النص المفهرس

صفحات 461-480

٠٣٠
٤٦١
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٤٠)
وأخرجه أبو داود في البيوع عن إبراهيم بن موسى عن عيسى بن يونس به، وعن أحمد بن
يونس عن أبي شهاب الحناط عن ابن عون به، وأخرجه الترمذي في البيوع عن هناد عن
وكيع به، وعن قتيبة عن حماد بن زيد عن مجالد عنه نحوه، وقال: حسن صحيح، وأخرجه
النسائي في البيوع عن محمد بن عبد الأعلى عن خالد بن الحارث، وفي الأشربة عن
حميد بن مسعدة عن يزيد بن زريع، كلاهما عن ابن عون به، وأخرجه ابن ماجة في الفتن عن
عمرو بن رافع عن ابن المبارك عن زكريا به.
بيان اللغات: قوله: ((الحلال)) هو ضد الحرام وهو من: حل يحل من باب ضرب
يضرب، وأما حلَّ بالمكان فهو من باب: نصر ينصر، ومصدره: حل وحلول ومحل،
والمحل: المكان الذي تحل فيه، ومن هذا الباب: حللت العقدة أحلها حلاً إذا فتحتها، ومن
الأول: حل المحرم يحل حلالاً، ومن الثاني: حل العذاب يحل، أي: وجب، وأحل الله
الشيء: جعله حلالاً وأحل المحرم من الإحرام مثل: حل، وأحللنا، دخلنا في شهور الحل،
وأحلت الشاة: إذا نزل اللبن في ضرعها، والتحليل ضد التحريم، تقول: حللته تحليلاً وتحلة
وتحللته إذا سألته أن يجعلك في حل من قبله، واستحل الشيء عده حلالاً، وتحلحل عن
مكانه إذا زال. قوله: ((بين) أي ظاهر، من باب: يبين بياناً إذا اتضح، وهو على وزن: فيعل،
إما بمعنى بائن، أو هو صفة مشبهة. قوله: ((والحرام))، هو ضد الحلال، وكذلك الحرام،
بكسر الحاء، ورجل حرام: أي محرم، والتحريم ضد التحليل، وبابه من حرم الشيء، بالضم،
حرمة. وأما حرمه الشيء يحرمه حرماً مثل: سرقه سرقاً، بكسر الراء، وحريمة وحرماناً، وأحرمه
أيضاً إذا منعه، وأما حرم الرجل، بالكسر، يحرم، بالفتح، إذا قمر، وأحرمته أنا إذا أقمرته،
ويقال: حرمت الصلاة على المرأة بالكسر، لغة في حرمت، وأحرم: دخل في الشهر الحرام،
وأحرم أيضاً بالحج والعمرة. قوله: ((مشتبهات)) جاء فيه خمس روايات. الأولى: متشبهات،
بضم الميم وسكون الشين المعجمة وفتح التاء المثناة من فوق وكسر الباء الموحدة، على
وزن: مفتعلات، وهي رواية الأصيلي، وكذا في رواية ابن ماجة. الثانية: مشتبهات، بضم
الميم وفتح التاء المثناة من فوق وفتح الشين المشددة وتشديد الباء الموحدة المكسورة،
على وزن: متفعلات، وهي رواية الطبري. الثالثة: مشبهات، بضم الميم وفتح الشين وفتح
الباء الموحدة المشددة، على وزن: مفعلات، وهي رواية السمرقندي ورواية مسلم. الرابعة:
مثلها غير أن باءها مكسورة، على وزن: مفعلات، على صيغة الفاعل. الخامسة: مشبهات
بضم الميم وسكون الشين وكسر الباء الموحدة المخففة؛ والكل من: اشتبه الأمر: إذا لم
يتضح، غير أن معنى الأولى المشكلات من الأمور، لما فيه من شبه الطرفين المتخالفين،
فيشبه مرة هذا ومرة هذا، وكذلك معنى الثانية غير أن فيه معنى التكلف، ومعنى الثالثة أنها
مشبهات بغيرها مما لم يتيقن فيه حكمها على التعيين، ويقال: معناها مشبهات بالحلال.
ومعنى الرابعة أنها مشبهات أنفسها بالحلال. ومعنى الخامسة: مثل الرابعة، غير أن الأولى
من باب التفعيل، والثانية من باب الأفعال. قال القاضي: في الثلاثة الأول كلها بمعنى:
i
F
. جاء
هود

٤٦٢
٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٤٠)
مشكلات، ويشتبه يفتعل، أي يشكل، ومنه: ﴿إِن البقر تشابه علينا﴾ [البقرة: ٧٠]. قوله:
((فمن اتقى)) أي: حذر. ((المشتبهات)) وهي جمع: مشتبهة، والاختلاف في لفظها من الرواة
كالتي قبلها، ووقع في رواية مسلم والإسماعيلي: ((فمن اتقى الشبهات)) بدون الميم، وهي
جمع شبهة، وهي الالتباس. وأصل: اتقى أوتقى، لأنه من وقى يقي وقاية، فقلبت الواو تاء،
وأدغمت التاء في التاء. قوله: ((استبرأ))، بالهمزة، وقد ذکرنا معناه. قوله: ((لعرضه))، بکسر
العين، قال ابن الأنباري: قال أبو العباس: العرض موضع المدح والذم من الإنسان، ذهب أبو
العباس إلى أن القائل إذا ذكر عرض فلان فمعناه أموره التي يرتفع بها أو يسقط بذكرها، ومن
جهتها يحمد ويذم، فيجوز أن يكون أموراً يوصف هو بها دون أسلافه، ويجوز أن تذكر
أسلافه لتلحقه النقيصة بعيبهم، ولا يعلم من أهل اللغة خلافه إلاَّ ما قال ابن قتيبة، فإنه أنكر
أن يكون العرض الأسلاف، وزعم أن عرض الرجل نفسه، يقال: أكرمت عنه عرضي، أي:
صنت عنه نفسي، و: فلان نقي العرض أي بريء من أن يشتم أو يعاب، وقيل: عرض الرجل
جانبه الذي يصونه في نفسه وحسبه ويحامي عنه، قال عنترة:
فإذا شربت فإننى مستهلك
مالي، وعرضي وافر لم يكلم
قوله: ((ومن وقع في الشبهات)، بضم الشين والباء، وفيها من اختلاف الرواة ما تقدم.
قوله: ((الحمى))، بكسر الحاء وفتح الميم المخففة، وهو موضع حظره الإمام لنفسه ومنع
الغير عنه، وقال الجوهري: حميته إذا دفعت عنه، وهذا شيء حمي: أي محظور: لا يقرب؛
وقال بعضهم: الحمى المحمي أطلق المصدر على اسم المفعول. قلت: هذا ليس بمصدر بل
هو: اسم مصدر، ومصدر: حمى يحمي حماية. قوله: ((يوشك)) بكسر الشين أي: يقرب.
قوله: ((محارمه)) أي: معاصيه التي حرمها: كالقتل والسرقة، وهو جمع محرم، وهو الحرام،
ومنه يقال هو ذو محرم منها إذا لم يحل له نكاحها، ومحارم الليل مخاوفها التي يحرم على
الجبان أن يسلكها. قوله: ((مضغة)) أي: قطعة من اللحم سميت بذلك لأنها تمضغ في الفم
لصغرها. قوله: ((صلحت))، بفتح اللام وضمها، والفتح أفصح، وفي (العباب): الصلاح ضد
الفساد، تقول: صلح الشيء يصلح صلوحاً، مثال: دخل يدخل دخولاً. وقال الفراء: حكى
أصحابنا أيضاً بضم اللام. قوله: ((فسد)) من فسد الشيء يفسد فساداً وفسوداً فهو فاسد، وقال
ابن دريد: فسد يفسد، مثال: قعد يقعد، لغة ضعيفة، وقوم فسدى، كما قالوا: ساقط وسقطى،
وكذلك: فسد، بضم السين، فساداً فهو فسيد، وقال الليث: الفساد ضد الصلاح، والمفسدة
خلاف المصلحة، وفي (العباب) الفساد أخذ المال بغير حق، هكذا فسر مسلم البطين قوله
تعالى: ﴿للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً﴾ [القصص: ٨٣]. قوله: «القلب»، وفي
(العباب): القلب: الفؤاد، وقد يعبر به عن العقل، وقال الفراء في قوله تعالى: ﴿إن في ذلك
لذكرى لمن كان له قلب﴾ [ق: ٣٧] أي: عقل، يقال: ما قلبك معك أي: ما عقلك. وقيل:
القلب أخص من الفؤاد، وقال الأصمعي: وفي البطن الفؤاد وهو القلب، سمي به لتقلبه في
الأمور، وقيل: لأنه خالص ما في البدن، إذ خالص كل شيء قلبه، وأصله مصدر قلبت الشيء
149/
امـة
م

