النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (٣٣)
قول البخاري: وعندي امرأة من بني أسد، يدل على أنها الحولاء بنت تويت، ولكن الظاهر
أن القصة واحدة دلت عليها رواية محمد بن إسحاق عن هشام في هذا الحديث: ((مرت
برسول الله - عليه السلام - الحولاء)) أخرجه محمد بن نصر في كتاب (قيام الليل). وجه
التوفيق أن يحمل على أنها كانت أولاً عند عائشة، رضي الله عنها، فلما قدم النبي ،
قامت المرأة لتخرج فمرت به في خلال ذهابها، فسأل عنها رسول الله عَ له، فبهذا اتفقت
الروايات، و: الحولاء، بالحاء المهملة، تأنيث الأحول، وتويت، بضم التاء المثناة من فوق
وفتح الواو وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره تاء مثناة من فوق أيضاً، و: كانت الحولاء
امرأة صالحة عابدة مهاجرة، رضي الله عنها.
i
٠٠٠٠
٠٠٠٠
١ جوة .
١
i
بيان اللغات: قوله: ((فلانة)). أي: الحولاء الأسدية وهي غير منصرف، لأن حكمها
حكم أعلام الحقائق: كأسامة، لأنها كناية عن كل علم مؤنث للأناس المؤنثة، ففيها العلمية
والتأنيث. قوله: (مه)) بفتح الميم وسكون الهاء وهي: إسم سمي به الفعل، وبنيت على
السكون، ومعناه: اكفف، فإن وصلت نونته فقلت: مه مه، ويقال: مهمهت به، أي: زجرته.
وقال التيمي: إذا دخله التنوين كان نكرة وإذا حذف كان معرفة، وهذا القسم من أقسام
التنوين الذي يختص بالدخول على النكرة ليفصل بينها وبين المعرفة، فالمعرفة غير منون،
والنكرة منون. قوله: ((عليكم)) أيضاً من أسماء الأفعال، أي: الزموا من الأعمال ما تطيقون
الدوام عليه. قوله: ((لا يمل الله) من الملالة، وهي السآمة والضجر، وفي (الفصيح) في باب
فعلت: مللت من الشي أمل. وفي (المحكم): مللت الشيء مللاً وملالاً وملالة، وأملني وأمل
علي: أبرمني، ورجل ملول وملالة وملولة وذو ملة، والأنثى ملول وملولة، ملول على المبالغة،
وفي (الجامع): فأنت مال. قوله: ((أحب الدين)) أي: أحب الطاعة، ومنه في الحديث في
صفة الخوارج: ((يمرقون من الدين))، أي: من طاعة الأئمة، ويجوز أن يكون فيه حذف تقديره
أحب أعمال الدين. وقال التيمي: فإن قلت: المراد بيمرقون من الدين: من الإيمان، لأنه ورد
في رواية أخرى: ((يمرقون من الإسلام)). قلت: الخوارج غير خارجين من الدائرة بالاتفاق،
فيحمل الإسلام على الاستسلام الذي هو الانقياد والطاعة. قوله: ((داوم)، من المداومة وهي:
المواظبة. قال الجوهري: المداومة على الأمر المواظبة عليه، وثلاثيه: دام الشيء يدوم ويدام
دوماً ودواماً وديمومة، وأدامه غيره، ودام الشيء: سكن.
بيان الإعراب: قوله: ((دخل عليها))، جملة في محل الرفع على أنها خبر: أن، قوله:
((وعندها امرأة)) جملة إسمية وقعت حالاً. قوله: ((قال)) بغير فاء رواية الأصيلي، وفي رواية
غيره: ((فقال)) بالفاء العاطفة، ووجه الأول أن تكون جملة استثنائية، أعني: جواب سؤال مقدر،
فكأن قائلاً يقول: مإذا قال حين دخل؟ قالت: قال: من هذه؟ فقوله: ((من)) مبتدأ، و((هذه))
خبره، والجملة مقول القول. قوله: (قالت)) أي: عائشة فعل وفاعل. قوله: ((فلانة)) مرفوع لأنه
خبر مبتدأ محذوف، أي: هي فلانة أي: الحولاء الأسدية. ((تذكر)) بفتح التاء المثناة من فوق،
فعل مضارع للمؤنث، وفاعله عائشة، رضي الله عنها، ويروى: يذكر، بالياء آخر الحروف
"عمدة القارئ / ٣٨ - ٢٣٥

وقمجـ
:٠.٤٪
٤٠٢
٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (٣٣)
المضمومة على فعل ما لم يسم فاعله. وقوله: ((من صلاتها)) في محل الرفع مفعول ناب عن
الفاعل، والمعنى يذكرون أن صلاتها كثيرة، وفي رواية أحمد عن يحيى القطان: ((لا تنام
تصلي» وعلى الوجه الأول: هي، في محل النصب على المفعولية. قوله: ((مه)) مقول القول.
قوله: ((بما تطيقون))، وفي رواية: ((ما تطيقون))، بغير الباء، ومعناه: ما تطيقون الدوام عليه، وإنما
قدرنا دوام الفعل لا أصل الفعل لدلالة السياق عليه. قوله: ((فوالله)) مجرور بواو القسم. قوله:
((لا يمل الله))، فعل وفاعل. قوله: ((حتى تملوا)) أي: حتى أن تملوا، فأن مقدرة، ولهذا نصبت:
تملوا. قوله: ((أحب الدين)) كلام إضافي مرفوع لأنه اسم كان. قوله: ((إليه)) أي: إلى الله.
قوله: ((ما داوم عليه صاحبه)) في محل النصب، لأنه خبر كان، وصاحبه مرفوع بداوم أو
كلمة: ما، للمدة. والتقدير: مدة دوام صاحبه عليه.
بيان المعاني: قوله: ((مه)) زجر كما ذكرنا، ولكن يحتمل أن يكون لعائشة، والمراد
نهيها عن مدح المرأة، ويحتمل أن يكون المراد النهي عن تكلف عمل لا يطاق به، ولهذا قال
بعده: ((عليكم من العمل ما تطيقون)). وقال ابن التين: لعل عائشة أمنت عليها الفتنة، فلذلك
مدحتها في وجهها. قلت: جاء في رواية حماد بن سلمة عن هشام في هذا الحديث ما يدل
على أنها إنما ذكرت ذلك بعد أن خرجت المرأة، أخرجها الحسن بن سفيان في مسنده من
طريقه، ولفظه: ((كانت عندي امرأة، فلما قامت قال رسول الله عَليه: من هذه يا عائشة؟
قلت: يا رسول الله هذه فلانة، وهي أعبد أهل المدينة)). قوله: (من العمل)) يحتمل أن يريد به
صلاة الليل، لوروده على سببه، ويحتمل أن يحمل على جميع الأعمال، قاله الباجي. قوله:
(بما تطيقون)) قال القاضي: الندب إلى تكلف ما لنا به طاقة، ويحتمل النهي عن تكلف ما لا
نطيق، والأمر بالاقتصار على ما نطيق. قال: وهو أنسب للسياق. قوله: ((عليكم من العمل بما
تطيقون) فيه عدول عن خطاب النساء إلى خطاب الرجال، وكان الخطاب للنساء فيقتضي أن
يقال: عليكن، ولكن لما طلب تعميم الحكم لجميع الأمة غلب الذكور على الإناث في
الذكر. قوله: ((فوالله لا يمل الله حتى تملوا))، فيه المشاكلة والازدواج، وهو: أن يكون إحدى
اللفظين موافقة للأخرى وإن خالفت معناها، كما قال تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا
عليه﴾ [البقرة: ١٩٤] معناه: فجازوه على اعتدائه، فسماه اعتداء، وهو عدل لتزدوج اللفظة
الثانية مع الأولى، ومنه قوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ [الشورى: ٤٠] وقال الشاعر،
وهو عمر بن كلثوم:
فنجهلَ فوق جهل الجاهلينا
إلا لا يجهلَنَّ أحدٌ علينا
أراد: فنجازيه على فعله، فسماه جهلاً، والجهل لا يفخر به ذو عقل، ولكنه على الوجه
الذي ذكرناه. والحاصل أن الملال لا يجوز على الله تعالى، ولا يدخل تحت صفاته لأنه
ترك الشيء استثقالاً وكراهية له بعد حرص ومحبة فيه، وهو من صفات المخلوق، فلا بد من
تأويل. واختلف العلماء فيه، فقال الخطابي: معناه أنه لا يترك الثواب على العمل ما لم يذكر
العمل، وذلك أن من مل شيئاً تركه، فكنى عن الترك بالملال الذي هو سبب الترك، وقال ابن

٤٠٣
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣٤)
قتيبة: معناه أنه لا يمل إذا مللتم. قال: ومثاله قولهم في البليغ: فلان لا ينقطع حتى تنقطع
خصومه، معناه لا ينقطع إذا انقطعت خصومه، ولو كان لم يكن له فضل على غيره. وقال
بعضهم: ومعناه أن الله لا يتناهى حقه عليكم في الطاعة حتى يتناهى جهدكم قبل ذلك، فلا
تكلفوا ما لا تطيقون من العمل، كنى بالملال عنه لأن من تناهت قوته عن أمر، وعجز عن
فعله مله وتركه. وقال التيمي: معناه أن الله لا يمل أبداً مللتم أنتم أو لم تملوا، نحو قولهم: لا
أكلمك حتى يشيب الغراب. ولا يصح التشبيه، لأن شيب الغراب ليس ممكناً عادة، بخلاف
ملل العباد. وحكى الماوردي أن: حتى، ههنا بمعنى: حين، أو بمعنى: الواو، وهذا ضعيف
جداً.
بيان استنباط الأحكام: الأول: فيه دلالة على استعمال المجاز، وهو إطلاق الملل
على الله تعالى. الثاني: فيه جواز الحلف من غير استحلاف، وأنه لا كراهة فيه إذا كان فيه
تفخيم أمر، أو حث على طاعة، أو تنفير عن محذور ونحوه، وقال أصحاب الشافعي: يكره
اليمين إلاَّ في مواضع: منها ما ذكرنا. ومنها: إذا كانت في دعوى فلا تكره إذا كان صادقاً.
الثالث: فيه فضيلة الدوام على العمل والحث على العمل الذي يدوم والعمل القليل الدائم
خير من الكثير المنقطع، لأن بدوام القليل تدوم الطاعة والذكر والمراقبة والنية والإخلاص
والإقبال على الله سبحانه وتعالى، ويثمر القليل الدائم بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافاً
كثيرة. الرابع: فيه بيان شفقة النبي عَّدٍ ورأفته بأمته، لأنه أرشدهم إلى ما يصلحهم، وهو ما
يمكنهم الدوام عليه بلا مشقة، لأن النفس تكون فيه أنشط، ويحصل منه مقصود الأعمال وهو
الحضور فيها والدوام عليها، بخلاف ما يشق عليه، فإنه تعرض لأن يترك كله أو بعضه، أو
يفعله بكلفة فيفوته الخير العظيم. وقال أبو الزناد والمهلب: إنما قاله عليه السلام خشية الملال
اللاحق، وقد ذم الله من التزم فعل البر ثم قطعه بقوله: ﴿ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم
إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها﴾ [الحديد: ٥٧] ألا ترى أن عبد الله بن عمرو
ندم على مراجعة النبي عَّ له بالتخفيف عنه لما ضعف، ومع ذلك لم يقطع الذي التزمه.
الخامس: فيه دليل للجمهور على أن صلاة جميع الليل مكروهة، وعن جماعة من السلف لا
بأس به. قال النووي: وقال القاضي: كرهه مالك مرة، وقال: لعله يصح مغلوباً، وفي رسول
الله عَ﴾ أسوة. ثم قال: لا بأس به ما لم يضر ذلك بصلة الصبح، وإن كان يأتيه الصبح وهو
نائم فلا، وإن کان به فتور و کسل فلا بأس به.
٣٤ _ بابُ زِيَادَةِ الإِيمَانِ ونُقْصَانِهِ
أي: هذا باب في بيان زيادة الإيمان ونقصانه، و: باب، مرفوع مضاف قطعاً. وجه
المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول أحبية دوام الدين إلى الله تعالى،
والمذكور في هذا الباب زيادة الإيمان ونقصانه، فلا شك أنه يزداد الإيمان بدوام العبد على
أعمال الدين، وينقص بتقصيره في الدوام، سيما هذا على مذهب البخاري وجماعة من
· جوفـ
جمة
٠ جدة
!
i
i
i
i
i
١
١

