النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣١) يوم القيامة فأوردهم النار﴾ [هود: ٩٨] وأما: قدم بالضم، فمضارعه: يقدم بالضم أيضاً، ومصدره: قِدَم، بكسر القاف وفتح الدال، فهو: قديم؛ وانتصاب: المدينة، كانتصاب: الدار، في قولك: دخلت الدار، والظروف يتوسع فيها. قوله: ((نزل)) جملة في محل النصب على أنها خبر: كان، قوله: (من الأنصار)) كلمة: من، فيه بيانية. قوله: ((وأنه)) بفتح الهمزة عطف على قوله: أن رسول الله عَّه، قوله: ((صلى)، جملة في محل الرفع على أنها خبر أن، قوله: ((قِبَل بيت المقدس)، نصب على الحال، بمعنى متوجهاً إليه. قوله: ((وكان)) اي النبي عَّهِ، قوله: ((يعجبه))، خبر كان. قوله: ((أن يكون)) في محل الرفع على أنه فاعل: يعجبه، و: أن، مصدرية، تقديره: وكان يعجبه كون قبلته جهة البيت، أي: كان يحب ذلك. قوله: ((وأنه)) بفتح الهمزة أيضا عطف على: أنه، المذكورة قبلها. قوله: ((صلى))، جملة من الفعل والفاعل في محل الرفع على أنها خبر: ان. قوله: ((أول صلاة))، كلام إضافي منصوب على أنه مفعول: صلى. قوله: ((صلاها))، جملة في محل الجر على أنها صفة: صلاة. قوله: ((صلاة العصر))، كلام إضافي منصوب على أنه بدل من قوله: أول صلاة، وأعربه ابن مالك بالرفع. قوله: (وصلى معه)) أي: مع النبي عَ لهو: ((قوم) مرفوع لأنه فاعل: صلى، وقد قلنا غير مرة إن لفظة: قوم، موضوعة للرجال دون النساء، ولا واحد له من لفظه، وربما دخلت النساء فيه على سبيل التبع. قوله: ((وهم راكعون)) جملة اسمية منصوبة المحل على الحال. قوله: ((فقال)): أي الرجل المذكور. قوله: ((أشهد بالله))، جملة وقعت معترضة بين: قال، وبين مقول القول، وهو قوله: لقد صليت، اللام للتأكيد، و: قد، للتحقيق. قوله: ((قبل مكة))، حال أي: متوجهاً إليها. قوله: ((فداروا)) الفاء فيه تسمى الفاء الفصيحة، أي: سمعوا كلامه فداروا، كما في قوله تعالى: ﴿أن اضرب بعصاك الحجر فانفجرت﴾ [الأعراف: ١٦٠] أي: فضرب فانفجرت، والفاء الفصيحة هي التي تدل على محذوف هو سبب لما بعدها. قوله: ((كما هم)) قال الكرماني: ما، موصولة، و: هم، مبتدأ، وخبره محذوف، ومثل هذه الكاف تسمى بكاف المقارنة، أي: دورانهم مقارن لحالهم، وتبعه على هذا بعضهم مقلداً من غير تحرير. قلت: الكاف المفردة إما جارة أو غير جارة، فالجارة: حرف واسم، والحرف له خمسة معانٍ: التشبيه، نحو زيد كالأسد، و: التعليل، أثبت ذلك قوم ونفاه الآخرون نحو: ﴿كما أرسلنا فيكم﴾ [البقرة: ١٥١] أي: لأجل إرسالي فيكم، و: الاستعلاء، ذكره الأخفش والكوفيون نحو: كخير جواباً، لقول من قال له: كيف أصبحت؟ أي: على خير. و: المبادرة، فيما إذا اتصلت: بما، نحو: سلم كما تدخل، وصل كما يدخل الوقت، ذكره ابن الخباز، وأبو سعيد السيرافي وهو غريب جداً، و: التوكيد، وهي الزائدة نحو: ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى: ١١] التقدير: ليس مثله شيء، وأما اسم الجارة فهي مرادفة: لمثل، ولا تقع كذلك عند سيبويه والمحققين إلاّ في الضرورة نحو قوله: يضحكن عن كالبرد المنهم وأما الكاف غير الجارة فنوعان: مضمر منصوب أو مجرور نحو ﴿ما ودعك ربك﴾ i i i i i i ١٠٢٥ ٣٨٢ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣١) [الضحى: ٣] فإذا عرفت هذا علمت أنه لم يقل أحد في أقسام الكاف: كاف المقارنة، والتحقيق في إعراب هذا الكلام أن نقول: ان الكاف في: كما هم، يحتمل وجهين: الوجه الاول: أن تكون للاستعلاء كما في قولك: كن كما أنت، أي: على ما أنت عليه، والتقدير ههنا أيضاً: فداروا على ما هم عليه، ثم في إعرابه أوجه. الأول: أن تكون: ما، موصولة و: هم، مبتدأ وخبره محذوف وهو: عليه. الثاني: أن تكون: ما، زائدة ملغاة و: الكاف جارة و: هم، ضمير مرفوع أنيب عن المجرور كما في قولك: ما أنا كأنت، والمعنى فداروا في الحال مماثلين لأنفسهم في الماضي. الثالث: أن تكون: ما، كافة و: هم، مبتدأ حذف خبره، وهو: عليه، أو: كائنون. الرابع: أن تكون: ما، كافة أيضاً و: هم، فاعل والأصل: كما كانوا، ثم حذف: كان، فانفصل الضمير. الوجه الثانى: أن تكون: الكاف، كاف المبادرة، كما ذكرنا الآن، والمعنى: فداروا متبادرين في حالهم التي هم فيها، والوجه الأول هو الأحسن. فافهم. قوله ((قِبل البيت))، حال، أي: مواجهين اليه. قوله: ((قد أعجبهم))، الضمير المرفوع المستتر في: أعجب، يرجع إلى رسول الله عم ليه، وهو فاعل أعجب، و: هم، هو الضمير المنصوب وقع مفعولاً. قوله: ((إذا كان)) أي: النبي عَّلّه، قال الكرماني: وإذا كان، بدل الاشتمال، وإذ ههنا للزمان، المطلق، أي: أعجبهم زمان كان يصلي فيه رسول الله عَّه نحو بيت المقدس، لأنه كان قبلتهم، فإعجابهم لموافقة قبلة رسول الله عَّ له قبلتهم: قلت: إذ، ههنا ظرف بمعنى حين، والمعنى: أعجب اليهود حين كان يصلي - عليه السلام - قبل بيت المقدس، و: إذ، إنما تقع بدلاً عن المفعول، كما في قوله تعالى: ﴿واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت﴾ [مريم: ١٦] وههنا المفعول هو الضمير المنصوب في قوله: أعجبهم، ولا يصح أن يكون بدلاً منه، لفساد المعنى، والضمير المستتر في: أعجب، ضمير الفاعل. قوله: ((قبل بيت المقدس)) حال أي: متوجهاً إليه. فإن قلت: ما الإضافة التي في بيت المقدس؟ قلت: إضافة الموصوف إلى صفته: كصلاة الأولى، ومسجد الجامع، والمشهور فيه الإضافة، وجاء أيضا على الصفة لبيت المقدس، وقال أبو علي: تقديره: بيت مكان الطهارة. قوله: ((وأهل الكتاب)» بالرفع عطف على قوله: ((اليهود)»، فهو من قبيل عطف العام على الخاص لأن أهل الكتاب يشمل اليهود والنصارى وغيرهما ممن يعتقد بكتاب منزل. وقال الكرماني: او المراد به، أي: بأهل الكتاب النصارى فقط، عطف خاص على خاص؛ وقال بعضهم: فيه نظر، لأن النصارى لا يصلون لبيت المقدس، فكيف يعجبهم؟ قلت: سبحان الله، إن هذا عجب شديد كيف لم يتأمل هذا كلام الكرماني بتمامه حتى نظر فيه، فإنه لما قال: المراد به النصارى فقط، قال: وجعلوا تابعة لأنه لم تكن قبلتهم، بل إعجابهم كان بالتبعية لليهود، على أن نفس عبارة الحديث يشهد بإعجاب النصارى أيضاً، لأن قوله: ((وأهل الکتاب» إذا کان عطفاً علی الیھود یکونون داخلین فیما وصف به اليهود، فالنصارى من جملة أهل الكتاب، فهم أيضاً داخلون فيه، والأظهر أن يكون: وأهل الكتاب، بالنصب على أن الواو فيه بمعنى: مع، أي: كان يصلي قبل بيت المقدس مع أهل الكتاب، وهذا وجه ٣٨٣ ٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٣١) صحيح، ولكن يحتاج إلى تصحيح الرواية بالنصب، وفي هذا الوجه أيضاً يدخل فيهم النصارى لأنهم من أهل الكتاب. قوله: ((فلما ولى)) أي: اقبل رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، وجهه نحو القبلة أنكروا ذلك، أي: أنكر أهل الكتاب توجهه إليها فعند ذلك نزل: ﴿سيقول السفهاء من الناس﴾ [البقرة: ١٤٢] ... الآية، وقد صرح البخاري بذلك في روایته من طريق إسرائيل. بيان المعاني: قوله: «كان أول ما قدم المدينة))، كان قدومه، عليه السلام إلى المدينة يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الاول حين اشتداد الضحاء، وكادت الشمس تعتدل. وعن ابن عباس، رضي الله عنهما: أن رسول الله عَ لثم خرج من مكة يوم الإثنين، ودخل المدينة يوم الإثنين، فالظاهر أن بين خروجه من مكة ودخوله المدينة خمسة عشر يوماً، لانه أقام بغار ثور ثلاثة أيام، ثم سلك طريق الساحل وهو أبعد من طريق الجادة. قوله: ((نزل على أجداده - أو قال: أخواله))، الشك من ابن اسحاق، والمراد بالأجداد هم من جهة الأمومة، وإطلاق الجد والخال هنا مجاز، لأن هاشماً جد أب رسول الله عَ ليه تزوج من الأنصار، وقال موسى بن عقبة وابن إسحاق والواقدي وغيرهم: أول ما نزل رسول عَـ على كلثوم بن الهدم بن امرىء القيس بن الحارث بن زيد بن مالك بن عوف بن الأوس الأنصاري، وكان يجلس