٤٩٧٠
٤٦٣
٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٤٠)
أقلبه قلباً إذا رددته على بذاته، وقلبت الإناء رددته على وجهه، وقلبت الرجل عن رأيه وعن
طريقه إذا صرفته عنه، ثم نقل وسمي به هذا العضو الشريف لسرعة الخواطر فيه وترددها
عليه، وقد نظم بعضهم هذا المعنى فقال:
ما سمي القلب إلاَّ من تقلبه
فاحذر على القلب من قلب وتحويل
وكان مما يدعو به النبي عَّله: ((يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)). وقال
القرطبى، ثم إن العرب لما نقلته لهذا العضو التزمت فيه التفخيم فى قافه، للفرق بينه وبين
أصله، وقد قال بعضهم: ليحذر اللبيب من سرعة انقلاب قلبه، إذ ليس بين القلب والقلب إلاَّ
التفخيم، وما يعقلها إلاّ كل ذي فهم مستقيم.
بيان الإعراب: قوله: ((الحلال)) مبتدأ و((بين)) خبره، وكذلك ((الحرام بين)): مبتدأ
وخبر، وكذلك قوله: ((وبينهما مشتبهات))، ولكن الخبر ههنا مقدم وهو الظرف. قوله: ((لا
يعلمها كثير من الناس)) جملة في محل الرفع على أنها صفة لقوله (مشتبهات)). قوله: ((فمن
اتقى))، كلمة: من، موصولة مبتدأ، وقوله: ((اتقى الشبهات)) جملة من الفعل والفاعل، وهو
الضمير الذي في: اتقى، العائد إلى: من، والمفعول، وهو قوله: ((الشبهات))، صلة لها، وقوله:
(استبرأ)) خبره، و(لعرضه)) يتعلق به. قوله: ((من وقع ... )) إلخ، كلمة من ههنا يجوز أن تكون
شرطية، ويجوز أن تكون موصولة. فإذا كانت شرطية فقوله: وقع في الشبهات، جملة وقعت
فعل الشرط، والجواب محذوف تقديره: ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام. وهكذا في
رواية الدارمي عن أبي نعيم شيخ البخاري بإظهار الجواب، وكذا في رواية مسلم من طريق
زكريا التي أخرجه منها البخاري. وقوله: «كراع يرعى حول الحمى)) جملة مستأنفة، وقوله:
كراع، خبر مبتدأ محذوف. أي مثله كراع أي مثل راع يرعى وقوله: ((يرعى)) جملة من الفعل
والفاعل صفة لراع، والمفعول محذوف تقديره: كراع يرعى مواشيه. وقوله: ((حول الحمى))
كلام إضافي نصب على الظرف. وقوله: ((يوشك إن يواقعه)) جملة وقعت صفة أخرى لراع.
ويوشك، من أفعال المقاربة، وهو مثل: كاد وعسى، في الاستعمال: أعني تارة يستعمل
استعمال: كاد، بأن يرفع الفعل، وخبره فعل مضارع بغير أن متأول باسم الفعل، نحو: يوشك
زید یجيء، أي: جائياً، نحو: كاد زيد يجيء. وتارة يستعمل استعمال عسى، بأن يكون فاعلها
على نوعين: أحدهما: أن يكون اسماً نحو: عسى زيد أن يخرج، فزيد فاعل، وأن يخرج في
موضع نصب لأنه بمنزلة: قارب زيد الخروج، والآخر: أن يكون مع صلتها في موضع الرفع:
نحو عسى أن يخرج زيد، فيكون إذ ذاك بمنزلة قرب أن يخرج، أي: خروجه، وكذلك يوشك
زيد أن يجىء، ويوشك أن يجيء زيد. وفي قوله: ((يوشك)) ضمير هو فاعله. وقوله: ((أن
يواقعه)) في موضع نصب لأنه بمنزلة يقارب الراعي المواقعة في الحمى، وأعاده الكرماني إلى
الحرام، وما قلنا أوجه وأصوب. وأما إذا كانت موصولة فتكون مرفوعة بالابتداء، وخبرها هو
قوله: كراع يرعى، ولا يكون فيه حذف، والتقدير: الذي وقع في الشبهات كراع يرعى، أي:
مثل راع يرعى مواشيه حول الحمى، وقوله: يوشك استئناف. قوله: ((ألا)) بفتح الهمزة
i
THA

٤٦٤
:١٢٧
٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (٤٠)
وتخفيف اللام، حرف التنبيه، فيدل على تحقق ما بعدها، وتدخل على الجملتين نحو: ﴿ألا
إنهم هم السفهاء﴾ [البقرة: ١٣] ﴿ألا يوم يأتيهم ليس مصروفاً عنهم﴾ [هود: ٨]. وإفادتها
التحقيق من جهة تركيبها من الهمزة، و: لا، وهمزة الاستفهام إذا دخلت على النفي أفادت
التحقيق نحو: ﴿أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى﴾ [القيامة: ٤٠] وقال الزمخشري:
ولكونها بهذا المنصب من التحقيق لا تقع الجملة بعدها إلاّ مصدرة بنحو ما يتلقى به
القسم، نحو: ﴿ألا إن أولياء الله﴾ [يونس: ٦٢]. قوله: ((ألا وإن لكل ملك حمى)، الواو فيه
عطف على مقدر تقديره: ألا إن الأمر كما تقدم، وإن لكل ملك حمى. وقوله: ((حمى)) نصب
لأنه اسم إن، وخبرها هو قوله: ((لكل ملك)) مقدماً. قوله: ((ألا وإن حمى الله محارمه))،
هكذا رواية المستملي، وفي رواية غيره: ((ألا إن حمى الله في أرضه محارمه)). وفي رواية أبي
فروة: ((معاصيه) بدل: محارمه، ولم يذكر: الواو، ههنا في رواية أبي ذر، وفي رواية غيره
بالواو: ((ألا وإن حمى الله محارمه)). فإن قلت: ما وجه ذكر: الواو، ههنا وتركها؟ وما وجه
ذكرها في قوله: ((إلا وإن في الجسد)؟ قلت: أما وجه ذكرها في قوله: ((ألا وإن حمى
الله)) فبالنظر إلى وجود التناسب بين الجملتين من حيث ذكر الحمى فيها، وأما وجه تركها
فبالنظر إلى بعد المناسبة بين حمى الملوك، وبين حمى الله الذي هو الملك الحق لا ملك
حقيقة الإله تعالى، وأما وجه ذكرها في قوله: ((ألا وإن في الجسد))، فبالنظر إلى وجود
المناسبة بين جملتين نظراً إلى أن الأصل في الاتقاء والوقوع هو ما كان بالقلب، لأنه عماد
الأمر وملاكه، وبه قوامه ونظامه، وعليه تبنى فروعه، وبه تتم أصوله، قوله: ((مضغة)) نصب لأنه
اسم إن وخبرها هو قوله: ((في الجسد)) مقدماً. وقوله: (إذا صلحت)) أي: المضغة وهي:
القلب، وكلمة إذا ههنا بمعنى: إن، لأن مدخول: إذا، لا بد أن يكون متحقق الوقوع، وههنا
الصلاح غير متحقق لاحتمال الفساد، والقرينة على ذلك ذكر المقابل فافهم. قوله: ((صلح
الجسد)) جواب: إذا، وكذلك الكلام في قوله: ((وإذا فسدت)). قوله: ((وهي القلب)) جملة
إسمية بالواو، وأيضاً عطف على مقدر.
بيان المعاني: أجمع العلماء على عظم موقع هذا الحديث، وأنه أحد الأحاديث التي
عليها مدار الإسلام. قالت جماعة: هو ثلث الإسلام، وأن الإسلام يدور عليه وعلى حديث.
((الأعمال بالنيات))، وحديث: (من حسن اسلام المرء تر که ما لا یعنیه)). وقال أبو داود: يدور
علی أربعة أحاديث هذه الثلاثة وحديث: ((لا يؤمن أحد کم حتى يحب لأخيه ما يحب
لنفسه)). قالوا: سبب عظم موقعه انه - عليه السلام - نبه فيه على صلاح المطعم والمشرب
والملبس والمنكح وغيرها، وأنه ينبغي أن يكون حلالاً، وأرشد إلى معرفة الحلال، وأنه ينبغي
ترك المشتبهات، فإنه سبب لحماية دينه وعرضه، وحذر من مواقعة الشبهات، وأوضح ذلك
بضرب المثل بالحمى، ثم بين أهم الأمور وهو: مراعاة القلب. وقال ابن العربي: يمكن أن
ينتزع من هذا الحديث وحده جميع الأحكام، وقال القرطبي: لأنه اشتمل على التفصيل بين
الحلال وغيره، وعلى تعلق جميع الأعمال بالقلب فمن هنا يمكن أن يرد إليه جميع الاحكام.
١٠٠
٢٠

٤٦٥
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٤٠)
قوله: ((الحلال بين) بمعنى: ظاهر، بالنظر إلى ما دل على الحل بلا شبهة، او على الحرام بلا
شبهة، ((وبينهما مشتبهات)) أي: الوسائط التي يكتنفها دليلان من الطرفين، بحيث يقع
الاشتباه، ويعسر ترجيح دليل أحد الطرفين إلاّ عند قليل من العلماء. وقال النووي: معناه أن
الأشياء ثلاثة أقسام: حلال واضح لا يخفى حله كاكل الخبز والفواكه، وکالكلام والمشي
وغير ذلك. وحرام بين: کالخمر والدم والزنا والكذب وأشباه ذلك. واما المشبهات: فمعناه
أنها ليست بواضحة الحل والحرمة، ولهذا لا يعرفها كثير من الناس، وأما العلماء فيعرفون
حكمها بنص أو قياس أو استصحاب وغيره، فإذا تردد الشيء بين الحل والحرمة، ولم يكن
نص ولا إجماع، اجتهد فيه المجتهد فألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي، فإذا ألحقه به صار
حلالاً أو حراماً. وقد يكون دليله غير خال عن الاجتهاد، فيكون الورع تركه. وما لم يظهر
للمجتهد فيه شيء، وهو مشتبه، فهل يؤخذ بالحل أو الحرمة؟ أو يتوقف فيه؟ ثلاثة مذاهب
حكاها القاضي عياض عن أصحاب الأصول، والظاهر أنها مخرجة على الخلاف المعروف
في حكم الأشياء قبل ورود الشرع، وفيه أربعة مذاهب: أحدها:، وهو الأصح انه: لا يحكم
بتحليل ولا تحريم ولا إباحة ولا غيرها، لأن التكليف عند أهل الحق لا يثبت إلاَّ بالشرع.
والثاني: ان الحكم الحل أو الإباحة. والثالث: المنع. والرابع: الوقف. وقال المازري:
المشتبهات المكروه لا یقال فيه حلال ولا حرام بين. وقال غيره: فیکون الورع تر که، وقال
الخطابي: من أمثلة المتشابهات معاملة من كان في ماله شبهة، أو خالطه رباً، فهذا يكره
معاملته. وقال القرطبي: لا شك أن ثَمّ أموراً جلية التحريم، وأموراً جلية التحليل، وأموراً
مترددة بين الحل والحرمة، وهو الذي تتعارض فيها الأدلة، فهي المشتبهات، واختلف في
حكمها. فقيل: حرام لأنها توقع في الحرام، وقيل: مكروهة، والورع تركها. وقيل: لا يقال
فيها واحد منهما، والصواب الثاني، لأن الشرع أخرجها من الحرام فهي مرتاب فيها. وقال
عليه السلام: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك))، فهذا هو الورع. وقال بعض الناس: إنها حلال
يتورع عنها. قال القرطبي: ليست هذه عبارة صحيحة، لأن أقل مراتب الحلال أن يستوي
فعله وتركه، فيكون مباحاً، وما كان كذلك لا يتصور فيه الورع، فإنه إن ترجح أحد طرفيه
على الآخر خرج عن أن يكون مباحاً، وحينئذ: إما أن يكون تركه راجحاً على فعله، وهو
المكروه، أو فعله راجحاً على تركه وهو المندوب، فأما مثل ما تقدم مما يكون دليله غير
خال عن الاحتمال البين: كجلد الميتة بعد الدباغ، فإنه غير طاهر على المشهور من مذهب
مالك، فلا يستعمل في شيء من المائعات لأنها تنجس، إلا الماء وحده، فإنه عنده يدفع
النجاسة ما لم يتغير، هذا هو الذي ترجح عنده، لكنه كان يتقي الماء في خاصة نفسه.
وحكي عن أبي حنيفة وسفيان الثوري، رضي الله عنهما، أنهما قالا: لأن أخر من السماء
أهون علي من أن افتي بتحريم قليل النبيذ، وما شربته قط، ولا أشربه. فعملوا بالترجيح في
الفتيا، وتورعوا عنه في أنفسهم. وقال بعض المحققين: من حكم الحكيم أن يوسع على
المسلمين في الأحكام، ويضيق على نفسه، يعني به هذا المعنى، ومنشأ هذا الورع الالتفات
i
عمدة القارئ / ج١
٠ ٠٠
٠٠٠٠
· جوة