٤٠٤
.-.
.يعج
٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٣٤)
المحدثين، وأما على قول من لا يقول بزيادة الإيمان ونقصانه، فإنه أيضاً يوجد الزيادة بالدوام
والنقص بالتقصير فيه، ولكنهما يرجعان إلى صفة الإيمان لا إلى ذاته، كما عرف في موضعه.
وقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿وزِذْنَاهُمْ هُدّىٍ﴾ [الكهف: ١٣] ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً﴾
[المدثر: ٣١] وقالَ ﴿الْيَوْمَ أُكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فَإِذَا تَرَكَ شَيْئاً مِنَ الْكَمَالِ فهُوَ
ناقص.
وقول، مجرور عطف على قوله: زيادة الإيمان، وقوله الثاني أيضاً عطف عليه، والتقدير:
باب في بيان زيادة الإيمان، وبيان نقصانه، وبيان قول الله تعالى: ﴿وزدناهم هدى﴾ [الكهف:
١٣] وبيان قوله تعالى: ﴿ويزداد الذين آمنوا إيماناً﴾ [المدثر: ٣١] ثم إنه قال: ﴿اليوم أكملت
لكم دينكم﴾ [المائدة: ٣] علی أسلوب أخویه، لأن الغرض منه ما هو لازمه، وهو بیان
النقصان، والاستدلال به على أن الإيمان كما تدخله الزيادة فكذلك يدخله النقصان لأن
الشيء إذا قبل أحد الضدين لا بد وأن يقبل الضد الآخر، وبين ذلك بقوله: ((فإذا ترك شيئاً
من الكمال فهو ناقص)، بخلاف ما تقدم من الآيتين، فإن المراد منهما إثبات الزيادة تصريحاً
لا استلزاماً، لأن الزيادة مصرحة فيهما بخلاف الآية الثالثة. فإن الصريح فيها الكمال الذي
يقابله النقصان، وهو يفهم منه التزاماً لا صريحاً. ولما كان الباب مترجماً بزيادة الإيمان
ونقصانه احتج على الزيادة بصريح الآيتين، وعلى النقصان بالآية الثالثة بطريق الاستلزام، وقد
ذ کر الآیتین المتقدمتین في باب أمور الإيمان عند قوله: کتاب الإیمان، وقد قلنا إنه لو ذکر ما
يتعلق بأمور الزيادة والنقصان في باب واحد، إما هناك وإما ههنا، كان أنسب، ولكنه عقد في
باب أمور الإيمان هذا الباب ههنا لأجل المناسبة التي ذكرناها آنفاً، فالآية الأولى في سورة
الكهف، والثانية في سورة المدثر، والثالثة في سورة المائدة، وقد مر الكلام في الآيتين
الأوليين هناك. فإن قلت: دلالة الآية الثانية ظاهرة على زيادة الإيمان فكيف تدل الأولى وليس
فيها إلاَّ زيادة الهدى، وهي الدلالة الموصلة إلى البغية؟ ويقال هي الدلالة مطلقاً؟ قلت: زيادة
الهدى مستلزمة للإيمان، أو المراد من الهدى هو الإيمان. وقال ابن بطال: هذه الآية يعني قوله
تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: ٣] حجة في زيادة الإيمان ونقصانه، لأنها
نزلت يوم كملت الفرائض والسنن واستقر الدين، وأراد الله عز وجل قبض نبيه، فدلت هذه
الآية أن كمال الدين إنما يحل بتمام الشريعة، فتصور كماله يقتضي تصور نقصانه، وليس
المراد التوحيد، لوجوده قبل نزول الآية. فالمراد الأعمال، فمن حافظ عليها فإيمانه أكمل من
إيمان من قصر. قلت: هذه الآية لا تدل أصلا على زيادة الدين ولا على نقصانه، لأن المراد
أكملت لكم شرائع دينكم، وتعليل ابن بطال على ما ادعاه دليل لما قلنا وحجة عليه، لأنه
قال: لأنها نزلت يوم كملت الفرائض والسنن واستقر الدين، ولم يقل أحد إن الدين كان
ناقصاً إلى وقت نزول هذه الآية حتى أكمله في هذا اليوم، وإنما المراد إكمال شرائع الدين
في هذا اليوم، لأن الشرائع نزلت شيئاً فشيئاً طول مدة النبوة، فلما كملت الشرائع قبض الله
نبيه - عليه السلام - وهو أيضاً صرح به بقوله: وليس المراد التوحيد، لوجوده قبل نزول الآية.

٤٠٥
٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (٣٤)
فإن ادعى أن الأعمال من الإيمان فليس يتصور، لأنه يلزم أن يكون كمال الإيمان في هذا
اليوم، وقبله كان ناقصاً، لأن الشرائع التي هي الأعمال ما كملت إلاَّ في هذا اليوم. وقال
الزمخشري: ﴿أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: ٣] كفيتكم أمر عدوكم وجعلت اليد العليا
لكم، كما تقول الملوك: اليوم كمل لنا الملك وكمل لنا ما نريد، إذا كفوا من ينازعهم
الملك ووصلوا إلى أغراضهم ومباغيهم، أو أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكليفكم من
تعليم الحلال والحرام والتوقيف على الشرائع وقوانين القياس وأصول الاجتهاد.
٤٤/١ - حدّثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْراهِيمَ قالَ: حدّثناِ هِشَامُ قال: حدّثنا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ عَن
النبي عَ له: قالَ: ((يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قالَ: لاَ إِلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ غَيْرٍ،
ويَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قالَ لاَ إِلَّهَ إِلَّ اللَّهُ وفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، ويَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ
قالَ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ)). [الحديث ٤٤ - أطرافه في: ٤٤٧٦،
٦٥٦٥، ٧٤١٠، ٧٤٤٠، ٧٥٠٩، ٧٥١٠، ٧٥١٦].
i
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة ولا سيما على مذهبه.
بيان رجاله: وهم أربعة: الأول: مسلم، بضم الميم وكسر اللام الخفيفة ابن إبراهيم
أبو عمرو البصري الأزدي الفراهيدي مولاهم القصاب وقد يعرف: بالشحام، روى عنه
البخاري وأبو داود، وروى البقية عن رجل عنه، ولد سنة ثلاث وثلاثين ومائة بالبصرة، لعشر
بقين من صفر سنة اثنتين وعشرين ومائتين، وقال يحيى بن معين: هو ثقة مأمون. وقال أبو
حاتم: ثقة صدوق. وقال أحمد بن عبد الله: كان ثقة عمي بآخرة وكان سمع من سبعين امرأة.
الثاني: هشام، بكسر الهاء، ابن أبي عبد الله، واسم أبي عبد الله سندر الربعي البصري
الدستوائي. ويكنى بأبي بكر، قال وكيع: كان ثبتاً، وقال أبو داود الطيالسي: كان أمير
المؤمنين في الحديث. وقال محمد بن سعد: كان ثقة ثبتاً في الحديث حجة إلاّ أنه كان
يرى القدر. وقال العجلي: كان يقول بالقدر ولم يكن يدعو إليه. توفي سنة أربع وخمسين
ومائة على قول، روى له الجماعة. الثالث: قتادة بن دعامة، وقد مر ذكره. الرابع: أنس بن
مالك، رضي الله عنه، وقد مر أيضاً.
i
بيان الأنساب: الفراهيدي، بفتح الفاء وبالراء والهاء المكسورة والياء آخر الحروف
الساكنة والدال المهملة، وقال ابن الأثير: بالذال المعجمة، بطن من الأزد، ومنهم الخليل بن
أحمد النحوي. قلت: هو فراهید بن شبابة بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس، کذا قال فيه ابن
الكلبي: فراهيد، وقال ابن دريد: بنو فرهود بن شبابة الذين يقال لهم: الفراهيد، والفرهود:
الغليظ، من قولهم: تفرهد هذا الغلام، إذا سمن. يقال: غلام فرهود، ولا يوصف به الرجل.
قال: والفرهود ولد الأسد في لغة أزد عمان، وفي كتاب (الجمهرة): فرهود بن الحارث الذي
من ولده الخليل بن أحمد النحوي، وهو الفرهودي، قال: ومن قال: الفراهيدي، فإنما يريد
الجمع، كما يقال: مهالبة، والنسبة إليه بعد الجمع. وقال أبو محمد: وعلى شبابة وافقه ابن
الكلبي وغيره، وهو الصواب إن شاء الله تعالى. وشبابة والحارث أخوان. وقال أبو جعفر:
i
i

