النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣٦)
٣٦ - بابٌ أَتَاعُ الْجَنائِ مِنَ الإِيمان
أي: هذا باب، وهو منون، ويجوز ترك التنوين بإضافته إلى الجملة، أعني: قوله اتباع
الجنائز من الإيمان، فقوله: ((اتباع الجنائز)) كلام إضافي مبتدأ. وقوله: ((من الإيمان)) خبره أي:
اتباع الجنائز شعبة من شعب الإيمان، واتباع بتشديد التاء مصدر اتبع من باب الافتعال،
والجنائز جمع جنازة، بالجيم المفتوحة والمكسورة، والكسر أفصح، وقيل بالفتح للميت،
وبالكسر للنعش وعليه الميت. وقيل: عكسه مشتقة من جنز، إذا ستر، وقال الجوهري:
الجنازة، بالكسر، والعامة تقول بالفتح، والمعنى: للميت على السرير وإذا لم يكن عليه
الميت فهو سرير ونعش، وفي (العباب) لابن الأعرابي: الجنازة، بالكسر: السرير؛ والجنازة،
بالفتح: الميت. وقال ابن السكيت وابن قتيبة: يقال: الجنازة والجنازة، وقال الأصمعي:
الجنازة، بالكسر: الميت نفسه، قال: والعوام يتوهمون أنه السرير. وقال النضر: الجنازة: السرير
مع الرجل جميعاً. وقال الخليل: الجنازة، بالكسر: خشب الشرجع، وقد جرى في أفواه الناس
الجنازة بالفتح، والنحارير ينكرون ذلك. وقال غيره: إذا لم يكن عليه ميت فهو سرير أو
نعش، وكل شيء ثقل على قوم واغتموا به فهو جنازة. وقال ابن عباد: الجنازة، بالكسر:
المريض، وطعن فلان في جنازته، ورمى في جنازته إذا مات. وقال ابن دريد: جنزت الشيء
أجنزه جنزاً إذا سترته، وزعم قوم أن منه اشتقاق الجنازة. قال: ولا أدري ما صحته. وقال
الليث: جنز الشيء إذا جمع، وقيل: منه اشتقاق الجنازة، لأن الثياب تجمع على الميت.
وقال ابن دريد: إن النوار لما احتضرت أوصت أن يصلي عليها الحسن البصري، فأخبر
الحسن بذلك فقال: إذا جنزتموها فآذنوني. قال: فاسترككنا هذه الكلمة من الحسن يومئذ،
يعني: التجنيز.
فإن قلت: ما وجه المناسبة بين البابين؟ قلت: الإنسان له حالتان: حالة الحياة وحالة
الممات، فالمذكور في الباب الأول هو أركان الدين التي يحصل الثواب بإقامتها بمباشرة
الأحياء بدون واسطة، والمذكور في هذا الباب هو الثواب الذي يحصل بمباشرة الأحياء
بواسطة الأموات. وقال بعضهم: ختم المصنف التراجم التي وقعت له من شعب الإيمان بهذه
الترجمة، لأن ذلك آخر أحوال الدنيا. قلت: هذا ليس بصحيح، لأنه بقي من الأبواب
المترجمة بشعب الإيمان باب: أداء الخمس من الإيمان، وهو مذكور بعد أربعة أبواب من هذا
الباب، وكيف يصح أن يقال ختم بهذه الترجمة التراجم المذكورة؟ فإن قلت: ما وجه قوله
في الباب السابق: باب الزكاة من الإسلام، وفي هذا الباب: باب اتباع الجنائز من الإيمان؟
قلت: راعى المناسبة والمطابقة فيهما، فإن المذكور في الباب الأول لفظ: الإسلام، حيث
قال: ((فإذا هو يسأل عن الإسلام)) والمذكور في هذا الباب لفظ الإيمان، حيث قال: من اتبع
جنازة مسلم إيماناً، فترجم الباب على لفظة الإيمان.
٤٧/١ - حدّثنا أحمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ المَنْجُوفِيُّ قال: حدثنا رَوْعٌ قال: حدّثنا
٠٠ موز

٠٢٣
٤٢٢
٢ - کتابُ الإِيمانِ / باب (٣٦)
عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ ومُحمَّدٍ عَنْ أبي هُرِرَةَ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: ((مَنِ الَّبْعَ
جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَاناً واحتساباً وكانَ مَعَهُ حتَّى يُصَلَّى عَلَيْها وُيُفْرَغَ مِنْ دَفْتِهَا فإنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ
الأَجْرِ بِقِيرَاطَينٍ كُلِّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، ومَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فإِنَّهُ يَرْجِعُ
بِقِيرَاطٍ)). [الحديث ٤٧ - طرفاه في: ١٣٢٣، ١٣٢٥].
مطابقة الحديث للترجمة، من حيث إن مباشرة العمل الذي فيه الثواب قدر قيراطين،
والقيراط مثل جبل أحد، شعبة من شعب الإيمان. ورأيت من ذكر من الشراح وجه مطابقة
الحديث للترجمة، قد تعلق بقوله: إيماناً واحتساباً. وهذا لا وجه له. فإن المراد من معنى
الإيمان ههنا معناه اللغوي، معناه: مصدقاً بأنه حق وطاعة، وقد مر الكلام فيه وفي قوله:
واحتساباً، مستوفىّ في: باب قيام ليلة القدر من الإيمان.
بيان رجاله: وهم ستة: الأول: أحمد بن عبد الله بن علي بن سويد بن منجوف،
بفتح الميم وسكون النون وضم الجيم وفي آخره فاء، ومعناه: الموسع، ونسبته إليه، وكنيته
أبو بكر السدوسي البصري، روى عنه البخاري وأبو داود والنسائي، مات سنة اثنتين وخمسين
ومائتين. الثاني: روح، بفتح الراء وبالحاء المهملة، ابن عبادة بن العلاء بن حسان بن عمر
ابن مرثد البصري، قال الخطيب: كان كثير الحديث، وصنف الكتب في السنن والأحكام
والتفسير، وكان ثقة. قال علي بن المديني: نظرت لروح بن عبادة في أكثر من مائة الف
حديث، كتبت منها عشرة آلاف. وقال يحيى بن معين: لا بأس به صدوق، توفي سنة خمس
ومائتين. روى له الجماعة. الثالث: عوف، بالفاء، ابن أبي جميلة بندويه، بفتح الباء الموحدة
والنون الساكنة والدال المهملة المضمومة وواو ساكنة وياء آخر الحروف مفتوحة، وغلط من
قال بوزن: راهويه، وقيل: اسمه بنده أي: العبد، يعرف بالأعرابى، ولم يكن أعرابيا، وإنما قيل
لفصاحته، العبدي الهجري البصري، سمع جمعاً من كبار التابعين منهم الحسن، وعنه
الأعلام: الثوري وشعبة وغيرهما، وثقته مجمع عليها، ولد سنة تسع وخمسين، ومات سنة
ست وقيل: سنة سبع وأربعين ومائة، ونسب إلى التشيع، روى له الجماعة. الرابع: الحسن
البصري، وقد مر ذكره. الخامس: محمد بن سيرين أبو بكر الأنصاري، مولاهم، البصري
التابعي الجليل، أخو أنس ومعبد ويحيى وحفصة وكريمة أولاد سيرين، وسيرين مولى أنس من
سبي عين التمر، وإذا أطلق إبن سيرين فهو: محمد هذا، وهؤلاء الستة كلهم تابعيون، وذكر
أبو علي الحافظ خالداً بدل كريمة، قال: وأكبرهم معبد، وأصغرهم حفصة. قلت: وفي أولاد
سيرين أيضا: عمرة وسودة. قال ابن سعد: أمها أم ولد كانت لأنس، وذكر بعضهم من أولاده
أيضا: أشعب، فهؤلاء عشرة. كاتب أنس، رضي الله عنه، سيرين على عشرين ألف درهم،
فأداها وعتق، وأم محمد وأخوته صفية مولاة الصديق، طيبها ثلاث من أزواج النبي، صلى الله
عليه وسلم، ودعون لها وحضر أملاكها ثلاثة عشر بدرياً منهم: أبي بن كعب يدعو وهم
يؤمنون، سمع جمعاً من الصحابة وخلقاً من التابعين، قال هشام بن حسان: أدرك ثلاثين
صحابياً، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، رضي الله عنه، وهو أكبر من أخيه أنس، وعنه

٤٢٣
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣٦)
خلق من التابعين: الشعبي وقتادة وأيوب، مات سنة عشر ومائة بعد الحسن بمائة يوم، روى له
الجماعة. السادس: أبو هريرة، رضي الله عنه.
جدة
بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة. ومنها: أن رواته كلهم بصريون
ما خلا أبا هريرة، رضى الله عنه. ومنها: أن البخاري، رحمه الله تعالى، قرن فيه بين الحسن
ومحمد بن سيرين لما أسلفنا أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة عند الجمهور، فقرنه بمحمد
ابن سيرين لأنه سمع منه، فالاعتماد عليه، وعلى قول من يقول: إن الحسن سمع منه لا يخلو
إما أن يكونا سمعا هذا الحديث من أبي هريرة مجتمعين، وإما ان يكونا سمعا منه مفترقين،
وإنما أورده البخاري كما سمع، وقد وقع له نظير هذا في قصة موسى - عليه السلام - فإنه
أخرج فيها حديثاً من طريق روح بن عبادة بهذا الإسناد، وأخرج أيضاً في بدء الخلق عنهما،
عن أبي هريرة حديثاً آخر، واعتماده في كل ذلك على ابن سيرين، لأن الحسن، وإن صح
سماعه عن أبي هريرة، فإنه كثير الإرسال فلا تحمل عنعنته على السماع. وقال الكرماني:
قالوا: لم يصح سماع الحسن عن أبي هريرة، أقول: فعلى هذا التقدير يكون لفظ: عن أبي
هريرة، متعلقاً بمحمد فقط، أو يكون مرسلاً. قلت: قوله: أو يكون مرسلاً، إن أراد به أن
الحدیث یکون مرسلاً، فلا يصح، وإن أراد به الإرسال من جهة الحسن فله وجه على تقدير
عدم سماعه من أبي هريرة.
بيان من أخرجه غيره: أخرجه النسائي في الإيمان عن عبد الرحمن بن محمد بن سلام
عن إسحاق الأزرق، وفي الجنائز عن محمد بن بشار عن محمد بن جعفر، كلاهما عن
عوف عن محمد به.
بيان اللغات: قوله: ((اتبع))، بتشديد التاء المثناة من فوق في أكثر الروايات، وفي رواية
الأصيلي: تبع، بدون الألف وكسر الباء الموحدة، يقال: تبعت الشيء تبعاً وتباعة، بفتح التاء،
وتبع واتبع واتبع واحد، وقيل: اتبعه: لحقه ومشى خلفه، واتبعه: حذا حذوه. وفي (العباب):
تبعت القوم بالكسر أتبعهم تبعاً وتباعة، بالفتح: إذا مشيت خلفهم، أو مروا بك فمضيت
معهم، واتبعت القوم مثل تبعتهم إذا كانوا قد سبقوك فلحقتهم، واتبعت أيضاً غيري، وقوله
تعالى: ﴿فأتبعهم فرعون وجنوده﴾ [يونس: ٩٠] وقال ابن عرفة: أي لحقهم أو كاد، ومنه
قوله تعالى: ﴿فاتبعه الشيطان﴾ [الأعراف: ١٧٥] أي: لحقه، وقال الفراء: يقال تبعه واتبعه.
لحقه وألحقه، وكذلك قوله تعالى: ﴿فأتبعه شهاب ثاقب﴾ [الصافات: ١٠] وقوله تعالى:
﴿فأتبع سببا﴾ [الكهف: ٨٥]. و﴿فأتبع سببا﴾ [الكهف: ٨٥] بقطع الهمزة في قراءة أهل
الشام والكوفة، كل ذلك: لحق. وقال الأزهري في قوله تعالى: ﴿فأتبعهم فرعون بجنوده﴾
[يونس: ٩٠] أراد: أتبعهم إياهم.
قوله: ((إيماناً واحتساباً) قد مر الكلام عليهما في قيام ليلة القدر. قوله: ((يرجع)، من
الرجوع لا من الرجع. قوله: ((قيراط))، أصله: قراط، بتشديد الراء بدليل جمعه على قراريط،
فأبدل من إحدى الرائين ياء، كما في الدينار أصله: دنار، بدليل جمعه على دنانير، والقيراط
Imi
i
i
i
١
1005
بها :

