النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ ٠٠٠ ٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (٢٧) وربما يظنه من لا إلمام له بالحديث أنه نسبة. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الجهاد عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجه مسلم في الجهاد عن زهير عن جرير، وعن أبي بكر وأبي كريب عن ابن فضيل عن عمارة به. وفي لفظ مسلم: ((يضمن الله))، وفي بعضها: ((تكفل الله))، وفي رواية للبخاري: ((توكل الله)) وأخرجه النسائي أيضاً نحو رواية البخاري: وفي أخرى له قال: ((انتدب الله لمن يخرج في سبيله لا يخرجه إلاَّ الإيمان بي والجهاد في سبيلي أنه ضامن حتى أدخله الجنة بأيهما كان: إما بقتل أو وفادة، أو أرده إلى مسكنه الذي يخرج منه، نال ما نال من أجر أو غنيمة». بيان اللغات: قوله: ((انتدب الله ... )) بكسر الهمزة وسكون النون وفتح التاء المثناة من فوق والدال المهملة وفي آخره باء موحدة، من قولهم: ندبه لأمر فانتدب له، أي: دعاه له فأجاب، فكأن الله تعالى جعل جهاد العباد في سبيل الله سؤالاً، ودعاء له إياه. وقال صاحب (المطالع) في فصل النون مع الدال قوله: ((انتدب الله لمن جاهد في سبيله)) أي: سارع بثوابه وحسن جزائه، وقيل: أجاب، وقيل: تكفل، وقال ابن بطال: أوجب وتفضل أي: حقق وأحكم، أي: ينجز ذلك لمن أخلص. قلت: كأنه يريد ما وعده، بقوله تعالى: ﴿إِن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم﴾ [التوبة: ١١١] الآية، وذكره أيضاً في (المطالع) في فصل الهمزة مع الدال من مادة أدب، فقال قوله: ((انتدب الله لمن خرج في سبيله)). كذا للقابسي بهمزة، ومعناه: أجاب من دعاه، من المأدبة، يقال: أدب القوم يأدبهم ويأدبهم أدباً إذا دعاهم. وفي رواية أبي ذر: انتدب، بالنون، وأهمله الأصيلي ولم يقيده، ومعناه قريب من الأول، كأنه أجاب رغبته. يقال: ندبته فانتدب أي دعوته فأجاب، ومنه في حديث الخندق: فانتدب الزبير، رضي الله عنه، وذكره الصغاني أيضاً في باب النون مع الدال وقال: وأما قول النبي عَّله: ((انتدب الله)) الحديث، فمعناه: أجابه إلى غفرانه. وقال القاضي عياض: رواه القابسي: انتدب، بهمزة صورتها ياء من: المأدبة، يقال: أدب القوم مخففاً، إذا دعاهم، ومنه: ((القرآن مأدبة الله في الأرض)). قلت: قال الصغاني: الأدب الدعاء إلى الطعام، يقال أدبهم يأدبهم بكسر الدال، واسم الطعام عن أبي زيد: المأدبة والمأدبة، يعني بفتح الدال وضمها، ثم قال: وأما المأدبة، بالفتح، في حديث ابن مسعود، رضي الله عنه: ((إن هذا القرآن مأدبة الله فتعلموا من مأدبته)) فليست من الطعام في شيء، وإنما هي مفعلة من الأدب بالتحريك، انتهى. وقال بعضهم: ووقع في رواية الأصيلي هنا: ايتدب، بياء تحتانية مهموزة بدل النون من المأدبة وهو تصحيف، وقد وجههوه بتكلف، لكن إطلاق الرواة على خلافه. قلت: لم يقل أحد من الشراح ولامن رواة الكتاب إن هذا تصحيف، ولا أطبقت الرواة على خلافه، وقد رأيت ما قالت المشايخ فيه والدعوى بلا برهان لا تقبل. قوله: ((أن أرجعه)) بفتح الهمزة من رجع، وقد جاء متعدياً ولازماً، فمصدر الأول الرجع، ومصدر الثاني الرجوع، وههنا متعد نحو قوله تعالى ﴿فإن رجعك الله إلى طائفة﴾ [التوبة: ٨٣] وفي (العباب): رجع بنفسه يرجع i i ١ ١ i ٣٦٢ ٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (٢٧) رجوعاً ومرجعاً ورجعى، قال الله تعالى: ﴿ثم إلى ربكم مرجعكم﴾ [الأنعام: ١٦٤، الزمر: ٧] وهو شاذ لأن المصادر من: فعل يفعل، إنما تكون بالفتح. وقال الله تعالى: ﴿إن إلى ربك الرجعى﴾ [العلق: ٨] ورجعته عن الشيء وإلى الشيء رجعاً: رددته. قال الله تعالى: ﴿إِنه على رجعه لقادر﴾ [الطارق: ٨] أي: على إعادته حياً بعد موته وبلاه، لأنه المبدىء المعيد. وقال تعالى: ﴿يرجع بعضهم إلى بعض القول﴾ [سبأ: ٣١] أي: يتلاومون. قوله: ((بما نال)). أي: بما أصاب من النيل، وهو العطاء. قوله: ((خلف سرية)) خلف ههنا بمعنى بعد، والسرية: هي قطعة من الجيش، يقال: خير السرايا أربع مائة رجل. بيان الإعراب: قوله: ((انتدب)) فعل ماض، ولفظة: ((الله))، فاعله، وقوله (لمن خرج) يتعلق بانتدب، ومن، موصولة. وخرج، جملة صلتها، وفي سبيله، يتعلق به، والضمير في سبيله، يرجع إلى الله. قوله: ((لا يخرجه)) جملة من الفعل والمفعول وهو الضمير، وموضعها نصب على الحال، وقد علم أن المضارع إذا وقع حالاً وكان منفياً يجوز فيه الواو وتركها، نحو: جاءني زيد لا يركب، أو: ولا يركب. وقال الكرماني: لا بد من التأويل وهو تقدير اسم فاعل من القول منصوب على الحال، كأنه قال: انتدب الله لمن خرج في سبيله قائلاً لا يخرجه إلا إيمان بي. قلت: هذا ليس بسديد لأنه على تقديره يلزم أن يكون ذو الحال هو الله تعالى، ويكون قوله لا يخرجه، مقول القول، وليس كذلك بل ذو الحال هو الضمير الذي في خرج وأيضاً فيه حذف الحال وهو لا يجوز. قوله: ((إيمان)) مرفوع لأنه فاعل لا يخرجه، والاستثناء مفرغ، ووقع في رواية مسلم والإسماعيلي: إلاّ إيماناً، بالنصب. وقال النووي: منصوب على أنه مفعول له، وتقديره: لا يخرجه مخرج إلا الإيمان والتصديق. قوله: (وتصديق برسلي)، وقال الكرماني: أو تصديق، وفي بعض النسخ: ((وتصديق)) بالواو الواصلة وهو ظاهر. قلت: لم أقف على من ذكر هذا رواية، ثم قال: فإن قلت: إذا كان: بأو، الفاصلة، فما معناه إذ لا بد من الأمرين: الإيمان بالله والتصديق برسل الله؟ قلت: أو، ههنا لامتناع الخلو منهما مع إمكان الجمع بينهما، أي: لا يخلو عن أحدهما، وقد يجتمعان، بل يلزم الاجتماع لأن الإيمان بالله مستلزم لتصديق رسله، إذ من جملة الإيمان بالله الإيمان بأحكامه وأفعاله، وكذا التصديق بالرسل يستلزم الإيمان بالله، وهو ظاهر. قلت: هذا الذي ذکرہ لیس مما يدل عليه: أو، لأن الاجتماع ههنا لازم و: أو، لا يدل على لزوم الاجتماع. قوله: ((أن أرجعه)) يتعلق بقوله: (انتدب))، وأن مصدرية، وأصلها: بأن أرجعه، أي: يرجعه، والباء في: بما نال، يتعلق به، وما، موصولة، و: نال، صلتها والعائد محذوف أي: بما ناله. قوله: (من)) للبيان، قوله: ((أو غنيمة)) أو: ههنا لامتناع الخلو منهما مع إمكان الجمع بينهما، أعني: أن اللفظ لا ينفي اجتماعهما، بل يثبت أحدهما مع جواز ثبوت الآخر، فقد يجتمعان. وقال القاضي عياض: معناه أن أرجعه بما نال من أجر مجرد وإن لم يكن غنيمة، أو أجر وغنيمة إذا كانت، فاكتفى بذكر الأجر أولاً عن تكراره، أو أن: أو، ههنا بمعنى الواو، كما جاء في مسلم من رواية يحيى بن يحيى، وفي (سنن أبي داود): من أجر وغنيمة، بغير ألف، وقد قيل في ٣٦٣ ٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٢٧) قوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين﴾ [النساء: ١١] معناه: ودين، وقيل: من وصية ودين، أو دين دون وصية. قوله: ((أو أدخله)) بالنصب عطفاً على قوله: ((أن أرجعه)). قوله: ((لولا)) هي الامتناعية لا التحضيضية، وأن، مصدرية في محل الرفع على الابتداء، والتقدير: لولا المشقة، ويجوز أن يكون مرفوعاً بفعل محذوف، أي: لولا ثبت أن أشق، وقوله: أشق منصوب به. قوله: (ما قعدت)) جواب لولا، وأصله: لما قعدت، فحذفت اللام منه. وقوله: ((خلف)) نصب على الظرفية، وسبب المشقة صعوبة تخلفهم بعده، ولا يقدرون على المسير معه لضيق حالهم، ولا قدرة له على حملهم، كما جاء مبيناً في حديث آخر، حيث قال: ((فإنه يشق عليهم التخلف بعده، ولا تطيب أنفسهم بذلك)). قوله: ((ولوددت)) اللام للتأكيد، وهو عطف على قوله: ما قعدت، ويجوز أن تكون اللام فيه جواب قسم محذوف أي: والله لوددت أي: أحببت. قوله: ((أن اقتل)) في محل النصب على المفعولية، وأن، مصدرية، أي: القتل، والهمزة في المواضع الخمسة مضمومة. قوله: ((ثم أحيى)) أي: ثم أن أحيى، وكذلك التقدير في البواقي. بيان المعاني: قوله: ((إلاَّ إيمان بي وتصديق برسلي)): يريد خلوص نيته لذلك، وفيه التفات، وهو العدول من الغيبة، إلى ضمير