١٠٩٥٥٢ /
٤٠٦
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣٤)
حكى قطرب أن الفرهود هو الغلام الكبير، قال: وعن أبي عبيدة: الفراهيد أولاد الوعول. قال
أبو جعفر: والنسبة إليه فراهدي، مثل: مقابري. قال أبو محمد: وهذا القول لم أره لغيره.
الربعي: بفتح الراء والباء الموحدة، نسبة إلى ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، وهو ربيعة
الفرس، وقال أبو محمد: وربيعة بن نذار شعب واسع فيه قبائل وعماير وبطون وأفخاذ، فممن
ينسب إليهم من الرواة هشام بن أبي عبد الله الدستوائي الربعي. الدستوائي، بفتح الدال
وإسكان السين المهملتين وبعدها تاء مثناة من فوق مفتوحة وآخره همزة بلا نون، وقيل:
الدستواني، بالقصر والنون، والأول هو المشهور. ودستواء: كورة من كور الأهواز، كان يبيع
الثياب التي تجلب منها فنسب إليها. قلت: ضبط السمعاني بضم التاء المثناة من فوق، وفي
(الأنساب) للرشاطي: قال سيوبيه: يقال في دستواء دستواني، مثل: بحراني، بالنون.
بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة. ومنها: أن رواته كلهم بصريون.
ومنها: أنهم كلهم أئمة أجلاء.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في التوحيد عن معاذ بن
فضالة، وأخرجه مسلم في الإيمان عن محمد بن المنهال عن يزيد بن زريع عن سعيد وهشام
وشعبة به، وفيه قصة ليزيد مع شعبة، وعن أبي غسان المسمعي مالك بن عبد الواحد
ومحمد بن المثنى كلاهما عن معاذ بن هشام عن أبيه به، وأخرجه الترمذي في صفة جهنم
عن محمود بن غيلان عن أبي داود عن شعبة، وهشام به، وقال: حسن صحيح.
بيان اللغات: قوله: ((شعيرة واحدة)) الشعير والبرة، بضم الباء وتشديد الراء: واحدة
البر، وهي: القمح. وقال ابن دريد: البر أفصح من قولهم: القمح، ويجمع البر: أبراراً، عند
المبرد. ومنعه سيبويه، والذرة، بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء: واحدة الذر، وهي أصغر
النمل، وقال القاضي عياض: الذر النمل الصغير، وعن بعض نقلة الأخبار، أن الذر: الهباء الذي
يظهر في شعاع الشمس مثل رؤوس الأبر، ويروى عن ابن عباس، رضي الله عنهما: إذا
وضعت كفك على التراب ثم نفضتها فما سقط من التراب فهو ذرة. وحكي أن أربع ذرات
خردلة، وقيل: الذرة جزءٍ من ألف وأربعة وعشرين جزءاً من شعيرة. انتهى كلامه. وقد أبدلها
شعبة، بضم الذال وتخفيف الراء، وكأن سببه المناسبة إذ هي من الحبوب أيضاً كالبرة
والشعيرة. وقال النووي: واتفقوا على أنه تصحيف. قلت: لا ينبغي أن ينسب مثل شعبة إلى
التصحیف، بل له وجه يبعد عن البعد.
بيان الإعراب: قوله: ((يخرج)) بفتح الياء، من الخروج، وبضمها وفتح الراء من:
الإخراج، وهو رواية الأصيلي، والأول رواية الجمهور. قوله: ((من قال)): جملة في محل الرفع
على الوجهين: أما على الوجه الأول فهي فاعل، وأما على الثاني فهي مفعول ناب عن الفاعل،
وكلمة: (من) موصولة، وقال، جملة صلتها. وقول: ((لا إله إلا الله)) مقول القول. قوله: ((وفي
قلبه وزن شعيرة)) جملة إسمية وقعت حالاً. قوله: ((من خير)) كلمة: من، بيانية، والكلام في
إعراب الباقي کالكلام فيما ذكرناه.
١٠

٤٠٧
٢ - كِتابُ الإِيمانِ / باب (٣٤)
بيان المعاني والبيان: فيه: طي ذكر الفاعل لشهرته، لأنه من المعلوم أن أحداً لا
يخرجه من النار إلا الله تعالى، وفيه: إطلاق الخير على الإيمان لأن المراد من قوله: ((من خير
من إيمان)) كما جاء في الرواية الأخرى، والخير في الحقيقة ما يقرب العبد إلى الله تعالى،
وما ذلك إلاَّ الإيمان، وفيه: استعارة بالكناية، بيانه أن الوزن إنما يتصور في الأجسام دون
المعاني، والإيمان معنى، ولكنه شبه الإيمان بالجسم فأضيف إليه ما هو من لوازم الجسم، وهو
الوزن. وفيه: تنكير: خير، الذي هو الإيمان بالتنوين التي تدل على التقليل ترغيباً في تحصيله،
إذ لما حصل الخروج بأقل ما ينطلق عليه اسم الإيمان، فبالكثير منه بالطريق الأولى. فإن
قلت: التنكير يقتضي أن يكفي: أي إيمان كان، وبأي شيء كان، ومع هذا لا بد من الإيمان
بجميع ما علم مجيء الرسول - عليه السلام - به ضرورة حتى يوجبه الخروج من النار. قلت:
الإيمان في عرف الشرع لا يطلق إلاّ إذا كان بجميع ما جاء به - عليه السلام - فلا بد من
ذلك حتى يتحقق حقيقة الإيمان ويصح إطلاقه. فإن قلت: التصديق القلبي كاف في الخروج
إذ المؤمن لا يخلد في النار، وأما قول: لا إله إلا الله فلإجراء أحكام الدنيا عليه، فما وجه
الجمع بينهما؟ قلت: المسألة مختلف فيها. فقال البعض: لا يكفي مجرد التصديق، بل لا بد
من القول والعمل أيضاً، وعليه البخاري، إذ المراد من الخروج هو بحسب حكمنا به، أي:
نحكم بالخروج لمن كان في قلبه إيماناً ضاماً إليه عنوانه الذي يدل عليه إذ الكلمة هي شعار
الإيمان في الدنيا، وعليه مدار الأحكام فلا بد منهما حتى يصح الحكم بالخروج. فإن قلت:
فعلى هذا لا يكفي قول: لا إله إلا الله، بل لا بد من ذكر: محمد رسول الله معه. قلت:
المراد المجموع، وصار الجزء الأول منه علماً للكل، كما يقال: قرأت: ﴿قل هو الله أحد﴾
[الإخلاص: ١] أي: قرأت كل السورة أو كان هذا قبل مشروعية ضمها إليه.
بيان استنباط الأحكام: الأول: قال التيمي: استدل البخاري بهذا الحديث على
نقصان الإيمان، لأنه يكون لواحد وزن شعيرة وهي أكثر من البرة، والبرة أكثر من الذرة. فدل
على أنه يكون للشخص القائل: لا إله إلا الله، قدر من الإيمان لا يكون ذلك القدر لقائل آخر.
وقال الكرماني: لا يختص بالنقصان بل يدل على الزيادة أيضاً. قلت: المراد من الخير هو
الثمرات، وكذلك في رواية: من إيمان ثمرات الإيمان، ولا نزاع في زيادة ثمرات الإيمان
ونقصانها. فإن قلت: ما المراد بالثمرات القلبية؟ قلت: المراد بها مراتب العلوم الحاصلة
المستلزمة للتصديق لكل واحد من جزئيات الشرع. وقال المهلب: الذرة أقل من الموزونات
وهي في هذا الحديث التصديق الذي لا يجوز أن يدخله النقص، وما في البرة والشعيرة من
الزيادة على الذرة فإنما هي من الزيادة في الأعمال يكمل التصديق بها، وليست زيادة في نفس
التصديق. ويقال: يحتمل أن تكون الذرة وأختاها التي في القلب ثلاثتها من نفس التصديق،
لأن قول: لا إله إلا الله، لا يتم إلاَّ بتصديق القلب، والناس يتفاضلون في التصديق، إذ يجوز
عليه الزيادة بزيادة العلم والمعاينة، أما زيادته بزيادة العلم فلقوله تعالى: ﴿أيكم زادته هذه
إيماناً﴾ [البقرة: ١٢٤] الآية وأما زيادته بزيادة المعاينة فلقوله تعالى: ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾
//
جدة
٠٥٠
١
i

دير :
مجم.
٢ - كِتابُ الإِيمَانِ / باب (٣٤)
٤٠٨
[البقرة: ٢٦٠] وقوله تعالى: ﴿ثم لترونها عين اليقين﴾ [التكاثر: ٧] حيث جعل له مزية على
علم اليقين. قلت: حقيقة التصديق شيء واحد لا يقبل الزيادة والنقصان. وقال الإمام: إن كان
المراد من الإيمان التصديق فلا يقبل الزيادة والنقصان، وإن كان الطاعات فيقبلهما. والأصل
هو التصديق، والقول: بلا إله إلا الله لإجراء الأحكام في الدنيا، والناس إنما يتفاضلون في
التصديق التفصيلي لا في مطلق التصديق. وقوله تعالى: ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾ [البقرة:
٢٦٠] حكاية عن قول إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، وكيف يمكن أن يقال في حقه: زاد
تصديقه لمعاينة، لأن القول بهذا لا يستلزم القول بنقصان تصديقه قبل ذلك، وذا لا يجوز في
حقه - عليه السلام - وإنما كان مراده من هذا أن يضم إلى عمله الضروري العلم الاستدلالي
ليزيد سكوناً، لأن تظاهر الأدلة أسكن للقلوب فافهم. الثاني: فيه دخول عصاة الموحدين
النار. الثالث: فيه أن صاحب الكبيرة من الموحدين لا يكفر بفعلها ولا يخلد في النار.
الرابع: فيه أنه لا يكفي في الإيمان معرفة القلب دون الكلمة، ولا الكملة من غير اعتقاد.
سؤال: لم قدم الشعيرة على البرة؟ أجيب: لأنها أكبر جرماً منها، ويقرب بعضها من
بعض، وأخَّر الذرة لصغرها، وهذا من باب الترقي في الحكم، وإن كان من باب التنزل في
الصورة، فافهم.
قالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ أْبَانُ: حدّثْنَا قَتَادَةُ حدّثنا أَنَسّ عَنِ النَّبِيِّ مَِّ ((مِنْ إِيمَانٍ)) مَكانَ
«مِنْ خَيْر).
المراد من: أبي عبد الله، هو: البخاري نفسه. ولا يوجد في بعض النسخ: قال أبو عبد
الله، بل المذكور بعد تمام الحديث: وقال أبان، بالواو العاطفة، هذا من تعليقات البخاري وقد
وصله الحاكم في كتاب (الأربعين) له من طريق أبي سلمة موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا
أبان بن يزيد، فذكر الحديث. وفي ذكره ثلاث فوائد (الأولى)، وهي أهمها: التنبيه على
تصريح قتادة فيه بالتحديث عن أنس، وذلك أن قتادة مدلس لا يحتج بعنعنته إلاّ إذا ثبت
سماعه لذلك الذي عنعن، والواقع في الرواية الأولى عنه، وهي رواية هشام بالعنعنة، حيث
قال: عن أنس، ولما ثبت من رواية أبان عنه بالتحديث، علم اتصال عنعنته، وقوي الاحتجاج
به. (الثانية): فيه التنبيه على تفسير المتن بقوله: من إيمان بدل قوله: من خير. (الثالثة): فيه
التقوية لما قبله، فإن قلت: لِمّ لَمْ يكتف بطريق أبان التي ليس فيها التدليس، وبسوقها
موصولة؟ قلت: إن أبان، وإن كان ثقة، لكن هشاماً أوثق منه وأحفظ، حتى قال أبو داود
الطيالسي: ما رأى الناس أثبت من هشام الدستوائي، فذكر الأقوى وأتبعه بالقوي لزيادة التأكيد.
وأبان، بفتح الهمزة وتخفيف الباء الموحدة، ابن يزيد العطار البصري، سمع قتادة
وغيره، وروى عنه الطيالسي وحبان بن هلال ومسلم بن إبراهيم وغيرهم، قال البخاري في
كتاب الصلاة: وقال موسى: ثنا أبان عن قتادة، فأخرج له البخاري استشهاداً، وأخرج له مسلم
عن عبد بن حميد عن مسلم بن إبراهيم عنه في البيوع، وفي موضع آخر عن زهير عن عبد
الصمد عنه، ووزنه: فعال، كغزال، فعلى هذا هو منصرف، والهمزة فاء الكلمة أصلية والألف