٤٦٦
٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٤٠)
إلى إمكان اعتبار الشرع ذلك المرجوح، وهذا الالتفات ينشأ من القول: بأن المصيب واحد،
وهو مشهور مذهب مالك، ومنه ثار القول في مذهبه بمراعاة الخلاف. قلت: وكذلك أيضا
كان الشافعي، رحمه الله، يراعي الخلاف، وقد نص على ذلك في مسائل، وقد قال أصحابه
بمراعاة الخلاف حيث لا تفوت به سنة في مذهبهم، وقد عقب البخاري هذا الباب بما ذكره
في كتاب البيوع في: باب تفسير الشبهات، قال فيه: وقال حسان بن أبي سنان: ما رأيت
شيئاً أهون من الورع: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)). وأورد فيه حديث المرأة السوداء،
وأنها أرضعته وزوجته. وقول النبي صلی الله عليه وسلم؛ و کیف وقد قيل: وحديث ابن وليدة
زمعة، وأنه قضى به لعبد بن زمعة أخيه بالفراش، ثم قال لسودة: احتجبي منه لما رأى من
شبهة، فما رآها حتى لقي الله تعالى، وحديث عدي بن حاتم، رضي الله عنه، وقوله: أجد مع
كلبي على الصيد كلباً آخر، لا أدري أيهما أخذ. قال: لا تأكل. ثم ذكر حديث التمرة
المسقوطة، وقول النبي، صلى الله عليه وسلم: ((لولا أن تكون صدقة لأكلتها))، ثم عقبه بما
لا يجتنب، فقال: باب من لم ير الوساوس ونحوها من الشبهات، وذكر فيه حديث الرجل
يجد الشيء في الصلاة، قال: لا، حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً، ثم ذكر حديث عائشة،
رضي الله عنها: ((أن قوماً قالوا: يا رسول الله، إن قوماً يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله
عليه أم لا؟ فقال النبي عَّلّهِ: سموا عليه وكلوه)).
قلت: فتحصل لنا مما تقدم ذكره أن المشتبهات المذكورة في الحديث التي ينبغي
اجتنابها فيه أقوال. أحدها: أنه الذي تعارضت فيه الأدلة فاشتبهت، فمثل هذا يجب فيه
الوقف إلى الترجيح، لأن الإقدام على أحد الأمرين من غير رجحان الحكم بغير دليل محرم.
والثاني: المراد به المكروهات، وهو قول الخطابي والمازري وغيرهما، ويدخل فيه مواضع
اختلاف العلماء. والثالث: أنه المباح، وقال بعضهم: هي حلال يتورع عنها، وقد رده
القرطبي كما تقدم، وقال: فإن قيل: هذا يؤدي إلى رفع معلوم من الشرع، وهو أن النبي عَّه.
والخلفاء بعده وأكثر أصحابه كانوا يزهدون في المباح، فرفضوا التنعم بطيب الأطعمة ولين
اللباس وحسن المساكن، وتلبسوا بضدها من خشونة العيش، وهو معلوم منقول من سيرهم،
قال: فالجواب أن ذلك محمول على موجب شرعي اقتضى ترجيح الترك على الفعل، فلم
يزهدوا في مباح، لأن حقيقته التساوي، بل في أمر مكروه، ولكن المكروه تارة يكرهه الشرع
من حيث هو، وتارة يكرهه لما يؤدي إليه كالقبلة للصائم، فإنها تكره لما يخاف منها من
إفساد الصوم، ومسألتنا من هذا القبيل، لأنه انكشف لهم من عاقبة ما خافوا على نفوسهم منه
مفاسد، إما في الحال من الركون إلى الدنيا، وإما في المآل من الحساب عليه والمطالبة
بالشكر وغيره، وهذا آخر كلامه.
قلت: وقد اختلف أصحاب الشافعي، رحمه الله تعالى، في ترك الطيب وترك لبس
الناعم، فقال الشيخ أبو حامد الإسفرائني: إن ذلك ليس بطاعة، واستدل بقوله تعالى: ﴿قل من
حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا

٤٦٧
٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٤٠)
خالصة يوم القيامة﴾ [الأعراف: ٣٢]. وقال الشيخ أبو الطيب الطبري: إنه طاعة، ودليله ما
علم من أمر السلف من خشونة العيش. وقال ابن الصباغ: يختلف ذلك باختلاف أحوال
الناس وتفرغهم للعبادة وقصودهم واشتغالهم بالضيق والسعة. وقال الرافعي، من أصحابنا: هذا
هو الصواب، وأما ما يخرج إلى باب الوسوسة من تجويز الأمر البعيد فهذا ليس من
المشتبهات المطلوب اجتنابها، وقد ذكر العلماء له أمثلة؛ فقالوا: هو ما يقتضيه تجويز أمر
بعيد كترك النكاح من نساء بلد كبير خوفاً أن يكون له فيها محرم، وترك استعمال ماء في
فلاة لجواز عروض النجاسة، أو غسل ثوب مخافة طروء نجاسة عليه لم يشاهدها، إلى غير
ذلك مما يشبهه، فهذا ليس من الورع. وقال القرطبي: الورع في مثل هذا وسوسة شيطانية،
إذ ليس فيها من معنى الشبهة شيء، وسبب الوقوع في ذلك عدم العلم بالمقاصد الشرعية.
قلت: من ذلك ما ذكره الشيخ الإمام عبد الله بن يوسف الجويني، والد إمام الحرمين، فحكى
عن قوم أنهم لا يلبسون ثياباً جدداً حتى يغسلوها، لما فيها ممن يعاني قصر الثياب، ودقها
وتجفيفها، وإلقائها وهي رطبة على الأرض النجسة، ومباشرتها بما يغلب على الظن نجاسته
من غير أن يغسل بعد ذلك، فاشتد نكيره عليهم، وقال: هذه طريقة الخوارج الحرورية، أبلاهم
الله تعالى بالغلق في غير موضع القلق، وبالتهاون في موضع الاحتياط، وفاعل ذلك معترض
على أفعال النبي عَّه والصحابة والتابعين، فإنهم كانوا يلبسون الثياب الجدد قبل غسلها،
وحال الثياب في أعصارهم، كحالها في أعصارنا، ولو أمر رسول الله عَّله بغسلها ما خفي،
لأنه مما تعم به البلوى، وذكر أيضا: أن قوماً يغسلون أفواههم إذا أكلوا الخبز خوفاً من روث
الثيران عند الدياس، فإنها تقيم أياما في المداسة، ولا يكاد يخلو طحين عن ذلك. قال
الشيخ: هذا غلو وخروج عن عادة السلف، وما روى أحد من الصحابة والتابعين أنهم رأوا
غسل الفم من ذلك. فإن قيل: كيف قال النبي، عليه الصلاة والسلام، في التمرة التي وجدها
في بيته: لولا إني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها؟ ودخول الصدقة بيت النبي، عليه
الصلاة والسلام، بعيد لأنها كانت محرمة عليه. وأجيب عنه: أن ما توقعه النبي، عليه الصلاة
والسلام، لم يكن بعيداً، لأنهم كانوا يأتون بالصدقات إلى المسجد، وتوقع أن يكون صبي أو
من لا يعقل أدخل التمرة البيت، فاتقى ذلك لقربه.
قوله: ((لا يعلمها كثير من الناس)) أي: لا يعلم المشتبهات كثير من الناس، أراد: لا
يعلم حكمها، وجاء ذلك مفسراً في رواية الترمذي: ((وهي لا يدري كثير من الناس أمن
الحلال هي أم من الحرام؟)) وقال الخطابي: معنى مشتبهات: أي تشتبه على بعض الناس دون
بعض، لا أنها في نفسها مشتبهة على كل الناس لا بيان لها، بل العلماء يعرفونها، لأن الله
تعالى جعل عليها دلائل يعرفها بها أهل العلم، ولهذا قال، عليه السلام: ((لا يعلمها كثير من
الناس)) ولم يقل: لا يعلمها كل الناس أو أحد منهم، وقال بعض العلماء: معرفة حكمها
ممكن، لكن القليل من الناس وهم: المجتهدون، فالمشتبهات على هذا في حق غيرهم،
وقد يقع لهم حيث لا يظهر لهم ترجيح لأحد اللفظين. قوله: (استبرأ)) أي: طلب البراءة في
i
٠۵
جو طـ
i
جوة
وجدة
i

١٠
٤٦٨
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٤٠)
دينه من النقص، وعرضه من الطعن فيه. قوله: ((لدينه)) إشارة إلى ما يتعلق بالله تعالى، وقوله:
(وعرضه))، إشارة الى ما يتعلق بالناس، أو ذاك اشارة إلى ما يتعلق بالشرع، وهذا إلى المروءة.
فإن قلت: لِمَ قدم العرض على الدين؟ قلت: القصد هو ذكرهما جميعا من غير نظر إلى
الترتيب، لأن الواو لا تدل على الترتيب على ما عرف في موضعه، وأما تقديم: العرض،
فيمكن أن يكون لأجل تعلقه بالناس المقتضي لمزيد الاهتمام به. قوله: ((ومن وقع في
الشبهات)) قال الخطابي: كل شيء أشبه الحلال من وجه والحرام من وجه فهو شبهة. وقال
غیره: هذا یکون لأحد وجهین: أحدهما: إذا عود نفسه عدم التحرر مما يشتبه أثر ذلك في
استهانته، فوقع في الحرام مع العلم به. والثاني: أنه إذا تعاطى الشبهات وقع في الحرام في
نفس الأمر، وقد قيل بدل الوجه الثاني: إن من أكثر وقوع الشبهات أظلم قلبه عليه لفقدان
نور العلم والورع، فيقع في الحرام ولا يشعر به، وقال ابن بطال: وفيه دليل أن من لم يتق
الشبهات المختلف فيها، وانتهك حرمتها، فقد أوجد السبيل على عرضه فيما رواه أو شهد
به. قلت: حاصل ما ذكر العلماء ههنا في تفسير الشبهات أربعة أشياء تعارض الأدلة،
واختلاف العلماء، وقسم المكروه والمباح. وقد قيل: المكروه عقبة بين الحل والحرام، فمن
استكثر من المكروه تطرق إلى الحرام، والمباح عقبة بينه وبين المكروه، فمن استكثر منه
تطرق إلى المكروه، ويعضد هذا ما رواه ابن حبان من طريق ذكر مسلم إسنادها ولم يسبق
لفظها، فيها من الزيادة: ((اجعلوا بينكم وبين الحرام سترة من الحلال، من فعل ذلك استبرأ
لعرضه ودینه، ومن أرتع فيه کان کالمرتع إلى جنب الحمى يوشك أن يقع فيه».
قوله: ((كراع يرعى حول الحمى)): هذا تشبيه حال من يدخل في الشبهات بحال
الراعي الذي يرعى حول المكان المحظور بحيث أنه لا يأمن الوقوع فيه، ووجه الشبه حصول
العقاب بعدم الاحتراز في ذلك، فكما أن الراعي إذا جره رعيه حول الحمى إلى وقوعه في
الحمى استحق العقاب بسبب ذلك، فكذلك من أكثر من الشبهات وتعرض لمقدماتها وقع
في الحرام فاستحق العقاب. فإن قلت: ما يسمى هذا التشبيه؟ قلت: هذا تشبيه ملفوف، لأنه
تشبيه بالمحسوس الذي لا يخفى حاله، شبه المكلف بالراعي، والنفس البهيمية بالأنعام،
والمشتبهات بما حول الحمى والمحارم بالحمى، وتناول المشتبهات بالرتع حول الحمى،
فيكون تشبيهاً ملفوفاً باعتبار طرفيه، وتمثيلا باعتبار وجهه. قوله: ((ألا وإن لكل ملك حمى))
هذا مثل ضربه النبي، عليه الصلاة والسلام، وذلك أن ملوك العرب كانت تحمي مراعي
لمواشيها، وتتوعد على من يقربها، والخائف من عقوبة السلطان يبعد بماشيته خوف الوقوع،
وغير الخائف يقرب منها ويرعى في جوانبها، فلا يأمن من أن يقع فيها من غير اختياره،
فيعاقب على ذلك. ولله تعالى أيضا حمى وهو: المعاصي، فمن ارتكب شيئا منها استحق
العقوبة ومن قاربه بالدخول في الشبهات يوشك أن يقع فيها، وقد ادعى بعضهم أن هذا المثل
من كلام الشعبي، وأنه مدرج في الحديث، وربما استدل في ذلك لما وقع لابن الجارود
والإسماعيلي من رواية ابن عون عن الشعبى، قال ابن عون في آخر الحديث: فلا ادري المثل
٠٠موو
٠٢٠/١