المتكلم، والسياق كان يقتضي أن يقول: إلا إيمان به. قوله: ((أن أرجعه)) فيه حذف أي: إلى مسكنه. قوله: ((بما نال)) فيه استعمال الماضي. موضع المضارع لتحقق وعد الله تعالى. قوله: ((ثم أحيى) كلمة ثم، وإن كانت تدل على التراخي في الزمان، ولكنها ههنا حملت على التراخي في الرتبة، لأن المتمنى حصول مرتبة بعد مرتبة إلى أن ينتهي إلى الفردوس الأعلى. استنباط الأحكام: فيه: فضل الجهاد والشهادة في سبيل الله. وفيه: تمني الشهادة وتعظيم أجرها. وفيه: تمني الخير والنية فوق ما لا يطيق الإنسان وما لا يمكنه إذا قدر له، وهو أحد التأويلين في قوله عَّالر: ((نية المؤمن أبلغ من عمله)). وفيه: بيان شدة شفقة رسول الله على أمته ورأفته بهم. وفيه: استحباب طلب القتل في سبيل الله. وفيه: جواز قول الإنسان: وددت حصول كذا من الخير الذي يعلم أنه لا يحصل. وفيه: إذا تعارض مصلحتان بدىء بأهمهما، وأنه يترك بعض المصالح لمصلحة أرجح منها، أو لخوف مفسدة تزيد عليها. وفيه: إن الجهاد فرض كفاية لا فرض عين. وفيه: السعي في زوال المكروه والمشقة عن المسلمين. وفيه: إن من خرج في قتال البغاة وفي إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك يدخل في قوله: ((في سبيل الله)) وإن كان ظاهره في قتال الكفار. الأسئلة والأجوبة: منها ما قيل: جميع المؤمنين يدخلهم الله تعالى الجنة، فما وجه اختصاصهم بذلك؟وأجیب: بأنه یحتمل أن يدخله بعد موته، كما قال الله تعالى: ﴿أحياء عند ربهم يرزقون﴾ [آل عمران: ١٦٩] ويحتمل أن يكون المراد: الدخول عند دخول السابقين والمقربين بلا حساب ولا عذاب، ولا مؤاخذة بذنوب، وتكون الشهادة مكفرة لها كما روي من قوله، عليه الصلاة والسلام: ((القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين)). رواه i i i ٣٦٤ ٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٢٧) مسلم. ومنها ما قيل: إن المجاهد له حالتان: الشهادة والسلامة، فالجنة للحالة الأولى، والأجر والغنيمة للثانية. ولفظة: أو، في قوله: أو غنيمة، تدل على أن للسالم، إما الأجر، وإما الغنيمة لا كلاهما؟ وأجيب: بأن معنى: أو، لامتناع الخلو عنهما مع إمكان الجمع بينهما. ومنها ما قيل: ههنا حالة ثالثة للسالم وهو: الأجر بدون الغنيمة. وأجيب: بأن هذه الحالة داخلة تحت الحالة الثانية إذ هي أعم من الأجر فقط، أو منه مع الغنيمة. ومنها ما قيل: الأجر ثابت للشهيد الداخل في الجنة، فكيف يكون السالم والشهيد مقترنين في أن لأحدهما الأجر وللآخر الجنة، مع أن الجنة أيضاً أجر؟ وأجيب: بأن هذا أجر خاص، والجنة أجر أعلى منه، فهما متغايران. أو أن القسمين هما الرجع والإدخال، لا الأجر والجنة. ومعنى الحديث: إن الله تعالى ضمن أن الخارج للجهاد ينال خيراً بكل حال، فإما أن يستشهد فيدخل الجنة، وإما أن يرجع بأجر فقط، وإما بأجر وغنيمة. ومنها ما قيل: بماذا هذا الضمان؟ وأجيب: بما سبق في علمه، وما ذكره في كتابه بقوله: ﴿إن الله اشترى﴾ [التوبة: ١١١] الآية: ومنها ما قيل: لا مشقة على الأمة في ودادة الرسول عَّله، لأن غاية ما في الباب وجود المتابعة في الودادة، وليس فيها مشقة. وأجيب: بأنا لا نسلم عدم المشقة، ولئن سلمنا فربما ينجر. إلى تشييع مودوده، فيصير سبباً للمشقة. ومنها ما قيل: إن الفرار إنما هو على حالة الحياة. فلم جعل النهاية هي القتل؟ وأجيب: بأن المراد هو الشهادة، فختم الحال عليها، أو أن الإحياء للجزاء وهو معلوم شرعاً، فلا حاجة إلى ودادته، لأنه ضروري الوقوع. فافهم. ومنها ما قيل: إن القواعد تقتضي أن لا يتمنى المعصية أصلاً، لا لنفسه ولا لغيره، فكيف تمناه؟ لأن حاصله أنه تمنى أن يمكن فيه كافر فيعصي فيه؟ وأجيب: بأن المعصية ليست مقصودة بالتمني، إنما المتمنى الحالة الرفيعة وهي الشهادة، وتلك تحصل تبعا. ومنها ما قيل: إن قوله عَ له: ((بما نال من أجر أو غنيمة)) يعارضه قوله عليه السلام في الصحيح: ((ما من غازية أو سرية تغزو فتغنم وتسلم إلاَّ كانوا قد تعجلوا ثلثي أجرهم، وما من غازية أو سرية تخفق فتصاب إلا تم أجورهم)). والإخفاق أن تغزو ولا تغتنم شيئاً ولا يصح أن ينقص الغنيمة من أجرهم، كما لم تنقص أهل بدر، وكانوا أفضل المجاهدين. وأجيب: بأجوبة. الأول: الطعن في هذا الحدیث، فإن في إسناده: حميد بن هانيء، وليس بالمشهور، وفيه نظر، لأنه أخرج له مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة، وقال يحيى بن سعيد: حدث عنه الأئمة، وأحاديثه كثيرة مستقيمة. الثاني: إن الذي يخفق يزداد بالأجر، والأسف على ما فاتها من المغنم، ويضاعف لها كما يضاعف لمن أصيب بأهله وماله. الثالث: أن يحمل الأول على من أخلص في نيته لقوله: ((لا يخرجه إلاَّ جهاد في سبيلي)) ويحمل الحديث الثاني على من خرج بنية الجهاد والمغنم، فهذا شرك بما يجوز فيه التشريك، وانقسمت نيته بين الوجهين فنقص أجره، والأول أخلص فكمل أجره. ونفى النووي ٣٦٥ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٢٨) التعارض لأن الغزاة إذا سلموا وغنموا تكون أجورهم أقل من أجر من لم يسلم، أو سلم ولم يغنم، وأن الغنيمة في مقابلة جزء من أجر غزوهم، فإذا حصلت فقد تعجلوا ثلثي أجرهم. وقال القاضي: الحديث الذي فيه بما نال من أجر وغنيمة مطلق لأنه لم يقل فيه: إن الغنيمة تنقص الأجر، والحديث الثاني مقيد، وأما استدلالهم بغزوة بدر فليس فيه أنهم لو لم يغنموا لكان أجرهم على قدر أجرهم مع الغنيمة، وكونهم مغفوراً مرضياً عنهم لا يلزم منهم أن لا یکون فوقه مرتبة أخرى هي أفضل. ٢٨ _ بابٌ تَطَّوُّعُ قِيامِ رَمَضَانَ مِنَ الإِيمان أي: هذا باب. قوله: ((تطوع)) مرفوع بالابتداء مضاف إلى ما بعده، وخبره قوله: ((من الإيمان))، وفي بعض النسخ: باب تطوع قيام شهر رمضان. والتطوع: تفعل، ومعناه: التكلف بالطاعة والتطوع بالشيء: التبرع به. وفي الاصطلاح: التنفل، والمراد من القيام هو القيام بالطاعة في لياليه، وقد ذكرنا وجه تخلل باب الجهاد من الإيمان بين هذا الباب وباب قيام ليلة القدر من الإيمان. ورمضان في الأصل مصدر: رمض إذا احترق من الرمضاء، ثم جعل هذا علماً لهذا الشهر، ومنع الصرف: للتعريف والألف والنون، ولما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر. ٣٧/١ - حدثنا إسماعيلُ قال: حدّثني مَالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ محمَّيْدٍ بنِ عبدِ الرَّحْمَنِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنّ رسولَ اللَّهِ عَ لَّه قال: ((مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيماناً واحتساباً غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَلْبِهِ)). [انظر الحديث: وأطرافه: ٣٥]. مطابقة الحديث للترجمة من حيث إن مباشرة العمل الذي فيه غفران ما تقدم من الذنوب شعبة من شعب الإيمان، والتقدير في الباب: باب تطوع قيام رمضان شعبة من شعب الإيمان. بيان رجاله: وهم خمسة: الأول: إسماعيل بن أويس الأصبحي المدني، ابن أخت شيخه الإمام مالك. الثاني: مالك بن أنس. الثالث: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. الرابع: حميد بن عبد الرحمن بن عوف، أحد العشرة المبشرة بالجنة، أبو إبراهيم، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عثمان القرشي الزهري المدني، وأمه أخت عثمان بن عفان، أول المهاجرات من مكة إلى المدينة، قلت: اسمها أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، أخت عثمان لأمه، أخرج له البخاري هنا، وفي العلم، وفي غير موضع عن الزهري وسعد بن إبراهيم وابن أبي مليكة عنه، عن أبي هريرة وأبي سعيد وميمونة، وأخرج له أيضاً عن عثمان وسعيد بن زيد وغيرهما، سمع جمعاً من كبار الصحابة منهم أبواه وابن عباس وأبو هريرة، وعنه الزهري وخلائق من التابعين وثقه أبو زرعة وغيره، وكان كثير الحديث، مات سنة خمس وتسعين بالمدينة عن ثلاث وسبعين سنة، وقيل: سنة خمس ومائة وهو غلط. واعلم أن البخاري ومسلماً قد أخرجا لحميد بن