٤٢٤
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣٦)
في اللغة: نصف دائق. وقال الطيبي: قيل: القيراط جزء من أجزاء الدينار، وهو نصف عشره
في أكثر البلاد، وأهل الشام يجعلونه جزءاً من أربعة وعشرين جزءاً، وقد يطلق ويراد به بعض
الشيء، وفي (العباب): وزن القيراط يختلف باختلاف البلاد، فهو عند أهل مكة: ربع سدس
الدينار، وعند أهل العراق: نصف عشر الدينار. انتهى. وعند الفقهاء: القيراط جزء من عشرين
جزءاً من الدينار، وكل قيراط ثلاث حبات، فيكون الدينار ستين حبة، وكل حبة أربع أرزات،
فيكون مائتين وأربعين أرزة. ويقال: القيراط طسوجتان، والطسوجة حبتان، والحبة شعيرتان،
والشعيرّة ذرتان، والذرة فتيلتان. وقد أراد الشارع من القيراط ههنا قدر جبل أحد، والمقصود
أن القيراط: مقدار من الثواب معلوم عند الله تعالى، وهذا الحديث يدل على عظم مقداره فيٍ
هذا الموضوع، ولا يلزم من هذا أن يكون هذا هو القيراط المذكور فيمن اقتنى كلبا إلاّ
كلب صيد أو زرع أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراط. بل يجوز أن يكون أقل منه أو
أكثر. قلت: بل الظاهر أن القيراط في الأجر اعظم من القيراط المذكور في نقص الأجر، لأنه
من قبيل المطلوب تركه. والأول من قبيل المطلوب فعله، وهو الصلاة على الجنازة وحضور
دفنها، وقد رأينا عادة الشرع تعظيم الحسنات وتضعيفها دون السيئات، كرماً منه تعالى
ورحمة، ولطفاً. والحاصل أن القيراط: اسم لمقدار من الثواب يقع على القليل والكثير، وبين
في هذا الحديث أنه مثل أحد، وفي رواية للحاكم: القيراط أعظم من أحد. ثم قال: حديث
صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وفى رواية للحاكم من حديث أبي بن كعب مرفوعاً: ((والذي
نفس محمد بيده لهو في الميزان أثقل من أحد)). وفي اسناده: الحجاج بن أرطأة، وفيه مقال.
وفي السنن الصحاح المأثورة من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((من أوذن بجنازة فأتى أهلها
فعزاهم كتب الله له قيراطاً، فإن شيعها كتب الله له قيراطين، فإن صلى عليها كتب الله له
ثلاثة قراريط، فإن شهد دفنها كتب الله له أربعة قراريط، القيراط مثل أحد)). قوله: (مثل أحد))
بضمتين: وهو الجبل الذي بجنب المدينة على نحو ميلين منها، وهو في شمال المدينة،
وسمي بهذا الإسم لتوحده وانقطاعه عن جبال أخرى هنالك. وفي الحديث من طريق أبي
عيسى بن جبر عن رسول الله عَ ليه قال: ((أحد يحبنا ونحبه، وهو على باب الجنة. قال: وعير
يبغضنا ونبغضه، وهو على باب من أبواب النار)). قال السهيلي: وفي أحد قبر هارون - عليه
السلام - أخي موسى الكليم، وفيه قُبض، وثمة واراه موسى - عليه السلام - وكانا قد مرا
بأحد حاجین أو معتمرین.
بيان الإعراب: قوله: ((ومحمد)) بالجر، عطف على الحسن. قوله: (من اتبع)) كلمة:
من، موصولة تتضمن معنى الشرط، في محل الرفع على الابتداء، و: اتبع، جملة من الفعل
والفاعل (وجنازة مسلم)) كلام إضافي مفعوله، والجملة صلة الموصول. قوله: «إيمانا
واحتسابا)) منصوبان على الحال بمعنى: مؤمناً ومحتسباً، وقد مر الكلام فيه في باب: تطوع
قيام رمضان من الإيمان. قوله: ((وكان معه) أي: مع المسلم، هكذا رواية الأكثرين، وفي
رواية الكشميهني: وكان معها، أي مع الجنازة، وهذه الجملة عطف على قوله: اتبع. قوله:

٤٢٥
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣٦)
((حتى يُصلي عليها)) على صيغة المعلوم، بكسر اللام، والضمير في: يصلي، يرجع إلى:
من، وفي: عليها، إلى: الجنازة. ويروى بفتح اللام على صيغة المجهول، وقوله: عليها،
مفعول ناب عن الفاعل. وكذلك روي ((ويفرغ من دفنها) على الوجهين، و: حتى، هذه
للغاية، وأن الناصبة بعدها مضمرة، وقوله: يصلي ويفرغ، منصوبان بها. قوله: ((فإنه يرجع من
الأجر) خبر المبتدأ، أعني قوله: من، وإنما دخلت الفاء لتضمنه معنى الشرط، كما ذكرنا.
وكلمة: من، بيانية، فإن قلت: ما محل قوله: من الأجر؟ قلت: حال من قوله: ((بقيراطين))،
وفي الحقيقة هي صفة ولكنها لما قدمت صارت حالاً. والباء في: بقيراطين، تتعلق بقوله:
يرجع. قوله: ((كل قيراط)) كلام إضافي مبتدأ. وقوله: ((مثل أحد)) أيضاً كلام إضافي خبره.
واحد منصرف لأنه علم المذكر. قوله: ((ومن صلى)) مثل قوله: ((من اتبع جنازة مسلم)).
وقوله: ((ثم رجع)) عطف على: صلى. قوله: (قبل أن تدفن) نصب على الظرف، وأن
مصدرية، والتقدير: قبل الدفن. وقوله: ((فإنه) خبر المبتدأ، كما في الأول. قوله: ((من الأجر))
حال من قوله: ((بقيراط)).
بيان المعاني: قوله: ((فإنه يرجع من الأجر بقيراطين)) حصول القيراطن ههنا مقيد
بثلاثة أشياء. الأول: الاتباع، والثاني: الصلاة عليه. والثالث: حضور الدفن. فإن قلت: لو
اتبع حتى دفنت ولم يصل عليها هل له القيراطان؟ قلت: لا، إذ المراد أن يصلي هو أيضاً،
جمعاً بين الروايتين وحملاً للمطلق على المقيد. وقال النووي: اعلم أن الصلاة يحصل بها
قيراط إذا انفردت، فإن انضم إليها الاتباع حتى الفراغ حصل له قيراط ثان، فلمن صلى
وحضر الدفن القيراطان، ولمن اقتصر على الصلاة قيراط واحد، ولا يقال: يحصل بالصلاة مع
الدفن ثلاثة قراريط، كما يتوهمه بعضهم من ظاهر بعض الأحاديث، ولأن هذا النوع صريح،
والحديث المطلق والمحتمل محمول عليه، وأما الرواية التي فيها: ((من صلى على جنازة فله
قيراط ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان)) فمعناه: فله تمام قيراطين بالمجموع. ونظيره قوله
تعالى: ﴿أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض فى يومين﴾ [فصلت: ٩] إلى قوله: ﴿فى أربعة
أيام﴾ [فصلت: ١٠] ثم قال: ﴿فقضاهن سبع سموات في يومين﴾ [فصلت: ١٢]. قال: وأما
الدفن ففيه وجهان: الصحيح: أنه تسوية القبر بالتمام، والثاني: أنه نصب اللبن عليه، وان لم
يهل عليه التراب. قال: ثم في الحديث تنبيه على مسألة أخرى، وهو: أن القيراط الثاني مقيد
بمن اتبعها، وكان معها في جميح الطريق حتى تدفن، فلو صلى وذهب إلى القبر وحده،
ومكث حتى جاءت الجنازة وحضر الدفن لم يحصل له القيراط الثاني، وكذا لو حضر الدفن
ولم يصل، أو اتبعها ولم يصل فليس في الحديث حصول القيراط له، وإنما حصل القيراط
لمن تبعها بعد الصلاة، لكنه له أجر في الجملة، وعن أشهب: أنه كره اتباع الجنازة والرجوع
قبل الصلاة، وحكى ابن عبد الحكم عن مالك: أنه لا ينصرف بعد الدفن إلاَّ بالإذن، وإطلاق
هذا الحديث وغيره يخالفه.
استنباط الأحكام: الأول: فيه الحث على الصلاة على الميت واتباع جنازته وحضور
جوة
i
١
قهوة
٠٠٠
.95