:
٠٠٠٠
٤٦٩
٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (٤١)
من النبي - عليه السلام - او من قول الشعبي؟ وأجيب: بأن تردد ابن عون في رفعه لا يستلزم
كونه مدرجاً، لأن الاثبات قد جزموا باتصاله ورفعه، فلا يقدح شك بعضهم فيه. فإن قلت:
قد سقط المثل في رواية بعض الرواة، كأبي فروة عن الشعبي، فدل على الإدراج. قلت: لا
نسلم ذلك، لأن هذا لا يقدح فیمن اثبت من الحفاظ الاثبات، ويؤيده ما رواه ابن حبان
الذي ذكرناه آنفا. وقال بعضهم: ولعل هذا هو السر في حذف البخاري قوله: وقع في
الحرام، ليصير ما قبل المثل مرتبطاً به، فيسلم من دعوى الإدراج. قلت: هذا الكلام ليس له
معنى أصلا، ولا هو دليل على منع دعوى الإدراج، وذلك لان قوله: وقع في الحرام، لم
يحذفه البخاري عمداً، وإنما رواه في هذه الطريق هكذا، مثل ما سمعه، وقد ثبت ذلك في
غير هذه الطريق، وكيف يحذف لفظاً مرفوعاً متفقاً عليه لأجل الدلالة على رفع لفظ قد قيل
فيه بالإدراج؟ وقوله: ((ليصير)) ما قبل المثل مرتبطاً به، إن أراد به الارتباط المعنوي فلا يصح،
لان كلاً منهما كلام بذاته مستقل، وإن اراد به الارتباط اللفظي فكذلك لا يصح، وهو ظاهر.
قوله: ((مضغة)) أطلقها على القلب إرادة تصغير القلب بالنسبة إلى باقي الجسد، مع أن
صلاح الجسد وفساده تابعان له، أو لما كان هو سلطان البدن لما صلح صلح الأعضاء الأخر
التي هي كالرعية، وهو بحسب الطب أول نقطة تكون من النطفة، ومنه تظهر القوى، ومنه
تنبعث الأرواح، ومنه ينشأ الإدراك ويبتدىء التعقل، فلهذه المعاني خص القلب بذلك، واحتج
جماعة بهذا الحديث، وبنحو قوله تعالى: ﴿لهم قلوب لا يعقلون بها﴾ [الحج: ٤٦] على أن
العقل في القلب لا في الرأس. قلت: فيه خلاف مشهور، فمذهب الشافعية والمتكلمين أنه
في القلب، ومذهب أبي حنيفة، رضي الله تعالى عنه، أنه في الدماغ. وحكي الأول عن
الفلاسفة، والثاني عن الأطباء. واحتج بأنه إذا فسد الدماغ فسد العقل.
وقال ابن بطال: وفي هذا الحديث أن العقل إنما هو في القلب، وما في الرأس منه فإنما
هو عن القلب. وقال النووي: ليس فيه دلالة على أن العقل في القلب، واستدل به أيضاً على
أن من حلف لا يأكل لحماً، فأكل قلباً، حنث. قلت: ولأصحاب الشافعي فيها قولان،
أحدهما: يحنث، وإليه مال أبو بكر الصيدلاني المروزي، والأصح أنه: لا يحنث، لأنه لا
يسمى لحماً.
٤١ - بابٌ أَدَاءُ الْخُمُسِ مِنَ الإِيمانِ
الكلام فيه على أنواع. الأول: أن لفظ: باب، مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف،
مضاف إلى ما بعده، والتقدير: هذا باب أداء الخمس. أي: باب في بيان أن أداء الخمس
شعبة من شعب الإيمان. ويجوز أن يقطع عن الإضافة، فحينئذ: أداء الخمس، كلام إضافي
مبتدأ. وقوله: من الإيمان، خبره. الثاني: وجه المناسبة بین البابین من حيث إن المذكور في
الباب الأول هو الحلال الذي هو المأمور به، والحرام الذي هو المنهي عنه، فكذلك في هذا
الباب، المذكور هو المأمور به، والمنهي عنه. أما المأمور به فهو: الإيمان بالله ورسوله وإقام
١

٤٧٠
٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٤١)
الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وإعطاء الخمس، وأما النهي عنه فهو: الحنتم وأخواتها،
وبهذا الباب ختمت الأبواب التي يذكر فيها شعب الإيمان وأموره. الثالث: قوله: ((الخمس)،
بضم الخاء، من: خمست القوم اخمسهم، بالضم، إذا أخذت منهم ◌ُخُمس أموالهم، وأما:
خمستهم أخمسهم، بالكسر، فمعناه: إذا كنت خامسهم، أو كملتهم خمسة بنفسك، وهو
المراد من قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه﴾ [الأنفال: ٤١] وقد
قيل: إنه روي هنا بفتح الخاء، وهي الخمس من الأعداد، وأراد بها قواعد الإسلام الخمس
المذكورة في حديث: ((بني الإسلام على خمس))، فهذا، وإن كان له وجه، ولكن فيه بعد،
لأن الحج لم يذكر ههنا، ولأن غيره من القواعد قد تقدم ذكره، وههنا إنما ترجم الباب على
أن أداء خمس الغنيمة من الإيمان. فإن قلت: ما وجه كونه من الإيمان؟ قلت: لما سأل الوفد
عن الأعمال التي إذا عملوها يدخلون بها الجنة. فأجيبوا بأشياء من جملتها أداء الخمس،
فأداء الخمس من الأعمال التي يدخل بها الجنة، وكل عمل يدخل به الجنة فهو من الإيمان،
فأداء الخمس من الإيمان. فافهم.
١/ ٥٣ - حدثنا علىُّ بنُ الجَعُدِ قال: أخبرَنَا شُعْبَةُ عن أبي جَمْرَةَ قال: كُنْتُ أَقْعُدُ مَعَ
ابنِ عباسٍ يُجْلِسُنِي على سَرِيرِهِ فقال: أَقِمْرِ عندِي حتَّى أَجْعَلَ لكَ سَهْماً مِنْ مالِي، فَأَقَمْتُ معَهُ
شَهْرَيْنِ ثم قال: إنّ وْدَ عبدِ الْقَيْس لَمَّا أَتَوَا النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَنِ الْقَوْمُ؟ أَوْ
مَنِ الوَفْدُ؟)) قالوا: رَبِيعَةُ. قال: (مَرْحَباً بِالْقَوْمِ - أَوْ بَالوَقْدِ - غَيْرَ خَزَايَا ولا نَدَامَى))، فقالوا: يا
رسولَ اللّهِ إِنَّا لا نَسْتَطِيعُ أن نأْتِيَّكَ إلاَّ في شَهْرِ الحَرَامِ وَبَيْتَنَا وَبَيْتَكَ هذا الحَيُّ مِن كُفَّارٍ
مُضَرَ، فَمُرنا بِأَمْرٍ فَضْلٍ نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وراءَنَا وَنَدْخُلْ بِهِ الجَثَّةَ، وسألُوهُ عَنِ الأَشْرِبَةِ فَأُمَّرَهُمْ بأَرْبَعِ
ونَهاهُمْ عِنْ أَرْبَعِ: أَمَرَهُمْ بالإِيمانِ باللّهِ وحدَهُ. قال: (أَتَدْرُون ما الإِيمانُ باللّهِ وَخْدَهُ)) قالوا: اللّهُ
ورسولُه أَعْلَمُ. قَال: ((شَهادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إلاَّ اللّهُ وأنّ مُحمداً رسولُ اللّهِ وإِقامُ الصَّلاةِ وإِيتاءُ
الزَّكاةِ وصِيامُ رمضانَ وأَنْ تُعْطُوا مِنَ المَغْنِمِ الخُمُسَ، ونهَاهُم عنْ أَرْبَعِ عنِ الحَنْتَمِ والدُّباءِ
والنَِّيرِ والمُزَقَّتِ ورُّما قال: المُقَيِّرِ، وقال: ((أَحفَظوهُنَّ وأخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَراءَكُمْ)). [الحديث
٥٣- أطرافه فى: ٨٧، ٥٢٣، ١٣٩٨، ٣٠٩٥، ٣٥١٠، ٤٢٦٩، ٤٣٦٨، ٦١٧٦، ٧٢٦٦،
٧٥٥٦].
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، لأنه عقد الباب على جزء منه وهو قوله: ((وأن تعطوا
من المغنم خمساً)). فإن قلت: لِمَ عين هذا للترجمة دون غيره من الذي ذكره معه؟ قلت: قد
عقد لكل واحد غيره باباً على ما تقدم.
بيان رجاله: وهم أربعة: الأول: أبو الحسن علي بن الجعد، بفتح الجيم، ابن عبيد
الجوهري الهاشمي، مولاهم، البغدادي، سمع الثوري ومالكاً وغيرهما من الأعلام، وعنه أحمد
والبخاري وأبو داود وآخرون. وقال موسى بن داود: ما رأيت أحفظ منه. وكان أحمد يحض
على الكتابة منه. وقال يحيى بن معين: هو رباني العلم ثقة. فقيل له: هذا الذي كان منه؟
يعني: أنه كان يتهم بالجهم، فقال: ثقة صدوق. وقيل: إن الذي كان يقول بالجهم ولده
..