١٠٠٠/
٤٠٩
٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٣٤)
زائدة، وهو الصحيح المشهور وقول الأكثرين. وقال ابن مالك: أبان لا ينصرف لأنه على
وزن: أفعل، منقول من أبان يبين، ولو لم يكن منقولاً لوجب أن يقال فيه: أبين، بالتصحيح.
٤٥/١ - حدّثنا الْحَسَنُّ بْنُ الصَّبَّحِ سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ حدّثنا أبُو الْعُمَيْسِ أُخْبَرَنَا
قَيْسُ بنُ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ تُمَّرَ بْنَ الْخَطَّابِ أنّ رَبُجُلاً مِنَ اليَهُودِ قالَ لَّهُ يا أمِيرَ
المُؤْمِنِينَ آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَؤُونَهَا لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ لأَنَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عيداً. قالَ:
أَيُّ آيَةً؟ قالَ: ﴿اليَوْمَ أْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾
[المائدة: ٣]قالَ عُمَّرُ قَدْ عَرَفْنَا ذِلَكَ اليَوْمَ والمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِي عَلَّه وهو قَائِمّ
بِعَرَفَة يَوْمَ مُجُمُعَةٍ. [الحديث ٤٥ - أطرافه في: ٤٤٠٧، ٤٦٠٦، ٧٢٦٨].
أخرج هذا الحديث ههنا لأنه في بيان سبب نزول الآية التي هي من جملة الترجمة
وهي قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: ٣] الآية.
بيان رجاله: وهم ستة الأول: الحسن أبو علي بن الصباح، بتشديد الباء الموحدة، ابن
محمد البزار، بزاي بعدها راء الواسطي، سكن بغداد، قالوا: كان من خيار الناس، وقال
أحمد بن حنبل: ثقة صاحب سنة، وما يأتي عليه يوم إلاَّ وهو يفعل فيه خيراً، روى عنه
البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، وروى الترمذي عن رجل عنه، توفي ببغداد
سنة ستين ومائتين فيما ذكر محمد بن طاهر وابن عساكر، وقال محمد بن سرور المقدسي
والكلاباذي: توفي سنة تسع وأربعين ومائتين، فعلى القول الأول تكون وفاته قبل البخاري لأن
البخاري توفي سنة ست وخمسين ومائتين. الثاني: جعفر بن عون بن جعفر بن عمرو بن
حريث المخزومي أبو عون، قال ابن معين: هو ثقة، وقال أحمد: رجل صالح ليس به بأس،
توفي بالكوفة سنة سبع ومائتين، روى له الجماعة. الثالث: أبو العميس بضم العين المهملة
وفتح الميم وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره سين مهملة، واسمه عتبة بن عبد الله بن
عتبة بن عبد الله بن مسعود الهذلي المسعودي الكوفي أخو عبد الرحمن، قال يحيى وأحمد:
ثقة، توفي سنة عشرين ومائة، روى له الجماعة. الرابع: قيس بن مسلم، أبو عمرو الجدلي
الكوفي العابد، سمع طارق بن شهاب ومجاهداً وغيرهما، وعنه الأعمش ومسعر وغيرهما،
مات سنة عشرين ومائة. الخامس: طارق بن شهاب بن عبد شمس بن سلمة بن هلال بن
عوف بن جشم بن ظفر بن عمرو بن لؤي بن رهم بن معاوية بن أسلم بن أخمس، بطن من
بجيلة، صحابي رأى النبي عم ليه وأدرك الجاهلية وغزا في خلافة أبي بكر وعمر بن الخطاب،
رضي الله عنهما، ثلاثاً وأربعين من بين غزوة وسرية، روى عن الخلفاء الأربعة وغيرهم من
الصحابة، سكن الكوفة، توفي سنة ثلاث وعشرين ومائة، أخرج له البخاري عن أبي بكر وابن
مسعود، ومسلم عن أبي سعيد، وأبو داود والنسائي عن النبي عَه، هكذا ذكر الشيخ قطب
الدين وفاته، وهو وهم، نبه عليه المزي والذين قالوا في وفاته: هو سنة ثلاث وثمانين، وقيل:
سنة اثنتين، وقيل: سنة أربع، وقال أبو داود: رأى طارق النبي - عليه السلام - ولم يسمع منه
شيئاً. قلت: بجيلة، بفتح الباء الموحدة وكسر الجيم، هي أم ولد أنمار بن أراش، وهي بنت
i
٦
i
i
i
جدة
i
i
i
i

٤١٠
r KF
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣٤)
صعب بن العشيرة. السادس: أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه.
بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة، ومنها: أن فيه رواية
صحابي عن صحابي. ومنها: أن ثلاثة منهم کوفیون.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في المغازي عن
محمد بن يوسف، وفي التفسير عن بندار عن ابن مهدي كلاهما عن سفيان الثوري، وفي
الاعتصام عن الحميدي عن سفيان بن عيينة عن مسعر وغيره، كلهم عن قيس بن مسلم عن
طارق. وأخرجه مسلم في آخر الكتاب عن زهير بن حرب ومحمد بن المثنى كلاهما عن ابن
مهدي به، وعن عبد بن حميد عن جعفر بن عون به، وعن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب
كلاهما عن عبد الله بن إدريس عن أبيه عن قيس بن مسلم. وأخرجه الترمذي في التفسير عن
ابن أبي عمر عن سفيان بن عيينة، وقال: حسن صحيح. وأخرجه النسائي في الحج عن
إسحاق بن إبراهيم عن عبد الله بن إدريس به، وفي الإيمان عن أبي داود الحراني عن جعفر بن
عون به.
بيان اللغات: قوله: ((من اليهود))، هو علم قوم موسى - عليه السلام - وفي (العباب):
اليهود اليهوديون، ولكنهم حذفوا ياء الإضافة كما قالوا: زنجي وزنج، ورومي وروم، وإنما
عرف على هذا الحد. فجمع على قياس شعيرة وشعير. ثم عرف الجمع بالألف واللام، ولولا
ذلك لم يجز دخول الألف واللام، لأنه معرفة مؤنث يجري في كلامهم مجرى القبيلة، ولم
يجر كالحي، انتهى. وسموا به اشتقاقاً من هادوا أي مالوا، أي في عبادة العجل أو من دين
موسى، أو من هاد إذا رجع من خير إلى شر ومن شر إلى خير لكثرة انتقالهم من مذاهبهم.
وقيل: لأنهم يتهودون أي: يتحركون عند قراءة التوراة. وقيل: معرب من يهوذا بن يعقوب،
بالذال المعجمة، ثم نسب إليه، فقيل: يهودي، ثم حذفت الياء في الجمع فقيل: يهود، وكل
منسوب إلى جنس الفرق بينه وبين واحده بالياء وعدمها نحو، روم ورومي، كما ذكرناه.
قوله: (معشر اليهود)) المعشر الجماعة الذين شأنهم واحد، ويجمع على معاشر. قوله:
((عيداً) على وزن: فعل، أصله: عود، لأنه من العود سمي به لأنه يعود في كل عام. وقال
الزمخشري في قوله تعالى: ﴿تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا﴾ [المائدة: ١١٤] قيل: العيد هو
السرور العائد، ولذلك يقال: يوم عيد، وكأن معناه: تكون لنا سروراً وفرحاً، ويجمع على
أعياد، فرقاً بينه وبين أعواد الذي هو جمع عود. قوله: ((بعرفة)) يوم عرفة هو التاسع من ذي
الحجة، تقول: هذا يوم عرفة، غير منون ولا يدخلها الألف واللام، لأن عرفة علم لهذا
المكان المخصوص، ففيها العلمية والتأنيث، وقد يطلق على اليوم المعهود أيضاً.
بيان الإعراب: قوله: ((سمع جعفر)) فعل وفاعل ومفعول، وقبله شيء مقدر تقديره:
حدثنا الحسن بن الصباح أنه سمع جعفر، وقد جرت عادة المحدثين بحذف: أنه، في مثل
هذا الموضع في الخط، ولكن لا بد من قراءته، كما يحذف لفظ: قال، خطأ لا قراءة. قوله:
((من اليهود)) في محل النصب على أنه صفة لـ: ((رجلاً) أي: رجلاً كائناً من اليهود. قوله:

