخاري أدخل الإيمان في جملة الأعمال، فيشترط فيها النية، وهو اعتقاد القلب بقوله، عليه الصلاة والسلام: ((الأعمال بالنية)). وقال ابن بطال: أراد البخاري الرد على المرجئة: أن الإيمان قول باللسان دون عقد القلب، ألا يرى إلى تأكيده i i i ٤٨٤ ٠٠٠ ٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (٤٢) بقوله: ((فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ... )) إلى آخر الحديث. الوجه الثالث: إن الحسبة، بكسر الحاء وسكون السين المهملة، اسم من الاحتساب، والجمع: الحسب. يقال: احتسبت بكذا أجراً عند الله، أي: اعتددته أنوي به وجه الله تعالى. ومنه قوله، عليه السلام: ((من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)). وفي حديث عمر، رضي الله عنه: ((يا أيها الناس! احتسبوا أعمالكم، فإن من احتسب عمله كتب له أجر عمله وأجر حسبته)). وقال الجوهري: يقال: احتسبت بكذا أجراً عند الله، والاسم: الحسبة، بالكسر، وهي الأجر. وكذا قال في (العباب): الحسبة بالكسر: الأجر، ويقال: إنه يحسن الحسبة في الأمر: إذا كان حسن التدبير له والحسبة، أيضاً: من الحساب. مثال: العقدة والركبة، وقال ابن دريد: احتسبت عليه بكذا، أي: أنكرته عليه. ومنه: محتسب البلد، واحتسب فلان ابناً أو بنتاً، إذا مات وهو كبير، فإن مات صغيراً قيل: افترطه. وقال ابن السكيت: احتسبت فلاناً: اختبرت ما عنده، والنساء يحتسبن ما عند الرجال لهن: أي يختبرن. وقال بعضهم: المراد بالحسبة طلب الثواب. قلت: لم يقل أحل من أهل اللغة: إن الحسبة طلب الثواب، بل معناها ما ذكرناه من أصحاب اللغات، وليس في اللفظ أيضاً ما يشعر بمعنى الطلب، وإنما الحسبة هو: الثواب، على ما فسره الجوهري، والثواب: هو الأجر على أنه لا يفسر به في کل موضع، ألا تری إلی حدیث عمر، رضي الله عنه: فإن فيه أجر حسبته، ولو فسرت الحسبة بالأجر في كل المواضع يصير المعنى فيه: كتب له أجر عمله وأجر أجره، وهذا لا معنى له، وإنما المعنى: له أجر عمله وأجر احتساب عمله، وهو إخلاصه فيه. أو المعنى: من اعتد عمله ناوياً، كتب له أجر عمله وأجر نيته. فَدَخَلَ فيهِ: الإِيمانُ والوُضُوءُ والصَّلاةُ والزَّكَاةُ والحَجُّ والصَّوْمُ والأحكامُ هذا من مقول البخاري لا من تتمة ما جاء، والدليل عليه ماصرح به في رواية ابن عساكر، فقال: قال أبو عبد الله: فدخل فيه الإيمان ... إلخ، والمراد بأبي عبد الله هو: البخاري نفسه. فإن قلت: ما الفاء في قوله: فدخل؟ قلت: فاء جواب شرط محذوف، تقديره: إذا كان الأعمال بالنية فدخل فيه الإيمان ... الخ، والضمير في: فيه، يرجع إلى ما تقدم من قوله: باب ما جاء أن الأعمال بالنية ... الخ، والتذكير باعتبار المذكور. ثم اعلم أنه ذكر هنا سبعة أشياء: الأول: الإيمان، فدخوله في ذلك على ما ذهب إليه البخاري من أن الإيمان عمل، وقد علم أن معنى الإيمان إما التصديق أو معرفة الله تعالى بأنه واحد لا شريك له، وكل ما جاء من عنده حق، فإن كان المراد الأول فلا دخل للنية فيه، لأن الشارع قال: ((الأعمال بالنية))، والأعمال حركات البدن، ولا دخل للقلب فيه. وإن كان المراد الثاني، فدخول النية فيه محال، لأن معرفة الله تعالى، لو توقفت على النية، مع أن النية قصد المنوي بالقلب، لزم أن يكون عارفاً بالله قبل معرفته، وهو محال، ولأن المعرفة، وكذا الخوف والرجاء، متميزة لله ٠١٠٠ ٤٨٥ ٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (٤٢) تعالى بصورتها، وكذا التسبيح وسائر الأذكار والتلاوة لا يحتاج شيء منها إلى نية التقريب. الثاني: الوضوء، فدخوله في ذلك على مذهبه، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وعامة أصحاب الحديث، وعن أبي حنيفة وسفيان الثوري والأوزاعي والحسن بن حيي: لا يدخل، وقالوا: ليس الوضوء عبادة مستقلة، وإنما هي وسيلة إلى الصلاة. وقال الخصم: ونوقضوا بالتيمم، فإنه وسيلة، وقد اشترط الحنفية النية فيه. قلت: هذا التعليل ينتقض بتطهير الثوب والبدن عن الخبث، فإنه طهارة، ولم يشترط فيها النية، فإن قالوا: الوضوء تطهير حكمي ثبت شرعاً غير معقول، لأنه لا يعقل في المحل نجاسة تزول بالغسل إذ الأعضاء طاهرة حقيقة وحكماً، إما حقيقة فظاهر، وإما حكماً فلأنه لو صلى إنسان وهو حامل محدث جازت الصلاة، وإذا ثبت أنه تعبدي، وحكم الشرع بالنجاسة في حق الصلاة فجعلها كالحقيقة، كان مثل التيمم، حيث جعل الشارع ما ليس بمطهر حقيقة مطهراً حكماً، فيشترط فيه النية كالتيمم، تحقيقاً لمعنى التعبد إذ العبادة لا تتأدى بدون النية، بخلاف غسل الخبث، فإنه معقول لما فيه من إزالة عين النجاسة عن البدن أو الثوب، فلا يتوقف على النية. قلنا: الماء مطهر بطبعه لأنه خلق مطهراً. قال الله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهوراً﴾ [الفرقان: ٤٨] كما أنه مزيل للنجاسة ومطهر بطبعه، وإذا كان كذلك تحصل الطهارة باستعماله، سواء نوى أو لم ينو، كالنار يحصل بها الإحراق، وإن لم يقصد. والحدث یعم البدن لأنه غير متجزىء إلى الجميع، ولهذا يوصف به کله، فيقال: فلان محدث، كسائر الصفات، إذ ليس بعض الأعضاء أولى بالسراية من البعض، إذ لو خصص بعض الأعضاء بالحدث لخصَّ موضع خروج النجاسة بذلك، لأنه أولى المواضع به لخروج النجاسة منه، لكنه لم يخص، فإنه لا يقال: مخرجه محدث، فإذا لم يخص المخرج بذلك فغيره أولى، وإذا ثبت أن البدن كله موصوف بالحدث كان القياس غسل كله، إلاّ أن الشرع اقتصر على غسل الأعضاء الأربعة التي هي الأمهات للأعضاء تيسيراً، وأسقط غسل الباقي فيما يكثر وقوعه، كالحدث الأصغر، دفعاً للحرج، وفيما عداه، وهو الذي لا يكثر وجوده كالحدث الأكبر، مثل: الجنابة والحيض والنفاس، أقر على الأصل حيث أوجب غسل البدن فيها، فثبت بما ذكرنا أن ما لا يعقل معناه وصف كل البدن بالنجاسة مع كونه طاهراً حقيقة، وحكمها دون تخصيص المخرج، وكذا الاقتصار على غسل بعض البدن، وهو الأعضاء الأربعة، بعد سراية الحدث إلى جميع البدن غير معقول، وكونهما مما لا يعقل لا يوجب تغيير صفة المطهر، فبقي الماء مطهراً كما كان، فيطهر مطلقاً. والنية لو اشترطت، إنما تشترط للفعل القائم بالماء وهو التطهير، لا الوصف القائم بالمحل وهو الحدث، لأنه ثابت بدون النية، وقد بينا أن الماء، فيما يقوم به من صفة التطهير، لا يحتاج إلى النية، لأنه مطهر طبعاً، فيكون التطهير به معقولاً، فلا يحتاج إلى النية، كما لا يحتاج في غسل الخبث بخلاف التراب، فإنه غير مطهر بطبعه لكونه ملوثاً بالطبع، وإنما صار مطهراً شرعاً حال إرادة الصلاة بشرط فقد الماء، فإذا وجدت نية إرادة الصلاة صار مطهراً، وبعد إرادة الصلاة وصيرورته مطهراً شرعاً (١ i ١٣٧٥ i ٤٨٦ ٠٠ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٤٢) مستغن عن النية، كما استغنى الماء عنها بلا فرق بينهما. الثالث: الصلاة، ولا خلاف أنها لا تجوز إلا بالنية. الرابع: الزكاة، ففيها تفصيل، وهو: أن صاحب النصاب الحولي إذا دفع زكاته إلى مستحقيها لا يجوز له ذلك إلاّ بنية مقارنة للأداء، أو عند عزل ما وجب منها تيسيراً له، وأما إذا كان له دين على فقير فأبرأه عنه، سقط زكاته عنه نوی به الزكاة أو لا، ولو وهب دينه من فقير، ونوى عنه زكاة دين آخر على رجل آخر، أو نوى زكاة عين له، لا يصح. ولو غلب الخوارج على بلدة فأخذوا العشر سقط عن أرباب الأموال بخلاف الزكاة، فإن للإمام أن يأخذها ثانياً، لأن التقصير ههنا من جهة صاحب المال حيث مر بهم، وهناك التقصير في الإمام حيث قصر فيهم. وقالت الشافعية: السلطان إذا أخذ الزكاة فإنها تسقط ولو لم ينو صاحب المال، لأن السلطان قائم مقامه. قلت: كان ينبغي - على أصلهم - أن لا تسقط إلاّ بالنية منه، لأن السلطان قائم مقامه في دفعها إلى المستحقين لا في النية، ولا حرج في اشتراط النية عند أخذ السلطان. الخامس: الحج، ولا خلاف فيه أنه لا يجوز إلاَّ بالنية لأنه داخل في عموم الحديث. فإن قلت: قال الشافعي: إذا نوى الحج عن غيره ينصرف إلى حج نفسه، ويجزيه عن فرضه، وقد ترك العمل بعموم الحديث. قلت: قالت الشافعية: أخرجه الشافعي من عموم الحديث بحديث شبرمة، والعمل بالخاص مقدم لأنه جمع بين الدليلين، وحديث شبرمة رواه أبو داود عن إسحاق بن إسماعيل وهناد بن السري المعنى واحد. قال إسحاق: أنبأ عبدة بن سليمان عن ابن أبي عروبة عن قتادة عن عروة عن سعيد بن جبير: ((عن ابن عباس أن النبي صَ لَ﴾. سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة. قال: (من شبرمة))؟ قال: أخ له، أو قريب له. قال: ((حججت عن نفسك))؟ قال: لا. قال: ((حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة)). رواته كلهم رجال مسلم، إلاّ إسحاق بن إسماعيل شيخ أبي داود، وقد وثقه بعضهم. وقال البيهقي: هذا إسناد صحيح ليس في هذا الباب أصح منه، وقد أخرجه ابن ماجة أيضاً في (سننه) وجاء في رواية البيهقى: (فاجعل هذه عن نفسك، ثم حج عن شبرمة)). وفي رواية له أيضاً: «هذه عنك، وحج عن شبرمة)). وقال: فهم من هذا الحديث: أنه لا بد من تقديم فرض نفسه، وهو قول ابن عباس والأوزاعي وأحمد وإسحاق، واحتجت الحنفية بما رواه البخاري ومسلم: ((أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله إن أبي أدركته فريضة الحج، وإنه شيخ كبير لا يستمسك على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: ((نعم حجي عن أبيك)) من غير استفسار: هل حججت أم لا؟ وهذا أصح من حديث شبرمة، على أن الدارقطني قال: الصحيح من الرواية: ((اجعلها في نفسك ثم حج عن شبرمة)). قالوا: كيف يأمره بذلك والإحرام وقع عن الأول؟ قلنا: يحتمل أنه كان في ابتداء الإسلام حين لم يكن الإحرام لازماً على ما روي عن بعض الصحابة أنه تحلل في حجة الوداع عن الحج بأفعال العمرة، فكان يمكنه فسخ الأول وتقديم حج نفسه، والزيادات التي رواها البيهقي لم تثبت. ٠٠٠٠. ٤٨٧ ٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٤٢) السادس: الصوم، ففيه خلاف، فمذهب عطاء ومجاهد وزفر أن الصحيح المقيم في رمضان لا يحتاج إلى نية، لأنه لا يصح في رمضان النفل فلا معنى للنية؟ وعند الأئمة الأربعة: لا بد من النية، غير أن تعيين الرمضانية ليس بشرط عند الحنفية، حتى لو صام رمضان بنية قضاء أو نذر عليه أو تطوع أنه يجزىء عن فرض رمضان. فإن قلت: لِمَ قدم الحج على الصوم؟ قلت: بناء على ما ورد عنده في حديث: ((بني الإسلام على خمس)). وقد تقدم. السابع: الأحكام، قال الكرماني: قوله: الأحكام أي: بتمامها، فيدخل فيه تمام المعاملات والمناكحات والجراحات، إذ يشترط فى كلها القصد إليه، ولهذا لو سبق لسانه من غير قصد إلى: بعت ورهنت وطلقت ونكحت، لم يصح شيء منها. قلت: كيف يصح أن يقال: الأحكام بتمامها، وكثير منها لا يحتاج إلى نية، بخلاف بين العلماء؟ فإن قال هذا بناء على مذهبه فمذهبه ليس كذلك، فإن القاضي أبا الطيب نقل عن البويطي عن الشافعي أن: مَن صرح بلفظ الطلاق والظهار والعتق، ولم يكن له نية، يلزمه في الحكم. وكذلك أداء الدين ورد الودائع والأذان والتلاوة والأذكار والهداية إلى الطريق وإماطة الأذى عبادات كلها تصح بلا نية إجماعاً. وقال بعضهم: والأحكام أي: المعاملات التي يدخل فيها الاحتياج إلى المحاكمات، فيشمل البيوع والأنكحة والأقارير وغيرها. قلت: هذا أيضاً مثل ذلك، فإن رد الودائع فيما تقع به فيه المحاكمة، مع أن النية ليست بشرط فيه إجماعاً، وكذلك أداء الدين. فإن قلت: مؤدي الدين أو راد الوديعة يقصد براءة الذمة، وذلك عبادة. قلت: نحن لا ندعي أن النية لا توجد في مثل هذه الأشياء، وإنما ندعي عدم اشتراطها، ومؤدي الدين إذا قصد براءة الذمة برئت ذمته وحصل به الثواب، وليس لنا فيه نزاع، وإذا أدى من غير نية براءة الذمة، هل يقول أحد إن ذمته لا تبرأ؟ وقال ابن المنير: كل عمل لا تظهر له فائدة عاجلاً، بل المقصود به طلب الثواب، فالنية شرط فيه، وكل عمل ظهرت فائدته ناجزة، وتقاضته الطبيعة، فلا يشترط فيه النية، إلاَّ لمن قصد بفعله معنى آخر يترتب عليه الثواب. قال: وإنما اختلفت العلماء في بعض الصور لتحقق مناط التفرقة. قال: وأما ما كان من المعاني المختصة: كالخوف والرجاء، فهذا لا يقال فيه باشتراط النية، لأنه لا يمكن إلاَّ منوياً ومتى فرضت النية مفقودة فيه استحالت حقيقته، فالنية فيها شرط عقلي، وكذلك لا تشترط النية للنية فراراً من التسلسل. قلت: فيه نظر من وجوه. الأول: في قوله: كل عمل لا يظهر له فائدة، فإنه منقوض بتلاوة القرآن والأذان وسائر الأذكار فإنها أعمال لا تظهر لها فائدة عاجلاً، بل المقصود منها طلب الثواب، مع أن النية ليست بشرط فيها بلا خلاف. الثاني: في قوله: وكل عمل ظهرت ... إلى آخره. فإنه منقوض أيضاً بالبيع والرهن والطلاق والنكاح بسبق اللسان من غير قصد، فإنه منقوض لم يصح شيء منها على أصلهم لعدم النية. الثالث: في قوله: وأما ما كان من المعاني المختصة ... إلى آخره، فإنه جعل النية فيه حقيقة تلك المعاني، ثم قال: ٦٠ i ے i i ١,٥٠١ ٠٠ ٤٨٨ 199 + ٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٤٢) فالنية فيها شرط عقلي، وبين الكلامين تناقض. الرابع: في قوله: وكذلك لا تشترط النية للنية فراراً من التسلسل، فإنه بنى عدم اشتراط النية للنية على الفرار من التسلسل وليس كذلك، لأن الشارع شرط النية للأعمال، وهي حركات البدن، والنية خطرة القلب وليست من الأعمال، ويدل عليه أيضاً قوله عَ ادٍ: ((نية المؤمن خير من عمله)). فإذا كانت النية عملاً يكون المعنى: عمل المؤمن خير من عمله. وهذا لا معنى له. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ كُلِّ يَعْمَل على شاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤] على زيّهِ. قال الكرماني: الظاهر أنه جملة حالية لا عطف، وحكاه بعضهم عنه، ثم قال. أي مع أن الله قال: قلت: ليت شعري ما هذه الحال؟ وأين ذو الحال؟ وهل هي مبنية لهيئة الفاعل أو لهيئة المفعول؟ على أن القواعد النحوية تقتضي أن الفعل الماضي المثبت إنما يقع حالاً إذا كان فيه: قد، لأن الماضي من حيث إنه منقطع الوجود عن زمان الحال مناف له، فلا بد من: قد، لتقربه من الحال لأن القريب من الشيء في حكمه. فإن قلت: لا يلزم أن تكون ظاهرة، بل يجوز أن تكون مضمرة، كما في قوله تعالى: ﴿أو جاءکم حصرت صدورهم﴾ [النساء: ٩٠] أي: قد حصرت. قلت: أنكر الكوفيون إضمار: قد، وقالوا: هذا خلاف الأصل، أولوا الآية: بأو جاءكم حاصرة صدورهم. نعم، يمكن أن تجعل الواو هنا للحال، لكن بتقدير محذوف، وتقدير هذه الجملة إسمية، وهو أن يقال تقديره: وكيف لا يدخل الإيمان وأخواته التي ذكرها في قوله الأعمال بالنية، والحال أن الله تعالى قال: ﴿قل كل يعمل على شاكلته﴾ [الإسراء: ٨٤] وقوله: لا عطف، ليس بسديدٍ لأنه يجوز أن يكون للعطف على محذوف، تقديره: يدخل فيه الإيمان ... الخ، لأنه معَّم قال: ((الأعمال بالنية)) وقال تعالى: ﴿قل كل يعمل على شاكلته﴾ [الإسراء: ٨٤]، وتفسير بعضهم بقوله: أي إن الله تعالى، يشعر بأن الواو ههنا للمصاحبة، وقد تبع الكرماني بأنها للحال، وبينهما تنافٍ، على أن الواو بمعنى: مع، لا تخلو إما أن تكون من باب المفعول معه، أو هي الواو الداخلة على المضارع المنصوب لعطفه على اسم صريح أو مؤول كقوله: ولبس عباءة وتقرعيني والثاني: شرطه أن يتقدم الواو نفي أو طلب، ويسمي الكوفيون هذه: واو الصرف، وليس النصب بها خلافاً لهم، ومثاله: ﴿ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين﴾ [آل عمران: ١٤٢] وقول الشاعر: لا تنة عن خلق وتأتي مثله والواو هنا ليست من القبيلين المذكورين، ويجوز أن تكون الواو ههنا بمعنى: لام التعليل، على ما نقل عن المازري، أنها تجيء بمعنى لام التعليل، فالمعنى على هذا، فدخل فيه الإيمان وأخواته لقوله تعالى: ﴿قل كل يعمل على شاكلته﴾ [الإسراء: ٨٤] قال الليث: الشاكلة من الأمور ما وافق فاعله، والمعنى أن كل أحد يعمل على طريقته التي تشاكل أخلاقه، فالكافر يعمل ما يشبه طريقته من الإعراض عند النعمة واليأس عند الشدة، والمؤمن ٣٩, ٠٣٠ ٤٨٩ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٤٢) يعمل ما يشبه طريقته من الشكر عند الرخاء والصبر عند البلاء، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا﴾ [الإسراء: ٨٤]. وقال الزجاج: على شاكلته: على طريقته ومذهبه، ونقل ذلك عن مجاهد أيضاً، ومن هذا أخذ الزمخشري، وقال: أي على مذهبه وطريقته التي تشاكل كل حاله في الهدى والضلالة، من قولهم: طريق ذو شواكل، وهي الطرق التي تتشعب منه، والدليل عليه قوله ﴿فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا﴾ [الإسراء: ٨٤] أي أسد مذهباً وطريقة، وقوله: على نيته تفسير لقوله: على شاكلته، وحذف منه حرف التفسير، وهذا التفسير روي عن الحسن البصري ومعاوية بن قرة المزني وقتادة فيما أخرجه عبد بن حميد والطبري عنهم. وفي (العباب) وقوله تعالى: ﴿قل كل يعمل على شاكلته﴾ [الإسراء: ٨٤] أي: على ناحيته وطريقته. وقال قتادة: أي على جانبه وعلى ما ينوي. وقال ابن عرفة: أي على خليقته ومذهبه وطريقته. ثم قال في آخر الباب: والتركيب يدل معظمه على المماثلة. وقال النَّبِيُّ عَّهِ: ((ولَكِنْ جِهِادٌ ونِيَّةٌ)). هو قطعة من حديث لابن عباس رضي الله عنهما أوله: ((لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا))، أخرجه ههنا معلقاً، وأخرجه مسنداً في الحج والجهاد والجزية، أما في الحج فعن عثمان بن أبي شيبة، وفيه وفي الجزية عن علي بن عبد الله كلاهما عن جرير، وأما في الجهاد فعن آدم عن شيبان، وعن علي بن عبد الله، وعمرو بن علي كلاهما عن يحيى بن سعيد عن سفيان، وأخرجه مسلم في الجهاد عن يحيى بن يحيى، وفيه وفي الحج عن إسحاق بن إبراهيم كلاهما عن جرير، وفيهما أيضاً عن محمد بن رافع عن يحيى بن آدم، وفي نسخة عن محمد بن رافع وإسحاق عن يحيى بن آدم عن مفضل بن مهلهل، وفي الجهاد أيضاً عن أبي بكر وأبي كريب كلاهما عن وكيع عن سفيان، وعن عبد بن حميد عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل، وفي نسخة عن شيبان بدل إسرائيل، خمستهم عن منصور عنه به، وأخرجه أبو داود في الجهاد والحج عن عثمان به مقطعاً، وأخرجه الترمذي في السير عن أحمد بن عبدة الضبي عن زياد بن عبد الله البكائي عن منصور به، وقال: حسن صحيح، وأخرجه النسائي فيه، وفي البيعة عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن سعيد به، وفي الحج عن محمد بن قدامة عن جرير، وعن محمد بن رافع به مختصراً، والمعنى: أن تحصيل الخير بسبب الهجرة قد انقطع بفتح مكة ولكن حصلوه في الجهاد ونية صالحة، وفيه الحث على نية الخير مطلقاً وإنه يثاب على النية. قوله: ((جهاد)) مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: ولكن طلب الخير جهاد ونية. ونفَقَةُ الرَّجُلِ على أهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا صَدَقَةٌ. هذا من معنى حديث أبي مسعود الذي يذكره عن قريب. قوله ((ونفقة الرجل)) كلام إضافي مبتدأ وخبره قوله ((صدقة))، وقوله ((يحتسبها)) حال من الرجل أي: حال كونه مريداً بها وجه الله تعالى، وقد فسرنا معنى الاحتساب مستوفى عن قريب. وقال الكرماني: ذكر هذا ت. +هـم i ٠۵ ٦٠- مدة ٤٩٠ ٠ -. ٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٤٢) تقوية لما ذكره من قبل. قلت: لما عقد الباب على ثلاث تراجم ذكر لكل ترجمة ما يطابقها من الكلام بعد قوله، فدخل فيه الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة والحج والصوم والأحكام. فقوله: وقال تعالى: ﴿قل كل يعمل على شاكلته﴾ [الإسراء: ٨٤] لقوله ((إن الأعمال بالنية)). وقوله: قال النبي عَّ له: ((ولكن جهاد ونية)) لقوله ((ولكل امرئ ما نوى))، وقوله ((ونفقة الرجل على أهله يحتسبها صدقة)) لقوله: والحسبة، ولذلك ذكر ثلاثة أحاديث، فحديث عمر، رضي الله عنه، لقوله ((الأعمال بالنية)). وحديث أبي مسعود، لقوله ((والحسبة))، وحديث سعد بن أبي وقاص، لقوله: ((ولكل امرىء ما نوى)). ٥٤/١ - حدّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ مَسْلَمَةَ قال: أَخْبَرَنَا مالِكٌ عنْ يَحيَى بِنِ سَعِيدٍ عنْ مُحَمّدٍ بِنِ إِنْرَاهِيمَ عن عَلْقَمَةَ بِنٍ وَقَّاصٍ عنْ عُمَرَ أنّ رسولَ اللَّهِ عَ لَِّ قال: «الأَغَمَالُ بالنِّيَّةِ ولِكُلِّ امْرِىءٍ ما نَوَى، فَمَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورسولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورسولِهِ، ومَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لدنْيَا يُصِيبُهَا أو امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُها فَهِجْرَتُهُ إلى ما هاجَرَ إِليهِ)). [الحديث ٥٤ - انظر الحديث: ١ وأطرافه]. قد مر الكلام فيه مستوفى في أول الكتاب لأنه صدر كتابه بهذا الحديث، وكذلك الكلام في رجاله. ومسلمة، بفتح الميمين واللام، وقال الكرماني: فإن قلت: لما كان الحديث بتمامه صحيحاً ثابتاً عند البخاري لم خرمه في صدر الكتاب مع أن الخرم جوازه مختلف فيه؟ قلت: لا خرم، بالجزم، لأن المقامات مختلفة، فلعل في مقام بيان أن الإيمان من النية، واعتقاد القلب سمع الحديث تماماً، وفي مقام أن الشروع في الأعمال إنما يصح بالنية، سمع ذلك القدر الذي روى، ثم إن الخرم محتمل أن يكون من بعض شيوخ البخاري لا منه، ثم إن كان منه فخرمه ثمة لأن المقصود يتم بذلك المقدار. فإن قلت: كان المناسب أن يذكر عند الخرم الشق الذي يتعلق بمقصوده، وهو: أن النية ينبغي أن تكون لله تعالى ولرسوله عَّله؟ قلت: لعله نظر إلى ما هو الغالب الكثير بين الناس. انتهى. قلت: هذا كله إطناب في الكلام، والذي ينبغي أن يقال: إن هذه الزيادة والنقصان في هذا الحديث وأمثاله من اختلاف الرواة، فكل منهم قد روى ما سمعه. فلا خرم فيه لا من البخاري ولا من شيوخه، وإنما البخاري ذكر كل ما رواه من الأحاديث التي فيها زيادة ونقصان بحسب ما يناسب الباب الذي وضعه ترجمة له. ٥٥/٢ - حدّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهَالٍ قال: حدّثنا شُعْبَةُ قال: أُخْبَرَنِي عَدِيُّ بنُ ثابت قال: سَمِعْتُ عبّد اللَّهِ بنَ تَزِيدَ عنْ أَبي مَسْعُودٍ عنِ النبيِّ عَ لَّه قال: ((إذا أَنْفَقَ الرَّجُلُ على أَهْلِهِ يَخْتَسِبُها فَهُوَ لَهُ صَدَقَّةٌ)). [الحديث ٥٥ - طرفاه في: ٤٠٠٦، ٥٣٥١]. قد قلنا: إن الباب معقود على ثلاث تراجم،. لكل ترجمة حديث يطابقها، وهذا الحديث للترجمة الثانية، وهي قوله ((والحسبة)). بيان رجاله: وهم خمسة. الأول: الحجاج بن منهال، بكسر الميم، أبو محمد بيان: .-.. ٤٩١ ٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٤٢) الأنماطي السلمي، مولاهم وغيره سمع شعبة من الأعلام، وروى عنه محمد بن يحيى الذهلي وابن وارة والبغوي وإسماعيل القاضي والبخاري وآخرون، اتفق على توثيقه، وكان رجلاً صالحاً وكان سمساراً يأخذ من كل دينار حبة، فجاء خراساني موسر من أصحاب الحديث فاشترى له أنماطاً وأعطاه ثلاثين ديناراً، فقال: خذ هذه سمسرتك، قال: دنانيرك أهون علي من هذا التراب، هات من كل دينار حبة، وأخذ ذلك. قال أحمد بن عبد الله: هو بصري ثقة، مات بالبصرة سنة ست عشرة أو سبع عشرة ومائتين، قال الشيخ قطب الدين في (شرحه) وروى له البخاري، وروى مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن رجل عنه، وقال النووي في (شرحه): روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود، وقال المزني في (تهذيبه): روى له الستة، والصواب أن البخاري ومسلماً وأبا داود رووا عنه، والثلاثة البقية رووا له، وليس في الكتب الستة حجاج بن منهال سواه. الثاني: شعبة بن حجاج، وقد مر ذكره غير مرة. الثالث: عدي بن ثابت الأنصاري الكوفي، سمع جده لأمه عبد الله بن زيد الأنصاري والبراء بن عازب وغيرهما من الصحابة، روى عنه الأعمش وشعبة وغيرهما، قال أحمد، ثقة: وقال أبو حاتم: صدوق وكان إمام مسجد الشيعة بالكوفة وقاضيهم، مات سنة ست عشرة ومائة، روى له الجماعة. الرابع: عبد الله بن يزيد بن حصين بن عمرو بن الحارث بن خطمة، واسمه عبد الله بن خيثم بن مالك بن أوس، أخي الخزرج ابني حارثة بن ثعلبة العنقاء، لطول عنقه، ابن عمرو مزيقيا ابن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرىء القيس البطريق بن ثعلبة البهلول بن مازن بن الأزد، الأنصاري الخطمي الصحابي، سكن الكوفة، وكان أميراً عليها، شهد الحديبية وهو ابن سبع عشرة سنة، وشهد صفين والجمل والنهروان مع علي رضي الله عنه، و کان الشعبي کاتبه، و کان من أفاضل الصحابة وقيل: إن لأبيه يزيد صحبة، روي له عن رسول الله عَ ل سبعة وعشرون حديثاً، أخرج البخاري منها حديثين: أحدهما في الاستسقاء موقوف، وفي المظالم حديث النهي عن النهبى والمثلة، ومسلم أحدهما، وأخرجا له عن البراء وأبي مسعود وزيد بن ثابت: رضي الله عنهم، مات زمن ابن الزبير، رضي الله عنهما، قال الواقدي: وفي الصحابة عبد الله بن يزيد جماعة، هذا أحدهم، والثاني: عبد الله بن يزيد القاري، له ذكر في حديث عائشة أنه عليه السلام، سمع قراءته. والثالث: عبد الله بن يزيد النخعي، والرابع: عبد الله بن يزيد البجلي، له حديث: ((إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه)). أورده ابن قانع. والخامس: غلط فيه ابن المبارك في حديث ابن مربع. كانوا على مساجدكم. الخامس: أبو مسعود عقبة بن عمرو بن ثعلبة بن أسيرة، بفتح الهمزة وكسر السين، وقيل بضمها، وقيل: يسيرة، بضم أوله، بن عسيرة، بفتح العين وكسر السين المهملتين، ابن عطية بن جدارة، بكسر الجيم، وقال ابن عبد البر بضم الخاء المعجمة، ابن عوف بن الخزرج، الأنصاري الخزرجي البدري، شهد العقبة مع السبعين، وكان أصغرهم، وشهد أحداً ثم الجمهور على أنه لم يشهد بدراً، وإنما سكنها. وقال حمدون بن شهاب الزهري، وابن إسحاق صاحب (المغازي)، والبخاري في (صحيحه): شهدها، و کذا الحكم بن عتبة، وقال. i ٤٩٢ ٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٤٢) ابن سعد: قال محمد بن عمر وسعد بن إبراهيم وغيرهما: لم يشهد بدراً، وقال الحكم وغيره من أهل الكوفة: شهدها، وأهل المدينة أعلم بذلك. روي له عن رسول الله عَنَ ﴾ مائة حديث وحديثان، اتفقا منها على تسعة، وللبخاري حدیث، ولمسلم سبعة، روى عنه عبد الله بن يزيد الخطمي وابنه بشير وغيرهما، سكن الكوفة ومات بها، وقيل: بالمدينة، قبل الأربعين، قيل: سنة إحدى وثلاثين، وقيل: سنة إحدى أو اثنتين وأربعين، روى له الجماعة. وفي الصحابة: أبو مسعود، هذا، وأبو مسعود الغفاري قيل: اسمه عبد الله، وثالث الظاهر أنه الأول. بيان الأنساب: الأنماطي: بفتح الهمزة وسكون النون، نسبة إلى بيع الأنماط، وهو جمع نمط، وهو ضرب من البسط. السلمي، بضم السين وفتح اللام، نسبة إلى سليم بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس غيلان، وهو من شاذ النسب، والقياس: السليمي. وقال الرشاطي: السلمي في قیس غيلان، وفي الأزد، فالذي في قیس غيلان سليم بن منصور كما ذكرنا، والذي في الأسد سليم بن فهم بن غنم بن دوس. الخطمي، بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء، نسبة إلى: خطمة، أحد أجداد عبد الله بن يزيد، وقد ذكرنا أن اسمه عبد الله، وإنما سمي: خطمة، لأنه ضرب رجلاً على خطمه، أي: أنفه. وقال الجوهري: الخطم من كل طائر منقاره، ومن كل دابة مقدم أنفه، وفيه: والمخاطم الأنوف، واحدها: مخطم، بكسر الطاء. ورجل أخطم طويل الأنف. البدري، بفتح الباء الموحدة نسبة إلى بدر، وهو الموضع الذي لقي فيه رسول الله عَ ليه المشركين من قريش، فأعز الإسلام وأظهر دينه، وهذا الموضع يسمى: بدراً باسم الذي احتفر فيه البئر، وهو: بدر بن يخلد بن النضر بن كنانة، بينه وبين المدينة ثمانية برد وميلان. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والإخبار والسماع والعنعنة. ومنها: أن رواته ما بين بصري وواسطي وكوفي. ومنها: أن فيه رواية صحابي عن صحابي. ومنها: أنه وقع للبخاري غالباً خماسياً. ولمسلم من جميع طرقه سداسياً. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري ههنا عن حجاج بن منهال، وفي المغازي عن مسلم، وفي النفقات عن آدم. وأخرجه مسلم في الزكاة عن ابن معاذ عن أبيه، وعن محمد بن بشار، وأبي بكر بن رافع عن غندر، وعن أبي كريب عن وكيع، كلهم عن شعبة عن عدي بن ثابت عن عبد الله بن يزيد عن أبي مسعود به وقال: حسن صحيح وأخرجه النسائي في الزكاة عن ابن بشار عن غندر، وفي عشرة النساء عن إسماعيل بن مسعود عن بشر بن المفضل كلاهما عن شعبة. بيان اللغات: قوله ((أنفق) من: إنفاق المال، وهو إنفاده وإهلاكه، والنفقة اسم، وهي من الدراهم وغيرها، ويجمع على نفاق، بالكسر. نحو: ثمرة وثمار، وقال الزمخشري: أنفق الشيء وأنفده أخوان، وعن يعقوب: نفق الشيء ونفد، واحد وكل ما جاء مما فاؤه نون، وعينه فاء، فدال على معنى الخروج والذهاب، ونحو ذلك، إذا تأملت. قلت: معنى قوله: إخوان بينهما الاشتقاق الأكبر، فإن بينهما تناسباً في التركيب وفي المعنى لاشتمال كل ٤٩٣ ٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٤٢) منهما على معنى الخروج والذهاب. قوله ((على أهله))، وفي (العباب): الأهل أهل الرجل وأهل الدار، وكذلك الأهلة، والجمع: أهلات وأهلون، والأهالي زادوا فيه الياء على غير قياس كما جمعوا ليلاً على ليالي، وقد جاء في الشعر: أهال مثل: فرخ وأفراخ، وأنشد الأخفش: وبلدة ما الأنس من أمالها ترى بها العوهق من وثالها ومنزل أهلَّ به أهله، وقال ابن السكيت مكان مأهول فيه أهله، ومكان آهل له أهل، وقال ابن عباد: يقولون: هو أهلة، لكل خير بالهاء، والفرق بين الأهل والآل أن: الآل يستعمل في الأشراف. وفي (العباب): آل الرجل: أهله وعياله، وآله: أيضاً أتباعه. قال تعالى: ﴿ كدأب آل فرعون﴾ [آل عمران: ١١، الأنفال: ٥٢ و٥٤] وقال ابن عرفة: يعني من آل إليه بدين أو مذهب أو نسب، وآل النبي عَّهُ عشيرته. وقال أنس رضي الله عنه: ((سئل رسول الله عَّه: مَن آل محمد؟ قال: ((كل تقي)). قلت: هو واوي، فلذلك ذكره أهل اللغة في باب أول. قوله ((يحتسبها) من الاحتساب وقد فسرناه عن قريب. قوله ((صدقة)) وهي: ما تصدقت به على الفقراء. ٠٥٠ بيان الإعراب: قوله: ((إذا) كلمة فيها معنى الشرط و: ((أنفق الرجل)) جملة من الفعل والفاعل فعل الشرط، قوله: ((على أهله)) يتعلق بأنفق. قوله ((يحتسبها)) جملة فعلية مضارعية وقعت حالاً من: الرجل، والمضارع إذا وقع حالاً وكان مثبتاً لا يجوز فيه الواو على ما عرف. قوله ((فهو له صدقة)) جواب الشرط، فلذلك دخلت فيها الفاء. قوله ((فهو)) مبتدأ. والجملة، أعني قوله: ((له صدقة))، خبره فقوله: صدقة، مبتدأ و: له، مقدماً خبره، والضمير أعني: هو، يرجع إلى الإنفاق الذي يدل عليه قوله ((أنفق))، كما في قوله تعالى ﴿اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ [المائدة: ٨] أي: العدل أقرب إلى التقوى. بيان المعاني: في قوله: ((إذا أنفق))، حذف المعمول ليفيد التعميم، والمعنى: إذا أنفق أي نفقة كانت صغيرة أو كبيرة، وفيه ذكر: إذا، دون إن، لأن أصل: إن، عدم الجزم بوقوع الشرط، واصل: إذا، الجزم به، وغلب لفظ الماضي مع: إذا، على المستقبل في الاستعمال، فإن استعمال: إذا أكرمتني أكرمتك، مثلاً، أكثر من استعمال: إذا تكرمني أكرمك، لكون الماضي أقرب إلى القطع بالوقوع من المستقبل، نظراً إلى اللفظ لا إلى المعنى، فإنه يدل على الاستقبال لوقوعه في سياق الشرط، وفيه التنبيه بالحال لإفادة زيادة تخصیص له، فكلما ازداد الكلام تخصیصاً ازداد الحکم بعداً، کما أنه كلما ازداد عموماً ازداد قرباً، ومتى كان احتمال الحكم أبعد كانت الفائدة في إيراده أقوى. قوله ((يحتسبها)) أي: يريد بها وجه الله، والنفقة المطلقة في الأحاديث ترد إلى هذا الحديث وأمثاله المقيد بالنية، لحديث امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وامرأة من الأنصار وسؤالهما: أتجزىء الصدقة عنهما على أزواجهما وأيتامهما؟ فقال رسول الله عَ له: ((لهما أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة)). وقول أم سلمة رضي الله عنهما: ((هل لي أجر في بني أبي سلمة أنفق عليهم؟ فقال رسول الله مَ: ((نعم لك أجر ما أنفقت)). وقال القرطبي: في قوله: يحتسبها، أفاد بمنطوقه أن الأجر في i i ٤٩٤ ٢ - كتابُ الإِيمانِ / باب (٤٢) الإنفاق إنما يحصل بقصد القربة واجبة أو مباحة، وأفاد بمفهومه أن من لم يقصد القربة لم يؤجر، لكن تبرأ ذمته من الواجبة لأنها معقولة المعنى. بيان البيان: فيه إطلاق النفقة على الصدقة مجازاً، إذ لو كانت الصدقة حقيقية كانت تحرم على الرجل أن ينفق على زوجته الهاشمية، ووجود الإجماع على جواز الإنفاق على الزوجات الهاشميات وغيرها قام قرينة صارفة عن إرادة الحقيقة، والعلاقة بين الموضوع له وبين المعنى المجازي ترتب الثواب عليهما وتشابههما فيه، فإن قلت: كيف يتشابهان وهذا الإنفاق واجب، والصدقة في العرف لا تطلق إلاَّ على غير الواجب، اللهم إلاَّ أن تقيد بالفرض ونحوه؟ قلت: التشبيه في أصل الثواب لا في كميته ولا كيفيته. فإن قلت: شرط البيانيون في التشبيه أن يكون المشبه به أقوى، وههنا بالعكس، لأن الواجب أقوى في تحصيل الثواب من النفل. قلت: هذا هو التشابه لا التشبيه، والتشبيه لا يشترط فيه ذلك، وتحقيق هذا الكلام أنه إذا أريد مجرد الجمع بين الشيئين في أمر، وأنهما متساويان في جهة التشبیه: کعمامتین متساویتین في اللون، فالأحسن ترك التشبيه إلى الحكم بالتشابه ليكون كل واحد من الطرفين مشبهاً ومشبهاً به احترازاً من ترجيح أحد المتساويين من جهة التشبيه على الآخر، لأن في التشبيه ترجيحاً، وفي التشابه تساوياً. ويجوز التشبيه أيضاً في موضع التشابه، لكن إذا وقع التشبيه في باب التشابه صح فيه العكس، بخلافه فيما عداه، وكان حكم المشبه به على خلاف ما ذكر من أن حقه أن يكون أعرف بجهة التشبيه من المشبه، وأقوى حالاً، كتشبيه غرة الفرس بالصبح وعكسه، فيقال: بدا الصبح كغرة الفرس، وبدت غرة الفرس كالصبح، متى أريد بوجه الشبه ظهور منير في سواد أكثر منه مظلم، أو حصول بياض، فإنه متى كان المراد بوجه