عبد الرحمن الحميري البصري التابعي الفقيه، ولا i i i ١ i i i i ! F i i ٣٦٦ ٢ - کتابُ الإِيمانِ / باب (٢٨) يلتبس بهذا، وإن روي هذا عن ابن عباس وأبي هريرة أيضاً وغيرهما فاعلمه. وما قلت من إخراج البخاري لهذا جزم به الكلاباذي في كتابه، والمزي في (تهذيبه)، وقال الشيخ قطب الدين في شرحه عن الحاكم، والحميدي، وصاحب الجمع وعبد الغني وغيرهم أنهم قالوا: لم يخرج له شيئاً، ولم يخرج مسلم في (صحيحه) عنه عن أبي هريرة رضي الله عنه غير حديث: ((أفضل الصيام بعد رمضان)) الحديث ... فقط، وما عداه فهو من رواية ابن عوف، قال: وقد غلطوا الكلاباذي في دعواه إخراج البخاري له ووهموه، قال: ومما يدل على ذلك أنه لم يذكره أبو مسعود الدمشقي من رواية البخاري ولما ذكر النووي في (شرحه) لمسلم حديثه عن أبي هريرة قال: اعلم أن أبا هريرة يروي عنه اثنان كل منهما حميد بن عبد الرحمن: أحدهما هذا الحميري، والثاني الزهري. قال الحميدي في جمعه: كل ما في البخاري ومسلم حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة فهو الزهري إلاّ في هذا الحديث خاصة، فإن راويه عن أبي هريرة الحميري، وهذا الحديث لم يذكره البخاري في (صحيحه). قال: ولا ذكر الحميري في البخاري أصلاً، ولا في مسلم إلاَّ هذا الحديث، قلت: دعواه أن البخاري لم يذكره في (صحيحه) قد علمت ما فيه، وقوله: ولا في مسلم إلاَّ هذا الحديث، لیس بجید، فقد ذكره مسلم في ثلاثة أحاديث. أحدها: أول الكتاب حديث ابن عمر في القدر عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن الحميري قالا: لقينا ابن عمر وذكر الحديث. الثاني: في الوصايا عن عمرو بن سعيد عن حميد الحميري عن ثلاثة من ولد سعد أن سعداً ... فذكره. الثالث: فيها عن محمد بن سيرين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة وعن رجل آخر هو في نفسي أفضل من عبد الرحمن بن أبي بكرة، ثم ساقه من حديث قرة قال وسمى الرجل: حميد بن عبد الرحمن عن أبي بكرة: ((خطبنا رسول اللّه عَّ يوم النحر فقال؛ أي يوم هذا؟)) الحديث. فائدة: روى مالك عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن أن عمر وعثمان، رضي الله عنهما، كانا يصليان المغرب في رمضان، ثم يفطران. ورواه يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن حميد قال: رأيت عمر وعثمان ... فذكره قال الواقدي: حميد لم يسمع من عمر، رضي الله عنه، ولا رآه، وسنه وموته يدلان على ذلك، ولعله سمع من عثمان، رضي الله عنه، لأنه كان خاله لأمه، لأن أم مكتوم أخت عثمان، وكان يدخل على عثمان كما يدخل ولده. الخامس: أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر، رضي الله عنه. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث بصيغة الجمع وصيغة الإفراد والعنعنة. ومنها: أن رواته كلهم مدنيون. ومنها: أنهم أئمة أجلاء. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الصيام. وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة و(الموطأ) وآخرون. ٣٦٧ ٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٢٨) بيان الإعراب والمعاني: قوله: ((من))، مبتدأ وخبره قوله: ((غفر له))، وهما الشرط والجزاء، ومعنى من قام رمضان: من قام بالطاعة في ليالي رمضان، ويقال: يريد صلاة التراويح، وقال بعضهم: لا يختص ذلك بصلاة التراويح بل في أي وقت صلى تطوعاً حصل له ذلك الفضل، واتفق العلماء على استحباب التراويح، واختلفوا في الأفضل. فقال الشافعي وجمهور أصحابه وأبو حنيفة وأحمد وابن عبد الحكم من أصحاب مالك: أن حضورهما في الجماعة في المساجد أفضل، كما فعله عمر بن الخطاب والصحابة، رضي الله عنهم، واستمر المسلمون عليه. وقال مالك وأبو يوسف والطحاوي وبعض الشافعية وغيرهم: الإفراد بها في البيوت أفضل، لقوله عَّ له: «أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلاَّ المكتوبة)). قوله: ((إيماناً واحتساباً)) منصوبان على الحالية على تأويل مؤمناً ومحتسباً، وقد مر الكلام فيه في باب: قيام ليلة القدر من الإيمان، أي: مصدقاً ومريداً به وجه الله تعالى بخلوص النية. استنباط الأحكام: الأول: فيه حجة لمن جوز قول رمضان بغير إضافة شهر إليه، وهو الصواب، وسيجيء الكلام في بابه. الثاني: فيه الدلالة على غفران ما تقدم من الذنوب بقيام رمضان: ودل الحديث الماضي على غفرانها بقيام ليلة القدر، ولا تعارض بينهما، فإن كل واحد منهما صالح للتكفير، وقد يقتصر الشخص على قيام ليلة القدر بتوفيق الله له فيحصل ذلك. الثالث: ظاهر الحديث غفران الصغائر والكبائر، وفضل الله واسع، ولکن المشهور من مذاهب العلماء في هذا الحديث وشبهه كحديث غفران الخطايا بالوضوء، وبصوم يوم عرفة، ويوم عاشوراء ونحوه أن المراد غفران الصغائر فقط، كما في حديث الوضوء، ما لم يؤت كبيرة ما اجتنبت الكبائر. وقال النووي: في التخصيص نظر، لكن أجمعوا على أن الكبائر لا تسقط إلاَّ بالتوبة، أو بالحد. فإن قيل: قد ثبت في الصحيح هذا الحديث في قيام رمضان، والآخر في صيامه، والآخر في قيام ليلة القدر، والآخر في صوم عرفة: أنه كفارة سنتين، وفي عاشوراء أنه كفارة سنة، والآخر: رمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما، والعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما، والآخر: إذا توضأ خرجت خطايا فيه ... إلى آخره، والآخر: مثل الصلوات الخمس كمثل نهر ... إلى آخره، والآخر: من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ... ونحو ذلك، فكيف الجمع بينها؟ أجيب: إن المراد أن كل واحد من هذه الخصال صالحة لتكفير الصغائر، فإن صادفها كفرتها، وإن لم يصادفها فإن كان فاعلها سليماً من الصغائر لكونه صغيراً غير مكلف، أو موفقاً لم يعمل صغيرة، أو عملها وتاب، أو فعلها وعقبها بحسنة أذهبتها، كما قال تعالى: ﴿إِن الحسنات يذهبن السيئات﴾ [هود: ١١٤] فهذا يكتب له بها حسنات، ويرفع له بها درجات. وقال بعض العلماء: ويرجى أن يخفف بعض الكبيرة أو الكبائر. خوة i ـجوة i i. جدة. ٣٦٨ --. ٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٢٩ و٣٠) ٢٩ - بابٌ صَوْمُ رَمَضانَ اخْتِساباً مِنَ الإِيمانِ أي: هذا باب، قوله: ((صوم رمضان) كلام إضافي مرفوع بالابتداء، وخبره: قوله: ((من الإيمان)). قوله: ((احتساباً) حال بمعنى: محتسباً، أو مفعول له، أو تمييز، وفيه نظر، وإنما لم يقل: إيماناً واحتساباً، إما لأنه لما كان حسبة لله تعالى خالصاً له لا يكون إلاَّ للإيمان، وإما لأنه اختصره بذكره، إذ العادة الاختصار فى التراجم والعناوين؛ ووجه المناسبة بين البابين ظاهر. ٣٨/١ - حدّثنا ابنُّ سَلاَمِ قال: أُخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بُن فُضَيْلٍ قال: حدّثنا يحيى بنُ سَعيدٍ عِنْ أَبِي سَلَمَةً عِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ عَّلَّهِ: ((مَن صَامَ رَمَضانَ إيماناً واحتساباً غُفِرَ لهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَلْبِهِ)). [انظر الحديث: وأطرافه: ٣٥]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة لا تخفى. بیان رجاله: وهم خمسة: الأول: محمد بن سالم البیکندي، والصحیح تخفیف لامه، وقد مر ذكره. الثاني: محمد بن فضيل، بضم الفاء وفتح المعجمة، ابن غزوان بن جرير الضبي، مولاهم الكوفي، سمع السبيعي والأعمش وغيرهما من التابعين، وعنه الثوري وأحمد وخلق من الأعيان، قال أبو زرعة: صدوق من أهل العلم، مات سنة تسع وخمسين ومائة. الثالث: يحيى بن سعيد الأنصاري قاضي المدينة. الرابع: أبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنه. الخامس: أبو هريرة. وقد مر الكلام في ألفاظه عن قريب. ومعنى: من صام رمضان أي: في رمضان، أي: شهر رمضان. فإن قيل: هل يكفي أقل ما ينطلق عليه إسم الصوم حتى لو صام يوماً واحداً دخل الجنة؟ قلت: إنه لا يقال في العرف صام رمضان إلا إذا صام كله، والسياق ظاهر فيه. فإن قيل: المعذور كالمريض إذا ترك الصوم فيه، ولو لم يكن مريضاً لكان صائماً، وكان نيته الصوم لولا العذر هل يدخل تحت هذا الحكم؟. الجواب: نعم، كما أن المريض إذا صلى قاعداً لعذر له ثواب صلاة القائم، قاله العلماء. فإن قيل: كل من اللفظين وهما: إيماناً واحتساباً، يغني عن الآخر، إذ المؤمن لا يكون إلاَّ محتسباً، والمحتسب لا يكون إلاَّ مؤمناً، فهل لغير التأكيد فيه فائدة أم لا؟ الجواب: المصدق لشيء ربما لا يفعله مخلصاً بل للرياء ونحوه، والمخلص في الفعل ربما لا يكون مصدقاً بثوابه وبكونه طاعة مأموراً به سبباً للمغفرة ونحوه، أو الفائدة هو التأكيد، ونعمت الفائدة. ٣٠ - بابٌّ الدِّينُ يُشْرٌ الكلام فيه من وجوه. الأول: أن لفظة: باب، خبر مبتدأ محذوف مضاف إلى الجملة، أعني قوله: ((الدين يسر)) فإن قوله: الدين، مرفوع بالابتداء و: يسر، خبره. الثاني: وجه المناسبة بين البابين من حيث وجود معنى اليسر في صوم رمضان، وذلك أن صوم رمضان يجوز تأخيره عن وقته للمسافر والمريض، بخلاف الصلاة، ويجوز تركه بالكلية في حق ٠٠٠. ٣٦٩ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣٠) الشيخ الفاني مع إعطاء الفدية، بخلاف الصلاة، وهذا عين اليسر، وأيضاً فإنه شهر واحد في كل اثني عشر شهراً، والصلاة في كل يوم وليلة خمس مرات، وهذا أيضاً عين اليسر. الثالث: قوله: ((يسر)، أي: ذو يسر، وذلك لأن الالتعام بين الموضوع والمحمول شرط، وفي مثل هذا لا يكون إلاَّ بالتأويل، أو الدين يسر أي: عينه على سبيل المبالغة، فكأنه لشدة اليسر وكثرته نفس اليسر، كما يقال: أبو حنيفة فقه، لكثرة فقهه، كأنه صار عين الفقه، ومنه: رجل عدل. واليسر، بضم السين وسكونها: نقيض العسر، ومعناه: التخفيف، ثم كون هذا الدين يسراً يجوز أن يكون بالنسبة إلى ذاته، ويجوز أن يكون بالنسبة إلى سائر الأديان، وهو الظاهر، لأن الله تعالى رفع عن هذه الأمة الإصر الذي كان على من قبلهم، كعدم جواز الصلاة في المسجد، وعدم الطهارة بالتراب، وقطع الثوب الذي يصيبه النجاسة، وقبول التوبة بقتل أنفسهم ونحو ذلك. فإن الله تعالى من لطفه وكرمه رفع هذا عن هذه الأمة رحمة لهم، قال الله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨] فإن قلت: ما الألف واللام في الدين؟ قلت: للعهد، وهو دين الإسلام. وقال ابن بطال: المراد أن اسم الدين واقع على الأعمال لقوله: ((الدين يسر)، ثم بين جهة اليسر في الحديث بقوله: ((سددوا)، وكلها أعمال، واليسر: اللين والانقياد، فالدين الذي يوصف باليسر، والشدة إنما هي الأعمال. وَقَولُ النَّبِيِّ عَِّ أحَبُّ الدِّينِ إلى اللّهِ الحَنِيفَةُ السَّمْحَةُ فـ مقول)) مجرور لأنه معطوف على الذي أضيف إليه الباب، فالمضاف إليه مجرور، والمعطوف عليه كذلك، والتقدير: باب قول النبي مَله، وإنما استعمل هذا في الترجمة لوجهين. أحدهما: لكونها متقاصرة عن شرطه، أخرجه ههنا معلقاً ولم يسنده في هذا الكتاب، وإنما أخرجه موصولاً في كتاب (الأدب المفرد). والآخر: لدلالة معناه على معنى الترجمة، وأخرجه أحمد بن حنبل وغيره موصولاً من طريق محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس، رضي الله عنهما وإسناده حسن، وأخرجه الطبراني من حديث عثمان بن أبي عاتكة عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة بنحوه، ومن حديث عفير بن معدان عن سليم بن عامر عنه، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة في (مسنده)، وطرق هذا عن سبعة من الصحابة، رضي الله عنهم. i i i ٠٠٠ قوله: ((أحب الدين))، كلام إضافي مبتدأ بمعنى: المحبوبة، لا بمعنى: المحب، وخبره قوله: ((الحنيفية)) والمراد: الملة الحنيفية، فإن قيل: التطابق بين المبتدأ أو الخبر شرط، والمبتدأ ههنا مذكر والخبر مؤنث؟ قلت: كأن الحنيفية غلب عليها الإسمية حتى صارت علماً، أو أن أفعل التفضيل المضاف لقصد الزيادة على من أضيف إليه يجوز فيه الإفراد والمطابقة لمن هو له. فإن قلت: فيلزم أن تكون الملة ديناً، وأن تكون سائر الأديان أيضاً محبوباً إلى الله تعالى، وهما باطلان، إذ المفهوم من الملة غير المفهوم من الدين، وسائر 1341 3 i ٣٧٠ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣٠) الأديان منسوخة. قلت: قال الكرماني: اللازم الأول قد يلتزم، وأما الثاني فموقوف على تفسير المحبة، أو المراد بالدين الطاعة، أي: أحب الطاعات هي السمحة. قلت: لا يخلو الألف واللام في الدين أن يكون للجنس أو للعهد، فإن كان للجنس فالمعنى: أحب الأديان إلى الله الحنيفية، والمراد بالأديان الشرائع الماضية قبل أن تبدل وتنسخ، وإن كان للعهد فالمعنى: أحب الدين المعهود، وهو دين الإسلام، ولكن التقدير: أحب خصال الدين، وخصال الدين كلها محبوبة، ولكن ما كان منها سمحاً سهلاً فهو أحب إلى الله تعالى، ويدل عليه ما رواه أحمد في (مسنده) بسند صحيح من حديث أعرابي لم يسمه، أنه سمع رسول الله عَ ليه يقول: ((خير دينكم أيسره). والمراد بالملة الحنيفية: الملة الإبراهيمية، عليه الصلاة والسلام، مقتبساً من قوله تعالى: ﴿ملة إبراهيم حنيفاً﴾ [البقرة: ١٣٥، آل عمران: ٩٥، النساء: ١٢٥، الأنعام: ١٦١، النحل: ١٢٣] والحنيف عند العرب من كان على ملة إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، ثم سموا من اختتن وحج البيت: حنيفاً، والحنيف: المائل عن الباطل إلى الحق، وسمي إبراهيم، عليه الصلاة والسلام: حنيفاً لأنه مال عن عبادة الأوثان. قوله: ((السمحة)) بالرفع صفة: الحنيفية، ومعناها: السهلة، والمسامحة هي: المساهلة، والملة السمحة: التي لا حرج فيها ولا تضييق فيها على الناس، وهي ملة الإسلام. ٣٩/١ - حدّثنا عبدُ السَّلاَمِ بنُ مُطَهَّرٍ قال: حدّثنا عُمَرُ بنُ عَلِيٍّ عن مَعْنِ بنِ مُحَمَّدٍ الغِفَارِيِّ عن سَعِيدٍ بن أبيٍ سَعِيدِ المَغَّبُرِيِّ عن أَبِي هِرَيْرَةَ عن النَّبِيِّ عََّمْ قال: ((إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ ولَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إلاَّ غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بالغُدْوَةِ والرَّوْحَةِ وشيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ)). [الحديث ٣٩ - أطرافه في: ٥٦٧٣، ٦٤٦٣، ٧٢٣٥]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، وهي أنه أخذ جزء منه وبوب عليه، وأما المناسبة بينه وبين الحديث المعلق فهي أن المذكور فيه المحبة، فهي إما مجاز عن الاستحسان، يعني: أحسن الأديان هو الملة الحنيفية، والحديث المسند دل على الحسن، لأن فيه أوامر، والمأمور به سواء كان واجباً أو مندوباً حسن، وإما حقيقة عن إرادة إيصال الثواب إليه، وذلك في المأمور به واجباً أو مندوباً، إذ لا ثواب في غيره. بيان رجاله: وهم خمسة الأول: عبد السلام بن مطهر، بصيغة المفعول من التطهير بالطاء المهملة ابن حسام بن مصك بن ظالم بن شيطان، الأزدي البصري، وكنيته: أبو ظفر، بفتح الظاء المعجمة والفاء، روى عن جمع من الأعلام منهم شعبة، وروى عنه الأعلام منهم البخاري وأبو داود وأبو زرعة وأبو حاتم، وسئل عنه فقال: هو صدوق، توفي سنة أربع وعشرين ومائتين. الثاني: عمر بن علي بن عطاء بن مقدم، بفتح الدال المشددة، أبو حفص المقدمي البصري، والد عاصم ومحمد، وهو أخو أبي بكر، سمع جمعاً من التابعين منهم هشام بن عروة، وعنه خلق من الأعلام منهم ابنه عاصم وعمرو بن علي، وكان مدلساً، قال ابن سعد: كان ثقة وكان يدلس تدليساً شديداً، يقول: سمعت وحدثنا، ثم يسكت، ثم يقول: هشام بن عروة الأعمش. وقال عفان: كان رجلاً صالحاً، ولم يكونوا ينقمون عليه غير التدليس، ولم ١٣٠ ٣٧١ ٢ -- کتابُ الإِيمانِ / باب (٣٠) أكن أقبل منه حتى يقول: حدثنا، وقال البخاري: قال ابنه عاصم: مات سنة تسعين ومائة، روى له الجماعة. الثالث: معن، بفتح الميم وسکون العین المهملة، ابن محمد بن معن بن نضلة الغفاري الحجازي، سمع حميداً، وعنه جمع منهم ابن جريج، ذكره