٤٧١
٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (٤١)
الحسن قاضى بغداد، وبقى ستين سنة أو سبعين سنة يصوم يوما ويفطر يوما. ولد سنة ست
وثلاثين ومائة، ومات سنة ثلاثين ومائتين، ودفن بمقبرة باب حرب ببغداد. الثاني: شعبة بن
الحجاج، وقد تقدم. الثالث: أبو جمرة، بالجيم والراء، واسمه نصر بن عمران بن عصام،
وقيل: عاصم بن واسع الضبعي البصري، سمع ابن عباس وابن عمر وغيرهما من الصحابة،
رضي الله عنهم، وخلقاً من التابعين، وعنه أيوب وغيره من التابعين وغيرهم، كان مقيما
بنيسابور، ثم خرج إلى مرو، ثم انصرف إلى سرخس، وبها توفي سنة ثمان وعشرين ومائة،
وثقته متفق عليها، وقال ابن قتيبة: مات بالبصرة، وكان أبوه عمران رجلا جليلاً قاضي
البصرة، واختلف في أنه صحابي أم لا، وليس في (الصحيحين) من يكنى بهذه الكنية غيره،
ولا من اسمه جمرة، بل ولا في باقي الكتب الستة أيضاً، ولا في (الموطأ). وفي كتاب
الجياني أنه وقع في نسخة أبي ذر، عن أبي الهيثم: حمزة، بالحاء المهملة والزاي، وذلك
وهم، وما عداه أبو حمزة بالحاءٍ والزاي، وقد روى مسلم عن أبي حمزة، بالحاء المهملة،
عن أبي عطاء القصاب، بياع القصب الواسطي، حديثاً واحداً عن ابن عباس، فيه ذكر معاوية،
وإرسال النبي عَّ له ابن عباس خلفه. وقال بعض الحفاظ: يروي شعبة عن سبعة يروون عن ابن
عباس كلهم أبو حمزة، بالحاء والزاي، إلاّ هذا، ويعرف هذا من غيره منهم أنه إذا أطلق عن
ابن عباس: أبو جمرة، فهو هذا؛ وإذا أرادوا غيره ممن هو بالحاء قيدوه بالاسم والنسب
والوصف: كأبي حمزة القصاب، والضبعي، بضم الضاد المعجمة وفتح الباء الموحدة، من
بني ضبيعة، بضم أوله مصغراً، وهو بطن من عبد القيس كما جزم الرشاطي، وفي بكر بن
وائل بطن يقال لهم: بنو ضبيعة أيضاً، وقد وهم من نسب أبا جمرة إليهم من شراح البخاري،
فقد روى الطبراني وابن منده في ترجمة نوح بن مخلد، جد أبي جمرة، أنه قدم على رسول
الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال له: ممن أنت؟ قال: من ضبيعة ربيعة. فقال: خير
ربيعة عبد القيس، ثم الحي الذي أنت منهم. الرابع: عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
٢٠٠٠
ے
بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة، والإخبار في: أخبرنا
شعبة، وفي كثير من النسخ: حدثنا شعبة. ومنها: أن رجاله ما بين بغدادي وواسطي وبصري.
ومنها: أن فيهم من هو من الأفراد وهو: أبو جمرة، وكذا علي بن الجعد، انفرد به البخاري
وأبو داود عن بقية الستة.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري في عشرة مواضع، هنا كما
ترى، وفي الخمس عن أبي النعمان عن حماد، وفي خبر الواحد عن علي بن الجعد عن
شعبة، وعن إسحاق عن النضر عن شعبة، وفي كتاب العلم عن بندار عن غندر عن شعبة،
وفي الصلاة عن قتيبة عن عباد بن عبادة، وفي الزكاة عن حجاج بن المنهال عن حماد، وفي
الخمس عن أبي النعمان عن حماد، وفي مناقب قريش عن مسدد عن حماد، وفي المغازي
عن سليمان بن حرب عن حماد، وعن إسحاق عن أبي عامر العقدي عن قرة، وفي الأدب
عن عمران بن ميسرة عن عبد الوارث عن أبي التياح، وفي التوحيد عن عمرو بن علي عن أبي
i
i

٢ سو .
٤٧٢
٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٤١)
عاصم عن قرة. وأخرجه مسلم في الإيمان عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي موسى وبندار،
ثلاثتهم عن عبد ربه، وعن عبيد الله بن معاذ عن أبيه، وعن نصر بن علي عن أبيه، كلاهما
عن قرة به. وفيه وفي الأشربة عن خلف بن هشام عن حماد بن زيد، وعن يحيى بن يحيى
عن عباد بن عباد به. وأخرجه أبو داود في الأشربة عن سلیمان بن حرب ومحمد بن عبيد بن
حساب، كلاهما عن حماد بن زيد به، وعن مسدد عن عباد بن عباد به، وفي السنة عن
أحمد بن حنبل عن يحيى بن سعيد عن شعبة به. وأخرجه الترمذي فى السير عن قتيبة عن
عباد بن عباد به، وعن قتيبة عن حماد بن زيد به، مختصراً، وفي الإيمان عن قتيبة عنهما
بطوله، وقال: حسن صحيح. وأخرجه النسائي في العلم عن بندار به، وفي الإيمان عن قتيبة
عن عباد بن عباد به، وفي الأشربة عن أبي دواد الحراني عن أبي عتاب بن سهل بن حماد عن
قرة به، وفي الصلاة عن محمد بن عبد الأعلى عن خالد عن شعبة به، ومعنى حديثهم واحد،
ولم يذكر البخاري في طرقه قصة الأشج، وذكرها مسلم في الحديث فقال: عليه السلام،
للأشج، أشج عبد القيس: (إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الأناة والحلم)).
بيان اللغات: قوله: ((على سريره)) وفي (العباب): السرير معروف، وجمعه: أسرة
وسرر، قال الله تعالى ﴿على سرر متقابلين﴾ [الحجر: ٤٧، الصافات: ٤٤] إلاّ أن بعضهم
يستثقل اجتماع الضمتين مع التضعيف، فيرد الأولى منهما إلى الفتح لخفته، فيقول: سرر،
وكذلك ما أشبهه من الجمع، مثل: ذليل وذلل، ونحوه. انتهى. وقيل: إنه مأخوذ من السرور،
لأنه مجلس السرور. قلت: السرير أيضاً مستقر الرأس والعنق، وقد يعبر بالسرير عن الملك
والنعمة وخفض العيش، وقال ابن السكيت: السرير موضع بأرض بني كنانة. قوله: ((سهماً).
أى: نصيباً، والجمع شهمان، بالضم. قوله: ((ان وفد عبد القيس)) قال ابن سيده: يقال وفد
عليه وإليه وفداً ووفوداً ووفادة وإفادة على البدل: قدم، وأوفده عليه، وهم الوفد والوفود، فأما
الوفد فاسم جمع، وقيل: جمع، وأما الوفود فجمع وافد، وقد أوفده إليه. وفي (الجامع)
للقزاز: ووفودة، والقوم يفدون وأوفدتهم أنا أيضاً، وواحد الوفد: وافد. وفي (الصحاح): وفد
فلان على الأمير رسولاً، والجمع: وفد، وجمع الوافد: أوفاد، والاسم: الوفادة، و: أوفدته أنا
إلى الأمير أي أرسلته، وفي (المغيث): الوفد: قوم يجتمعون فيردون البلاد، وكذا ذكره
الفارسي في (مجمع الغرائب). وقال صاحب (التحرير): والوفد الجماعة المختارة من القوم
ليتقدموهم إلى لقى العظماء، والمصير إليهم في المهمات. وقال القاضي: هم القوم يأتون
الملك ركاباً، ويؤيد ما ذكره أن ابن عباس فسر قوله تعالى: ﴿يوم نحشر المتقين إلى الرحمن
وفدا﴾ [مريم: ٨٥] قال: ركبانا، وعبد القيس: أبو قبيلة وهو ابن أفصى، بفتح الهمزة وسكون
الفاء وبالصاد المهملة المفتوحة، ابن دعمي، بضم الدال المهملة وسكون العين المهملة،
وبياء النسبة: ابن جديلة، بفتح الجيم، ابن أسد بن ربيعة بن نزار، كانوا ينزلون البحرین
وحوالي القطيف والأحساء وما بين هجر إلى الديار المصرية.
قوله: ((ربيعة)): هو ابن نزار بن معد بن عدنان، وإنما قالوا: ربيعة، لأن عبد القيس من
٠