للناس في بيت سعد بن خيثمة، فأقام النبي عَ لَه بقباء في بني عمرو بن عوف الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وأسس مسجدهم، وقال ابن سعد: يقال: أقام فيهم أربع عشرة ليلةً، وجاء مبيناً في البخاري في كتاب الصلاة من رواية أنس، رضي الله عنه، قال: فنزل بأعلى المدينة في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف، فقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثم خرج يوم الجمعة، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف في المسجد الذي في بطن الوادي، وكانت أول جمعة صلاها بالمدينة، فقال ابن اسحاق: فأتاه عتبان بن مالك في رجال من قومه فقالوا: يا رسول الله، أقم عندنا في العَدد والعُدد والمنعة، فقال: خلوا سبيلها فإنها مأمورة، لناقته، فخلوا سبيلها حتى إذا وازنت دار بني بياضة، فتلقاه قوم فقالوا له مثل ذلك، فقال لهم: خلوا سبيلها فإنها مأمورة، فخلوا سبيلها حتى مر بيني ساعدة، فقالوا له مثل ذلك فقال لهم مثل ما تقدم، ثم دار بيني الحارث بن الخزرج، فكذلك، ثم دار بني عدي بن النجار وهم أخواله، فإن أم عبد المطلب، سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج، وكان هاشم بن عبد المطلب قدم المدينة فتزوج سلمى وكانت شريفة، لا تنكح الرجال حتى يشترطوا لها أن أمرها بيدها، إذا كرهت رجلاً فارقته، فولدت لهاشم عبد المطلب فقالوا: يا رسول الله، هلم إلى أخوالك إلى العَدد والعُدد والمنعة، فقال: خلوا سبيلها فإنها مأمورة، فخلوا سبيلها فانطلقت حتى إذا أتت دار بني مالك بن النجار بركت على باب المسجد، وهو يومئذٍ مربد، فلما بركت ورسول الله عليه السلام، عليها لم ينزل، وثبت فسارت غير بعيد، ورسول الله - عليه السلام - واضع لها زمامها لا يثنيها به، ثم التفتت خلفها فرجعت إلى منزلها أول مرة، ٠٠٠ i i 1 ٣٨٤ ٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (٣١) فبركت ثم تحلحلت ورزمت ووضعت جرانها، فنزل عنها رسول الله عَ له، واحتمل أبو أيوب خالد بن زيد، رضي الله عنه، رحله فوضعه في بيته، فنزل رسول الله عَ ل فلم يزل عنده حتى بنى مسجده ومساكنه، ثم انتقل إلى مساكنه من بيت أبي أيوب، ويقال: إن النبي عَّه أقام عند أبي أيوب سبعة أشهر، وبعث وهو في بيت أبي أيوب زيداً وأبا رافع، من مواليه، فقدما بفاطمة وأم كلثوم ابنتيه، وسودة زوجته، رضي الله عنهن، قلت: فعلى هذا إنما نزل النبي عَّله. على كلثوم بن الهدم وهو أوسي من بني عمرو بن عوف، وفي الثاني: على أبي أيوب خالد بن زيد، وليسا، ولا واحد منهما، من أخواله ولا أجداده، وإنما أخواله وأجداده في بني عدي بن النجار، وقد مر بهم، ونزل على بني مالك أخي عدي، فيجوز أن يكون ذكر ذلك تجوزاً لعادة العرب في النسبة إلى الأخ، أو لقرب ما بين داريهما. وقال النووي: قوله: ((أجداده أو أخواله)) شك من الراوي، وهم أخواله وأجداده مجازاً، لأن هاشماً تزوج في الأنصار. قوله: ثم تحلحلت يقال: تحلحل الشيء عن مكانه أي: زال، وحلحلت الناقة، إذا قلت بها: حل، وهو بالتسكين، وهو زجر لها، وهو بالحاء المهملة. قوله: ورزمت، بتقديم الراء على الزاي المعجمة، يقال: رزمت الناقة ترزم وترزم رزوما ورزاما بالضم، قامت من الإعياء والهزل، ولم تتحرك، فهي رازم. قوله: جرانها، بكسر الجيم، وجران البعير: مقدم عنقه من مذبحه إلى منخره، والجمع: مجزن، بضمتين. قوله: ((ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً)) كذا وقع الشك في رواية زهير ههنا، وفي الصلاة أيضاً عن أبي نعيم عنه، وكذا في الترمذي عنه، وفي رواية إسرائيل عند الترمذي أيضاً ورواه أبو عوانة في (صحيحه) عن عمار بن رجاء وغيره عن أبي نعيم فقال: ستة عشر، من غير شك. وكذا لمسلم من رواية أبي الاحوص، والنسائي من رواية أبي زكريا بن أبي زائدة وشريك، ولابي عوانة أيضاً من رواية عمار بن رزيق، بتقديم الراء المضمومة، كلهم عن أبي اسحاق، وكذا لأحمد بسند صحيح عن ابن عباس، رضي الله عنهما، وللبزار والطبراني من حديث عمرو بن عوف: سبعة عشر، وكذا للطبراني عن ابن عباس، رضي الله عنهما، وللبزار والطبراني من حديث عمرو بن عوف: سبعة عشر، وكذا للطبراني عن ابن عباس، رضي الله عنهما، ونص النووي على صحة: ستة عشر، لإخراج مسلم إياها بالجزم، فيتعين اعتمادها. وقال الداودي: إنه الصحيح قبل بدر بشهرين، وهو قول ابن عباس والحربي، لان بدراً كانت في رمضان في السنة الثانية، ونص القاضي على صحة: سبعة عشر، وهو قول ابن إسحاق وابن المسيب ومالك بن أنس. فإن قلت: كيف الجمع بين الروايتين؟ قلت: وجه الجمع أن من جزم بستة عشر أخذ من شهر القدوم وشهر التحويل شهراً، والغى الأيام الزائدة فيه، ومن جزم بسبعة عشر عدهما معاً، ومن شك تردد في ذلك، وذلك أن القدوم كان في شهر ربيع الأول بلا خلاف، وكان التحويل في نصف رجب في السنة الثانية على الصحيح، وبه جزم الجمهور. ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس، وجاءت فيه روايات أخرى، ففي (سنن أبي داود): ثمانية عشر شهراً، وكذا في (سنن ابن ماجة) من طريق أبي بكر بن ٣٨٥ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣١) عياش عن أبي اسحاق، وابو بكر سيء الحفظ، وعند ابن جرير من طريقه في رواية: سبعة عشر، وفي رواية: ستة عشر، وخرجه بعضهم على قول محمد بن حبيب: إن التحويل كان في نصف شعبان، وهو الذي ذكره النووى في (الروضة) وأقره مع كونه رجح في شرحه رواية: ستة عشر شهراً، لكونها مجزوماً بها عند مسلم، ولا يستقيم أن يكون ذلك في شعبان، وقد جزم موسى بن عقبة بأن التحويل كان في جمادى الآخرة، وحكى المحب الطبري: ثلاثة عشر شهراً، وفي رواية أخرى: سنتين، وأغرب منهما: تسعة أشهر، وعشرة أشهر، وهما شإذان. وقال أبو حاتم بن حبان: صلى المسلمون إلى بيت المقدس سبعة عشر شهراً وثلاثة أيام سواء، لأن قدومه - عليه السلام - من مكة كان يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، وحولت يوم الثلاثاء نصف شعبان، وفي تفسير ابن الخطيب عن أنس: أنها حولت بعد الهجرة بتسعة أشهر وهو غريب، وعلى هذا القول يكون التحويل في ذي القعدة إن عد شهر الهجرة، وهو ربيع الأول، أو ذي الحجة إن لم يعد، وهو أغرب. وفي ابن ماجة: إنها صرفت إلى الكعبة بعد دخوله المدينة بشهرين، وقال إبراهيم بن اسحاق: حولت في رجب، وقيل: في جمادى، فحصلت في تعيين الشهر أقوال، والله تعالى أعلم. قوله: ((صلاة العصر)) كذا هو ههنا: صلاة العصر، وجاء أيضاً من رواية البراء، أخرجها البخاري في الصلاة، وفيه: فصلى مع النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، رجل، ثم خرج بعد ما صلى، فمر على قوم من الأنصار في صلاة العصر يصلون نحو بيت المقدس، فقال لهم فانحرفوا، فقيد الأولى بالعصر في الحديث الأول، وأطلق الثانية. وقيد في الحديث الثاني الثانية بالعصر، وأطلق الأولى. وجاء في البخاري في كتاب خبر الواحد تقييده الصلاتين بالعصر، فقال من رواية البراء أيضا: فوجه نحو الكعبة، وصلى معه رجل العصر، ثم خرج فمر على قوم من الأنصار فقال لهم: هو يشهد أنه صلى مع النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، العصر، وأنه قد وجه إلى الكعبة. قال: فانحرفوا وهم ركوع في صلاة العصر، وكذا جاء في الترمذى أيضاً: إن الصلاتين كانتا العصر، ولم يذكر مسلم ولا النسائي في حديث البراء هذا تعيين صلاة العصر ولا غيرهما، وجاء في البخاري والنسائي ومسلم أيضاً، في كتاب الصلاة، من حديث مالك عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: بينا الناس بقباء في صلاة الصبح، إذا جاءهم آت ... وفيه: فكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة. ٠ ٠٠ i i i وكذلك أيضاً جاء في مسلم من رواية ثابت عن انس كرواية ابن عمر أنها الصبح، فمر رجل من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر: وطريق الجمع بين رواية العصر والصبح أن التي صلاها مع النبي عَ ل العصر، مر على قوم من الأنصار في تلك الصلاة وهي العصر، فهذا من رواية البراء، وأما رواية ابن عمر وأنس، رضي الله عنهما، أنها الصبح فهي صلاة أهل قباء ثاني يوم، وعلى هذا يقع الجمع بين الأحاديث، فالذي مر بهم ليسوا أهل قباء، بل أهل مسجد بالمدينة، ومر عليهم في صلاة العصر، وأما أهل قباء فأتاهم في صلاة الصبح، كما ** عمدة القارئ / ١٢ -٢٥٢ ٣٨٦ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣١) جاء مصرحاً به في الروايات. وقال الشيخ قطب الدين: ومال بعض المتأخرين ممن أدركناهم إلى ترجيح رواية الصبح. قال: لأنها جاءت في رواية ابن عمر وأنس، وأهملت في بعض الروايات حديث البراء، وعينت بالعصر في بعض الطرق. قال: فتقدمت رواية الصبح لأنها من رواية صحابيين. قلت: الأول هو الصواب، وقد قال النووي: لأنه أمكن حمل الحديثين على الصحة فهو أولى من توهين رواية العدول المخرجة في الصحيح، وممن بينه - كما روي - أبو داود مرسلاً عن بكير بن الأشج أنه كان بالمدينة تسعة مساجد مع مسجد رسول الله عُ يسمع أهلها آذان بلال، رضي الله عنه، على عهد رسول الله عَّ﴾، فيصلون في مساجدهم، وأقربها مسجد بني عمرو بن مندول من بني النجار، ومسجد بني ساعدة، ومسجد بني عبيد، ومسجد بني سلمة، ومسجد بني زريق، ومسجد عفان، ومسجد سلم، ومسجد جهينة. وشك في تعيين التاسع. قوله: ((فخرج رجل)) وهو: عباد بن نهيك، بفتح النون وكسر الهاء، ابن أساف الخطمي، صلى إلى القبلتين مع النبي، عليه الصلاة والسلام، ركعتين إلى بيت المقدس وركعتين إلى الكعبة يوم صرفت، قاله ابن عبد البر: وقال ابن بشكوال: هو عباد بن بشر الأشهلي، ذكره الفاكهي في (أخبار مكة) عن خويلد بنت أسلم، وكانت من المبايعات، وفيه قول ثالث: إنه عباد بن وهب، رضي الله عنه. قوله: ((فمر على أهل مسجد)) هؤلاء ليسوا أهل قباء، بل أهل مسجد بالمدينة، وهو مسجد بني سلمة، ويعرف بمسجد القبلتين، ومر عليهم المار في صلاة العصر. وأما أهل قباء فأتاهم الآتي في صلاة الصبح كما قررناه آنفا، وقال الكرماني: لفظ الكتاب يحتمل أن يكون المراد من: مسجد، هو مسجد قباء، ومن لفظ: هم راكعون، أن يكونوا في صلاة الصبح، اللهم إلاّ أن يقال: الفاء، التعقيبية لا تساعده. قلت: بالاحتمال لا يثبت الحكم، والتحقيق فيه ما ذكرناه الآن. قوله: ((وهم راكعون))، يحتمل أن يراد به حقيقة الركوع، وأن يراد به الصلاة من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل. بيان استنباط الأحكام: وهو على وجوه. الأول: فيه دليل على صحة نسخ الأحكام، وهو مجمع عليه إلاّ طائفة لا يعبأ بهم. قلت: النسخ جائز في جميع أحكام الشرع عقلاً، وواقع عند المسلمين أجمع شرعاً، خلافاً لليهود - لعنهم الله - فعند بعضهم باطل نقلاً، وهو ما جاء في التوراة: تمسكوا بالسبت ما دامت السموات والأرض، فادعوا نقله تواتراً، ويدعون النقل عن موسى - عليه السلام - أنه قال: لا نسخ لشريعته. وعند بعضهم: باطل عقلاً، والدليل على جوازه ووقوعه المعقول والمنقول. أما النقل: فلا شك أن نكاح الأخوات كان مشروعاً في شريعة آدم - عليه السلام - وبه حصل التناسل، وهذا لا ينكره أحد، وقد ورد في التوراة أنه أمر آدم - عليه السلام - بتزويج بناته من بنيه، ثم نسخ، وكذا: استرقاق الحر كان مباحاً في عهد يوسف - عليه السلام - حتى نقل عنه أنه استرق جميع أهل مصر، عام القحط، بأن اشترى انفسهم بالطعام، ثم نسخ، وكذلك العمل في السبت: كان مباحاً قبل شريعة موسى - عليه السلام - ثم نسخ بعدها بشريعته، ودعواهم النص في التوراة، على ما مججو رم: ٣٨٧ ٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (٣١) زعموا، باطلة لأنه ثبت قطعاً عندنا بأخبار الله تعالى أنهم حرفوا التوراة، فلم يبق نقلهم حجة، ولهذا قلنا: لم يجز الإيمان بالتوراة التي في أيديهم، حتى بالغ بعض الشافعية وجوزوا الاستنجاء بذلك، بل إنما يجب الإيمان بالتوراة التي أنزلت على موسى، مع أن شرط التواتر لم يوجد في نقل التوراة إذ لم يبق من اليهود عدد التواتر في زمن بختنصر، لأن أهل التواريخ اتفقوا على أنه: لما استولى بخت نصر على بني إسرائيل قتل رجالهم، وسبى ذراريهم، وأحرق أسفار التوراة حتى لم يبق فيهم من يحفظ التوراة. وزعموا أن الله إلههم عزيراً - عليه السلام - حتى قرأه من صدره، ولم يكن أحد قرأه حفظاً لا قبله ولا بعده، ولهذا قالوا بانه ابن الله وعبدوه، ثم دفع عزير عند موته إلى تلميذ له ليقرأه على بني إسرائيل، فأخذوا عن ذلك الواحد، وبه لا يثبت التواتر. وزعم بعضهم أنه زاد فيها شيئاً وحذف شيئاً، فكيف يوثق بما هذا سبيله؟ فثبت أن ما ادعوا من تأييد شريعة موسى - عليه السلام - افتراء عليه، ويقال: إن ما نقلوا عن موسى - عليه السلام - من قوله: تمسكوا بالسبت ... الخ مختلق مفترى، ويقال: إن هذا مما اختلقه ابن الراوندي عليه مما يستحق. الثاني: فيه الدليل على نسخ السنة بالقرآن، وهو جائز عند الجمهور من الأشاعرة والمعتزلة، وللشافعي فيه قولان: قال في إحدى قوليه: لا يجوز، كما لا يجوز عنده نسخ القرآن بالسنة، قولاً واحداً. وقال عياض: أجازه الأكثر عقلاً وسمعاً، ومنعه بعضهم عقلاً، وأجازه بعضهم عقلاً، ومنعه سمعاً. قال الإمام فخر الدين الرازي: قطع الشافعي وأكثر أصحابنا وأهل الظاهر وأحمد في إحدى روايتيه بامتناع نسخ الكتاب بالسنة المتواترة، وأجازه الجمهور ومالك وأبو حنيفة، رضي الله عنهم، واستدل المجوزون على المسألة الأولى بأن التوجه نحو بيت المقدس لم يكن ثابتاً بالكتاب، وقد نسخ بقوله تعالى: ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ [البقرة: ١٤٤ و ١٥٠] وأجيب: من جهة الشافعي: بإنما هي نسخ قرآن بقرآن، وأن الأمر كان أولاً بتخيير المصلي أن يولي وجهه حيث شاء بقوله تعالى: ﴿أينما تولوا فثم وجه الله﴾ [البقرة: ١١٥]، ثم نسخ باستقبال القبلة، وأجاب بعضهم بأن قوله تعالى: ﴿أقيموا الصلاة﴾ [البقرة: ٤٣، ٨٣، ١١٠] مجمل، فسر بأمور: منها. التوجه إلى بيت المقدس فيكون كالمأمور به لفظا في الكتاب، فيكون التوجه إلى بيت المقدس بالقرآن بهذه الطريقة، وباحتمال أن المنسوخ كان قرآناً نسخ لفظه. وقال بعضهم: النسخ كان بالسنة، ونزل القرآن على وفقها، ورد الأول، والثاني: بأنا لو جوزنا ذلك لأفضى إلى أن لا يعلم ناسخ من منسوخ بعينه أصلاً، فإنهما يطردان في كل ناسخ ومنسوخ، والثالث: مجرد دعوى فلا تقبل، قالوا: قال الله تعالى: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل: ٤٤] وصفه بكونه مُبَيِّناً، فلو جاز نسخ السنة بالقرآن لم يكن النبي مبيناً، واللازم باطل، فالملزوم مثله. أما الملازمة فلأنه إذا أثبت حكماً ثم نسخه الله تعالى بقوله لم يتحقق التبيين منه، لأن المنسوخ مرفوع لا مبين، لأن النسخ رفع لا بيان، وأما بطلان اللازم فلقوله: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل: ٤٤] حيث وصفه بكونه مبيناً. قلنا: لا نسلم الملازمة، لأن المراد بالتبيين البيان، ولا نسلم أن ٠٠٠٠ i i i ! ٦٧٠ ٣٨٨ ٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (٣١) النسخ ليس ببيان، فإنه بيان لانتهاء أمر الحكم الأول، ولئن سلمنا أن النسخ ليس ببيان، وأن المراد منه بيان العام والمجمل والمنسوخ وغيرهما، لكن نسلم أن الآية تدل على امتناع كون القرآن ناسخا للسنة. وقالوا: لو جاز ذلك لزم تنفير الناس عن النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، وعن طاعته، لأنه يوهم أن الله تعالى لم يرض بما سنه الرسول - عليه السلام - واللازم باطل لأنه مناقض للبعثة، فالملزوم كذلك. قلنا: الملازمة ممنوعة لأنه إذا علم أنه مبلغ، فلا تنفير ولا تنفر، لأن الكل من عند الله تعالى. الثالث: فيه جواز النسخ بخبر الواحد. قال القاضي: وإليه مال القاضي أبو بكر وغيره من المحققين، ووجهه أن العمل بخبر الواحد مقطوع به، كما أن العمل بالقرآن والسنة المتواترة مقطوع به، وأن الدليل الموجب لثبوته أولاً غير الدليل الموجب لنفيه وثبوت غيره. قلت: اختاره الإمام الغزالي والباجي من المالكية، وهو قول أهل الظاهر. الرابع: قال المازري وغيره: اختلفوا في النسخ إذا ورد متى يتحقق حكمه على المكلف، ويحتج بهذا الحديث لأحد القولین، وهو أنه لا يثبت حکمه حتى يبلغ المكلف، لأنه ذكر أنهم تحولوا إلى القبلة وهم في الصلاة، ولم يعيدوا ما مضى، فهذا يدل على أن الحكم إنما يثبت بعد البلاغ. وقال غيره: فائدة الخلاف في هذه المسألة في أن ما فعل من العبادات بعد النسخ، وقبل البلاغ هل يعاد أم لا؟ ولا خلاف أنه لا يلزم حكمه قبل تبليغ جبريل، عليه السلام. وقال الطحاوي: وفيه دليل على أن من لم يعلم بفرض الله، ولم تبلغه الدعوة، ولا أمكنه استعلام ذلك من غيره، فالفرض غير لازم والحجة غير قائمة عليه. وقال القاضي: قد اختلف العلماء فيمن أسلم في دار الحرب أو أطراف بلاد الإسلام حيث لا يجد من يستعلم الشرائع، ولا علم أن الله تعالى فرض شيئاً من الشرائع، ثم علم بعد ذلك، هل يلزمه قضاء ما مر عليه من صيام وصلاة لم يعملها؟ فذهب مالك والشافعي في آخرين إلى إلزامه، وأنه قادر على الاستعلام والبحث والخروج إلى ذلك، وذهب أبو حنيفة أن ذلك يلزمه إن أمكنه أن يستعلم فلم يستعلم وفرط، وإن كان لا يحضره من يستعلمه فلا شيء عليه. قال: و کیف یکون ذلك فرض على من لم يفرضه؟ الخامس: قال الإمام المازري: بنوا على مسألة النسخ مسألة الوكيل إذا تصرف بعد العزل ولم يعلم، فعلى القول بأن حكم النسخ لازم حين الورود لا تمضي أفعاله، وعلى الثاني: هي ماضية. قال القاضي: ولم يختلف المذهب عندنا فيمن أعتق ولم يعلم بعتقه أن حكمه حكم الأحرار فيما بينه وبين الناس، وأما فيما بينه وبين الله تعالى فجائز، ولم يختلفوا في المعتقة أنها لا تعيد ما صلت بغير ستر، وإنما اختلفوا فيمن هو فيها بناء على هذه المسألة، وفعل الأنصاري في الصلاة كالأمة تعلم بالعتق في أثناء صلاتها. قلت: ومذهب الشافعي فيمن أعتقت ولم تعلم حتى فرغت من الصلاة، وكانت قادرة على الستر، هل تجب الإعادة عليها؟ فيه قولان للشافعي كمن صلى بالنجاسة ناسياً عنده، وإن أعتقت في أثنائها وعلمت بالعتق، فإن عجزت مضت في صلاتها، وإن كانت قادرة على الستر وسترت قريباً صح، وإن ١٠ ٣٨٩ ٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٣١) مضت مدة في التكشف قطعت واستأنفت على الأصح من المذهب. السادس: فيه دليل على قبول خبر الواحد مع غيره من الأحاديث، وعادة الصحابة رضي الله عنهم، قبول ذلك، وهو مجمع عليه من السلف معلوم بالتواتر من عادة النبي عَّه في توجيهه ولاته ورسله آحاداً إلى الآفاق ليعلموا الناس دينهم، ويبلغوهم سنة رسولهم. i السابع: فيه دليل على جواز الاجتهاد في القبلة ومراعاة السمت ليلهم إلى جهة الكعبة لأول وهلة في الصلاة قبل قطعهم على موضع عينها. الثامن: فيه جواز الصلاة الواحدة إلى جهتين، وهو الصحيح عند أصحاب الشافعي، فمن صلى إلى جهة باجتهاد، ثم تغير اجتهاده في أثنائها فيستدير إلى الجهة الأخرى حتى لو تغير اجتهاده أربع مرات في صلاة واحدة، فتصح صلاتهم على الأصح في مذهب الشافعي. التاسع: فيه جواز الاجتهاد بحضرة النبي - عليه السلام - وفيه خلاف، لأنه كان يمكنهم أن يقطعوا الصلاة وأن يبنوا، فرجحوا البناء وهو محل الاجتهاد. العاشر: فيه وجوب الصلاة إلى القبلة والإجماع على أنها الكعبة، شرفها الله تعالى. الحادي عشر: يحتج به على أن من صلى بالاجتهاد إلى غير القبلة، ثم تبين له الخطأ لا يلزم الإعادة، لأنه فعل ما عليه في ظنه مع مخالفة الحكم ونفس الأمر، كما أن أهل قباء فعلوا ما وجب عليهم عند ظنهم بقباء الأمر، فلم يؤمروا بالإعادة. الثاني عشر: فيه استحباب إكرام القادم أقاربه بالنزول عليهم دون غيرهم. الثالث عشر: أن محبة الإنسان الانتقال من طاعة إلى أكمل منها ليس قادحاً في الرضى، بل هو محبوب. الرابع عشر: فيه تمني تغيير نفس الأحكام إذا ظهرت المصلحة. الخامس عشر: فيه الدلالة على شرف النبي: عليه الصلاة والسلام، وكرامته على ربه، حیث یعطي له ما يحبه من غير سؤال. السادس عشر: فيه بيان ما كان من الصحابة في الحرص على دينهم، والشفقة على إخوانهم. قال زُهَيْرٌ: حدّثنا أَبُو إِسْحَاق عنِ البَرَاءِ في حديثهِ هذا أنه ماتَ علَى القِيْلَةِ قَبْلَ أن تُحَوَّلَ رِجَالٌ وَقُتِلُوا فَلمْ نَذْرِ ما نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَّلَ اللَّهُ تعالى: ﴿وما كان اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]. قال الكرماني: يحتمل أن البخاري ذكره على سبيل التعليق منه، ويحتمل أن يكون داخلاً تحت حديثه السابق، سيما لو جوزنا العطف بتقدير حرف العطف، كما هو مذهب بعض النحاة. وقال بعضهم: ووهم من قال: إنه معلق، وقد ساقه المصنف في التفسير مع جملة الحديث عن أبي نعيم عن زهير سياقاً واحداً. قلت: أما الكرماني فإنه جوز أن يكون i i ،۴۴! ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣١) ٣٩٠ هذا مسنداً بتقدير حرف العطف، وحرف العطف لا يجوز حذفه في الاختيار وهو المذهب الصحيح، وأما القائل المذكور فإنه جزم بأنه مسند ههنا، لأن قوله: ووهم من قال: إنه معلق، يدل على هذا، بل هذا وهم لأن صورته صورة التعليق بلا شك، وليس ما بينه وبين ما قبله ما يشركه إياه، ولا يلزم من سوقه في التفسير جملة واحدة سياقاً واحداً أن يكون هذا موصولاً غير معلق، وهذا ظاهر لا يخفى. وما رواه زهير بن معاوية هذا في حديث البراء، رضي الله تعالى عنه، أخرجه أبو داود والترمذي من حديث ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: لما وجه النبي عَ ل إلى الكعبة قالوا: يا رسول الله! كيف إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ [البقرة: ١٤٣]، وكذا أخرجه ابن حبان في (صحيحه) والحاكم في (مستدر كه). قوله: ((إنه))أي: إن الشأن. قوله: (مات)) فعل وفاعله قوله: ((رجال). وقوله: ((على القبلة قبل أن تحول)) معترض بينهما، وأراد بالقبلة بيت المقدس، وهي القبلة المنسوخة، و: أن، مصدرية، والتقدير: قبل التحويل إلى الكعبة، والذين ماتوا على القبلة المنسوخة قبل تحويلها إلى الكعبة عشرة أنفس: ثمانية منهم من قريش: وهم عبد الله بن شهاب الزهري، والمطلب بن أزهر الزهري، والسكران بن عمرو العامري، ماتوا بمكة. وحطاب، بالمهملة، ابن الحارث الجمحي، وعمرو بن أمية الأسدي، وعبد الله بن الحارث السهمى، وعروة بن عبد العزى العدوي، وعدي بن نضلة العدوي، واثنان من الأنصار، وهما: البراء بن معرور، بالمهملات، وأسعد بن زرارة ماتا بالمدينة، فهؤلاء العشرة متفق عليهم. ومات أيضاً قبل التحويل: إياس بن معاذ الأشهلي، لكنه مختلف في إسلامه. قوله: ((وقتلوا)) على صيغة المجهول، عطف على قوله: (مات رجال)). فإن قلت: كيف يتصور إطلاق القتل على الميت، لأن الذي يموت حتف أنفه لا يسمى مقتولا؟ قلت: قال الكرماني: يحتمل أن يكون المقتولون نفس المائتين، وفائدة ذكر القتل بيان كيفية موتهم إشعاراً بشرفهم، واستبعاداً لضياع طاعتهم، وأن العقل قرينة لكون الواو بمعنى: أو قلت: كلامه يشعر بقتل رجال قبل تحويل القبلة، وهذا ليس بشيء، لأنه لم يعرف قط في الأخبار أن الواحد من المسلمين قتل قبل تحويل القبلة، على أن هذه اللفظة، اعني قوله: ((وقتلوا)) لا توجد غير رواية زهير بن معاوية، وفي باقي الروايات كلها ذكر الموت فقط، فيحتمل أن تكون هذه غير محفوظة. وقال بعضهم: فإن كانت هذه محفوظة، فتحمل على أن بعض المسلمين ممن لم يشتهر قتل في تلك المدة في غير الجهاد، ولم يضبط اسمه لقلة الاعتناء بالتاريخ إذ ذاك، ثم وجدت في المغازي ذكر رجل اختلف في إسلامه وهو: سويد بن الصامت، فقد ذكر ابن إسحاق أنه لقي النبيَّ عٍَّ قبل أن يلقاه الأنصار في العقبة، فعرض عليه الإسلام، فقال: إن هذا القول حسن، وأتى المدينة فقتل بها في وقعة بعاث، وكانت قبل الهجرة، قال: فكان قومه يقولون: لقد قتل وهو مسلم، فيحتمل أن يكون هو المراد. قلت: فيه نظر من وجوه. الأول: أن هذا حكم بالاحتمال فلا يصح. الثاني: قوله: لقلة الاعتناء بالتاريخ إذ ذاك ١٠٠ ١٠ ٣٩١ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣٢) ليس كذلك، فكيف اعتنوا بضبط أسماء العشرة الميتين ولم يعتنوا بضبط الذين قتلوا، بل الاعتناء بالمقتولين أولى، لأن لهم مزية على غيرهم. والثالث: أن الذي وجده في المغازي لا يصلح دليلاً لتصحيح اللفظة المذكورة من وجهين: أحدهما: أن هذا الرجل لم يتفق على إسلامه، والآخر: أن هذا واحد، وقوله: ((وقتلوا))، صيغة جمع تدل على أن المقتولين جماعة، وأقلها ثلاثة أنفس. والرابع: من وجوه النظر أن وقعة بعاث كانت بين الاوس والخزرج في الجاهلية، ولم يكن في ذلك الوقت إسلام، فكيف يستدل بقتل الرجل المذكور في وقعة بعاث على أن قتله كان فى وقت كون القبلة هو بيت المقدس؟ وهذا ليس بصحيح؟ وقال الصغاني: بعاث، بالضم، على ليلتين من المدينة، ويوم بعاث يوم كان بين الأوس والخزرج في الجاهلية، ووقع في (كتاب العين) بالغين المعجمة والصواب بالعين المهملة لا غير، ذكره في فصل الثاء المثلثة من كتاب الباء الموحدة. قوله: ((فلم يدر)) أي: فلم يعلم رسول الله مَّةٍ أن طاعتهم ضائعة أم لا فأنزل الله الآية. ٣٢ - بابُ حُسْنِ إِسْلاَمِ المَزْء أي: هذا باب في بيان حسن إسلام المرء، والباب هنا مضاف قطعاً. وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول أن الصلاة من الإيمان، وهذا الباب فيه حسن إسلام المرء، ولا يحسن إسلام المرء إلاَّ بإقامة الصلاة. وقال بعضهم في فوائد حديث الباب السابق: وفيه بيان ما كان في الصحابة من الحرص على دينهم والشفقة على إخوانهم، وقد وقع لهم نظير هذه المسألة لما نزل تحريم الخمر، كما صح من حديث البراء أيضاً، فنزلت: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾ إلى قوله: ﴿والله يحب المحسنين﴾ [المائدة: ٩٣] وقوله تعالى: ﴿إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً﴾ [الكهف: ٣٠] ولملاحظة هذا المعنى عقَّب المصنف هذا الباب بقوله: باب حسن إسلام المرء، فانظر إلى هذا، هل ترى له تناسباً لوجه المناسبة بين البابين؟ وقال بعض الشارحين: ومناسبة التبويب زيادة الحسن على الإسلام واختلاف أحواله بالنسبة إلى الأعمال، قلت: هذا أيضاً قريب من الأول. -جود i ٤١/١ - قال مَالِكٌ أُخْبَرَنِى زَيْدُ بنُ أَسْلَمَ أنّ أبا سَعِيدِ الخُذْرِئَّ أخبَرَهُ أنه سَمِعَ رسولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم يَقُولُ: ((إذا أَسْلَمَ العَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلاَمُهُ يُكَفِّرُ اللَّهُ عنهُ كلَّ سَيْئَةٍ كان زَلَفها وكان بَعْدَ ذلكَ القِصاصُ: الحَسَنَةُ بِعَشْرٍ أَمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، والسَّيِئَةُ بمثلِها إلاَّ أن يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا)). مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة لا تخفى. بيان رجاله: وهم أربعة. الأول: مالك بن أنس، رحمه الله. الثاني: زيد بن أسلم، أبو أسامة القرشي المكي، مولى عمر بن الخطاب، رضي الله عنه. الثالث: عطاء بن يسار، بفتح الياء آخر الحروف والسين المهملة، أبو محمد المدني، مولى ميمونة أم المؤمنين. الرابع: أبو i جـة i ٣٩٢ . . ٢ - كتاب الإيمانِ / باب (٣٢) سعيد سعد بن مالك الخدري، وقد مر ذ کرهم. بيان لطائف إسناده منها: أن رواته أئمة أجلاء مشهورون. ومنها: أنه مسلسل بلفظ الإخبار على سبيل الانفراد وهو القراءة على الشيخ إذا كان القارىء وحده، وهذا عند من فرق بين الإخبار والتحديث، وبين أن يكون معه غيره أو لا يكون. ومنها: أن فيه التصريح بسماع الصحابي من النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو يدفع احتمال سماعه من صحابي آخر، فافهم. بيان حكم الحديث: ذكره البخاري معلقاً، ولم يوصله في موضع في الكتاب، والبخاري لم يدرك زمن مالك، فيكون تعليقاً ولكنه بلفظ جازم، فهو صحيح ولا قدح فيه، وقال ابن حزم: إنه قادح في الصحة لأنه منقطع، وليس كما قال، لأنه موصول من جهات أخر صحيحة، ولم يذكره لشهرته، وكيف وقد عرف من شرطه وعادته أنه لا يجزم إلاَّ بتثبت وثبوت؟ وليس كل منقطع يقدح فيه، فهذا، وإن كان يطلق عليه أنه منقطع بحسب الاصطلاح، إلاّ أنه في حكم المتصل في كونه صحيحاً، وقد وصله أبو ذر الهروي في بعض النسخ فقال: أخبرنا النضروي، وهو العباس بن الفضل، ثنا الحسين بن إدريس، ثنا هشام بن خالد، ثنا الوليد بن مسلم، عن مالك به. وكذا وصله النسائي عن أحمد بن المعلى بن يزيد، عن صفوان بن صالح، عن الوليد بن مسلم، عن مالك بن زيد بن أسلم به. وقد وصله الإسماعيلي بزيادة فيه، فقال: أخبرني الحسن بن سفيان، ثنا حميد بن قتيبة الأسدي، قال: قرأت على عبد الله بن نافع الصانع أن مالكاً أخبره قال: وأخبرني عبد الله بن محمد بن مسلم أن أبا يونس بن عبد الأعلى حدثني يحيى بن عبد الله بن بکیر، ثنا عبد الله بن وهب أبا مالك بن أنس، واللفظ لابن نافع، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله عَّ ل قال: ((إذا أسلم العبد كتب الله له كل حسنة قدمها، ومحى عنه كل سيئة زلفها، ثم قيل له: أيتنف العمل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة، والسيئة بمثلها، إلاّ أن يغفر الله)). وكذا أوصله الحسن بن سفيان من طريق عبد الله بن نافع، والبزار من طريق إسحاق الفروي، والبيهقي في (الشعب) من طريق إسماعيل بن أبي أويس، كلهم عن مالك. وقال الدارقطني في كتاب (غرائب مالك): اتفق هؤلاء التسعة: ابن وهب، والوليد بن مسلم، وطلحة بن يحيى، وزيد بن شعيب، وإسحاق الفروي، وسعيد الزبيري، وعبد الله بن نافع، وإبراهيم بن المختار، وعبد العزيز بن يحيى فرووه عن مالك عن زيد عن عطاء عن أبي سعيد، وخالفهم معن بن عيسى فرواه عن مالك عن زيد عن عطاء عن أبي هريرة، وهي رواية شاذة ورواه سفيان بن عيينة عن زيد بن أسلم عن عطاء مرسلاً، وقد حفظ مالك الوصل فيه، وهو أتقن لحديث أهل المدينة من غيره، وقال الخطيب: هو حديث ثابت، وذكر البزار أن مالكاً تفرد بوصله، وقال ابن بطال: حديث أبي سعيد أسقط البخاري بعضه، وهو حديث مشهور من رواية مالك في غير (الموطأ)، ونصه: ((إذا أسلم الكافر فحسن إسلامه كتب الله له /١١٣ ٣٩٣ ٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٣٢) لكل حسنة كان زلفها، ومحى عنه كل سيئة كان زلفها)). وذكر باقيه بمعناه. بيان اللغات: قوله: ((فحسن إسلامه)) معنى: حسن الإسلام الدخول فيه بالظاهر والباطن جميعاً، يقال في عرف الشرع: حسن إسلام فلان، إذا دخل فيه حقيقة، وقال ابن بطال: معناه ما جاء في حديث جبريل، عليه السلام: ((الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه)، فأراد مبالغة الإخلاص لله، سبحانه وتعالى، بالطاعة والمراقبة له. قوله: ((يكفر الله)) من التكفير وهو التغطية في المعاصي، كالإحباط في الطاعات، وقال الزمخشري: التكفير إماطة العقاب من المستحق بثواب أزيد أو بتوبة. قوله: ((كان زلفها)) أي: قربها. وقال ابن سيده: زلف الشيء وزلفه قدمه. وعن ابن الأعرابي: أزلف الشيء قربه، وفي (الجامع): الزلفة تكون القربة من الخير والشر، وفي (الصحاح): الزلف التقديم، عن أبي عبيد، وتزلفوا وازدلفوا أي: تقدموا. وقال الكرماني: زلفها، بتشديد اللام والفاء، أي: أسلفها وقدمها. يقال: زلفته تزليفاً وأزلفته إزلافاً، بمعنى التقديم. وأصل الزلفة: القربة، وفي بعض نسخ المغاربة: زلفها، بتخفيف اللام. قلت: أزلفها