١٣٤
للتو
٤١١
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣٤)
((قال له))، أي: لعمر، وهذه الجملة في محل الرفع لأنها خبر إن. قوله: ((آية))، مبتدأ، وإن
كان نكرة لأنه تخصص بالصفة وهي قوله: ((في كتابكم)) وقوله: ((تقرؤونها)) جملة في محل
الرفع على أنها صفة أخرى للمبتدأ، والجملة الشرطية خبره، أعني قوله: ((لو علينا)) إلى آخره،
ويجوز أن يكون المخصص للمبتدأ صفة محذوفة تقديره: آية عظيمة. وقوله: ((وفي كتابكم))
خبره، وقوله: ((يقرؤونها)) خبر بعد خبر، ويجوز أن يكون الخبر محذوفاً مقدراً فيما قبله،
وتقديره: في كتابكم آية، وقوله: ((في كتابكم)) المذكور مفسر له، حذف ذلك حتى لا
يجمع بين المفسر والمفسر. قوله: ((لو علينا)) تقديره: لو نزلت علينا، لأن لو، لا تدخل إلاّ
على الفعل، فحذف الفعل لدلالة الفعل المذكور عليه، كما في قوله تعالى: ﴿وإن أحد من
المشركين استجارك﴾ [التوبة: ٦] أي: وإن استجارك أحد. وقوله تعالى: ﴿لو أنتم تملكون﴾
[الإسراء: ١٠٠] أي: لو تملكون أنتم. قوله: ((علينا)) يتعلق بالمحذوف. قوله: ((معشر
اليهود))، كلام إضافي منصوب على الاختصاص. أي: أعني معشر اليهود. قوله: ((لاتخذنا))،
جواب الشرط. قوله ((قال: أي آية))؟ أي: قال عمر، رضي الله عنه، أي آية هي؟ فالخبر
محذوف. قوله: ((وهو قائم))، جملة إسمية وقعت حالاً، والباء في ((بعرفة)) ظرفية. وقد قلنا:
إنه غير منصرف للعلمية والتأنيث، والباء تتعلق بقوله: قائم، أو بقوله: نزلت. قوله: ((يوم
الجمعة))، وفي بعض الروايات: يوم جمعة، وهي بفتح الميم وضمها وإسكانها. فإن قلت: ما
الفرق بين فعلة ساكن العين وفعلة بتحريكها؟ قلت: إن الساكن بمعنى المفعول، والمتحرك
بمعنى الفاعل، يقال: رجل ضحكة، بسكون الحاء أي: مضحوك، وهذه قاعدة كلية. فإن
قلت: عرفة غير منصرف اتفاقاً لما ذكرت، فما بال الجمعة منصرفاً مع أنها مثلها في كونها
اسماً للزمان المعين، وفيه تاء التأنيث؟ قلت: عرفة علم والجمعة صفة أو غير صفة ليس
علماً، ولو جعل علماً لامتنع من الصرف.
بيان المعاني: قوله: ((إن رجلاً من اليهود)) اسم هذا الرجل هو كعب الأحبار، صرح
بذلك مسدد في (مسنده)، والطبري في (تفسيره)، والطبراني في (الأوسط) كلهم من طريق
رجاء بن أبي سلمة عن عبادة بن نسي، بضم النون وفتح السين المهملة، عن إسحاق بن
قبيصة بن ذؤيب عن كعب، فإن قلت: روى البخاري في المغازي من طريق الثوري عن
قيس بن مسلم: أن ناساً من اليهود، وأخرج في التفسير من هذا الوجه بلفظ: قالت اليهود
فكيف التوفيق بين هذه الروايات؟ قلت: التوفيق فيها أن كعباً حين سأل عمر، رضي الله عنه،
عن ذلك كان معه جماعة من اليهود. قوله: ((أي آية))؟ كلمة: أي، ههنا للاستفهام، وهو اسم
معرب معرفة للإضافة، وقد تترك الإضافة وفيه معناها، وإذا كان الذي أضيف إليه مؤنثاً لا
يجب دخول التاء فيه، وإنما يجب إذا وقع صفة لمؤنث نحو: مررت بامرأة أية امرأة، ونظير
قوله: أي آية، قوله تعالى: ﴿وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض
تموت﴾ [لقمان: ٣٤] فإن قلت: ما الفرق بين الاستفهام به وبين الاستفهام بما، نحو: ﴿ما
تلك﴾ [طه: ١٧] ... الآية؟ قلت: السؤال: بأي، إنما هو عمل يميز أحد المشاركات، و: بما،
i
جوة
١

٤١٢
/١٩٠
٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (٣٥)
عن الحقيقة، والغرض ههنا طلب تعيين تلك الآية وتمييزها عن سائر الآيات التي في الكتاب
مقروءة، قوله: ((قد عرفنا ذلك اليوم)) معناه: أنا ما أهملناه ولا خفي علينا زمان نزولها، ولا
مكان نزولها، وضبطنا جميع ما يتعلق بها حتى صفة النبي - عليه السلام - وموضعه في زمان
النزول، وهو كونه - عليه السلام - قائماً حينئذ، وهو غاية في الضبط. وقال النووي: معناه: أنا
ما تركنا تعظيم ذلك اليوم والمكان، أما المكان فهو عرفات، وهو معظم الحج الذي هو أحد
أركان الإسلام، وأما الزمان فهو يوم الجمعة ويوم عرفة. وهو يوم اجتمع فيه فضلان وشرفان،
ومعلوم تعظيمنا لكل واحد منهما، فإذا اجتمعا زاد التعظيم، فقد اتخذنا ذلك اليوم عيداً،
وعظمنا مكانه أيضاً، وهذا كان في حجة الوداع، وعاش النبي - عليه السلام - بعدها ثلاثة
أشهر. قوله: ((والذي نزلت فيه على النبي عليه الصلاة والسلام) زاد مسلم، عن عبد بن
حميد عن جعفر بن عون في هذا الحديث، ولفظه: ((إني لأعلم اليوم الذي أنزلت فيه)).
ولأحمد عن جعفر بن عون: ((والساعة التي نزلت فيها على النبي عليه السلام)» فإن قلت:
كيف طابق الجواب السؤال؟ لأنه قال لاتخذناه عيداً؟ فقال عمر، رضي الله عنه: عرفنا
أحواله، ولم يقل جعلناه عيداً. قلت: لما بين أن يوم النزول كان عرفة ومن المشهورت أن
اليوم الذي بعد عرفة عيد للمسلمين، فكأنه قال: جعلناه عيداً بعد إدراكنا استحقاق ذلك اليوم
للتعبد فيه. فإن قلت: فلم ما جعلوا يوم النزول عيداً؟ قلت: لأنه ثبت في (الصحيح) أن
النزول كان بعد العصر، ولا يتحقق العيد إلاَّ من أول النهار، ولهذا قال الفقهاء: ورؤية الهلال
بالنهار لليلة المستقبلة، فافهم.
٣٥ _ باب الزَّكاةُ مِنَ الإِسْلامِ
أي: هذا باب، والباب منون، ويجوز بالإضافة إلى الجملة، والزكاة مرفوع بالابتداء،
وخبره: من الإسلام أي: الزكاة شعبة من شعب الإسلام. وجه المناسبة بين البابين من حيث
إن المذكور في الباب السابق هو زيادة الإيمان ونقصانه، وقد علم أن الزيادة تكون بالأعمال
والنقص بتركها، وهذا الباب فيه: أن أداء الزكاة من الإسلام، يعني: أنه إذا أدى الزكاة يكون
إسلامه كاملاً، وإذا تركها يكون ناقصاً. لا يقال: لم أفرد الزكاة بالذكر في الترجمة من بين
سائر أركان الإسلام، لأنه قد أفرد لكل واحد من بقية الأركان باباً بترجمة.
وقَوْلُه تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُو إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ
ويُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القيمةِ﴾ [البينة: ٥].
هكذا هو في رواية أبي ذر، وفي رواية الباقين: باب الزكاة من الإسلام، وقول الله
تعالى: ﴿وما أمروا إلاّ ليعبدوا الله﴾ [البينة: ٥] الآية وفي بعض النسخ: وقوله تعالى: ﴿وما
أمروا﴾ [البينة: ٥] الآية ... قوله: ((وقول الله)) مجرور عطف على محل، قوله: ((الزكاة من
الإسلام) لأنها مضاف إليها، وكذلك قوله: وقوله تعالى. وأما راوية أبي ذر، فإنها بلا عطف،
لأن الواو في قوله: ﴿وما أمروا﴾ [البينة: ٥] واو العطف في القرآن عطف بها على ما قبله:
وحدة

٤١٣
٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٣٥)
﴿وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلاّ من بعد ما جاءتهم البينة﴾ [البينة: ٤] فإن قلت: كيف
التعام الآية بالترجمة؟ قلت: الالتئام بينهما معنوي، وهو أن الآية فيها ذكر أن الزكاة من الدين،
والدين هو الإسلام لقوله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ [آل عمران: ١٩] وتحقيق
ذلك أن الله تعالى ذكر في هذه الآية الكريمة ثلاثة أشياء: الأول: إخلاص الدين الذي هو
رأس جميع العبادات، والثاني: إقامة الصلاة التي هي عماد الدين، والثالث إيتاء الزكاة التي
تذكر دائماً تالية للصلاة، ثم أشار إلى جميع ذلك بقوله: ﴿وذلك دين القيمة﴾ [البينة: ٥]
أي: المذكور من هذه الأشياء هو دين القيمة، أي: دين الملة القيمة، فالموصوف محذوف،
وقرىء: وذلك الدين القيمة. على تأويل الدين بالملة، ومعنى: القيمة، المستقيمة الناطقة
بالحق والعدل. فإن قلت: كيف خص الزكاة بالترجمة، والمذكور ثلاثة أشياء؟ قلت: أجيب
عن هذا عن قريب. قوله: ﴿وما أمروا﴾ [البينة: ٥] أي: وما أمر أهل الكتاب في التوراة
والإنجيل إلاّ بالدين الحنيفي، ولكنهم حرفوا وبدلوا. وقال الزمحشري: فإن قلت: ما وجه
قوله ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين﴾ [البينة: ٥] قلت: معناه: وما أمروا في الكتابين إلاَّ
لأجل أن يعبدوا الله على هذه الصفة. وقرأ ابن مسعود، رضي الله عنه: إلاَّ أن يعبدوا. بمعنى:
بأن يعبدوا الله، انتهى. قلت: العبادة بمعنى التوحيد، أي: وما أمروا إلاَّ ليوحدوا الله، والاستثناء
من أعم عام المفعول لأجله، أي ما أمروا لأجل شيء إلاَّ للعبادة، أي: التوحيد، والعبرة بعموم
اللفظ لا بخصوص السبب ويدخل فيه جميع الناس. قوله: ﴿مخلصين﴾ حال من الضمير
الذي في «أمروا))، وقوله: ((الدین)) منصوب به. قوله: ((حنفاء»، حال أخرى، جمع حنيف،
وهو المائل عن الضلال إلى الهداية. قوله: ((ويقيموا الصلاة)) عطف على قوله: ((ليعبدوا
الله) من باب عطف الخاص على العام، وفيه تفضيل للصلاة والزكاة على سائر العبادات وقد
مر معنى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.
i
٠٠٠٠
٤٦/١ - حدثنا إسماعيلُ قال حدّثني مالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عَمِّهِ أبِي سُهَيْلٍ بْنِ مالِكَ
عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ يَقُولُ جَاءَ رَجُلٌ إلى رسولِ اللهِعََّله مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثائِرُ
الوَّأْسِ يُسْمَعُ دَوِيٌّ صَوْتِهِ ولاَ يُفْقَهُ ما يَقُولُ حَتَّى دَنا فإِذَا هوَ يَسْأَلُ عَنِ الإسْلاَمِ، فقال رسول
الله عَِّ: ((خَمْسُ صَلَوَاتٍ في اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ)) فقال: هَلْ عَليَّ غَيْرُها؟ قال: ((لاَ إلا أنْ تَطْوَّعَ))
قال رسول الله عَّله: ((وصِيَامُ رَمَضاَنَ)) قال: هَلْ عَليَّ غَيْرُهُ؟ قال: ((لاَ إلاَّ أنْ تَطَّوَّع)). قَال:
وذَكرَ لَهُ رسولُ اللَّهِ عَلِ الزَّكَاةَ قال: هَلْ عَلِيَّ غَيْرُهَا؟ قالَ: ((لاَ إلاَّ أنْ تَطَّوَّعَ)). قالَ فَأَذْبَرَ
الرَّجُلُ وهوَ يَقُولُ: واللَّهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا ولاَ أَنْقُصُ، قال رسولُ اللَّهِ عَلِ: ((أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ)).
[الحديث ٤٦ - أطرافه في: ١٨٩١، ٢٦٧٨، ٦٩٥٦].
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، لأن الترجمة: الزكاة من الإسلام، وموضع الدلالة في
الحديث هو قوله: فإذا هو يسأله عن الإسلام، فذكر الصلاة والصوم والزكاة، وهذا ظاهر في
كونها من الإسلام، وكذلك مطابقته للآية ظاهرة من حيث إن المذكور في كل واحد منهما
الصلاة والزكاة.
i
/ib