٤٧٣
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٤١)
أولاده. قوله: ((مرحبا)) أي: صادفت مرحباً، أي: سعة، فاستأنس ولا تستوحش. قوله: ((خزايا)):
جمع خزيان، من الخزي وهو الاستحياء من: خزى يخزي، من باب: علم يعلم، خزاية أي
استحیی فهو خزیان، وقوم خزایا وامرأة خزیا، كذلك خزی یخزي من هذا الباب بمعنى: ذل
وهان، ومصدره خزي: وقال ابن السكيت: وقع في بلية وأخزاه الله. والمعنى ههنا على هذا،
يعني: غير أذلاء مهانين. فافهم. قوله: (ولا ندامى))، جمع ندمان بمعنى النادم، وقيل: جمع
نادم. قوله: ((في الشهر الحرام)) المراد به الجنس فيتناول الأشهر الحرم الأربعة: رجب وذو
القعدة وذو الحجة والمحرم، ويعرف المحرم دون رجب، وسمي الشهر بالشهر لشهرته
وظهوره، وبالحرام لحرمة القتال فيه. قوله: ((وهذا الحي) قال ابن سيده: إنه بطن من بطون
العرب. وفي (المطالع): هو اسم لمنزل القبيلة، ثم سميت القبيلة به، وذكر الجواني في
(الفاصلة): أن العرب على طبقات عشر أعلاها الجذم، ثم الجمهور، ثم الشعوب واحدها
شعب، ثم القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم العشيرة، ثم الفصيلة، ثم الرهط. وقال
الكلبي: وأول العرب شعوب، ثم قبائل، ثم عمائر، ثم بطون، ثم أفخاذ، ثم فصائل، ثم
عشائر. وقدم الأزهري العشائر على الفصائل. قال: وهم الأحياء. وقال ابن دريد: الشعب:
الحي العظيم من الناس. قلت: الجذم، بكسر الجيم وسكون الذال المعجمة، أصل الشيء،
والشعب، بالفتح: ما تشعب من قبائل العرب والعجم، والعمارة، بكسر العين وتخفيف الميم،
وجوز الخليل فتح عينها، قال في (العباب): وهي القبيلة والعشيرة، وقيل: هي الحي العظيم
ينفرد بظعنه. قوله: (مضر))، بضم الميم وفتح الضاد المعجمة، غير منصرف، وهو مضر بن
نزار بن معد بن عدنان، ويقال لها: مضر الحمراء، ولأخيه: ربيعة الفرس لأنهما لما اقتسما
الميراث أعطي مضر الذهب وربيعة الخيل، وكفار مضر كانوا بين ربيعة والمدينة، ولا يمكنهم
الوصول إلى المدينة إلاَّ عليهم، وكانوا يخافون منهم إلاَّ في الأشهر الحرم لامتناعهم من
القتال فيها. قوله: (بأمر فصل)» بلفظ الصفة لا بالإضافة، والأمر: إما واحد الأمور، أي الشأن،
وإما واحد الأوامر، أي: القول الطالب للفعل، و: فصل، بفتح الفاء وسكون الصاد المهملة،
إما بمعنى: الفاصل كالعدل، أي: يفصل بين الحق والباطل، وإما بمعنى المفصل، أي: واضح،
بحيث ينفصل به المراد عن غيره. قوله: ((من المغنم)) أي: الغنيمة. قال الجوهري: المغنم
والغنيمة بمعنى.
قوله: ((الحنتم)، بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح التاء المثناة من فوق، قال
أبو هريرة: هي الجرار الخضر، وقال ابن عمر: هي الجرار كلها. وقال أنس بن مالك: جرار
يؤتى بها من مضر مقيرات الأجواف. وقالت عائشة: جرار حمر أعناقها في جنوبها يجلب
فيها الخمر من مضر. وقال ابن أبي ليلى: أفواهها في جنوبها يجلب فيها الخمر من الطائف،
وكانوا ينبذون فيها. وقال عطاء: هي جرار تعمل من طين ودم وشعر؛ وفي (المحكم):
الحنتم: جرار خضر تضرب إلى الحمرة؛ وفي (مجمع الغرائب): حمر، وقال الخطابي: هي
جرة مطلية بما يسد مسام الخزف، ولها التأثير في الانتباذ لأنها كالمزفت. وقال أبو حبيب:
٠عدة
٠بوش
هوة
أجود
٠١/٠٠
٠٠٠٦
i

٤٧٤
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٤١)
الحنتم الجر، وكل ما كان من فخار أبيض وأخضر. وقال المازري: قال بعض أهل العلم:
ليس كذلك، إنما الحنتم ما طلي من الفخار بالحنتم المعمول بالزجاج وغيره. قوله:
((والدباء»، بضم الدال وتشديد الباء وبالمد، وقد يقصر وقد تكسر الدال، وهو: اليقطين
اليابس، أي الوعاء منه، وهو القرع، وهو جمع. والواحدة: دباءة، ومن قصر قال: دباة. قال
عياض: ولم يحك أبو علي والجوهري غير المد. قوله: ((والنقير))، بفتح النون وكسر القاف،
وجاء تفسيره في (صحيح مسلم): ((أنه جذع ينقرون وسطه وينبذون فيه)). قوله: ((والمزفت))،
بتشديد الفاء، أي: المطلي بالزفت، أي القار، بالقاف، وربما قال ابن عباس: المقير بدل
المزفت، ويقال: الزفت نوع من القار، وقال ابن سيده: هو شيء أسود يطلى به الإبل والسفن.
وقال أبو حنيفة: إنه شجر مر، والقار يقال له: القير، بكسر القاف وسكون الياء آخر الحروف.
قيل: هو نبت يحرق إذا ييس، يطلى به السفن وغيرها كما يطلى بالزفت، وفي (مسند) أبي
داود الطيالسي، بإسناد حسن عن أبي بكرة، قال: أما الدباء: فإن أهل الطائف كانوا يأخذون
القرع فيخرطون فيه العنب، ثم يدفنونه حتى يهدر ثم يموت. وأما النقير: فإن أهل اليمامة
کانوا ینقرون أصل النخلة، ثم ینتبذون الرطب والبسر، ثم يدعونه حتی یهدر ثم يموت. وأما
الحنتم: فجرار كانت تحمل إلينا فيها الخمر. وأما المزفت: فهذه الأوعية التي فيها الزفت.
بيان الإعراب: قوله: ((كنت أقعد)) التاء في: كنت، اسم كان، والجملة أعني: أقعد،
في محل النصب خبره. قوله: (مع ابن عباس)) أي: مصاحباً معه، أو هو بمعنى: عند، أي:
عند ابن عباس، رضي الله عنهما. قوله: ((فيجلسني)) عطف على قوله: ((أقعد)). فإن قلت:
الإجلاس قبل القعود، فكيف جاء بالفاء؟ قلت: الإجلاس على السرير بعد القعود، وما الدليل
على امتناعه؟ قوله: ((أجعل)) بالنصب بأن المقدرة بعد حتى و((سهما)) منصوب لأنه مفعول:
أجعل، وكلمة: من، في: من مالي، بيانية مع دلالته على التبعيض. قوله: ((فأقمت معه)) أي:
مصاحباً له، وإنما قال: معه، ولم يقل: عنده، مطابقة لقوله: أقم عندي، لأجل المبالغة، لأن
المصاحبة أبلغ من العندية. قوله: ((شهرين) نصب على الظرف، والتقدير: مدة شهرين. قوله:
((من القوم؟)) جملة اسمية، وكلمة: من، للاستفهام. قوله: ((أو: من الوفد؟)) شك من الراوي،
والظاهر أنه شعبة، ويحتمل أن يكون أبا جمرة، وليس كما قال الكرماني، والظاهر أنه من ابن
عباس، رضي الله عنهما. قوله: ((ربيعة))، خبر مبتدأ محذوف تقديره: نحن ربيعة، والجملة
مقول القول. قوله: ((قال: مرحبا)) أي قال لهم النبي عَله: مرحبا، وهو وضع موضع الترحيب،
وانتصابه على المصدرية من: رحبت الأرض ترحب، من باب: كرم يكرم، رخبا، بضم الراء
إذا اتسعت. قال سيبويه: هو من المصادر النائبة عن أفعالها، تقديره: رحبت بلادك رحباً. وقال
غيره: هو من المفاعيل المنصوبة بعامل مضمر لازم إضماره تستعمله العرب كثيراً، ومعناه:
صادفت رحباً أي: سعة فاستأنس ولا تستوحش. وفي (العباب): والعرب تقول أيضا: مرحبك
الله ومسهلك، ومرحبا بك الله ومسهلا، وقال العسكري: أول من قال: مرحبا، سيف ذو يزن.
فإن قلت: ما الباء في: بالقول؟ قلت: يجوز أن تكون للتعدية، ويجوز أن تكون زائدة.

1.the
٤٧٥
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٤١)
قوله: ((غير خزايا)) كلام إضافي منصوب على الحال. فإن قلت: إنه بالإضافة صار معرفة،
وشرط الحال أن تكون نكرة. قلت: شرط تعرفه أن يكون المضاف ضداً للمضاف إليه
ونحوه، وههنا ليس كذلك، ويروى: غير، بكسر الراء، على أنه صفة للقوم. فإن قلت: إنه
نكرة، كيف وقعت صفة للمعرفة؟ قلت: للمعرف بلام الجنس قرب المسافة بينه وبين
النكرة، فحكمه حكم النكرة، إذ لا توقيت فيه ولا تعيين. وفي رواية مسلم: ((غير خزايا ولا
الندامى))، باللام في: الندامى، وفي بعض الروايات: ((غير الخزايا ولا الندامى))، باللام فيهما.
وقال النووي: وفي رواية البخاري في الأدب، من طريق أبي التياح عن أبي جمرة: ((مرحبا
بالوفد الذين جاؤوا غير خزايا ولا ندامى)). ووقع في رواية النسائي من طريق قرة: ((فقال مرحباً
بالوفد ليس خزايا ولا النادمين)). وهذا يشهد لمن قال: كان الأصل في: ولا ندامى؛ نادمين،
ولكنه اتبع خزايا تحسيناً للكلام، كما يقال: لا دريت ولا تلیت. والقياس: لا تلوت، وبالغدايا
والعشايا، والقياس بالغدوات، فجعل تابعاً لما يقارنه، وإذا أفردت لم يجز إلاَّ: الغدوات،
وكذلك قوله عليه السلام: ((إزجَغْنَ مأزورات غير مأجورات)» ولو أفردت لقيل: موزورات،
بالواو، لأنه من الوزر، ومنه قول الشاعر:
جواز
هتاك أخبية ولاج أبوبة
فجمع الباب على: أبوبة اتباعاً لأخبية، ولو أفرد لم يجز. وقال القزاز والجوهري:
ويقال في نادم: ندمان، فعلى هذا يكون الجمع على الأصل، ولا يكون من باب الاتباع.
قوله: ((أن نأتيك)) في محل النصب على المفعولية، و: أن، مصدرية والتقدير: إنا لا نستطيع
الإتيان إليك. قوله: ((الحرام)) بالجر صفة للشهر، وفي رواية الأصيلي وكريمة: إلاَّ في شهر
الحرام، وهي رواية مسلم أيضاً، وهو من إضافة الاسم إلى صفته بحسب الظاهر، كمسجد
الجامع، ونساء المؤمنات. ولكنه مؤول تقديره: إلاَّ في شهر الأوقات الحرام، ومسجد الوقت
الجامع، وقال بعضهم: هذا من إضافة الشيء إلى نفسه. قلت: إضافة الشيء إلى نفسه لا
تجوز كما عرف في موضعه، وفي رواية قرة أخرجها البخاري في المغازي: ((إلاّ في أشهر
الحرم)». وتقديره: في أشهر الأوقات الحرم، والحرم بضمتين جمع: حرام، وفي رواية
حماد بن زيد، أخرجها البخاري في المناقب: ((إلاّ في كل شهر حرام)). قوله: ((وبيننا
وبينك)» الواو فيه للحال، وكلمة: من، في قوله: ((من كفار مضر)) للبيان و: مضر، مضاف
إليه، ولكن جره بالفتح لأن الصرف منع منها للعلمية والتأنيث. قوله ((فمرنا))، جملة من الفعل
والفاعل، وهو الضمير المستتر في: مر، والمفعول وهو: نا، وأصل: مر؛ أؤمر، بهمزتين، لأنه
من: أمر يأمر، فحذفت الهمزة الأصلية للاستثقال، فصار: أمر، فاستغنى عن همزة الوصل
فحذفت، فبقي: مر، على وزن: على، لأن المحذوف فاء الفعل. قوله: (بأمر فصل)) كلاهما
بالتنوين على الوصفية، لا الإضافة. قوله: ((نخبر به)) روي بالرفع وبالجزم، أما الرفع فعلى أنه
صفة: لأمر، وأما الجزم فعلى أنه جواب الأمر. قوله: ((من وراءنا)) كلمة: من، بفتح الميم،
موصولة في محل الرفع على الابتداء. وقوله: وراءنا، خبره، والجملة في محل النصب على
٢٠٠٠١/٠
هوة
ة
i
ـة