٤٢٦
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣٦)
دفنه، وقال أبو الزناد: حض النبي عُّه على التواصل في الحياة بقوله: ((صل من قطعك
وأعط من حرمك)). ((ولا تقاطعوا ولا تدابروا)) وعلى التواصل بعد الموت بالصلاة والتشييع
إلى القبر والدعاء له. الثاني: فيه أن الثواب المذكور إنما يحصل لمن تبعها إيماناً واحتساباً،
فإن حضورها على ثلاثة أقسام: احتسابا ومكافأة ومخافة. والأول: هو الذي يجازى عليه
الأجر ويحط الوزر، والثاني: لا يعد ذلك في حقه. والثالث: الله أعلم بما فيه. الثالث: فيه
وجوب الصلاة على الميت ودفنه وهو إجماع. الرابع: فيه الحض على الاجتماع لهما
والتنبيه على عظم ثوابهما، وهي مما خصت به هذه الامة. الخامس: فيه حجة ظاهرة
للحنفية في أن المشي خلف الجنازة أفضل من المشي أمامها، بظاهر قوله: ((من اتبع)، وهو
مذهب الأوزاعي أيضاً. وقول علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: وذهب قوم إلى التوسعة في
ذلك وأنهما سواء، وهو قول الثوري وأبي مصعب من أصحاب مالك. وقال بعضهم: وقد
تمسك بهذا اللفظ من زعم أن المشي خلفها أفضل، ولا حجة فيه، لأنه يقال: تبعه إذا مشى
خلفه، أو إذا مر به فمشى معه، وكذلك: اتبعه بالتشديد. قلت: هذا القائل نفى حجة هؤلاء
بما هو حجة عليه، لأنه فسر لفظ تبع بمعنيين: أحدهما: حجة لمن زعم أن المشي خلفها
أفضل، والآخر: ليس بحجة عليه، ولا هو حجة لخصمه. فافهم. ثم الركوب وراء الجنازة لا
بأس به، والمشي أفضل. وقالت الشافعية: لا فرق عندنا بين الراكب والماشي، يعني في
المشي أمامها خلافا للثوري حيث قال: إن الراكب يكون خلفها، وتبعه الرافعي في شرح
المسند، وكأنه قلد الخطابي، فإنه كذا ادعى، وفيه حديث صححه الحاكم على شرط
البخاري من حديث المغيرة بن شعبة، وقال به من المالكية أيضاً أبو مصعب.
سؤال: لم كان الجزاء بالقيراط دون غيره؟ الجواب: إنه أقل مقابل عادة. آخر: لِمَ
خص بأحد؟ الجواب: لأنه أعظم جبال المدينة، والشارع كان يحبه، وهو أيضا يحبه، والله
سبحانه وتعالى أعلم.
تابَعَهُ عُثْمانُ المُؤَذِّنُ قال: حدّثنا عَوْفٌ عَنْ مُحمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبي صلى الله
عليه وسلم نَخوَهُ.
أي تابع روحاً عثمان بن الهيثم في الرواية عن عوف الأعرابي، وعثمان، هذا أيضاً من
شيوخ البخاري يروي عنه في مواضع بلا واسطة، وفي بعض المواضع عن محمد غير
منسوب عنه، وهو محمد بن يحيى الذهلي ثم البخاري، رضي الله عنه، إن كان سمع هذا
الحديث من عثمان هذا فهو له أعلى بدرجة. لأنه من روايته رباعي، ومن رواية المنجوفي
خماسي، فإن قلت: فَلِمَ ذكر رواية عثمان؟ قلت: لأن رواية المنجوفي موصولة وهي أشد
إتقانا من رواية عثمان. فإن قلت: إذا كان الأمر كذلك، فما الحاجة إلى ذكر متابعة عثمان؟
قلت: لأجل التنبيه بروايته على أن الاعتماد في هذا السند على محمد بن سيرين لأن عوفاً
ربما كان ذكره، وربما كان حذفه مرة، فأثبت الحسن. ومتابعة عثمان هذه وصلها أبو نعيم في
(المستخرج) قال: حدثنا أبو إسحاق بن حمزة، ثنا أبو طالب بن أبي عوانة، ثنا سليمان بن
٠٠٠

٤٢٧
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣٧)
سيف، ثنا عثمان بن الهيثم فذكر الحديث، ولفظه موافق لرواية روح بن عبادة إلاّ في قوله:
وكان معها، قال بدلها: فلزمها. وفي قوله: ويفرغ من دفنها، فإنه قال بدلها: ويدفن، وقال في
آخره: قيراط بدل قوله: فإنه يرجع بقيراط، والباقي سواء. وقال الكرماني: فإن قلت: إذا قال
البخاري عن فلان نجزم بأنه سمعه منه عند امكان السماع، فإذا قال: تابعه، لم نجزم بأنه
سمعه منه. قلت: قياس المتابعة على العنعنة يقتضي ذلك، لكن صرحوا في العنعنة ولم
يصرحوا فيها. قوله: ((نحوه)) أي: نحو ما تقدم، وهو أن رسول الله، صلى الله تعالى عليه
وسلم، قال: ((من اتبع جنازة ... )) إلى آخره، ثم عثمان هذا هو أبو عمرو عثمان بن الهيثم بن
جهم بن عيسى بن حسان بن المنذر البصري، المؤذن بجامعها. روى عن عوف الأعرابي وابن
جريج وغيرهما، وروى عنه البخاري، وروى هو والنسائي عن رجل عنه، توفي لإحدى عشرة
ليلة خلت من رجب سنة عشرين ومائتين.
٣٧ - بابُ خَوْفٍ المُؤمِنِ مِنْ أَنْ يَخْبَطَ عَملُهُ وهو لاَ يَشْعُرُ
الكلام فيه على أنواع: الأول: إن قوله: باب، مرفوع مضاف إلى ما بعده، تقديره: هذا
باب في بيان خوف المؤمن من أن يحبط عمله، وكلمة: ان، مصدرية تقديره: من حبط
عمله، وليس في بعض النسخ كلمة: من، وهي وإن لم تكن موجودة لكنها مقدرة، إذ المعنى
عليها. قوله: ((يحبط)) على صيغة المعلوم من: حبط عمله يحبط حبطاً وحبوطاً، من باب:
علم يعلم. وقال أبو زيد: حبط بالفتح وقرأ: ﴿فقد حبط عمله﴾ [المائدة: ٥] بفتح الباء، وهو:
البطلان. قال الكرماني: فإن قلت: القول بإحباط المعاصي للطاعات من قواعد الاعتزال، فما
وجه قول البخاري هذاك؟ قلت: هذا الإحباط ليس بذاك، لأن المراد به الإحباط بالكفر، أو
بعدم الإخلاص ونحوه. وقال النووي: المراد بالحبط نقصان الإيمان، وإبطال بعض العبادات لا
الكفر، فإن الانسان لا يكفر إلاَّ بما يعتقده، أو يفعل عالما بانه يوجب الكفر. قلت: فيه نظر،
لأن الجمهور على أن الإنسان يكفر بكلمة الكفر، وبالفعل الموجب للكفر، وإن لم يعلم أنه
كفر. قوله: ((يحبط عمله)) المراد، ثواب عمله، فالمضاف فيه محذوف. قوله: ((وهو لا
يشعر)) جملة اسمية وقعت حالاً، من: شعر يشعر من باب: نصر ينصر، وفي (العباب) شعرت
بالشيء، بالفتح، أشعر به، بالضم، شعراً وشعرة وشعرى، بالكسر فيهن، وشعرة بالفتح، وشعوراً
ومشعوراً ومشعورة: علمت به، وفطنت له، ومنه قولهم: ليت شعري.
الثاني: وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول هو أن
حصول الثواب بالقيراطين أو بقيراط الذي هو مثل جبل أحد، إنما يحصل إذا كان عمله
احتسابا خالصا لله تعالى، وفي هذا الباب ما يشير إلى أنه قد يعرض للعامل ما يحبط عمله،
فيحرم بسببه الثواب الموعود وهو لا يشعر، وفي نفس الأمر ذكر هذا الباب إستطرادي، لأجل
التنبيه على ما ذكرنا، وإلاَّ كان المناسب أن يذكر عقيب الباب السابق باب: أداء الخمس
من الإيمان، لأن الأبواب المعقودة ههنا في بيان شعب الإيمان.
١٣
i
/٠٠٠١
i
i
i
i
i
i.
i
١٢٠٠

٤٢٨
٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (٣٧)
الثالث: ذكر النووي أن مراد البخاري بهذا الباب الرد على المرجئة في قولهم: إن الله
لا يعذب على شيء من المعاصي، ممن قال: لا اله الا الله، ولا يحبط شيء من أعماله بشيء
من الذنوب، وإن إيمان المطيع والعاصي سواء، فذكر في صدر الباب أقوال ائمة التابعين، وما
نقلوه عن الصحابة، رضي الله عنهم، وهو كالمشير إلى أنه لا خلاف بينهم فيه، وأنهم مع
اجتهادهم المعروف خافوا أن لا ينجوا من عذاب الله تعالى، وقال القاضي عياض: المرجئة
أضداد الخوارج والمعتزلة. الخوارج تكفر بالذنوب، والمعتزلة يفسقون بها، وكلهم يوجب
الخلود في النار، والمرجئة تقول: لا تضر الذنوب مع الإيمان، وغلاتهم تقول: يكفي التصديق
بالقلب وحده ولا يضر عدم غيره، ومنهم من يقول يكفي التصديق بالقلب والإقرار باللسان،
وقال غيره: إن من المرجئة من وافق القدرية: كالصالحي والخالدي، ومنهم من قال بالإرجاء
دون القدر، وهم خمس فرق كفر بعضهم بعضاً، والمرجئة، بضم الميم وكسر الجيم وبهمزة،
مشتق من الإرجاء، وهو التأخير. وقوله تعالى: ﴿ارجئه وأخاه﴾ [الأعراف: ١١١] أي: أخره،
والمرجىء من يؤخر العمل عن الإيمان والنية والقصد، وقيل: من الرجاء، لأنهم يقولون: لا
تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة، وقيل: مأخوذ من الإرجاء بمعنى: تأخير
حکم الكبيرة، فلا يقضى لها بحكم في الدنيا.
وقال إنْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: ما عَرَضْتُ قَوْلِي على عَمَلي إلاَّ خَشِيتُ أن أُكُونَ مُكَذَّباً.
الكلام فیه علی وجوه. الأول: أن إبراهيم هو ابن زيد بن شريك التيمي، تیم الرباب،
أبو أسماء الكوفي. قيل: قتله الحجاج بن يوسف، وقيل: مات في سجنه لما طلب الإمام
إبراهيم النخعي، فوقع الرسول بإبراهيم التيمي، فأخذه وحبسه، فقيل له: ليس إياك أراد، فقال:
أكره أن أدفع عن نفسي، وأكون سبباً لحبس رجل مسلم بريء الساحة، فصبر في السجن
حتى مات. قال يحيى: هو ثقة، مرجىء، ومن غرائبه ما روى عن الأعمش عن إبراهيم التيمي،
قال: إني لأمكث ثلاثين يوماً لا آكل، ومات سنة اثنتين وتسعين. روى له الجماعة، وتيم
الرباب، بكسر الراء، قال الحازمي: تيم الرباب، وهو تيم بن عبد مناة بن ود بن طابخة، وقال
معمر بن المثنى: تيم الرباب ثور وعدي وعكل ومزينة بنو عبد مناة وضبة بن ود، قيل: سموا
به لأنهم غمسوا أيديهم في رب وتحالفوا عليه، هذا قول ابن الكلبي، وقال غيره: سموا به
لأنهم ترببوا، أي: تحالفوا على بني سعد بن زيد. قلت: الرب، بضم الراء وتشديد الباء
الموحدة: الطلاء الخاثر. الثاني: أن قول إبراهيم هذا رواه أبو قاسم اللالكائي في (سننه)
بسند جيد عن القاسم بن جعفر، انبأنا محمد بن أحمد بن حماد، حدثنا العباس بن عبد الله،
حدثنا محمد بن يوسف عن سفيان عن أبي حيان عن إبراهيم به، ورواه البخاري في (تاريخه)
عن أبي نعيم، وأحمد بن حنبل في (الزهد) كلاهما عن سفيان الثوري عن أبي حيان التيمي
عن إبراهيم التيمي به. الثالث: مطابقة هذا للترجمة من حيث إنه كان يخاف أن يكون مكذباً
في قوله: إنه مؤمن لتقصيره في العمل، فيحرم بذلك الثواب وهو لا يشعر. الرابع: في معناه
قوله: مكذباً روي، بفتح الذال بمعنى: خشيت أن يكذبني من رأى عملي مخالفاً لقولي،