ابن حبان في ثقاته، روى له الجماعة والترمذي والنسائي وابن ماجة. الرابع: سَّعيد بن أبي سعيد واسم أبي سعيد: كيسان، المقبري المدني، أبو سعد، بسكون العين، روى عن جماعة من الصحابة، قال أبو زرعة: ثقة، وقال أحمد: لا بأس به، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث ولكنه كبر وبقي حتى اختلط قبل موته، وقدم الشام مرابطاً، وحدث ببيروت. وقال غيره: اختلط قبل موته بأربع سنين، توفي سنة خمس وعشرين ومائة، روى له الجماعة. الخامس: أبو هريرة، رضي الله عنه. i بيان الأنساب: الأزدي: نسبة إلى الأزد بن الغوث بن نبت بن ملكان بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، يقال له: الأزد بالزاي، و: الأسد، بالسین. والمقدمي: بضم الميم وفتح الدال: نسبة إلى مقدم أحد الأجداد، والغفاري، بكسر الغين المعجمة نسبة إلى غفار بن مليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. والمقبري، بفتح الميم وسكون القاف وضم الباء الموحدة، وقيل بفتحها، نسبة إلى: مقبرة بالمدينة كان مجاوراً لها، وقيل: كان منزله عند المقابر، وهو بمعنى الأول، وقيل: جعله عمر على حفر القبور، فلذلك قيل له: المقبري، حكاه الحربي وغيره، ويحتمل أنه اجتمع فيه ذلك كله: فكان على حفرها، ونازلاً عندها، والمقبري صفة لأبي سعيد والد سعيد المذكور، وكان مکاتباً لامرأة من بني لیٹ بن بکر. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة؛ ومنها: أن رواته ما بين مدني وبصري. ومنها: أن فيه رواية مدلس شديد بعن، ولكنه محمول على ثبوت سماعه من جهة أخرى، وكل ما كان في الصحيحين عن المدلسين بعن، فمحمول على سماعهم من جهة أخرى. بيان نوع الحديث: هو من أفراد البخاري عن مسلم. فإن قلت: قد قيل: فيه علتان: إحداهما: أنه رواية مدلس بالعنعنة. والأخرى: أنه رواية معن عن سعيد، وسعيد كان قد اختلط. قلت: الجواب عِن الأول ما ذكرته الآن، مع أنه صرح بالسماع من طريق أخرى، فقد رواه ابن حبان في (صحيحه) من طريق أحمد بن المقدام، أحد شيوخ البخاري، عن عمرو بن علي المذكور، قال: سمعت معن بن محمد فذكره، وهو من أفراد معن بن محمد وهو مدني ثقة قليل الحديث، لكن تابعه على شقه الثاني ابن أبي ذئب عن سعيد، أخرجه البخاري في كتاب الرقاق بمعناه، ولفظه: ((سددوا وقاربوا). وزاد في آخره: ((القصد القصد تبلغوا)) ولم يذكر شقه الأول، وله شواهد منها حديث عروة الفقيمي، بضم الفاء وفتح القاف، عن النبي ◌َّ﴾ قال: ((إن دين الله يسر)) رواه أحمد بإسناد حسن، ومنها: حديث بريدة، أخرجه أحمد «عليكم هدياً قاصداً فإنه من يشاد هذا الدين. : أيضاً بإسناد حسن. قال: قال رسول الله i i i i ٣٧٢ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣٠) يغلبه)). والجواب عن الثاني: أن سماع معن عن سعيد كان قبل اختلاطه، ولو لم يصح ذلك عند البخاري لما أودعه في كتابه الذي سماه (صحيحاً). فافهم. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرج البخاري طرفاً منه في الرقاق عن آدم بن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رفعه: ((لن ينجي أحداً منكم عمله! قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ((ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته، سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا وشيء من الدلجة والقصد تبلغوا). وأخرج النسائي أيضاً مثل حديث هذا الباب. بيان اللغات: قوله: ((ولن يشادَّ الدين)) من المشادة وهي: الغالبة من الشدة بالشين المعجمة، ويقال: شاده يشاده مشادة: إذا غالبه وقاواه، والمعنى: لا يتعمق أحدكم في الدين فيترك الرفق إلاَّ غلب الدين عليه، وعجز ذلك المتعمق وانقطع عن عمله كله أو بعضه، وأصل لن يشاد: ويشادد، أدغمت الدال الأولى في الثانية، ومثل هذه الصيغة مشترك بين بناء الفاعل وبناء المفعول، والفارق هو القرينة، وههنا يحتمل الوجهين على ما يجيء عن قريب، إن شاء الله تعالى. قوله: ((غلبه)) يقال: غلبه يغلبه غلباً بفتح الغين وسكون اللام، وغلباً بتحريكها، وغلبة بإلحاق الهاء وغلابية مثال علانية، وغلبة مثال حذقة، وغلبی بضمتين، مشددة الباء مقصورة، ومغلبة؛ وأما الغلب، بضم الغين فهو جمع غلباء، يقال: حديقة غلباء، وحدائق غلب، أي: غلاظ ممتلئة. قوله: ((فسددوا) من التسديد، بالسين المهملة، وهو: التوفيق للصواب وهو السداد والقصد من القول والعمل، ورجل مسدد إذا كان يعمل بالصواب والقصد، ويقال: معنى سددوا الزموا السداد، أي: الصواب من غير تفريط ولا إفراط. قوله: ((وقاربوا)) بالباء الموحدة لا بالنون، معناه: لا تبلغوا النهاية بل تقربوا منها، يقال: رجل مقارب بكسر الراء: وسط بين الطرفين. وقال التيمي: قاربوا إما أن يكون معناه: قاربوا في العبادة ولا تباعدوا فيها، فإنكم إن باعدتم في ذلك لم تبلغوه، وإما أن يكون معناه ساعدوا. يقال: قاربت فلاناً إذا ساعدته أي: ليساعد بعضكم بعضاً في الأمور، ويقال: معناه إن لم تستطيعوا الأخذ بالكل فاعملوا ما يقرب منه. وفي (العباب): قارب فلان فلاناً إذا ناغاه بكلام حسن، وفي حديث النبي، عليه الصلاة والسلام، قال: ((قاربوا وسددوا)) أي: لا تغلوا واقصدوا السداد وهو الصواب، وشيء مقارب، بكسر الراء، أي: وسط بين الجيد والرديء، ولا يقال: مقارب يعني بالفتح، وكذلك إذا كان رخيصاً. قوله: ((وأبشروا)) بقطع الهمزة من الإبشار أي: أبشروا بالثواب على العمل وإن قل، وجاء لغة: ابشروا، بضم الشين من البشرة بمعنى الإبشار. قوله: ((واستعينوا)). من الاستعانة، وهو طلب العون. قوله: ((بالغدوة)) بضم الغين المعجمة. وقال الكرماني، بفتح الغين، وتبعه على هذا بعض الشارحين، والصحيح ما ذكرناه: وهو سير أول النهار إلى الزوال. وقال الجوهري: الغدوة ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، والروحة، بفتح الراء، اسم للوقت من زوال الشمس إلى الليل، وفي (المحكم): الغدوة البكرة، وكذا الغداة، وقال الجوهري: يقال: أتيته غدوة غير مصروفة لأنها معرفة مثل: سحر، إلاَّ أنها من الظروف المتمكنة. تقول: سر على فرسك غدوة وغدوة وغدوة وغدوة، فما نوّن من هذا فهو نكرة، !- ٠ ٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٣٠) ٣٧٣ وما لم ينون فهو معرفة، والجمع: تُدى، ويقال: أتيتك غداة غد، والجمع: غدوات. انتهى. وقال ابن الأعرابي: غدية لغة في غدوة، كضحية لغة في ضحوة، والغدو جمع غدات نادر، وغدا عليه غدواً وغدواناً، واغتد أبكر، وغاده باكره، وغدوة من يوم بعينه غير منون: علم للوقت. وأما الرواح فذكر ابن سيده أنه العشي، ورحنا رواحاً وتروحنا: سرنا من ذلك الوقت أو عملنا. قوله: (من الدلجة))، بضم الدال، وإسكان اللام، كذا الرواية، ويجوز في اللغة فتحها، ويقال بفتح اللام أيضاً، وهي بالضم سير آخر الليل، وبالفتح سير الليل، وأدلج بالتخفيف: سير الليل كله، وبالتشديد سير آخر الليل، هذا هو الأكثر. وقيل: يقال فيهما بالتخفيف والتشديد، وقال ابن سيده: الدلجة سير السحر، والدلجة سير الليل كله والدلج. والدلجة، الأخيرة عن ثعلب: الساعة من آخر الليل، وأدلجوا ساروا الليل كله، وقيل: الدلج الليل كله من أوله إلى آخره، وأي ساعة سرت من الليل من أوله إلى آخره فقد أدلجت، على مثال: أخرجت، والتفرقة بين أدلجت وادلجت قول جميع أهل اللغة إلاّ الفارسي، فإنه حكى: أدلجت وادلجت لغتان في المعنيين جميعاً، وفي (الجامع): الدلجة والدلجة لغتان بمعنى، وهما سير السحر، وقال قوم: الدلجة سير السحر، والدلجة، بالفتح سير أول الليل، كلاهما بمعنى عند أكثر العرب، كما تقول: مضت برهة من الدهر وبرهة وتقول: أدلج الرجل يدلج إدلاجاً إذا سار من أول الليل، وأدلج إدلاجاً سار من آخره، وفي (الجمهرة): ساروا دُلجة من الليل أي: ساعة، وفي (المنتهى) لأبي المعاني: والاسم الدلج، بالتحريك، وجمع الدلجة: دلج، وغلط ابن درستويه ثعلباً في تخصيصه أدلج، بالتشديد، بسير أول الليل، وادلج، بالتخفيف، بسير آخره؛ قال: وأنهما عندنا جميعاً سير الليل في كل وقت من أوله وأوسطه وآخره، وهو أفعال وافتعال من: الدلج والدلج: سير الليل بمنزلة السرى، وليس واحد من هذين المثالين بدليل على شيء من الأوقات، ولو كان المثال دليلاً على الوقت لكان قول القائل: الاستدلاج بوزن الاستفعال، دليلاً لوقت آخر، وكان الاندلاج على الانفعال لوقت آخر، وهذا كله فاسد، ولكن الأمثلة عند جميعهم موضوعة لاختلاف معاني الأفعال في أنفسها لا لاختلاف أوقاتها، وأما وسط الليل وآخره وأوله وسحره وقبل النوم وبعده فمما لا يدل عليه الأفعال ولا مصادرها، وقد وافق قول كثير من أهل اللغة في ذلك، واحتجوا على اختصاص الإدلاج بسير آخره، بقول الأعشى: i i i i i وإدلاج بعد المنام وتهجير وقف وسبسب ورمال وقول زهير بن أبي سلمی: بكرن بكوراً وآدلجن بسحرة فهن لوادي الرأس كاليد للفم فلما قال الأعشى: وإدلاج بعد المنام، ظنوا أن الإدلاج لا يكون إلاَّ بعد المنام، ولما قال زهير: وادلجن بسحرة ظنوا أن الإدلاج لا يكون إلا بسحرة، وهذا وهم وغلط، وإنما كل 1٧٠ ٠٠٠٠ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣٠) ٣٧٤ واحد من الشاعرين وصف ما فعله هو وخصمه دون ما فعله غيره، ولولا أنه يكون بسحرة وبغير سحرة لما احتاج إلى ذكر سحرة، لأنه إذا كان الإدلاج بسحرة وبعد المنام فقد استغنى عن تقييده. قال: ومما يفسد تأويلهم أن العرب تسمي القنفذ: مدلجاً لأنه يدرج بالليل ويتردد فيه، لا لأنه من حيث لا يدرج إلاّ في أول الليل أو في وسطه أو في آخره أو فيه كله، لكنه يظهر بالليل في أي أوقاته احتاج إلى الدرج لطلب علف أو غير ذلك. انتهى كلامه. وفيه نظر من حيث إن أكثر اللغويين ذكروا الفرق بين اللفظين ولم ينشدوا البيتين، فيحتمل أن ذلك سماع عندهم، وهو الظاهر، وإن كانوا أخذو عن البيتين فما قاله ابن درستويه هو الصواب لأنه ليس فيهما دليل على ذلك، وأما قوله: إن الأفعال تختلف لاختلاف المعاني، معناه أن الأفعال هل دخلت لمعنى واحد، وهو تخصيص الحدث بزمان فقط، أو دخلت لهذا ولغيره من المعاني، فابن درستويه يزعم أنها ما دخلت إلاَّ لهذا المعنى فقط. وقال الشيخ أثير الدين أبو حيان، رحمه الله: إن الأستاذ أبا علي الشلوبين وغيره خالفوه وقالوا: الأفعال تختلف أبنيتها لاختلاف المعاني على الجملة، فالمعاني التي تختلف لها الأبنية ليست بمقصورة على شيء من المعاني دون شيء، فإذا لم تكن مقصورة على شيء دون شيء من المعاني فما الذي يمنع أن تكون الدلالة إذ ذاك على آخر الوقت أو أوله أو الوقت كله؟ قلت: الحدیث يؤيد قول ابن درستويه، وهو قوله عَّله: ((عليكم بالدلجة، فإن الأرض تطوی بالليل))، ولم يفرق - عليه السلام - بين أوله وآخره، وقال علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وجعل الادلاج في السحر: وفي الرواح على الحاجات والبكر اصبر على السير والإدلاج في السحر بيان الإعراب: قوله: ((إن الدين يسر)) مبتدأ وخبر دخلت عليها: إن، فنصبت المبتدأ. قوله: ((لن يشاد الدين)) كلمة: لن، حرف نفى ونصب واستقبال. وقوله: ((يشاد)) منصوب بها وليس له فاعل ((والدين)) مفعوله، قال القاضي: روي رفع الدین ونصبه، وهو من الأحاديث التي سقط منها شيء، يريد أنه سقط من هذا الحديث لفظ أحد، في الرواية. وقال صاحب (المطالع) ورواه ابن السكن بزيادة أحد، وعلى هذا: الدين، منصوب، وهو ظاهر. وأما على رواية الجمهور فالرفع على ما لم يسم فاعله، والنصب على إضمار الفاعل في: يشاد، للعلم به. وقال صاحب (المطالع): والرفع هو رواية الأكثر. وقال النووي: الأكثر في ضبط بلادنا النصب، والتوفيق بين كلاميهما بأن يحمل كلام (المطالع) على رواية المغاربة، وكلام النووي على رواية المشارقة. قلت: وفي بعض الرواية عن الأصيلي بإظهار: أحد، لن يشاد الدين أحد إلا غلبه، وكذا هو في رواية أبي نعيم وابن حبان والاسماعيلي وغيرهم. قلت: الأولى أن يرفع: الدين، على أنه مفعول ناب عن الفاعل، فحينئد يكون يشاد على صيغة المجهول، وقد قلنا إن هذه الصيغة يستوي فيها بناء المعلوم والمجهول، لأن هذا من باب المفاعلة، وعلامة بناء الفاعل فيه كسر ما قبل آخره، وعلامة بناء المفعول فيه فتح ما قبل آخره، وهذا لا يظهر في المدغم، ولا يفرق بينهما إلاّ بالقرينة، فافهم. قوله: ((فسددوا))، ١٣ ٣٧٥ ٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٣١) جملة من الفعل والفاعل، وهو: أنتم، المضمر فيه، ويمكن أن تكون: الفاء، جواب شرط محذوف، أي: إذا كان الأمر كذلك فسددوا، والجمل التي بعدها معطوفات عليها، و: الباء، في: بالغدوة، للاستعانة، والمعنى: استعينوا على الأعمال بهذه الأوقات المنشطة للعمل. قوله: (((وشيء من الدلجة)): أي: استعينوا بشيء، أي ببعض من الدلجة، وإنما قال: وشيء من الدلجة، ولم يقل: والدلجة، لمعنيين: أحدهما: التنبيه على الخفة، لأن الدلجة تكون بالليل، وعمل الليل أشق من عمل النهار، والآخر: أن الدلجة هو سير الليل كله عند البعض، واستغراق الليل كله صعب، فأشار بقوله: وشيء، إلى جزء يسير منه. ٠١٠ بيان المعاني والبيان: قوله: ((إن الدين يسر)) فيه: التأكيد بإن، رداً على منكر: يسر هذا الدين، على تقدير كون المخاطب منكراً، وإلاّ فعلى تقدير تنزيله منزلة المنكر، وإلاَّ فعلى تقدير المنكرين غير المخاطب، وإلاَّ فلكون القضية مما يهتم بها. قوله: ((ولن يشاد الدين)) فيه: حذف الفاعل للعلم به. قوله: ((فسددوا) فيه: حذف، أي: في الأمور، وكذلك في قوله: ((وقاربوا))، أي في العبادة، وكذلك في قوله: ((وأبشروا)) أي: بالثواب على العمل، وأبهم المبشر به للتنبيه على التعظيم والتفخيم، وفيه: استعارة الغدوة والروحة وشيء من الدلجة لأوقات النشاط، وفراغ القلب للطاعة، وكأنه - عليه السلام - خاطب مسافراً يقطع طريقه إلى مقصده فنبهه على أوقات نشاطه التي ترك فيها عمله، لأن هذه الأوقات أفضل أوقات المسافر، والمسافر إذا سار الليل والنهار جميعاً عجز وانقطع، وإذا تحرى السير في هذه الأوقات المنشطة أمكنته المداومة من غير مشقة. وقال الخطابي: معناه: الأمر بالاقتصاد في العبادة، أي: لا تستوعبوا الأيام ولا الليالي كلها بها، بل أخلطوا طرف الليل بطرف النهار، وأجمعوا أنفسكم فيما بينهما لئلا ينقطع بكم. ومن فوائده: الحض على الرفق في العمل لقوله، عليه الصلاة والسلام: ((اكلفوا من العمل ما تطيقون)) وقال الخطابي: هذا أمر بالاقتصاد وترك الحمل على النفس، لأن الله تعالى إنما أوجب عليهم وظائف من الطاعات في وقت دون وقت تيسيراً ورحمة. ومنها: التنبيه على أوقات النشاط. لأن الغدو والرواح والإدلاج أفضل أوقات المسافر وأوقات نشاطه، بل على الحقيقة: الدنيا دار نقلة وطريق إلى الآخرة، فنبه أمته أن يغتنموا أوقات فرصتهم وفراغهم. ٣١ - بابُ الصَّلاةُ مِنَ الإِيمانِ الكلام فيه على وجوه. الاول: إن قوله: باب، خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا باب، ويجوز فيه التنوين وتركه بإضافته إلى الجملة لأن قوله: ((الصلاة)) مرفوع بالابتداء، وخبره قوله: (من الإيمان)). أي: الصلاة شعبة من شعب الإيمان. الثاني: وجه المناسبة بين البابين من حيث إن من جملة المذكور في حديث الباب الأول الاستعانة بالأوقات الثلاثة في إقامة الطاعات، وافضل الطاعات البدنية التي تقام في هذه الأوقات الصلوات الخمس والأوقات 1 ١ i i i ٠٠٠٠ ٣٧٦ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣١) الثلاثة هي: الغدوة والروحة وشيء من الدلجة، فوقت صلاة الصبح في الغدوة، ووقت صلاة الظهر والعصر في الروحة، ووقت العشاء في جزء الدلجة، على قول من يقول من أهل اللغة: إن الدلجة سير الليل كله، ولما كان العبد مأموراً بالاستعانة بهذه الأوقات، وكانت هي أوقات الصلوات الخمس أيضاً، وهي من الإيمان، ناسب ذكرها عقيب هذه الأوقات التي يتضمنها الباب الذي قبل هذا الباب، على أن هذا الباب إنما ذكر بينه وبين هذا الباب استطراداً للوجه الذي ذكرناه هناك، وفي الحقيقة يطلب وجه