٤١٤
٦١٨٠
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣٥)
بيان رجاله: وهم خمسة: الأول: إسماعيل بن أبي أويس، وهو إسماعيل بن عبد الله
الأصبحي المدني، ابن أخت الإمام مالك بن أنس، شيخه وخاله وأبو أويس ابن عم مالك وقد
مر في: باب تفاضل أهل الإيمان. الثاني: مالك بن أنس الإمام المشهور، وقد مر غير مرة.
الثالث: عمه أبو سهيل، وهو نافع بن مالك بن أبي عامر المدني، وقد مر. الرابع: أبوه وهو
مالك بن أبي عامر، وقد مر. الخامس: أبو محمد طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن
کعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي، أحد العشرة
المشهود لهم بالجنة، يجتمع مع رسول الله عَ ليه في الأب السابع مثل أبي بكر، رضي الله
عنه، أسلمت أمه وهاجرت، شهد المشاهد كلها إلاَّ بدراً كسعيد بن زيد، وقد ضرب له
رسول الله عَّله بسهمه وآجره فيها، وكان الصديق، رضي الله عنه، إذا ذكر أحداً قال: ذلك
يوم كله لطلحة، وقد وهم البخاري في قوله: إن سعيد بن زيد ممن حضر بدراً، وهو أحد
الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، والخمسة الذين أسلموا على يد الصديق، رضي الله عنه،
والستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله عَ ◌ّةٍ، وهو عنهم راض، وهو ممن ثبت مع
النبي صَّله يوم أحد ووقاه بيده ضربة قصد بها فشلت، رماه مالك بن زهير يوم أحد، فاتقى
طلحة بيده عن وجه رسول الله - عليه السلام - فأصاب خنصره، فقال حين أصابته الرمية:
حيس، فقال رسول الله عَ له: ((لو قال: بسم الله لدخل الجنة والناس ينظرون)). وقيل: جرح
في ذلك اليوم خمساً وسبعين جراحة، وشلت أصبعاه، وسماه النبي معَ ةٍ، طلحة الخير،
وطلحة الجواد. روي له ثمانية وثلاثون حديثاً، اتفقا منها على حديثين، وانفرد البخاري
بحديثين، ومسلم بثلاثة، قتل يوم الجمل، أتاه سهم لا يدري من وراءه، واتهم به مروان، لعشر
خلون من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين عن أربع وستين سنة، وقيل: اثنتين وستين، وقيل:
ثمان وخمسين، وقبره بالبصرة، وقال ابن قتيبة: دفن بقنطرة قرة، ثم رأت بنته بعد ثلاثين سنة
فى المنام أنه يشكو إليها النداوة، فأمرت فاستخرج طرياً ودفن في دار الهجرتين بالبصرة،
وقبره مشهور، رضي الله عنه، روى له الجماعة. وطلحة في الصحابة جماعة، وطلحة بن
عبيد الله اثنان: هذا أحدهما، وثانيهما التيمي، وكان يسمى أيضاً: طلحة الخير، فأشكل
على الناس.
بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه أولاً: حدثنا إسماعيل، ثم: حدثني مالك، لأن في
الأول الشيخ قرأ له ولغيره، وفي الثاني: قرأ له وحده، ومنها: أن فيه التحديث والسماع
والعنعنة. ومنها: أن رجاله كلهم مدنيون. ومنها: أن إسناده مسلسل بالأقارب، لأن إسماعيل
يروي عن خاله عن عمه عن أبيه. فإن قلت: حكى الكلاباذي وغيره عن ابن سعد عن
الواقدي أن مالك بن أبي عامر توفي سنة اثنتي عشرة ومائة، وأنه بلغ من العمر: سبعين أو
اثنتين وسبعين، فعلى هذا يكون مولده بعد موت طلحة بسنتين. قلت: قال بعضهم: لعله
صحف التسعين بالسبعين، وحكى المنذري عن ابن عبد البر أن وفاته سنة مائة أو نحوها،
فيصح على هذا، ويستقيم. وقد ثبت سماع مالك منه ومن غيره كعثمان، رضي الله عنه، نبه
١٠٠٠٠

٤١٥
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣٥)
عليه الثوري وغيره.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الشهادات عن
إسماعيل بن أبي أويس، بالإسناد المذكور، وأخرجه أيضاً في الصوم، وفي ترك الحيل عن
قتيبة عن إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل به، وأخرجه مسلم في الإيمان عن قتيبة عن مالك
به، وعن قتیبة ویحیی بن أيوب كلاهما عن إسماعيل بن جعفر به، وقال مسلم في حديث
يحيى بن أيوب: قال رسول الله عَ له: ((أفلح وأبيه إن صدق)). وأخرجه أبو داود في الصلاة
عن القعنبي عن مالك به، وعن أبي الربيع سليمان بن داود عن إسماعيل بن جعفر به، وأخرجه
النسائي في الصلاة عن قتيبة عن مالك به، وفي الصوم عن علي بن حجر عن إسماعيل بن
جعفر به، وفي الإيمان عن محمد بن سلمة عن عبد الرحمن بن قاسم عن مالك به.
بيان اللغات: قوله: ((من أهل نجد)) بفتح النون وسكون الجيم، قال الجوهري: نجد
من بلاد العرب، وكل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو نجد، وهو مذكر. قلت:
النجد الناحية التى بين الحجاز والعراق، ويقال: ما بين العراق وبين وجرة وغمرة الطائف
نجد، ويقال: هو ما بين جرش وسواد الكوفة، وحده من الغرب الحجاز، وفي (العباب): نجد
من بلاد العرب، خلاف الغور، والغور هو تهامة، وكل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو
نجد، وهو في الأصل ما ارتفع من الأرض، والجمع: نجاد ونجود وأنجد. قوله: ((ثائر
الرأس)) أي: منتفش شعر الرأس ومنتشره، يقال: ثار الغبار أي: انتفش، وفتنة ثائرة أي: منتشرة.
قلت: مادته واوية من: ثار الغبار يثور ثوراً، وحاصله أن شعره متفرق منتشر من عدم الارتفاق
والرفاهية. قوله: ((دوي صوته))، بفتح الدال وكسر الواو وتشديد الياء، كذا هو في عامة
الروايات، وقال القاضي عياض: جاء عندنا في البخاري، بضم الدال. قال: والصواب الفتح،
قال الخطابي: الدوي: صوت مرتفع متكرر لا يفهم، وإنما كان كذلك لأنه نادى من بعد،
ويقال: الدوي بعد الصوت في الهواء وعلوه، ومعناه: صوت شديد لا يفهم منه شيء كدوي
النحل. وقال الشيخ قطب الدين: هو شدة الصوت وبعده في الهواء، مأخوذ من دوي الرعد،
ويقال: هو شدة صوت لا يفهم، فلما دنا فهم كلامه، فلهذا قال: فلما دنا فإذا هو يسأل.
وقال الجوهري: دوي الريح حفيفها، وكذلك دوي النحل والطائر ويقال: دوى النحل تدوية،
وذلك إذا سمعت لهديره دوياً، والدوي أيضاً السحاب ذو الرعد المرتجس.
قوله: ((ولا يفقه)) من الفقه وهو الفهم، قال الله تعالى: ﴿يفقهوا قولي﴾ [طه: ٢٨] أي
يفهموا. قوله: ((حتى دنا)) من الدنو وهو التقرب. قوله: ((إلا أن تطوع)، بتشديد الطاء والواو
كليهما أصله: تتطوع بتائين فأدغمت إحدى التائين في الطاء، ويجوز تخفيف الطاء على
الحذف، أعني: حذف إحدى التائين، وأي التائين هي المحذوفة فيه خلاف، فقال بعضهم:
حذف التاء الزائدة أولى لزيادتها. وقال الأكثرون: الأصلية أولى بالحذف، لأن الزائدة إنما
دخلت لإظهار معنى فلا تحذف، لئلا يزول الغرض الذي لأجله دخلت، ويجوز إظهار التائين
أيضاً من غير إدغام، وهذه ثلاثة أوجه في المضارع. وقال النووي: المشهور التشديد، ومعناه:
i
٠٠٠٠
i
i
i