١
٤٢٩
٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٣٧)
فيقول: لو كنت صادقاً ما فعلت خلاف ما تقول، وإنما قال ذلك لأنه كان يعظ الناس، وروي
بكسر الذال، وهي رواية الأكثرين ومعناه: أنه لم يبلغ غاية العمل، وقد ذم الله تعالى من أمر
بالمعروف ونهى عن المنكر وقصر في العمل فقال: ﴿كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا
تفعلون﴾ [الشعراء: ٣٦] فخشي أن يكون مكذباً أي: مشابهاً للمكذبين.
وقال ابنُّ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَدْرَكْتُ ثَلاَئِينَ مِنْ أَصْحابِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم كُلُّهُمْ
يَخَافُ النَّفَاقَ على نَفْسِهِ ما مِنْهُمْ أحدٌ يَقُولُ إِنَّهُ على إِيمانِ جِبْرِيلَ ومِیکائِيلَ.
الكلام فيه أيضاً على وجوه. الأول: أن ابن أبي مليكة هو: عبد الله بن عبيد الله،
بتکبیر الإبن وتصغیر الأب، واسم أبي ملکیة، بضم الميم: زهير بن عبد الله بن جدعان بن
عمرو بن كعب بن تيم بن مرة القرشي التيمي المكي الأحول، كان قاضياً لابن الزبير ومؤذناً،
اتفق على جلالته، سمع العبادلة الأربعة وعائشة وأختها أسماء وأم سلمة وأبا هريرة وعقبة بن
الحارث والمسور بن مخرمة، وأدرك بالسن جماعة ولم يسمع منهم كعلي بن أبي طالب
وسعد بن أبي وقاص، رضي الله عنهما، مات سنة سبع عشرة ومائة، روى له الجماعة.
الثاني: أن قوله هذا أخرجه ابن أبي خيثمة في (تاريخه) موصولاً من غير بيان العدد،
وأخرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب الإيمان له مطولا.
الثالث: في معناه. فقوله: كلهم يخاف النفاق، أي: حصول النفاق في الخاتمة على
نفسه، إذ الخوف إنما يكون عن أمر في الاستقبال، وما منهم من أحد يجزم بعدم عروض
النفاق، كما هو جازم في إيمان جبريل - عليه السلام - بأنه لا يعرضه النفاق، هكذا فسره
الكرماني، وتبعه بعضهم على هذا المعنى، وليس المعنى هكذا، وإنما المعنى: أنهم كلهم
كانوا على حذر وخوف من أن يخالط إيمانهم النفاق، ومع هذا لم يكن منهم أحد يقول: إن
إيمانه كإيمان جبريل - عليه السلام - لأن جبريل معصوم لا يطرأ عليه الخوف من النفاق،
بخلاف هؤلاء، فإنهم غير معصومين. فإن قلت: روي عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه،
مرفوعاً: من شهد لا إله الا الله وإني رسول الله كان مؤمناً كإيمان جبريل عليه السلام، قلت:
ذكره أبو سعيد النقاش في (الموضوعات). وقال ابن بطال: لما طالت أعمارهم حتى رأوا ما
لم يقدروا على إنكاره خشيوا على أنفسهم أن يكونوا في حيز من نافق أو داهن، ويقال عن
عائشة، رضي الله عنها، أنها سألت النبي - عليه السلام - عن قوله تعالى: ﴿والذین یؤتون ما
آتوا وقلوبهم وجلة﴾ [المؤمنون: ٦٠] فقال: هم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون ويفرقون
ان لا يتقبل منهم، وقال بعض السلف في قوله تعالى: ﴿وبدا لهم من الله ما لم يكونوا
يحتسبون﴾ [الزمر: ٤٧] أعمال كانوا يحتسبونها حسنات بدت سيئات، وقال الكرماني:
ويحتمل أن يكون قوله: وما منهم إشارة إلى مسألة زائدة استفادها من أحوالهم أيضاً، وهي: أنهم
كانوا قائلين بزيادة الإيمان ونقصانه. قلت: لا يفهم ذلك من حالهم، وإنما الذي يفهم من حالهم
أنهم كانوا خائفين سوء الخاتمة لعدم العصمة، ويؤيد ذلك ما روي عن عائشة، وبعض السلف.
F
٠١:
i
١
i
اهە،

٤٣٠
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣٧)
ويُذْكَرُ عن الَحسَنِ: ما خافَّهُ إِلاَّ مُؤْمِنٌ ولا أمِنَّهُ إِلَّ مُنافِقٌ
الحسن هو: البصري، رحمه الله، أي: ما خاف الله تعالى إلاَّ مؤمن، ولا أمِنَ الله تعالى
إلاّ منافق، وكل واحد من: خاف وأمن، يتعدى بنفسه. قال تعالى: ﴿إنما ذلكم الشيطان
يخوف أولياءه فلا تخافوهم﴾ [آل عمران: ١٧٥] وقال الجوهري: أمنته على كذا وائتمنته
بمعنى، وقال تعالى: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ [الرحمن: ٤٦] وقال: ﴿فلا يأمن مكر
الله إلا القوم الخاسرون﴾ [الأعراف: ٩٩] وقال الكرماني: ما خافه، أي: ما خاف من الله
تعالى، فحذف الجار، وأوصل الفعل إليه. وكذا في: أمنه، إذ معناه: أمن منه، وأمنه، بفتح
الهمزة وكسر الميم. قلت: إذا كان الفعل متعدياً بنفسه فلا يحتاج إلى تقدير حرف يوصل به
الفعل إلاّ في موضع يحتاج فيه إلى تضمين معنى فعل بمعنى فعل آخر، وههنا ليس كذلك،
وقال بعضهم، عقب كلام الكرماني بعد نقله هذا الكلام: وإن كان صحيحاً، لكنه خلاف
مراد المصنف ومن نقل عنه؟ قلت: وأثر الحسن هذا أخرجه الفريابي عن قتيبة، ثنا جعفر بن
سليمان عن المعلى بن زياد: «سمعت الحسن يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلا
هو، ما مضى مؤمن قط ولا بقي إلاّ وهو من النفاق مشفق، ولا مضى منافق قط ولا بقي إلاّ
وهو من النفاق آمن، وكان يقول: من لم يخف النفاق فهو منافق)). قال: وحدثنا أبو قدامة
عبيد الله بن سعيد، حدثنا مؤمل بن إسماعيل عن حماد بن زيد عن أيوب عن الحسن: ((والله
ما أصبح ولا أمسى مؤمن إلا وهو يخاف النفاق على نفسه)). وحدثنا عبد الأعلى بن حماد،
وحدثنا حماد بن سلمة عن حبيب بن الشهيد: ((أن الحسن كان يقول: إن القوم لما رأوا هذا
النفاق يقول الإنسان: لم يكن لهم هم غير النفاق)). وحدثنا هشام بن عمار، حدثنا أسد بن
موسى عن أبي الأشهب عن الحسن: ((لما ذكر أن النفاق يغول الإيمان لم يكن شيء أخوف
عندهم منه)). وحدثنا هشام، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا محمد بن سليمان قال: ((سأل أبان
عن الحسن. فقال: نخاف النفاق. قال: وما يؤمنني، وقد خافه عمر بن الخطاب، رضي الله
عنه)). وحدثنا شيبان قال: حدثنا ابن الأشهب عن طريف قال: ((قلت للحسن، رضى الله عنه:
إن ناساً يزعمون أن لا نفاق، أو لا يخافون، شك أبو الاشهب. فقال: والله لأن أكون أعلم
اني بريء من النفاق أحب إلي من طلاع الأرض ذهباً». وقال احمد بن حنبل في كتاب
الإيمان: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا هشام، سمعت الحسن يقول: ((والله ما مضى مؤمن ولا
بقي إلاّ وهو يخاف النفاق، وما أمنه إلاّ منافق)). فإن قلت: هذه الآثار الثلاثة صحيحة عند
البخاري فَلِم ذكر الأولين بلفظ: قال، التي هي صيغة الجزم بالصحة، وذكر الثالث بلفظ:
يذكر، على صيغة المجهول التي هي صيغة التمريض؟ قلت: لما نقل الأثرين الأولين بمثل ما
نقل عن إبراهيم التيمي وابن أبي مليكة، من غير تغيير، ذكرهما بصيغة الجزم بالصحة، ونقل
أثر الحسن بالمعنى على وجه الاختصار، فلذلك ذكره بصيغة التمريض، وصيغة التمريض لا
تختص عنده بضعف الإسناد وحده، بل إذا وقع التغيير من حيث النقل بالمعنى، أو من حيث
الاختصار، يذكره بصيغة التمريض، وهذا هو التحقيق في مثل هذا الموضع، وليس مثل ما