الشبه هذا كان من باب التشابه، وينعكس التشبيه لعدم اختصاص وجه الشبه حينئذٍ بشيء من الطرفين، بخلاف ما لو لم يكن وجه الشبه ذلك، كالمبالغة في الضياء، فإنه لا يكون من باب التشابه، ولا مما ينعكس في التشبيه. قوله ((على أهله)) خاص بالولد والزوجة، لأنه إذا كان الإنفاق في الأمر الواجب كالصدقة فلا شك أن يكون آكد، ويلزم منه كونه صدقة في غير الواجب بالطريق الأولى. ٥٦/٣ - حدثنا الحَكَمُ بنُّ نافع قال: أُخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال: حدّثني عامِرُ ابنُّ سَعْدٍ عِنْ سَعْدٍ بِنِ أبِي وَقاصِ أَنَّهُ أَخْبَرَةً أنّ رسول اللّهِ مَّ ◌َه قال: ((إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَّةٌ تَبْتَغِي بِها وَجْهَ اللَّهِ إِلاَّ أَجِزْتَ عَليْهَا حَتَّى ما تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ)). [الحديث ٥٦ - أطرافه في: ١٢٩٥، ٢٧٤٢، ٢٧٤٤، ٣٩٣٦، ٤٤٠٩، ٥٣٥٤، ٥٣٥٩، ٥٦٥٩، ٥٦٦٨، ٦٣٧٣، ٦٧٣٣]. هذا الحديث للترجمة الثالثة، كما ذكرنا، وهذا الإسناد بعينه قد ذكر في باب: إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة، وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل. والحكم بفتح الكاف: هو أبو اليمان الحمصي. والزهري: هو محمد بن مسلم. ٤٩٥ ٢ - كتابُ الإِيمانِ / باب (٤٢) بیان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: هذا الحديث قطعة من حديث طويل مشهور، أخرجه البخاري ههنا كما ترى، وفي المغازي عن محمد بن يونس، وفي الدعوات عن موسى بن إسماعيل، وفي الهجرة عن يحيى بن قزعة، ثلاثتهم عن إبراهيم بن سعد، وفي الجنائز عن عبد الله بن يوسف عن مالك، وفي الطب عن موسى بن إسماعيل عن عبد العزيز بن أبي سلمة، وفي الفرائض عن أبي اليمان عن شعيب أيضاً، وعن الحميدي عن سفيان، خمستهم عنه به. وأخرجه مسلم في الوصايا عن يحيى بن يحيى عن إبراهيم بن سعد به، وعن قتيبة وأبي بكر بن أبي شيبة كلاهما عن سفيان به، وعن أبي الطاهر بن السرح وحرملة بن يحيى كلاهما عنه به. وأخرجه أبو داود في الوصايا أيضاً عن عثمان بن أبي شيبة عن سفيان به. وأخرجه الترمذي فيه أيضاً عن محمد بن يحيى بن أبي عمر عن سفيان به، وقال: حسن صحيح. وأخرجه النسائي فيه عن عمرو بن عثمان بن سفيان عن سفيان به، وفي عشرة النساء عن إسحاق بن إبراهيم، وفي اليوم والليلة عن محمد بن سلمة عن ابن القاسم عن مالك ببعضه. وأخرجه ابن ماجة في الوصايا عن هشام بن عمار، والحسين بن الحسن المروزي، وسهل بن أبي سهل بن سهل الرازي، ثلاثتهم عن سفيان به. بيان الإعراب: قوله ((إنك))، إن: حرف من الحروف المشبهة بالفعل، فالكاف اسمها و: ((لن تنفق))، خبرها وكلمة: لن، حرف نصب، ونفي واستقبال، وفيه ثلاثة مذاهب: الأول: إنه حرف مقتضب برأسه، وهذا مذهب الجمهور. والثاني: وهو مذهب الفراء أن أصله: لا، فأبدلت النون من الألف، فصار: لن. والثالث: وهو مذهب الخليل والكسائي. أن أصله: لا إن، فحذفت الهمزة تخفيفاً، والألف لالتقاء الساكنين. وقال الزمخشري: إنه يفيد توكيد النفي، قاله في (الكشاف)، وقال في (أنموذجه): يفيد تأييد النفي، ورد بأنه دعوى بلا دليل، وقالوا: لو كانت للتأبيد لِمَ يقيد منفيها باليوم في: ﴿لن أكلم اليوم إنسياً﴾ [مريم: ٢٦]. ولكان ذكر الأبد في: ﴿ولن يتمنوه أبداً﴾ [البقرة: ٩٥] تكراراً، والأصل عدمه؟ قوله ((تنفق) منصوب بها. وقوله ((نفقة)) نصب على أنه مفعول مطلق. قوله (تبتغي)، جملة من الفعل والفاعل، وقعت حالاً من الضمير الذي في: لن تنفق، والباء في: بها إما للمقابلة كما في قوله تعالى: ﴿ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾ [النحل: ٣٢] وإما للسببية كما في قوله عَ له((لن يدخل أحدكم الجنة بعمله)) وإما للظرفية بمعنى: فيها وإنما قلنا هكذا لأن تبتغي، متعدٍ يقال: ابتغيت الشيء وتبغيته إذا طلبته، من: بغيت الشيء: طلبته. قوله: ((وجه الله)، كلام إضافي مفعول: تبتغي. قوله ((إلا أجرت))، بضم الهمزة، على صيغة المجهول، والمستثنى محذوف لأن الفعل لا يقع استثناء، والتقدير: لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله تعالى إلاَّ نفقة أجرت بها. ويكون قوله أجرت بها صفة للمستثنى، والمعنى على هذا، لأن النفقة المأجور فيها هي التي تكون ابتغاء لوجه الله تعالى. لأنها لو لم تكن لوجه الله تعالى لما كانت مأجوراً فيها. وقال الكرماني: التقدير: إلاّ في حالة أجرت بها، ثم فسر ذلك بقوله: أي لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله تعالى في حال من الأحوال إلاّ وأنت في i i i i i i ے ٤٩٦ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٤٢) حال مأجوريتك عليها. قلت: لو قدر هكذا: لن تنفق نفقة لوجه الله تعالى إلاَّ حال كونك مأجوراً عليها، كان أحسن على ما لا يخفى. فإن قلت: الاستثناء متصل أو منقطع؟ قلت: متصل، لأن المستثنى من جنس المستثنى منه. قوله ((بها))، الباء إما للسببية، وإما للمقابلة، وإما بمعنى: على، ولهذا في بعض النسخ، عليها، بدل: بها، والباء تجيء بمعنى: على كما في قوله تعالى: ﴿مَن أن تأمنه بقنطار﴾ [آل عمران: ٧٥]. قوله ((حتى))، قال الكرماني: هي العاطفة لا الجارة، وما بعدها منصوب المحل، وبعضهم تبعه على هذا. قلت: حتى، هذه ابتدائية، أعني؛ حرف تبتدأه بعده الجمل، أي: تستأنف فتدخل على الجملة الاسمية والجملة الفعلية، وذلك لأن: حتى، العاطفة لها شروط منها: أنها لا تعطف الجمل، لأن شرط معطوفها أن يكون جزءاً مما قبلها، أو جزء منه، ولا يتأتى ذلك إلاَّ في المفردات، على أن العطف بحتى قليل، وأهل الكوفة ينكرونه البتة، وما بعد حتى مهنا جملة، لأن قوله ((ما))، موصولة مبتدأ، وخبره محذوف، وكذا العائد إلى الموصول، تقديره: حتى الذي تجعل في فم امرأتك فأنت مأجور فیه، ووجه آخر يمنع من كون: حتى، عاطفة، هو أن المعطوف غير المعطوف عليه، فإذا جعلت: حتى، عاطفة لا يستفاد أن ما يجعل في فم امرأته مأجور فيه. فإن قلت: قال الكرماني: يستفاد ذلك من حيث إن قيد المعطوف عليه قيد في المعطوف. قلت: القيد في المعطوف عليه هو الابتغاء لوجه الله تعالى والآجر ليس بقيد فيه لأنه أصل الكلام، والمقصود في المعطوف حصول الأجر بالإنفاق المقيد بالابتغاء. فافهم. بيان المعاني :. فيه تمثيل باللقمة مبالغة في حصول الأجر، لأن الأجر إذا ثبت في لقمة زوجة غير مضطرة، ثبت فيمن أطعم المحتاج كسرة، أو رغيفاً بالطريق الأولى، وقال النووي: هذا بيان لقاعدة مهمة، وهي: أن ما أريد به وجه الله تعالى ثبت فيه الأجر، وإن حصل لفاعله في ضمنه حظ نفس من لذة أو غيرها، فلهذا مثَّل عَّالله بوضع اللقمة في فم الزوجة، ومعلوم أنه غالباً يكون بحظ النفس والشهوة واستمالة قلبها، فإذا كان الذي هو من حظوظ النفس بالمحل المذكور من ثبوت الأجر فيه، وكونه طاعة وعملاً أخروياً إذا أريد به وجه الله تعالى، فكيف الظن بغيره مما يراد به وجه الله تعالى وهو مباعد للحظوظ النفسانية؟ قوله («تبغي بها وجه اله))، أي: ذاته، عز وجل، المعنى: أنه لا يطلب غير الله تعالى. وقال الكرماني: الوجه والجهة بمعنى، يقال: هذا وجه الرائي، أي: هو الرائي نفسه. قلت: هذا كلام الجوهري، فإن أراد بذكره أن الوجه ههنا بمعنى الجهة فلا وجه له، وإن أراد أنه من قبيل هذا وجه الرائي فلا وجه له أيضاً، لأنه يقتضي أن تكون لفظة: وجه، زائدة. وحمل الكلام على الفائدة أولى. وقال الكرماني هنا أيضاً، فإن قلت: مفهومه أن الآتي بالواجب إذا كان مرائياً فيه لا يؤجر عليه. قلت: هو حق، نعم يسقط عنه العقاب لكن لا يحصل له الثواب. قلت: حكمه بسقوط العقاب مطلقاً غير صحيح، بل الصحيح التفصيل فيه، وهو أن العقاب الذي يترتب على ترك الواجب يسقط لأنه أتى بعين الواجب، ولكنه كان مأموراً أن ١ ٤٩٧ ٢ - كتابُ الإِيمانِ / باب (٤٣) يأتي بما عليه بالإخلاص وترك الرياء، فينبغي أن يعاقب على ترك الإخلاص، لأنه مأمور به، وتارك المأمور به يعاقب. قوله «في فم امرأتك)). وفي رواية الكشميهني: ((في في امرأتك))، وهو رواية الأكثرين، وقال القاضي عياض: حذف الميم أصوب، وبالميم لغة قليلة. قلت: لأن أصل فم: فوه على وزن فعل، بدليل قولهم: أفواه، وهو جمع ما كان على: فَعْلٍ ساكن العين معتلاً كقولهم: ثوب وأثواب، وحوض وأحواض، فإذا أفردت عوضت من واوها، ميم، لتثبت، ولا تعوض في حال الإضافة إلاَّ شإذاً، وإعرابه في الميم مع فتح الفاء في الأحوال الثلاث، تقول: هذا فم، ورأيت فما، وانتفعت بفم. ومنهم من يكسر الفاء على كل حال، ومنهم من يرفع على كل حال، ومنهم من يعربه من مكانين. فإن قلت: لم خص المرأة بالذكر؟ قلت: لأن عود منفعتها إلى المنفق، فإنها تؤثر في حسن بدنها ولباسها، والزوجة من أحظ حظوظه الدنيوية وملاذه، والغالب من الناس النفقة على الزوجة لحصول شهوته وقضاء وطره، بخلاف الأبوين، فإنها ربما تخرج بكلفة ومشقة، فأخبر عمله، أنه إذا قصد باللقمة التي يضعها في فم الزوجة وجه الله تعالى، وجعل له الأجر مع الداعية، فمع غير الداعية وتكلف المشقة أولى. ٠٠٠٠ ٤٣ - باب قَوْلِ النبيِّ عَّهِ: الدِّينُ التّصِيحَةُ للَّهِ ولِرَسُولِهِ ولَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وعامَّتِهِمْ وقولهِ تعالى: ﴿إِذا نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١] الكلام فيه على وجوه. الأول: إن باب قول النبي عَّله، كلام إضافي مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هذا باب قول النبي عليه الصلاة والسلام، وقوله: ((الدين)) مبتدأ و: ((النصيحة)) خبره، وهذا التركيب يفيد القصر والحصر، لأن المبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين يستفاد ذلك منهما. فإن قلت: ما محل هذه الجملة؟ قلت: النصب لأنه مقول القول، واللام في: لله، صلة، لأن الفصيح أن يقال: نصح له، فإن قلت: لِمَ ترك اللام في عامتهم؟ قلت: لأنهم كالاتباع للأئمة لا استقلال لهم، وإعادة اللام تدل على الاستقلال. قوله ((وقوله تعالى)) بالجر، عطف على قوله: ((قول النبى الثاني: وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول، إن الأعمال بالنيات، وأنها لا تقبل إلا إذا كانت ابتغاء لوجه الله تعالى مع ترك الرياء، والعلم على هذا الوجه من جملة النصيحة لله تعالى، ومن جملة النصيحة لرسوله أيضاً، حيث أتى بعمله على وفق ما أمر به الرسول عليه السلام، مجتنباً عما نهاه عنه. ثم إن البخاري، رحمه الله تعالى، ختم كتاب الإيمان بهذا الحديث لأنه حديث عظيم جليل حفيل، عليه مدار الإسلام، كما قيل: إنه أحد الأحاديث الأربعة التي عليها مدار الإسلام، فيكون هذا ربع الإسلام. ومنهم من قال: يمكن أن يستخرج منه الدليل على جميع الأحكام. الثالث: أنه ذكر هذا الحديث معلقاً ولم يخرجه مسنداً في هذا الكتاب، لأن راوي الحديث تميم الداري، وأشهر طرقه فيه: سهيل بن أبي صالح، وليس من شرطه، لأنه لم i i i ٤٩٨ ٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٤٣) يخرج له في (صحيحه)، وقد أخرج له مسلم والأربعة، وروى عنه مالك ويحيى الأنصاري والثوري وابن عيينة وحماد بن سلمة وخلق كثير، والأربعة. وقال البخاري: سمعت علياً يعني ابن المديني، يقول: كان سهيل بن أبي صالح مات له أخ، فوجد عليه فنسي كثيراً من الأحاديث. وقال يحيى بن معين: لا يحتج به، وقال أبو حاتم: یکتب حديثه، وقال ابن عدي: وهو عندي ثبت لا بأس به مقبول الأخبار، وقد روى عن الأئمة، وقال الحاكم: وقد روى مالك في شيوخه من أهل المدينة الناقد لهم، ثم قال في أحاديثه بالعراق: إنه نسي الكثير منها وساء حفظه في آخر عمره، وقد أكثر مسلم عنه في إخراجه في الشواهد مقروناً في أكثر رواته يحافظ لا يدافع، فيسلم بذلك من نسبته إلى سوء الحفظ، ولكن لما لم يكن عند البخاري من شرطه، لم يأت فيه بصيغة الجزم، ولا في معرض الاستدلال بل أدخله في التبويب فقال: باب قول النبي صَّله كذا، فلم يترك ذكره لأنه عنده من الواهي، بل ليفهم أنه اطلع عليه أن فيه علة منعته من إسناده، وله من ذلك في كتابه كثير يقف عليه من له تمييز، والله أعلم. الرابع: أن هذا الحديث أخرجه مسلم: حدثنا محمد بن عباد المكي ثنا سفيان عن سهيل عن عطاء بن يزيد الليثي عن تميم الداري أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((الدين النصيحة. قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسله ولأئمة المسلمين وعامتهم)). وليس لتميم الداري في (صحيح مسلم) غيره، أخرجه في باب الإيمان، وأخرجه أبو داود أيضاً في الأدب عن أحمد بن يونس عن زهير عن سهل به. وأخرجه النسائي في البيعة عن يعقوب بن إبراهيم عن عبد الرحمن عن سفيان الثوري به، وعن محمد بن منصور عن سفيان بن عيينة به. وأخرجه إمام الأئمة، محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتاب (السياسة) تأليفه: حدثنا عبد الجبار بن العلاء المكي، حدثنا ابن عيينة عن سهيل، سمعت عطاء بن يزيد، حدثنا تميم قال: قال رسول الله عَّ له: ((الدين النصيحة الدين النصيحة! فقال رجل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولنبيه ولأئمة المؤمنين وعامتهم). الخامس: أن حديث النصيحة روي عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة وهو وهم من سهيل أو ممن روى عنه. قال البخاري في (تاريخه): لا يصح إلاّ عن تميم، ولهذا الاختلاف لم يخرجه في (صحيحه)، وللحديث طرق دون هذه في القوة، فمنها ما أخرجه أبو يعلى من حديث ابن عباس، ومنها ما أخرجه البزار من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. السادس: قوله ((الدين النصيحة))، فيه حذف تقديره: عماد الدين وقوامه النصيحة، كما