٤١٦
٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (٣٥)
إلاَّ أن تفعله بطواعيتك. وفي ماضيه لغتان: تطوع وأطوع، وكلاهما يفعل، إلا أن إدغام التاء
في الطاء أوجب جلب ألف الوصل ليتمكن من النطق بالساكن. قوله: ((فأدبر)) من الإدبار وهو
التولي. قوله: ((أفلح) من الإفلاح وهو الفوز والبقاء، وقيل: هو الظفر وإدراك البغية، وقيل: إنه
عبارة عن أربعة أشياء: بقاء بلا فناء وغناء بلا فقر، وعز بلا ذل، وعلم بلا جهل. قالوا: ولا
كلمة في اللغة أجمع للخيرات منه، والعرب تقول لكل من أصاب خيراً: مفلح، وقال ابن
دريد: أفلح الرجل وأنجح: أدرك مطلوبه.
بيان الإعراب: قوله: (من أهل نجد)) في محل الرفع لأنه صفة لقوله: رجل. قوله:
(ثائر الرأس)) يجوز فيه الرفع والنصب، أما الرفع فعلى أنه صفة لرجل، وأما النصب فعلى أنه
حال، وههنا سؤالان أحدهما: ذكره الكرماني وأجاب عنه، وهو أن شرطِ الحال أن تكون
نكرة، وهو مضاف فيكون معرفة فأجاب: بأن إضافته لفظية فلا تفيد إلاَّ تخفيفاً. والآخر
ذكرته في (شرح سنن أبي داود)، وهو أنه إذا وقع الحال عن النكرة وجب تقديم الحال على
ذي الحال، فكيف يكون هذا حالاً؟ قلت: يجوز وقوع صاحبها نكرة من غير تأخير إذا
اتصف بشيء كما في المبتدأ نحو قوله تعالى: ﴿فيها يفرق كل أمر حكيم أمراً من عندنا﴾
[الدخان: ٤] أو أضيف، نحو: جاء غلام رجل قائماً، أو وقع بعد نفي كقوله تعالى: ﴿وما
أهلكنا من قرية إلاَّ ولها كتاب معلوم﴾ [الحجر: ٤] وهنا اتصفت النكرة بقوله: من أهل
نجد، فافهم. قوله: (يسمع)) بضم الياء على صيغة المجهول، و((دوي)) صوته كلام أضافي
مفعول ناب عن الفاعل، وفي رواية: نسمع، بالنون المصدرة للجماعة، ودوي صوته بالنصب
على أنه مفعول، وكذلك: ولا نفقه، بالنون. وقوله: ((ما يقول)) في محل النصب على أنه
مفعول، وهذه الرواية هي المشهورة، وعليها الاعتماد. وكلمة: ما، موصولة، و: يقول، جملة
صلتها، والعائد محذوف تقديره: ما يقوله. قوله: ((حتى)) هنا للغاية بمعنى: إلى أن دنا. قوله:
(فإذا)) هي التي للمفاجأة. وقوله: ((هو)) مبتدأ، و: ((يسأل عن الإسلام) خبره. وقد علم أن إذا
التي للمفاجأة تختص بالجمل الاسمية، ولا تحتاج إلى الجواب، ولا تقع في الابتداء، ومعناه
الحال لا الاستقبال، وهي حرف عند الأخفش واختاره ابن مالك، وظرف مكان عند المبرد
واختاره ابن عصفور؛ وظرف زمان عند الزجاج واختاره الزمخشري.
قوله: ((خمس صلوات)) يجوز فيه الرفع والنصب والجر. أما الرفع فعلى أنه خبر مبتدأ
محذوف، أي: هي خمس صلوات. وأما النصب فعلى تقدير: خذ خمس صلوات أو هاك ...
أو نحوهما. وأما الجر فعلى أنه بدل من الإسلام، وفيه حذف أيضاً تقديره إقامة خمس
صلوات. عين الصلوات الخمس ليست عين الإسلام، بل إقامتها من شرائع الإسلام. قوله:
((فقال) أي: الرجل المذكور، و: ((هل) للاستفهام، و((غيرها) بالرفع مبتدأ و((علي)) مقدماً
خبره. قوله: ((فقال: لا))، أي: فقال الرسول - عليه السلام - ليس عليك شيء غيرها. قوله:
(إلا أن تطوع)) استثناء من قوله: لا، وسيجيء الكلام فيه إن شاء الله تعالى. قوله: ((وصيام
شهر رمضان)) كلام إضافي مرفوع عطف على قوله: خمس صلوات. قوله: ((قال وذكر له

٤١٧
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣٥)
رسول الله عليه الصلاة والسلام)) أي: قال الراوي، وهو طلحة بن عبيد الله. قوله: ((وهو
يقول)) جملة، حالية. قوله: ((أفلح) أي الرجل. قوله: ((إن صدق)) أي في كلامه وجواب أن
محذوف، فافهم.
بيان المعاني: قوله: ((جاء رجل))، هو ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر، قاله
القاضي مستدلاً بأن البخاري سماه في حديث الليث، يريد ما أخرجه في باب القراءة،
والعرض على المحدث عن شريك عن أنس قال: ((بينما نحن جلوس في المسجد، إذ دخل
رجل على جمل، فأناخه في المسجد)) وفيه ((ثم قال: أيكم محمد؟)) وذكر الحديث، وقال
فيه: ((وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر))، فجعل حديث طلحة هذا وحديث أنس هذا
له، وتبعه ابن بطال وغيره وفيه نظر لتباين ألفاظهما، كما نبه عليه القرطبي، وأيضاً فإن إبن
إسحاق فمن بعده: كابن سعد وابن عبد البر، لم يذكروا لضمام غير حديث أنس. قوله: ((ثائر
الرأس)) أي: ثائر شعر الرأس، وأطلق اسم الرأس على الشعر، إما لأن الشعر منه ينبت، كما
يطلق اسم السماء على المطر لأنه من السماء ينزل، وإما لأنَّه جعل نفس الرأس ذا ثوران على
طريق المبالغة، أو يكون من باب حذف المضاف بقرينة عقلية. قوله: ((عن الإسلام)) أي: عن
أركان الإسلام، ولو كان السؤال عن نفس الإسلام كان الجواب غير هذا، لأن الجواب ينبغي
أن يكون مطابقاً للسؤال، فلما أجاب النبي ◌َ لآم بقوله: ((خمس صلوات)) عرف أن سؤاله كان
عن أركان الإسلام وشرائعه، فأجاب مطابقاً لسؤاله. وقال الكرماني: ويمكن أنه سأله عن
حقيقة الإسلام، وقد ذكر له الشهادة فلم يسمعها طلحة منه لبعد موضعه، أو لم ينقله
لشهرته. قلت: هذا بعيد، إذ لو كان السؤال عن حقيقة الإسلام لما كان الجواب مطابقاً
للسؤال، وفيه نسبة الراوي الصحابي إلى التقصير في إبلاغ كلام الرسول، وقد ندب النبي -
عليه السلام - إلى ضبط كلامه وحفظه وإبلاغه مثل ما سمعه منه في حديثه المشهور.
قوله: ((إلا أن تطوع)) هذا الاستثناء يجوز أن يكون منقطعاً، بمعنى: لكن، ويجوز أن
يكون متصلاً واختارت الشافعية الانقطاع، والمعنى: لكن استحب لك أن تطوع، واختارت
الحنفية الاتصال فإنه هو الأصل في الاستثناء، ويستدل به على أن من شرع في صلاة نفل أو
صوم نفل وجب عليه إتمامه، وبقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: ٣٣] وبالاتفاق
على أن حج التطوع يلزم بالشروع. ولما حملت الشافعية على الانقطاع قالوا: لا تلزم النوافل
بالشروع، ولكن يستحب له إتمامه، ولا يجب بل يجوز قطعه. وقال الطيبي: الحديث متمسك
لنا في أصلين: أحدهما في شمول عدم الوجوب في غير ما ذكر في الحديث، كعدم وجوب
الوتر. والثاني: في أن الشرع غير ملزم لأنه نفي وجوب شيء آخر مطلقاً شرع فيه أو لم
يشرع، وتمسك الخصم به على أن الشروع ملزم لأنه نفي وجوب شيء آخر إلاَّ ما تطوع به،
والاستثناء من النفي إثبات، فيكون المثبت بالاستثناء وجوب ما تطوع به، وهو المطلوب.
قال: وهذا مغالطة، لأن هذا الاستثناء من وادي قوله تعالى: ﴿لا يذوقون فيها الموت إلا
الموتة الأولى﴾ [الدخان: ٥٦] أي: لا يجب شيء إلاّ أن تطوع، وقد علم أن التطوع ليس
٠٠٠
عمدة القاري / ج١ - ٢٧٣