٤٣١
٢ - کتابُ الإِيمانِ / باب (٣٧)
ذكره الكرماني بقوله: قلت، فيه ليشعر بأن قولهما ثابت عنده صحيح الإسناد، لان: قال، هو
صيغة الجزم، وصريح الحكم بأنه صدر منه، ومثله يسمى تعليقا بصيغة التصحيح، بخلاف:
يذكر، فإنه لا جزم فيه، فيعلم أن فيه ضعفاً، ومثله تعليق بصيغة التمريض.
وما يُخذَرُ مِن الإِصْرَار على النِّفَاقِ والعِضْيان مِنٍ غَيْرِ تَوْبَةٍ لِقَولِ اللّهِ تعالى: ﴿وَلَمْ
يُصِرُّوا على ما فَعَلُوا وهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥].
هذا عطف على قوله: خوف المؤمن، والتقدير: باب خوف المؤمن من أن يحبط
عمله، وخوف التحذير من الإصرار على النفاق. وكلمة: ما، مصدرية، و: يحذر، على صيغة
المجهول بتخفيف الذال وتشديدها، والجملة محلها من الإعراب الجر لأنها عطف على
المجرور كما قلنا، وآثار إبراهم التيمي وابن أبي مليكة والحسن البصري معترضة بين
المعطوف والمعطوف عليه. فإن قلت: فَلِمَّ أوقعها معترضة؟ قلت: لأنه عقد الباب على
ترجمتين: الأولى: الخوف من حبط العمل، والثانية: الحذر من الإصرار على النفاق. وذكر
فيه: ثلاثة من الآثار، وآية من القرآن، وحديثين مرفوعين. ولما كانت الآثار الثلاثة متعلقة
بالترجمة الأولى ذكرها عقيبها، والآية وأحد الحديثين، وهو حديث عبد الله، متعلقان
بالترجمة الثانية ذكرهما عقيبها، وأما الحديث الآخر، وهو حديث عبادة، فإنه يتعلق بالترجمة
الأولى أيضا على ما نذكره، وهذا فيه صيغة اللف والنشر غير مرتب، والترجمة الثانية في الرد
على المرجئة لأنهم قالوا: لا حذر من المعاصي مع حصول الإيمان، وذكر البخاري الآية رداً
عليهم لأنها في مدح من اشتغفر من ذنبه، ولم يصر عليه، فمفهومه ذم من لم يفعل ذلك،
وكأنه لمح في ذلك حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً، أخرجه أحمد في (مسنده) بإسناد
حسن، قال: ((ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون)) أي: يعلمون أن من
تاب تاب الله عليه، ثم لا يستغفرون، قاله مجاهد وغيره. وحديث أبي بكر الصديق، رضي
الله عنه، مرفوعاً أخرجه الترمذي بإسناد حسن: ((ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين
مرة)). والآية المذكورة في سورة آل عمران، وهي: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا
أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم
يعلمون﴾ [آل عمران: ١٣٥] يفهم من الآية أنهم: إذا لم يستغفروا، أي: لم يتوبوا، وأصروا
على ذنوبهم يكونون محل الحذر والخوف. وقال الواحدي: قال ابن عباس، رضي الله عنهما
في رواية عطاء: نزلت هذه الآية في نبهان التمار، أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمراً، فضمها إلى
نفسه وقبلها، ثم ندم على ذلك. فأتى النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، وذكر له ذلك،
فنزلت هذه الآية. وفي رواية الكلبي: ((أن رجلين أنصارياً وثقيفياً آخى رسول الله، صلى الله
تعالى عليه وسلم، بينهما، فكانا لا يفترقان، قال: فخرج رسول الله، صلى الله تعالى عليه
وسلم، في بعض مغازيه، وخرج معه الثقفي وخلف الأنصاري في أهله وحاجته، وكان يتعاهد
أهل الثقفي، فأقبل ذات يوم فأبصر امرأته ضاحية قد اغتسلت، وهي ناشرة شعرها، فوقعت في
نفسه، فدخل عليها ولم يستأذن حتى انتهى إليها، فذهب ليلثمها، فوضعت كفها على
i
i
i
ـةكو.
i

٤٣٢
٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٣٧)
وجهها، فقبل ظاهر كفها، ثم ندم واستحى، وأدبر راجعاً، فقالت: سبحان الله! خنت امانتك
وعصيت ربك ولم تصب حاجتك. قال: فندم على صنعه، فخرج يسيح في الجبال ويتوب
إلى الله تعالى من ذنبه، حتى وافى الثقفي، فأخبرته امرأته بفعله، فخرج يطلبه حتى دل عليه،
فوافقه ساجداً لله، عز وجل، وهو يقول: رب ذنبي ذنبي، قد خنت أخي. فقال له: يا فلان!
قم فانطلق إلى رسول الله، عَّله فاسأله عن ذنبك لعل الله تعالى أن يجعل لك فرجاً وتوبة،
فاقبل معه حتى رجع إلى المدينة، وكان ذات يوم عند صلاة العصر نزل جبريل - عليه السلام
ـ بتوبته، فتلاها على رسول الله، عليه الصلاة والسلام: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا
أنفسهم ذكروا الله﴾ [آل عمران: ١٣٥] إلى قوله: ﴿ونعم أجر العاملين﴾ [آل عمران: ١٣٦]
فقال علي، رضي الله عنه: أخاص هذا لهذا الرجل أم للناس عامة؟ قال: بل للناس عامة في
التوبة، قال: الحمد لله رب العالمين.
٤٨/١ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَزْعَرَةَ قال: حدّثنا شُعْبَةُ عن زُبَيْدٍ قال: سألت أبا وَائِلٍ
عنِ المُرجِعَة فقال: حدّثني عبدُ اللّهِ أن النَِّيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((سِبَابُ المُسْلِم
فشَؤُقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ)). [الحديث ٤٨ - طرفاه في: ٦٠٤٤، ٧٠٧٦].
قد قلنا آنفا: إن حديث عبد الله هذا للترجمة الثانية، وهي قوله: وما يحذر عن
الإصرار ... إلى آخره، فإن قلت: كيف مطابقته على الترجمة؟ قلت: لما دل الحديث على
إبطال قول المرجئة القائلين بعدم تفسيق مرتكبي الكبائر، وعدم جعل السباب فسوقاً، وعدم
مقاتلة المسلم كفراناً لحقه، طابق قوله: وما يحذر عن الإصرار ... إلى آخره.
بيان رجاله: وهم خمسة. الأول: أبو عبد الله محمد بن عرعرة، بالعينين المهملتين
والراء المكررة، غير منصرف للعلمية والتأنيث، ابن البرند، بكسر الباء الموحدة والراء
المكسورة، ويقال، بفتحهما وسكون النون وفي آخره دال مهملة، وكأنه فارسي معرب، ابن
النعمان، القرشي السامي، بالسين المهملة نسبة إلى: سامة بن لؤي بن غالب، البصري، مات
سنة ثلاث عشرة ومائتين، عن خمس وسبعين سنة. قال الشيخ قطب الدين: انفرد به البخاري
عن مسلم، قلت: ليس كذلك، فإن مسلماً روی له معه، و کذا أبو داود روى له، نبه عليه
الحافظ المزي، واقتصر صاحب (الكمال) على أبي داود. الثاني: شعبة بن الحجاج، وقد مر
ذكره. الثالث: زبيد، بضم الزاي وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره
دال مهملة، ابن الحارث بن عبد الكريم، أبو عبد الرحمن، ويقال له: أبو عبد الله اليامي، بالياء
آخر الحروف، جد للقبيلة، بطن من همدان، ويقال: الأيامي أيضاً، الكوفي روى عن أبي وائل
وجمع من التابعين، وعنه الأعمش وغيره من التابعين، وجلالته متفق عليها وكان من العباد
المتنسكين. قال البخاري: مات سنة اثنتين وعشرين ومائة، وليس في (الصحيحين) زبيد،
بالضبط المذكور، إلاّ هذا، وأما زيد، بضم الزاي وباليائين باثنتين من تحت، أبي الصلت
فمذ کور في (الموطأ) وليس له ذكر في الكتابين. الرابع: أبو وائل، بالهمزة بعد الالف،
شقيق بن سلمة الأسدي، أسد خزيمة، كوفي تابعي، أدرك زمن رسول الله عَليه ولم يره،

٤٣٣
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣٧)
وقال: ادركت سبع سنين من سني الجاهلية، وقال: كنت قبل مبعث النبي صَلُّ ابن عشر
سنين أرعى إبلاّ لأهلي، وسمع عمر بن الخطاب وعثمان وعلياً وابن مسعود وعماراً وغيرهم
من الصحابة والتابعين، رضوان الله عليهم، وعنه خلق من التابعين وغيرهم، وأجمعوا على
جلالته وصلاحه وورعه وتوثيقه، وهو من أجلّ أصحاب ابن مسعود، وكان ابن مسعود، رضي
الله عنه، يثني عليه، مات سنة اثنتين وثمانين على المحفوظ، وقال أبو سعيد بن صالح: كان
أبو وائل يؤم جنائزنا وهو ابن مائة وخمسين سنة، روى له الجماعة. الخامس: عبد الله بن
مسعود، وقد تقدم.
بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث بصورة الجمع وصورة الإفراد والسؤال
والعنعنة. ومنها: ان رجاله ما بين: بصري وواسطي وكوفي. ومنها: أنهم أئمة أجلاء.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه هنا عن محمد بن عرعرة عن شعبة،
وفي الأدب عن سليمان بن حرب عن شعبة، واخرجه مسلم في الإيمان أيضا عن محمد بن
بكار بن الريان، وعون بن سالم، كلاهما عن محمد بن طلحة، وعن محمد بن المثنى عن
غندر عن شعبة، وعن محمد بن المثنى عن عبد الرحمن عن سفيان: ثلاثتهم عنه به. وأخرجه
الترمذي في البر عن محمود بن غيلان عن وكيع عن سفيان به، وقال فيه: قال زبيد. قلت
لأبي وائل: أنت سمعته من عبد الله؟ قال: نعم. وقال: حسن صحيح. وأخرجه النسائي في
المحاربة عن محمود بن غيلان به، وعن عمر بن علي عن ابن أبي عدي، وعن محمود بن
غيلان عن أبي داود، كلاهما عن شعبة به، وعن قتيبة عن جرير به، موقوفاً.
بيان اللغة: قوله: ((عن المرجئة)) أي: الفرقة الملقبة بالمرجئة، وقد مر الكلام فيه عن
قريب. قوله: ((سباب المسلم))، بكسر السين وتخفيف الباء بمعنى: السب، وهو: الشتم، وهو
التكلم في عرض الإنسان بما يعيبه. وقال بعضهم: هو مصدر، يقال: سب يسب سباً وسباباً.
قلت: هذا ليس بمصدر سب يسب، وإنما هو اسم بمعنى السب، كما قلنا، أو مصدر من باب
المفاعلة، وفي (المطالع): السباب: المشاتمة، وهي من السب، وهو القطع. وقيل: من السبة،
وهي حلقة الدبر، كأنها على القول الأول: قطع المسبوب عن الخير والفضل، وعلى الثاني:
كشف العورة وما ينبغي أن يستتر. وفي (العباب): التركيب يدل على القطع، ثم اشتق منه
الشتم، وقال إبراهيم الحربي: السباب أشد من السب، وهو أن يقول في الرجل ما فيه وما
ليس فيه. قلت: هذا أيضا يصرح بأن السباب ليس بمصدر، فافهم. قوله: ((فسوق)) مصدر،
وفي (العباب): الفسق الفجور، يقال: فسق يفسق ويفسق أيضا عن الأخفش: فسقاً وفسوقاً
أي: فجر. وقوله تعالى ﴿وإنه لفسق﴾ [الأنعام: ١٢١] أي: خروج عن الحق، يقال: فسقت
الرطبة، إذا خرجت عن قشرها، ومنه قوله تعالى: ﴿ففسق عن أمر ربه﴾ [الكهف: ٥٠] أي:
خرج عن طاعة ربه، وقال الليث: الفسق الترك لأمر الله تعالى، وكذلك الميل إلى المعصية.
وسميت الفأرة: فويسقة، لخروجها من جحرها على الناس: وقال أبو عبيدة: ﴿ففسق عن أمر
ربه﴾ [الكهف: ٥٠]، أي جاز عن طاعته، وقال أبو الهيثم: الفسوق: يكون الشرك ويكون
عمدة القاري / ج٢ - ٢٨٢
i
• جدة
i
١
i