٤٧٦
١٢٦٥٧
٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (٤١)
أنها مفعول: نخبر، والخبر في الحقيقة محذوف تقديره: من استقروا وراءنا، أي: خلفنا،
والمراد: قومهم الذين خلفوهم في بلادهم.
قد علم أن نحو: خلف ووراء، إذا وقع خبراً فإن كان بدلاً عن عامله المحذوف،
نحو: زيد خلفك أو وراءك بقي على ما كان عليه من الإعراب، وإن لم يكن بدلاً نحو:
ظهرك خلفك، ورجلاك أسفلك جاز فيه الوجهان: النصب على الظرفية، والرفع على الخبرية.
ثم اعلم أن لفظة: وراء، من الأضداد، لأنه يأتي بمعنى: خلف، وبمعنى: قدام، وهي مؤنثة.
وقال ابن السكيت: يذكر ويؤنث، وهو مهموز اللام، ذكره الصغاني في باب: ما يكون في
آخره همزة. وذكر الجوهري في باب: ما يكون في آخره ياء، وهو غلط، فكأنه ظن أن همزته
ليست بأصلية، وليس كذلك، بدليل وجودها في تصغيره. وقال الكرماني: وفي بعض
الروايات: من ورائنا، بكسر الميم. قلت: قال الشيخ قطب الدين في (شرحه): ولا خلاف أن
قوله: نخبر به من وراءنا، بفتح الميم، والهمزة. فإن قلت: إن صح ما قاله الكرماني فما
تكون: من، بالكسر؟ قلت: إن صحت هذه الرواية يحتمل أن تكون: من، للغاية بمعنى: إن
قومهم يكونون غاية لإخبارهم.
قوله: ((وندخل به الجنة)) برفع اللام وجزمها، عطفاً على قوله: نخبر، الموجه
یوجھین، وفي بعض الروايات: ندخل، بدون الواو، وكذا وقع في مسلم بلا واو، وعلى هذه
الرواية يتعين رفعه، وهي جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب. قوله ((وسألوه)) أي النبي،
عليه الصلاة والسلام، ((عن الأشربة))، أي: عن ظروف الأشربة، فالمضاف محذوف والتقدير:
سألوه عن الأشربة التي تكون في الأواني المختلفة، فعلى هذا يكون محذوف الصفة. فافهم.
قوله: ((فأمرهم بأربع)): الفاء، للتعقيب. أي: بأربع خصال، أو: بأربع جمل، لقوله: حدثنا
بجمل من الأمر، وهي رواية قرة عند البخاري في المغازي، وقوله: ((ونهاهم))، عطف على:
فأمر. قوله: ((أمرهم بالإيمان) تفسير لقوله: ((فأمرهم بأربع)، ولهذا ترك العاطف.
فإن قلت: كيف يكون تفسيراً والمذكور خمس؟ قلت: قال النووي: عد جماعة
الحديث من المشكلات، حيث قال: أمرهم بأربع والمذكور خمس، واختلفوا في الجواب
عنه، فقال البيضاوي: الظاهر أن الأمور الخمسة تفسير للإيمان، وهو أحد الأربعة المأمور بها،
والثلاثة الباقية حذفها الراوي نسياناً أو اختصاراً. وقال الطيبي: من عادة البلغاء أن الكلام إذا
كان منصباً لغرض من الأغراض جعلوا سياقه له، وتوجهه إليه كأن ما سواه مرفوض مطرح،
فههنا لما لم يكن الغرض في إيراد ذكر الشهادتين، لأن القوم كانوا مقرين بهما بدليل قولهم:
٤) الله ورسوله أعلم، ولكن كانوا يظنون أن الإيمان مقصور عليهما، وأنهما كافيتان لهم، وكان
الأمر في أول الإسلام كذلك لم يجعله الراوي من الأوامر، وجعل الإعطاء منها لأنه هو
الغرض من الكلام، لأنهم كانوا أصحاب غزوات مع ما فيه من بيان أن الإيمان غير مقصور
على ذكر الشهادتين، وقال القرطبي: قيل: إن أول الأربع المأمور بها: إقام الصلاة، وإنما ذكر
الشهادتين تبركاً بهما، كما قيل في قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن الله

٤٧٧
٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (٤١)
خمسه﴾ [الأنفال: ٤١] وهذا نحو كلام الطيبي.
فإن قلت: قوله: ((وإقام الصلاة)) مرفوع عطفاً على قوله: ((شهادة أن لا إله إلا الله))،
وهذا يرد ما قاله الطيبي والقرطبي، وأجيب: بأنه يجوز أن يقرأ: و: إقام الصلاة، بالجر عطفاً
على قوله: ((أمرهم بالإيمان)) والتقدير: أمرهم بالإيمان مصدراً به وبشرطه في الشهادتين،
وأمرهم بإقام الصلاة الى آخره، ويعضد هذه رواية البخاري في الأدب من طريق أبي التياح،
عن أبي جمرة، ولفظه: ((أربع وأربع أقيموا) ... إلى آخره. فإن قيل: ظاهر ما ترجم به
المصنف من أن أداء الخمس من الإيمان يقتضي إدخاله مع الخصال في تفسير الإيمان،
والتقدير المذكور يخالفه، فأجاب ابن رشد بأن المطابقة تحصل من جهة أخرى، وهي أنهم
سألوا عن الأعمال التي يدخلون بها الجنة؟ فأجيبوا بأشياء منها: أداء الخمس، والأعمال التي
يدخل بها الجنة هي أعمال الإيمان، فيكون أداء الخمس من الإيمان بهذا التقرير. فإن قلت:
قد قال في رواية حماد بن زيد عن أبي جمرة: ((أمركم بأربع: الإيمان بالله، شهادة أن لا إله إلاَّ
الله. وعقد واحدة)). أخرجها البخاري في المغازي، وأخرج في فرض الخمس، وعقد بيده
الحجاج بن منهال، فدل على أن الشهادة إحدى الأربع، وكذا في رواية عباد بن عباد في
أوائل المواقيت، ولفظه: ((أمركم باربع ونهاكم عن أربع: الإيمان بالله، ثم فسرها لهم: شهادة
أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمداً رسول الله ... )) الحديث، وهذا أيضا يدل على أنه عد الشهادتين
من الأربع، لأنه أعاد الضمير في قوله، ثم فسرها مؤنثاً، فيعود على الأربع، ولو أراد تفسير
الإيمان لأعاده مذكراً. قلت: أجاب عنه القاضي، وابن بطال بأنه عد الأربع التي وعدهم، ثم
زادهم خامسة وهي: أداء الخمس، لأنهم كانوا مجاورين لكفار مضر، وكانوا أهل جهاد
وغنائم. قال النووي: وهو الصحيح، وقال الكرماني: ليس الصحيح ذلك ههنا، لأن البخاري
عقد الباب على أن أداء الخمس من الإيمان، فلا بد أن يكون داخلاً تحت أجزاء الإيمان، كما
أن ظاهر العطف يقتضي ذلك، بل الصحيح ما قيل: إنه لم يجعل الشهادة بالتوحيد وبالرسالة
من الأربع، لعلمهم بذلك، وإنما أمرهم بأربع لم يكن في علمهم أنها دعائم الإيمان. قلت: لو
اطلع الكرماني على رواية حماد بن زيد عن أبي جمرة، ورواية عباد بن عباد، لما نفى
الصحيح وأثبت غير الصحيح، والتعليل الذي علله هو السؤال الذي أجاب عنه ابن رشد، فإن
قلت: قد وقع في رواية البخاري في الزكاة: ((وشهادة أن لا إله إلا الله))، بواو العطف. قلت:
هذه زيادة شاذة لم يتابع عليها.
قوله: ((وأن تعطوا))، عطف على قوله: ((بأربع)) أي: أمركم بأربع، وبأن تعطوا، و: أن،
مصدرية، والتقدير: وبإعطاء الخمس من المغنم. قوله: ((ونهاهم))، عطف على قوله: أمرهم،
قوله: ((عن الحنتم) بدل من قوله: عن اربع وما بعده عطف عليه، وفيه المضاف محذوف
تقديره: ونهاهم عن نبيذ الحنتم والدباء. قوله: ((وربما)). كلمة: رب، ههنا للتقليل، وإذا زيدت
عليها: ما، فالغالب أن تكفها عن العمل، وأن تهيئها للدخول على المجمَّل الفعلية، وأن يكون
الفعل ماضياً لفظاً ومعنى. فإن قلت: ما تقول في قوله تعالى: ﴿ربما يود الذين كفروا﴾؟
٠٠٠
i
i
i