المناسبة بين هذا الباب وباب صوم رمضان احتساباً من الإيمان وهو ظاهر، لأن كلا من الصلاة والصوم من أركان الدين العظيمة، ومن العبادات البدنية. الثالث: كون الصلاة من الإيمان ظاهر، ولا سيما على قول من يقول: الأعمال من الإيمان. وحديث ابن عمر، رضي الله عنهما: ((بني الإسلام على خمس)) ... الحديث. [البقرة: ١٤٣] وَقَوْلُ الله تعالى ﴿وما كان اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكَمْ﴾ يَغْنِي صَلاَكُمْ عندَ البَيْتِ لفظة: قول، يجوز فيه الوجهان من الإعراب، الجر، عطفاً على المضاف إليه أعني قوله: ((الصلاة من الإيمان) فإنها جملة إضيف إليها الباب على تقدير ترك التنوين فيه كما ذكرنا، والرفع عطفا على لفظة: الصلاة. ثم الكلام فيه على وجوه: الأول: هذه الآية من جملة الترجمة. لأن الباب مترجم بترجمتين: إحداهما قوله: الصلاة من الإيمان. والأخرى: قوله، وقول الله: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ [البقرة: ١٤٣] والمناسبة بين الترجمتين ظاهرة، لأن في الآية أطلق على الصلاة الإيمان على سبيل إطلاق الكل على الجزء، وبين ذلك بقوله: الصلاة من الإيمان، لأن كلمة: من، للتبعيض، والمراد: الصلاة من بعض الإيمان. الثاني: قال الواحدي في كتاب (اسباب النزول): قال ابن عباس، رضي الله عنهما، في رواية الكلبي: ((كان رجال من أصحاب رسول الله عَ لُه قد ماتوا على القبلة الأولى، منهم: سعد بن زرارة، وأبو أمامة أحد بني النجار، والبراء بن معرور أحد بني سلمة، فجاءت عشائرهم في أناس منهم آخرين، فقالوا: يا رسول الله توفي إخواننا وهم يصلون إلى القبلة الأولى، وقد صرفك الله تعالى إلى قبلة إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، فكيف بإخواننا في ذلك؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ [البقرة: ١٤٣] الآية. الثالث: قال ابن بطال: هذه الآية حجة قاطعة على الجهمية والمرجئة، حيث قالوا: إن الأعمال والفرائض لا تسمى إيماناً، وهو خلاف النص، لأن الله سبحانه وتعالى سمى صلاتهم إلى بيت المقدس إيماناً، ولا خلاف بين أهل التفسير أن هذه الآية نزلت في صلاتهم إلى بيت المقدس. قلت: لا يلزم من الاتفاق على نزولها في صلاتهم إلى بيت المقدس إطلاقها، وقال ابن إسحاق وغيره، في قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ [البقرة: ١٤٣] ١٠ وجو. ١٣٠ ٣٧٧ ٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٣١) بالقبلة الأولى، وتصديقكم نبيكم واتباعكم إياه إلى القبلة الأخرى، أي: ليعطينكم أجرها جميعاً. وقال الزمخشرى في (الكشاف): ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: ثباتكم على الإيمان، وأنکم لم تزلوا ولم ترتابوا، بل شكر صنيعكم وأعد لكم الثواب العظيم، ويجوز أن يراد: وما كان الله ليترك تحويلكم، لعلمه أن تركه مفسدة وإضاعة لإيمانكم، وقيل: من صلى إلى بيت المقدس قبل التحويل فصلاته غير ضائعة. انتهى. قلت: هذا ثلاثة أوجه. الأول: من قبيل إطلاق المعروض على العارض. الثاني: من قبيل الكناية، لأن التحويل ملزوم لإضاعة الإيمان. الثالث: من قبيل إطلاق الكل على الجزء، ثم: اللام، في قوله ﴿ليضيع﴾ [البقرة: ١٤٣] لتأكيد النفي، فإن قيل: المقام يقتضي أن يقال: إيمانهم، بلفظ الغيبة، أجيب: بأن المقصود تعميم الحكم للأمة: الأحياء والأموات، فذكر الأحياء المخاطبين تغليباً لهم على غيرهم، ولا يناسب وضع الآية في الترجمة إلا من الوجه الثالث، وهو الذي أشار إليه البخاري بقوله: يعني صلاتكم، حيث فسر الإيمان بالصلاة، وهكذا وقع هذا التفسير في رواية الطيالسي والنسائي من طريق شريك وغيره عن أبي إسحاق عن البراء في الحديث الذي أخرجه البخاري ههنا، فانزل الله تعالى ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: صلاتكم إلى بيت المقدس. الرابع: قوله ((عند البيت)) أراد به الكعبة، شرفها الله تعالى. وقال النووى: هذا مشكل، لأن المراد: صلاتكم إلى البيت المقدس، وكان ينبغي أن يقول: أي صلاتكم إلى بيت المقدس، وهذا هو مراده، فيتأول عليه كلامه. وقال بعض الشارحين المراد: إلى البيت يعني: بيت المقدس، أو الكعبة، لأن صلاتهم إليها إلى جهة بيت المقدس. قلت: إذا أطلق البيت يراد به الكعبة، ولم يقل أحد: إن البيت إذا اطلق يراد به القدس، أو أحدهما بالشك، وقال بعضهم: قد قيل: إن فيه تصحيفاً. والصواب: يعني صلاتکم لغیر البیت، ثم قال: وعندي أنه لا تصحیف فيه، بل هو صواب. بيان ذلك أن العلماء اختلفوا في الجهة التي كان النبي عَ له يتوجه إليها للصلاة وهو بمكة، فقال ابن عباس، رضي الله عنهما، وغيره: كان يصلي إلى بيت المقدس، لكنه لا يستدبر الكعبة، بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس، وهذا ضعيف، ويلزم منه دعوى النسخ مرتين، والأول أصح لأنه يجمع بين القولين، وقد صححه الحاكم وغيره من حديث ابن عباس، فكأنه - البخاري - أراد الإشارة إلى الجزم بالأصح من أن الصلاة لما كانت عند البيت كانت إلى بيت المقدس، واقتصر على ذلك اكتفاءً بالاولوية، لأن صلاتهم إلى غير جهة البيت وهم عند البيت إذا كانت لاتضيع فأحرى أن لا تضيع إذا بعدوا عنه. قلت: هذه اللفظة ثابتة في الأصول صحيحة ومعناها صحيح غير أنه اختصر في العبارة والتقدير يعني صلاتكم التي صليتموها إلى بيت المقدس عند البيت أي الكعبة فقوله عند البيت يتعلق بذلك المحذوف وقول هذا القائل واقتصر على ذلك اكتفاء بالأولوية ثم تطويله بقوله: لأن صلاتهم إلى آخره ... كلام يحتاج إلى دعامة، لأن دعواه أولاً بقوله: واقتصر على ذلك اكتفاء بالاولوية. ثم تعليله بقوله: لأن صلاتهم ... إلى آخره، لا تعلق له قط، لبيان تصحيح قول ٠٠٠ i i ١ i ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣١) ٣٧٨ البخاري: عند البيت، وتصحيحه بما ذكرناه، ونقله عن بعضهم أن فيه تصحيفاً، ثم قوله: وعندي أنه لا تصحيف فيه، وإن كان كذلك في نفس الأمر، لكن لو كان عنده الوقوف على معنى التصحيف كان يقول أولاً: مثل هذا لا يسمى تصحيفاً، وإنما يقال: مشكل كما قاله النووي أو نحو ذلك لان التصحيف هو أن يتصحف لفظ بلفظ، وهذا ليس كذلك، وقال الصغاني، رحمه الله: التصحيف الخطأ في الصحيفة، يقولون: تصحف عليه لفظ كذا، فعرفت أن من لم يعرف معنى التصحيف كيف يجيب عنه بالتحريف. ٤٠/١ - حدثنا عَمْرُو بِنُّ خالدٍ قال: حدّثنا زُهَيْرٌ قال: حدّثنا أبو إسحاقَ عن البَرَاءِ أنّ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم كان أوّلَ ما قَدِمَ الَمِدِينَةَ نَزَّلَ عَلَى أَجْدَادِهِ - أو قال: أَخْوالِهِ - مِن الأَنْصارِ وأنه صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ المِقْدِسِ سِنَّةَ عَشَرَ شَهْراً - أو سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْراً - وكان يُعْجِبُهُ أن تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ البَيْتِ، وأَنَّهُ صَلَّى أوّلَ صَلاَةٍ صَلاَها صَلاَةَ العَصْرِ وصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ على أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ راكِعُونَ فقال: أَشْهَدُ بِاللهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رسولِ الله عَّ قِبَلَ مَكّةَ، فَدَارُوا كَما هُمْ قِبَلَ البَيْتِ. وكانت اليَهُوِدُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كان يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِس وَأَهْلُ الْكِتَابِ، فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ البَيْتِ أَتْكَرُوا ذَلكَ. [الحديث ٤٠ - أطرافه في: ٣٩٩، ٤٤٨٦، ٤٤٩٢، ٧٢٥٢]. مطابقة الحديث للآية التي هي إحدى الترجمتين ظاهرة، ولكن لا تطابق لصدر الحديث الذي هو: إحدى روايتي زهير عن أبي إسحاق لقوله عَ: ((الصلاة من الإيمان)). وقول النووي: في الحديث فوائد: منها ما ترجم له، وهو كون الصلاة من الإيمان إشارة إلى آخر الحديث الذي هو