٤٣٤
٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (٣٧)
الإثم. قوله: ((وقتاله) أي: مقاتلته، ويحتمل أن يكون معناها: المخاصمة، والعرب تسمي
المخاصمة: مقاتلة.
بيان الإعراب: قوله: ((ان النبي ◌َّله)) أصله: بأن النبي إلى آخره ... وقوله: ((قال))،
جملة في محل الرفع على أنها خبر: أن. قوله: ((سباب المسلم)) كلام إضافي مبتدأ، وقوله:
((فسوق) خبره. فإن قلت: هذا إضافة إلى الفاعل او المفعول. قلت: بل إضافة إلى المفعول،
قوله: وقتاله، كذلك إضافته إلى المفعول، وارتفاعه بالابتداء، وخبره: ((كفر)).
بيان المعاني: قوله: ((عن المرجئة)). معناه سألت أبا وائل عن الطائفة المرجئة: هل
هم مصيبون في مقالتهم ومخطئون؟ ولهذا قال أبو وائل في جوابه لزبيد بن الحارث: حدثني
عبد الله أن النبي، عليه الصلاة والسلام، قال: ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) يعني:
أنهم مخطئون، لأنهم لا يجعلون سباب المسلم فسوقاً، ولا قتاله كفراً في حق المسلم، ولا
يفسقون مرتكبي الذنوب، والنبي عَّ أخبر بخلاف ما ذهبوا إليه، فدل ذلك على كونهم
على خطأ وضلال، وبهذا التقدير الذي قدرناه يطابق جواب أبا وائل سؤال زبيد، وقال
بعضهم: في التقدير أي: عن مقالة المرجئة، وهذا لا يصح لأن على هذا التقدير لا يطابق
الجواب السؤال. فإن قلت: في رواية أبي داود الطيالسي عن شعبة عن زبيد قال: لما ظهرت
المرجئة أتيت أبا وائل، فذكرت ذلك له، فدل هذا أن سؤاله كان عن معتقدهم، وأن ذلك
كان حين ظهورهم. قلت: لا نسلم هذه الدلالة، بل الذي يدل على أنه وقف على مقالتهم،
حتى سأل أبا وائل: هل هي صحيحة أو باطلة؟ فإن قلت: هذا الحديث، وإن تضمن الرد
على المرجئة، لكن ظاهره يقوي مذهب الخوارج الذين يكفرون بالمعاصي: قلت: لا نسلم
ذلك، لأنه لم يرد بقوله: ((وقتاله كفر))، حقيقة الكفر التي هي خروج عن الملة، بل إنما أطلق
عليه: الكفر، مبالغة في التحذير، والإجماع من أهل السنة منعقد على أن المؤمن لا يكفر
بالقتال، ولا يفعل معصية أخرى، وقال ابن بطال: ليس المراد بالكفر الخروج عن الملة بل
كفران حقوق المسلمين لأن الله تعالى جعلهم أخوة، وأمر بالإصلاح بينهم، ونهاهم الرسول
عَّ عن التقاطع والمقاتلة، فأخبر أن من فعل ذلك فقد كفر حق أخيه المسلم، ويقال: أطلق
عليه الكفر لشبهه به، لأن قتال المسلم من شأن الكافر، ويقال: المراد به الكفر اللغوي، وهو
الستر، لأن حق المسلم على المسلم أن يعينه وينصره ويكف عنه أذاه، فلما قاتله كأنه
كشف عنه هذا الستر، وقال الكرماني: المراد أنه يؤول إلى الكفر لشؤمه، أو أنه كفعل
الكفار. وقال الخطابي: المراد به الكفر بالله تعالى، فإن ذلك في حق من فعله مستحلاً بلا
موجب ولا تأويل، أما المؤول فلا يكفر ولا يفسق بذلك، كالبغاة الخارجين على الإمام
بالتأويل، وقال بعضهم: فيما قاله الكرماني بعد، وما قاله الخطابي أبعد منه. ثم قال: لأنه لا
يطابق الترجمة، ولو كان مراداً لم يحصل التفريق بين السباب والقتال، فإن مستحلاً لعن
المسلم بغير تأويل كفر أيضاً. قلت: إذا كان اللفظ محتملاً لتأويلات كثيرة، هل يلزم منه أن
يكون جميعها مطابقاً للترجمة؟ فمن ادعى هذه الملازمة فعليه البيان، فإذا وافق أحد التأويلات

٤٣٥
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣٧)
للترجمة، فإنه يكفي للتطابق. وقوله: ولو كان مراداً لم يحصل التفريق ... الخ، غير مسلم لأنه
تخصيص الشق الثاني بالتأويل لكونه مشكلاً بحسب الظاهر، والشق الأول لا يحتاج إلى
التأويل لكون ظاهره غير مشكل. فإن قلت: جاء في رواية مسلم: ((لعن المسلم كقتله))،
قلت: التشبيه لا عموم له، ووجه التشبيه هو حصول الأذى بوجهين: أحدهما: في العرض،
والآخر: في النفس. فإن قلت: السباب والقتال كلاهما على السواء في أن فاعلهما يفسق ولا
يكفر، فلِمَ قال في الأول فسوق، وفي الثاني كفر؟ قلنا: لأن الثاني أغلظ، أو لأنه بأخلاق
الكفار أشبه.
٤٩/٢ - اخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيد حدّثنا إسماعيلُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ محمَّيْدٍ عنْ أَسٍ قال:
أُخْبَرَنِي عُبادَةُ بنُ الصَّامِتِ أنَّ رسولَ الله عَ لَّه خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ القَدْرِ فَتَلاحَى رَجُلانٍ مِنَ
المُسْلِمِينَ فقال: ((إني ◌َخَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ وإنه تَلاَحَى فُلانٌ وَفُلانٌ فَرُفِعَتْ،
وعَسَى أن يَكُونَ خَيْراً لَكُمْ التمِشُوها في السّبْعِ والتِّسْعِ والخَمْسِ)). [الحديث ٤٩ - طرفاه
في: ٢٠٢٣، ٦٠٤٩].
هذا الحديث للترجمة الأولى، ووجه تطابقه إياها من حيث إن فيه ذم التلاحي، وإن
صاحبه ناقص لأنه يشتغل عن كثير من الخير بسببه، سيما إذا كان في المسجد، وعند جهر
الصوت بحضرة الرسول عَّله، بل ربما ينجر إلى بطلان العمل وهو لا يشعر، قال تعالى:
﴿ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون﴾
[الحجرات: ٢]. وقال بعضهم، بعد أن أخذ هذا الكلام من الكرماني: ومن هنا يتضح مناسبة
الحديث للترجمة، ومطابقتها له، وقد خفيت على كثير من المتكلمين على هذا الكتاب.
قلت: إن هذا عجيب شديد، يأخذ كلام الناس وينسبه إلى نفسه مدعياً أن غيره قد خفي عليه
ذلك، على أن هذا الذي ذكره الكرماني، في وجه المطابقة، إنما يقاد بالجر الثقيل على ما لا
يخفى على من يتأمله، فإذا أمعن الناظر فيه لا يجد لذكر هذا الحديث هنا مناسبة، ولا مطابقاً
للترجمة.
بيان رجاله: وهم خمسة: الأول: قتيبة بن سعيد، وقد مر ذكره في: باب السلام من
الإسلام. الثاني: إسماعيل بن جعفر الأنصاري المدني، وقد مر في: باب علامات المنافق.
الثالث: حميد، بضم الحاء، ابن أبي حميد، واسم أبي حميد تير، بكسر التاء المثناة من فوق
وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره راء، ومعناه بالعربية: السهم، وقيل: تيرويه، وقيل اسمه
طرخان، وقيل: مهران. كنيته: أبو عبيدة، بضم العين، الخزاعي البصري، مولى طلحة
الطلحات، وهو مشهور بحميد الطويل. قيل: كان قصيراً طويل اليدين، فقيل له ذلك، وكان
يقف عند الميت فتصل إحدى يديه إلى رأسه والأخرى إلى رجليه. وقال الأصمعي: رأيته ولم
يكن بذلك الطويل، بل كان في جيرانه رجل يقال له حميد القصير، فقيل له الطويل للتمييز
بينهما، مات سنة ثلاث وأربعين ومائة. الرابع: أنس بن مالك، وقد مر ذكره. الخامس:
عبادة بن الصامت، رضي الله عنه، وقد مر ذكره في: باب علامة الإيمان حب الأنصار.
موه
i
i
i
i.
i
i
i