٤١٨
٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (٣٥)
/٠٠٠
بواجب، فلا يجب شيء آخر أصلاً. قلت: أما الأول: فلا نسلم شمول عدم الوجوب مطلقاً،
بل الشمول بالنظر إلى تلك الحالة، ووقت الإخبار، والوتر لم يكن واجباً حينئذ، يدل عليه أنه
لم يذكر الحج والوتر مثله. وأما الثاني: فليس من وادي قوله تعالى: ﴿لا يذوقون فيها
الموت إلا الموتة الأولى﴾ [الدخان: ٥٦] على أن يكون المعنى: لا يجب شيء، إلاَّ أن
تطوع، بل معنى إلاَّ أن تطوع: أن تشرع فيه، فيصير واجباً كما يصير واجباً بالنذر. وقال
بعضهم: من قال: إنه منقطع، احتاج إلى دليل، والدليل عليه ما روى النسائي وغيره أن النبي
سَ لّ كان أحياناً ينوي صوم التطوع ثم يفطر، وفي البخاري أنه أمر جويرية بنت الحارث أن
تفطر يوم الجمعة بعد أن شرعت فيه، فدل على أن الشروع في العبادة لا يستلزم الإتمام إلاَّ إذا
كانت نافلة بهذا النص في الصوم، وبالقياس في الباقي. قلت: من العجب أن هذا القائل
كيف لم يذكر الأحاديث الدالة على استلزام الشروع في العبادة بالإتمام، وعلى القضاء
بالإفساد، وقد روى أحمد في (مسنده)، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: أصبحت أنا
وحفصة صائمتين، فأهديت لنا شاة فأكلنا منها، فدخل علينا النبي صَّ له فأخبرناه فقال:
((صوما يوماً مكانه). وفي لفظ آخر: بدلاً، أمر بالقضاء. والأمر للوجوب، فدل على أن
الشروع ملزوم، وأن القضاء بالإفساد واجب. وروى الدارقطني عن أم سلمة أنها صامت يوماً
تطوعاً فأفطرت، فأمرها النبي - عليه السلام - أن تقضي يوماً مكانه، وحديث النسائي لا يدل
على أنه - عليه السلام - ترك القضاء بعد الإفطار، وإفطاره ربما كان عن عذر. وحديث جويرية
إنما أمرها بالإفطار عند تحقق واحد من الأعذار: كالضيافة، وكل ما جاء من أحاديث هذا
الباب فمحمول على مثل هذا، ولو وقع التعارض بين الأخبار، فالترجيح معناه لثلاثة أوجه:
أحدها: إجماع الصحابة، والثاني: أن أحاديثنا مثبتة وأحاديثهم نافية، والمثبت مقدم.
والثالث: أنه احتياط في العبادة فافهم.
قوله: ((وذكر له رسول الله عَّالل الزكاة)) هذا قول الراوي، كأنه نسي ما نص عليه
رسول الله عَّ والتبس عليه، فقال: وذكر له الزكاة، وفي رواية أبي داود: وذكر له - عليه
السلام - الصدقة. والمراد منها: الزكاة أيضاً، كما في قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾
[التوبة: ٦٠] وهذا يؤذن بأن مراعاة الألفاظ مشروطة في الرواية، فإذا التبس عليه يشير في
لفظه إلى ما ينبىء عنه، كما فعل الراوي ههنا، وفي رواية إسماعيل بن جعفر قال: ((فأخبرني
بما فرض الله علي من الزكاة)). قال: فأخبر رسول الله، عليه الصلاة والسلام، بشرائع الإسلام.
قوله: ((والله لا أزيد على هذا ولا أنقص))، وفي رواية إسماعيل بن جعفر: ((والذي أكرمك))
أي: لا أزيد على ما ذكرت ولا أنقص منه شيئاً. قوله: ((أفلح إن صدق)) وفي رواية
إسماعيل بن جعفر عند مسلم: ((أفلح وأبيه إن صدق، أو دخل الجنة وأبيه إن صدق)). ولأبي
داود مثله، لكن بحذف: أو. وقال النووي: قيل: الفلاح راجع إلى لفظ: ولا أنقص، خاصة،
والمختار أنه راجع إليها بمعنى أنه إذا لم يزد ولم ينقص كان مغلحاً، لأنه أتى بما عليه، ومن
أتى بما عليه كان مغلحاً، وليس فيه أنه إذا أتى بزائد على ذلك لا يكون مغلحاً، لأن هذا

٤١٩
٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (٣٥)
مما يعرف بالضرورة، فإنه إذا أفلح بالواجب ففلاحه بالمندوب مع الواجب أولى، وقال ابن
بطال: دل قوله: ((أفلح إن صدق)) على أنه إن لم يصدق في التزامها أنه ليس بمفلح، وهذا
خلاف قول المرجئة. ويقال: يحتمل أن يكون السائل رسولاً، فحلف أن لا أزيد في الإبلاغ
على ما سمعت، ولا أنقص في تبليغ ما سمعته منك إلى قومي. ويقال: يحتمل صدور هذا
الكلام منه على المبالغة في التصديق والقبول، أي: قبلت قولك فيما سألتك عنه قبولاً لا مزيد
عليه من جهة السؤال، ولا نقصان فيه من طرق القبول. ويقال: يحتمل أن هذا كان قبل
شرعية أمر آخر، ويقال: يحتمل أنه أراد: لا أزيد عليه بتغيير حقيقته، كأنه قال: لا أصلي
الظهر خمساً. ويقال: يحتمل أنه أراد أنه لا يصلي النوافل بل يحافظ على كل الفرائض، وهذا
مفلح بلا شك، وإن كانت مواظبته على ترك النوافل مذمومة. ويقال: يحتمل أنه المراد أني لا
أزيد على شرائع الإسلام ولا أنقص منها شيئاً، والدليل عليه ما أخرجه البخاري في كتاب
الصيام قال: ((والذي أكرمك لا أتطوع شيئاً ولا أنقص مما فرض الله تعالى علي شيئاً).
بيان استنباط الأحكام: وهو على وجوه. الأول: أن الصلاة ركن من أركان
الإسلام. الثاني: أنها خمس صلوات في اليوم والليلة. الثالث: أن الصوم أيضاً ركن من
أركان الإسلام، وهو في كل سنة شهر واحد. الرابع: أن الزكاة أيضاً ركن من أركان
الإسلام. الخامس: عدم وجوب قيام الليل، وهو إجماع في حق الأمة، وكذا في حق سيدنا
رسول الله عَّ على الأصح. السادس: عدم وجوب العيدين. وقال الإصطخري، من أصحاب
الشافعي: صلاة العيدين فرض كفاية. السابع: عدم وجوب صوم عاشوراء وغيره سوى
رمضان، وهذا مجمع عليه الآن، واختلفوا أن صوم عاشوراء كان واجباً قبل رمضان أم لا؟
فعند الشافعي في الأظهر: ما كان واجباً، وعند أبي حنيفة، رضي الله عنه: كان واجبا، وهو
وجه للشافعي. الثامن: أنه ليس في المال حق سوى الزكاة على من ملك نصاباً وتم عليه
الحول. التاسع: أن من يأتي بالخصال المذكورة ويواظب عليها صار مفلحاً بلا شك.
العاشر: أن السفر والارتحال من بلد إلى بلد لأجل تعلم علم الدين والسؤال عن الأكابر أمر
مندوب. الحادي عشر: جواز الحلف بالله تعالى من غير استحلاف ولا ضرورة، لأن الرجل
حلف هكذا بحضرة النبي عَّةٍ، ولم ينكر عليه. الثاني عشر: صحة الاكتفاء بالاعتقاد من
غير نظر ولا استدلال، لكنه يحتمل أن ذلك صح عنه بالدليل. وإنما أشكلت عليه الأحكام.
الثالث عشر: فيه الرد على المرجئة، إذ شرط في فلاحه أن لا ينقص من الأعمال والفرائض
المذكورة. الرابع عشر: فيه جواز قول: رمضان، من غير ذكر: شهر. الخامس عشر: فيه
استعمال الصدق في الخبر المستقبل، وقال ابن قتيبة: الكذب مخالفة الخبر في الماضي،
والحلف في مخالفته في المستقبل، فيجب على هذا أن يكون الصدق في الخبر عن
الماضي، والوفاء في المستقبل، وفي هذا الحديث ما يرد عليه مع قوله تعالى ﴿ذلك وعد
غير مكذوب﴾ [هود: ٦٥].
الأسئلة والأجوبة: منها ما قيل: كيف أثبت له الفلاح بمجرد ما ذكر مع أنه لم يذكر
i
i
i
جدة

٤٢٠
بـ"
٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٣٥)
المنهيات ولا جميع الواجبات؟ وأجيب: بأنه جاء في رواية البخاري، في آخر هذا الحديث،
قال: فأخبره رسول الله عَّله بشرائع الإسلام، فأدبر الرجل وهو يقول: لا أزيد ولا أنقص مما
فرض الله علي شيئا، فعلى عموم قوله بشرائع الإسلام، وقوله: مما فرض الله، يزول الإشكال
في الفرائض. وأما النوافل فقيل: يحتمل أن هذا كان قبل شرعها، ويحتمل أنه أراد أنه لا
يصلي النافلة مع أنه لا يخل بشيء من الفرائض، وأما المنهيات فإنها داخلة في شرائع
الإسلام. وقال ابن بطال: يحتمل أن يكون ذلك وقع قبل ورود النهي. قلت: فيه نظر، لأنه
جزم بأن السائل هو ضمام بن ثعلبة وقد قيل إنه وفد سنة خمس، وقيل: بعد ذلك، و کان أکثر
المنهيات واقعة قبل ذلك. ومنها ما قيل: إنه لم يذكر الحج في هذا الحديث. وأجيب: بأنه
لم يفرض حينئذ أو لأن الرجل سأل عن حاله حيث قال: هل علي غيرها؟ فأجاب عليه
السلام بما عرف من حاله، ولعله ممن لم يكن الحج واجباً عليه. وقيل: لم يأت في هذا
الحديث بالحج كما لم يذكر في بعضها الصوم وفي بعضها الزكاة، وقد ذكر في بعضها
صلة الرحم وفي بعضها أداء الخمس، فتفاوتت هذه الأحاديث في عدد خصال الإيمان زيادة
ونقصاناً، وسبب ذلك تفاوت الرواة في الحفظ والضبط، فمنهم من إقتصر على ما حفظه
فأداه ولم يتعرض لما زاده غيره بنفي ولا إثبات، وذلك لا يمنع من إيراد الجميع في الصحيح،
لما عرفت أن زيادة الثقة مقبولة، والقاعدة الأصولية فيها أن الحديث إذا رواه راويان،
واشتملت إحدى الروايتين على زيادة، فإن لم تكن مغيرة لإعراب الباقي قبلت، وحمل ذلك
على نسيان الراوي أو ذهوله أو اقتصاره بالمقصود منه في صورة الاستشهاد، وإن كانت مغيرة
تعارضت الروايتان وتعين طلب الترجيح، فافهم. ومنها ما قيل: كيف أقره على حلفه وقد ورد
النكير على من حلف أن لا يفعل خيراً؟ وأجيب: بأن ذلك يختلف باختلاف الأحوال
والأشخاص، وهذا جار على الأصل بأنه لا إثم على غير تارك الفرائض فهو مفلح، وإن كان
غيره أكثر فلاحاً منه. ومنها ما قيل: كيف الجمع بين حلفه بقوله: وأبيه إن صدق، مع نهيه
عن الحلف بالآباء؟ وأجيب: بأن ذلك كان قبل النهي، أو بأنها كلمة جارية على اللسان لا
يقصد بها الحلف، كما جرى على لسانهم: عقرى حلقى، وتربت يمينك، والنهي إنما ورد فى
القاصد بحقيقة الحلف لما فيه من تعظيمه المخلوق، وهذا هو الراجح عند العلماء. وقال
بعضهم: فيه حذف مضاف تقديره: ورب أبيه، فأضمر ذلك فيه. وقال البيهقي: لا يضمر بل
يذهب فيه، وسمعت بعض مشايخنا يجيب بجوابين آخرين: أحدهما: أنه يحتمل أن يكون
الحديث: أفلح والله، فقصر الكاتب اللامين فصارت: وأبيه، والآخر: خصوصية ذلك بالشارع
دون غيره، وهذه دعوى لا برهان عليها. وأغرب القرافي حيث قال: هذه اللفظة وهي: وأبيه،
اختلف في صحتها، فإنها ليست في (الموطأ)، وإنما فيها: أفلح إن صدق، وهذا عجيب،
فالزيادة ثابتة لا شك في صحتها ولا مرية.
٠۵۵٠