بزيادة الألف رواية أبي ذر، ورواية غيره: زلفها بدون الألف وبالتخفيف. وقال النووي بالتشديد، ورواه الدارقطني من طريق طلحة بن يحيى عن مالك بلفظ: ((ما من عبد يسلم فيحسن إسلامه إلاّ كتب الله كل حسنة زلفها ومحى عنه كل خطيئة زلفها)). بالتخفيف فيهما، وللنسائي نحوه، لكن قال: أزلفها، وزلف بالتشديد وأزلف بمعنى واحد، قال الخطابي. وفي (المحكم): أزلف الشيء: قربه، وزلفه، مخففاً ومثقلا: قدمه، وفي (المشارق): زلف بالتخفيف أي: جمع وكسب، وهذا يشمل الأمرين، وأما القربة فلا تكون إلاَّ في الخير. فإن قيل: على هذا رواية غير أبي ذر راجحة. قلت: الذي قاله الخطابي يساعد رواية أبي ذر. فافهم. قوله: ((كتب الله)) أي: أمر أن يكتب، وروى الدارقطني من طريق زين بن شعيب عن مالك بلفظ: ((يقول الله لملائكته اكتبوا)). قوله: ((القصاص))، قال الصغاني: هو القود. قلت: المراد به ههنا مقابلة الشيء بالشيء أي: كل شيء يعمله يعطى في مقابله شيء، إن خيراً فخيراً، وإن شراً فشراً. قوله: ((ضعف)) قال الجوهري: ضعف الشيء مثله، وضعفاه مثلاه، وقال الكرماني: فإن قلت: فلم أوجب الفقيه فيما لو أوصى بضعف نصيب ابنه مثلي نصيبه، وبضعفي نصيبه ثلاثة أمثاله؟ قلت: المعتبر في الوصايا والأقارير العرف العام لا الموضوع اللغوي، أقول: الذي قاله الجوهرى منقول عن أبي عبيدة، ولكن قال الأزهري: الضعف في كلام العرب المثل إلى ما زاد، وليس بمقصور على المثلين، بل جائز في كلام العرب أن تقول: هذا ضعفه أي: مثلاه وثلاثة أمثاله، لأن الضعف في الأصل زيادة غير محصورة. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فاؤلئك لهم جزاء الضعف بما عملوا﴾ [سبأ: ٥٩] لم يرد مثلاً ولا مثلين، ولكن أراد بالضعف الأضعاف، فأقل الضعف محصور، وهو: المثل، وأكثره غير محصور. فإذا كان كذلك يجوز أن يكون إيجاب الفقيه في المسألة المذكورة غير موضوع على العرف العام، بل لوحظ فيه اللغة. ٠٠٠٠١ i i i ٣٩٤ ٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (٣٢) بيان الإعراب: قوله: ((يقول))، في محل النصب على أنه مفعول ثان لقوله: ((سمع): على قول من يدعي أنه يتعدى إلى مفعولين، والصحيح أنه لا يتعدى، فحينئذ يكون نصباً على الحال، فإن قيل: لِمَ لَمْ يقل: قال: مناسباً لسمع، مع أن القضية ماضية؟ قلت: أُجيب لغرض الاستحضار كأنه يقول الآن، وكأنه يريد أن يطلع الحاضرين على ذلك القول مبالغة في تحقق وقوع القول، وذلك كقوله تعالى: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون﴾ [آل عمران: ٥٩] من حيث لم يقل: فكان. قوله: «فحسن»: عطف على: ((أُسلم). قوله: ((يكفر الله))، جزاء الشرط، أعني قوله: إذا، ويجوز فيه الرفع والجزم، كما في قول الشاعر: وإن أتاه خليل يوم مسغبة يقول: لا غائب مالي ولا حرم وذلك إذا كان فعل الشرط ماضياً والجواب مضارعاً، وعند الجزم يلتقي الساكنان فتحرك الراء بالكسر لأن الأصل في الساكن إذا حرك حرك بالكسر، ولكن الرواية ههنا بالرفع، ووقع في رواية البزار: كفر الله، بصيغة الماضي، فوافق فعل الشرط. وقال بعضهم: يكفر الله، بضم الراء، لأن إذا، وإن كانت من أدوات الشرط لكنها لا تجزم. قلت: هذا كلام من لم يشم من العربية شيئاً. وقد قال الشاعر: استغن ما أغناك ربك بالغنى وإذا تصبك خصاصة فتحمل قد جزم إذا قوله: ((تصبك))، وقد قال الفراء: تستعمل إذا للشرط، ثم أنشد الشعر المذكور، ثم قال: ولهذا جزمه. قوله: ((كل سيئة)) كلام إضافي منصوب لأنه مفعول: ((يكفر الله)). قوله: ((كان زلفها))، جملة فعلية في محل الجر لأنها صفة ((سيئة)). قوله: ((وكان بعد ذلك)) أي: بعد حسن الإسلام، القصاص، وهو مرفوع لأنه إسم كان، وهو يحتمل أن تكون ناقصة وأن تكون تامة، وإنما ذكره بلفظ الماضي، وإن كان السياق يقتضي لفظ المضارع، لتحقق وقوعه كأنه واقع، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿ونادى أصحاب الجنة﴾ [الأعراف: ٤٤] مرفوع بالابتداء ((وبعشر أمثالها)) في محل الرفع على الخبرية. قوله ((إلى سبعمائة)) يتعلق بمحذوف ومحلها النصب على الحال، أي: منتهية إلى سبعمائة. قوله: ((والسيئة)) مبتدأ، ((وبمثلها)) خبره، أي: لا يزاد عليها. قوله ((إلا أن يتجاوز الله عنها)) أي: عن السيئة، يعني: يعفو عنها. بيان المعاني: فيه استعمال المضارع موضع الماضي، والماضي موضع المضارع النكات ذكرناها، وفيه: الجملة الاستئنافية وهي قوله: ((الحسنة بعشر أمثالها)) وهي في الحقيقة جواب عن السؤال، ولا محل لها من الإعراب، وقد علم أن الجملة من حيث هي هي، غير معربة ولا تستحق الإعراب إلاّ إذا وقعت موقع المفرد، فحينئذ تكتسي إعرابه محلاً، وقد نظم ابن أم قاسم النحوي الجمل التي لها محل من الإعراب والتي لا محل لها منه بثمانية أبيات، وهي قوله: ٠٠٠. ١٠٠ ١٠ ٣٩٥ ٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (٣٢) جمل أتت ولها محل معرب خبرية، حالية، محكية ومعلق عنها، وتابعة لما وجواب شرط جازمٍ بالفاءِ أو وأتتك سبع ما لها من موضع: وجواب أقسام، وما قد فسرت وبعيد تحضيض، وبعد معلق وكذاك تابعة لشيء ماله سبع لأن حلت محل المفرد وكذا المضاف لها بغير تردد هو معرب، أو ذو محل فاعدد بإذا وبعض، قال: غير مقيد صلة، ومعترض، وجملة مبتدى في أشهر والخلف غير مبعد لا جازمٍ، وجواب ذلك أورد من موضع، فاحفظه غير مفند وقد نظمها الشيخ أثير الدين أبو حيان بستة أبيات، وهي قوله: وخذ جملا ستاً، وعشراً فنصفها فوصفية، حالية، خبرية كذلك في التعليق والشرط والجزا وفي غير هذا لا محل لها كما مفسر أيضاً، وحشواً كذا أتت وفي الشرط لم يعمل كذاك جوابه لها موضع الإعراب جاء مبينا مضاف إليها، واحكِ بالقول معلنا إذا عامل يأتي بلا عمل هنا أتت صلة مبدوة فاتك العنا كذلك في التحضیض نلت به الغنا جواب يمين مثله سرك المنى قوله: ((الحسنة بعشر أمثالها)) من قوله تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقوله: ((إلى سبعمائة ضعف)) من قوله تعالى: ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء﴾ [البقرة: ٢٦١]، فإن قيل: بين في الحديث الانتهاء إلى سبعمائة، وقوله تعالى: ﴿والله يضاعف لمن يشاء﴾ [البقرة: ٢٦١] يدل على أنه قد يكون الانتهاء إلى أكثر، والجواب: أن الله يضاعف تلك المضاعفة، وهي أن يجعلها سبعمائة، وهو ظاهر. وإن قلنا: إن معناه أنه يضاعف السبعمائة بأن يزيد عليها أيضا، فذلك في مشيئته تعالى، وأما المتحقق فهو إلى السبعمائة فقط، وفيه نظر، لأنه صرح في حديث ابن عباس، رضي الله عنهما، أخرجه البخاري في الرقاق، ولفظه: ((كتب الله له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة)). وفي (كتاب العلم)، لأبي بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل: ثنا شيبان الأيلي، ثنا سويد بن حاتم، ثنا أبو العوام الجزار، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي هريرة أنه قال: ((إن الله تعالى يعطي بالحسنة ألفي ألف حسنة)). وأيضا: ففي جملة حديث مالك، مما أسقطه البخاري ((إن الكافر إذا حسن إسلامه يكتب له في الإسلام كل حسنة عملها في الشرك))، فالله تعالى من فضله إذا كتب الحسنات المتقدمة قبل الإسلام فبالأولى أن يتفضل على عبده المسلم بما شاء من غير حساب، ونظير هذا الذي أسقطه البخاري ما جاء فى i F / ١٣٤ ٠ *** ٣٩٦ ٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (٣٢) حديث حكيم بن حزام: ((أسلمت على ما أسلفت من خير))، أخرجه البخاري في الزكاة، وفي العتق، ومسلم فى الإيمان. فإن قلت: لِمَ أسقط البخاري هذه الزيادة؟ قلت: قيل: إنه أسقطه عمداً، وقيل: لأنه مشكل على القواعد، فقال المازري، ثم القاضي وغيرهما: إن الجاري على القواعد والأصول، أنه لا يصح من الكافر التقرب، فلا يثاب على طاعته في شركه، لأن من شرط التقرب أن یکون عارفاً بمن تقرب إليه، والكافر ليس كذلك، وأولوا حديث حكيم بن حزام من وجوه. الأول: أن معنى قوله ټللے: ((أسلمت على ما أسلفت من خیر): إنك اكتسبت طباعاً جميلة تنتفع بتلك الطباع في الإسلام بأن يكون لك معونة على فعل الطاعات. والثاني: اكتسبت ثناء جميلاً بقي لك في الإسلام. والثالث: لا يبعد أن يزاد في حسناته التي يفعلها في الإسلام، ويكثر أجره لما تقدم له من الأفعال الحميدة. وقد جاء أن الكافر إذا كان يفعل خيراً فإنه يخفف عنه به، فلا يبعد أن يزاد في أجوره. والرابع: زاده القاضي، وهو أنه ببركة ما سبق لك من الخير هداك الله للإسلام، أي: سبق لك عند الله من الخير ما حملك على فعله في جاهليتك، وعلى خاتمة الإسلام. وتعقبهم النووي في (شرحه) فقال: هذا الذي ذكروه ضعيف، بل الصواب الذي عليه المحققون، وقد ادعى فيه الإجماع على أن الكافر إذا فعل أفعالاً جميلة على جهة التقرب إلى الله تعالى: كصدقة وصلة رحم وإعتاق ونحوها من الخصال الجميلة، ثم أسلم، یکتب له كل ذلك ويثاب عليه إذا مات على الإسلام، ودليله حديث أبي سعيد الخدري الذي يأتي الآن، وحديث حكيم بن حزام ظاهر فيه، وهذا أمر لا يحيله العقل، وقد ورد الشرع به، فوجب قبوله. وأما دعوى كونه مخالفاً للأصول فغير مقبولة، وأما قول الفقهاء: لا تصح عبادة من كافر ولو أسلم، لم يعتد بها، فمرادهم: لا يعتد بها في أحكام الدنيا، وليس فيه تعرض لثواب الآخرة، فإن أقدم قائل على التصريح بأنه إذا أسلم لا يثاب عليها في الآخرة، فهو مجازف، فيرد قوله بهذه السنة الصحيحة. وقد يعتد ببعض أفعال الكافر في الدنيا، فقال: قال الفقهاء: إذا لزمه كفارة ظهار وغيرها فكفر في حال كفره أجزأه ذلك، وإذا أسلم لا يلزم إعادتها، واختلفوا فيما لو أجنب واغتسل في كفره، ثم أسلم، هل يلزمه إعادة الغسل؟ والأصح اللزوم، وبالغ بعض أصحابنا فقال: يصح من كل كافر طهارة، غسلاً كانت أو وضوء أو تيمعاً، وإذا أسلم صلى بها، وقد ذهب إلى ما ذهب إليه النووي إبراهيم الحربي وابن بطال والقرطبي وابن منير، وقال ابن منير: المخالف للقواعد دعوى أنه يكتب له ذلك في حال كفه وأما أن الله يضيف إلى حسناته في الإسلام ثواب ما كان صدر منه مما كان يظنه خيراً، فلا مانع منه كما لو تفضل عليه ابتداء من غير عمل، وكما يتفضل على العاجز بثواب ما كان يعمل وهو قادر، فإذا جاز أن يكتب له ثواب ما لم يعمل البتة، جاز أن يكتب له ثواب ما عمله غير موفي الشروط. وقال ابن بطال: لله تعالى أن يتفضل على عباده بما شاء، ولا اعتراض عليه. فوائد: منها: أن فيه الحجة على الخوارج وغيرهم من الذين يكفرون بالذنوب /١٠٢٠ ٣٩٧ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣٢) ويوجبون خلود المذنبين في النار. ومنها: أن قوله: ((إلاَّ أن يتجاوز الله عنها)» دليل لمذهب أهل السنة أنه تحت المشيئة، إن شاء الله تجاوز عنه، وإن شاء أخذه. ومنها: أن فيه دليلاً لهم في أن أصحاب المعاصي لا يقطع عليهم بالنار، خلافاً للمعتزلة، فإنهم قطعوا بعقاب صاحب الكبيرة إذا مات بلا توبة. ومنها: ما قال بعضهم: أول الحديث يرد على من أنكر الزيادة والنقص في الإيمان، لأن الحسن تتفاوت درجاته، قلت: هذا كلام ساقط، لأن الحسن من أوصاف الإيمان، ولا يلزم من قابلية الوصف الزيادة والنقصان قابلية الذات إياهما، لأن الذات من حيث هو لا يقبل ذلك كما عرف في موضعه. i ٤٢/٢ - حدثنا إشْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ قال: حدثنا عبدُ الرَّزَّاقِ قال: أُخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمّامٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((إذا أحسَنَ أحَدُكُمْ إِسْلاَمَهُ فَكُلٌّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرٍ أُمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةٍ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ وِفْلِهَا)). مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة. بيان رجاله: وهم خمسة: الأول: إسحاق بن منصور بن بهرام، وقال النووي، بكسر الباء، والمشهور فتحها، أبو يعقوب الكوسج من أهل مرو سكن بنيسابور ورحل إلى العراق والشام والحجاز، روى عنه الجماعة إلاَّ أبا داود، وهو أحد الأئمة من أصحاب الحديث، وهو الذي دوّن عن أحمد المسائل. قال النسائي: ثقة ثبت، مات بنيسابور سنة إحدى وخمسين ومائتين. الثاني: عبد الرزاق بن همام بن نافع اليماني الصنعاني، سمع عبد الله المعمري ومعمراً والثوري ومالكاً وغيرهم، قال معمر: عبد الرزاق خليق أن يضرب إليه أكباد الإبل. وقال أحمد بن حنبل: ما رأيت أحسن من عبد الرزاق. وقال الحافظ أبو احمد بن عدي، قال ابن معين: ليس بالقوي، ونسبه العباس بن عبد العظيم إلى الكذب. قال: والواقدي أصدق منه. وقال أبو أحمد: لعبد الرزاق حديث كثير، وقد رحل إليه الناس وكتبوا عنه، ولم يروا بحديثه بأساً، إلاَّ أنهم نسبوه إلى التشيع، وقد روى أحاديث في فضائل أهل البيت ومثالب غيرهم مما لم يوافقه عليها أحد من الثقات، فهذا أعظم ما ذموه به من روايته المناكير، وقال النسائي في كتاب (الضعفاء): عبد الرزاق بن همام فيه نظر لمن كتب عنه بأخرة، وزاد بعضهم عن النسائي: كتبت عنه أحاديث مناكير. وقال البخاري في (التاريخ الكبير): ما حدث به عبد الرزاق من كتابه فهو أصح، مات سنة إحدى عشرة ومائتين، روى له الجماعة. الثالث: معمر، بفتح الميمين، ابن راشد، أبو عروة البصري، وقد مر ذكره، في أول الكتاب. الرابع: همام، بتشديد الميم، ابن منبه بن كامل بن سيج، بفتح السين المهملة وقيل بكسرها وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره جيم، أبو عقبة اليماني الصنعاني الذماري الأبناوي، أخو وهب، وهو أكبر منه، تابعي، سمع أبا هريرة وابن عباس ومعاوية، قال يحيى بن معين: ثقة، توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة بصنعاء، روى له الجماعة، وهو من الأفراد وإن كان يشترك معه في الاسم دون الأب جماعة من الصحابة والتابعين، ولا يلتفت إلى تضعيف الفلاس له، فإنه من جو. تم. i. i .MK ٣٩٨ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣٢) فرسان (الصحيحين). الخامس: أبو هريرة، رضي الله عنه. ذكر الأنساب: الصنعاني: نسبة إلى صنعاء مدينة باليمن، بزيادة النون في آخره، والقياس أن يقال: صنعاوي، ومن العرب من يقوله، فأبدلوا من الهمزة النون، لأن الألف والنون يشابهان ألفي التأنيث، وصنعاء أيضا قرية بالشام، وهذه النسبة شاذة. اليماني: نسبة إلى اليمن، بزيادة الألف، قال الجوهري: اليمن بلاد العرب، والنسبة إليها يمني ويمان، مخففة والألف عوض من ياء النسبة، فلا يجتمعان. قال سيبويه: وبعضهم يقول: يماني، بالتشديد. فافهم. الذرماي، بكسر الذال المعجمة وتخفيف الميم، نسبة إلى ذمار، مثل قطام، قرية باليمن على مرحلة من صنعاء، سميت بقيل من أقيال حمير. الأبناوي، بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة وفتح النون، نسبة إلى: الأبناء، وهم قوم باليمن من ولد الفرس الذين جهزهم كسرى مع سيف بن ذي يزن إلى ملك الحبشة، فغلبوا الحبشة وأقاموا باليمن، وقال أبو حاتم بن حبان: كل من ولد باليمن من أولاد الفرس، وليس من العرب يقال: أبناوي، وهم: الأبناويون. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة، قوله: ((حدثنا إسحاق بن منصور))، وفي النسخ: حدثني، بالإفراد، وقوله: ((حدثنا معمر))، وفي بعض النسخ: أخبرنا معمر. ومنها: أن هذا الإسناد إسناد حديث من نسخة همام المشهورة المروية بإسناد واحد عن عبد الرزاق عن معمر عنه، وقد اختلفوا في إفراد حديث من نسخة هل يساق بإسنادها ولو لم يكن مبتدأ به أو لا، فالجمهور على جوازه، ومنهم البخاري، وقيل: بالمنع، ومسلم أيضا أخرجه بهذا السند، غير أنه عن شيخه محمد بن رافع عن عبد الرزاق ... الخ، ولكنه أخرجه معلولاً، وهو أيضاً أخرجه في كتاب الإيمان، وغالب ما يتعلق بالحديث من الكلام في الوجوه المذكورة قد مر في الحديث السابق. ١١٣/١ قوله: ((أحدكم)، الخطاب فيه بحسب اللفظ، وإن كان للحاضرين من الصحابة، لكن الحكم عام لما علم أن حكمه، عليه الصلاة والسلام، على الواحد حكم على الجماعة إلاّ بدليل منفصل، وكذا حكمه تناول النساء، وكذا فيما إذا قال: إذا أسلم المرء أو العبد، فإن المراد منه الرجال والنساء جميعاً بالاتفاق، وأما النزاع في كيفية التناول أهي حقيقة عرفية أو شرعية أو مجاز أو غير ذلك؟ قوله: (إذا أحسن أحدكم إسلامه)) كذا في رواية مسلم أيضاً، ووقع في مسند إسحاق بن راهويه عن عبد الرزاق: إذا أحسن إسلام أحدكم، ورواه الإسماعيلي من طريق ابن المبارك عن عبد الرزاق عن معمر كالاول، فإن قيل: في الحديث السابق: الحسنة والسيئة، وههنا: كل حسنة وكل سيئة، فما الفرق بينهما؟ قلت: لا فرق بينهما في المعنى، لأن الألف واللام فيهما هناك للاستغراق، وكل: أيضاً، للاستغراق، وكذا لا فرق في إطلاق الحسنة ثمة، والتقييد هنا بقوله: ((يعملها)) إذ المطلق محمول على المقيد، لأن الحسنة المنوية لا تكتب بالعشر، إذ لا بد من العمل حتى تكتب بها، وأما السيئة فلا اعتداد بها دون العمل أصلا، وكذا في زيادة لفظ تكتب هنا، إذ ثمة أيضاً مقدر به، لأن الجار لا بد له من متعلق، وهو: تكتب، أو تثبت، أو نحوهما. قوله: ((بمثلها))، وزاد مسلم ١٠٠ ٣٩٩ ٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٣٣) وإسحاق والأسماعيلي في روايتهم: حتى يلقى الله تعالى، فإن قلت: أين جواب إذا؟ قلت: الجملة بالفاء، أعني قوله: ((فكل حسنة يعملها تكتب له)) فقوله: كل حسنة، كلام إضافي، مبتدأ وخبره قوله: (تكتب له))، وقوله: ((يعملها)) جملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل الجر لأنها صفة: لحسنة. قوله: ((إلى سبعمائة)) في محل النصب على الحال، أي: منتهية إلى سبعمائة. قوله: ((بمثلها)) الباء فيه للمقابلة، والله اعلم. ٣٣ - بابٌ أُحَبُّ الدِّينِ إِلَّى اللَّهِ أَدْوَمُهُ الكلام فيه من وجوه. الأول: قوله: باب، خبر مبتدأ محذوف غير منون إن اعتبرت إضافته إلى الجملة. وقوله: ((أحب الدين)) كلام إضافي مبتدأ، وخبره قوله: ((أدومه)). الثاني: وجه المناسبة بين البابين أن المذكور في الباب الأول حسن إسلام المرء، وهو: الامتثال بالأوامر والانتهاء عن النواهي، والشفقة على خلق الله تعالى، والمطلوب في هذا: المداومة والمواظبة، وكلما واظب العبد عليه وداوم زاد من الله محبة، لأن الله تعالى يحب مداومة العبد على العمل الصالح، وقال الكرماني: أحب الدين، أي: أحب العلم، إذ الدين هو الطاعة، ومناسبته لكتاب الإيمان من جهة أن الدين والإيمان والإسلام واحد. قلت: العجب منه كيف رضي بهذا الكلام، فالمناسبة لا تطلب إلاّ بين البابين المتواليين، ولا تطلب بين بابين أو بين كتاب وباب بينهما أبواب عديدة، وكذلك دعواه باتحاد الدين والإيمان والإسلام، والفرق بينهما ظاهر، وقد حققناه فيما مضى، وقال بعضهم: مراد المصنف الاستدلال على أن الإيمان يطلق على الأعمال، لأن المراد بالدين هنا: العمل، والدين الحقيقي هو الإسلام، والإسلام الحقيقي مرادف للإيمان، فيصح بهذا مقصوده .. ومناسبته لما قبله من قوله: عليكم بما تطيقون، لأنه لما قدم: إن الإسلام يحسن بالأعمال الصالحة، أراد أن ينبه على أن جهاد النفس في ذلك إلى حد المغالبة غير مطلوب. قلت: فيه نظر من وجوه: الأول: إن قوله: مراد المصنف الاستدلال على أن الإيمان يطلق على الأعمال، غير صحيح، لأن الحديث ليس فيه ما يدل على هذا، والاستدلال بالترجمة ليس باستدلال يقوم به المدعي. فإن قلت: في الحديث ما يدل عليه، وهو قوله: أحب الدين إليه، فإن المراد ههنا من الدين العمل، وقد أطلق عليه الدين. قلت: هذا إنما يمشي إذا أطلق الدين: مشترك بين معاني كثيرة مختلفة. الدين: بمعنى العبادة، وبمعنى الجزاء، وبمعنى الطاعة، وبمعنى الحساب، وبمعنى السلطان، وبمعنى الملة، وبمعنى الورع، وبمعنى القهر، وبمعنى الحال، وبمعنى ما يتدين به الرجل، وبمعنى العبودية، وبمعنى الإسلام. وفي (المحكم): الدين: الإسلام. الثاني: أنه قال: الإسلام الحقيقي مرادف للإيمان، يعني كلاهما واحد، وقال: إن الإيمان يطلق على الأعمال، يشير به إلى أن الأعمال من الإيمان، ثم قال: إن الإسلام يحسن بالأعمال الصالحة، فكلامه يشير إلى أن الأعمال ليست من الإيمان، لأن الحسن من الأوصاف الزائدة على الذات، وهي غير الذات. فينتج من كلامه أن الإسلام يحسن بالإسلام، وهذا فاسد. الثالث: قوله: فيصح بهذا مقصوده، ومناسبته لما قبله غير مستقيم، لأنه لا يظهر جود ٤٠٠ ٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (٣٣) وجه المناسبة لما قلبه مما قاله أصلا، وكيف يوجد وجه المناسبة من قوله: عليكم بما تطيقون، والترجمة ليست عليه، وإنما وجه المناسبة لما قبله ما ذكرت لك آنفاً. فافهم. الوجه الثالث: قوله: ((أحب الدين))، أحب ههنا أفعل لتفضيل المفعول، ومحبة الله تعالى للدين إرادة إيصال الثواب عليه. قوله: ((أدومه)) هو أفعل من الدوام، وهو شمول جميع الأزمنة أي: التأبيد. فإن قيل: شمول الأزمنة لا يقبل التفضيل، فما معنى الأدوم؟ أجيب: بأن المراد بالدوام هو الدوام العرفي، وذلك قابل للكثرة والقلة. فافهم. ٤٣/١ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى حدّثنا يَحْيِى عَنْ هِشَامٍ قال: أُخْبَرَنِي أَبِي عَنْ ◌ُ دَخَلَ عَلَيْهَا وعندْهَا امرأةٌ قالَ: ((مَنْ هذِهِ) قَالَتْ: فُلاَنَةُ، تذْكرُ مِنْ عَائِشَةً أن النَّبِيَّ صَلاَّيْها، قالَ: ((مَهْ عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَواللَّهِ لاَ ◌َمِلَّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا)) وكانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ. [الحديث ٤٣ - طرفه في: ١١٥١]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة وهي قوله: ((وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه)) غير أنه غيّر لفظ: ما داوم عليه، ولكنه في المعنى مثله، ولهذا قال في الترجمة: إلى الله، بدل: إليه، وهي رواية المستملي وحده. وكذا في رواية عبدة عن هشام، وعند إسحاق بن راهويه في (مسنده)، وكذا للبخاري ومسلم من طريق أبي سلمة عن عائشة، رضي الله عنها، وهذه الروايات توافق الترجمة. بيان رجاله: وهم خمسة. الأول: أبو موسى محمد بن المثنى البصري المعروف بالزّمن، وقد مر في باب: حلاوة الإيمان. الثاني: يحيى بن سعيد القطان الأحول، وقد مر في: باب من الإيمان أن يحب لأخيه. الثالث: هشام بن عروة. الرابع: أبوه عروة بن الزبير بن العوام، وقد مر ذكرهما في الحديث الثاني من (الصحيح). الخامس: أم المؤمنين عائشة، رضي الله تعالى عنها، وقد مر ذكرها أيضاً غير مرة. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في كتاب الصلاة، وقال فيه: ((كانت عندي امرأة من بني أسد))، وسماها مسلم، لكن قال فيه: إن الحولاء بنت تويت بن حبيب بن أسد بن عبد العزى مرت بها وعندها رسول الله عَ لأمه فقالت: هذه الحولاء بنت تويت، وزعموا أنها لا تنام الليل. فقال، عليه الصلاة والسلام: ((خذوا من العمل ما تطيقون، فوالله لا يسأم الله حتى تسأموا)) وذكر مالك في (الموطأ)، وفيه: ((فقيل له هذه الحولاء لا تنام الليل، فكره ذلك رسول الله عَ ليه حتى عرفت الكراهية في وجهه))، وذكره مسلم من رواية الزهري عن عروة، ثم ذكر حديث هشام عن أبيه عروة كما أورده البخاري هنا، وفي الصلاة، وفيه: ((أنه عليه السلام دخل عليها وعندها امرأة)). وأخرجه النسائي في الإيمان والصلاة عن شعیب بن یوسف النسائي عن یحیی بن سعيد به. فإن قلت: قوله: ((وعندها امرأة)) هي الحولاء أو غيرها. قلت: يحتمل أن تكون هذه واقعة أخرى: إحداهما أنها مرت بها، والأخرى كانت عندها، ويحتمل أن تكون غيرها، لكن