٣٠:
٤٣٦
/ ٣٠
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣٧)
بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والإخبار بالأفراد والعنعنة، ولكن في رواية
الأصيلي: حدثنا أنس، فعلى روايته أمن من تدليس حميد. ومنها: أن فيه رواية صحابي عن
صحابي. ومنها: أن رواته ما بين بلخي ومدني وبصري.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه أيضاً في الصوم عن محمد بن المثنى
عن خالد بن الحارث، وفي الأدب عن مسدد عن بشر بن المفضل بن مغفل، ثلاثتهم عن
حميد الطويل عنه به. وأخرجه النسائي في الاعتكاف عن محمد بن المثنى به، وعن علي بن
حجر عن إسماعيل بن جعفر به، وعن عمران بن موسى عن يزيد بن زريع عن حميد به.
بيان اللغات: قوله: ((فتلاحى))، بفتح الحاء: من التلاحى، بكسر الحاء، وهو التنازع.
قال الجوهري: تلاحوا إذا تنازعوا. وقال الشيخ قطب الدين: الملاحاة الخصومة والسباب،
والاسم اللحاء بكسر اللام، ممدوداً. قلت: الذي ذكره من باب المفاعلة، والذي في
الحديث من باب التفاعل، لأن: تلاحى أصله: تلاحي، بفتح الياء على وزن: تفاعل، قلبت
الياء ألفاً لتحركها، وانفتاح ما قبلها، والمصدر تلاح أصله: تلاحى، فأعل إعلال قاضٍ. فإن
قلت: قد علم أن باب التفاعل: لمشاركة الجماعة نحو: تخاصم القوم، وباب المفاعلة:
لمشاركة اثنين، نحو: قاتل زيد وعمرو، وكان القياس هنا أن يذكر من باب الملاحاة لأنها
كانت بين رجلين. قلت: التحقيق في هذا الباب أن وضع فاعل لنسبة الفعل إلى الفاعل
متعلقاً بغيره، مع أن الغير فعل مثل ذلك، ووضع تفاعل لنسبته إلى المشتركين فيه من غير
قصد إلى تعلق له، فلذلك جاء الأول زائداً على الثاني بمفعول أبداً، فإن كان تفاعل من فاعل
المتعدي إلى مفعول، كضارب، لم يتعد وإن كان من المتعدي إلى مفعولين: كجاذبته
الثوب، يتعدى إلى واحد. وقد يفرق بينهما من حيث المعنى. فإن البادىء في فاعل معلوم
دون تفاعل، وجاء تلاحى، ههنا من باب التفاعل، لأجل اشتراك الإثنين فيه من غير قصد إلى
تعلق له، وكذا البادىء فيه غير معلوم، ولما كان: تلاحى، ههنا من لاحيته، لم يتعد إلى
مفعول. فافهم، فإنه موضع دقيق. قوله: ((التمسوها)) من الالتماس وهو الطلب.
بيان الإعراب: قوله: ((خرج)) أي: من الحجرة، جملة في محل الرفع لأنها خبر: إن.
قوله: (يخبر)) جملة مستأنفة، والأولى أن تكون حالاً، وقد علم أن المضارع إذا وقع حالاً
وكان مثبتاً لا يجوز فيه الواو. فإن قلت: الخروج لم يكن في حال الإخبار. قلت: هذه
تسمى حالاً مقدرة، أي: خرج مقدر الإخبار، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿فادخلوها
خالدين﴾ [الزمر: ٧٣] أي: مقدرين الخلود، ولا شك أن الخروج حالة تقدير الإخبار،
كالدخول حالة تقدير الخلود. قوله: ((فتلاحى)) فعل و: ((رجلان))، فاعله، وكلمة: (من)) بيانية
مع ما فيها من معنى التبعيض. قوله: (إني خرجت)): مقول القول، قوله: ((لأخبركم)) ينصب
الراء بأن المقدرة بعد لام التعليل، إذ أصله: لأن أخبركم، وأخبر يقتضي مفاعيل: الأول كاف
الخطاب، وقوله: بليلة القدر، سد مسد المفعول الثاني، والثالث، لأن التقدير: أخبر كم بأن
ليلة القدر هي الليلة الفلانية، ولا يجوز أن يكون: بليلة القدر، المفعول الثاني، ويكون الثالث
.

٤٣٧
٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٣٧)
محذوفاً، لأن المفعول الأول فى هذا الباب كمفعول: أعطيت، والمفعول الثاني والثالث
كمفعول: علمت، بمعنى إذا ذكر أحدهما يجب ذكر الآخر، لأنهما في المعنى كالمبتدأ و
الخبر، فلا بد من ذكر أحدهما إذا ذكر الآخر. قوله: ((وإنه))، بكسر الهمزة، عطف على قوله:
إني، والضمير فيه للشأن. وقوله: ((تلاحى فلان)) جملة في محل الرفع على أنه خبر إن. قوله:
(فرفعت))، عطف على: ((تلاحى))، والفاء تصلح للسببية. قوله: ((وعسى أن يكون)) قد علم
أن فاعل عسى على نوعين: أحدهما: أن يكون اسماً، نحو عسى زيد أن يخرج، فزيد مرفوع
بالفاعلية وأن يخرج في موضع نصب لأنه بمنزلة قارب زيد الخروج، والثاني: أن تكون أن
مع جملتها في موضع الرفع، نحو: عسى أن يخرج زيد، فتكون إذ ذاك بمنزلة: قرب أن
يخرج، أي: خروجه، إلا أن المصدر لم يستعمل. وقوله: عسى أن يكون من قبيل الثاني،
والضمير في: يكون، يرجع إلى الرفع الدال عليه قوله: فرفعت، وقول: خيراً، نصب بأنه خبر
يكون.
بيان المعاني: قوله: ((فتلاحى رجلان)) هما: عبد الله بن أبي حدرد، بفتح الحاء
المهملة وفتح الراء وسكون الدال المهملة وفي آخره دال أخرى، وكعب بن مالك. كان على
عبد الله دين لكعب يطلبه، فتنازعا فيه ورفعا صوتيهما في المسجد. قوله: ((فرفعت))، قال
النووي: أي رفع بيانها أو عدمها، وإلاَّ فهي باقية إلى يوم القيامة. قال: وشذ قوم فقالوا: رفعت
ليلة القدر، وهذا غلط لأن آخر الحديث يرد عليهم، فإنه قال، عليه الصلاة والسلام:
((التمسوها)، ولو كان المراد رفع وجودها لم يأمرهم بالتماسها، لا يقال كيف يؤمر بطلب ما
ورفع علمه، لأنا نقول: المراد طلب التعبد في مظانها وربما يقع العمل مصادفاً لها، لا أنه مأمور
بطلب العلم بعينها، والأوجه أن يقال: رفعت من قلبي، بمعنى: نسيتها، يدل عليه ما جاء في
رواية مسلم من حديث أبي سعيد: ((فجاء رجلان يحتقان))، بتشديد القاف أي: يدعي كل
منهما أنه المحق، ((معهما الشيطان، فنسيتها). ويعلم من حديث عبادة أن سبب الرفع
التلاحي، ومن حديث أبي سعيد هو النسيان، ويحتمل أن يكون السبب هو المجموع ولا
مانع منه. قوله: ((وعسى أن يكون خيراً لكم)) لتزيدوا في الاجتهاد، وتقوموا في الليالي
لطلبها، فيكون زيادة في ثوابكم، ولو كانت معينة لاقتنعتم بتلك الليلة، فقل عملكم. قوله:
((التمسوها في السبع)) أي: ليلة السبع والعشرين، من رمضان، والتسع والعشرين منه،
والخمس والعشرين منه، وهكذا وقع في معظم الروايات بتقديم السبع الذي أولها السين، على
التسع الذي أولها التاء، وفي بعض الروايات بالعكس، وهكذا وقع في (مستخرج) أبي نعيم.
فإن قلت: من أين استفيد التقييد بالعشرين وبرمضان؟ قلت: من الأحاديث الأخر الدالة
عليهما، وقد مر في: باب قيام ليلة القدر الأقوال التي ذكرت فيها.
i
i
i
i
بيان استنباط الأحكام: الأول: فيه ذم الملاحاة ونقص صاحبها. الثاني: أن الملاحاة
والمخاصمة سبب العقوبة للعامة بذنب الخاصة، فإن الأمة حرمت إعلام هذه الليلة بسبب
التلاحي بحضرته الشريفة، لكن في قوله: ((وعسى أن يكون خيراً) بعض التأنيس لهم، وقال
i
i
i

٢ وجي
٤٣٨
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣٨)
النووي: أدخل البخاري في هذا الباب لأن رفع ليلة القدر كان بسبب تلاحيهما، ورفعهما
الصوت بحضرة النبي، عليه الصلاة والسلام، ففيه مذمة الملاحاة ونقصان صاحبها. وقال
الكرماني: فإن قلت: إذا جاز أن يكون الرفع خيراً، فلا مذمة فيه ولا شر ولا حبط عمل!
قلت: إن أريد بالخير اسم التفضيل، فمعناه أن الرفع: عسى أن يكون خيراً من عدم الرفع من
جهة أخرى، وهي جهة كونه سبباً لزيادة الاجتهاد، المستلزمة لزيادة الثواب، وإلاَّ فمعناه أن
الرفع عسى أن يكون خيراً، وإن كان عدم الرفع أزيد خيراً، وأولى منه، ثم إن خيرية ذاك
كانت محققة، وخيرية هذا مرجوة، لأن مفاد: عسى، هو الرجاء لا غير. الثالث: فيه الحث
على طلب ليلة القدر. الرابع: قال القاضي عياض: فيه دليل على أن المخاصمة مذمومة،
وأنها مثل العقوبة المعنوية. وقال بعضهم: فإن قيل: كيف تكون المخاصمة في طلب الحق
مذمومة؟ قلنا: إنما كانت كذلك لوقوعها في المسجد، وهو محل الذكر لا اللغو، سيما في
الوقت المخصوص أيضاً بالذكر، وهو شهر رمضان. قلت: طلب الحق غير مذموم، لا في
المسجد ولا في الوقت المخصوص، وإنما المذمة فيها ليست راجعة إلى مجرد الخصومة في
الحق، إنما هي راجعة إلى زيادة منازعة حصلت بينهما عن القدر المحتاج إليه، وتلك الزيادة هي
اللغو، والمسجد ليس بمحل اللغو مع ما كان فيها من رفع الصوت بحضرة النبي عَ له، فافهم.
٣٨ - باب سُؤال جِبْرِيلَ النَّبيَّ عَّهُ عنِ الإيمانِ
والإِسْلام والإحسانِ وعِلْمِ السّاعةِ
الكلام فيه على أنواع. الأول: أن التقدير: هذا باب في بيان سؤال جبرائيل، عليه
السلام .. الخ. والباب مضاف إلى السؤال، والسؤال إلى جبريل إضافة المصدر إلى فاعله،
وجبريل لا ينصرف للعلمية والعجمة، وقد تكلمنا فيه بما فيه الكفاية في أوائل الكتاب. وقوله:
((النبي) منصوب لأنه مفعول المصدر، وقوله: ((عن الإيمان)) يتعلق بالسؤال. الثاني: وجه
المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول هو المؤمن الذي يخاف أن يحبط
عمله وفي هذا الباب يذكر بمإذا يكون الرجل مؤمناً، ومن المؤمن في الشريعة. الثالث: قوله
((وعلم الساعة)) عطف على قوله: الإيمان، أي: علم القيامة. وقال الزمخشري: سميت ساعة
لوقوعها بغتة، أو لسرعة حسابها، أو على العكس لطولها. فهو تمليح، كما يقال في الأسود
كافوراً، ولأنها عند الله تعالى على طولها كساعة من الساعات عند الخلق. فإن قلت: كانَ
ينبغي أن يقول: ووقت الساعة، لأن السؤال عن وقتها حيث قال، متى الساعة؟ وكلمة متى،
للوقت، وليس السؤال عن علمها. قلت: فيه حذف تقديره: وعلم وقت الساعة، بقرينة ذكر:
متى، والعلم لازم السؤال، إذ معناه: أتعلم وقت الساعة؟ فأخبرني، فهو متضمن للسؤال عن
علم وقتها.
وبيَانِ النَّبِيِّ عَِّ لَهُ ثم قال: ((جاءَ جِبْرِيلُ، عليهِ السلامُ، يُعَلِّمُكمْ دِينَكُمْ)) فَجَعَلَ
ذلِكَ كُلَّهُ دِيناً. وما بَيِّنَ النَّبِيُّ عَّهِ لِوَقْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ مِنَ الإِيمانِ. وَقَوْلِهِ تعالى ﴿ومَنْ يَتْتَغِ غَيْرَ
5.00