٤٧٨
:٤١٣
٠٫٧٥
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٤١)
[النساء: ١٠٢] قلت: هو مؤول بالماضي على حد قوله تعالى: ﴿ونفخ في الصور﴾
[الكهف: ٩٩، يس: ٥١، الزمر: ٦٨، ق: ٢٠] قوله: ((وأخبروا بهن))، بفتح الهمزة، قوله:
((من وراء كم))، مفعول ثان: لأخبروا، و: من، بفتح الميم موصولة مبتدأ. وقوله: وراء كم،
خبره، والتقدير: أخبروا الذين كانوا وراءكم، أو استقروا، ورواية البخاري بفتح: من، كما
ذكرنا، وكذا رواية مسلم من طريق ابن المثنى وغيره، ووقع له من طريق ابن أبي شيبة: من
ورائکم، بكسر الميم والهمزة.
بيان المعاني: قوله: ((كنت أقعد مع ابن عباس، رضي الله عنهما)) يعني: زمن ولايته
البصرة من قبل علي بن أبي طالب، رضي الله عنه. ووقع في رواية البخاري في العلم، بيان
السبب في إكرام ابن عباس لأبي جمرة وهو: «كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس)) وفي
مسلم:(كنت بين يدي ابن عباس وبين الناس)). فقيل: إن لفظه: يدي، زائدة. وقيل: بينه،
مرادة مقدرة، أي: بينه وبين الناس. قوله: ((أترجم)) من الترجمة وهي: التعبير بلغة عن لغة لمن
لا يفهم. فقيل: كان يتكلم بالفارسية، وكان يترجم لابن عباس عمن تكلم بها. وقال ابن
الصلاح: وعندي أنه كان يبلغ كلام ابن عباس إلى مَن خفي عليه مِن الناس، إما لزحام أو
لاختصار يمنع من فهمه؛ وليست الترجمة مخصوصة بتفسير لغة بلغة أخرى، فقد أطلقوا على
قولهم: باب كذا، اسم الترجمة، لكونه يعبر عما يذكره بعده. قال النووي: والظاهر أنه
يفهمهم عنه ويفهمه عنهم، وقال القاضي: فيه جواز الترجمة والعمل بها، وجواز المترجم
الواحد لأنه من باب الخبر لا من باب الشهادة على المشهور. قلت: قال أصحابنا: والواحد
يكفي للتزكية والرسالة والترجمة لأنها خبر، وليست بشهادة حقيقة، ولهذا لا يشترط لفظة
الشهادة.
قوله: (إن وفد عبد القيس)) قال النووي: كانوا أربعة عشر راكباً، كبيرهم الأشج،
وسمى منهم صاحب (التحرير) وصاحب (منهج الراغبين) شارحا مسلم ثمانية أنفس. الأول:
رئيسهم وكبيرهم: الأشج، واسمه المنذر بن عائذ، بالذال المعجمة، ابن المنذر بن الحارث
ابن النعمان بن زياد بن عصر، كذا نسبه أبو عمر، وقال ابن الكلبي المنذر بن عوف بن زياد
ابن عصر، وكان سيد قومه. قلت: عصر، بفتح المهملتين، ابن عوف بن عمرو بن بكر بن
عوف بن أنمار بن عمرو بن وديعة بن لكيز، بضم اللام وفي آخره زاي معجمة، ابن أقصى،
بالفاء ابن عبد القيس بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار، وإنما قال له النبي، صلى
الله تعالى عليه وسلم: الأشج لأثرٍ كان في وجهه. الثاني: عمرو بن المرجوم، بالجيم، واسم
المرجوم: عامر بن عمرو بن عدي بن عمرو بن قيس بن شهاب بن زيد بن عبد الله بن زياد بن
عصر، كان من أشراف العرب وساداتها. الثالث: عبيد بن همام بن مالك بن همام. الرابع:
الحارث بن شعيب. الخامس: مزيدة بن مالك. السادس: منقذ بن حبان. السابع:
الحارث بن حبيب العايشي، بالمعجمة. الثامن: صحار، بضم الصاد وتخفيف الحاء وفي
آخره راء، كلها مهملات.
٠٠٠
29.

٤٧٩
٢ - كتابُ الإِيمَانِ / باب (٤١)
وقال صاحب (التحرير): لم أظفر بعد طول التتبع لأسماء الباقين، قلت: الستة الباقية،
على ما ذكروا، هم: عتبة بن حروة، والجهيم بن قثم، والرسيم العدوي، وجويرة الكندي،
والزارع بن عائد العبدي، وقيس بن النعمان. وقال البغوي في (معجمه): حدثني زياد بن
أيوب، ثنا إسحاق بن يوسف، أنبأنا عوف عن أبي القموس زيد بن علي حديث الوفد الذين
وفدوا على رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، من عبد القيس، وفيه: قال النعمان بن
قيس: ((سألناه عن أشياء حتى سألناه عن الشراب، فقال: لا تشربوا من دباء ولا حنتم ولا في
نقير، واشربوا في الحلال الموكى عليه، فإن اشتد عليكم فاكسروه بالماء، فإن أعياكم
فأهريقوه)) ... الحديث. فإن قلت: روى ابن منده، ثم البيهقي من طريق هود العصري، عن
جده لامه مزيدة، قال: ((بينما رسول الله عَّلم يحدث أصحابه إذا قال لهم: سيطلع لكم من
هذا الوجه ركب هم خير أهل المشرق، فقام عمر، رضي الله عنه، فلقي ثلاثة عشر راكباً،
فرحب وقرب من القوم، وقال: من القوم؟ قالوا: وفد عبد القيس).
وروى الدولابي وغيره من طريق أبي خيرة، بفتح الخاء المعجمة وسكون الياء آخر
الحروف وبعدها الراء، الصباحي، بضم الصاد المهملة وتخفيف الباء الموحدة وبعد الألف
جاء مهملة، نسبة إلى الصباح بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس، قال: ((كنت في الوفد الذين
أتوا رسول الله عَليه، وكنا أربعين رجلاً، فنهانا عن الدباء والنقير ... )) الحديث. قلت: أجاب
بعضهم عن الأول، بأنه يمكن أن يكون أحد المذكورين غير راكب، وعن الثاني: بأن الثلاثة
عشر كانوا رؤوس الوفد: قلت: هذا عجيب منه، لأنه لم يسلم التنصيص على العدد
المذكور، فكيف يوفق بينه وبين ثلاثة عشر وأربعين؟ حتى قال: وقد وقع في جملة من
الأخبار ذكر جماعة من عبد القيس، فعد منهم أخا الزارع، وابن مطر، وابن أخيه، وشمرخاً
السعدي. وقال: روى حديثه ابن السكن، وأنه قدم مع وفد عبد القيس وجذيمة بن عمرو
وجارية، بالجیم، ابن جابر وهمام بن ربيعة، وقال: ذ کرهم ابن شاهین ونوح بن مخلد، جد
أبي جمرة الصباحي. قلت: ومن الذين كانوا في الوفد: الأعور بن مالك بن عمر بن عوف بن
عامر بن ذبيان بن الديل بن صباح، وكان من أشراف عبد القيس وشجعانهم في الجاهلية.
مع الأشج، ذكره
قال أبو عمرو الشيباني: وكان ممن وفد على رسول الله
الرشاطي. ومنهم: القائف وإياس ابنا عيسى بن أمية بن ربيعة بن عامر بن ذبيان بن الدیل بن
صباح، وكانا من سادات بني صباح؛ ومنهم شريك بن عبد الرحمن، والحارث بن عيسى،
وعبد الله بن قيس، والذراع بن عامر، وعيسى بن عبد الله كانوا مع الذين وفدوا على رسول
الله عَّ اللّه مع الأشج، ذكرهم كلهم أبو عبيدة. ومنهم: ربيعة بن خراش، ذكره المدائني،
وقال: إنه وفد. ومنهم: محارب بن مرثد، وفد على رسول الله عَ لهر مع وفد عبد القيس،
ذكره ابن الكلبي. ومنهم: عباد بن نوفل بن خداش، وابنه عبد الرحمن بن عباد، وعبد
الرحمن بن حيان، وأخوه الحكم بن حيان، وعبد الرحمن بن أرقم، وفضالة بن سعد،
وحسان بن زيد، وعبد الله بن همام، وسعد بن عمر، وعبد الرحمن بن همام وحكيم بن عامر،
مود
+ مود
i
i
د جوء
i
i
i
٦٥٦٣
i
·حجم ق

٤٨٠
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٤١)
وأبو عمرو بن شييم، كلهم وفدوا على النبي عَلّه، وكانوا من سادات عبد القيس وأشرافها
وفرسانها، ذكرهم أبو عبيدة، فهؤلاء اثنان وعشرون رجلاً زيادة على ما ذكره هذا القائل،
فجملة الجمع تكون خمسة وأربعين نفساً، فعلمنا أن التنصيص على عدد معين لم يصح،
ولهذا لم يخرجه البخاري ومسلم بالعدد المعين، وكان سبب قدومهم أن منقذ بن حبان أحد
بني غنم بن وديعة كان يتجر إلى يثرب بملاحف وتمر من هجر بعد الهجرة، فمر به عَّ﴾،
فنهض منقذ إليه، فقال النبي عَّلهُ: ((يا منقذ بن حبان، كيف جمع قومك؟)) ثم سأله عن
أشرافهم، يسميهم، فأسلم منقذ وتعلم ﴿الفاتحة واقرأ﴾، ثم رحل إلى هجر، فكتب النبي
، إلى جماعة عبد القيس فكتمه، ثم اطلعت عليه امرأته، وهي بنت المنذر بن عائد، وهو
الأشج المذكور، وكان منقذ يصلي ويقرأ، فذكرت لأبيها فتلاقيا فوقع الإسلام في قلبه، ثم
سار الأشج إلى قومه عصر ومحارب بكتاب رسول الله عَليه، فقرأه عليهم فوقع الإسلام في
قلوبهم، وأجمعوا على المسير إلى رسول الله عَ ليه، فسار الوفد، فلما دنوا من المدينة قال
النبي صَّةُ: ((أتاكم وفد عبد القيس، خير أهل المشرق، وفيهم الأشج العصري، غير
ناكبين ولا مبدلين ولا مرتابين، إذ لم يسلم قوم حتى وتروا)) قال القاضي: كان وفودهم
عام الفتح قبل خروج النبي عَّةٍ إلى مكة.
قوله: ((قالوا ربيعة)) فيه التعبير بالبعض عن الكل، لأنهم بعض ربيعة، ويدل عليه ما
جاء في رواية أخرى، وهي طريق عباد بن عباد عن أبي جمرة، فقالوا: ((إنا هذا الحي من
ربيعة))، أخرجها البخاري في الصلاة، والترمذي أيضاً، و: الحي منصوب على الاختصاص.
قوله: ((غير خزايا ولا ندامى)) معناه: لم يكن منكم تأخر الإسلام، ولا أصابكم قتال ولا سبي
ولا أسر وما أشبهه مما تستحيون منه، أو تذلون أو تفضحون بسببه أو تندمون عليه، وهذا
يدل على أنهم أسلموا قبل وفودهم إلى النبي عَّله، ويدل عليه أيضاً قولهم: يا رسول الله،
ويدل أيضاً على تقدم إسلامهم على قبائل مضر الذين كانوا بينهم وبين المدينة، وكانت
مساكنهم بالبحرين وما والاها من أطراف العراق، ولهذا قالوا في رواية شعبة عند البخاري في
العلم: (إنا نأتيك من شقة بعيدة))، ويدل على سبقهم أيضاً ما رواه البخاري في الجمعة من
طريق أبي جمرة الصباحي، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: (إن أول جمعة جمعت، بعد
جمعة مسجد رسول الله عَدٍ، في مسجد عبد القيس بجوائى من البحرين)) وهي بضم الجيم
وبعد الألف ثاء مثلثة مفتوحة، وهي قرية مشهورة لهم. وفي (المطالع): جواثى، بواو مخففة،
ومنهم من يهمزها، وهي مدينة بالبحرين، وإنما جمعت بعد رجوع وفدهم إليهم، فدل على
أنهم سبقوا جميع المدن إلى الإسلام، وجاء في هذا الخبر: ((إن وفد عبد القيس لما وصلوا
إلى المدينة، بادروا إلى النبي عَّه، فقام الأشج، فجمع رجالهم وعقل ناقته ولبس ثياباً جدداً،
ثم أقبل إلى النبي عليه، وأجلسه إلى جانبه، ثم إن النبي عَّهُ قال لهم: «تبايعوني على
أنفسكم وقومكم)؟ فقال القوم: نعم. فقال الأشج: يا رسول الله! إنك لن تزايل الرجل عن
شيء أشد عليه من دينه، نبايعك على أنفسنا، وترسل معنا من يدعوهم، فمن اتبع كان منا.