الرواية الثانية لزهير عن أبي اسحاق. بيان رجاله: وهم أربعة: الأول: أبو الحسن عمرو، بفتح العين وسكون الميم، ابن خالد بن فروخ بن سعيد بن عبد الرحمن بن واقد ابن ليث بن واقد بن عبد الله الحنظلي الجزري الحراني، سكن مصر، وروى عن الليث وأبي لهيعة وغيرهما، وروى عنه البخاري، وانفرد به وابو زرعة وغيرهما، وروى ابن ماجة عن رجل عنه، قال أبو حاتم: صدوق. وقال العجلي: مصري ثبت ثقة، مات بمصر سنة تسع وعشرين ومائتين، ووقع في رواية القابسي عن عبدوس عن ابن زيد المروزي، وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني عمر بن خالد، بضم العين وفتح الميم، وهو تصحيف نبه عليه ابو علي الغساني وغيره، وليس في شيوخ البخاري من اسمه عمر بن خالد، ولا في رجاله كلهم، بل ولا رجال الكتب الستة، ولهم: عمرو بن خالد الواسطي المتروك، أخرج له ابن ماجة وحده، وعمرو بن خالد الكوفي منكر الحديث. الثاني: زهير، بصيغة التصغير، ابن معاوية بن حديج، بضم الحاء وفتح الدال المهملتين وبالجيم، ابن الرحيل، بضم الراء وفتح الحاء المهملة، ابن زهير بن خيثمة، بفتح الخاء المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الثاء المثلثة، ويكنى بأبي خيثمة الجعفي الكوفي، سكن الجزيرة، سمع السبيعي وحميد الطويل وغيرهما من التابعين وخلقاً من غيرهم، وعنه يحيى القطان وجمع من الأئمة، واتفقوا على جلالته وحسن لفظه وإتقانه، قال أبو زرعة: هو ثقة إلاّ أنه ٣٧٩ ٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٣١) سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط، توفي سنة اثنتين أو ثلاث وسبعين ومائة، وكان قد فلج قبله بسنة ونصف أو نحوهما، روى له الجماعة. الثالث: أبو إسحاق عمرو بن عبد الله بن علي، وقيل: عمرو بن عبد الله بن ذي يحمد الهمداني السبيعي الكوفي التابعي الجليل الكبير المتفق على جلالته وتوثيقه، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، رضي الله عنه، ورأى علياً وأسامة والمغيرة، رضي الله عنهم، ولم يصح سماعه منهم، وسمع ابن عباس وابن عمر وابن الزبير ومعاوية وخلقاً من الصحابة وآخرين من التابعين، وعنه التيمي وقتادة والأعمش وهم من التابعين، والثوري وهو أثبت الناس فيه، وخلق من الأئمة. قال العجلي: سمع ثمانية وثلاثين من الصحابة، وقال ابن المديني: روى عن سبعين أو ثمانين لم يرو عنهم غيره، مات سنة ست، وقيل: سبع، وقيل: ثمان، وقيل: تسع وعشرين ومائة. روى له الجماعة. الرابع: البراء، بتخفيف الراء وبالمد على المشهور، وقيل: بالقصر، وهو أبو عمارة، بضم العين، ويقال: أبو عمرو، ويقال: أبو الطفيل بن عازب بن الحارث بن عدي بن جشم بن مجدعة بن الحارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمر بن مالك بن أوس الأنصاري الأوسي، روي له عن رسول الله عَّ ثلاثمائة حديث وخمسة أحاديث، اتفقا منها على اثنين وعشرين، وانفرد البخاري بخمسة عشر، ومسلم بستة، استصغر يوم أحد مع ابن عمر، ثم شهد الخندق والمشاهد كلها، وافتتح الري سنة أربع وعشرين صلحاً أو عنوة، وشهد مع أبي موسى غزوة تسترِ، وشهد مع علي، رضي الله عنه، مشاهده، توفي أيام مصعب بن الزبير بالكوفة، روى له الجماعة. وأبوه عازب صحابي أيضاً، ذكره ابن سعد في (طبقاته) وليس في الصحابة: عازب، غيره، ولا فيهم: البراء بن عازب سوی ولده. ● مواد • جدة ٠ ٠٠ بيان الأنساب: الحنظلي: نسبة إلى حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم وفي جعفي أيضاً حنظلة بطن، وهو ابن كعب بن عوف بن حريم بن جعفي، والجزري: نسبة إلى الجزيرة ما بين الفرات ودجلة، قيل لها الجزيرة لأنها مثل الجزيرة من جزائر البحر، والحراني: نسبة إلى حران، مدينة في ديار بكر، واليوم خراب، والجعفي: بضم الجيم، نسبة إلى: جعفة بن سعد بن العشيرة بن مالك، ومالك هو جماع مذحج، والهمداني: بفتح الهاء وسكون الميم وبالدال المهملة نسبة إلى: همدان، وهو أوسلة بن مالك بن زيد اوسلة بن ربيعة بن الخيار، بالخاء المعجمة المكسورة، ابن ملكان، بكسر الميم، ضبطه ابن حبيب، وقيل: مالك بن زيد بن كهلان. والسبيعي، بفتح السين المهملة وكسر الباء الموحدة، نسبة إلى: السبيع جد القبيلة، وهو السبيع بن الصعب بن معاوية بن كبير بن حاشد بن جشم بن نوف بن همدان، وأبعد من قال: عرف أبو إسحاق بذلك لنزوله فيهم، وأغرب المزي حيث ذكره في الألقاب. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة. ومنها: ان رواته أئمة أجلاء. ومنها: أنهم أربعة فقط. فإن قيل: هذا معلول بعلتين. الأولى: أن زهيراً لم يسمع من أبي إسحاق إلاّ بعد الاختلاط، قاله أبو زرعة، وقال احمد: ثبت بخ بخ، لكن في حديثه عن أبي إسحاق لين، سمع منه بأخره. الثانية: أبو إسحاق مدلس ولم يصرح بالسماع. قلت: الجواب تج٠٠ ٣٨٠ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣١) عن الأولى: أنه لو لم يثبت سماع زهير منه قبل الاختلاط عن البخاري لما أودعه في (صحيحه) على أنه تابعه عليه عند البخاري إسرائيل بن يونس حفيده وغيره. وعن الثانية: أن البخاري روى في التفسير من طريق الثوري عن أبي اسحاق: سمعت البراء، فحصل الأمن من ذلك. فافهم. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري ههنا عن عمرو بن خالد، وأخرجه أيضاً في التفسير عن أبي نعيم، وأخرجه أيضا في التفسير. ومسلم أيضاً في الصلاة عن محمد بن المثنى، وأبي بكر بن خلاد، والنسائي أيضاً فيهما عن محمد بن بشار، ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد عن الثوري عن أبي إسحاق عنه. وأخرجه النسائي أيضاً في الصلاة، وفي التفسير عن محمد بن حاتم عن أبي نعيم عن حبان بن موسى عن عبد الله بن المبارك عن شريك بن عبد الله عن أبي إسحاق عنه، وأخرجه الترمذي في الصلاة وفي التفسير عن هناد عن وكيع عن إسرائيل بن يونس عن جده أبي إسحاق عنه، وقال: حسن صحيح، وأخرجه البخاري أيضاً في الصلاة عن عبد الله بن رجاء، وفي خبر الواحد عن يحيى عن وكيع كلاهما عنه به، وأخرجه النسائي أيضاً في الصلاة وفي التفسير عن محمد بن إسماعيل عن إبراهيم عن إسحاق بن يوسف عن المازري عن زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عنه. بيان اللغات: قوله: ((المدينة))، أراد بها مدينة الرسول عَّله، واشتقاقها إما من: مدن بالمكان، إذا قام به على وزن فعيلية، ويجمع على مدائن بالهمزة، وإما من: دان، أي: أطاع، أو من: دين، أي: ملك، فعلى هذا يجمع على: مداين، بلا همز كمعايش. ولها اسماء كثيرة: يثرب، وطيبة بفتح الطاء وسكون الياء آخر الحروف، وطابة، والطيب إما لخلوصها من الشرك أو لطيبها لساكنيها لأمنهم ودعتهم، وقيل: لطيب عيشهم فيها، وتسمى: الدار، أيضا للاستقرار بها. قوله: ((قبل بيت المقدس)) بكسر القاف وفتح الباء الموحدة، اي: نحو بيت المقدس وجهته، والمقدس، بفتح الميم وسكون القاف وكسر الدال، مصدر ميمي كالمرجع، أو اسم مكان من القدس، وهو: الطهر، أي المكان الذي يطهر فيه العابد من الذنوب، أو تطهر العبادة من الأصنام، وجاء فيه ضم الميم وفتح القاف والدال المشددة، وهو اسم مفعول من التقديس، اي: التطهير، وقد جاء بصيغة إسم الفاعل ايضاً لأنه يقدس العابد فيه من الآثام، وفي (العباب): القدس والقدس مثال: خلق وخلق الطهر، اسم مصدر، ومنه حظيرة القدس، وروح القدس جبريل - عليه السلام - قال الله تعالى: ﴿وأيدناه بروح القدس﴾ [البقرة: ٨٧ و٢٥٣] وقيل له: روح القدس، لأنه خلق من الطهارة، والقدس: البيت المقدس. قوله: ((أشهد بالله)) قال الجوهري: أشهد بالله أي: أحلف به. بيان الإعراب: قوله: ((كان أول ما قدم المدينة)) هذه الجملة خبر: إن، في محل الرفع، و: أول، نصب على الظرف، و: ما، مصدرية، تقديره: في أول قدومه المدينة عند الهجرة من مكة، وقدم، بكسر الدال مضارعة؛ يقدُّمَ بالضم، ومصدره: قدوم. وأما: قدَم، بالفتح، فمضارعه: يقدُم بالضم أيضاً، ومصدره: قُدوم، بضم القاف. قال تعالى: ﴿يقدُم قومه