٠٣٠
٢ - كتابُ الإيمانِ / باب (٣٨)
٤٣٩
الإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٨٥].
و: بيان، مجرور لأنه عطف على قوله: سؤال، قوله: ((له)) أي: لجبريل - عليه السلام -
وقد أعاد الكرماني الضمير إلى المذكور من قوله: «عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم
الساعة))، وهذا وهم منه، ثم تكلف بجواب عن سؤال بناه على ما زعمه ذلك، فقال: فإن
قلت: لم يبين النبي عَّه وقت الساعة، فكيف قال: وبيان النبي - عليه السلام - له؟ لأن
الضمير إما راجع إلى الأخير أو إلى مجموع المذكور؟ قلت: إما أنه أطلق وأراد أکثره، إذ
حكم معظم الشيء حكم كله، أو جعل الحكم فيه بأنه لا يعلمه إلاَّ الله بياناً له. قوله: ((ثم
قال)) أي: النبي - عليه السلام - وهذا إشارة إلى كيفية استدلاله من سؤال جبريل - عليه
السلام - وجواب النبي صَّلهم إياه على جعل كل ذلك ديناً، فلذلك قال: ثم قال، بالجملة
الفعلية عطفاً على الجملة الاسمية، لأن الأسلوب يتغير بتغير المقصود، لأن مقصوده من
الكلام الأول هو الترجمة، ومن هذا الكلام كيفية الاستدلال، فلتغاير المقصودين تغاير
الأسلوبان، وفي عطف الفعلية على الاسمية وعكسها خلاف بين النحاة. قوله: ((فجعل)) أي:
رسول الله عَّ قوله: ((ذلك)) إشارة إلى ما ذكر في حديث أبي هريرة الآتي. فإن قلت: علم
وقت الساعة ليس من الإيمان، فكيف قال كله؟ قلت: الاعتقاد بوجودها، وبعدم العلم بوقتها
لغير الله تعالى من الدين أيضاً أو أعطى للأكثر حكم الكل مجازاً، وفيه نظر لأن لفظة: كل،
يدفع المجاز. قوله: (وما بين النبي عَّله)) كلمة الواو هنا بمعنى المصاحبة، والمعنى: جعل
النبي - عليه السلام - سؤال جبريل، وجواب النبي - عليه السلام - كله ديناً مع ما بيَّ لوفد
عبد القيس من الإيمان، وبينه في قصتهم بما فسر به الإسلام ههنا، وأراد بهذا الإشعار بأن
الإيمان والإسلام واحد، على ما هو مذهبه ومذهب جماعة من المحدثين، وقد نقل أبو عوانة
الاسفرائني في (صحيحه) عن المزني صاحب الشافعي، رحمه الله، الجزم بأنهما واحد، وأنه
سمع ذلك منه. وعن الإمام أحمد الجزم بتغايرهما، وقد بسطنا الكلام فيه في أوائل كتاب
الإيمان. وكلمة: ما، مصدرية تقديره: مع بيان النبي - عليه السلام - لوفد عبد القيس. قوله:
وقوله ﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه﴾ [آل عمران: ٨٥] عطف على قوله: ((وما
بين النبي عليه السلام))، والتقدير: ومع قوله تعالى: ﴿ومن يبتغ﴾ [آل عمران: ٨٥] أي مع
ما دلت عليه الآية أن الإسلام هو الدين، أي: ومن يطلب غير الإسلام ديناً، والابتغاء: الطلب.
i
i
i
i
٥٠/١ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال: حدّثنا إِسْماعِيلُ بنُ إِبْراهِيمَ أخْبَرَنَا أَبُو حَيَّنَ النَّيْمِيُّ عنْ
أبي زُرْعَةَ عنْ أبي مُرِئِرَةَ قال: كان النَّبِيُّ عَ لَّهِ بارِزاً يوماً للناسِ فأتاهُ جِبْرِيلُ فقالَ: ما الإيمانُ؟
قال: ((الإِيمانُ أن تُؤْمِنَ باللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وبِلقائِه ورُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالبَغْثِ)) قال ما الإِسْلاَمُ؟ قال:
((الإسلامُ أَن تَعْبُد الله ولا تُشْرِكَ بِهِ وَتَقِيمَ الصَّلاةَ وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ وَقَصُومَ
رَمَضانَ)). قال: ما الإحسانُ؟ قال: ((أَن تَعْبُدَ اللَّهَ كأَنَّكَ تَرَاهُ فإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإنَّهُ يَراكَ»
قال: مَتَى السَّاعَةُ؟ قال: ((ما المَسْؤُولُ عَنْهَا بِأعْلمَ مِنَ السائِلِ وسَأُخْبِرُكَ عنْ أَشْراطِها: إِذا
وَلَدَتِ الأَمَّةُ رَبَّها وإذا تَطَاوَلَ رُعاةُ الإِبِلِ البُهْمُ في البُنْيَانِ فِي خَمْسٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ»
٠جوة

٤٤٠
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣٨)
ثُمَّ تَلاَ النَّبِيُّ مَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ الساعةِ﴾ [لقمان: ٣٤]الآيةَ ثم أُدْبَرَ فقال: «رُدُّوهُ)» فَلَمْ
تَرَوْا شَيئاً. فقال: ((هذا جِبْرِيلُ جاءَ يُعلِّمُ الناسَ دِيتَهُمْ)). [الحديث ٥٠ - طرفه في: ٤٧٧٧].
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة.
مے
بیان رجاله: وهم خمسة. الأول: مسدد بن مسرهد وقد مر ذكره في: باب من الإيمان
أن يحب لأخيه. الثاني: إسماعيل بن إبراهيم بن سهم بن مقسم أبو بشر، مولى بني أسد بن
خزيمة، المشهور بابن علية، بضم العين وفتح اللام وتشديد الياء، وكانت امرأة عاقلة نبيلة،
وكان صالح المزي ووجوه أهل البصرة وفقهاؤها يدخلون عليها فتبرز لهم وتحادثهم
وتسائلهم، وقد مر ذكره في: باب حب الرسول من الإيمان. الثالث: أبو حيان، بفتح الحاء
المهملة وتشدید الیاء آخر الحروف، واسمه یحیی بن حیان الکوفي التيمي، قال أحمد بن
عبد الله: هو ثقة صالح بر صاحب سنة، مات سنة خمس وأربعين ومائة، روى له الجماعة،
ونسبته إلى تيم الرباب، وحيان إما مشتق من الحياة فلا ينصرف، أو من الحين فينصرف.
الرابع: أبو زرعة هرم بن عمرو بن جرير البجلي، تقدم ذكره في: باب الجهاد من الإيمان.
الخامس: أبو هريرة.
بيان لطائف إستاده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة. ومنها: أن إسماعيل بن إبراهيم
قد ذكره البخاري في: باب حب الرسول من الإيمان، بنسبته إلى أمه حيث قال: حدثنا
يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية عن عبد العزيز، وذكره ههنا باسم أبيه، وهذا دليل على
كمال ضبط البخاري وأمانته، حيث نقل لفظ الشيوخ بعينه، فأداه كما سمعه. ومنها: أن فيه
أبا حیان، وهو غير تابعي وقد روى عنه تابعيان كبيران: أيوب والأعمش.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه ههنا عن مسدد عن إسماعيل، وفي
التفسير عن إسحاق بن إبراهيم عن جرير، كلاهما عن أبي حيان به، وفي الزكاة مختصراً عن
عبد الرحيم عن عقيل عن زهير عن أبي حيان. وأخرجه مسلم في الإيمان عن أبي بكر بن أبي
شيبة وزهير بن حرب، كلاهما عن إسماعيل بن علية وعن محمد بن عبد الله بن نمير عن
محمد بن بشر عن أبي حيان، وعن زهير عن جرير عن عمارة، كلاهما عن أبي زرعة.
وأخرجه ابن ماجة في السنة بتمامه، وفي الفتن ببعضه عن أبي بكر بن أبي شيبة. وأخرجه أبو
داود في السنة عن عثمان عن جرير عن أبي فروة الهمداني عن أبي زرعة عن أبي ذر وأبي
هريرة. وأخرجه النسائي في الإيمان عن محمد بن قدامة عن جرير به. وفي العلم عن
إسحاق بن إبراهيم عن جرير، مختصراً من غير ذكر سؤال السائل. وقد أخرجه مسلم من
حديث عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ولم يخرجه البخاري لاختلاف فيه على بعض
رواته، فمشهوره رواية كهمس بن الحسن عن عبد الله عن بريدة بن يحيى بن يعمر، بفتح الياء
آخر الحروف وسکون العین المهملة وفتح المیم، عن عبدالله بن عمر عن أبيه عمر بن
الخطاب، رضي الله عنهما، وأخرجه مسلم في الإيمان. وأخرجه أبو داود أيضاً في السنة عن
عبيد الله بن معاذ به وعن مسدد عن يحيى بن سعيد به، وعن محمود بن خالد عن الفريابي