يقال: الحج عرفة، أي: عماد الحج وقوامه وقوف عرفة. والتقدير: معظم أركان الدين النصيحة، كما يقال: الحج عرفة، أي: معظم أركان الحج وقوف عرفة. وأصل النصيحة مأخوذ من نصح الرجل ثوبه إذا خاطه بالمنصح، وهي الإبرة، والمعنى: أنه يلم شعث أخيه بالنصح، كما تلم المنصحة، ومنه التوبة النصوح، كأن الذنب يمزق الدين والتوبة تخيطه. وقال المازري: النصيحة مشتقة من: نصحت العسل إذا صفيته من الشمع، شبه تخليص ٤٩٩ ٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٤٣) القول من الغش بتخليص العسل من الخلط. وفي (المحكم) النصح: نقيض الغش، نصح له ونصحه ينصح نصحاً أو نصوحاً ونصاحة. وفي (الجامع): النصح: بذل المودة والاجتهاد في المشورة. وفي كتاب ابن طريف: نصح قلب الإنسان: خلص من الغش. وفي (الصحاح): هو باللام أفصح. وفي (الغريبين) نصحته، قال أبو زيد أي: صدقته. وقال الخطابي: النصيحة كلمة جامعة معناها: حيازة الحظ للمنصوح له، ويقال: هو من وجيز الأسماء، ومختصر الكلام، وليس في كلام العرب كلمة مفردة تستوفى بها العبارة عن معنى هذه الكلمة، كما قالوا في الفلاح: ليس في كلام العرب كلمة مفردة تستوفى بها العبارة عن معنى ما جمعت من خير الدنيا والآخرة. أما النصيحة لله تعالى: فمعناها يرجع إلى الإيمان به، ونفي الشك عنه، وترك الإلحاد في صفاته، ووصفه بصفات الجلال والكمال، وتنزيهه تعالى عن النقائص، والقيام بطاعته واجتناب معصيته، وموالاة من أطاعه ومعاداة من عصاه، والاعتراف بنعمته وشكره عليها والإخلاص في جميع الأمور. قال: وحقيقة هذه الإضافة راجعة، إلى العبد في نصيحة نفسه، فإنه تعالى غني عن نصح الناصح وعن العالمين. وأما النصيحة لكتابه، سبحانه وتعالى: فالإيمان بأنه كلام الله تعالى، وتنزيهه بأنه لا يشبهه شيء من كلام الخلق، ولا يقدر على مثله أحد من المخلوقات، ثم تعظيمه وتلاوته حق تلاوته، وإقامة حروفه في التلاوة، والتصديق بما فيه، وتفهم علومه، والعمل بمحكمه، والتسليم لَمتشابهه، والبحث عن ناسخه ومنسوخه، وعمومه وخصوصه، وسائر وجوهه، ونشر علومه، والدعاء إليه. وأما النصيحة لرسوله عليه الصلاة والسلام: فتصديقه على الرسالة والإيمان بجميع ما جاء به، وطاعته في أوامره ونواهيه، ونصرته حياً وميتاً، وإعظام حقه وإحياء سنته، والتلطف في تعلمها وتعليمها والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه ومحبة أهل بيته وأصحابه. وأما النصيحة للأئمة: فمعاونتهم على الحق وطاعتهم فيه، وتذكيرهم برفق وترك الخروج عليهم بالسيف ونحوه، والصلاة خلفهم، والجهاد معهم وأداء الصدقات إليهم، هذا على المشهور من أن المراد من الأئمة أصحاب الحكومة: كالخلفاء والولاة، وقد يؤول بعلماء الدين، ونصيحتهم قبول ما رووه وتقليدهم في الأحكام وإحسان الظن بهم. وأما نصيحة العامة: فإرشادهم لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم، وكف الأذى عنهم: وتعليم ما جهلوا، وإعانتهم على البر والتقوى، وستر عوراتهم والشفقة عليهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه من الخير. السابع: في الحديث فوائد. منها: ما قيل: إن الدين يطلق على العمل لكونه سمى النصيحة: دينا. ومنها: أن النصيحة فرض على الكفاية لازمة على قدر الطاقة إذا علم الناصح أنه يقبل نصحه، ويطاع أمره وأمن على نفسه المكروه، فإن خشي فهو في سعة، فيجب على من علم بالمبيع عيباً أن يبينه بائعاً كان أو أجنبياً، ويجب على الوكيل والشريك والخازن النصح. ومنها: أن النصيحة كما هي فرض للمذكورين، فكذلك هي فرض لنفسه، بأن ينصحها بامتثال الأوامر واجتناب المناهي. i ١ مسے i i i ٥٠٠ ٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (٤٣) الثامن: قوله تعالى: ﴿إذا نصحوا لله ورسوله﴾ [التوبة: ٩١] في سورة براءة وأول الآية: ﴿ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا الله ورسوله﴾ [التوبة: ٩١] الآية. أكَّد الحديث المذكور بهذه الآية، والمراد بالضعفاء: الزمنى والهرمى، والذين لا يجدون: الفقراء. والنصح لله ورسوله: الإيمان بهما وطاعتهما في السر والعلن. ٥٧/١ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قالَ: حدّثنا يَحْيِى عَنْ إِسْمَاعِيلَ قالَ: حدّثني قَيْسُ بنُ أبي حَازِمٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قال ◌َايَعْتُ رسولَ اللَّهِ عَه عَلَى إِقَامِ الصَّلاَةِ وإِيتَاءِ الزَّكَاةِ والتَّضْحِ لِكُلّ مُسْلِمٍ. [الحديث ٥٧ - أطرافه في: ٥٨، ٥٢٤، ١٤٠١، ٢١٥٧، ٢٧٠٥، ٢٧١٤، ٧٢٠٤]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، لأن المذكور فيه: ((والنصح لكل مسلم)). وفي الترجمة: لعامة المسلمين، ومراد البخاري من الترجمة وقوع الدين على العمل، فإنه سمى النصيحة: ديناً. وقال ابن بطال: مقصوده الرد على من زعم أن الإسلام القول دون العمل، وهو ظاهر العكس، لأنه لما بايعه على الإسلام شرط عليه: والنصح لكل مسلم، فلو دخل في الإسلام لما استأنف له بيعة. بيان رجاله: وهم خمسة الأول: مسدد بن مسرهد، تقدم. الثاني: يحيى بن سعيد القطان، تقدم. الثالث: إسماعيل بن أبي خالد البجلي التابعي، تقدم. الرابع: قيس بن أبي خازم، بالحاء المهملة والزاي المعجمة، واسمه عبد عوف، ويقال: عوف بن عبد الحارث بن الحارث بن عوف، الأحمسي البجلي الكوفي التابعي المخضرم، أدرك الجاهلية، وجاء ليبايع النبي عَّ فقبض وهو في الطريق، ووالده صحابي، سمع خلقاً من الصحابة منهم العشرة المشهود لهم بالجنة، وليس في التابعين من يروي عنهم غيره، وقيل: لم يسمع من عبد الرحمن بن عوف، وعنه جماعة من التابعين، وجلالته متفق عليها وهو أجود الناس إسناداً، كما قاله أبو داود. ومن طُرف أحواله أنه روى عن جماعة من الصحابة لم يرو عنهم غيره منهم أبوه ودكين بن سعيد والصنابح بن الأعسر ومرداس الأسلمي، رضي الله تعالى عنهم، مات سنة أُربعٍ وقيل: سبع وثمانين، وقيل: سنة ثمان وتسعين روى له الجماعة. الخامس: جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك بن نضر بن ثعلبة البجلي الأحمسي، أبو عبد الله، أبو عمر، نزل الكوفة ثم تحول إلى قرقیسیا، وبها توفي سنة إحدى وخمسين، وقيل: غير ذلك، له مائة حديث، اتفقا منها على ثمانية، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بستة. كذا في (شرح قطب الدين)، وفي (شرح النووي): له مائتا حديث انفرد البخاري بحديث، وقيل: بستة ولعل صوابه: ومسلم بستة بدل: وقيل بستة. وقال الكرماني في (شرحه): لجرير عن رسول الله مَ طفل مائة حديث ذكر البخاري منها تسعة وهذا غلط صريح، وكان قدومه على رسول الله عَبد، سنة عشر في رمضان فبايعه وأسلم. وقيل: أسلم قبل وفاة النبي عَله، بأربعين يوماً، وكان يصلي إلى سنام البعير كانت صنمه ذراعاً، واعتزل الفتنة، وكان يدعى يوسف هذه الأمة ١٠